← Тараджим

Тараджим · id 10525

إنباه الرواة على أنباه النحاة

جمال الدين القفطي

Полный текст (1 612 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويحيى «١» بن معين أو إسحاق؟ قال: بل هذان. قال: فإذا قيل: من أعلم الناس بالشعر؟ يقال: الأصمعى وابن الأعرابىّ أو إسحاق؟ قيل: بل هما. قال: فإذا قيل: من أعلم الناس بالغناء؟ أيجوز أن يقول قائل: فلان أعلم من إسحاق؟ قال: لا. قال: فبهذا صرت أولى أن تذكر به. وفضائل إسحاق كثيرة جدا. وجالس الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق، وبقى إلى صدر أيام المتوكل، ومدحه. وعمى إسحاق قبل أن يموت بسنتين. وتوفى فى شوّال سنة ست وثلاثين ومائتين- عفا الله عنه، وتجاوز عن سيئاته «٢».

стр. 247

١٣٨ - إسحاق بن السّكّيت أبو يعقوب [١] كان دائم الصمت، يعرف بالسّكّيت: قال ابن الكوفىّ «١»: لما مات الكسائىّ اجتمع أصحاب الفرّاء، وسألوه الجلوس لهم، وقالوا: أنت أعلمنا، فأبى أن يفعل، فألحّوا عليه فى ذلك بالمسألة، فأجابهم. واحتاج أن يعرف أنسابهم، ليرتّب كلّ رجل منهم على قدر مجلسه، فكان فيمن سأله عن نسبه السّكّيت، فقال: ما نسبك؟ فقال: خوزىّ «٢» - أصلحك الله! من قرى دورق، من كور الأهواز. فبقى الفرّاء أربعين يوما فى بيته لا يظهر لأحد من أصحابه؛ فسئل عن ذلك، فقال: سبحان الله! أستحى أن أرى السّكّيت، لأنّى سألته عن نسبه، فصدقنى عن ذلك، وفيه بعض القبح «٣». وكان عالما، وكان ابنه يقول: أنا أعلم من أبى بالنحو، وأبى أعلم منى بالشعر واللغة. ١٣٩ - إسحاق بن الجنيد البزّاز البصرىّ الورّاق اللغوىّ [٢] صاحب أبى بكر بن دريد. كان يورّق لابن دريد، وياخذ عنه. ويعرف بورّاق ابن دريد.

стр. 248

١٤٠ - إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيبانىّ اللغوىّ [١] صاحب العربية. كوفىّ نزل بغداذ، روى عنه ابنه عمرو، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلّام. وقيل: لم يكن شيبانيا «١»؛ وإنما كان معلّما مؤدّبا لأولاد ناس من بنى شيبان، فنسب إليهم. وكان من أعلم الناس باللغة، موثّقا فيما يحكيه، جمع أشعار العرب ودوّنها. قال عمرو بن أبى عمرو: ولما جمع أبى أشعار العرب كانت نيّفا وثمانين قبيلة، فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفا، وجعله فى مسجد الكوفة؛ حتى كتب نيّفا وثمانين مصحفا بخطه. وقال أبو العباس ثعلب: كان مع أبى عمرو من العلم والسّماع عشرة أضعاف ما كان مع أبى عبيدة، ولم يكن من أهل البصرة مثل أبى عبيدة فى السماع والعلم.

стр. 249

وكان أبو عمرو يعرف فى وقته بين العلماء بصاحب ديوان اللغة والشعر، وكان خيّرا فاضلا صدوقا. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كان أبى يلزم مجالس أبى عمرو ويكتب أماليه. قال أبو عمرو الشيبانىّ: كنت أسير على الجسر ببغداذ؛ فإذا أنا بشيخ على حمار مصرىّ مسرج بسرج مدينىّ، فعلمت أنه من أهلها؛ فكلّمته؛ فإذا فصاحة وظرف؛ فقلت: ممّن أنت؟ فقال: من الأنصار، أنا ابن المولى، «١» الشاعر- إن كنت سمعت به. قال: قلت: إى والإله! لقد سمعت به؛ أنت الذى تقول: ذهب الرّجال فما أحسّ رجالا ... وأرى الإقامة بالعراق ضلالا قال: نعم، قلت: كيف قلت: يا ليت ناقتى التى أكريتها «٢» ... نحزت وأعقبها النّحاز «٣» سعالا قال: لم أقل كذا، وإنما قلت: وأعقبها القلاب «٤» سعالا فدعوت عليها بثلاثة أدواء.

стр. 250

وكان أبو عمرو فى مجلس سعيد بن سلم الباهلىّ «١»، وفيه الأصمعىّ، فأنشد الأصمعى بيت الحارث بن حلّزة: عننا باطلا وظلما كما تع ... نز عن حجرة الرّبيض الظّباء «٢» فقال للأصمعىّ: وما معنى «تعنز»؟ قال: تنحّى، ومنه قيل: «العنزة» التى كانت تجعل قدّام رسول الله ﷺ . فقال أبو عمرو: الصواب «كما تعتر عن حجرة الرّبيض»، أى تنحر فتصير عتائر «٣». فوقف الأصمعىّ، فقال أبو عمرو: والله لا تنشد بعد اليوم إلا «تعتر». قال يونس بن حبيب: دخلت على أبى عمرو الشيبانىّ، وبين يديه قمطر فيه أمناء «٤» من الكتب يسيرة، فقلت له: أيّها الشيخ، هذا جميع عملك! فتبسم إلىّ، وقال: إنه من صدق كثير.

стр. 251

وقال أبو العباس ثعلب: دخل أبو عمرو إسحاق بن مرار البادية، ومعه دستيجان «١» حبرا، فما خرج حتى أفناهما بكتب سماعه عن العرب. وكان أبو عمرو الشيبانىّ نبيلا فاضلا عالما بكلام العرب، حافظا للغاتها، عمل كتاب شعراء «٢» ربيعة ومضر واليمن إلى ابن هرمة «٣»، وسمع من الحديث سماعا واسعا، وعمّر عمرا طويلا أناف على التسعين، وهو عند الخاصة من أهل العلم والرواية مشهور معروف. والذى قصّر به عند العامة من أهل العلم أنه كان مشتهرا بالنبيذ والشرب له. وسمع الناس من عمرو بن أبى عمرو عن أبيه سنين- وأبوه [أبو] عمرو فى الأحياء- وهو يحدّث عن أبيه. مات أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيبانىّ النحوىّ سنة عشر ومائتين، يوم السّعانين «٤». وصنف أبو عمرو كتاب الحروف فى اللغة، وسماه كتاب الجيم، وأوّله الهمزة، ولم يذكر فى مقدّمة الكتاب لم سمّاه الجيم، ولا علم أحد من العلماء ذلك.

