ابن عبد الأعلى المصرى «١» المحدّث المؤرّخ- ﵀ وكان قد حضر جنازته فى يوم الاثنين لست وعشرين ليلة مضت من جمادى الآخرة من سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وصلى عليه أبو القاسم بن حجاج:
بثثت «٢» علمك تشريقا وتغريبا ... وعدت بعد لذيذ الأنس مندوبا
أبا سعيد وما نألوك إن نشرت ... عنك الدواوين تصديقا وتصويبا
ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك فى التاريخ مكتوبا
أرّخت موتك فى ذكرى وفى صحف ... لمن يؤرّخنى إذ كنت محسوبا
نشرت عن مصر من سكانها علما ... مبجّلا بجمال القوم منصوبا
كشفت عن فخرهم للناس ما سجعت ... ورق الحمام على الأغصان تطريبا
أعربت عن عرب نقّبت عن نجب ... سارت مناقبهم فى الناس تنقيبا
نشرت ميّتهم حيّا بنسبته ... حتى كأن لم يمت إذ كان منسوبا
إن المكارم للإحسان موجبة ... وفيك قد ركّبت يا عبد «٣» تركيبا
حجبت عنّا وما الدنيا بمظهرة ... شخصا وإن جلّ إلا عاد محجوبا
كذلك الموت لا يبقى على أحد ... مدى الليالى من الأحباب محبوبا
قال ابن الطّحان المصرى «٤» فى تاريخه: «توفى عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد الله ابن سليمان الخولانىّ النحوىّ العروضى الخشاب فى صفر سنة ست وستين وثلاثمائة».
стр. 562
٣٧٦ - عبد الرحمن بن إسحاق ويعرف بالزجّاجىّ أبو القاسم [١]
نهاوندىّ، من أهل الصّيمرة «١» أصله، وانتقل إلى بغداذ، ولزم الزّجاج أبا إسحاق، وقرأ عليه النحو، وانتقل إلى الشام، فأقام بحلب مدّة، ثم انتقل إلى دمشق، وأقام بها وصنّف، وخرج مع ابن الحارث عامل الضّياع الإخشيدية، فمات بطبريّة «٢» فى شهر رمضان سنة أربعين وثلاثمائة- ﵀.
وكانت طريقته فى النحو متوسطة، وتصانيفه يقصد بها الإفادة. ولما وردت له مسائل إلى العراق مع بعض الطلبة وقف عليها أبو على الفارسىّ- وقد كان رفيقه- فقال: لو رآنا الزجاجى لاستحيا منا. وقد واخذه جماعة فى تصانيفه، فمنها كتاب فى شرح مقدّمة أدب الكاتب ردّ عليه فيها جماعة من العلماء، وكتابه فى النحو المسمى الجمل «٣» تعرض له البطليوسىّ، وصنف فيه كتابا سماه الحلل، فى إصلاح الخلل، الواقع فى كتاب الجمل، وقد نكت ابن بابشاذ فى شرحه نكتا فى الردّ عليه، والكتاب مبارك ما اشتغل به أحد إلا انتفع.
стр. 563
وسمعت من لفظ الشيخ أبى البقاء صالح «١» بن عادى العذرىّ الأنماطىّ النحوىّ نزيل قفط أن الزّجاجىّ- ﵀ صنف الجمل بمكة، حماها الله.
وكان إذا فرغ من باب طاف به أسبوعا، ودعا الله أن يغفر له، وأن ينفع به قارئه؛ فلهذا انتفع به الطلبة. وهو كتاب المصريين وأهل المغرب وأهل الحجاز واليمن والشام إلى أن اشتغل الناس باللمع لابن جنّى، والإيضاح لأبى على الفارسى. «٢»
٣٧٧ - عبد الرحمن بن أخى الأصمعىّ [١]
ويكنى أبا محمد، وقيل يكنى أبا الحسن. وكان من الثقلاء؛ إلا أنه كان ثقة عمّا يرويه عن عمه وعن غيره من العلماء.
وكان عمه إذا أكثر أنكر عليه؛ وربما كذّبه. وقيل إن رجلا لقيه فى الطريق فقال: ما يصنع عمك؟ فقال: ها هو قاعد فى غرفته يكذب على العرب.
وصنف عبد الرحمن هذا كتاب معانى الشعر.
٣٧٨ - عبد الرحمن بن بزرج اللغوىّ [٢]
كان حافظا للغريب والنوادر. صنف كتابا فى النوادر. قال أبو منصور الأزهرىّ الهروىّ فى كتابه تهذيب اللغة، وذكره فقال:
стр. 564
«وقرأت له كتابا بخط أبى الهيثم الرازىّ فى النوادر فاستحسنته، ووجدت فيه فوائد كثيرة، ورأيت له حروفا فى كتب شمر «١» التى قرأتها بخطه؛ فما وقع فى كتابى لابن بزرج فهو من هذه الجهات».
٣٧٩ - عبد الرحمن بن عبيد الله بن أحمد بن أبى الحسن الخثعمىّ ثم السّهيلىّ الأندلسىّ النحوىّ اللغوىّ الأخبارىّ [١]
فاضل كبير القدر فى علم العربية، كثير الاطلاع على هذا الشأن. سمعت أنه كان مكفوفا- والله أعلم. وتصنيفه فى شرح سيرة ابن هشام يدل على فضله ونبله وعظمته وسعة علمه. وكان قريبا من زماننا؛ فإنه كان حيا بالأندلس فى سنة تسع وستين وخمسمائة، وصنّف كتابه هذا، ووسمه باسم يوسف «٢» بن عبد المؤمن بن علىّ المستولى على أرض المغرب، وسمى كتابه هذا الروض الأنف «٣»
стр. 565
والمنهل الرّوى، «١» فى ذكر من حدّث عن رسول الله ﷺ وروى «٢». قال فى صدره: «فإننى انتحيت فى هذا الإملاء بعد استخارة ذى الطّول، والاستعانة بمن له القدرة والحول، إلى إيضاح ما وقع فى سيرة رسول الله ﷺ التى سبق إلى تأليفها أبو بكر محمد بن [إسحاق] «٣» المطّلبىّ، «٤» ولخصها عبد الملك بن «٥» هشام المعافرىّ المصرىّ النسّابة النحوىّ، مما بلغنى علمه ويسّر لى فهمه؛ من لفظ غريب، أو إعراب غامض، أو كلام مستغلق، أو نسب عويص، أو موضع فقه ينبغى التنبيه عليه، أو خبر ناقص وجد «٦» السبيل إلى تتمته». ثم قال: «وذلك مستخرج من نيّف على مائة وعشرين ديوانا؛ سوى ما لقّنته [عن] «٧» مشيختى، ونقّحه فكرى، ونتجه نظرى، من نكت علمية لم أسبق إليها، ولم أزحم عليها» «٨».
