قال الفرّاء: قال لى قوم: ما اختلافك إلى الكسائىّ وأنت مثله فى العلم؟
فأعجبتنى نفسى فناظرته وزدت؛ فكأنى كنت طائرا أشرب من بحره.
قال خلف: أولمت وليمة، فدعوت الكسائىّ واليزيدىّ، فقال اليزيدىّ للكسائىّ: يا أبا الحسن، أمور تبلغنا وحكايات تتصل بنا، ننكر بعضها. فقال الكسائىّ: أمثلى يخاطب بهذا! وهل مع العالم من العربية إلا فضل بصاقى هذا! ثم بصق. فسكت اليزيدىّ.
قال أبو بكر الأنبارىّ: اجتمعت للكسائىّ أمور لم تجتمع لغيره؛ فكان واحد الناس فى القرآن يكثرون الأخذ عنه؛ حتى لا يضبط الأخذ عليهم. فيجمعهم ويجلس على كرسى، ويتلو القرآن من أوّله إلى آخره وهم يسمعون؛ حتى كان بعضهم ينقط المصاحف على قراءته، وآخرون يتبعون مقاطعه ومبادئه فيرسمونها فى ألواحهم وكتبهم. وكان من أعلم الناس بالنحو وواحدهم فى الغريب.
قال الكسائىّ: بعد ما قرأت القرآن على الناس رأيت النبىّ ﷺ فى المنام، فقال لى: أنت الكسائىّ؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: علىّ ابن حمزة؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: الذى أقرأت أمتى بالأمس القرآن؟
قلت: نعم يا رسول الله. قال: فاقرأ علىّ، قال: فلم يتأتّ على لسانى إلا:
(وَالصَّافَّاتِ)
، فقرأت عليه: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً).
فقال: أحسنت، ولا تقل (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا)
نهانى عن الإدغام، ثم قال لى:
اقرأ، فقرأت حتى انتهيت إلى قوله تعالى: (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ)
فقال: أحسنت ولا تقل (يَزِفُّونَ)
«١» ثم قال: فلأباهيّن بك- شكّ الكسائىّ- القرّاء أو الملائكة.
стр. 667
واجتاز الكسائىّ بحلقة يونس بالبصرة- وكان شخص مع المهدىّ إليها- فاستند إلى أسطوانة تقرب من حلقته، فعرف يونس مكانه، فقال: ما تقول فى قول الفرزدق «١»:
غداة أحلّت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات «٢» السّدائف والخمر «٣»
على أىّ شئ رفع «الخمر»؟ فأجاب الكسائىّ. فقال يونس: أشهد أن الذين رأسوا رأّسوك باستحقاق.
وقال القعقاع المقرئ: كنت عند الكسائىّ، فأتاه أعرابىّ فقال: أنت الكسائىّ؟ قال: نعم، قال (كَوْكَبٌ)
«٤» ماذا؟ قال: (دُرِّيٌّ)
، و (درّىّ) و (درّئ). فالدّرىّ يشبّه بالدّرّ، والدّرىّ جار، والدّرّئ «٥» يلمع، قال:
ما فى العرب أعلم منك.
قال أبو عمر الدّورىّ «٦»: قرأت هذا الكتاب- معانى الكسائىّ- فى مسجد السوّاقين ببغداذ على أبى مسحل وعلى الطّوال وعلى سلمة وجماعة، فقال أبو مسحل: لو قرئ هذا الكتاب عشر مرات لاحتاج من يقرؤه أن يقرأه.
стр. 668
قال الفرّاء: لقيت الكسائىّ يوما فرأيته كالباكى، فقلت له: ما يبكيك؟
فقال: هذا الملك يحيى «١» بن خالد، يوجّه إلىّ فيحضرنى، فيسألنى عن الشئ؛ فإن أبطأت فى الجواب لحقنى منه عتب، وإن بادرت لم آمن الزلل. قال:
فقلت له ممتحنا: يا أبا الحسن، من يعترض عليك! قل ما شئت، فأنت الكسائى.
فأخذ لسانه بيده وقال: قطعه الله إذا إن قلت ما لا أعلم! قال أبو عمر الدّورىّ: لم يغيّر الكسائىّ شيئا من حاله مع السلطان إلا لباسه قال: فرآه بعض علماء الكوفيين وعليه جربّانات «٢» عظام، فقال له: يا أبا الحسن، ما هذا الزّىّ؟ فقال: أدب من أدب السلطان، لا يثلم دينا، ولا يدخل فى بدعة، ولا يخرج عن سنّة.
وذكر ابن أبى طاهر أنّ الكسائىّ النحوىّ كتب إلى الرشيد بهذه الأبيات،- وهو يؤدّب ولده محمدا- واحتاج إلى التزويج:
قل للخليفة ما تقول لمن ... أمسى إليك بحرمة يدلى
ما زلت مذ صار الأمين معى ... عبدى يدى ومطيّتى رجلى
وعلى فراشى من ينّبهنى ... من نومتى وقيامه قبلى
أسعى برجل منه ثالثة ... موقورة منّى بلا رحل
وإذا ركبت أكون مرتدفا ... قدام سرجى راكبا مثلى
فامنن علىّ بما يسكّنه ... عنى وأهد الغمد للنّصل
فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم وجارية حسناء بآلتها وخادم معه برذون بسرجه ولجامه.
стр. 669
قلت: وهذا من الكسائىّ قبيح من وجوه: أحدها: «يدلى» لفظة قبيحة ولا سيّما فى هذه الحالة التى تعرّض لوصفها، ثم كونه ناط هذا الأمر بكون الأمين معه تغفّل، وقبيح معناه المفهوم منه: إذا رأى الأمين تحرّكت جوارحه؛ وهذا فى غاية الشّناعة. ووصف نفسه بالشّبق ردئ جدّا لمن يروم التعليم أو مقابلة الخليفة، ووصف كبر قمدّه وشدّة انتصابه أردأ وأقبح، ثم سؤاله عمّن يسكّنه عنه؛ إنما يسأل مثل هذا العرّ من يقود العاهرات. فسبحان من أذهب رشده فى هذه الصورة «١»! ومن شعر الكسائىّ فى وصف النحو:
إنما النحو قياس يتّبع ... وبه فى كلّ أمر ينتفع
فإذا ما أبصر النحو الفتى ... مرّ فى المنطق مرّا فاتسع
فاتقاه كلّ من جالسه ... من جليس ناطق أو مستمع
وإذا لم يبصر النحو الفتى ... هاب أن ينطق جبنا فانقطع
فتراه ينصب الرفع وما ... كان من نصب ومن خفض رفع
يقرأ القرآن لا يعرف ما ... صرّف الإعراب فيه وصنع
والذى يعرفه يقرؤه ... وإذا ما شكّ فى حرف رجع
ناظرا فيه وفى إعرابه ... فإذا ما عرف اللحن صدع
فهما فيه سواء عندكم ... ليست السّنّة منا كالبدع
كم وضيع رفع النحو وكم ... من شريف قد رأيناه وضع
قال الكسائىّ: وقفت على نجار فقلت: بكم هذان البابان؟ فقال:
بسلحتان، فحلفت ألّا أكلم عامّيا إلا بما يصلح.