стр. 252

ولقد ذكر لى أبو الجود حاتم بن الكنانىّ الصّيداوىّ «١» نزيل مصر- وكان كاتبا يخالط أهل الأدب، وأسنّ ﵀ قال: سئل ابن القطّاع السّعدىّ «٢» الصّقلىّ اللّغوىّ- نزيل مصر- عن معنى الجيم، فقال: من أراد علم ذلك من الجماعة فليعطنى مائة دينار؛ حتى أفيده ذلك، فما فى القوم من نبس بكلمة. ومات ابن القطّاع، ولم يفدها أحدا. ولمّا سمعت ذلك من أبى الجود- ﵀ اجتهدت فى مطالعة الكتب والنظر فى اللغة، إلى أن عثرت على الكلمة فى مكان غامض من أمكنة اللغة، فكنت أذاكر الجماعة، فإذا جرى اسم الجيم أقول: من أراد علم ذاك فليعط عشرة دنانير، فيسكت الحاضرون عند هذا القول «٣». فانظر إلى قلة همة الناس وفساد طريق العلم، ونقض العزم! فلعن الله دنيا تختار على استفادة العلوم! فأمّا أبو منصور الأزهرىّ الهروىّ- ﵀ فإنه ذكر فى مقدّمة كتابه فى اللغة الذى سماه التهذيب أسماء جماعة من علماء العربية؛ منهم أبو عمرو الشيبانىّ- عفا الله عنه- فأخطأ فى اسم أبيه، وأورده مصحّفا، فقال: «مراد»، وهو خطأ كبير من مثله، وروى ذلك بخطه فى مقدّمة الكتاب.

стр. 253

أخبرنى ياقوت «١»، واسمه ياقوت الرومىّ مولى عسكر الحموىّ، قال: شاهدت بمرو نسخة من الكتاب، بخط الأزهرىّ عند بنى السمعانىّ «٢»، وفيها «مراد»، وكتب هذا المذكور من هذه النسخة نسخة، وأحضرها فى صحبته من خراسان- ﵀ ورضى الله عنه. ونقلت من كتاب اليمنىّ «٣» فى طبقات النحاة واللغويين أن كتاب الجيم هو كتاب الحروف الذى صنّفه أبو عمرو، وجمع فيه الحوشىّ، ولم يقصد المستعمل. قال: وجميع ما فيه خارج عن كتابه النوادر، وفيهما «٤» علم كثير. قال الجاحظ: إنما قيل له الشيبانىّ لانقطاعه إلى ناس من بنى شيبان، وليس له نسب فيهم، وتوفّى سنة ست عشرة ومائتين «٥». وقيل لأبى زيد الأنصارىّ: إن أبا عمرو الشيبانىّ يروى هذا الحرف للأعشى «٦»: بساباط حتى مات وهو محزرق «٧» بكسر الراء، فقال: إنها نبطيّة، وأمّ أبى عمرو نبطيّة، فهو أعلم بها منا.

стр. 254

وقال أبو بكر محمد بن الحسن الأندلسىّ «١» فى كتابه: «إنّ أبا عمرو الشيبانىّ هو إسحاق بن مرار، من رمادة الكوفة، وجاور شيبان، فنسب إليهم». «ودخل الأصمعىّ على أبى عمرو الشيبانىّ فى منزله ببغداذ، وهو جالس على جلد فراء، فأوسع له أبو عمرو، فجرّ الأصمعىّ يده على الفراء، ثم قال: يا أبا عمرو، ما يعنى الشاعر بقوله «٢»: بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإيزاغ المخاض تبورها «٣» فقال: هى هذه التى تجلس عليها يا أبا سعيد، فقال الأصمعىّ لمن حضر: يا أهل بغداذ، هذا عالمكم! والفراء هاهنا جمع فرأ، وهو الحمار الوحشىّ، وكانت رواية أبى عمرو «كآذان الفراء»، فتغفّله الأصمعىّ بغير روايته، فزلّ؛ يقال: فرأ وفراء، بالمد والقصر. ولأبى عمرو بنون وبنو بنين، كلّهم رووا عنه. وله من التصانيف: كتاب الخيل. كتاب اللغات، وهو الجيم، ويعرف بكتاب الحروف، غريب. كتاب النوادر الكبير ثلاث نسخ. كتاب غريب «٤» الحديث. كتاب النحلة «٥». كتاب الإبل. كتاب خلق الإنسان «٦».

стр. 255

وقال يعقوب بن السّكّيت: مات أبو عمرو الشيبانىّ، وله مائة سنة وثمانى عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات. قال: وكان ربّما استعار منّى الكتاب، وأنا إذ ذاك صبىّ آخذ عنه، وأكتب من كتبه. وقال ابن كامل: مات أبو عمرو فى اليوم الذى مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم الموصلىّ سنة ثلاث عشرة ومائتين. قال الأزهرىّ: «كان «١» يقال له: أبو عمرو الأحمر [جاور بنى شيبان بالكوفة، فنسب إليهم، ثم] «٢» قدم بغداذ، وسمع منه أبو عبيد، وروى عنه الكثير ووثّقه. وكان قرأ دواوين الشعراء على المفضّل الضبىّ، وسمعها منه أبو حسان، وابنه عمرو بن أبى عمرو، وكان الغالب عليه النوادر وحفظ الغريب وأراجيز العرب. وله كتاب كبير فى النوادر قد سمعه «٣» أبو العباس أحمد بن يحيى من ابنه عمرو عنه، وسمع أبو إسحاق الحربىّ هذا الكتاب أيضا من عمرو بن أبى عمرو. [وسمعت أبا الفضل المنذرىّ يروى عن أبى إسحاق عن عمرو بن أبى عمرو] جملة من الكتاب». وذكره المرزبانىّ «٤» فقال: «إسحاق بن مرار (بكسر الميم) أبو عمرو، مولى وليس من بنى شيبان؛ ولكنّه كان مؤدّبا لأولاد ناس من بنى شيبان، فنسب إليهم؛ كما نسب اليزيدىّ إلى يزيد بن منصور الحميرىّ، حين أدّب ولده».

