← Тараджим

Тараджим · id 10525

إنباه الرواة على أنباه النحاة

جمال الدين القفطي

Полный текст (1 612 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وكان محمد بن عبد الله بن طاهر قد أجرى على ثعلب كما ذكرنا فى كلّ شهر ألف درهم، وعلى خليفته خمسمائة درهم، وعلى ختنه ثلاثمائة درهم. قال ثعلب: سألنى محمد بن زياد الأعرابىّ- ﵀: كم لك من الولد؟ فقلت: ابنة، وأنشدته «١»: لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب فى الليالى حندس الظّلم «٢» تهوى حياتى وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزّال على الحرم وكان ثعلب لا يكاد يجتمع مع المبرّد فى مجلس، للسبب الذى تقدّم ذكره، فإذا تلاقيا فى الطريق تواقفا وتساءلا- رحمهما الله. وكانت بنت أبى العباس قد استهلكت له ألف دينار من ألفى دينار، فطالبها بذلك أشدّ مطالبة، وأغلظ لها، وجمع عليها أصحابه، وناظرها بحضرتهم، فقالت له من وراء السّتر: أنت أعرف بموضع الدنانير، كان الوقت صيفا كما علمت، وكنت تخرج عنا بكرا «٣»؛ فإذا انتصف النهار ترجع إلينا؛ فتخلع ثيابك، وتقول: عندكم شىء نأكله؟ فتخرج إليك الجارية مائدة، عليها أرغفة سميذ؛ وقطعة من جدى أو دجاجة، أو بذج «٤»، وفضلة من جام «٥»، حلواء، فتأكل من ذلك، ولا تقول: من أين لكم هذا، فلا يزال ذلك دأبك، ولا تسأل عمّا يقدّم إليك، ولا عمّا ترى من الفاكهة والطّيبات؛ يا أصحابه، قولوا له: تلك الدنانير ذهبت فيما كنت تأكله ولا تسأل عنه؛ نأكل ونطعمك. فافترقا، وقد أوجبت عليه الحجّة، ولم يصل منها إلى درهم واحد.

стр. 177

وكان أبو العباس فى آخر عمره قد ثقل سمعه، وساء خلقه، ولمّا مات دفن فى باب الشام، فى حجرة اشتريت له، وبنيت بعد ذلك. وكان سبب وفاته- كما شاء الله- أنه كان يوم جمعة قد انصرف من الجامع بعد صلاة العصر، وكان يتبعه جماعة من أصحابه إلى منزله، فلما صار إلى درب بناحية باب الشام اتّفق أن ابنا لإبراهيم بن أحمد البادرانىّ «١» يسير على دابة، وخلفه خادم على دابة، وقد قلق واضطرب، وكان أبو العباس هذا قد صمّ، ما يكاد يسمع الكلام إلا بعد تعب، وكان فى يده دفتر ينظر فيه، وقد شغله عما سواه، فصدمته دابّة الخادم، وهو لا يسمع حسّها لصممه، فسقط على رأسه فى هوّة من الطريق قد أخذ ترابها، فلم يقدر على القيام، فحمل إلى منزله، وهو كالمختلط يتأوّه من رأسه، وكان سبب وفاته من ذلك- ﵀. قال ثعلب- ﵀: رأيت المأمون لمّا قدم من خراسان، وذلك سنة أربع ومائتين، وقد خرج من باب الحديد، وهو يريد قصر الرّصافة، والناس صفان إلى المصلّى. قال: فحملنى أبى على يده، فلما مر المأمون رفعنى على يده، وقال لى: هذا المأمون، وهذه سنة أربع، فحفظت ذلك عنه إلى الساعة، وكان سنى يومئذ أربع سنين. وله من الكتب والتصنيف: كتاب المصون. كتاب اختلاف النحويين «٢». كتاب معانى القرآن. كتاب الموفّقى «٣» فى مختصر النحو. كتاب ما تلحن فيه العامة. كتاب القراءات. كتاب معانى الشعر.

стр. 178

كتاب التصغير. كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف أو كتاب ما يجرى وما لا يجرى. كتاب الشواذ. كتاب الأمثال «١». كتاب الأيمان. كتاب الوقف والابتداء. كتاب استخراج الألفاظ [من الأخبار] «٢». كتاب الهجاء. كتاب الأوسط «٣». كتاب إعراب القرآن. كتاب المسائل. كتاب حدّ النحو. كتاب تفسير كلام ابنة الخسّ «٤». كتاب المجالس «٥». ٨٧ - أحمد بن يحيى بن سهل بن السّرىّ أبو الحسين الطائىّ المنبجىّ [١] الشاهد المقرئ النحوىّ. سكن دمشق، وكان وكيلا فى الجامع، وروى بها عن عدّة من المشايخ الذين روى عنهم، وروى عن الأدباء اللغويين، منهم

стр. 179

أبو العباس «١» أحمد بن فارس، وتوفّى بدمشق سنة خمس عشرة وأربعمائة، ووثّقوه فى روايته. ٨٨ - أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان بن المهاجر المصرىّ مولى قيسبة بن كلثوم السّومىّ [١] يكنى أبا عبد الله. كان عالما بالشعر والأدب والأخبار وأيام الناس والأنساب والفقه. وكان يجالس عبد الله بن وهب، وكان مولده فى سنة إحدى وسبعين ومائة. وتوفّى فى شوّال سنة خمسين ومائتين فى حبس ابن المدبّر صاحب الخراج- لخراج كان عليه- ودفن يوم الأحد لاثنتين وعشرين ليلة خلت من شوّال. ٨٩ - أحمد بن يعقوب بن يوسف الأصبهانىّ أبو جعفر النحوىّ المعروف ببزرويه [٢] غلام نفطويه. أصبهانىّ سكن بغداذ. روى عن أبى خليفة الفضل بن الحباب، ومحمد بن العباس اليزيدىّ، وتصدّر لإقراء النحو والعربية إلى أن مات فى رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. ذكر ذلك أبو بكر بن شاذان.

стр. 180

٩٠ - أحمد بن عبد الله بن شبيل بن الرّدينىّ أبو رياش بن أبى هاشم القيسىّ الرّبعىّ اللغوىّ اليمامىّ [١] هكذا نقلت نسبه. واليمامة: مدينة بالبادية من بلاد العوالى، «١» وكان من المتوسّعين فى الحفظ، حتى قيل إنه حفظ من اللغة خمسة آلاف ورقة، ومن الشعر عشرة آلاف بيت، وله شعر كان يحذو فيه حذو الأوائل. وكان بينه وبين ابن لنكك «٢» البصرىّ ملاحاة شديدة، وعداوة متباينة، وهجاه ابن لنكك، ولم يجبه أبو رياش، وكان منقطعا إلى الوزير أبى محمد الحسن بن محمد المهلّبىّ. وتوفّى فى سنة خمسين وثلاثمائة. ومن شعره يمدح أبا حامد ورقاء بن محمد بن ورقاء الشيبانىّ من قصيدة: إلى ماجد لم يبق فى الأرض مشرق ... ولا مغرب إلّا له فيه حامد فتى من بنى شيبان أوفى به العلا ... فأشرف خال لا يسامى ووالد ومنها: ترى الناس أفواجا إليه لكلّهم ... عليه من المعروف حاد وقائد فما ضلّ منتاب «٣» ولا خاف عائذ ... ولا ذيد «٤» هيمان ولا خاب رائد جميل المحيّا يجعل المال جنّة ... لأعراقه ما وحّد الله ساجد