стр. 670
مات الكسائىّ- ﵀ فى صحبة الرشيد ببلد الرّىّ فى سنة ثمانين ومائة.
وقيل فى سنة ثلاث وثمانين ومائة. وفيها مات محمد بن الحسن «١». وقال ثعلب:
ماتا فى يوم واحد، ودفنهما الرشيد بقرية اسمها رنبويه «٢». وقال: اليوم دفنت الفقه والنحو؛ فرثاهما اليزيدىّ «٣» فقال فيهما:
تصرّمت الدنيا فليس خلود ... وما قد ترى من بهجة سيبيد
سيفنيك ما أفنى القرون التى مضت ... فكن مستعدا فالفناء عتيد
أسيت على قاضى القضاة محمد ... فأذريت دمعى والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا ... بإيضاحه يوما وأنت فقيد!
وأوجعنى موت الكسائىّ بعده ... وكادت بى الأرض الفضاء تميد
وأذهلنى عن كل عيش ولذّة ... وأرّق عينى والعيون هجود
هما عالمان أوديا وتخرّما ... وما لهما فى العالمين نديد
قال الفراء: لما صار الكسائى إلى رنبويه، وهو مع الرشيد فى سفره إلى خراسان اعتلّ فتمثّل «٤»:
стр. 671
قدر أحلّك ذا النّجيل «١» وقد أرى ... - وأبىّ «٢» - مالك ذو النّجيل بدار «٣»
إلّا كداركما بذى بقر «٤» الحمى ... هيهات ذو بقر من المزدار «٥»
وبها مات. ويقال: بل مات بطوس هو ومحمد بن الحسن. ولما رجع الرشيد إلى العراق قال: خلفت الفقه والنحو برنبويه. وقيل: إنهما توفيا فى سنة تسع وثمانين، وبلغ عمره سبعين سنة.
قال أبو مسحل عبد الوهاب بن حريش: رأيت الكسائىّ فى النوم فقلت:
ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى بالقرآن. قلت: ما فعل حمزة الزيات وسفيان الثورىّ؟ قال: فوقنا، ما نراهم إلا كالكوكب الدّرّى. قال محمد بن يحيى:
فلم يدع قراءته حيا ولا ميتا.
وحضر الكسائىّ حلقة يونس بالبصرة؛ فقال الكسائىّ ليونس: لم نصبت «حتّى» الفعل المستقبل؟ فقال له يونس: هذا حالها من يوم خلقت. فضحك منه الكسائىّ.
ولقى الرشيد الكسائىّ يوما فى بعض طرقه، فوقف عليه وسأله عن حاله فقال له الكسائىّ: لو لم أجتن من ثمرة الأدب إلا ما وهبه الله لى من وقوف أمير المؤمنين علىّ لكان كافيا.
стр. 672
وذكر أن الكسائىّ والفراء لم يقولا شعرا قطّ. وكان الكسائىّ فصيح اللسان، يتكلّم ولا يخيّل إليه أن يعرب عبارته، وهو يعرب.
وذكر محمد بن إسحاق النديم الكسائى فقال:
«هو أبو الحسن على بن حمزة بن عبد الله بن عثمان- وقيل بهمن- بن فيروز. وقيل يكنى بأبى عبد الله. كوفىّ أخذ عن الرّؤاسىّ وعن جماعة. وقدم بغداد، فضمه الرشيد إلى ولديه المأمون والأمين «١»».
«ولما اشتدّت علة الكسائىّ بالرّى جعل الرشيد يدخل إليه يعوده دائما.
فسمعه يوما ينشد هذين البيتين:
قدر أحلّك ذا النّجيل وقد أرى ... - وأبيك- مالك ذو النّجيل بدار
إلا كداركم بذى بقر الحمى ... هيهات ذو بقر من المزدار
فقال «٢» الرشيد بعد خروجه: مات الكسائى والله. قيل: وكيف يا أمير المؤمنين؟
قال: لأنه حدّثنى أن أعرابيا كان ينزل عليه فاعتل، فتمثّل شعرا قد أنشده الآن، ومات عنده. قال: فمات «٣» الكسائىّ من يومه».
«وسمى الكسائىّ لأنه كان يحضر مجلس معاذ الهرّاء، والناس عليهم الحلل، وعليه كساء روذبارىّ».
стр. 673
«وله من التصانيف والكتب: كتاب معانى القرآن «١». كتاب مختصر النحو. كتاب «القراءات». كتاب مقطوع القرآن وموصوله. كتاب اختلاف العدد. كتاب الهجاء. كتاب النوادر الأوسط. كتاب النوادر الكبير. كتاب هاءات الكناية «٢» فى القرآن. كتاب الحدود فى النحو. كتاب العدد «٣»».
ذكره المرزبانىّ فقال: «أبو الحسن على بن حمزة بن عبد الله بن بهمن ابن فيروز مولى بنى أسد. روى أنه قيل للكسائىّ: لم سميت الكسائىّ؟ قال:
لأنى أحرمت فى كساء».
قال محمد بن داود بن الجراح: «ورد علىّ بن حمزة الكسائىّ بغداذ، وأدّب محمد بن الرشيد. وهو إمام أهل الكوفة فى النحو وفى القراءة، وأستاذ الفراء وعلى ابن المبارك الأحمر».
وجمع الرشيد بينه وبين سيبويه البصرىّ فخطأه الكسائىّ وغلاماه «٤»، فأمر الرشيد بصرف سيبويه، ووصله بعشرة آلاف درهم. فلم يدخل البصرة، واستحيا مما وقع عليه، ومضى إلى فارس، فمات بها.
وقال الجاحظ: تعلّم الكسائىّ النحو بعد الكبر، فلم يمنعه ذلك من أن برع فيه. ولقى أعراب الحطمة «٥»، وكثر سماعه منهم، وقرأ القرآن وبرع فيه؛ حتى
стр. 674
قوى عليه وعرف إعرابه، واختار حرفا «١» فقرأ به. وكتب فى النحو كتبا مفهومة حسنة الشرح. وكان أثيرا عند الخليفة؛ حتى أخرجه من طبقة المؤدّبين إلى طبقة الجلساء والمؤانسين.
وقال يحيى الفرّاء: مدحنى رجل من النحوييّن وقال لى: ما اختلافك إلى الكسائىّ فأنت أعلم منه، أو مثله فى العلم!. قال: فأعجبتنى نفسى، فناظرته وسألته؛ فكأننى كنت طائرا يغرف من البحر.
وقال ابن قادم: قلت للفراء: قد بقى فى نفسك شىء من النحو؟ قال:
أشياء كثيرة. قال: فمن تحب أن تلقى فيها؟ قال: كنت أحبّ لو بقى الكسائىّ- وكان قد مات- ﵀.