стр. 256

«وأبو عمرو راوية أهل بغداذ، واسع العلم باللغة والشعر، ثقة، كثير الحديث كثير السماع، وله كتب كثيرة فى اللغة جياد؛ منها النوادر، ومنها كتاب الحروف الذى لقّبه بالجيم ومصنّفات فى خلق الإنسان والخيل والإبل وسائر فنون اللغة، وأخذ عنه دواوين أشعار القبائل كلّها، وله بنون وبنو بنين يروون عنه كتبه، وأصحاب علماء ثقات، وكان ممّن يلزم مجلسه ويكتب عنه الحديث أحمد بن حنبل». وقال أحمد بن يحيى النحوىّ ثعلب: كان عند أبى عمرو الشيبانىّ ما يحتاج إليه، وما لا يحتاج إليه لكثرة ما طلب وجمع. قال أبو عمرو إسحاق بن مرار: توفى ابنى محمد، فرأيته فى النوم، فقلت: مازلت أعرفك مسرفا، كنت تفعل كذا وكذا، فقال: أيارب إن تغفر فإنّك أهله ... وإن تكن الأخرى فإنّى مجرم قال: فقال لى شيخ من ناحية: هو أفقه منك! قال محمد الكندىّ: بلغ أبو عمرو الشيبانىّ مائة سنة وعشر سنين، ومات سنة ست أو خمس ومائتين. وقال يعقوب بن السكّيت: مات أبو عمرو الشيبانىّ، وله مائة وثمانى عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات، وربما استعار منّى الكتاب، وأنا إذ ذاك صبىّ، آخذ عنه، وأكتب من كتبه. وقال أحمد بن كامل القاضى: توفّى أبو العتاهية الشاعر فى سنة ثلاث عشرة ومائتين، وفى يوم مات فيه أبو عمرو الشيبانىّ وإبراهيم الموصلىّ المغنى، والد إسحاق، وكانت وفاته ببغداذ. وروى أن أبا عمرو مات سنة ست عشرة ومائتين، وله مائة سنة وسنتان.

стр. 257

١٤١ - إسحاق بن موهوب بن محمد بن الخضر الجواليقىّ أبو طاهر بن أبى منصور [١] أخو إسماعيل «١». شارك أخاه فى السّماع والأدب، وتصدّر للإفادة، وكان أصغر من أخيه إسماعيل. ولد فى شهر ربيع الأوّل سنة سبع عشرة وخمسمائة، وتوفّى يوم الأربعاء حادى عشر شهر رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وصلّى عليه يوم الخميس ثانى عشره، وحمل إلى مقبرة باب حرب، ودفن عند أبيه. ١٤٢ - أسعد بن علىّ الحسينىّ النحوىّ [٢] موصلىّ الأصل، مصرىّ الدار، هاجر إليها، واتخذها سكنا. وكان أديبا فاضلا، متصدّرا لإفادة هذا الشأن، مع رفعة المكانة، وجلالة التصدّر عند الخلفاء العلويين، وأدرك أيام الصالح بن رزّيك، «٢» ومدحه، ومن شعره: ومن يهو إدراك المعالى فإنه ... يعدّ المنايا من ملابسه طمرا «٣» قريع الرزايا والقنا يقرع القنا ... خطير العطايا يستقلّ الجدا خطرا «٤» ويحفظ بالخطّىّ فى النّقع موطنا ... يحوز العلا والموت يلحظه شزرا «٥»

стр. 258

١٤٣ - أسعد بن مهذّب بن زكريا بن ممّاتى أبو المكارم [١] الكاتب المصرىّ من أقباط مصر فى عصرنا، وجدّه ممّاتى كان جوهريا بمصر، وكان يصبغ البلّور صبغة الياقوت؛ فلا يعرفه إلا الخبير بالجواهر، ولقد حكى لى رجل كان يعرف بالرشيد الصائغ أنّ الفصّ من عمل ممّاتى كان إذا نودى عليه فى سوق الصاغة تشوّفت نحوه العيون أكثر من تشوّفها إلى غيره من الجواهر لجودته، وحسن منظره. وجدّه الأبعد أبو مليح كاتب الأفضل «١»، وصاحب ديوانه، وهو الذى قال فيه ابن مكنسة «٢» الشاعر: طويت سماء المكرما ... ت وكوّرت «٣» شمس المديح [وتناثرت شهب العلا] «٤» ... مذ «٥» قيل مات أبو المليح «٦»

стр. 259

أسلم هذا أسعد وأبوه الخطير «١» مهذّب فى صدر الدولة الغزّية» ، عند استيلائها على الأعمال المصرية. وتولى ديوان الإقطاعات المدة الطويلة، سالما فى نفسه وجاهه ومآله إلى أن استولى على الأمر عبد الله بن علىّ بن مقدام الدّميرىّ «٣» - وكان عامّيا أحمق، قليل التدبير، حاسدا لكلّ ذى فضيلة- فقبّح أثره عند مخدومه «٤»، فلحقته إهانة، فخرج من مصر مختفيا بعد شدّة أدركته، وقصد حلب، فأتى إلى من «٥» بها بقديم الصحبة، فأخفق مسعاه، وأجدب مرعاه، وعاش بشجاه، إلى أن أدركته الوفاة، فمات بها فى شهور سنة ست أو سبع وستمائة، ودفن بالمقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق المسلوك إلى دمشق خارج تربة رجل متمحل، يعرف بعلىّ بن أبى بكر الهروىّ الموصلىّ الخرّاط. ولما ورد إلى حلب اطّرحوا قدره، واستبردوا نظمه ونثره، وتحاموا محاضرته، وقلّلوا مكاثرته؛ فكان فيها غريبا على التحقيق، عادم التصديق والصديق؛ وإلا

стр. 260

فهو كما قال فيه محمد بن محمد بن حامد «١» عندما وصفه: «ذو الفضل الجلىّ، والشعر العلىّ، والنظم السوىّ، والخاطر القوىّ، والروىّ الروىّ، والقافية القافية أثر الحسن، والقريحة المقترحة صور اليمن، والفكرة المستقيمة على جدد البراعة، والفطنة المستمدّة من مدد الصناعة، شابّ الأدب رابّ؛ وعن الفضل ذابّ، وله شعر حسن، منه قوله يوم فتح الخليج «٢» بالقاهرة: خليج كالحسام له صقال ... ولكن فيه للرائى مسرّه رأيت به الصّغار تجيد عوما ... كأنّهم نجوم فى المجرّه وله فى غلام نحوىّ: وأهيف أحدث لى نحوه ... تعجّبا يعرب عن ظرفه علامة التأنيث فى لفظه ... وأحرف العلّة فى طرفه وقوله فى غلام خيّاط: وخيّاط نظرت إلي ... هـ مفتونا بنظرته أسيل الخدّ أحمره ... بقلبى ما بوجنته وقد أمسيت ذا سقم ... كأنّى خيط إبرته وأحسد منه ذاك الخي ... ط فاز برىّ ريقته

стр. 261

وكان السديد أبو القاسم الكاتب فى ديوان الإنشاء من فضلاء المتصرّفين، قد عمل قصيدة لامية مقيّدة؛ فقال فيها الأسعد هذا: تبكى قوافى الشعر لاميّة ... بيّضتها من حيث سوّدتها لما «١» علا وسواس ألفاظها ... ظننتها جنّت فقيّدتها وله فى جماعة لا يجتمعون إلا فى مجلس الشراب: أراكم كحباب الكأس منتظما ... فما أرى جمعكم إلّا على قدح وشعره ونثره كثير طيّب، وليس هذا موضع التكثير منه، وإنما ذكرته فى هذا التصنيف؛ لأنه تعرّض إلى تهذيب أفعال ابن طريف «٢» فى اللغة، فاختاره وأجاده، وأتى فيه بالحسنى وزيادة. وقد كانت تصانيفه «٣» كثيرة لطيفة، ومقاصده فيها طريفة «٤».