стр. 181

٩١ - أحمد بن عبد الله بن عبد الجليل التّدميرىّ الأندلسىّ اللغوىّ أبو العباس [١] من أماثل النحاة واللغويين، عالم بالعربية واللغة، أديب فاضل، يدلّ على فضله شرحه لمقصورة أبى بكر بن دريد، فإنه أودعها علما جمّا من أنواع علم العربية، حتى إنه لم يشرحها أحد من العلماء كشرحه، وله فى خطبتها شعر يمدح به من صنّفها له، ومنه: إمام همام ما استمرّت مريرة «١» ... من الأمر إلا منذ كان أميره ٩٢ - إبراهيم بن عبد الله أبو إسحاق الغزّال الهمذانىّ اللغوىّ [٢] كان من أئمة اللّغة والعربية، وفيه فضل وأدب. أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ فى إجازته العامّة. قال: أنشدنى أبو القاسم الحسن بن الفتح بن حمزة الهمذانىّ قال: أنشدنى إبراهيم بن عبد الله الغزّال اللّغوىّ لنفسه، وكان يتبجّح «٢» بهما: والبرق فى الديجور أهطل مزنة «٣» ... أبدت نباتا أرضه كالزّرنب «٤» فوجدت بحرا فيه نار فوقه ... غيم يرى فيه كليل الغيهب «٥»

стр. 182

٩٣ - إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله بن ديسم أبو إسحاق الحربىّ [١] العالم الكامل، الفاضل، اللغوىّ، المحدّث. ولد فى سنة ثمان وتسعين ومائة. روى عن العالم الجمّ من العلماء، وروى عنه من الأدباء أبو بكر بن الأنبارىّ النحوىّ، [و] أبو عمر الزاهد صاحب ثعلب. وكان إماما فى العلم، رأسا فى الزهد، عارفا بالفقه، بصيرا بالأحكام، حافظا للحديث، قيّما بالأدب، جمّاعا للّغة. وصنّف كتبا كثيرة؛ منها: غريب الحديث، وهو أجلّ كتاب، وأكبر ما صنّف فى هذا النوع. «١» وكان أصله من مرو. قال: أمّى تغلبيّة، وكان أخوالى نصارى أكثرهم. وصحبت قوما من الكرخ على الحديث «٢» - وعندهم ما جاز قنطرة العتيقة «٣» من الحربيّة- فسمونى «الحربىّ» بذلك.

стр. 183

وورث أموالا كثيرة، فأنفقها على طلب الحديث. ومن زهده أنّه ما احتفل فى ملبسه ولا فى مأكله يوما قطّ، ولا شكا مرضا يجده إلى أحد من أهله. وأقام سنين ينظر بفرد عين، وما أعلم أحدا بذلك، وأفنى من عمره ثلاثين سنة لا يأكل سوى رغيفين؛ إن جاءته أمّه وأخته بهما، وإلا بات جوعان «١». واقتنع ثلاثين أخرى برغيف فى كلّ يوم، إن جاءه أكل، وإلا بات جوعان، وربّما مشى قطعة من زمانه بنصف رغيف وأربع عشرة تمرة. وغابت امرأته عنه عند بنته زائرة لمرضها، فكانت مؤنته فى الشهر بدرهم ودانقين «٢» ونصف. واشترى صابونا، ودخل الحمام بدانقين، فقامت نفقة الشهر- وهو رمضان- بدرهم وأربعة دوانق [ونصف]. وقال: «٣» ما كنا نعرف من هذه الصّباغ «٤» شيئا سوى باذنجانة مشوية، أو لعيقة بنّ، «٥» أو باقة فجل. وما تروّح بمروحة قط، ولا روّح، ولا أكل من شىء واحد فى يوم مرتين. وجاء إنسان «٦» إلى إبراهيم الحربىّ يشكو إليه ضائقة أدركته؛ فقال له إبراهيم: لا تقنط؛ فإن مع العسر يسرا، ولقد ضقت مرة حتى عدمنا القوت، فقالت لى امرأتى: إن الصبيّين لا يصبران على ما نصبر عليه، فأعطنى شيئا من كتبك

стр. 184

نبعه، ونتفرّج به، فشحّت نفسى بالكتب، وقلت لها: أمهلينى «١» بقيّة اليوم والليلة، فالله مرجوّ الفرج، فما دخل الليل حتى دقّ الباب، فقلت: من؟ قال: رجل، قلت: ادخل. قال أطف «٢» السراج؛ قال: فكببت على السراج شيئا، ودخل فوضع شيئا كان معه إلى جانبى، [وانصرف] «٣»، فرفعت الغطاء عن السّراج، فإذا شىء ملفوف، فكشفته فإذا هى أطعمة، وإذا فيها قرطاس فيه خمسمائة درهم، فقلت للمرأة: أنبهى الصّبيّين ليأكلا، وأوفى ما علينا من دين. فلما أصبحت جلست على باب الدار، وإذا رجل معه جملان محمّلان، وكان الحاجّ» الخراسانىّ قد قدم، وهو يسأل عن بيت إبراهيم الحربىّ، فقلت له: أنا إبراهيم، فقال: قد سيّر إليك رجل من خراسان هذين الحملين، وهما ورق خراسانىّ، فقلت: من هو؟ فقال: قد أحلفنى ألّا أذكر لك اسمه، فأخذتهما منه، ودعوت الله لمرسلهما وللحامل. وسيّر إليه المعتضد «٥» عشرة آلاف درهم، فلم يقبلها، فقيل له: فرّقها فى جيرانك، فقال للرسول: قل لأمير المؤمنين: هذا مال ما تعبنا فى جمعه، فلا نتعب فى تفريقه، فإن تركنا أمير المؤمنين، وإلا رحلنا من جواره. وسيّر إليه المعتضد وهو مريض ألف دينار، فلم يقبلها وردّها، فخاصمته بنته، فقال لها: أتخشين إذا متّ الفقر؟ فقالت: نعم. قال لها: فى تلك الزاوية اثنا عشر ألف جزء حديثية ولغويّة وغير ذلك، كتبتها بخطّى، فبيعى منها كلّ يوم جزءا بدرهم. ومن له اثنا عشر ألف درهم ليس بفقير!

