الحباب، وأبى القاسم أحمد بن أبان، وغيرهم. وولى الوزارة «١» للمستكفى بالله بالأندلس.
وكان حافظا للأشعار واللغة، قائما عليها، عظيم السلطان على شعر حبيب الطائىّ وأبى الطّيب المتنبى، كثير العناية بهما خاصة، على عنايته الوكيدة بسائر كتبه. «٢»
وكان ذاكرا للأخبار وأيام الناس، وكان عنده من أشعار أهل بلده قطعة صالحة، وكان أشدّ الناس انتقادا للكلام ومعرفة برائقه، «٣» وعنى بكتب جمة، كالغريب المصنّف «٤» والألفاظ «٥» وغيرهما.
وكان صادق اللهجة، حسن الغيب، صافى الضّمير، حسن المحاضرة، مكرما لجليسه. لقى جماعة من أهل العلم والأدب، وجماعة من مشاهير المحدّثين.
ولد فى شوّال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وتوفّى- ﵀ فى آخر الساعة الحادية عشرة وأوّل الساعة [الثانية] عشرة من يوم السبت الثالث عشر من ذى القعدة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، ودفن يوم الأحد بعد صلاة العصر فى صحن مسجد حرب، عند باب عامر، وصلى عليه محمد بن جهور بن محمد بن جهور «٦».
стр. 212
١١١ - إبراهيم بن محمد بن العلاء الكلابزىّ [١]
له فضل وعلم بالأدب؛ ورواية. فى طبقة ابن دريد. توفّى فى سنة ست عشرة وثلاثمائة.
١١٢ - إبراهيم بن محمد بن سعدان بن المبارك النحوىّ [٢]
جمّاعة للكتب، وقد ذكرته فى موضع آخر من هذا الكتاب. صحيح الخط، صادق الرواية، جمع بين المذهبين فى النحو، وصنّف كتاب الخيل، لطيف «١».
وكان لسعدان بن المبارك ابن يسمىّ إبراهيم، روى عن أبيه النّقائض، ورواها عنه أبو سعيد السّكرىّ.
١١٣ - إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن على بن الحسين بن على ابن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن على بن أبى طالب [٣]
من أهل الكوفة. شريف فاضل، عارف باللغة والنحو والأدب. سافر إلى الآفاق، وأقام بمصر زمانا طويلا، وفاق على المصريين، ورجع إلى وطنه بالكوفة، وسكنها إلى أن توفّى. وسمع الحديث، وكان له شعر جزل.
стр. 213
ولما كان بمصر ضاق صدره، فأنشد:
فإن تسألينى كيف أنت فإنّنى ... تنكّرت دهرى والمعاهد» والصّحبا
وأصبحت فى مصر كما لا يسرّنى ... بعيدا عن الأوطان منتزحا غربا «٢»
وإنّى فيها كامرئ القيس مرّة ... وصاحبه لمّا بكى ورأى الدّربا «٣»
فإن أنج من بابى زويلى فتوبة ... إلى الله أن لا مسّ خفّى لها تربا
قال ولده «٤»: قال لى أبى: قلت هذه الأبيات بمصر، وما كنت ضيّق اليد- وكان قد حصل من المستنصر «٥» خمسة آلاف دينار مصرية- وصنف شرحا للّمع «٦» متوسط فى الجودة، ومات بالكوفة فى شوال سنة ست وستين وأربعمائة، وله ثلاث وعشرون سنة «٧».
стр. 214
١١٤ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم النّسائىّ الفراوىّ أبو إسحاق [١]
شيخ ظريف فاضل، له معرفة تامة بالأدب والشعر. كان بنيسابور، ورحل عنها، ورجع إلى خراسان، وأفاد واستفاد. وكان يروى عن العلاء بن عبد العزيز ابن محمد بن أبى نصر شعرا كثيرا لعبد القاهر الجرجانىّ النحوىّ «١».
فمن ذلك ما قال: أنشدنى شيخى وأستاذى أبو نصر عبد العزيز بن محمد العلاء، للإمام عبد القاهر الجرجانىّ:
خلع الناس إهابا ... وتبدّوا فى إهاب «٢»
إن إثراء «٣» من الما ... ل بلثم للتراب
ليس من خيم الكريم ... الخيم والمحض اللّباب «٤»
ليس بالإقبال ما ني ... ل بتقبيل الكلاب
إنّ باغى الربح والخس ... ران من باب وباب
تاجر غير بصير ... بمقادير الحساب
وقال أيضا: أنشدنى عبد العزيز بن محمد العلاء لعبد القاهر الجرجانىّ:
لا تأمن النّفثة من شاعر ... مادام حيّا سالما ناطقا
فإنّ من يمدحكم كاذبا ... يحسن أن يهجوكم صادقا
стр. 215
وقال: أنشدنى أبو نصر العلاء لعبد القاهر:
لا يوحشنّك أنهم ما ارتاحوا ... مما جلاه عليهم المدّاح
فهم كقوم علّقت بإزائهم ... بيض المرائى والوجوه قباح
١١٥ - إبراهيم بن محمد العمرىّ النحوىّ [١]
أظنه شاميّا. روى عنه خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسىّ، وسماه النحوىّ، وكانت روايته عنه بصنعاء دمشق، وهى محلة خارجها بقرب العقيبة، خربت الآن، والله أعلم.
أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ الأصبهانىّ، نزيل الإسكندرية فى إجازته العامة، لمن يقول فى وقت الإجازة- وذلك فى عام موته: «لا إله إلا الله محمد رسول الله «١»». وكان عمرى إذ ذاك ثمانية أعوام، أخبرنا أبو الحرم مكىّ بن الحسن ابن المعافى الحبيلىّ بدمشق، أخبرنا أبو القاسم على بن محمد بن أبى العلاء المصّيصىّ، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم التميمىّ الدمشقى، حدّثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسىّ، حدّثنا إبراهيم بن محمد العمرىّ النحوىّ بصنعاء، حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن يوسف الحذاقىّ، حدثنا عبد الملك بن الصباح بن الوليد، عن سفيان الثّورىّ، عن الأعمش، عن عطية العوفىّ، عن أبى سعيد الخدرىّ أن النبى ﷺ قال: «إن أهل الدرجات العلا يراهم من تحتهم كما ترون النجم فى الأفق من آفاق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما «٢»».