وكان أبو زيد سعيد بن أوس الأنصارىّ يقول: كان الكسائىّ إذا أخذ معى فى اللغة والشعر هوى، وإذا أخذ فى النحو علا.
وقال الأصمعىّ: أرسل إلىّ الكسائىّ بأبى نصر، وقال: لست أعرض لك فى الشعر والغريب والمعانى، فدعنى والنحو. فوجّهت إليه: ما كلمتك قطّ فى النحو إلا بحجة أصحابى، وقد تركت ذلك لك.
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ: ما رأيت فى الصّنعة أحذق من أربعة:
الأصمعىّ بالشعر، والكسائىّ بالنحو، ومنصور زلزل بضرب العود، وبرصوما «٢»
стр. 675
بالزمر. قيل له: وما بلغ من حذقهم؟ قال: كنت إذا رأيت كتاب إنسان منهم فى صناعته لم تنازعك نفسك إلى أن تكون فى تلك الصناعة على أكثر مما سمعت.
وقال الأخفش سعيد بن مسعدة: قدم الكسائىّ إلينا البصرة مرتين؛ كان فى الأولى كذا وكذا؛ فأما فى الثانية فلم يتعلّق عليه بشىء.
وقال أحمد بن الحارث الخزّاز: كان الكسائىّ ممّن وسم بالتعليم، واكتسب به مالا كثيرا، وكان سخيا جميل الأخلاق.
وقال أبو حاتم: سمعت الكسائىّ يقول: رأيت بالبادية أعرابيين؛ أحدهما أسود والآخر أحمر، فسألت الأسود فلم أجد عنده شيئا، وسألت الأحمر فكأنما يأخذ العلم من شاربه. فقال لى الأحمر: ما رأيت رجلا أعلم بكلمة إلى جنبها كلمة أشبه شىء بها، أبعد شىء منها منك. قال: فكتبت هذا الكلام عنه.
وروى الفرّاء عن الكسائىّ قال: كنت أسأل أعرابيا عن كلمة صواب، وأسأله عن كلمة خطأ يقارب لفظها؛ أمتحنه بذلك، فقال لى: ما رأيت رجلا يأتى بكلمة إلى جنبها كلمة، أشبه شىء بها، أبعد شىء منها منك.
وروى إبراهيم بن إسماعيل الكاتب قال: قال أبو زياد الكلابىّ: ما رأيت أحدا أوقع على كلمة إلى جنبها كلمة أقرب شىء بها أبعد شىء منها منك.
وروى سلمة «١» عن الفراء عن الكسائىّ: قال: كنت بالبادية، فرآنى أعرابىّ وأنا أكتب فقال لى: ما رأيت رجلا يكتب الكلمة ومعها أخرى تشبهها كأنها أختها أو أمها مثلك.
وروى سلمة عن الأخفش قال: كان الكسائىّ جاءنا البصرة، فسألنى أن أقرأ عليه، أو أقرئه كتاب سيبويه ففعلت. فوجه إلىّ خمسين دينارا وجبة وشى.
стр. 676
وقال أبو زيد الأنصارىّ: قدم الكسائىّ البصرة، فأخذ عن أبى عمرو ابن العلاء وعن يونس بن حبيب وعيسى بن عمر علما كثيرا صحيحا، ثم خرج إلى بغداذ، وقد قدم أعراب الحطمة، «١» وأخذ عنهم شيئا فاسدا، فخلط هذا بذاك فأفسده.
ولما أتى أبا زيد موت الكسائىّ قال: يرحمه الله! مات بموته علم كثير.
٤٥٧ - على بن الحضرمىّ النحوىّ [١]
كان من سواحل إفريقية. فيه نباهة وفضل، وكان ربّما علّم فى بعض الأوقات. وكان بقربه رجل قد نظر فى النحو أيضا؛ فكانا يتراسلان بالمسائل فى النحو.
ومما كتب به إليه علىّ بن الحضرمىّ:
لما أتانى كتاب واضح حسن ... فى النحو منك أبا إسحاق قد صنعا
كيما تغلّطنى فيه وتفحمنى ... ولست فى النّحو ممّن يبتغى الشّنعا
أمسكت خوف مراء لست تحمله «٢» ... حلما ولم أك عنه ممسكا فزعا
٤٥٨ - على بن الحارث البيارىّ الخراسانىّ [٢]
ذكره الباخرزىّ وسجع له فقال «٣»: «عنده مفصّل الفضل ومجموعه، ومرئىّ الأدب ومسموعه، ومعدن العلم وينبوعه. والذى تشدّ إليه الرحال، وتزمّ «٤» نحوه الجمال، ويقصد محلّه القصّاد، وينثال على مناهله الروّاد».
стр. 677
«حدّثنى تلميذه أبو العباس محمد بن على البادغوسىّ «١» قال: كتب إليه الوزير الحسن المصعبىّ مهيبا به إلى جنابه، ليجنى من الأدب ألذّ الجنى به، فترفّع عن إجابته؛ إذ لم يكن قصد ذلك الباب من بابته، وصدّر كتاب المصعبىّ بهذه الأبيات:
قد تدبرت ما أشرت إليه ... وهو الخير لا غبار عليه
غير أن المشيب من برد المو ... ت وخيط الرقاب فى كفّيه
فلماذا تريد ما لم أرده ... فى شبابى ولم أحنّ إليه
قال: وأنشدنى أيضا له، قال: أنشدنيه لنفسه:
ماذا أقول لربّى حين يسألنى ... فيم ابتغيت حراما بعد سبعين
لا همّ إن طمعت نفسى فلا طعمت ... فيما ابتغت غير زقّوم وغسلين
من تصنيفه: كتاب شرح الحماسة. كتاب صناعة الشعر.
٤٥٩ - على بن دبيس النحوىّ الموصلىّ الشيخ أبو الحسن [١]
قرأ على ابن وحشىّ «٢»، وابن وحشىّ قرأ على أبى الفتح بن جنّىّ. تصدّر ببلده لإفادة هذا الشأن.
وله شعر، منه قوله فى قوّاد:
يسهّل كلّ ممتنع شديد ... ويأتى بالمراد على اقتصاد
فلو كلّفته تحصيل طيف ال ... خيال ضحى لزار بلا رقاد
стр. 678
ومن شعره:
ما ساعفتك بطيفها هند ... إلّا لكى يتضاعف الوجد
ومنها فى مدح سعد الدولة أخى شرف الدولة مسلم «١» بن قريش:
والوجد ينمى فى الفؤاد كما ... ينمى لسعد الدولة السّعد
٤٦٠ - على بن سليمان بن الفضل أبو الحسن الأخفش الصغير النحوىّ [١]
سمع أبوى العباس ثعلبا، والمبرّد، وفضلا اليزيدىّ، وأبا العيناء الضرير. «٢» روى عنه علىّ بن هارون القرميسينىّ، وأبو عبيد الله المرزبانى، والمعافى بن زكريا الجريرىّ. وكان ثقة.