стр. 262

١٤٤ - أسعد بن نصر بن أسعد أبو منصور الأديب [١] يعرف بابن العبرتىّ، منسوب إلى عبرتا، ناحية بالنّهروان. قرأ النحو على الشيخ أبى محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب، ومن بعده على الشيخ الكمال أبى البركات عبد الرحمن بن محمد الأنبارىّ، وصارت له به معرفة حسنة، وتصدّر له، وأقرأه، وله شعر لا بأس به، فمنه: قل لمن يشكو زمانا ... حاد عما يرتجيه لا تضيقنّ إذا جا ... ء بما لا تشتهيه ومتى نابك دهر ... حالت الأحوال فيه فوّض الأمر إلى اللّ ... هـ تجد ما تبتغيه وإذا علّقت آما ... لك فيه ببنيه حرت فى قصدك حتى ... قيل ماذا بنبيه توفّى أسعد بن العبرتىّ يوم السبت رابع عشر شهر رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة «١».

стр. 263

١٤٥ - آدم بن أحمد بن أسد الهروى الأسدىّ أبو سعيد [١] من أهل هراة، سكن بلخ. كان أديبا فاضلا، عالما بأصول اللغة، صائنا حسن السيرة، ورد بغداذ حاجّا سنة عشرين وخمسمائة، وقرأ بها الحديث والأدب، وجرى بينه وبين أبى منصور الجواليقىّ منافرة فى مذاكرة الأدب، واختلفا فى شىء، وشرّقت بينهما القضية، إلى أن قال الأسدىّ للجواليقىّ: أنت لا تحسن أن تنسب نفسك، فإن الجواليقىّ نسبة إلى الجمع، والنّسبة إلى الجمع لا تصحّ. وعاد إلى بلخ، وتصدّر للإفادة بها، فاستفاد منه الناس، إلى أن توفى- ﵀ فى عصر يوم الجمعة الخامس والعشرين من شوّال سنة ست وثلاثين وخمسمائة. ١٤٦ - إقبال بن علىّ بن أبى بكر واسمه أحمد بن برهان أبو القاسم المقرئ النحوىّ اللغوىّ [٢] يعرف بابن الغاسلة، من أهل واسط، قرأ النّحو على مشايخ عصره، وورد بغداذ مرارا، وقرأ بها الأدب على موهوب الجواليقىّ وغيره. قال إقبال: كنت حاضرا فى حلقة أبى منصور الجواليقىّ ببغداذ فى جامع القصر الشريف يوم جمعة بعد الصلاة، فسأله رجل عن هذا البيت:

стр. 264

يحاولن منّى عادة قد عرفنها ... قديما فما يضحكن إلّا تبسّما وقيل له: كيف تستثنى التبسّم من الضحك؟ فقال: يكون حرف الاستثناء- وهو إلّا هاهنا- بمعنى لكن التى معناها الاستدراك؛ ويكون معنى البيت: فما يضحكن لكن يتبسّمن. قال إقبال بن على: هذا، ومثله قوله تعالى: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ معناه: لكن من ظلم. ولد إقبال فى ثامن رمضان من سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بواسط، وتوفّى بها ليلة الاثنين يوم عيد الأضحى من سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وصلّى عليه بعد صلاة العيد بجامع واسط، ودفن بمقبرة سكة الأعراب بواسط. ١٤٧ - أسامة بن سفيان النحوىّ السجزىّ [١] من نحاة سجستان فى العهد القريب، وكان متصدّرا هناك لإفادة العربية طالبيها، وله شعر مذكور؛ إلا أنه كشعر النحاة، فمنه: أبى النّاى إلا أن يجدد لى ذكرا ... لمن ودّعتنى وهى لا تملك العبرا «١» وقالت: رعاك الله ما خلت أنّنى ... أراك تسلّى إذ تطيق لنا هجرا وكنت ترى فرط العلاقة ساعة ... تغيّبها عنا- وإن قصرت- شهرا وتجزع من وشك الفراق فمالنا ... على فرقة الأحباب أن نظهر الصبرا

стр. 265

١٤٨ - الأعشى النحوى الأندلسىّ [١] ما عرفت اسمه. كنيته أبو محمد، ولقبه أشهر من كنيته، فذكرته لأجلها فى الألف، وله شعر منه: ملك إذا ادّرع الدّلاص «١» حسبته ... لبس الغدير وهزّ منه جدولا فحذار ليثا لا ينهنه باسلا ... تجد الصّوارم غيله والذّبّلا «٢» ١٤٩ - الإمام المغربىّ النحوىّ [٢] ذكره صاحب كتاب الوشاح «٣»، ولم يسمّه، وقال فى وصفه: «سلّ فى بلاد خراسان مع الأفاضل سيوف المنازعة والبغضاء، وحال عن الرضا والارتضاء، ورمى إلى الأئمة بسهام الملام، وغادر بينهم كلام «٤» الكلام، ولبعض الأئمة فصول فى التنصّل عما نسبه هذا الإمام إليه، وحكم به عليه، وفى الخلاف بين الجهال ذكر؛ ولكنه بين العقلاء شىء نكر، وأما من أحيا ذكره بالخلاف وخلّده، فإنه فرّق شمل الإنصاف وبدّده».

стр. 266

وأنشد الإمام محمد بن شاهقور قال: أنشدنى هذا الإمام لنفسه: سقى روحى بكأس الهجر ساقى ... وبلّ الوجه من مطر المآقى فتندبنى الطيور لما أعانى ... وترحمنى «١» النجوم لما ألاقى أفيقا لائمىّ فلست ممّن ... يفيق من الهوى قدر الفواق «٢» ١٥٠ - الأهنومىّ النحوىّ اليمنىّ [١] نزيل الديار المصرية، بالقاهرة المعزّية. رجل يعرف طرفا من النحو، وشيئا من اللغة، قدم إلى الإقليم المصرى فى زماننا، وتصدّر بالجامع الأزهر لإفادة هذا النوع، وقرأ عليه الناس، وكان شخت الحلقة «٣»، قصيرا دميما، يقول شعرا متوسّطا من أشعار النحاة، يتوصّل به إلى قضاء حوائجه، وكان ضيّق العطن، عسر الإجابة عند السؤال، وكنت قد مشيت إليه لطلبة الإفادة فلم أجد عنده شيئا، فتركته ثم اجتمعت به فى شهور سنة ست وثمانين، أو سبع وثمانين فى «٤» مدرسة القاضى الفاضل عبد الرحيم بن على البيسانىّ- ﵀ وكان يتكرر