стр. 566
روى عن أبى بكر محمد بن عبد الله بن العربىّ «١» ﵀ وعن أبى مروان عبد الملك بن سعيد بن بونه القرشىّ العبدرىّ، وأبى بكر محمد بن طاهر الإشبيلىّ وطبقتههم «٢».
٣٨٠ - عبد الرحمن بن عتيق بن خلف المقرئ الصّقلّىّ النحوىّ المعروف بابن الفحّام [١]
من كبار القرّاء، وممّن رحل من المغرب إلى المشرق فى طلب القراءة على الشيوخ، فأدرك بمصر ابن «٣» الهاشمىّ وابن نفيس «٤» وعبد الباقى بن «٥» فارس،
стр. 567
وأبا الحسين «١» الرازىّ وآخرين سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة. وتلمذ لطاهر بن بابشاذ فى النحو، وأملى عليه شرح مقدّمته. وله تأليف حسن سماه التجريد «٢» فى بغية المريد.
وكان حافظا للقراءات، صدوقا متقنا، عالما كبير السن، أقام بالإسكندرية على قدم الإفادة.
قال أبو الربيع سليمان بن عبد العزيز المقرئ الحمصىّ، حمص الأندلس:
ما رأيت أعلم بالقراءات ووجوهها منه؛ لا بالمغرب ولا بالمشرق؛ وإنه ليحفظ القراءات كما نحفظ نحن القرآن. وكان قد بقى بمصر للقراءة وطلب العلم من سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة إلى سنة أربع وخمسين. وتوفى- ﵀ فى ذى القعدة سنة ست عشر وخمسمائة.
٣٨١ - عبد الرحمن بن عيسى بن حماد الكاتب اللغوىّ [١]
صاحب ألفاظ عبد الرحمن، أبو الحسن الهمذانىّ «٣». ذكره شيرويه «٤» فى طبقة
стр. 568
الهمذانيين وقال: «كان أديبا فاضلا أخباريّا، صاحب ألفاظ عبد الرحمن «١»، قديم المولد». «٢»
وألفاظه هذه من الألفاظ اللغوية المختارة، وهى أحسن ما يستعمله الكتاب «٣».
وقد عنى جماعة بشرحها فى الآفاق، ففى مصر شرحها رجل من أهل الفضل فى المائة الخامسة يعرف بالعميدىّ، وقفت على الجزء الأوّل منها. وشرحها من فضلاء خراسان الإمام مهدى الخوافىّ «٤»، وهو فى المائة الخامسة أيضا، ووقفت على كتابه كاملا فى الشرح، وهو أجود كتاب فى فنه- ﵏ أجمعين.
٣٨٢ - عبد الرحمن بن محمد بن معمر اللغوىّ الأندلسىّ أبو محمد وأبو الوليد [١]
كان واسع الأدب، كثيّر التفنن فى اللغة وضبطها ونقلها وإتقانها؛ أفادها، وعرف فى قطره باللغوىّ، وألف كتاب تاريخ الدولة العامرية إلى آخرها.
توفى بجزائر الأندلس الشرقية فى شوّال سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
стр. 569
٣٨٣ - عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عزيز بن محمد بن يزيد ابن محمد أبو سعيد المعروف بابن دوست [١]
أحد أئمة العصر فى الأدب ورواية كتبه، والمعتمد عليه، والمرجوع إليه.
صنّف فى ذلك الكتب «١» وصحح الأصول بنيسابور. ولد سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وتوفى فى ذى القعدة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. ذكره عبد الغافر الفارسىّ «٢» فى سياق تاريخ نيسابور.
٣٨٤ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن على بن عبد الغفار ابن الإخوة البيّع أبو الفتح بن أبى الغنائم [٢]
له معرفة تامة بالأدب واللغة، وله خط مليح، وكان يحفظ أشعارا كثيرة وأحوالا للناس عجيبة من المنامات وغيرها. خرج من بغداذ وتغرب،
стр. 570
وسافر وسكن أصبهان وأفاد الناس بها. وكان أبوه سبط الشاعر المعروف بأبى على ابن شبل «١».