стр. 216
١١٦ - إبراهيم بن مسعود بن حسان أبو إسحاق الضرير الملقّب بالوجيه الذكىّ [١]
من أهل الرّصافة «١»، وجدّه حسان، يعرف بالشاعر. كان إبراهيم هذا من أكثر أهل زمانه محفوظا، وأتمهم فهما للنحو، وأحسنهم معرفة به مع صباه، حفظ أكثر الكتب الصغار المصنّفة فيه، وأتى على كتاب سيبويه إلا يسيرا منه.
وكان سريع الحفظ، ثابت الذهن، حاضر الجواب. قرأ على مصدق بن شبيب النحوىّ «٢» وغيره، وكان ابن شبيب يراجعه فى أشياء تشكل عليه، وكان مشهورا فى فنّه، معترفا له بالفضل والمعرفة. توفى شابا فى يوم الثلاثاء، عاشر جمادى الأولى من سنة تسعين وخمسمائة، وصلّى عليه يوم الأربعاء، ودفن بالمقبرة المعروفة بالمالكية، المنسوبة إلى أحمد بن مالك الخزاعى، قريبة من الرّصافة ببغداذ، وعمره على ما قيل- سبع وعشرون سنة وثلاثة أشهر.
١١٧ - إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو إسحاق بن أبى محمد المعروف بابن اليزيدىّ [٢]
بصرىّ سكن بغداذ، وكان ذا قدر وفضل، وحظ وافر من الأدب. سمع من أبى زيد الأنصارىّ، وأبى سعيد الأصمعىّ.
стр. 217
وله كتاب مصنّف، يفتخر به اليزيديون، وهو: ما اتفق لفظه واختلف معناه نحو من سبعمائة ورقة، رواه عنه ابن أخيه عبيد الله بن محمد بن أبى محمد اليزيدىّ، وذكر إبراهيم أنه بدأ يعمل ذلك الكتاب، وهو ابن سبع عشرة سنة، ولم يزل يعمله إلى أن أتت عليه ستون سنة، وله كتاب مصادر القرآن، وكتاب فى بناء الكعبة وأخبارها، وكان شاعرا مجيدا.
قال إبراهيم بن أبى محمد: كنت يوما عند المأمون، وليس معنا إلا المعتصم، فأخذت الكأس من المعتصم، فعربد «١» علىّ، فلم أحتمل ذلك، فأجبته، فأخفى ذلك المأمون، ولم يظهره ذلك الإظهار. فلما صرت من غد إلى المأمون، كما كنت أصير إليه قال لى الحاجب: أمرت ألا آذن لك. فدعوت بدواة وقرطاس، وكتبت:
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
سكرت «٢» فأبدت منّى الكأس بعض ما ... كرهت وما إن يستوى السّكر والصّحو
ولا سيما إذ كنت عند خليفة ... وفى مجلس ما إن يليق به اللّغو «٣»
ولولا حميّا «٤» الكأس كان احتمال ما ... بدهت «٥» به لا شكّ فيه هو السّرو «٦»
تنصّلت من ذنبى تنصّل ضارع «٧» ... إلى من إليه يغفر العمد والسهو
فإن تعف عنى ألف خطوى واسعا ... وإلا يكن عفو فقد قصر الخطو
فأدخلها الحاجب، ثم رجع فأدخلنى، فمدّ المأمون باعيه، فأكببت على يديه، فقبلتهما، فضمنى إليه وأجلسنى.
стр. 218
وقيل: إن المأمون وقّع على ظهر هذه الأبيات:
إنّما مجلس الندامى بساط ... للمودات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من حديث ولذة رفعوه
والذى ألفه إبراهيم بن أبى محمد يحيى بن المبارك من الكتب: كتاب ما اتفقت ألفاظه واختلف معناه. كتاب بناء الكعبة. كتاب المقصور والممدود.
كتاب مصادر القرآن، وبلغ فيه إلى سورة «الحديد». ومات «١» ﵀.
١١٨ - إسماعيل بن أحمد النحوىّ المعروف بابن الدّجاجىّ [١]
فاضل من النحاة، فى طبقة المبرّد، ولم يشتهر شهرته، ونظر فى كتاب سيبويه، وأفاد، واستفاد منه جماعة.
١١٩ - إسماعيل بن إبراهيم بن محمد الرّبعىّ اليمنىّ [٢]
النحوىّ اللغوىّ الشاعر. من أهل صنعاء اليمن، وكان مؤدّبا لأولاد ملوك الصّليحيّين، «٢» وله قصيدة فى غريب اللغة، جعل ترتيبها على ترتيب كتاب العين،
стр. 219
وسماها قيد الأوابد «١»، أورد فيها خلال التفسير نوادر من محاسن الأخبار، وأنشد فيها محاسن من الأشعار، مما يليق بموضعه من فصول الكتاب، وأوّلها:
أجيبوا يا ذوى التّحصي ... ل للآداب من يسأل
عن العيهق والعوه ... ق والعنجه والعيهل «٢»
وهى قصيدة طويلة، تشتمل على أكثر كتاب العين. كان موجودا فى أوائل المائة الخامسة للهجرة «٣».
١٢٠ - إسماعيل بن إبراهيم القيروانىّ اللغوىّ الزّويلىّ [١]
زويلة: رملة المهديّة «٤». وطىء الأكناف، تقدّم فى علم الغريب وطلبه وعلوّ سماعه.
لقى شيوخا جلة من العلماء ببلده وغيره من ناحية المشرق فى أيام حجّه، وبحث عن المشذوذ بحثا شديدا، وإلى أمّهات كتبه ترجع جميع النّسخ، وبها تقابل، [و] «٥» عليها تصلح.
وطريقته فى الشعر طريقة العلماء؛ فمن ذلك قصيدة مدح بها المعز بن باديس الصّنهاجىّ «٦» الحميرىّ ملك إفريقية:
стр. 220
وله ذؤابة حمير وسناؤها ... وسنام يعرب الرّفيع العالى
ويحلّ فى قحطان أعلى ذروة ... يعيا «١» محاولها وليس بآل
ما زال يبتاع العلا متغاليا ... إنّ العلا وأبيك علق غال
أضحت به الدّنيا عروسا تجتلى ... وتبلّجت عن زهرة الآمال
وإذا تراءى للعيون بداله ... سعد السّعود وطالع الإقبال
بذّ الملوك جلالة ومهابة ... وعلا على النّظراء والأشكال
كان إسماعيل هذا حيّا فى سنة عشرين وأربعمائة بإفريقية؛ لأنه مدح المعزّ ابن باديس.