стр. 267

إليها لإقراء ولده الأشرف بها الدين أحمد. وتجاذبنا ذكر الألغاز، فأنشدتهم بيتا واحدا فى ذلك، وقلت له: لست المقصود بذلك الجواب؛ وإنما هذا مذاكرة بين الطلبة، فأبى إلا أن يتعرّض للجواب، فكان كلّما قال قولا رددته عليه، وأظهرت موضع الخطأ منه، فلما عىّ عن الجواب دمعت عيناه، وكادت نفسه أن تذهب خجلا لضيق عطنه، فقلت له: قد قلت لك: لست المقصود به، فزاده ذلك حنقا وغيظا وخجلا، وسأل الجماعة ذكر الجواب، فذكرته، فلم يكن له عليه دخل، وتحقّق به أن قوله كان هذرا، فأطرق منكّسا، وتركته ولم أره بعد ذلك، وبلغنى أنه مات فى حدود سنة تسعين وخمسمائة بالقاهرة، وخلّف عائلة عالّة؛ فإنه كان مقلّا مقتّرا، عليه حرفة الأدب بادية- رحمنا الله وإياه. وكنت قد سألته يوما: على من قرأت؟ أو سئل بحضورى، فقال: على شيخ من مشايخ بلادى، يقال له أبو الخير الصّبرىّ، أو قال: ابن أبى الخير. وسئل عن النسبة، فقال: هو منسوب إلى جبل صبر، عمل بمخاليف اليمن.

стр. 268

(حرف الباء «١») ١٥١ - البرّ النحوىّ القرقيسىّ [١] من أهل قرقيسياء «٢»، نزيل سنجار، نحوىّ خامل الذكر، مجهول المكانة. كان بسنجار من بلاد الجزيرة «٣» بعد طلبه هذا الشأن. قرأ عليه علىّ بن دبابا السّنجارىّ النحوىّ، واستفاد منه، وتصدّر بعده بسنجار لإفادة هذا الشأن، وذلك فى أوائل المائة السادسة من الهجرة بعد العشرين والخمسمائة، وذلك تقديرا لا تحريرا، والله أعلم؛ فإن تلميذه علىّ بن دبابا مات بعد أن أفاد فى حدود ستين وخمسمائة. ١٥٢ - بزرج بن محمد العروضىّ الكوفىّ [٢] كان حافظا راوية، وكان كذّابا، يحدّث بالشىء عن رجل، ثم يحدّث به عن غيره، وكان يونس النحوىّ يقول: إن لم يكن بزرج النحوىّ أروى الناس فهو أكذب الناس.

стр. 269

وكان منقطعا إلى الفضل بن يحيى. وهو من الكوفيين، مذكور فى أخبار علماء الكوفة. وذكر أحمد بن أحمد المعروف بابن أخى «١» الشافعىّ ورّاق الجهشيارىّ «٢» - وكان محقّقا- أن لبزرج من التصانيف كتاب العروض الكبير. كتاب العروض الصغير. كتاب بناء الكلام فى جلود «٣». كتاب النقض على الخليل وتغليطه فى كتاب العروض. كتاب تفسير الغريب «٤». وذكره المرزبانىّ محمد بن عبيد الله قال: «بزرج العروضىّ مولى بجيلة». وقال الصولىّ: بزرج بن محمد، أظنه من موالى كندة. وقال عبد الله بن جعفر «٥»: «من علماء الكوفة بزرج بن محمد العروضىّ، وهو الذى صنف كتابا فى العروض، فنقض فيه العروض- بزعمه- على الخليل، وأبطل «٦» الدوائر والألقاب [والعلل] «٧» التى وضعها الخليل للأوزان فى كتابه، واستشهد على ذلك بأشعار رواها مولّدة، وضعها [ونسبها] «٨» إلى قبائل العرب، وكان كذّابا».

стр. 270

وكان الناس قد أكبّوا عليه لكثرة حفظه، فساء ذلك حمّادا» وجنّادا «٢»، فدسّا إليه من اختبره؛ فإذا هو يحدّث بالحديث عن رجل فعل شيئا، ثم يحدّث به عن رجل آخر. فتركه الناس حتى كان يجلس وحده. ولبزرج أشعار مروية، منها: ليس بينى وبين صحبى إلا ... أنّنى فاضل لهم فى الذكاء حسدونى فزخرفوا فىّ قولا ... تتلقّاه ألسن البغضاء كنت أرجو العلاء فيهم بعلمى ... فأتانى من الرّجاء بلائى شدّة استفدتها من رخاء ... وانتقاض جنيته من وفاء ١٥٣ - بشّار النحوىّ الضرير الأندلسىّ [١] كان نحويا أستاذا فى العربية، شيخا من شيوخ الأدب، وكان مختصا بمجاهد ابن عبد الله العامرىّ، المدعو بالموفّق «٣»، ومنقطعا إليه، وله مع أبى العلاء صاعد

стр. 271

الموصلىّ الأديب الطارئ على المغرب حكاية «١» ظريفة، وكان صاعد يتّهم بالكذب فيما يذكره من اللغة، ويأتى به من الغرائب. وذلك أنه لما ورد صاعد دانية «٢» وافدا على الأمير الموفّق- وكان يوصف بسرعة الجواب فيما يسأل عنه، ويتّهم فيما يجاوب به- قال بشّار للموفّق: أيها الأمير، أتريد أن أفضح أبا العلاء بحضرتك فى حرف من الغريب لم يسمع قط؟ فقال له الموفّق: الرأى لك ألّا «٣» تتعرّض له، فإنه سريع الجواب، وربما أتى ما تكره؛ فأبى إلا أن يفعل. فلما اجتمعوا عنده، واحتفل المجلس قال بشار: أبا العلاء! قال: لبيك، قال: حرف من الغريب، قال: قل، قال: ما الجرنفل فى كلام العرب؟ ففطن «٤» له أبو العلاء، فأطرق، ثم أسرع فقال: هو الذى يفعل بنساء العميان- لا يكنى، ولا يكون الجرنفل جرنفلا [حتى] «٥» لا يتعدّاهنّ إلى غيرهن. فحجل بشّار وانكسر، وضحك من كان حاضرا، وتعجّب. وقال له الموفّق: قد خشيت عليك مثل هذا! ١٥٤ - بكر بن حبيب السّهمىّ [١] وهو والد عبد الله المحدّث. كان عالما بالعربية فى طبقة أبى عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر، وهو أكبر من الخليل بن أحمد، ولم يكن له شهرته.