стр. 185

وقال ثعلب: ما فقدت إبراهيم الحربىّ من مجلس لغة أو نحو خمسين سنة. وقال له رجل- وقد رأى كتبه: كيف قويت على جمعها؟ فغضب إبراهيم وقال: بلحمى ودمى، وبلحمى ودمى!. ومات إبراهيم الحربىّ- ﵀ يوم الاثنين لسبع بقين من ذى الحجة، ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من ذى الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين. وصلّى عليه يوسف بن يعقوب القاضى فى شارع باب الأنبار، وكان الجمع كثيرا جدا. وكان يوم مطر، وحمل ودفن فى بيته. ٩٤ - إبراهيم بن إسماعيل الطرابلسىّ اللغوىّ المغربىّ الإفريقىّ المعروف بابن الأجدابىّ [١] من أهل اللغة، وممن تصدّر فى بلده، واشتهر بالعلم. وأجدابية «١»: قرية من قرى إفريقية ينسب سلفه إليها، وكانت له يد جيّدة فى اللغة وتحقيقها وإفادتها، وهو متأخر، وصنّف فى اللغة مقدّمة لطيفة، سماها كفاية المتحفّط يشتغل بها الناس فى الغرب ومصر «٢». ٩٥ - إبراهيم بن أحمد بن محمد أبو إسحاق الطبرىّ النحوىّ [٢] يعرف بتيزون «٣». كان من أهل الفضل والأدب، وسكن بغداذ، وصحب أبا عمر الزاهد صاحب ثعلب، وأخذ عنه وعن غيره علما كثيرا «٤». وذكر أبو القاسم بن

стр. 186

الثّلّاج أنه حدّثه عن إبراهيم بن عبد الوهاب الأبزارىّ «١» الطبرىّ صاحب أبى حاتم السّجستانىّ، وكان يكتب خطا حسنا صحيحا، ينافس فى تحصيله الرّغبة فى الأدب. نقلت من خط ابن الرّزّاز «٢» البغداذىّ فى الوفيات التى جمعها «وفيها- يعنى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة- توفى أبو إسحاق الطبرىّ النحوىّ- يعرف بتيزون- وذلك فى جمادى الأولى». ٩٦ - إبراهيم بن السرىّ بن سهل أبو إسحاق الزّجّاج النحوىّ [١] صاحب كتاب معانى القرآن «٣». كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، وله مؤلّفات حسان فى الأدب. قال أبو محمد بن درستويه النحوىّ: حدّثنى الزّجاج قال: كنت أخرط الزّجاج، فاشتهيت النحو، فلزمت المبرّد لتعلّمه- وكان لا يعلّم مجانا، ولا يعلّم

стр. 187

بأجرة إلا على قدرها- فقال لى: أىّ شئ صناعتك؟ قلت: ألخرط الزجاج، وكسبى فى كل يوم درهم ودانقان، أو درهم ونصف، واريد أن تبالغ فى تعليمى، وأن أعطيك كلّ يوم درهما، وأشرط لك أنى أعطيك إياه أبدا، إلى أن يفرق الموت بيننا: استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه. قال: فلزمته، وكنت أخدمه «١» فى أموره مع ذلك، فأعطيه الدرهم، فينصحنى فى العلم حتى استقللت، فجاءه كتاب بعض بنى مارمة «٢» من الصّراة «٣»، يلتمسون معلّما نحويّا لأولادهم، فقلت: أسمنى لهم، فأسمانى، فخرجت، فكنت أعلّمهم، وأنفذ إليه فى كل شهر ثلاثين درهما، وأتفقّده بعد ذلك بما أقدر عليه. ومضت مدة على ذلك، فطلب منه عبيد الله بن سليمان «٤» مؤدّبا لابنه القاسم. فقال له: لا أعرف لك إلا رجلا زجّاجا بالصّراة، مع بنى مارمة. قال: فكتب إليهم عبيد الله، فاستنزلهم عنى، فنزلوا له، فأحضرنى، وأسلم القاسم إلىّ. فكان ذلك سبب غناى، وكنت أعطى المبرّد ذلك الدرهم فى كلّ يوم إلى أن مات، ولا أخليه من التفقّد معه بحسب طاقتى. وحكى أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عيّاش القاضى: حدثنى أبو إسحاق الزّجاج قال: كنت أؤدّب القاسم «٥» بن عبيد الله فأقول له: إن بلّغك الله مبلغ أبيك، وولّيت الوزارة ماذا تصنع بى؟ فيقول: ما أحببت، فأقول له: تعطنى عشرين ألف

стр. 188

دينار- وكانت غاية أمنيّتى- فما مضت إلا سنون حتى ولى القاسم الوزارة، وإنّى على ملازمتى له، وقد صرت نديما له، فدعتنى نفسى إلى إذكاره بالوعد؛ ثم هبته، فلما كان فى اليوم الثالث من وزارته قال لى: يا أبا إسحاق، لم أرك أذكرتنى بالنّذر! فقلت: عوّلت على رعاية الوزير- أيّده الله- وأنّه لا يحتاج إلى إذكار لنذر عليه فى أمر خادم واجب الحق، فقال لى: إنه المعتضد، ولو لاه «١» ما تعاظمنى دفع ذلك كلّه إليك فى مكان واحد، ولكن أخاف أن يصير لى معه حديث، فاسمح لى بأخذه متفرّقا، فقلت: يا سيدى افعل. فقال: اجلس للناس، وخذ رقاعهم فى الحوائج الكبار؛ واستجعل «٢» عليها، ولا تمتنع من مسألتى شيئا تخاطب فيه، صحيحا كان أو محالا، إلى أن يحصل لك مال النّذر. قال: ففعلت ذلك، وكنت أعرض عليه كلّ يوم رقاعا، فيوقّع فيها، وربما قال لى: كم ضمن لك على هذا؟ فأقول: كذا وكذا، فيقول: غبنت! هذا يساوى كذا وكذا، ارجع فاستردّ، فأراجع القوم، فلا أزال أماكسهم «٣» ويزيدوننى، حتى أبلغ الحدّ الذى رسمه. قال: وعرضت عليه شيئا عظيما، فحصلت عندى عشرين ألف دينار وأكثر منها فى مديدة. فقال لى بعد شهور: يا أبا إسحاق، حصل مال النّذر؟ فقلت: لا، فسكت، وكنت أعرض عليه؛ فيسألنى فى كل شهر أو نحوه: هل حصل المال؟ فأقول: لا، خوفا من انقطاع الكسب، إلى أن حصل عندى ضعف ذلك المال. وسألنى يوما، فاستحييت من الكذب المتّصل، فقلت: قد حصل ذلك ببركة الوزير، فقال: فرّجت والله عنى، فقد كنت مشغول القلب إلّا أن يحصل لك.

стр. 189

قال: ثم أخذ الدواة، فوقّع لى إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة، فأخذتها، وامتنعت أن أعرض عليه شيئا، ولم أدر كيف أقع منه، فلما كان من غد جئته، وجلست على رسمى، فأومأ إلىّ: هات ما معك؛ يستدعى منى الرّقاع على الرسم، فقلت: ما أخذت من أحد رقعة؛ لأن النّذر قد وقع الوفاء به- ولم أدر كيف أقع من الوزير- فقال: يا سبحان الله! أترانى كنت أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة، وعلم به الناس، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه، وغدوّ إلى بابك ورواح، ولا يعلم سبب انقطاعه، فيظنّ ذلك لضعف جاهك عندى، أو تغيّر رتبتك! اعرض علىّ على رسمك، وخذ بلا حساب. فقبّلت يده، وباكرته من غد بالرقاع، فكنت أعرض عليه كلّ يوم شيئا إلى أن مات، وقد تأثّلت حالى هذه- ﵀. قال أبو على الفارسىّ: دخلت مع شيخنا أبى إسحاق الزجّاج على القاسم بن عبيد الله الوزير، فورد إليه خادم، وسارّه بشىء استبشر له، ثم تقدّم إلى شيخنا أبى إسحاق بالملازمة إلى أن يعود، ثم نهض، فلم يكن بأسرع من أن عاد، وفى وجهه أثر الوجوم «١»، فسأله شيخنا عن ذلك، لأنس كان بينه وبينه، فقال له: كانت تختلف إلينا جارية لإحدى المغنيات، فسمتها «٢» أن تبيعنى إياها، فامتنعت من ذلك، ثم أشار عليها أحد من ينصحها بأن تهديها إلىّ، رجاء أن أضاعف لها ثمنها، فلما وردت أعلمنى الخادم بذلك، فنهضت مستبشرا لافتضاضها، فوجدتها قد حاضت، فكان منّى ما ترى. فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه وكتب: فارس ماض بحربته ... حاذق بالطّعن فى الظّلم رام أن يدمى فريسته ... فاتّقته من دم بدم