قال أبو الفتح عبد الرحمن بن الإخوة هذا: رأيت فى المنام منشدا ينشدنى شعرا:
وأعجب من صبرى القلوص «٢» التى سرت ... بهودجك المزموم أنى استقلّت
وأطبق أحناء الضّلوع على جوى ... جميع وصبر مستحيل مشتّت
فلما انتبهت جعلت دأبى [البحث] عن قائل هذين البيتين مدّة، ولم أجد بهما مخبرا، فلما مضى على هذه القضية عدّة سنين اتفق نزول الرئيس أبى الحسن ابن مشهر الموصلىّ فى ضيافتى، فتجارينا فى بعض الليالى ذكر المنامات وما يراه الإنسان فى نومه، وما يسمعه من نظم ونثر، فذكرت له حال المنام، وأنشدته البيتين، فقال: أقسم إنهما لمن شعرى من جملة قطعة هى:
إذا ما أسال الدمع نمّ على الهوى ... فليس بسرّ ما الضلوع أجنت
فوالله ما أدرى عشية ودعت ... أناحت حمامات اللّوى أم تغنّت
وأعجب من صبرى القلوص التى سرت ... بهودجك المزموم أنى استقلّت
أعاتب فيك اليعملات «٣» على النوى «٤» ... وأسأل عنك الريح من حيث هبّت
وألصق أحناء الضّلوع على جوى ... جميع وصبر مستحيل مشتت
стр. 571
وقال: وأخبرنى أبو الحسن بن مشهر الموصلىّ عن أبى الحسن بن العين زربىّ «١» أنه رأى فى منامه منشدا ينشد هذين البيتين، وهما:
وهموم الناس إن رقدت ... آض همّى وهو يقظان
كيف يرجى الصحو من ثمل ... كلّ عضو منه سكران
وعاد ابن الإخوة من تغربه إلى بغداذ، ومات بها ليلة السبت ثامن عشرين صفر، ودفن من الغد بباب حرب سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
٣٨٥ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن أبى سعيد الأنبارىّ أبو البركات الملقب بالكمال النحوىّ [١]
الشيخ الصالح، صاحب التصانيف الحسنة المفيدة فى النحو وغيره؛ وكان فاضلا عالما زاهدا. سكن ببغداذ من صباه إلى أن توفى بها، وتفقه على مذهب الشافعىّ على ابن الرّزاز «٢» بالمدرسة النظامية، وأعاد بها الدرس بمدرسها، وقرأ النحو على النقيب
стр. 572
أبى السعادات ابن الشجرىّ وغيره، ولم يكن ينتمى فى النحو إلا إليه، وقرأ اللغة على الشيخ أبى منصور موهوب بن الخضر الجواليقىّ، وبرع فى الأدب حتى صار شيخ وقته، ودرس فى المدرسة النّظامية النحو مدّة، ثم انقطع فى منزله مشتغلا بالعلم والعبادة، وأقرأ الناس العلم على طريقة سديدة، وسيرة جميلة، من الورع والمجاهدة والتقلل والنسك وترك الدنيا ومحاسنة أهلها، واشتهرت تصانيفه، وظهرت مؤلفاته، «١» وتردّد الطلبة إليه، وأخذوا عنه، واستفادوا منه، وكان مقيما برباط له بشرقىّ بغداذ، فى الخاتونية الخارجة. وله شعر منه:
تدرّع بجلباب القناعة والياس ... وصنه عن الأطماع فى أكرم الناس
وكن راضيا بالله تحيا منعّما ... وتنجو من الضّراء والبؤس والباس
стр. 573
فلا تنس ما أوصيته من وصيّة ... أخىّ، وأىّ الناس من ليس بالناسى
وله أيضا:
دع الفؤاد بما فيه من الحرق ... ليس التّصوّف بالتلبيس والخرق
بل التصوّف صفو القلب من كدر ... ورؤية الصّفو فيه أعظم الخرق
وصبر نفس على أدنى مطامعها ... وعن مطامعها فى الخلق بالخلق
وترك دعوى بمعنى فيه حقّقه ... فكيف دعوى بلا معنى ولا خلق
كان مولده فى شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وتوفى فى ليلة الجمعة تاسع شعبان من سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ودفن يوم الجمعة بباب أبزر بتربة الشيخ أبى إسحاق الشيرازىّ «١».
стр. 574
٣٨٦ - عبد الرحمن بن هرمز بن ابى سعد المدنىّ المقرئ النحوىّ [١]
قال أهل العلم: إنه أوّل من وضع علم العربية؛ والسبب فى هذا القول أنه أخذ عن أبى الأسود الدؤلىّ، وأظهر هذا العلم بالمدينة، وهو أوّل من أظهره وتكلّم فيه بالمدينة. وكان من أعلم الناس بالنحو وأنساب قريش، وما أخذ أهل المدينة النحو إلا منه، ولا نقلوه إلا عنه، وإليه أشار ابن برهان النحوىّ فى أوّل شرحه فى كتاب اللّمع «١» بأن قال: «النحاة جنس تحته ثلاثة أنواع: مدنيون، بصريون، كوفيون». أراد أن أصل النحو نتج من أوّل علماء هذه المدن.
ولقد رأيت نحوىّ «٢» حلب، المتصدر للإفادة، الشارح للكتب، وقد سأله سائل عن قول ابن برهان وقال: من المدنيون من النحاة؟ فسكت طويلا، وقال:
لا أدرى لأهل المدينة مقالة فى النحو. وسبق إلى خاطره أن المراد ذكر أرباب الخلاف من النحاة فى هذه الأماكن، وليس المراد إلا من نتج عنه هذا العلم من أوائل العلماء فى هذه البقاع المعينة.
ويروى أن مالك بن أنس إمام دار الهجرة رضى الله عنه اختلف إلى عبد الرحمن بن هرمز عدّة سنين فى علم لم يبثه فى الناس، فمنهم من قال: تردّد
стр. 575
إليه لطلب النحو واللغة قبل إظهارهما، وقيل كان ذلك من علم أصول الدين، وما يردّ به مقالة أهل الزيغ والضلالة. والله أعلم.
وعبد الرحمن بن هرمز مدنىّ تابعىّ، أخذ عنه نافع بن أبى «١» نعيم القراءة فى جماعة من أهل المدينة، وكان عبد الرحمن أخذ القراءة عن عبد الله بن العباس وأبى هريرة.
قال ابن الجزار «٢» القيروانىّ فى تاريخه: «مات أبو داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى محمد «٣» بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بالإسكندرية، ودفن بها فى سنة سبع عشرة ومائة».
٣٨٧ - عبد الرءوف بن وهب الأندلسىّ السّناط أبو وهب [١]
بصير بالعربية، حاذق فيها. طالع كتاب سيبويه، وله شعر حسن فى مدح السّناط، منه:
ليس بمن ليست له لحية ... بأس إذا حصلته ليسا
стр. 576
وصاحب اللحية مستقبح ... يشبه فى طلعته التّيسا
إن هبّت الريح تلاهت بها ... وماست الريح بها ميسا
وكان ذا كبر عظيم، ويظهر مع ذلك زهدا، وولى الوزارة فى قطره، فكان يرمى المسائل النحوية على بوّابه وكتابه، حتى تبرموا منه، واستعفوا من ذلك.
٣٨٨ - عبد الرازق بن علىّ القيروانىّ النحوىّ أبو القاسم [١]
ذكره ابن رشيق فى كتابه «١»، وسماه النحوىّ، وقال: «هو شاعر مشهور، قادر لطلب الطباق والتجنيس طلبا شديدا، بالتصريف وتبديل الحروف، ويستعمل القوافى العويصة».