стр. 272

واختلف عيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء فى سطر «١» وسطر، وكانا عند بلال ابن أبى بردة «٢»، فأرسلوا إلى بكر بن حبيب السهمىّ فحكّموه، فقال: سطر (مخفف) أفصحهما «٣»، ومن قال: سطرا (بالتخفيف) جمعه على سطور، ومن قال سطرا (بالتحريك) جمعه على أسطار. وكان بكر بن حبيب سهميا، من سهم باهلة. قال بكر: عرضت لى حاجة إلى بلال ابن أبى بردة، فأتيته فيها، وكان يحسد على الفصاحة، فطاولنى الكلام، فجعلت لا أزيده على المطاولة إلا فصاحة، فقال لى يابكر: لجاد ماتخذك أهلك! فقلت: أصلح الله الأمير! أرادوا جمال أمرى، وقضاء حاجتى. وسألته الحاجة، فقال: والله لا ترجع بها، فقلت: أصلح الله الأمير! لو علمت لحضّجت «٤» حضجات أبى شيخ ابن العرق الفقيمىّ- وكان لحّانا- قال: فلقينى أبو شيخ، فقال: يا أخا باهلة، أما وجدت أحدا يضرب به المثل غيرى! هلا ضربت المثل بابن عمك عمير بن سلم حين يقرأ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الظالّون. وقال ابن أبى إسحاق لبكر بن حبيب «٥»: ما ألحن فى شىء، فقال له: لا تفعل. قال: فخذ علىّ كلمة، فقال: هذه «٦»، قل: كلمه. وقربت منه سنّورة، فقال اخسى، فقال له: أخطأت؛ إنما هو اخسئ «٧».

стр. 273

١٥٥ - بكر بن محمد بن بقية، وقيل بكر بن محمد بن عدىّ بن حبيب أبو عثمان المازنىّ النحوىّ [١] من بنى مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علىّ بن بكر ابن وائل. من أهل البصرة، وهو أستاذ أبى العباس المبرّد. روى عن أبى عبيدة والأصمعىّ وأبى زيد الأنصارىّ ومحبوب بن الحسن، وروى عنه الفضل بن محمد اليزيدىّ والمبرّد وعبد الله بن أبى سعد الورّاق. ورد بغداذ، فأخذ عنه أهلها، وروى عنه منهم الحارث بن أبى أسامة، ومحمد ابن أبى الجهم السّمّرىّ «١»، وموسى بن سهل الجونىّ. قال أبو الفضل ميمون بن هارون: إن أبا عثمان المازنىّ قدم بغداذ فى أيام المعتصم. وروى أنّ قدومه بغداذ كان فى أيام الواثق.

стр. 274

قال أبو عثمان المازنى: دخلت على الواثق، فقال لى: يا مازنىّ، ألك ولد؟ قلت: لا، ولكن لى أخت بمنزلة الولد، قال: فما قالت لك؟ قلت: ما قالت بنت «١» الأعشى للأعشى «٢»: فيا أب لا تنسنا غائبا ... فإنّا بخير إذا لم ترم أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى ويقطع منّا الرّحم قال: فما قلت لها؟ قال: قلت لها ما قال جرير: «٣» ثقى بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح قال: أحسنت! أعطه خمسمائة دينار. وللمازنىّ من التصانيف: كتاب ما يلحن فيه العامة، وكتاب الألف واللام، وكتاب التصريف، وكتاب العروض، وكتاب القوافى، وكتاب الديباج، على خلاف كتاب أبى عبيدة. قال أبو جعفر الطحاوىّ المصرىّ الحنفىّ «٤»: سمعت القاضى بكّار بن قتيبة- ﵀ يقول: ما رأيت نحو يا قطّ يشبه الفقهاء إلا حبّان بن هلال «٥» والمازنىّ- يعنى أبا عثمان. قال أبو سعيد السكّرىّ: توفى المازنىّ سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقال غيره: مات سنة تسع وأربعين بالبصرة.

стр. 275

وكان أبو العباس المبرّد يصف المازنىّ بالحذق بالكلام والنحو. قال: وكان إذا ناظر أهل الكلام لم يستعن بشىء من النحو، وإذا ناظر أهل النحو لم يستعن بشىء من الكلام. وقال الجاحظ فى كتاب البلدان، وقد ذكر فضل البصرة ورجالها: «وفينا اليوم ثلاثة رجال نحويّون ليس فى الأرض مثلهم، ولا يدرك مثلهم- يعنى فى الاعتلال والاحتجاج والتقريب؛ منهم أبو عثمان بكر بن محمد المازنىّ، والثانى العباس بن الفرج الرياشىّ، والثالث أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الزيادىّ. وهؤلاء لا يصاب مثلهم فى شىء من الأمصار». وكتب كتابه «١» هذا فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وأربعين ومائتين. وكان المازنىّ من فضلاء الناس ورواتهم وثقاتهم، وكان متخلّقا «٢» رفيقا بمن يأخذ عنه، فذكر محمد بن يزيد عنه قال: قرأ علىّ رجل كتاب سيبويه فى مدّة طويلة، فلما بلغ آخره قال لى: أمّا أنت فجزاك الله خيرا، وأما أنا فما فهمت منه حرفا. وذكره المبرّد قال، قال المازنىّ: قرأت على يعقوب بن إسحاق الحضرمىّ القرآن، فلما ختمت رمى إلىّ بخاتمه وقال: خذه، ليس لك مثل، وكذلك فعل يعقوب بأبى حاتم، ختم عليه سبع ختمات، وقيل خمسا وعشرين ختمة، فأعطاه خاتمه، وقال: أقرئ الناس. وكان الواثق كتب فى حمله من البصرة إلى سرّ من رأى، فأراده على النظر والكلام، فأبى وقال: أنا تارك، فأعفوه. ووهب له الواثق مالا، وردّه إلى البصرة.