стр. 190

وذكر أنه جرى بين الزّجاج وبين «١» مسينة- وكان من العلماء- شرّ استحكم حتى خرج الزّجاج إلى حدّ الشتم، فكتب إليه مسينة: أبى الزجّاج إلا شتم عرضى ... لينفعه فآثمه «٢» وضرّه وأقسم صادقا ما كان حرّ ... لينطق لفظه فى شتم حرّه ولو أنى كررت لفرّ منى ... ولكن للمنون علىّ كرّه فأصبح قد وقاه الله شرّى ... ليوم لا وقاه الله شرّه فلما اتصل هذا بالزجاج قصده معتذرا إليه، وسأله الصفح. واجتاز يوم نيروز بشارع الأنبار راكبا، فصبّ عليه بعض الصبيان ماء، فأنشأ يقول، وهو ينفض رداءه من الماء: إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير فى وجه إذا قلّ ماؤه وسأل الجماعة «٣»، فقيل هو الزجّاج. قال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوىّ: توفّى أبو إسحاق إبراهيم بن السرىّ الزجّاج النحوىّ فى جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. وقال غيره مات يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من الشهر، وقيل: توفى ببغداذ فى سنة ست عشرة وثلاثمائة، وقد أناف على الثمانين. وكان الزجّاج نديما للمكتفى. وقال الأوارجىّ «٤» الكاتب: وحدّثنى بعض أصحابنا أن الزجّاج قال: لازمت خدمة عبيد الله بن سليمان الوزير ملازمة قطعتنى عن أبى العباس المبرّد وعن برّه

стр. 191

وإجرائى عليه ما كان تعوّده منى، ثم مضيت إليه يوما، فقال لى: هل يقع حسد الإنسان إلا من نفسه؟ فقلت: لا، قال: فما معنى قول الله : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ، فلم أدر ما وجه ذلك، فقال: ينبغى أن تعلم أن هاهنا أشياء قد بقيت عليك، فاعتذرت إليه، ووعدته بالرجوع إلى ما تعوّده منى «١». وكانت «٢» درجة الزجاج قد ارتفعت، ونادم المعتضد. وسبب اتصاله به أن بعض الندماء وصف للمعتضد كتاب جامع النطق الذى عمله محمد «٣» النّديم، وهو محمد بن يحيى [بن أبى عبّاد] «٤»، ويكنى أبا جعفر، واسم أبى عباد «٥» جابر «٦» بن يزيد بن الصباح العسكرىّ، وكان حسن الأدب، ونادم المعتضد، وجعل كتابه جداول، فأمر المعتضد قاسم بن عبيد الله أن يتطلّب من يفسّر تلك الجداول، فبعث إلى ثعلب، وعرضه عليه، فلم يتوجّه إلى حساب الجداول، وقال: لست أعرف هذا، فأعطى للزجاج ففكّه، وتقدّم به، وصار له به رزق فى الفقهاء، ورزق فى الندماء «٧».

стр. 192

وله من التصانيف كتاب ما فسّر من جامع النطق. كتاب معانى القرآن. كتاب الاشتقاق. كتاب القوافى. كتاب العروض. كتاب الفرق. كتاب خلق الإنسان. كتاب خلق الفرس. كتاب مختصر فى النحو. كتاب فعلت وأفعلت. كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف. كتاب شرح أبيات سيبويه. كتاب النوادر. كتاب الأنواء. وذكر أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدىّ الأصل، البصرىّ المنشأ، أحد أئمة الأدب، قال: حدّثنى أبو إسحاق الزجّاج، قال: كنا ليلة بحضرة القاسم بن عبيد الله نشرب- وهو وزير- فغنّت بدعة جارية عريب: أدّل فأكرم به من مدلّ ... ومن ظالم لدمى مستحلّ إذا ما تعزّز قابلته ... بذلّ وذلك جهد المقلّ فأدّت فيه صنعة حسنة جدا، فطرب القاسم عليه طربا شديدا لجودة الصنعة والشعر، وأفرط، فقالت له بدعة: يا مولاى! إن لهذا الشعر خبرا حسنا، أحسن منه، قال: وما هو؟ قال: هو لأبى خازم القاضى. قال: فعجبنا من ذلك؛ من شدّة تقشف أبى خازم وورعه وتقبّضه «١»، فقال الوزير: بالله يا أبا إسحاق، اركب إلى أبى خازم، واسأله عن هذا الشعر وسببه، فباكرته، وجلست حتى خلا وجهه، ولم يبق إلا رجل بزىّ القضاة، عليه قلنسوة، فقلت له: بيننا شىء أقوله على خلوة، فقال: ليس هذا ممّن أكتمه شيئا، فقصصت عليه الخبر، وسألته عن الشعر والسبب، فتبسم، وقال: هذا شىء قلته فى الحداثة، فى والدة هذا- وأومأ إلى القاضى الجالس، وإذا هو ابنه- وكنت إليها مائلا، وكانت لى مملوكة، فأمّا الآن فلا عهد لى بمثله منذ سنين، ولا عملت شعرا منذ دهر طويل، وأنا أستغفر الله مما مضى.

стр. 193

قال: فوجم الفتى حتى ارفضّ عرقا، وعدت إلى القاسم فأخبرته، فضحك من خجل الابن، وكنّا نتعاود ذلك زمانا. ٩٧ - إبراهيم بن سفيان الزّيادىّ [١] ورأيت فى بعض كتب المغاربة «سفيان»، وقد سماه «شقيرا»، وهو تصحيف، وإنما هو سفيان الزيادىّ أبو إسحاق النحوىّ. قال أبو العباس المبرّد: هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان بن سلم بن [أبى] «١» بكر ابن عبد «٢» الرحمن بن زياد بن أبيه. هكذا نسبه المبرّد. وكان الزيادىّ قرأ كتاب سيبويه ولم يتممه. وقرأ على الأصمعىّ، وعلى غيره. قال الزيادىّ: قرأت على الأصمعىّ هذا البيت: «٣» أغنيت شأنى فأغنوا اليوم شأنكم «٤» ... واستحمقوا فى مراس الحرب أو كيسوا «٥» فصحّفت، فقلت: «أغنيت شاتى»، فقال الأصمعىّ: «فاغنوا اليوم تيسكم». قال ابن السّكّيت: قال أبو الحسن: «٦» الزيادىّ نسيج وحده، «٧» الذى ينفرد برأيه، ولا يكاد يخطئ؛ وهو مدح من مدائح الرجال.