وقال: «كتب إلىّ لما صنفت هذا الكتاب صحبة نبذ أنفذها إلىّ لأثبتها:
يا مبرزا إبريز خير سبيكة ... ومكلّلا إكليل خير متوّج
ومميزا جنسى مقدّمة النّهى ... إن أشكلا من عاقر أو منتج
ومطرّزا حلل البلاغة معجزا ... كلّ الورى ببلاغة الأنموذج
فكأنه للسمع لفظ أحبّة ... وكأنه للعين روض بنفسج
وكأنه للقلب سحر علاقة ... فى مهجة تخشى الصدود وترتجى
خصّصت أهل الأرض منه بمشرق ... بأقرّ من شمس النهار وأبهج
رتّبت بين ذوى الفصاحة منهم ... وفصلت بين مرتّب ومثبّج «٢»
وكشفت عن شعرى لتلحقه به ... فاستر على خلّ لسترك محوج
стр. 577
٣٨٩ - عبد السلام بن إسماعيل النحوىّ اللغوىّ الخراسانىّ أبو مطيع الجمعىّ الرامىّ [١]
قريب العهد. كان فى المائة السادسة. صاحب اللغة والنحو والإعراب والورع الموفور، والتقى المشكور. وله شعر كشعر النحاة:
أغالب بالصبر دهرى فعزّ ... وفى مثل قيل: «من عزّ بزّ» «١»
وقد دهمتنى صروف الزّمان ... فمن لى بصبر وقد كان عزّ
فقالوا فهل لك فيما دهاك ... مجير عليه فقلت الأعزّ
غدوت إلى بابه لائذا ... كما لاذ بالدّرّ والسّىء فزّ «٢»
علىّ علا فامتطى فى العلاء ... مناط الثريا إذا ماركز
٣٩٠ - عبد السلام بن الحسين بن محمد أبو أحمد البصرىّ اللغوىّ [٢]
سكن بغداذ، وحدث بها عن محمد بن إسحاق بن عباد التمار وجماعة من البصريين. حدّث عنه عبد العزيز الأزجىّ وغيره. وكان صدوقا عالما ديّنا قارئا للقرآن، عارفا بالقراءات. وكان يتولى ببغداذ النظر فى دار الكتب، وإليه حفظها والإشراف عليها.
стр. 578
ذكره أبو العلاء بن سليمان فى كتاب شرحه للحماسة فقال: كان يلقب بالوجكا «١»، وقال أبو القاسم عبيد الله بن على الرّقى الأديب: كان عبد السلام البصرىّ من أحسن الناس تلاوة للقرآن، وإنشادا للشعر. قال: وكان سخيا، ربما جاءه السائل وليس معه شىء يعطيه فيدفع إليه بعض كتبه التى لها قيمة كبيرة وخطر كبير.
قال على بن المحسن التّنوخىّ: إن عبد السّلام البصرىّ توفى فى يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة خمس وأربعمائة. قال غيره: ودفن فى مقبرة الشّونيزىّ عند قبر أبى علىّ الفارسىّ. وكان مولده فى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة «٢».
٣٩١ - عبد الصمد بن عبد القاهر بن نصر بن عيسون السّنجارىّ النحوىّ [١]
تصدر فى قراءة النحو بسنجار، وكانت عنده فنون، منها الفقه. وتولى حكم سنجار فى زمن محمود بن زنكى. وكان- حفظه الله- كثير التسلّط على العلوم بذكائه، ويقال إن فقيها قدم سنجار بطريقة غريبة فى الخلاف، وحضر عنده، وأغرب فى الدليل، فأعرض وسأله هل وقف على الطريقة قبل ذلك، فأنكر أن
стр. 579
يكون وقف عليها. وكان حسن الضبط لما يكتبه من العربية، وإذا أفاض فى شىء من العوامل استوفاه، وبسط القول فيه. وكان أهل سنجار قسمين:
قسم يتردّد فى طلب العربية إليه، وقسم يتردّد إلى الشيخ أبى الحسن على بن دبابا النحوىّ السّنجارىّ. وكان موجودا فى وسط المائة السادسة من الهجرة.
٣٩٢ - عبد الصمد بن محمد بن حيّويه البخارىّ [١]
ذكره الحافظ أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور فقال: «أبو محمد الأديب الحافظ النحوىّ. وكان من أعيان الرّحالة فى طلب الحديث، وسمع فى بلده أبا حاتم سهل بن السرىّ الحافظ وأقرانه، وبمرو عمر بن علك وأقرانه».
«قدم علينا نيسابور سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وأقام عندنا إلى سنة سبع، ثم خرج إلى العراق ودخل الشام ومصر، وجمع الحديث الكثير، وانصرف إلى بغداذ سنة أربعين، ودخلتها وهو بها سنة إحدى وأربعين؛ ثم اجتمعنا بعد ذلك بنيسابور، ثم كتبنا عنه ببخارى سنة خمس أو ست وخمسين. وكان قلّما يفارقنا بها سنين. وله عندى قصيدة مدح بها شيخنا أبا أحمد التميمىّ. ثم انصرفت إلى نيسابور. وتوفى ببخارى فى شهر رمضان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة».
قال الحافظ أبو عبد الله: «سمعت «١» عبد الصمد بن محمد البخارىّ، سمعت أبا بكر ابن حرب شيخ أهل الرأى يقول: كثيرا ما أرى أصحابنا فى مدينتنا هذه يظلمون أهل الحديث. كنت عند حاتم [العتكىّ] «٢»، فدخل عليه شيخ من أصحابنا من أهل الرأى، فقال: أنت الذى تروى أن النبىّ ﷺ أمر بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام؟ فقال: قد صح الحديث عن النبى ﷺ فى ذلك- يعنى قوله:
стр. 580
«لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» - فقال له: كذبت؛ إن فاتحة الكتاب لم تكن فى عهد رسول الله ﷺ ؛ وإنما نزلت فى عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
٣٩٣ - عبد الصمد بن يوسف بن عيسى النحوىّ أبو محمد الضرير [١]
من قرية من السّواد تعرف برقبينا «١». سكن بغداذ، وحفظ القرآن الكريم، وقرأ النحو على أبى محمد بن الخشاب، ثم صار إلى واسط، فسكنها إلى آخر وفاته.