١٢١ - إسماعيل بن الحسين بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله بن نوح الكرمانىّ بديع الزمان [١]
إمام ملك كرمان»
، النحوىّ اللغوىّ. فى الفضل كبير الشأن، نسيج وحده فى قوّة الخاطر وحدّة الفهم. كان فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة حيّا، وله شعر، منه قوله:
طوق الحمامة صدغاه «٣» إذا انعطفا ... وإنّنى مثل باز «٤» طار فى أثره
لا بل كمخلب باز صدغه وأنا ... أطير مثل حمام الأيك من حذره
وشعره كثير جيد.
стр. 221
١٢٢ - إسماعيل بن حمّاد الجوهرىّ [١]
من أعاجيب الدنيا؛ وذلك أنه من الفاراب، إحدى بلاد الترك، وهو إمام فى علم اللغة؛ وخطّه يضرب به المثل فى الحسن، ويذكر فى الخطوط المنسوبة كخطّ ابن مقلة «١»، ومهلهل، واليزيدىّ، ثم هو من فرسان الكلام، وممّن آتاه الله قوّة بصيرة، وحسن سريرة وسيرة، وكان يؤثر السفر على الوطن، والغربة على السّكن والمسكن، ويخترق «٢» البدو والحضر، ودخل ديار ربيعة ومضر، فى طلب الأدب، وإتقان لغة العرب؛ وحين قضى وطره من قطع الآفاق، والاقتباس من علماء الشام والعراق، عاود خراسان، وتطرّق الدّامغان «٣»، فأنزله أبو الحسين بن على- وهو من أعيان الكتّاب وأفراد الفضلاء- عنده، وبذل فى إكرام مثواه وإحسان قراه جهده، وأخذ من آدابه وخطّه حظّه، ثم سرّحه «٤» بإحسان إلى نيسابور، فلم
стр. 222
يزل مقيما بها على التدريس والتأليف، وتعليم الخط الأنيق وكتابة المصاحف والدفاتر اللطائف، حتى مضى لسبيله، عن آثار جميلة، وأخبار حميدة.
وله كتاب الصّحاح «١» فى اللغة، أكبر وأقرب متناولا من مجمل «٢» اللّغة؛ وفيه يقول أبو محمد إسماعيل بن محمد النيسابورىّ «٣» - وكان عنده الكتاب بخط مؤلّفه:
هذا كتاب الصّحاح سيّد ما ... صنّف قبل الصّحاح فى الأدب
يشمل أنواعه ويجمع ما ... فرّق فى غيره من الكتب
وهذا كتاب الصّحاح «٤» قد سار فى الآفاق، وبلغ مبلغ الرّفاق، ولمّا دخلت منه «٥» نسخة إلى مصر نظرها العلماء، فاستجودوا مأخذها وقربه، ولمحوا فيها أوهاما
стр. 223
كثيرة انتدبوا «١» لإصلاحها، وزادوا فيها بعض ما لعلّه أخلّ به من ألفاظ لغوية، الحاجة داعية إليها، فلا شبهة فى أنه نقلها من صحف فصحّف، وانفرد فى تصريف الكلم برأيه فحرّف.
وقيل إنه اختلط فى آخر عمره، ومات متردّيا من سطح داره بنيسابور فى شهور سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. ورأيت فيما رأيت أنه مات فى حدود سنة أربعمائة.
وله شعر أنشد له أبو منصور الفرّاء «٢» فى كتابه «٣»:
لو كان لى بدّ من الناس ... قطعت حبل الناس بالياس
العزّ فى العزلة لكنّه ... لابدّ للنّاس من النّاس
وله أيضا:
فها أنا يونس فى بطن حوت ... بنيسابور فى ظلم «٤» الغمام
فبيتى والفؤاد ويوم دجن «٥» ... ظلام فى ظلام فى ظلام
وله أيضا:
رأيت فتى أشقرا أحمرا ... قليل الدّماغ كثير الفضول
يفضّل من حمقه دائما ... يزيد «٦» بن هند على ابن البتول «٧»
стр. 224
وله أيضا:
يا صاحب الدّعوة لا تجزعن ... فكلّنا أزهد من كرز «١»
والماء كالعنبر فى قومس ... من عزّه يجعل فى الحرز
فسقّنا ماء بلا منّة ... وأنت فى حلّ من الخبز
ومن العجيب أن أهل مصر يروون كتاب الصّحاح عن ابن القطّاع الصّقلىّ متصل الطريق إلى الجوهرىّ، ولا يرويه أحد من أهل خراسان. وقد قيل:
إن ابن القطّاع لما دخل إلى مصر سئل عن الكتاب فقال: ما وصل إلينا إلى العرب. ولما رأى رغبة المصريين فيه، وكثرة اشتغالهم له، ركّب عليه طريقا ورواه لهم، فنسأل الله السّتر والسلامة بمنّه وطوله.
وذكره الباخرزىّ فى كتابه «٢» فى فصل الأدباء من أهل العربية، وسجع له، فقال:
«أبو نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهرىّ، صاحب صحاح اللغة، لم يتأخر فيها عن شرط أقرانه، ولا انحدر عن درجة أبناء زمانه. أنشدنى الأديب يعقوب بن أحمد، قال: أنشدنى الشيخ أبو إسحاق بن صالح الورّاق «٣» الجوهرىّ تلميذ الجوهرىّ «٤» له:
يا ضائع العمر بالأمانى ... أما ترى بهجة «٥» الزّمان
فقم بنا يا أخا هموم ... «٦» نخرج إلى نهر بشتقان «٧»
стр. 225
لعلّنا نجتنى سرورا ... حيث جنى الجنّتين دان
كأننا والقصور فيها ... بحافتى كوثر الجنان
والطير فوق الغصون تحكى ... بطيب أصواتها الأغانى
وراسل الورق عندليب ... كالزّير والبمّ والمثانى «١»
وبركة حولها تآخت «٢» ... عشر من الدّلب «٣» واثنتان
وعمرك «٤» اليوم فاغتنمه ... فكلّ يوم سواه فان
١٢٣ - إسماعيل الضرير النحوىّ البغداذىّ أبو علىّ [١]
كان إماما فى هذا الشأن، تصدّر للإفادة ببغداذ، وحضر مجالس الوزراء، وكان خصيصا بالوزير أبى القاسم رئيس الرؤساء بن المسلمة «٥» وزير القائم. وسئل إسماعيل عن الوزير رئيس الرؤساء كيف تراه فى النحو؟ فقال: يتكلّم فيه كلام أهل الصّنعة، وسئل رئيس الرؤساء عن إسماعيل النحوىّ هذا فقال: ما أرى مفتوح الفكّ فى النحو إلا هذا المغمض العين. وكان إسماعيل هذا موجودا فى حدود سنة خمسين وأربعمائة «٦».