стр. 276

وروى أيضا أن السبب فى حمله غير هذا، وقد يجوز أن يكون قد حمل مرتين؛ وذلك أن جارية غنّت الواثق: أظليم «١» إنّ مصابكم رجلا ... أهدى السّلام تحيّة ظلم فردّ بعض الحاضرين عليها نصبها «رجلا»، وظنّ أنه خبر إن، وإنما هو مفعول المصدر، و «مصابكم» فى معنى «إصابتكم»، و «ظلم» خبر إن، فقالت: لا أقبل هذا ولا أغيّره، وقد قرأته كذا على أعلم الناس بالبصرة، أبى عثمان المازنىّ. فتقدم «٢» الواثق بإحضاره. قال المازنىّ: لما دخلت على الواثق قال: باسمك؟ يريد: ما اسمك؟ قال المازنىّ: وكأنه أراد أن يعلمنى معرفته بإبدال الباء مكان الميم فى هذه اللغة، فقلت له: بكر بن محمد المازنىّ. قال: مازن شيبان أم مازن تميم «٣»؟ قلت: مازن شيبان، فقال: حدّثنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، هيبتك تمنعنى من ذلك، وقد قال الراجز «٤»: لا تقلواها وادلواها دلوا ... إنّ مع اليوم أخاه غدوا «٥»

стр. 277

قال: فسّره لنا، قلت: لا تقلواها: لا تعنّفاها فى السير: يقال: قلوته؛ إذا سرت سيرا عنيفا، ودلوت: إذ سرت سيرا رفيقا. قال: ثم أحضر التّوّزىّ «١» - وكان فى دار الواثق- وكان التّوّزىّ يقول: «إن مصابكم رجل»، يظنّ أن «مصابكم» مفعول، «٢» و «رجل»، خبر، فقال له المازنىّ: كيف تقول: «إن ضربك زيدا ظلم»؟ فقال التوّزىّ: حسبى، وفهم. وكان عبد الصمد بن المعذّل «٣» قد هجا المازنىّ لأمر أوجب ذلك، وأفحش، وكان فى آخر القصيدة بيت، وهو: هممت» أعلو رأسها وأدمغه «٥» فبلغ أبا عثمان هذا الهجاء، فقال: قولوا له الجاهل: بم نصبت: «وأدمغه»؟ لو لزمت مجالسة أهل العلم كان أعود عليك. وقال المازنىّ: حضرت يوما مجلس المتوكل، وحضر يعقوب بن السّكّيت، فقال المتوكل: تكلّما فى مسألة نحوية. فقلت له: اسأل، فقال: اسأل أنت، فقلت له: ما وزن «نكتل» اللفظة الواردة فى الآية المذكورة فيها قصة إخوة يوسف؟ قال: فتسرّع، وقال: وزنها: «نفعل»، فقلت له: اتّئد وانظر،

стр. 278

قال: فأفكر «١»، ثم قال: وزنها «نفتعل». قال: فقلت له: «نكتل» أربعة أحرف، و «نفتعل» خمسة أحرف، فكيف تقدر الرباعىّ بالخماسىّ! قال: فبهت «٢»، ولم يحر جوابا «٣»، فقال له المتوكل، فما تقول أنت يا مازنىّ؟ قال: قلت: وزنها فى الأصل «نفتعل»؛ لأنها «نكتيل»، فلما تحرّك حرف العلة، وهو الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، فصارت «نكتال»، ولما دخل الجازم صارت «نكتل». فقال المتوكل: هذا هو الحق، وانخزل ابن السكيت ووجم، وظهر ذلك عليه، وقمنا، فلما خرجنا قال ابن السكيت فى الطريق: بالغت اليوم فى أذاى! فقلت له: لم أقصدك بشىء ممّا جرى، وإنما مسألة كانت قريبة من خاطرى، فذكرتها. وذكر أن بعض تلامذة المازنىّ دخل عليه، وهو يعالج نفسه، قال: فقلت له: امرخ «٤» صدرك يلين؛ لأنى سمعت فى حلقه حشرجة، فقال لى: امرخ صدرك يلن. قال المازنىّ: قال له الواثق: إن ها هنا قوما يختلفون إلى أولادنا فامتحنهم، فمن كان منهم عالما ينتفع بعلمه ألزمناه إياهم، ثم أمر فجمعوا، فامتحنتهم، فما وجدت طائلا، وخافوا، فقلت: لا بأس على أحد، فلما رجعت إليه قال: كيف رأيتهم؟ قلت: يفضل بعضهم بعضا، وكلّ يحتاج إليه، فقال: لله درّك يا بكر!، وأمر لى بصلة جزلة، وأجرى لى فى كل شهر مائة دينار، فكنت بحضرته. قال المازنىّ: قلت لابن قادم، أو لابن سعدان لمّا كابرانى: كيف تقول: «نفقتك دينارا أصلح من درهم؟»، فقال: «دينار» بالرفع، قلت: فكيف تقول: «ضربك زيدا خير لك؟»، فنصب زيدا، فقلت له: فرّق بينهما، فانقطع، وكان ذلك عند الواثق.

стр. 279

وشاهدت فى بعض المجاميع «١» ذكر دخول المازنىّ على المتوكل- وهو أصحّ- فى إنشاده «لا تقلواها»، من أن يكون أنشدها عند الواثق. قال المازنىّ: ذكرت للمتوكل، فأمر بإشخاصى، فلما دخلت عليه رأيت من العدّة والسلاح والأتراك ما راعنى- والفتح بن خاقان بين يديه- وخشيت أنى إن «٢» سئلت عن مسالة ألّا أجيب فيها، فلما مثلت بين يديه، وسلّمت قلت: يا أمير المؤمنين، أقول كما قال الأعرابىّ: لا تقلواها وادلواها دلوا ... إنّ مع اليوم أخاه غدوا قال المازنىّ: فلم يفهم عنى ما أردت، واستبردت فأخرجت، ثم دعانى بعد ذلك، فقال: أنشدنى أحسن من شعر الأعرابىّ، فأنشدته قصيدة أبى ذؤيب الهذلىّ: أمن المنون وريبها تتوجّع «٣» فقال: ليست بشىء، ثم أنشدته قصيدة متمّم بن نويرة: لعمرى وما دهرى بتأبين مالك «٤»

стр. 280

فقال: ليست بشىء، ثم أنشدته عدّة قصائد فى هذا الفن «١»، وهو يقول مثل قوله فسكتّ، فقال: من شاعركم اليوم بالبصرة؟ قلت: عبد الصمد بن المعذّل ابن غيلان، قال: فأنشدنى له، فأنشدته أبياتا قالها فى قاضينا ابن «٢» رياح: أيا قاضية البصره ... قومى فارقصى قطره ومرّى برواشنك «٣» ... فماذا البرد والفتره أراك قد تثيرين ... عجاج القصف يا حرّه بتحذيفك خدّيك ... وتجعيدك للطرّه قال المازنى: فاستحسنها المتوكل، واستطار لها سرورا وابتهاجا، وأمر لى بجائزة؛ فكنت أتعمّل له حفظ مثل ذلك، واستدللت على نقصه، وكمال الواثق. قال ابن الفرّاء المصرىّ: وتوفّى المازنىّ سنة تسع وأربعين ومائتين بالبصرة. هكذا ذكره فى تاريخه. وقال أحمد بن أبى يعقوب بن واضح الكاتب «٤»: توفى المازنىّ سنة ست وثلاثين ومائتين، ذكره فى كتابه الكبير. قال أبو عثمان المازنىّ: قال لى أبو عبيدة: ما أكذب النحويين! فقلت له: لم قلت ذلك؟ قال: يقولون: إن هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث، وإن