стр. 194

وقال محمد بن إسحاق النديم فى كتابه: «١» «الزيادىّ، هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان ابن أبى بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه، قرأ على الأصمعىّ وغيره من العلماء». وله من الكتب: كتاب إخراج نكت كتاب سيبويه. كتاب الأمثال. كتاب النّقط والشكل. كتاب تنميق الأخبار. كتاب أسماء السحاب والرياح والأمطار. ٩٨ - إبراهيم بن زادرة أبو إسحاق السّجلماسىّ [١] كان من العلماء المتقدّمين فى علم النحو واللغة، أديبا فاضلا، وله شعر. أنبأنا الحافظ أبو طاهر السّلفىّ فى إجازته العامة قال: «٢» أخبرنا أبو شاكر أحمد بن محمد العثمانىّ، قال: أنشدنى أبو عبد الله محمد بن على بن زياد السّجلماسىّ المجاور بمكة- شرفها الله تعالى- بباب دار العجلة، قال: أنشدنى إبراهيم بن زادرة النحوىّ بسجلماسة لنفسه. زعموا أن من تباعد يسلو ... ولقد زادنى التباعد وجدا إنّ وجدى بكم وإن طال عهدى ... وجد يعقوب حين أصبح فردا ٩٩ - إبراهيم بن سعيد بن الطيب أبو إسحاق الرفاعىّ [٢] من عبد القيس، من ربيعة الفرس. أخبرنا أبو طاهر السّلفىّ، قال: سألت أبا الكرم «٣» خميس بن على بن أحمد الحوزىّ «٤» عن أبى إسحاق الرّفاعىّ فقال: هو من عبد القيس.

стр. 195

وكان ضريرا، قدم صبيا ذا فاقة إلى واسط، فدخل الجامع، وجلس فى حلقة عبد الغفار الحضينىّ، «١» فتلقّن القرآن، وكان معاشه من أهل الحلقة، ثم أصعد «٢» إلى بغداذ، فصحب أبا سعيد السّيرافىّ، وقرأ عليه شرح كتاب سيبويه، وسمع منه كتب اللغة والدواوين، وعاد إلى واسط، وقد مات عبد الغفار، فجلس صدرا يقرئ الناس فى الجامع. ونزل محلّة الزّيدية «٣» من واسط، وهناك تكون الشّيعة، فنسب إلى مذهبهم، ومقت على ذلك، وجفاه الناس. «٤» وكان شاعرا حسن الشعر جيّده. قال أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوىّ، أنشدنى أبو إسحاق الرفاعىّ لنفسه: وأحبّة ما كنت أحسب أنّنى ... أبلى بينهم فبنت وبانوا نأت المسافة فالتذكّر حظّهم ... منّى وحظّى منهم النسيان

стр. 196

١٠٠ - إبراهيم بن سعدان بن حمزة الشيبانىّ [١] ذكره ابن عليل العنزىّ، «١» ونسبه هذه النسبة. وكان إبراهيم بن سعدان يؤدّب المؤيّد «٢»، وكان ذا منزلة عنده. وقال ابن أبى طاهر: كان إبراهيم بن سعدان النحوىّ يؤدّب ولد المؤيّد بسرّ من رأى، ومنزله بقرب دار وصيف التركىّ، فلما استتر صالح بن وصيف فى أيام المهتدى هجم الأتراك على منزله لطلب صالح، فلم يجدوه فيه. وقال أحمد بن محمد بن حسان فى حمار إبراهيم بن سعدان: ألا أيّها العير «٣» المصرّف لونه ... بلونين فى قرّ الشتاء وفى الصيف هلمّ وقال الله من كل آفة ... إلى مجد مولاك الشفيق على الضّيف ١٠١ - إبراهيم بن صالح أبو إسحاق النيسابورىّ الورّاق الأديب [٢] كان من مذكورى الأدباء بنيسابور، وهو تلميذ أبى نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهرىّ، ومن شعره يهجو ابن زكريا المتكلّم الأصفهانىّ:

стр. 197

أبا أحمد يا أشبه الناس كلّهم ... خلاقا وخلقا بالرّخال «١» النواسج «٢» لعمرك ما طالت بتلك اللّحى لكم ... حياة ولكن بالعقول الكواسج «٣» وقال فى معنى دود القزّ: وبنات جيب ما انتفعت بعيشها ... ووأدتها «٤» فنفعننى بقبور ثم انبعثن عواطلا فإذا لها ... قرن الكباش إلى جناح طيور ١٠٢ - إبراهيم بن عبد الله أبو إسحاق البغداذىّ النحوىّ النّجيرمىّ [١] ونجيرم التى ينسب إليها هى محلّة بالبصرة؛ قاله الإمام أبو سعد السمعانىّ. وأقول أنا: إنّ نجيرم قرية على ساحل البحر الهندىّ، فى طريق فارس من البصرة، وهى وسيراف على هذا المجرى، وأهل اللغة اليوم يسمونها نيرم، فإن كان أحد من أهلها استوطن البصرة، فعرفت محلّتهم بهذا الاسم فيمكن، وإلا فالمشهور ما ذكرته. صحب إبراهيم بن عبد الله هذا أبا اسحق إبراهيم بن السرىّ الزجّاج، وأخذ عنه وأكثر، ونبغ فيمن نبغ من تلاميذه، وكان حسن الرواية، جميل التصنيف، حلو الشعر، ورحل عن بغداذ إلى مصر فى أيام كافور الإخشيدىّ، وكان كافور يعرف

стр. 198

قدره، ويكثر برّه، وكان يتّجر فى الخشب، ويكتسب منه، وتبعه على ذلك جماعة من أهل بيته. حضر يوما عند كافور، ودخل أبو الفضل بن عيّاش، «١» فدعا أبو الفضل لكافور بأن قال: «أدام الله أيام مولانا»، بخفض أيام، فتبسم كافور، ونظر إلى أبى إسحاق النّجيرمىّ- وقد فطن للّحن- فقام أبو إسحاق النّجيرمىّ، وأنشد ارتجالا: لا غرو أن لحن الداعى لسيدنا ... وغصّ من هيبة بالرّيق والبهر «٢» فمثل سيدنا حالت مهابته ... بين البليغ وبين القول بالحصر «٣» فإن يكن خفض «الأيام» من دهش ... من شدّة الخوف لا من قلّة البصر فقد تفاءلت فى هذا لسيدنا ... والفأل نأثره عن سيد البشر «٤» فإنّ أيامه خفض بلا نصب «٥» ... وإنّ دولته صفو بلا كدر فأمر له كافور الإخشيدىّ بثلاثمائة دينار، ولابن عيّاش بمثلها. ١٠٣ - إبراهيم بن على الفارسىّ النحوىّ اللغوىّ أبو إسحاق [١] من الأعيان فى علم اللغة والنحو. ورد بخارى، فأجل وبجّل، ودرس عليه أبناء الرؤساء والكتّاب بها، وأخذوا عنه، وولى التّصفّح فى ديوان الرسائل، ولم يزل يليه إلى أن استأثر الله به.