стр. 226
١٢٤ - إسماعيل بن سيده النحوىّ اللغوىّ الأندلسىّ [١]
والد أبى الحسن بن سيده اللغوىّ، من أهل مرسية «١». لقى أبا بكر الزّبيدىّ، وأخذ عنه مختصر العين، وكان من النحاة، ومن أهل المعرفة والذكاء، وكان أعمى، وتوفى بمرسية بعد الأربعمائة بمدة.
قلت: قوله «٢» أعمى، إن صحّ ذلك فهو أعمى، وولده أعمى. وولده صاحب كتاب المحكم فى اللغة، وقد ذكرته فى هذا الكتاب.
١٢٥ - إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال [٢]
ذكره الحافظ أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور، فقال: «أبو العباس الأديب الشريف، شيخ خراسان ووجيهها وعينها فى عصره. سألت الرئيس أبا محمد بن أبى العباس عن نسب ميكال فى العجم، فقال: ميكال بن عبد الواحد بن جبريل بن القاسم بن بكر بن ديواتشى «٣»، وهو شور الملك بن شور بن شور، [بن شور] «٤»، أربعة من الملوك، بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام بن جور.
стр. 227
ولد «١» الشيخ أبو العباس بنيسابور، فلما قلّد أمير المؤمنين المقتدر أباه عبد الله ابن محمد الأعمال بكور الأهواز حمل إلى حضرة أبيه، فاستدعى أبا بكر محمد بن الحسن الدّريدىّ لتأديبه، فأجيب إليه إيجابا له، وبعث بأبى بكر الدّريدىّ إليه، فهو كان مؤدّبه، وهو أوحد عصره.
وفى عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه أبى العباس قال الدّريدىّ قصيدته المشهورة فى الدنيا التى مدحهم بها «٢». وتوفى- ﵀ ليلة الاثنين الخامس
стр. 228
عشر من صفر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وصلّى عليه ابنه الرئيس أبو محمد، ودفن فى مقبرة باب معمر، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة».
١٢٦ - إسماعيل بن عبد الله بن الحارث بن عمر البزّاز [١]
يكنى أبا على. دخل العراق واليمن وخراسان وغيرها، ولقى الأبهرىّ وغيره، واستكثر الرواية عن العلماء، وكان علم اللغة والعربية أغلب عليه، وكان من أهل الدّين والفضل، ورحل إلى الأندلس تاجرا سنة ثلاثين وأربعمائة، ومولده فى حدود سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.
١٢٧ - إسماعيل بن عبّاد أبو القاسم [٢]
الوزير المشهور المذكور، وإنما ذكرته فى جملة هذه الجماعة؛ لأنه صنّف كتابا فى اللغة العربية، كثّر فيه الألفاظ، وقلّل الشواهد، فاشتمل من اللغة على جزء متوفّر، وهو مرتّب على الحروف، وهذا الكتاب فى وقف بغداذ. وذكر لى ياقوت الرومىّ الناسخ أنه نسخ منه نسخة بالأجرة فى سبعة مجلدات، استنسخه إياها تاج الدين بن حمدون كاتب السكّة «١» ببغداذ، واتصل بى أنها أبيعت فى تركة المذكور.
стр. 229
وهذا الصاحب بن عبّاد ممّن اشتركت الألسن فى وصفه، وسلّم إليه أهل البلاغة ما عاناه من نثره ونظمه، وحسن ترتيبه ورصفه، وأطال مؤرّخو أخبار الوزراء فى ذكره، وشرحوا ما شرحوه من مستحسن أمره، ورزق من السعادة ما لازمه إلى رمسه، وما لقى يوما من الأيام إلا وكان فيه أجلّ من أمسه. وقيل: إن كلّ من مات نقصت حرمته لعدم ما يرجى منه إلا ابن عبّاد؛ فإنّه لمّا أخرج تابوته للصلاة عليه خرّ الدّيلم سجودا له.
وكان ممّن قنا «١» العلوم وأكثر منها، حتى حكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسىّ النحوىّ قال: سمعت الصاحب يقول: أنفذ إلىّ أبو العباس تاش الحاجب رقعة فى السّر بخط صاحبه نوح بن منصور ملك خراسان يريدنى فيها على الانحياز إلى حضرته، ليلقى إلىّ مقاليد ملكه، ويعتمدنى لوزارته، ويحكّمنى فى ثمرات بلاده. قال: وكان مما اعتذرت به من تركى امتثال أمره ذكر طول ذيلى، وكثرة حاشيتى، وحاجتى لنقل كتبى خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظنّ بما يليق بها من تحمّلى.
مات- ﵀ ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة بالرّىّ وحمل إلى أصبهان، ودفن فى قبة بمحلة تعرف بباب دريه. قال لى ابن البندارى الأصبهانىّ نزيل دمشق: هى عامرة معروفة إلى الآن، والعلويّون من ولد «٢» بنته يبتاعون لها فى الوقت بعد الوقت كلسا «٣» أصبهانيا يبيّضونها به.
стр. 230
واسم كتابه فى اللغة المحيط، وله الوقف والابتداء، والعروض، وجوهرة الجمهرة، ورسائله وشعره، وغير ذلك.
١٢٨ - إسماعيل بن على أبو على الحظيرىّ [١]
سكن بغداذ، وقرأ الأدب على أبى محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشّاب النحوىّ، وأبى الحسن على بن عبد الرحيم السّلمىّ الرّقى المعروف بابن العصّار، وغيرهما.
وله ترسّل وخطب وشعر. توفّى يوم السبت عاشر صفر سنة ثلاث وستمائة.
١٢٩ - إسماعيل بن على بن يوسف الحميرى المهدوىّ المغربىّ أبو الطاهر [٢]
من أهل المهديّة، من أرض إفريقية. فيه فضل وأدب من النحو واللغة، يعرف ذلك معرفة تامة، وله ترسّل.
قرأ فى بلاده، ورحل إلى المشرق، وخالط العلماء والفضلاء، وحضر مجالسهم وروى عنهم، ورووا عنه، وله شعر يروى عنه، فمن شعره فى جارية صوّر على خدّها بالغالية «١» صورة حيّة:
تبدّت لنا من جانب السّجف «٢» غادة ... لها الشمس وجه والملاحة خال
فقلت وقد لاح الهلال بوجهها ... متى طلعت شمس الضّحى وهلال
الهلال الأوّل: من أسماء الحية، والهلال الثانى: هلال الأفق.