وكان يقرأ النحو، وكان كثير التلاوة للقرآن المجيد.
له أوراد من الصلاة- ﵀ وأوقات من الذكر. توفّى بواسط فى شهر ربيع الأوّل من سنة ست وسبعين «٢» وخمسمائة، ودفن بسكة الأعراب.
٣٩٤ - عبد العزيز بن أبى سهل الخشنىّ النحوىّ اللغوىّ القيروانىّ المعروف بابن البقّال الضرير [٢]
ذكره ابن رشيق القيروانىّ فى كتابه فقال فى وصفه: «كان مشهورا باللغة والنحو جدا، مفتقرا إليه فيهما، بصيرا بغيرهما من العلوم، ولم ير ضرير «٣» أطيب منه نفسا، ولا أكثر حياء. أدركته وقد جاز السبعين «٤»، والتلاميذ يكلمونه فيحمرّ
стр. 581
خجلا. وكان شاعرا مطبوعا، يلقى كلامه إلقاء، ويسلك طريق أبى العتاهية فى سهولة الطبع، ولطف التركيب، وقرب مآخذ الكلام، ولا غنى لأحد من الشعراء الحذّاق عن العرض عليه، والجلوس بين يديه؛ أخذا للعلم عنه، واقتباسا للفائدة منه. وكان سيدنا نصير الدولة «١» عارفا بحقّه، مقرّبا له، مقبلا عليه، لزمه بالقيروان مغرم فترك بسببه ألوف دنانير تناهز العشرة، بل تجاوز البدرة».
ومن شعره لعبد الله بن محمد الكاتب وقد أراد إدخاله الدعوى:
لكم علىّ وفاء ما حييت ولا ... أعدو رضاكم ولا أرضى بكم أحدا
لا تسألونى من دينى فأسخطكم ... لا بعت دينى بدنياكم إذا أبدا
فأعرض عنه، ولم يعرض له بعدها. وله:
قال العواذل قد طوّلت حزنك إذ «٢» ... لو شئت إخراجه عن سلوة خرجا
ولن أطيق خروج الحزن من خلدى «٣» ... لأننى أنا لم آمره أن يلجا
ومن شعره:
لما تحمّل قطّان الحمى تركوا ... عندى وساوس قد فضّلن بالحرق
وفى هوادجهم سرب أوانس قد ... دخلن فى الوحش بالأجياد والحدق
من كل مطلعة شمسا بلا فلك ... حسنا ويهززن أغصانا بلا ورق
ومن شعره:
يا غصنا غضّا من الآس ... ودرّة وهى من الناس
صوّرك الله على صورة ... كانت بها أسباب وسواسى
стр. 582
ترديد ذكرى لك فى خاطرى ... أكثر من ترديد أنفاسى
نسيت ودّى وتناسيتنى ... وليس قلبى لك بالناسى
وليس لى منك سوى حسرة ... تجول بين الشوق والياس
وله، وهو من رقيق شعره:
ولست كمن يجزى على الهجر مثله ... ولكننى أزداد وصلا على هجرى
وما ضرّنى إتلاف عمرى كلّه ... إذا نلت يوما من لقائك فى عمرى
٣٩٥ - عبد العزيز بن أحمد بن أبى الحباب النحوىّ الأندلسىّ [١]
قرطبىّ يكنى أبا الإصبع. روى عن أبيه أبى عمرو بن الحباب كتبا من روايته، ولم يكن بالضابط لها. وتوفى ودفن يوم الأربعاء لعشر خلون من ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وأربعمائة. ذكره ابن حيان «١» مؤرّخ الأندلس.
٣٩٦ - عبد العزيز بن خلوف النحوىّ المغربى [٢]
من إفريقية فى أيام باديس، المستولى على إفريقية، وممن عاصر ابن رشيق وابن شرف وطبقتهما. تصدّر لإفادة هذا الشأن بمدينة القيروان، وتقدّم هناك فى عصره، وله شعر منه:
لقوم ببلدتنا شيمة ... نحاجى بها الناس أهل الذكاء
تماح «٢» الدّلاء بآبارهم ... وآبار غيرهم بالدلاء
стр. 583
وذكره الحسن بن رشيق فى كتابه فقال: «عبد العزيز بن خلوف النحوىّ الحرورى «١». شاعر متقن، ذو ألفاظ حسنة، ومعان متمكّنة، مثقّف نواحى الكلام رطبها، حلو مذاقة الطّبع عذبها؛ يشبّه فى المنظوم والمنثور بأبى على البصير، «٢» وله فى سائر العلوم حظوظ وافرة، وحقوق ظاهرة، أغلبها عليه علم النحو والقراءات، وما تعلق بها. وفيه ذكاء يخرج عن الحدّ المحدود».
وقوله من قصيدة يمدح بها سيدنا- أدام الله سلطانه- أوّلها (قلت: يعنى بسيدهم المعز بن باديس):
أبلحظ طرف هذه الأنضاء «٣» ... شقيت إذن بالأعين الأعضاء
تتمثّل الغيد الحسان ببعض ما ... جرّت عليه الغادة الحسناء
تصبو الجمادات الموات لوجهها ... طربا فكيف النّطّق الأحياء
منها:
سارت وقد بنت الأسنّة حولها ... سورا يجاز بحدّه الجوزاء
ولما مدح المعز بن باديس بها وأطال فى المدح ختمها بقوله:
فتحت لنا نعماك كلّ بلاغة ... فجرى اليراع وقالت الشعراء
وقال ابن رشيق فى وصف هذه القصيدة: «وما حسبت أنّ أحدا من أهل عصرنا يبلغ هذه البلاغة، أو يصوغ الكلام هذه الصياغة، وإن كثيرا من أشعار المتقدّمين فى هذا الوزن والروىّ ليضعف ويقصر دون بنيتها».