توفى أبو الحسن علىّ بن سليمان الأخفش فى ذى القعدة سنة خمس عشرة وثلاثمائة.
стр. 679
قال الأخفش: طلب إبراهيم «١» بن المدبّر من المبرّد محمد بن يزيد جليسا يجمع له بين تأديب ولده وإمتاعه بمؤانسته، فندبنى المبرّد لذاك، وكتب إليه معى كتابا:
قد أنفذت إليك- أعزك الله-[فلانا] «٢»، وجملة أمره كما قال الشاعر:
إذا زرت الملوك فإنّ حسبى ... شفيعا عندهم أن يخبرونى
وكان علىّ بن سليمان يتعرّض لابن الرومى الشاعر، ويباكر داره، ويقول عند بابه كلاما يتطيّر به فلا يخرج- وكان كثير التطير- فهجاه ابن الرومىّ بأهاج هى مثبتة فى ديوانه «٣». وكان علىّ بن سليمان الأخفش يتحفّظها ويوردها فى جملة ما يرويه استحسانا لها، وافتخارا بأنه نوّه بذكره إذ هجاه. ولما علم ابن الرومىّ ذلك أقصر عنه.
وقدم الأخفش مصر سنة سبع وثمانين ومائتين، وخرج منها سنة ست وثلاثمائة إلى حلب مع على بن أحمد بن بسطام صاحب الخراج، ولم يعد إلى مصر.
وتوفّى ببغداذ سنة خمس عشرة وثلاثمائة. وقيل سنة ست عشرة وثلاثمائة، وهو ابن [ثمانين سنة] «٤»، ودفن فى مقبرة قنطرة البردان.
وذكر هلال بن المحسّن «٥» فى كتابه، قال: «حكى أبو الحسن ثابت بن سنان قال: كان أبو الحسن على بن سليمان الأخفش يواصل المقام عند [أبى] «٦» على
стр. 680
ابن مقلة «١»، ويراعيه أبو على ويبرّه، فشكا إليه فى بعض الأيام ما هو فيه من شدّة الفاقة، وزيادة الإضاقة، وسأله أن يكلّم أبا الحسن على بن عيسى- وهو يومئذ وزير- فى أمره، ويسأله إقرار رزق عليه فى جملة من يرتزق من أمثاله، فخاطبه أبو علىّ فى ذلك، وعرّفه اختلال حاله، وتعذّر القوت عليه فى أكثر أيامه، وسأله أن يجرى عليه رزقا برسم الفقهاء. فانتهره علىّ بن عيسى انتهارا شديدا، وأجابه جوابا غليظا- وكان ذلك فى مجلس حافل ومجمع كامل- فشقّ على أبى علىّ ما عامله [به]، وقام من مجلسه، وقد اسودّت الدنيا فى عينه، وصار إلى منزله لائما نفسه على سؤاله علىّ بن عيسى ما سأله، وحلف أن يتجرّد فى السعى عليه. ووقّف الأخفش على الصّورة، فاغتم بها، وانتهت به الحال إلى أكل السّلجم «٢» النّىء. فقيل إنه قبض على فؤاده: قلبه، فمات فجأة- ﵀ وكان موته فى شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة».
وذكره المرزبانىّ فقال: «لم يكن بالمتّسع فى الرواية للأخبار والعلم بالنحو وما علمته صنّف «٣» شيئا البتة، ولا قال شعرا. وكان إذا سئل عن مسئلة فى النحو ضجر وانتهر من يواصل مساءلته. وشاهدته يوما وصار إليه رجل من أهل حلوان كان يكرمه، فحين رآه قال له:
حيّاك ربك أيها الحلوانى ... وكفاك ما يأتى من الأزمان
ثم التفت إلينا، وما يحسن من الشعر إلا هذا وما جرى مجراه.
ودفع كتابا له إلى بعض من فى مجلسه عليه اسمه، فقال له: أبو الحسن خفش خفش.
стр. 681
٤٦١ - على بن سعيد بن عثمان بن جار الخير بن دبابا [١] السّنجارىّ
بسم الله الرحمن الرحيم. كتبت فى هذه الكراسة ما وجدته من شعر الشيخ أبى الحسن علىّ بن سعيد بن عثمان بن جار الخير- رضى الله عنهم أجمعين- وحصل لى ذلك من أوراق من كتاب العين فى اللغة، وجدتها بخطه منذ زمان قديم.
فمن ذلك أبيات دالية، وهى:
لمن طلل أضحت قفارا معاهده ... أكاتمه برح «١» الهوى وأناشده
وقفت به صحبى طويلا أبثّه ... لفرط الأسى والشوق ما أنا واجده
فأعيا جوابا واحتملت وللهوى ... بقلبى ولوع ما يزال يعاوده
ولست بناس يا أميمة عهدكم ... ولا خائنا إن خان عهدا معاهده
ولا هائبا صرف الزّمان إذا سطت ... بأحداثه أحداثه وشدائده
وكيف أخاف الدهر من بعد ما غدا ... كفيلا بنجح السّعى والقصد ماجده
هو السّيّد المرجوّ والمورد الذى ... بوادره محمودة وموارده
جواد إذا حدّثت عنه بمدحة ... تضافرنى فيما أقول حواسده
سحاب على الأعداء فيه صواعق ... وبحر نوال ما تغبّ «٢» عوائده
فتى شرفت همّاته وسما به ... إلى ذروة المجد الأصيل محامده
تعالى علوّا إن يساجل فما يرى ... له فى الّذى يأتيه ندّ يعانده
أنار سبيل العرف بعد ظلامه ... وقام به بعد التّثاقل قاعده
وأضحى به شمل الرّعية بعد ما ... تشعّب «٣» مجموعا وأرست «٤» قواعده
стр. 682
جرىء على الخصم الجرىء مساعد ... إذا قصرت عن نصرة الكفّ ساعده
بصير بوجه القصد والأمر مظلم ... إذا خفيت يوما عليك مقاصده
له شيمة تعلو على كلّ شيمة ... ومورد جود لا يخيّب وارده
إليك ابن منصور زجرت ركائبى ... وقد شردت بى عن مسيرى شوارده
وما خاب مسعى من غدوت رجاءه ... ولا ضلّ ركب أمّ بابك قاصده
وله رحمة الله عليه:
نمّت دموعى بما أكاتمه ... وعاد جسمى لبينهم سقم
وظلت فى الدّار بعد بعدهم ... ذا لوعة فى الفؤاد تضطرم
وعاذل بات فيك يعذلنى ... وبى عن العذل فى الهوى صمم
أذقته حرّ لومه فغدا ... ذا كبد ما تكاد تلتئم
يا جائرا فى هواه محتكما ... أسرفت فى الحكم أيّها الحكم
أطعت قول الواشى ولم أك فى ... حبّك ممن يطيع قولهم
فلا سقوا حيث حلّ سربهم ... ولا استهلّت «١» عليهم الدّيم»
ولا غدا بالنجاح طائرهم ... ولا سعى بالعلا لهم قدم
وله رضى الله عنه ورحمه:
أمغنى «٣» الهوى أصبحت مغنى النّوائب ... وقد كنت مغنى للحسان الكواعب
وأمسيت من بعد الأحبّة موحشا ... وكنت أنيسا فيك مسرى الحبائب
أبعد مشيب الرأس يعتادنى الصّبا ... وأمسى زميلا للخليع المصاحب!