стр. 281

الألف التى فى «علقى» «١» ملحقة ليست للتأنيث. قال: فقلت: وما أنكرت من ذاك؟ قال: سمعت رؤبة «٢» ينشد: فحطّ فى علقى وفى مكور «٣» فقلت له: ما واحد العلقى؟ فقال: علقاة «٤». قال أبو عثمان: فلم أفسّر له؛ لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل ذلك. وحقّ ذلك أن يكون علقى جمعا موضوعا على غير علقاة، ولكن كالشاء من شاة «٥». ومن زعم- وهو قول أبى العباس- أن شاء جمع شاة على لفظها كتمرة وتمر؛ فإنما يقول الهمزة بدل من الهاء لازم؛ وذلك أن شاة حذفت منها هاء. ولو جاء على تمرة وتمر لقلنا فى الجمع شاه، فاعلم، فوصلنا بالهاء؛ لأن حق شاة شاهة، وقد كانت الهمزة تبدل من الهاء للمجاورة فقط، وبدلها هاهنا لنفى اللبس؛ ألا ترى أنها مبدلة فى قولك ماء، فاعلم، فإذا صغّرت قلت مويه، فإذا جمعت قلت أمواه ومياه. ومن هذا قولهم للشاء شوىّ؛ مما تقاربت ألفاظه بمداخلتها، وليس من لفظ شاة وشاء على هذا القول.

стр. 282

قال محمد بن يزيد: فقلت للمازنىّ: فما تقول أنت؟ قال: القول فيه أن علقى إذا لم تنصرف فى النكرة؛ فإنما هو اسم مأخوذ من لفظ علقى الذى ينصرف، وليس به، والألف فيه ملحقة، فعلّق على التأنيث فهو مشتق من لفظه، ومعناه كمعناه؛ ألا ترى أنك تقول: سبطر فهو بمعنى السّبط «١» ولفظه، وليس هو إياه بعينه، ولا مبنيا عليه، وإنما هو بمنزلة اسم وافق اسما فى معناه، وقاربه فى لفظه، وكذلك لّال لصاحب اللؤلؤ، وهذا البناء لا يكون فى ذوات الأربعة، وإنما هو اسم مشتق من اللّؤلؤ، وفى معناه، وليس بمبنىّ عليه. وإذا كانت الألف فى علقى للتأنيث لم يجز أن يكون واحدها علقاة؛ لأن تأنيثا لا يدخل على تأنيث. وقال المازنىّ: قلت للأخفش سعيد بن مسعدة: كيف تقول: «لقضو الرجل «٢»»؟. قال: كذلك أقول [قلبت] الياء واو الضمة الضاد. قال: فقلت له: كيف تسكّنها فى قول من قال: «علم «٣» الأمر»، فقال: أقول «لقضو الرجل»، فأسكن. قلت: فلم لا تردّ الواو إلى الأصل إذا كانت الضمة فى الضاد قد ذهبت؟ فقال: إنى إنما أسكنتها من فعل، فأنا أنوى فيها الضمة. فقلت: فكيف تصغر سماء؟ قال: سميّة. قلت: أليس هى محذوفة من سمّيية؟ قال: بلى! قلت: فلم لا تحذف «٤» الهاء؟

стр. 283

ألأنك لا تنوى الياء التى حذفتها؟ قال: ليس هذا مثل «لقضو الرجل». قال: فسألت الفضل فلم يكن عنده شىء، فسألت أبا عمر الجرمىّ، فشعّب علىّ. قال أبو عثمان: إن هذا لا يلزم؛ لأن التصغير عندى يستأنف على حدّ آخر: قال أبو العباس: ولم يصنع أبو عثمان شيئا، قال: ونحن نقول: «لقضو الرجل»، و «لقضو الرجل»، فنسكن ونحرّك، ولم نقل قطّ فى مثل سماء سميّية، نحو تصغير عطاء، لا نقول «عطيّى»، فلما لم نقله صار بمنزلة ما ليس فى الكلام، فكأننا حقّرنا شيئا على ثلاثة أحرف، ليس فيها هاء التأنيث، كما تقول فى هند هنيدة، وفى دلو دليّة. ١٥٦ - البكرىّ أبو الفضل محمد بن أبى غسان [١] ونسبه أشهر من اسمه. نحوىّ مذكور فى وقته، مصنّف، ومن تصنيفه كتاب مختصر فى النحو. ١٥٧ - بندار الأصبهانىّ [٢] لغوىّ، راوية للأخبار والأشعار، مكثر حافظ لآثار العرب ونوادرها، سمع منه ابن كيسان. وقال محمد بن القاسم بن بشار الأنبارىّ: قال أخبرنى: أبى، القاسم بن بشار أبو محمد، قال: كان بندار يحفظ سبعمائة قصيدة، أوّل كل قصيدة «بانت سعاد». ١٥٨ - بقاء بن غريب النحوىّ المقرئ [٣] عراقىّ. وصفه بهذه الصفة المبارك بن كامل فى كتابه، واستنشده أبياتا عن يحيى بن إبراهيم الواعظ.

стр. 284

١٥٩ - بندار بن عبد الحميد بن لرّة [١] ولرّة «١» لقب أبيه. عالم من علماء الجبل «٢»، لغوىّ نحوىّ، خلط المذهبين. ويكنى بندار بأبى عمرو، وله ذكر وفضل فى قطره، وله تصانيف، منها: كتاب معانى الشعر. كتاب شرح معانى الباهلىّ. كتاب جامع اللغة.

стр. 285

(حرف التاء) ١٦٠ - توفيق بن محمد بن الحسين بن عبيد الله [بن] محمد بن زريق أبو محمد الأطرابلسىّ النحوىّ [١] كان جدّه محمد بن زريق يتولّى الثغور الشامية من قبل الطائع «١» لله، وانتقل ابنه عبيد الله إلى الشام. وولد توفيق بأطرابلس، وانتقل إلى دمشق، وسكنها. وكان أديبا فاضلا حاسبا هندسيا عالما بعلم الهندسة وتسيير الكواكب. يعلم كلام الأوائل ومقاصدهم ومذاهبهم، ويفيد علم العربية. قرأ عليه عالم من الأدباء، ونحرّجوا به، وكان له شعر جيد، فمن شعره: وجلّنار «٢» كأعراف الديوك، على ... خضر يميس كأذناب الطواويس مثل العروس تجلّت يوم زينتها ... حمر الحلى على خضر الملابيس فى مجلس لعبت أيدى السرور به ... لدى عريش يحاكى عرش «٣» بلقيس سقا الحيا أربعا تحيا النفوس بها ... ما بين مقرى إلى باب الفراديس «٤»
следующие страницы →