стр. 231
١٣٠ - إسماعيل بن القاسم بن هارون بن عيذون أبو علىّ القالىّ المعروف بالبغداذىّ [١]
نزيل مصر. الإمام الفاضل، الراوى النحوىّ اللغوىّ العلّامة. أصله ومولده بمناز «١» كرد من إرمينية، ودخل إلى بغداذ فى طلب العلم؛ فى صحبة أهل قاليقلا «٢»، فأكرموا، وأكرم معهم، لموضعهم من الثّغر «٣»، وعرف فى بغداذ بالقالىّ.
وأدرك المشايخ ببغداذ كابن الأنبارىّ، وابن درستويه، وابن دريد، ومن فى عصرهم، وأكثر الرواية عن مشايخ الوقت، وخرج إلى الأندلس إلى عبد الرحمن
стр. 232
الناصر الأموىّ «١»، فأكرمه وقدّمه «٢»، وصنّف له ولولده الحكم المستنصر «٣»، وبثّ علومه هناك.
قرأ على ابن درستويه كتاب سيبويه أجمع، واستفسره جمعه، وناظره فيه، ودقّق النظر، وكتب عنه تفسيره، وعلّل العلّة، وأقام عليها الحجّة، وأظهر فضل البصريين على الكوفيين، ونصر مذهبه على من خالفه من البصريّين أيضا، وأقام الحجّة.
قال أبو علىّ: وقرأ معى الكتاب أجمع أبو جعفر بن أبى محمد بن درستويه تعليما ورواية.
وله أوضاع كثيرة أملاها عن ظهر قلبه، منها كتابه فى الأخبار والحكايات المعروف بالنوادر والأمالى أملاه ظاهرا من قلبه فى الأخمسة بجامع الزّهراء «٤»
стр. 233
بقرطبة، وارتجل تفسير ما فيه، وهذا الكتاب غاية فى معناه، وهو أنفع الكتب؛ لأنّ فيه الخبر الحسن، والمثل المتصرّف، والشعر المنتقى فى كل معنى، وفيه أبواب من اللّغة مستقصاة، وليست توجد فى شىء من كتب اللغة مستقصاة مثل ما هى فى هذا الكتاب، وفيه القلب والإبدال مستقصى، وفيه تفسير الإتباع، وهو ممّا لم يستيقظ إليه أحد، إلى فوائد فيه كثيرة «١».
ومنها كتابه فى المقصور والممدود، بناه على التّفعيل ومخارج الحروف من الحلق، مستقصى فى بابه، لا يشذّ عنه شىء من معناه، لم يوضع له نظير، ومنها كتابه فى الإبل ونتاجها، وما تصرّف معها، ومنها كتابه فى حلى الإنسان والخيل وشياتها.
ومنها كتابه فعلت وأفعلت، ومنها كتابه فى مقاتل الفرسان، ومنها كتابه فى تفسير القصائد والمعلّقات، وتفسير إعرابها ومعانيها، إلى كتب كثيرة.
وارتجل جميعها، وأملاها عن ظهر قلب كلّها.
وألّف كتاب البارع فى اللغة، فبناه على حروف المعجم، وجمع فيه كتب اللغة، وعزا كلّ كلمة من الغريب إلى ناقلها من العلماء، واختصر الإسناد عنهم، وهو يشتمل على خمسة آلاف ورقة، ولا يعلم أحد من العلماء المتقدّمين والمتأخرين ألّف مثله فى الإحاطة والاستيعاب، وتوفى قبل أن ينسخه، فاستخرج «٢» من المسوّدة، وأظنه لم يتم.
стр. 234
قال الزّبيدىّ: «١» «وسألت أبا على عن مولده ونسبه، فقال: أنا إسماعيل ابن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان، مولى عبد الملك بن مروان، ولدت بمنازكرد «٢» من ديار بكر سنة ثمان وثمانين ومائتين، ورحلت إلى بغداذ سنة ثلاث وثلاثمائة، فأقمت بالموصل، وكتبت عن أبى يعلى الموصلىّ وغيره، ثم دخلت بغداذ سنة خمس وثلاثمائة، فأقمت بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة أكتب الحديث، فممن كتبت عنه: أبو بكر عبد الله بن أبى داود السّجستانىّ، وأبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، وأبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب القاضى، وأبو القاسم عبد الله محمد بن عبد العزيز البغوىّ المعروف بابن بنت منيع، وإبراهيم بن عبد الصّمد بن موسى الهاشمىّ من ولد الإمام، «٣» وأحمد بن إسحاق البهلول القاضى، وأبو عبد الله الحسين القاضى، وأبو عبيد أخوه القاسم ابنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الضّبىّ المعروف بالمحاملىّ. «٤» وأبو بكر بن يوسف بن يعقوب بن البهلول الأزرق الكاتب، وأبو بكر أحمد [بن محمد] «٥» البستنبان، «٦» وابن قطن الإسكافىّ، وأبو سعيد الحسن «٧» بن على بن زكريا بن يحيى العدوىّ.
قال: وسمعت الأخبار واللغة من أبى بكر محمد بن دريد الأزدىّ البصرىّ، وأبى بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ، وأبى عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف
стр. 235
بنفطويه، ومن أبى بكر محمد بن السّرىّ النحوىّ، ومن أبى بكر محمد بن شقير النحوىّ، ومن أبى إسحاق إبراهيم بن السرىّ بن سهل الزّجّاج النحوىّ، ومن أبى الحسن على بن سليمان بن الفضل الأخفش، ومن أبى بكر محمد بن أبى الأزهر، ومن أبى محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه أخذت منه كتاب سيبويه عن المبرّد، ومن أبى جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة أخذت منه كتب أبيه، ومن أبى بكر أحمد بن محمد بن موسى بن مجاهد المقرئ قرأت عليه القرآن بحرف أبى عمرو ابن العلاء غير مرة، وأخذت كتابه فى القراءات السبع وغير ذلك، ومن أبى عمر محمد بن عبد الواحد المطرّز غلام ثعلب، حدّثنا عن ثعلب، ومن أبى بكر محمد بن عبد الملك التّاريخىّ، ومن أحمد بن يحيى المنجّم الأديب النديم أخذت منه كتب أبيه وغير ذلك، ومن الطوسىّ على بن الحسن بن على بن نصر أخذت منه كتاب الزّبير بن بكّار فى النسب، ومن الدّمشقىّ أحمد بن سعيد، ذكرلى أنه سمع منه.