وبعد خليلىّ اللذين تحمّلا ... أبيت قرير العين عذب المشارب!
стр. 683
من مدحها:
وكنت قبيل الإلتقاء معظّما ... لما سار عنكم من جزيل المناقب
فلما تلاقينا رأيت مخبّرى ... لتقصيره فى الوصف فى زىّ كاذب
وله رحمة الله عليه:
روحى الفداء لزائر متفضّل ... شفعت مكارمه إليه فأنعما
سمحت به نفس الزّمان وطالما ... بخلت علىّ بأن أراه مسلّما
فطفقت أحمده وأشكر سعيه ... وأعدّ زورته الحميدة مغنما
وعلمت أن الدهر يعقب شهده ... فى الكأس من بعد الحلاوة علقما
أين الّذين علوا على أحداثه ... وتوقّلوا «١» خوف المنيّة سلّما
أخنى بكلكله فأفنى جمعهم ... وغدا مشيد بنائهم متهدّما
فاعمل لنفسك إن قدرت ولا تكن ... فرقا وكن حيث الأمور مسلّما
سمعت من أخوال الشيخ أبى الحسن على بن سعيد بن دبابا- ﵀ أنه كان رجلا متدينا كثير العقل. فمن دينه أنه سمع إنسانا يفضله على بعض نحاة سنجار «٢»، وهو عبد الصمد بن عيسون، فلما حضر للقراءة عليه أقسم أنه لا يقرئه وهو على هذه الحالة فى تفضيله والمغالاة فيه.
وأيضا فإنه كان يتّجر ويختلف إلى دمشق، فباع فى بعض سفراته على نوّاب أسد الدين شيركوه «٣» متاعا، غلط أصحابه بمائتى دينار صوريّة. فعمل حسابه فوجد الغلط، فحمل الذهب إليهم، فجزوه خيرا وشكروه.
стр. 684
وطلبه عماد الدين صاحب سنجار- ﵀ وألحّ فى طلبه، فلم يمض إليه، وقال: هو يرانى بعين، وأخشى أن أنقص من عينه إذا اجتمعنا.
وتحيّل مجاهد الدين النائب بسنجار عليه فى الاجتماع به؛ حتى كان يقدم فى الوقت يوم الجمعة لأجل الاجتماع به.
وروى أنه اجتاز بسوق سنجار، فرآه بعض البغداذيين، وقال: من هذا الرجل؟ فقيل: هذا يقال له علىّ بن دبابا، فقال: يحتاج هذا الرجل إلى قلّة عقل.
وذكر أن رجلا من أهل سنجار يقال له ابن جبلة، خرج من مقصورة من مقاصير جامع سنجار يوم جمعة إلى صحن الجامع، فقال: سبحان الله! ما فى هذا الجمع مسلم! ثم نظر فإذا الشيخ أبو الحسن، فقال: ما كان لى أن أقول هذا والشيخ أبو الحسن حىّ.
وكان يناظر مع الفقهاء فيجيد بقوته فى علوم الفقه على وجه التسلّط. وكانت استراحته فى كلامه مثلا. وعلى الجملة، لأهل سنجار فيه من العقيدة ما لم يسمع لها مثال. وكان رجلا طويلا ضخما آدم اللون جهورىّ الصوت حسن التسميع، [ذا] نفس «١» كبيرة- ﵀.
وحكى أنّ مماته كان بريح الخمرة، فقال يوما: اليوم أشتمّ شيئا وأموت، فجاء الطبيب فقال: قوّوه، فشويت عنده شريحة لحم، فشمّها. وتوفى- ﵀ فى حدود سنة ستين وخمسمائة تقريبا.
стр. 685
وكان يحضر مع جماعة من معتبرى سنجار فى وادى سنجار، على بيت بجانب بستان لرجل يقال له ابن الخردل، فاطلع عليه ابن الخردل يوما فقال: قد حضرنى شىء؛ أقوله أم لا؟ فقال له الشيخ: قل، فقال:
يا علىّ بن دبابا ... ليس ذا شيئا صوابا
تأخذ الدّر من البح ... ر وتلقيه الخرابا
هذا الشيخ- ﵀ كان نحويا بمدينة سنجار، يفيد النّحو بغير أجر.
وكان نزه النفس، مشتغلا بأمره، يرتزق من صنعة يده، ويصبر على المأكل الخشن والملبس المتوسط. وكان يصنع الجفنات «١» الحمر بيده ويرتزق بها. وكان ذا دين ومروءة.
قرأ النحو ببلده على البر «٢» النحوىّ القرقيسىّ نزيل سنجار، وعلى أبى جحش السنجارىّ النحوىّ. ولم يزل ببلده يفيدها إلى أن مات- ﵀.
٤٦٢ - علىّ بن طاهر بن جعفر بن عبد الله أبو الحسن القيسىّ السّلمىّ النحوىّ الدّمشقىّ [١]
سمع من مشايخ زمانه، وكان ثقة، وكانت له حلقة بجامع دمشق يفيد فيها العربية. ووقف فى موضع حلقته خزانة كتب له.
وسأله أبو محمد بن صابر عن مولده، فقال: فى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
وذكر ابن الأكفانى «٣» أن أبا الحسن [بن] طاهر النحوىّ توفى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من ربيع الأوّل سنة خمسمائة.
стр. 686
٤٦٣ - على بن طاهر بن الرّقبانىّ أبو الفضل اللغوىّ الصّقلىّ [١]
من أهلها المقيمين بها. حافظ للّغة وأيّام العرب، جامع لأدوات الأدب.
فمن شعره يمدح الأمير صمصام الدولة، وقد وصلت إليه ألقاب كثيرة، وخلع شريفة من مصر:
من قبل ذى الألقاب كنت شريفا ... إذ لم تزدك بكثرة تعريفا
لكنها عذبت فنحن بذكرها ... نرتاح لو كانت تعدّ ألوفا
يا سيّد الأملاك والعلم الذى ... ترك القوىّ من العصاة ضعيفا
لا زلت مسعودا وجدّك صاعدا ... حتى ترى فوق النجوم منيفا
٤٦٤ - على بن طلحة بن كردان النحوىّ أبو القاسم [٢]
صاحب أبى علىّ الفارسىّ وعلىّ بن عيسى الرمّانى. قرأ عليهما كتاب سيبويه.
والواسطيّون يفضّلونه على ابن جنّى والرّبعىّ.
صنّف كتابا كبيرا فى إعراب القرآن؛ قال لى شيخنا أبو الفتح: كان يقارب خمسة عشر مجلدا، ثم بدا له فيه فغسله قبل موته.