стр. 199

وله شعر؛ منه ما كتب به إلى بعض الرؤساء يستهدى جبّة خزّ بيضاء، غير لبيس: «١» وأعن على برد الشتاء بجبّة ... تذر الشتاء مقيّدا مسجونا سوسيّة «٢» بيضاء يترك لونها ... ألوان حسادى شواحب جونا «٣» عدراء لم تلبس ككفّك فى العلا ... تؤتى «٤» عذاراها وتأبى العونا «٥» تسبى ببهجتها عيونا لم تزل ... تسبى قلوبا فى الهوى وعيونا» وأخذ إبراهيم هذا عن أبى سعيد السّيرافىّ فأكثر، وكان قيّما بالكتاب. ١٠٤ - إبراهيم بن عثمان أبو القاسم النحوىّ القيروانىّ المعروف بابن الوزّان [١] إمام الناس فى النحو بذلك القطر، وكبيرهم فى اللغة العربية والعروض، مع قلّة ادّعاء، وصدق لهجة، وخفض جناح، وصحّة ودّ، ونقاء صدر.

стр. 200

وانتهى من علم النحو فى حداثته إلى أن كان أبو محمد عبد الله بن محمد الأموى المكفوف؛ إذ وردت عليه مسائل من النحو سأله عنها، وطلب منه الإجابة فيها، وأقرّ له بالتقدّم فى ذلك، وانتهى من اللّغة والعربية إلى ما لعلّه لم يبلغ أحد قبله، وأمّا فى زمانه فما يشكّ فيه. وحفظ كتاب العين للخليل بن أحمد، وقد حفظ قبل ذلك كتاب سيبويه، وكتاب المصنّف لأبى عبيد، وإصلاح المنطق لابن السّكّيت، وغيرها من كتب اللغة، ثم كتب الفرّاء، وكان يميل إلى قول أهل البصرة، مع علمه بقول الكوفيين، وكان يفضّل المازنىّ فى النحو، وابن السّكّيت فى اللغة. قال بعض أهل الفضل هناك: ولو أن قائلا قال: إنه أعلم من المبرّد وثعلب أصدقه من وقف على علمه ونفاذه. قال: وسمعت جماعة ممّن جالس ابن النحاس النحوىّ المصرىّ من أهل بلدنا وأهل المشرق، ثم جالس أبا القاسم يزعمون أنه أعلم من ابن النحاس، وأكمل نظرا، وكان أعلم من خلق الله، وهو مع ذلك حسن الاستخراج، ولقد كان يستخرج من مسائل النحو والعربية أمورا لم يتقدمه فيها أحد، وأمره فى ذلك يفوق كلّ أمر، وكان غاية فى استخراج المعمّى، وكان مقصّرا فى صناعة الشعر، ولم يكن يتعرّضه، «١» وربما أتى منه بشىء، ولا يحب أن يوسم به؛ وإنما صنعه فى آخر عمره. وله أوضاع فى النّحو واللغة. وسأله رجل عن هذا البيت «٢» وتقطيعه: رجل بمكة قتل رجلا وسر ... رق الّذ كان فى عمامة يوسفا

стр. 201

فقال: يتفعّل من الطويل والكامل؛ فتفعيله من الطويل على هذا التقطيع: «١» رجلن بمكّتن قتر رجلنوسر ... رقلّل ذكانفى عمام تيوسفا ومن الكامل: «٢» رجلنبمكّ كتنقتر رجلنوسر ... قللذكا نفيعما متيوسفا والعرب تقول: رجل ورجل، وهى لغة بنى تميم وربيعة. قال شاعرهم: وأحفظ من أخى ما حفظ منى ... ويكفينى البلاء إذا بلوت وكان إذا سئل عن حرف من اللغة أورده ووسّع فيه. وتوفّى فى يوم عاشوراء من سنة ست وأربعين وثلاثمائة. ١٠٥ - إبراهيم بن الفضل الهاشمىّ أبو إسحاق الأديب [١] ذكره الحافظ أبو عبد الله بن البيّع «٣» فى تاريخ نيسابور وقال: «أقام بنيسابور سنة خمس وسبعين [وثلاثمائة] «٤»، وسمعته يذكر سماعه من أبى محمد بن صاعد:

стр. 202

سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن الفضل، سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد ينشد لنفسه: ودّعته حين لا تودّعه ... روحى «١» ولكنّها تسير معه ثمّ افترقنا وفى القلوب له ... ضيق مكان وفى الدّموع سعه ١٠٦ - إبراهيم بن قطن المهرىّ القيروانىّ [١] كان عالما بالعربية، متصدّرا لإفادة هذا الشأن بمدينة القيروان، وقصده الناس لطلب ما عنده، واستفاد منه جماعة، وخمل ذكره بإشهار ذكر أخيه أبى الوليد عبد الملك بن قطن، «٢» وهو كان سبب طلبه للعلم، وذلك أن أبا الوليد دخل على أخيه إبراهيم، ومدّ يده إلى كتاب من كتبه ينظر فيه- ولم يكن يعلم شيئا من هذا الشأن- فجذبه إبراهيم من يده، ووبّخه بالجهل به، فغضب أبو الوليد لما قابله به أخوه إبراهيم، وأخذ فى طلب العلم حتى علا عليه وعلى أهل زمانه، واشتهر ذكره، فخمل ذكر إبراهيم؛ حتى جهله الناس لشهرة أخيه، وكان إبراهيم يرى دين الإباضيّة. «٣»

стр. 203

١٠٧ - إبراهيم بن ليث بن إدريس التّجيبىّ أبو إسحاق الأندلسىّ المعروف بالقويدس [١] كان من أهل قلعة «١» أيوب، ثم خرج عنها واستوطن طليطلة، وتأدّب بها، وبرع فى علم العربية، وأدّب بها الناس، وأفاد الطلبة زمانا طويلا، وكان عالما بعلم العدد والهندسة والفرائض، وكان بصيرا بعلم الهيئة، هيئة الأفلاك وحركات النجوم. قال القاضى صاعد بن الحسن: وعنه أخذت كثيرا من ذلك. وتوفّى- ﵀ ليلة الأربعاء لثلاث بقين من رجب سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وهو ابن خمس وأربعين سنة. ١٠٨ - إبراهيم بن محمد الشمّاسىّ النحوىّ [٢] فى طبقة المبرّد، ونظر فى كتاب سيبويه، ولم يشتهر شهرة المبرّد. ١٠٩ - إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلّب بن أبى صفرة أبو عبد الله العتكىّ الأزدىّ الواسطىّ الملقّب نفطويه النحوى [٣] سكن بغداد. حدّث وحدّث عنه، وكان صدوقا، وله مصنّفات كثيرة، وله شعر، منه:

стр. 204

أستغفر الله ممّا يعلم الله ... إن الشقّى لمن لم يسعد الله هبه تجاوز لى عن كلّ مظلمة ... واسوءتا من حياتى «١» يوم ألقاه وله أيضا: كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعنى ... منه الحياء وخوف الله والحذر كم قد خلوت بمن أهوى فيقنعنى ... منه الفكاهة والتّحديث والنظر أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لى فى حرام منهم وطر كذلك الحبّ لا إتيان معصية ... لا خير فى لذة من بعدها سقر قال أبو بكر بن شاذان: بكّر إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه يوما إلى درب الرّواسين، «٢» فلم يعرف الموضع، فتقدّم إلى رجل يبيع البقل، فقال له: أيّها الشيخ، كيف الطريق إلى درب الرّواسين؟ قال: فالتفت البقلىّ إلى جار له، وقال: يا فلان، ألا ترى إلى الغلام، فعل الله به وصنع! احتبس «٣» علىّ، فقال: وما الذى تريد منه؟ فقال: لم يبادر ويجيئنى بالسّلق، «٤» بأى شىء نصفع هذا العاضّ بظر أمّه! لا يكنى. قال: فتركه ابن عرفة، وانصرف ولم يجبه بشىء.