قال أبو علىّ: وخرجت من بغداذ سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ثم دخلت إلى الأندلس سنة ثلاثين وثلاثمائة، ثم دخلت إلى قرطبة فى شعبان لثلاث بقين منه سنة ثلاثين وثلاثمائة».
قال الزّبيدىّ: «وسألت أبا علىّ: لم قيل له القالىّ؟ فقال: لمّا انحدرنا إلى بغداذ كنا فى رفقة فيها أهل قاليقلا، فكانوا يحافظون لمكانهم من الثّغر، فلما دخلت بغداذ تنسّبت «١» إلى قاليقلا، وهى قرية من منازكرد، ورجوت أن أنتفع بذلك عند العلماء، فمضى علىّ القالىّ. وتوفّى فى ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة بقرطبة، ودفن بمقبرة متعة، وصلّى عليه أبو عبيد الجبيرىّ»
».
стр. 236
وكان مولده سنة ثمانين ومائتين، وقيل سنة ثمان وثمانين.
وشوهد بخط ولده ما مثاله: ابتدأ أبى- رحمه الله تعالى- بعمل كتاب البارع فى رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ثم قطعته علل وأشغال، ثم عاود النظر فيه بأمر أمير المؤمنين وتأكيده عليه، فعمل فيه من سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، فأخذه بجدّ واجتهاد، وكمل له، وابتدأ بنقله، فكمل لنفسه إلى شوّال سنة خمس وخمسين وثلاثمائة كتاب الهمز، وكتاب الهاء، وكتاب العين، ثم اعتلّ فى هذا الشهر.
وتوفّى إلى رحمة الله إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن سليمان البغداذىّ ليلة السبت لسبع خلون من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ومولده سنة ثمان وثمانين ومائتين فى جمادى الآخرة، ودخل قرطبة لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة، وكان وصوله إلى بجاية «١» فى رجب من هذا العام. وكان مولده بمنازكرد من ديار بكر فى التاريخ المذكور، ورحل إلى بغداذ سنة ثلاث وثلاثمائة، وأقام بالموصل، ودخل بغداذ سنة خمس وثلاثمائة، وخرج إلى الأندلس من بغداذ سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
وكان يعرف بالقالىّ، وكان يقول- ﵀: لما خرجنا من بلدنا كان فى جملتنا جماعة من قاليقلا، وكانت معهم خيل، فكلّما دخلنا بلدا حافظ أهله أهل قاليقلا، وكانت معهم دوابّ، فأراد بعض العمال أخذها منهم، فلما انتسبوا إلى قاليقلا تركوها، ورأيت الناس يعظّمونهم، فلما دخلت بغداذ انتسبت إلى قاليقلا، ورجوت أن ينفعنى ذلك عند العلماء، فلم انتفع بذلك، وعرفت بالقالىّ.
стр. 237
١٣١ - إسماعيل القزّاز المصرىّ النحوىّ [١]
قريب العهد فى زماننا، أدركته بالقاهرة، وهو متصدّر لإقراء القرآن والعربية بالجامع الأزهر، وله على ذلك رزق من الديوان، وكان مزوّجا إلى بنت الشيخ المقرئ عساكر «١»، ورأيتهما يسكان فى دار واحدة بحارة الدّيلم «٢»، وله عدّة أولاد منها، لم يفلح أحد منهم فى القرآن ولا العربية، وكان كثيرا ما يسألنى عن شيخنا صالح ابن عادىّ العذرىّ الأنماطىّ نزيل قفط، ويقول: هو رفيقى فى الطّلب على أكثر مشايخى. ولم يزل- ﵀ على الإفادة والتعليم، إلى أن مات فى حدود سنة ست وثمانين وخمسمائة فى القاهرة المعزّية.
١٣٢ - إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقىّ أبو محمد بن أبى منصور اللغوىّ [٢]
شيخ فاضل، له معرفة بالأدب، حافظ للقرآن الكريم، وقور، صاحب سكينة وسمت حسن، وطريقة حميدة، وكان له خدمة واختصاص بدار الخلافة فى أيام
стр. 238
المستضىء «١»، يؤمّ بباب الحجرة الشريفة. قرأ الأدب على أبيه، وسمع الحديث من غيره من مشايخ زمانه، وأقرأ الناس العربية بعد أبيه، وحدّث، فسمع الناس منه. كان مولده فى شعبان سنة اثنتى عشرة وخمسمائة، وتوفّى يوم الجمعة بعد صلاة العصر الخامس عشر من شوّال سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وصلّى عليه يوم السبت سادس عشره بجامع القصر «٢»، وحمل إلى الجانب الغربىّ، فدفن بباب «٣» حرب، عند أبيه.
١٣٣ - إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح بن عبد الرحمن أبو علىّ الصفّار [١]
صاحب المبرّد. روى عن جماعة منهم ممن تقدّمه، وروى عنه جماعة؛ منهم الدّار قطنىّ وجماعة نحوه، وتصدّر ببغداذ لإقراء الأدب، وكان واسع الرواية، وعمّر. قال الدار قطنىّ: صام إسماعيل الصفّار أربعة وثمانين رمضان، وكان متعصّبا للسنّة. قال المرزبانىّ: أنشدنى إسماعيل بن محمد الصفّار لنفسه:
إذا زرتكم لقّيت «٤» أهلا ومرحبا ... وإن غبت حولا لا أرى لكم رسلا
وإن غبت لا أعدم ألا «٥» قد جفوتنا ... وقد كنت زوّارا فما بالنا نقلى
стр. 239
أفى الحق أن أرضى بذلك منكم ... بل الضّيم أن أرضى بها منكم فعلا
ولكنّنى أعطى صفاء مودّتى ... لمن لا يرى يوما علىّ له فضلا
وأستعمل الإنصاف فى الناس كلّهم ... فلا أصل الجافى ولا أقطع الخلّا
وأخضع لله الذى هو خالقى ... ولن أعطى «١» المخلوق من نفسى الذّلا
ولد الصفّار فى سنة سبع وأربعين ومائتين فى ليلة الاثنين لليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة، وقيل فى سنة ثمان وأربعين، وتوفّى سحر يوم الخميس الرابع عشر من المحرّم. وقيل توفّى يوم الأربعاء، ودفن يوم الخميس لسبع خلون من المحرّم سنة إحدى وأربعين، ودفن مقابل معروف الكرخىّ، بينهما عرض الطريق، دون قبر أبى بكر الأدمىّ وأبى عمر الزاهد- رضى الله عنهم أجمعين.