مات سنة أربع وعشرين [وأربعمائة «١»]، وكان متنزها [متصوّنا] ركب إليه [فخر الملك] أبو غالب محمد بن علىّ بن خلف وزير بهاء الدولة وهو سلطان الوقت، وبذل له فلم يقبل. وكان قد جرت بينه وبين القاضى أبى تغلب أحمد بن عبيد الله العاقولىّ [صديق الوزير المغربىّ وخليفة السلطان والحكام على واسط فى وقته «٢»] خصومة- وكان معظما [مفخما] «٣» - فقال له ابن كردان: إن صلت علينا بمالك صلنا عليك بقناعتنا.
стр. 687
آخر من حدّث عنه أبو المعالى محمد بن عبد السلام بن شاندة.
ذكر ذلك كله خميس الحوزىّ جوابا للسّلفىّ.
٤٦٥ - على بن عبد الله بن سنان التيمىّ الطّوسىّ اللغوىّ [١]
من أصحاب أبى عبيد القاسم بن سلّام. وكان من أعلم أصحابه وأكثرهم أخذا عنه أبو الحسن. عالم راوية لأخبار القبائل وأشعار الفحول، ولقى مشايخ الكوفيين والبصريّين. وكان أكثر مجالسته وأخذه عن ابن الأعرابىّ. وله ولد سلك طريقته فى العلم والحفظ. وكان الطّوسىّ عدوّا لابن السكّيت، لأنهما أخذا عن نصران «١» الخراسانىّ. واختلفا فى كتبه بعد موته. ولم يكن له مصنّف «٢».
٤٦٦ - على بن عبد الله بن محمد بن عبد الباقى بن أبى جرادة العقيلىّ أبو الحسن [٢]
شيخ العلماء فى وقته بحلب. له خطّ حسن ويد فى الحساب والهندسة على ما شاهدته بخطّه. وكان يميل إلى علم الأوائل، ويكتب منه الكثير، ولم يكن من أهل العربية على التحقيق؛ وإنما ذكرته هاهنا لأنه تعرّض إلى غريب الحديث لأبى عبيد القاسم بن سلّام- رضى الله عنه- فقفّاه على حروف.
стр. 688
فشارك بهذا التّصنيف أهل اللّغة، فذكرته فى هذا المصنف، وملكت هذا التّصنيف وفيه ما فيه.
وكان جدّه المدعوّ بأبى جرادة من أهل الفضل، وكان ورّاقا بحلب. ورأيت مجموعا على سبيل التذكرة لابن خالويه بخطّه. وقد كتب فيه نسخة «١» كتاب منه [إلى] «٢» الخالديّين «٣» [يسألهما انتساخ كتابه المبتدأ «٤»] فى النحو يقول فيه: وقد كنت عند إملائى كتاب المبتدأ فى النحو لم أحصّل به نسخة وعند كما نسخة منه فأسألكما انتساخها؛ وليكن الناسخ لها أبو جرادة الورّاق الحلبىّ؛ فإنّ خطّه حسن صحيح، وكذلك ضبطه، وكان حاضر الإملاء.
وكان أبو الحسن هذا- ﵀ محبّا للعلوم، جامعا للكتب الحسان.
وسألت عنه ابن الحرّانى نحوىّ بلده، فقال: لم يكن عالما بالنحو. وكان علمه بغير العربية أبلغ من علمه بها. ثم قال لى: رأيت شهادته فى بعض الكتب، وقد قال فيها: أشهدنى الموقف «٥» على نفسه. وسمع من مشايخ بلده المقيمين بها، والقادمين عليها. ورحل إلى بغداد حاجا، فسمع بها وبطريقها. وكان مولده فى المحرّم سنة إحدى وستين وأربعمائة بحلب.
стр. 689
وله شعر قليل، منه:
يا ظباء البان «١» قولا بيّنا ... من لنا منكم بظبى من لنا
مشبه البدر بعادا وسنا ... من نفى عن مقلتىّ الوسنا
فتكت ألحاظه فى مهجتى ... فتك بيض الهند أو سمر القنا
يصرع الأبطال فى نجدته ... إن رمى عن قوسه أو إن رنا
دان أهل الدّلّ والحسن له ... مثل ما دانت لمولانا الدّنا
ذكر أنه توفّى بحلب سنة ست وأربعين وخمسمائة. وقيل سنة ثمان وأربعين والله أعلم.
٤٦٧ - على بن عبد الله أبو الحسن الآمدىّ النحوىّ الفقيه [١]
نزيل خلاط. نحوىّ مجوّد، وفقيه مسدّد. أدركه بخلاط «٢» أبو طاهر السّلفىّ الأصبهانىّ، وأخذ عنه.
أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ قال: «سمعت أبا الحسن على بن عبد الله الآمدىّ النحوىّ الفقيه بثغر خلاط فى مجلس القاضى أبى معاذ يقول: «لم يذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازىّ «٣» فى المهذّب [فى المذهب «٤»] مسألة إلا بعد أن صلّى ركعتين
стр. 690
واستخار الله تعالى فيها؛ كما فعل البخارىّ فى الصحيح. فلم ينكر ذلك أبو معاذ قاضى خلاط، وكان من أخلّاء أبى إسحاق وأئمّة تلامذته».
٤٦٨ - علىّ بن عبيد الله بن عبد الغفار أبو الحسن اللّغوى السّمسمانىّ [١]
سمع أبا بكر بن شاذان وأبا الفضل بن المأمون. وكان صدوقا، صاحب خطّ متقن فى الصّحة، مرغوب فيه لتحقيقه. كتب الكثير، وتصدّر ببغداذ للرواية، وأقرأ الأدب. وأكثر كتبه بخطّه. حصلت عند ابن دينار الواسطىّ الأديب وأدركها عرق ففسد أكثرها. وكان صدوقا ثقة فى الرواية- ﵀.
توفى يوم الأربعاء لأربع خلون من المحرم سنة خمس عشرة وأربعمائة.
٤٦٩ - على بن عبد الرحمن بن محمد بن مهدىّ بن عمران التنوخىّ الإشبيلىّ النحوىّ اللغوىّ أبو الحسن المعروف بابن الأخضر [٢]
كان من أهل اللغة والأدب والعربية، حافظا لذلك مقدّما. روى ذلك عن أبى الحجاج يوسف بن سليمان الأعلم- وعليه عوّل- وعن أبى علىّ القالى «١» وغيرهما.
стр. 691
وأخذ عنه جماعة الطلبة فى زمانه وأثنوا عليه، ووصفوه بالمعرفة واليقظة والدّين والفضل.
توفّى يوم الخميس سلخ سنة أربع عشرة وخمسمائة.