стр. 205

ذكر «١» أنه توفّى يوم الأربعاء لست خلون من صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ودفن فى يوم الخميس فى مقابر باب «٢» الكوفة، وصلى عليه البربهارىّ «٣» رئيس الحنابلة. وذكر أن مولده سنة أربعين ومائتين، وكان يخضب «٤» بالوسمة. «٥» وقيل: إنه دفن فى يومه، وكان موته فى اليوم المقدّم ذكره بعد طلوع الشمس بساعة. كان- ﵀ متقنا فى العلوم، وكان ينكر الاشتقاق «٦» فى كلام العرب ويحيله، «٧» وله فى ذلك مصنّف، وكل حجّة فيه مدخولة. وكان أبو بكر بن السرّاج فى طرف آخر فى هذا النوع، يتهافت فى الاشتقاق وإثباته واستعماله تهافتا يخرجه عن حدّ الحقيقة الماشية على أصول من تقدّم. وقال الزّبيدىّ: «كان «٨» نفطويه أديبا مفتنّا «٩» فى الأدب، حافظا لنقائض جرير والفرزدق وشعر ذى الرّمّة وغيرهم من الشعراء، وكان يروى الحديث، وكان ضيّقا النحو، وكان يخضب رأسه ولحيته إلى أن مات، وكان سمج المنظر. وتوفّى ببغداذ سنة ثلاث وثلاثمائة لست خلون من صفر».

стр. 206

وقال رجل يهجوه: «١» أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقى نواحا عليه «٢» وقال محمد بن إسحاق النديم فى كتابه: «٣» «أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة ابن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلّب العتكىّ الأزدىّ. أخذ عن ثعلب والمبرّد، وسمع من محمد بن الجهم، وعبد الله بن إسحاق بن سلام، وأصحاب المدائنىّ. وأمّه من ولد خالد بن عبد الله المزنىّ، الطحّان المحدّث، ومولده سنة أربع وأربعين ومائتين. وكان طاهر الأخلاق، حسن المجالسة، وخلط نحو الكوفيين «٤» بنحو البصريين، وكان مجلسه فى مسجد الأنباريّين بالغدوات، وتفقّه على مذهب داود «٥»

стр. 207

ورأس فيه. وتوفى فى صفر لست منه، سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ودفن فى ثانى يوم موته بباب الكوفة، وصلى عليه ابن البربهارىّ. وله من التصانيف: كتاب التاريخ. كتاب الاقتضابات «١». كتاب غريب القرآن. كتاب المقنع فى النحو. كتاب الاستيفاء «٢» فى الشروط. كتاب الأمثال. كتاب الشهادات. كتاب يبطل الاشتقاق. كتاب الردّ على من قال بخلق القرآن. كتاب الردّ على المفضّل فى نقضه على الخليل «٣». وذكره أبو عبد الله محمد بن عمران «٤» المرزبانىّ فى كتابه فقال: «وأبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة المهلّبىّ الواسطىّ. حدّثنى أبو الحسن على بن مالك قال: أبو عبد «٥» الله إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن عبد الله بن قبيصة «٦» بن المهلّب ابن أبى صفرة، وأمه من ولد خالد بن عبد الله المزنىّ الطحّان، ومولده فى سنة أربع وأربعين ومائتين. وحدّثنى أبو عبد الله قال: أبو الهيثم خالد بن عبد الله المزنىّ جدّ جدّى لأمى، وتوفى سنة تسع وسبعين ومائة، وفيها مات حمّاد بن زيد؛ ومالك بن أنس بن أبى عامر الأصبحىّ، وأبو الأحوص سلام بن سليم.

стр. 208

وحدّثنى أحمد بن كامل القاضى قال: هو إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان ابن المغيرة بن حبيب بن المهلّب بن أبى صفرة، ومولده فى سنة خمس ومائتين. والأوّل أثبت وأصح. وتوفّى- ﵀ يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. حضرت جنازته عشاء، ودفن فى مقابر باب الكوفة، وصلى عليه البربهارىّ- ﵀. وكان- ﵀ يخضب بالوسمة، وكان من طهارة الأخلاق، وحسن المجالسة والصدق فيما يرويه على حال ما شاهدت عليها أحدا ممّن لقيناه. وكان يقول: جلست إلى هذه الأسطوانة «١» منذ خمسين سنة (هى مجلسه بجامع المدينة «٢»). وكان حسن الحفظ للقرآن أوّل ما يبتدئ به فى مجلسه بمسجد الأنباريّين بالغدوات إلى أن يقرئ القرآن على قراءة عاصم، «٣»، ثم الكتب بعدها، وكان فقيها عالما بمذهب داود الأصفهانىّ، رأسا فيه، سلّم له ذلك جميع أصحابه، وكان مسندا «٤» فى الحديث، ثقة صدوقا؛ لا يتعلق عليه بشىء من سائر ما رووه. وكان حسن المجالسة للخلفاء والوزراء، متقن الحفظ للسّير وأيام الناس وتواريخ الزمان، ووفاة العلماء، وكانت له مروءة وفتوّة وظرف، ولقد هجم علينا يوما فى بستان كان له بالزّبيدية «٥» فى سنة عشرين أو إحدى وعشرين وثلاثمائة، فرآنا على حال تبدّل، فانقبضت، وذهبت أعتذر إليه، فقال لى: التغافل عن النبيذ سخف «٦».

стр. 209

وكان يقول من الشعر المقطّعات فى الغزل، وما جرى مجرى ذلك؛ كما يقول المتأدّبون؛ فمن ذلك ما أنشدنا لنفسه سنة اثنتى عشرة وثلاثمائة: غنج الفتور «١» يدور «٢» فى لحظاته ... والورد غضّ القلب فى وجناته وتكلّ ألسنة الورى عن وصفه ... أو أن تروم بلوغ بعض صفاته لا يعرف الإسعاف إلا خطرة ... لكنّ طول الصدّ من عزماته لا يستطيع «نعم» ولا يعتادها ... بل لا تسوغ «لعلّ» فى لهواته «٣» وله فى العفة: كم قد خلوت «٤» بمن أهوى فيقنعنى ... منه الفكاهة والتّحديث والنظر أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لى فى حرام منهم وطر كذلك الحبّ لا إتيان معصية ... لا خير فى لذة من بعدها سقر وأنشدنا لنفسه: تشكو الفراق وأنت تزمع رحلة ... هلّا أقمت ولو على جمر الغضا فالآن عذ بالصّبر أو مت حسرة ... فعسى يردّ لك القضا «٥» ما قد مضى «٦»