стр. 584
قال: ومن جيد شعره قوله من نسيب قصيدة فى بعض الكتاب:
ومن دونها طود من السّمر شامخ ... إلى النجم أو بحر من البيض متأق «١»
وأسود لا تبدو به النار حالك ... وبيداء لا تجتازها «٢» الريح سملق»
وقال فى مدحتها:
ينام عن المال «٤» التّلاد وإنه ... إذا عرضت أكرومة لمؤرّق
أخو نظر أما لدفع ملمة ... فسام «٥» وأمّا من حياء فمطرق
رمى ثغر الحسّاد عن قوس همة ... تحدّث عن حيث السّماك فتصدق
ومنها- وذكر القلم- فقال:
به السّحب تزجى «٦» والصّواعق تتّقى ... وماء الحيا «٧» ينهلّ والنار تحرق
وله فى الغزل:
مروا أن يروّح هذا الأسي ... ر بالقتل إن كان لا يطلق
أيتلف ذا العبد لا رغبة ... يباع ولا حسبة يعتق
وإنى من فقره موته ... لأنى من كبدى أنفق
لقد فتقت يد سحر العيو ... ن فتقا على العقل لا يرتق
قال ابن رشيق واصفا له: «وفى شعره من القوّة والتصرف والتصنّع ما ليس فى شعر غيره من أصحابنا، وهو مع ذلك كثير».
стр. 585
٣٩٧ - عبد العزيز بن عبد الله بن ثعلبة أبو محمد السعدىّ الأندلسىّ الشاطبىّ [١]
قدم دمشق طالب علم، وسمع بها الحسن بن أبى الحديد «١» وطبقته، ورحل إلى العراق، فسمع بها أبا محمد الصّريفينىّ «٢» وطبقته، وصنف غريب الحديث لأبى عبيد القاسم بن سلّام على حروف المعجم، وجعله أبوابا، وروى عنه جماعة من الدّمشقيين، ومات فى سنة خمس وستين وأربعمائة، فى شهر رمضان، فى حرّان «٣»
٣٩٨ - عبد العزيز القارى الملقب ببشكست المدنىّ النحوىّ الشاعر [٢]
أخذ عنه أهل المدينة النحو، وكان يذهب مذهب الشّراة «٤»، ويكتم ذلك؛ فلما ظهر أبو حمزة الشّارى «٥» بالمدينة خرج معه؛ فقتل فيمن قتل.
стр. 586
وكانت وقعة أبى حمزة الشارى فى سنة ثلاثين ومائة فى أيام مروان «١»، فقال أحد الشعراء فى بشكست:
لقد كان بشكست عبد العزيز ... من أهل القراءة بالمسجد
فبعدا لبشكست عبد العزيز ... وأمّا القران فلا يبعد
٣٩٩ - عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن مهذب النحوى اللغوىّ أبو العلاء [١]
قدم هو وأبوه وعمه على الدولة المصرية العلوية؛ فأما عبد الرحمن أبوه فإنه توفى فى سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وصلى عليه عبد العزيز. وتوفى أبو جعفر محمد أخوه فى صدر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. وكان يتولى بيت المال.
وأما أبو العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن مهذب هذا فإنه أخذ اللغة بمصر عن أبى حسين المهلبىّ اللغوىّ وأكثر عنه، وامتدحه شاكرا لما أولاه، مما أفاده إياه.
وصنف أبو العلاء هذا كتابا فى اللغة، هو موجود بالديار المصرية، وقرأ النحو على أبى محمد الحسن بن عبد الرحمن المنداسىّ النحوىّ بمصر وأكثر عنه، وله شعر جيد- أعنى عبد العزيز هذا- منه:
إنّ البخيل يعيش فى ... دنياه عيش الأشقياء
стр. 587
وحسابه فى دار أخرا ... هـ حساب الأغنياء
فبلغتم قبل الثرى ال ... أنفاق أصحاب الثراء
فالمرء يرحل كلّ يو ... م رحلة نحو الفناء
وله فى سفرة طست:
لله درّ غلام جاء يخدمنا ... بسفرة من رفيع الصّوف قوراء
بفروز «١» أزرق من حول دارتها ... تحار فيه وفيها مقلة الرائى
كأنها روضة خضراء مزهرة ... من حولها جدول جار من الماء
وله أيضا:
وما طربت لمشروب ألذّ به ... ولا لعشق ظباء العجم والعرب
لكن طربت إلى دهر أنال به ... غنى فأبذله فى عصبة الأدب
٤٠٠ - عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغداذىّ أبو منصور [١]
الأستاذ الكامل ذو الفنون، الفقيه الأصولىّ الأديب الشاعر النحوىّ، الماهر فى علم الحساب، العارف بالعروض.
ورد نيسابور مع أبيه أبى عبد الله طاهر «٢» بن محمد البغداذىّ التاجر. وكان ذا مال وثروة. أنفق عبد القاهر ماله على أهل العلم، ولم يكتسب بماله علما.
стр. 588
درس تسعة عشر نوعا من العلوم «١»، واستفاد منه الناس. خرج عن نيسابور فى أيام التّركمانية إلى أسفرايين «٢»، فمات بها سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ودفن عند الأستاذ أبى إسحاق «٣» بها.
٤٠١ - عبد القاهر بن عبد الله بن الحسين أبو الفرج الشيبانىّ الحلبىّ النحوىّ الشاعر المعروف بالوأواء [١]
وليس بالوأواء المشهور. أصله من بزاعة «٤»، ونشأ بحلب، وتأدّب بها، وكانت بينه وبين أبى عبد الله الطّليطلىّ النحوىّ نزيل شيزر «٥» مكاتبات. وتردّد إلى دمشق
стр. 589
غير مرة، وكان يقرئ بها النحو، ويشرح شعر المتنبىّ ويعربه، وله شعر، أنشد منه ابنه أبو محمد عبد الصمد قوله «١»:
أظنّوا أنهم بانوا ... وهم فى القلب سكان
تولّى النوم إذ ولّوا ... وكان العيش إذ كانوا
أناديهم وقد حثّوا ... ودمع العين هتّان
أحبّ البعد أحباب ... وخان العهد إخوان
وقالوا شفّك الدهر ... وهم للدهر أعوان
ويحيا المرء إن راعت ... هـ أسياف وخرصان
ولا يحيا إذا راعت ... هـ أحداق وأجفان
وأغيد فاتن الألحا ... ظ صاح وهو نشوان
وريان من الحسن ... إلى الأنفس ظمآن
إذا لاح فما البدر! ... وإن ماس فما البان!