٤٧٠ - على بن عبد الرحمن بن هارون بن عيسى بن هارون ابن الجراح الرئيس أبو الخطّاب المقرئ النحوىّ اللغوىّ [١]
حسن الإقراء. وأخذ الناس عنه، وختم عليه الجمع الكثير ببغداذ. وكان يقول الشعر، ويفيد علم النحو واللغة. وسمع من مشايخ وقته، كأبى القاسم عبد الملك ابن محمد بن بشران الواعظ «١»، وأبى بكر محمد بن عمر بن بكر النجار «٢»، وغيرهما.
روى عنه عبد الوهاب بن المبارك الأنماطىّ وطبقته. اجتمع هو وأبو إسحاق الشيرازىّ، وأتا [هـ] بثلجيّة فيها ماء بارد، فأنشأ الشيخ أبو إسحاق الشيرازىّ يقول:
ممتّع وهو فى الثلاج ... فكيف لو كان فى الزّجاج
فأجابه الرئيس أبو خطاب:
ماء صفا رقّة وطيبا ... ليس بملح ولا أجاج
стр. 692
سئل عن مولده فقال: فى سنة عشر وأربعمائة. ومات سحرة يوم الثلاثاء العشرين من ذى الحجّة سنة سبع وتسعين وأربعمائة. ودفن من يومه فى مقبرة باب برز، وصلّى عليه فى جامع القصر.
٤٧١ - علىّ بن عبد الرحمن الصّقلىّ النحوىّ العروضىّ [١]
نزيل الإسكندرية. عالم بعلمى النحو والعروض، قيّم بهما، بليغ فيهما، مشارك فى جميع الأنواع الأدبية، متصدّر لإفادة هذا النوع، وله شعر.
أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ الأصبهانى فى إجازته العامة قال: «قال لى أبو الحسن على بن الحسن بن يوسف الدمراوىّ اللخمىّ بالإسكندرية: كنت أقرأ على أبى الحسن على بن عبد الرحمن الصّقلىّ العروضىّ النحوىّ، فعملت أبياتا وعرضتها عليه، فأضاف إليها بيتا واحدا. فالتى لى:
قالت سعاد وقد جدّ الوداع بنا ... ودمعها واكف ينهلّ كالبرد
كم من شجاع بلا سيف ولا ترس ... ومن جبان بآلات من العدد
ومن كريم بلا مال يجود به ... ومن لئيم كثير المال والصّفد «١»
والذى له:
جاد الزمان على هذا وضنّ على ... هذا فأصبح لا يخلو من الكمد
إن الأمور على الأقدار جارية ... وكل ذى أمل يسعى إلى أمد
стр. 693
٤٧٢ - على بن عبد الرحيم بن الحسن السّلمىّ أبو الحسين ابن أبى الحسين المعروف بابن العصّار [١]
الرّقىّ الأصل، البغداذى المولد والدار، المعروف بابن العصّار اللغوىّ. من ساكنى دار الخلافة المعظمة بالمطبق.
شيخ فاضل، له معرفة تامة باللغة [و] العربية. قرأ على أبى منصور بن الجواليقىّ، وعلى الشريف أبى السعادات بن الشجرىّ، ولازمهما حتى برع فى فنه، وأشير إليه فى ذلك. وسمع الحديث من مشايخ زمانه وروى عنهم. وأقرأ الناس زمانا، وتخرّج عليه فى الأدب جماعة، وسافر إلى مصر، واجتمع بها بأبى محمد بن برىّ النحوىّ والقاضى الموفق يوسف بن الخلال كاتب الإنشاء، وروى عنه.
وقال له ابن برّىّ: ما رأيت فى طريقك؟ قال: رأيت ما بين بغداذ ومصر سوادا. وكان يتّجر ويذكر بالبخل والإمساك، وكتب بخطه الكثير من كتب اللغة وشعر العرب. وقد كان يقع فى خطّه الغلط مع كثرة ضبطه واحترازه.
وقيل: إنه لم يكن ذكيّا، وإن النحو لم يتهيّأ له معرفة ما قرأ منه على الوجه. ورأيت فى خطّه وهما فى الإعراب يدلّ على ذلك. وكانت طريقته فى النسخ حسنة، والناس يتنافسون فى خطّه ويغالون به. وقد كان- ﵀ حريصا على الفوائد وطلبها، ويسطّرها على كتبه المنتسخة بخطّه.
وكانت ولادته فى سنة ثمان وخمسمائة. ومات- ﵀ فى يوم السبت بعد صلاة الظهر ثالث المحرّم سنة ست وسبعين وخمسمائة. وصلى عليه الخلق
стр. 694
الكثير يوم الأحد رابع المحرم بجامع القصر، ومرة أخرى بالمدرسة النظاميّة. ودفن فى الجانب الغربىّ بمقبرة الشونيزىّ إلى جنب قبر أبيه «١».
٤٧٣ - على بن عبد العزيز [١]
صاحب أبى عبيد القاسم بن سلام، والراوى عنه كتبه هو وأخوه «٢». وأصلهم من باغ شور «٣» من خراسان.
ومات سنة سبع وثمانين ومائتين.
٤٧٤ - على بن عبد الجبار بن سلامة بن عيذون الهذلىّ اللغوىّ التونسىّ المغربىّ [٢]
من أهل تونس. إمام فى اللغة كامل فاضل حافظ لها؛ حتى لو قيل: لم يكن فى زمانه ألغى منه لما استبعد. وكانت له قدرة على نظم الشعر؛ خرج عن بلده
стр. 695
إلى صقلّيّة، ولقى بها ابن رشيق الشاعر الفاضل متغرّبا عن القيروان، مقيما فى كنف ابن مدكود «١» بمدينة مازر «٢».
ورأى ابن البر «٣» اللغوىّ، ولم يأخذ عنه تعفّفا، لما كان عليه ابن البر من التخلّى والتبدّد فى أمر دينه؛ على ما ورد فى خبره. وأخذ عن أبى القاسم بن القطاع الصّقلّى، وقال: لم أرقط أحفظ للعربية واللغة منه.
وكان مولد على بن عبد الجبار بن سلامة بتونس يوم عيد النحر من سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. وتوفى بالإسكندرية فى أواخر ذى الحجة سنة تسع عشرة وخمسمائة.
روى لنا عنه أبو طاهر السّلفىّ الأصبهانىّ نزيل الإسكندرية، ووصفه وذكره بالعلم فى اللغة والإتقان لها. وذكر عنه أن له قصيدة فى الرد على المرتدّ البغداذىّ- لعنه الله- فيها أحد عشر ألف بيت على قافية واحدة.
٤٧٥ - على بن عمر بن أحمد بن عبد الباقى بن بكرىّ أبو الحسن [١]
خازن دار الكتب بالمدرسة النظامية. من أهل باب الأزج. كانت له معرفة حسنة بالأدب. قرأ النحو على الشريف أبى السعادات بن الشجرىّ، واللغة [و] العربية على أبى منصور بن الجواليقىّ وغيرهما. وكان يكتب خطا جيدا. تولى الخزن سنين كثيرة. ورأيت بخطه أجزاء متعدّدة من كتاب الأزهرىّ، وفيها وهم وغلط. ولا شكّ فى موته قبل إتمامه ومقابلته.