стр. 210

١١٠ - إبراهيم بن محمد بن زكريا الزّهرىّ النحوىّ الأندلسىّ أبو القاسم المعروف بابن الإفليلىّ [١] روى عن أبى بكر محمد بن الحسن الزّبيدىّ كتاب النوادر لأبى علىّ القالىّ. وكان متصدّرا بالأندلس، يقرئ علم الأدب، ويقرأ عليه، ويختلف فيه إليه. وكان مع علمه بالنحو واللغة يتكلّم فى معانى الشعر وأقسام البلاغة والنقد لها. وله كتاب شرح فيه معانى شعر المتنبّى، وهو كتاب حسن. ذكره ابن بشكوال «١» فى الصّلة فقال: «إبراهيم بن محمد بن زكريا بن مفرّج ابن يحيى بن زياد بن عبد الله بن خالد بن سعد بن أبى وقّاص القرشىّ الزّهرىّ، «٢» المعروف بابن الإفليلىّ. من أهل قرطبة، يكنى أبا القاسم. قال الطّبنىّ: «٣» أخبرنى أن إفليلا قرية من قرى الشام، كان هذا النّسب إليها. روى عن أبيه، وعن أبى عيسى الليثىّ، وأبى محمد القلعىّ، وأبى زكريا بن عائذ، وأبى عمر «٤» بن [أبى] «٥»

стр. 211

الحباب، وأبى القاسم أحمد بن أبان، وغيرهم. وولى الوزارة «١» للمستكفى بالله بالأندلس. وكان حافظا للأشعار واللغة، قائما عليها، عظيم السلطان على شعر حبيب الطائىّ وأبى الطّيب المتنبى، كثير العناية بهما خاصة، على عنايته الوكيدة بسائر كتبه. «٢» وكان ذاكرا للأخبار وأيام الناس، وكان عنده من أشعار أهل بلده قطعة صالحة، وكان أشدّ الناس انتقادا للكلام ومعرفة برائقه، «٣» وعنى بكتب جمة، كالغريب المصنّف «٤» والألفاظ «٥» وغيرهما. وكان صادق اللهجة، حسن الغيب، صافى الضّمير، حسن المحاضرة، مكرما لجليسه. لقى جماعة من أهل العلم والأدب، وجماعة من مشاهير المحدّثين. ولد فى شوّال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وتوفّى- ﵀ فى آخر الساعة الحادية عشرة وأوّل الساعة [الثانية] عشرة من يوم السبت الثالث عشر من ذى القعدة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، ودفن يوم الأحد بعد صلاة العصر فى صحن مسجد حرب، عند باب عامر، وصلى عليه محمد بن جهور بن محمد بن جهور «٦».

стр. 212

١١١ - إبراهيم بن محمد بن العلاء الكلابزىّ [١] له فضل وعلم بالأدب؛ ورواية. فى طبقة ابن دريد. توفّى فى سنة ست عشرة وثلاثمائة. ١١٢ - إبراهيم بن محمد بن سعدان بن المبارك النحوىّ [٢] جمّاعة للكتب، وقد ذكرته فى موضع آخر من هذا الكتاب. صحيح الخط، صادق الرواية، جمع بين المذهبين فى النحو، وصنّف كتاب الخيل، لطيف «١». وكان لسعدان بن المبارك ابن يسمىّ إبراهيم، روى عن أبيه النّقائض، ورواها عنه أبو سعيد السّكرىّ. ١١٣ - إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن على بن الحسين بن على ابن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن على بن أبى طالب [٣] من أهل الكوفة. شريف فاضل، عارف باللغة والنحو والأدب. سافر إلى الآفاق، وأقام بمصر زمانا طويلا، وفاق على المصريين، ورجع إلى وطنه بالكوفة، وسكنها إلى أن توفّى. وسمع الحديث، وكان له شعر جزل.

стр. 213

ولما كان بمصر ضاق صدره، فأنشد: فإن تسألينى كيف أنت فإنّنى ... تنكّرت دهرى والمعاهد» والصّحبا وأصبحت فى مصر كما لا يسرّنى ... بعيدا عن الأوطان منتزحا غربا «٢» وإنّى فيها كامرئ القيس مرّة ... وصاحبه لمّا بكى ورأى الدّربا «٣» فإن أنج من بابى زويلى فتوبة ... إلى الله أن لا مسّ خفّى لها تربا قال ولده «٤»: قال لى أبى: قلت هذه الأبيات بمصر، وما كنت ضيّق اليد- وكان قد حصل من المستنصر «٥» خمسة آلاف دينار مصرية- وصنف شرحا للّمع «٦» متوسط فى الجودة، ومات بالكوفة فى شوال سنة ست وستين وأربعمائة، وله ثلاث وعشرون سنة «٧».

стр. 214

١١٤ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم النّسائىّ الفراوىّ أبو إسحاق [١] شيخ ظريف فاضل، له معرفة تامة بالأدب والشعر. كان بنيسابور، ورحل عنها، ورجع إلى خراسان، وأفاد واستفاد. وكان يروى عن العلاء بن عبد العزيز ابن محمد بن أبى نصر شعرا كثيرا لعبد القاهر الجرجانىّ النحوىّ «١». فمن ذلك ما قال: أنشدنى شيخى وأستاذى أبو نصر عبد العزيز بن محمد العلاء، للإمام عبد القاهر الجرجانىّ: خلع الناس إهابا ... وتبدّوا فى إهاب «٢» إن إثراء «٣» من الما ... ل بلثم للتراب ليس من خيم الكريم ... الخيم والمحض اللّباب «٤» ليس بالإقبال ما ني ... ل بتقبيل الكلاب إنّ باغى الربح والخس ... ران من باب وباب تاجر غير بصير ... بمقادير الحساب وقال أيضا: أنشدنى عبد العزيز بن محمد العلاء لعبد القاهر الجرجانىّ: لا تأمن النّفثة من شاعر ... مادام حيّا سالما ناطقا فإنّ من يمدحكم كاذبا ... يحسن أن يهجوكم صادقا

стр. 215

وقال: أنشدنى أبو نصر العلاء لعبد القاهر: لا يوحشنّك أنهم ما ارتاحوا ... مما جلاه عليهم المدّاح فهم كقوم علّقت بإزائهم ... بيض المرائى والوجوه قباح ١١٥ - إبراهيم بن محمد العمرىّ النحوىّ [١] أظنه شاميّا. روى عنه خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسىّ، وسماه النحوىّ، وكانت روايته عنه بصنعاء دمشق، وهى محلة خارجها بقرب العقيبة، خربت الآن، والله أعلم. أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ الأصبهانىّ، نزيل الإسكندرية فى إجازته العامة، لمن يقول فى وقت الإجازة- وذلك فى عام موته: «لا إله إلا الله محمد رسول الله «١»». وكان عمرى إذ ذاك ثمانية أعوام، أخبرنا أبو الحرم مكىّ بن الحسن ابن المعافى الحبيلىّ بدمشق، أخبرنا أبو القاسم على بن محمد بن أبى العلاء المصّيصىّ، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم التميمىّ الدمشقى، حدّثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسىّ، حدّثنا إبراهيم بن محمد العمرىّ النحوىّ بصنعاء، حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن يوسف الحذاقىّ، حدثنا عبد الملك بن الصباح بن الوليد، عن سفيان الثّورىّ، عن الأعمش، عن عطية العوفىّ، عن أبى سعيد الخدرىّ أن النبى ﷺ قال: «إن أهل الدرجات العلا يراهم من تحتهم كما ترون النجم فى الأفق من آفاق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما «٢»».
следующие страницы →