كتب إلىّ أبو الضياء شهاب بن محمود الهروىّ الورّاق من هراة، أخبره تاج الإسلام بن محمود المروزىّ فى كتابه، أخبرنا عبد الله بن علىّ القيسرانىّ، يعنى القصرىّ «٢» بقراءتى عليه بحلب، أخبرنا أبو القاسم على بن أحمد بن محمد بن زيان الرزّاز قراءة عليه ببغداذ، أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد البزّاز، حدّثنا أبو على إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفّار النحوىّ، حدّثنا الحسن بن عرفة بن يزيد، حدّثنا إسماعيل بن عيّاش عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان،
стр. 240
عن كثيّر بن مرة الحضرمىّ، عن عقبة بن عامر الجهنىّ- رضى الله عنه، قال:
سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمستسرّ بالقرآن كالمستسرّ بالصدقة».
١٣٤ - إسماعيل بن أبى محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة اليزيدىّ [١]
أحد أولاده الخمسة «١» النّجباء. كان فاضلا كإخوته، عالما بالعربية، خبيرا بأخبار الشعراء «٢». ألف كتاب طبقات الشعراء.
١٣٥ - إسماعيل بن يوسف القيروانىّ النحوىّ المعروف بالطّلّاء «٣» المنجم [٢]
كان من ذوى العلم بالعربية، وغاية فى النّجامة «٤»، وهو أوّل من أدخل العراقىّ بالقيروان، وتلطّف فى علمه [بالعراق «٥»]؛ إذ هم يضنّون بصناعتهم.
стр. 241
ابن يوسف هذا قد لازمهم، فكانوا يخرجون إليه وإلى أصحابه من التلاميذ العقاقير للدقّ [مختلطة]، «١» فتحيّل [إسماعيل «٢» بن] يوسف، حتى حقّق أوزانها بطريق لطيف من التحيّل، حتى استرق الصناعة «٣».
وغزا مع إبراهيم بن الأغلب «٤» أمير إفريقية غزوة المجّان «٥»، وشهد حرب طبرمين «٦»، وأقام الطّالع يوم فتحها، وقد انصرف إبراهيم عن حربها منتصف النهار، فأعلمه أنه يفتحها للوقت، ونظر إبراهيم أيضا فى ذلك فوافقه- وكان إبراهيم ينتحل علم النّجامة- فعاود الحرب، ففتحها للوقت، ووهب للطّلاء ثمانية عشر رأسا من السّبى.
واتّهم أنه عمل دنانير خارج دار الضرب بالقيروان، وخاف لأجل ذلك، فانهزم إلى الأندلس. وكان يرمى بالخروج عن الملة.
стр. 242
١٣٦ - إسحاق البغوىّ النحوىّ الكوفىّ [١]
من أصحاب الكسائىّ؛ أخذ عنه طرفا وافرا من نحو نحاة الكوفة، وله بينهم ذكر.
١٣٧ - إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ أبو محمد [٢]
أحد العلماء باللغة والغريب وأخبار الشعراء وأيام الناس، وكان شاعرا مجيدا، وقد روى من العلم والأخبار قطعة حسنة. يروى عنه مصعب بن عبد الله الزبيرىّ «١»، والزبير بن بكّار «٢» وغيرهما من رواة العلم أخبارا عجيبة.
فأما نسبه؛ فإنه قال: نحن فرس، من أهل أرّجان «٣»، وموالينا قوم من الجنظليّين «٤»، كانت لهم ضياع عندنا.
стр. 243
وقولهم: الموصلىّ أنه لما نشأ وأدرك صحب الفتيان، واشتهى الغناء وطلبه، فاشتدّ عليه أخواله فى ذلك، وبلغوا منه، فهرب منهم من الكوفة إلى الموصل، فأقام بها نحوا من سنة، فلما رجع إلى الكوفة قال إخوانه من الفتيان: مرحبا بالفتى الموصلىّ، فلصق به هذا الاسم «١».
وهو من بيت شرف وقدر فى العجم «٢»، وانتقل جدّه ماهان «٣» إلى الكوفة، ومات فى الطاعون الجارف «٤»، وخلف ولده إبراهيم صبيا، ابن سنتين أو ثلاث، وأخوين أكبر منه. وولد إسحاق سنة خمسين ومائة، ومات سنة خمس وثلاثين ومائتين، وكانت سنة خمسا وثمانين سنة.
قال أحمد بن يحيى النحوىّ: رأيت لإسحاق الموصلى ألف جزء من لغات العرب سماعه، وما رأيت اللغة فى منزل أحد قطّ أكثر منها فى منزل إسحاق، ثم فى منزل ابن الأعرابىّ.
стр. 244
وقال إسحاق بن إبراهيم: قال لى الأصمعىّ ونحن نريد الرقّة «١» مع الرشيد:
كم حملت معك من كتبك؟ قلت: خفّفت، فحملت ثمانية عشر صندوقا، فقال لى: أو هذا تخفيف! هذا نهاية التثقيل.
وقال عمر بن شبّة: ما رأيت مثل إسحاق بن إبراهيم قطّ، قال: وسألته عمّا عنده من الكتب فقال: عندى مائة قمطر.
وقال أحمد بن أبى خيثمة: كان «٢» أبى ويحيى بن معين يجلسان بالعشيّات إلى مصعب الزبيرىّ، وكنت أحضر، فمرّبنا رجل على حمار فاره «٣»، فسلّم ووقف، فقالوا له: إلى أين يا أبا الحسن؟ قال: إلى من يملأ أسماعنا علما وأكمامنا دنانير، فقال له يحيى: من هو؟ قال: إسحاق الموصلىّ. قال يحيى: ذلك والله أصحّ الناس سماعا، وأصدقهم لهجة «٤»، فسألت عن الرجل، فإذا هو المدائنىّ «٥».
ومدح إسحاق الرشيد يوما بشعر؛ منه:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصرى ... فذلك شىء ما إليه سبيل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل
فقال: لا كيف إن شاء الله، ثم التفت إلى الفضل بن الربيع، فقال: أبا العباس «٦»، أعطه مائة ألف درهم، فلله درّ أبيات تأتينا بها، ما أحكم أصولها، وأحسن
стр. 245
فصولها! فقلت: كلام أمير المؤمنين أحسن من شعرى، فقال: أحسنت والله! يا فضل، أعطه مائة ألف أخرى.