وذكر أن والده توفى فى آخر شوّال سنة إحدى وخمسين وخمسمائة بحلب «٢».
стр. 590
٤٠٢ - عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانىّ أبو بكر النحوىّ [١]
فارسى الأصل، جرجانىّ «١» الدار، عالم بالنحو والبلاغة. أخذ النحو بجرجان عن الشيخ أبى الحسين محمد بن الحسن بن محمد بن عبد الوارث الفارسىّ «٢»، نزيل جرجان، ابن أخت الشيخ أبى على الفارسى، وأكثر عنه، وقرأ ونظر فى تصانيف النحاة والأدباء، وتصدّر بجرجان، وحثّت إليه الرّحال، وصنف التصانيف الجليلة.
وكان- ﵀ ضيّق العطن، لا يستوفى الكلام على ما يذكره مع قدرته على ذلك. فمن تصانيفه: كتاب المقتصد «٣» فى شرح الإيضاح «٤» وهو مقتصد من مثله على ما سماه، لم يأت فى الإيضاح بشىء له مقدار. ولما تبرع فى التكملة لم يقصّر بنسبته إلى ما عهد منه، فلو شاء لأطال.
стр. 591
وله شرح كتاب العوامل «١»، سماه الجمل، ثم صنف شرحه، فجرى على عادته فى الإيجاز. وله إعجاز «٢» القرآن دل على معرفته بأصول البلاغات ومجاز الإيجاز. وله مسائل منثورة أثبتها فى مجلد، هو كالتذكرة له، لم يستوف القول حق الاستيفاء فى المسائل التى سطرها «٣». ومع هذا كله فإن كلامه وغوصه على جواهر هذا النوع يدل على تبحره وكثرة اطلاعه.
ولم يزل مقيما بجرجان يفيد الراحلين إليه، والوافدين عليه إلى أن توفى فى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة «٤».
ومن تلاميذه المذكورين الواردين إلى العراق والمتصدّرين ببغداذ على بن زيد الفصيحىّ- ﵀ وقد تخرج به جماعة كثيرة، واستفادوا منه ما استفاده من عبد القاهر.
ولعبد القاهر شعر مدح به نظام الملك الحسن بن إسحاق:
لو جاود الغيث غدا ... بالجود منه أجدرا
أو قيس عرف عرفه ... بالمسك كان أعطرا
ذو شيم لو أنها ... فى الماء ما تغيرا
وهمة لو أنّها ... للنّجم ما تغوّرا
لو مس عودا يابسا ... أورق ثم أثمرا
стр. 592
وله يشكو الزمان وأهله:
أىّ وقت هذا الذى نحن فيه ... قد دجا بالقياس والتشبيه
كلما سارت العقول لكى تق ... طع تيها توغّلت فى تيه
وأشعاره كثيرة فى ذم الزمان وأهله. وكان هذا الأمر هو السبب فى تقصيره إذا صنف؛ إذ لم يجد راحة ممن جمع لهم وألف.
قال ابن غياض الشامىّ الكفرطابىّ النحوىّ- ونقلته بخطه فى تذكرته فى آخر نسخة المقتصد لعبد القاهر الجرجانى بالرّى مكتوبا ما حكايته:
«قرأ علىّ الأخ الفقيه أبو نصر أحمد بن إبراهيم بن محمد الشجرىّ- أيده الله- هذا الكتاب من أوّله إلى آخره قراءة ضبط وتحصيل، وكتبه عبد القاهر بن عبد الرحمن بخطه فى شهر رمضان المبارك من سنة أربع وخمسين وأربعمائة، حامدا لربه، ومصليا على محمد رسوله وآله» «١».
٤٠٣ - عبد الكريم بن إبراهيم بن محمد بن الحسن النحوىّ الرازى أبو سعيد [١]
نحوىّ، أفاد ببلده، ورحل إلى العراق وسمع بها أبا طالب محمد بن محمد بن غيلان البزاز، ودخل الشام، ونزل بيت المقدس، وروى به عن ابن غيلان المذكور. قرأ عليه نصر بن إبراهيم القدسىّ «٢» الفقيه العالم الزاهد الورع بالمسجد الأقصى، وسمع جماعة بقراءته.
стр. 593
٤٠٤ - عبد الكريم بن الحسن بن المحسن بن الفضل بن المسلم ابن المؤمل بن سوّار المقرئ النحوى التّككىّ المصرىّ [١]
مقرئ فاضل، من فضلاء القرّاء، ومن العارفين بالقرآن وعلومه وتفسيره، سمع أبا إسحاق الحبّال، وأبا الحسين الخلعىّ. وأستاذه فى القراءات أبو الحسن على بن محمد بن حميد الواعظ. أدركه أبو طاهر السلفىّ، واشتركا فى السماع على أبى صادق، وسمع عليه السلفىّ كتاب معانى القرآن لأبى جعفر النحاس بكماله، وكان يرويه عن الخلعىّ عن الحوفىّ عن ابن الأدفوىّ عن النحاس.
سئل عن مولده فى سنة سبع عشرة وخمسمائة، فقال: لى ستون سنة.
توفى- ﵀ فى شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وجلس ولده مكانه فى حلقته فى جامع عمرو بن العاص يقرئ.
٤٠٥ - عبد الكريم بن على بن محمد بن الطفال أبو محمد القضاعىّ النحوىّ الإسكندرىّ المكفوف البارع [٢]
كان نحويا متصدّرا، صاحب حلقة الجامع بالإسكندرية لإقراء النحو.
وله شعر حسن. أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ فى إجازته العامة، أنشدنى أبو محمد عبد الكريم بن محمد بن الطّفال القضاعىّ بالثغر لنفسه ابتداء قصيدة:
ليس الوقوف على الأطلال من شغلى ... إنى وشغلى ذوات الأعين النّجل
عين أعنّ على قلبى فقلبه ... داعى الصّبا فصبا للهو والغزل
стр. 594
من كل فاترة الألحاظ فاتنة الأل ... فاظ تسحب ذيل الدّل والكسل
قيد القلوب تخال العقل صورتها ... مراد كل فؤاد فتنة المقل
قال السّلفىّ: عبد الكريم هذا كانت له حلقة فى الجامع للنحو، وكان مائلا إلى الخير، وله شعر فى غاية الجودة، وعندى منه مقطّعات أنشدنيها، وكان كفيف البصر.