ودخل «١» إسحاق الموصلىّ على يحيى بن «٢» أكثم، فتفاوضا فى الحديث، إلى أن قال إسحاق ليحيى: أيها القاضى، أما ترى ظلم الناس لى؛ ينسبوننى إلى الغناء وحده، وهو أقلّ آلاتى، وإن كان من العلوم النّفيسة الشريفة، ولا يذكروننى بسائر ما أعلمه من اللغة والحديث والشعر وأيام الناس، وغير ذلك من سائر العلوم! فقال له يحيى:
الجواب فى هذا على أبى عبد الرحمن العطوىّ «٣»، فقال أبو عبد الرحمن- وكان حاضرا- وما أنا وهذا! قال: أقسمت عليك لما أجبته فيما أحب أن يعلمه من هذا الأمر! فقال له أبو عبد الرحمن: أخبرنى عنك، إذا قيل: من أفقه الناس؟
فما تظنهم يقولون؟ إسحاق أفقه من أبى محمد يحيى ومن بشر المريسىّ «٤»؟ قال: أبو محمد وبشر «٥». [قال]: فإذا قيل: من أعلم الناس بالحديث؟ يقولون: علىّ بن المدينىّ «٦»
стр. 246
ويحيى «١» بن معين أو إسحاق؟ قال: بل هذان. قال: فإذا قيل: من أعلم الناس بالشعر؟ يقال: الأصمعى وابن الأعرابىّ أو إسحاق؟ قيل: بل هما. قال: فإذا قيل: من أعلم الناس بالغناء؟ أيجوز أن يقول قائل: فلان أعلم من إسحاق؟ قال:
لا. قال: فبهذا صرت أولى أن تذكر به.
وفضائل إسحاق كثيرة جدا. وجالس الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق، وبقى إلى صدر أيام المتوكل، ومدحه. وعمى إسحاق قبل أن يموت بسنتين. وتوفى فى شوّال سنة ست وثلاثين ومائتين- عفا الله عنه، وتجاوز عن سيئاته «٢».
стр. 247
١٣٨ - إسحاق بن السّكّيت أبو يعقوب [١]
كان دائم الصمت، يعرف بالسّكّيت: قال ابن الكوفىّ «١»: لما مات الكسائىّ اجتمع أصحاب الفرّاء، وسألوه الجلوس لهم، وقالوا: أنت أعلمنا، فأبى أن يفعل، فألحّوا عليه فى ذلك بالمسألة، فأجابهم.
واحتاج أن يعرف أنسابهم، ليرتّب كلّ رجل منهم على قدر مجلسه، فكان فيمن سأله عن نسبه السّكّيت، فقال: ما نسبك؟ فقال: خوزىّ «٢» - أصلحك الله! من قرى دورق، من كور الأهواز. فبقى الفرّاء أربعين يوما فى بيته لا يظهر لأحد من أصحابه؛ فسئل عن ذلك، فقال: سبحان الله! أستحى أن أرى السّكّيت، لأنّى سألته عن نسبه، فصدقنى عن ذلك، وفيه بعض القبح «٣».
وكان عالما، وكان ابنه يقول: أنا أعلم من أبى بالنحو، وأبى أعلم منى بالشعر واللغة.
١٣٩ - إسحاق بن الجنيد البزّاز البصرىّ الورّاق اللغوىّ [٢]
صاحب أبى بكر بن دريد. كان يورّق لابن دريد، وياخذ عنه. ويعرف بورّاق ابن دريد.
стр. 248
١٤٠ - إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيبانىّ اللغوىّ [١]
صاحب العربية. كوفىّ نزل بغداذ، روى عنه ابنه عمرو، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلّام. وقيل: لم يكن شيبانيا «١»؛ وإنما كان معلّما مؤدّبا لأولاد ناس من بنى شيبان، فنسب إليهم.
وكان من أعلم الناس باللغة، موثّقا فيما يحكيه، جمع أشعار العرب ودوّنها.
قال عمرو بن أبى عمرو: ولما جمع أبى أشعار العرب كانت نيّفا وثمانين قبيلة، فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفا، وجعله فى مسجد الكوفة؛ حتى كتب نيّفا وثمانين مصحفا بخطه.
وقال أبو العباس ثعلب: كان مع أبى عمرو من العلم والسّماع عشرة أضعاف ما كان مع أبى عبيدة، ولم يكن من أهل البصرة مثل أبى عبيدة فى السماع والعلم.
стр. 249
وكان أبو عمرو يعرف فى وقته بين العلماء بصاحب ديوان اللغة والشعر، وكان خيّرا فاضلا صدوقا. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبى يلزم مجالس أبى عمرو ويكتب أماليه.
قال أبو عمرو الشيبانىّ: كنت أسير على الجسر ببغداذ؛ فإذا أنا بشيخ على حمار مصرىّ مسرج بسرج مدينىّ، فعلمت أنه من أهلها؛ فكلّمته؛ فإذا فصاحة وظرف؛ فقلت: ممّن أنت؟ فقال: من الأنصار، أنا ابن المولى، «١» الشاعر- إن كنت سمعت به. قال: قلت: إى والإله! لقد سمعت به؛ أنت الذى تقول:
ذهب الرّجال فما أحسّ رجالا ... وأرى الإقامة بالعراق ضلالا
قال: نعم، قلت: كيف قلت:
يا ليت ناقتى التى أكريتها «٢» ... نحزت وأعقبها النّحاز «٣» سعالا
قال: لم أقل كذا، وإنما قلت:
وأعقبها القلاب «٤» سعالا
فدعوت عليها بثلاثة أدواء.
стр. 250
وكان أبو عمرو فى مجلس سعيد بن سلم الباهلىّ «١»، وفيه الأصمعىّ، فأنشد الأصمعى بيت الحارث بن حلّزة:
عننا باطلا وظلما كما تع ... نز عن حجرة الرّبيض الظّباء «٢»
فقال للأصمعىّ: وما معنى «تعنز»؟ قال: تنحّى، ومنه قيل: «العنزة» التى كانت تجعل قدّام رسول الله ﷺ . فقال أبو عمرو: الصواب «كما تعتر عن حجرة الرّبيض»، أى تنحر فتصير عتائر «٣». فوقف الأصمعىّ، فقال أبو عمرو: والله لا تنشد بعد اليوم إلا «تعتر».
قال يونس بن حبيب: دخلت على أبى عمرو الشيبانىّ، وبين يديه قمطر فيه أمناء «٤» من الكتب يسيرة، فقلت له: أيّها الشيخ، هذا جميع عملك! فتبسم إلىّ، وقال: إنه من صدق كثير.