وقال أيضا: أنشدنا أبو محمد عبد الكريم بن على بن محمد بن القضاعىّ النحوى لنفسه بالثغر:
من يكرم الله يصبح عرضة الألم ... كذا النبيون مذ كانوا على القدم
وذاك أن الرضا والسخط منزلة ... لم يحوها قطّ إلا أشرف الأمم
إن المصائب عنوان الأجور «١» فمن ... يصب يفز بنعيم غير منصرم
كذا الملوك إذا اختاروا لخدمتهم ... عبدا أصاروا إليه أجهد الخدم
فالحمد لله كلّ منه تكرمة ... فالبرء والسقم معدودان فى النّعم
ثم قال السّلفىّ: «عبد الكريم هذا يعرف بابن الطّفال، وينعت بالبارع، وكان عفيفا كفيفا، وله فى الجامع حلقة لإقراء النحو. وشعره كثير، وقد علّقت منه جملة- ﵀ وكان قرأ على أبى على الحضرمىّ، وقال لى على بن عبد الرحيم:
كان عبد الكريم فى ابتداء أمره على طريقة لو بقى عليها فاق أهل زمانه من الاشتغال بقراءة الحقائق؛ من كلام الحارث المحاسبى «٢» وغيره، ولزوم الصمت، وإعراضه عن الدنيا. ثم تزوّج ورزق أولادا فصار يمدح ويستميح ضرورة. وتغيرت عليه الأحوال».
стр. 595
٤٠٦ - عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة ابن محمد القشيرىّ أبو القاسم [١]
الإمام مطلقا، المفسر الأديب النحوىّ الكاتب الشاعر. لسان عصره، وسيّد وقته فى كل فن. صنف التفسير الكبير «١» قبل العشر وأربعمائة.
٤٠٧ - عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن على بن أبى سعد البغداذى [٢]
الموصلىّ الأصل، البغداذىّ المولد، أبو محمد بن أخى سليمان الموصلىّ، المدعو بالموفّق الملقّب بالمطجّن «٢». كان يدّعى معرفة النحو واللغة والعربية وعلم الكلام
стр. 596
والعلوم القديمة والطب. أسمعه والده فى صباه من جماعة كأبى الفتح محمد بن عبد الباقى «١» بن البطىّ وأبى زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسىّ «٢».
خرج عن بغداذ إلى الشام، وقدم مصر بعد سنة ثمانين، ونزل فى مسجد باب زويلة، وتعرّف بالحاجب لؤلؤ، وادّعى ما ادعاه، فمشى طلبة المصريين إليه واختبروه، فقصّر فى كلّ ما ادعاه فجفوه، وأقام بها مدة لا يعبأ به. ثم نفق على شابين كوفيين بعيدى الخاطر يعرفان بولدى إسماعيل بن حجاج المقدسىّ كاتب الجيش، فنقلاه إليهما، وأخذا عنه من العربية ما زادهما يبسا وعمى قلب ولكنة لسان. ثم خرج بعد ذلك إلى دمشق، وادعى الرواية، فقرأ عليه بعض المبتدئين.
وكان دميم الخلقة نحيلها، قليل لحم الوجه قصير الخلقة. ولما رآه زيد ابن الحسن الكندى لقّبه المطّجن- والألقاب تنزل من السماء- فشاعت ولم يعرف بعد ذلك إلا بها. وكان يدّعى تصانيف كتب «٣» ما فيها مبتكر، وإنما يقف على تصانيف غيره، فإما أن يختصر أو يزيد ما لا حاجة إليه، وهى
стр. 597
فى غاية البرودة والركاكة. وكان إذا اجتمع بصاحب علم فرّ من الكلام معه فى ذلك العلم، وتكلم فى غيره مغربا، ولم يكن محققا فى شىء مما يقوله ويدّعيه.
стр. 598
ولقد اجتمعت به واختبرته فرأيته فيما يدّعيه كالأعمى الذى يتحسس ويدّعى حدّة النظر؛ وما وثقت من روحى بذلك حتى سألت جماعة من أهل علوم متفرقة قد كان يدّعيها، فذكروا من أمره بعد نظره وكلامه نظير ما علمته منه.
ومن أسوأ أوصافه قلة الغيرة- ونعوذ بالله من ذلك- وقطن حلب فى آخر عمره، وأجرى له بها رزق على الطب؛ وهو لا يعلمه.
وخطر له فى شهور سنة ثمان وعشرين وستمائة السفر إلى العراق ليحج، فمرض ببغداذ، وأخذ فى مداواة نفسه بطبه، فمات- كما شاء الله- فى شهور سنة تسع وعشرين وستمائة، وأبيعت كتبه بحلب، فوقعت على شىء منها، وهى فى غاية الانحطاط عن رتبة الكمال. ونعوذ بالله من فتنة الدعوى.
كان مولده سنة سبع وخمسين وخمسمائة «١».
стр. 599
٤٠٨ - عبد الملك بن قريب أبو سعيد الأصمعىّ [١]
عبد الملك بن قريب «١» بن عبد الملك بن علىّ بن أصمع بن مظهّر «٢» بن رباح بن عمرو
стр. 600
ابن عبد شمس بن أعيا بن سعيد بن عبد [بن] «١» غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان، أبو سعيد الأصمعىّ «٢»، صاحب اللغة والنحو والغريب والأخبار والملح.
سمع شعبة «٣» بن الحجاج والحمادين «٤» ومسعر بن «٥» كدام وغيرهم.
روى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، وأبو حاتم السّجستانىّ، وأبو الفضل الرّياشىّ، وأحمد بن محمد اليزيدىّ «٦» وغيرهم.
وكان من أهل البصرة، وقدم بغداذ فى أيام هارون الرشيد. قال عمر بن شبّة «٧»:
سمعت الأصمعىّ يقول: أحفظ ست عشرة ألف أرجوزة.