وتوفّى يوم الثلاثاء عشرين من شهر رمضان سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
стр. 696
٤٧٦ - علىّ بن عيسى بن على بن عبد الله أبو الحسن النحوىّ المعروف بالرمانىّ [١]
حدث عن أبى بكر بن دريد وأبى بكر بن السراج. روى عنه التّنوخىّ «١» والجوهرىّ «٢» وهلال «٣» بن المحسّن الكاتب.
وكان من أهل المعرفة، مفتنا فى علوم كثيرة من الفقه والقرآن والنحو واللغة والكلام على مذهب المعتزلة. وله التصانيف المشهورة فى التفسير والنحو واللغة.
وكان مولده فى سنة ست وتسعين ومائتين. ومات- ﵀ فى ليلة الأحد الحادى عشر من جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
стр. 697
ومن تصانيفه فى كل فن: كتاب شرح سيبويه كبير. كتاب شرح الأصول لأبى بكر بن السراج. كتاب شرح الموجز، له عدّة نسخ. كتاب شرح الجمل لابن السراج. كتاب التصريف. كتاب شرح الألف واللام للمازنىّ. كتاب الاشتقاق الكبير. كتاب الاشتقاق المستخرج.
كتاب شرح الهجاء لابن السراج. كتاب شرح المدخل للمبرّد. كتاب شرح المقتضب للمبرّد. كتاب الحروف. كتاب الألفات. كتاب الإيجاز فى النحو. كتاب شرح مختصر الجرمىّ. كتاب المبتدأ فى النحو. كتاب الخلاف بين النحويين. كتاب شرح مسائل الأخفش الكبير والصغير، مصنفان. كتاب الخلاف بين سيبويه والمبرّد. كتاب نكت سيبويه. كتاب أغراض سيبويه. كتاب المخزومات. كتاب التّصريف. كتاب الجامع فى علم القرآن. كتاب النّكت فى إعجاز القرآن.
كتاب شرح معانى الزجاج. كتاب المختصر فى علم السور القصار. كتاب المتشابه فى علم القرآن. كتاب جواب ابن الإخشيد فى علم القرآن. كتاب شرح الشكل والنقط لابن السراج. كتاب غريب القرآن. كتاب جواب مسائل طلحة فى علم القرآن «١». كتاب المسائل والجواب من كتاب سيبويه.
كتاب فى تهذيب أبواب كتاب سيبويه.
ومن كتب الكلام: كتاب صنعة الاستدلال، يشتمل على سبعة كتب.
كتاب نكت المعونة بالزيادات لابن الإخشيد «٢». كتاب شرح المعونة، لم يتم.
كتاب الأسماء والصفات لله . كتاب ما يجوز على الأنبياء وما لا يجوز. كتاب الرويّة فى النقض على الأشعرىّ. كتاب نقض التثليث على يحيى بن عادى. كتاب تجانس الأفعال. كتاب استحقاق الذم.
стр. 698
كتاب الإمامة. كتاب الرؤية. كتاب السؤال والجواب، غير الذى تقدّم. كتاب الأكوان. كتاب نقض استحقاق الذم فى الرد على أبى هاشم. كتاب تحريم المكاسب. كتاب الحظر والإباحة.
كتاب مسائل أحمد بن إبراهيم البصرىّ. كتاب مسائل ابن جابى. كتاب جوامع العلم فى التوحيد. كتاب صفات النفس. كتاب شرح الأسماء والصفات لأبى علىّ. كتاب الإرادة. كتاب نكت الإرادة. كتاب المعلوم والمجهول والنفى والإثبات. كتاب الأسباب. كتاب الحقيقة والمجاز. كتاب نقدات الاجتهاد. كتاب المجالس فى استحقاق الذم. كتاب مجالس ابن الناصر. كتاب مسائل أبى على بن الناصر فى علم القرآن. كتاب نكت الأصول. كتاب الأصلح الكبير. كتاب الأصلح الصغير. كتاب تهذيب الأصلح. كتاب المسائل والجواب فى الأصلح الواردة من مصر. كتاب المسائل فى اللطيف من الكلام. كتاب أدب الجدل. كتاب أصول الجدل. كتاب أصول الفقه. كتاب الرد على الدّهرية. كتاب المنطق.
كتاب الرسائل فى الكلام. كتاب القياس. كتاب مسائل أبى العلاء.
كتاب مبادئ العلوم. كتاب المباحث. كتاب المعرفة. كتاب صغير فى الصفات. كتاب العلوم. كتاب الأوامر. كتاب الأسماء والصفات.
كتاب العلل. كتاب العوض. كتاب أدلة التوحيد. كتاب التوبة.
كتاب مقالة المعتزلة. كتاب الأخبار والتمييز. كتاب تفضيل علىّ.
كتاب الردّ على من قال بالأحوال. كتاب الرد على المسائل البغداذيات لأبى هاشم. كتاب التعليق. كتاب فى الطبائع. كتب أماليه.
كان أصله من سرّ من رأى. ومولده ببغداذ سنة ست وتسعين ومائتين.
وكان أكثر ما يصنفه يؤخذ عنه إملاء.
стр. 699
٤٧٧ - على بن عيسى بن الفرج بن صالح أبو الحسن الرّبعىّ النحوىّ [١]
صاحب أبى على الفارسىّ. بغداذىّ المنزل، شيرازىّ الأصل. درس ببغداذ الأدب على أبى سعيد السّيرافىّ، وخرج إلى شيراز، فدرس بها على أبى على الفارسىّ مدة طويلة، ثم عاد إلى بغداذ فلم يزل مقيما بها إلى آخر عمره.
قال على بن محمد بن الحسن المالكىّ: خرج على بن عيسى الرّبعىّ إلى فارس، وأقام على أبى علىّ النحوى عشرين سنة يدرس النحو. فقال أبو علىّ: ما بقى له شىء يحتاج أن يسأل عنه.
قال التّنوخىّ: سمعت من أبى زيد- وكان ابن أخت أبى على الفارسىّ النحوىّ- يقول: كان أبو علىّ يقول: قولوا لعلى البغداذىّ: لو سرت من الشرق إلى الغرب لم تجد أنحى منك.
كان مولد على بن عيسى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ومات فى ليلة السبت لعشر بقين من المحرم سنة عشرين وأربعمائة.
وتصانيفه: شرح مختصر الجرمىّ «١».
стр. 700
٤٧٨ - على بن عساكر بن المرجّب بن العوّام أبو الحسن المقرئ النحوىّ الضرير [١]
من أهل البطائح. والبطائح «١» ما بين واسط والبصرة. وكان نسبه فى عبد القيس، وولد بقرية تعرف بالمحمّدية، «٢» قريبة من الصّليق «٣» بالبطائح.
قدم بغداذ، وخفظ القرآن الكريم بالقراءات الكثيرة على أبى العز القلانسىّ الواسطىّ «٤»، وعلى البارع «٥» بن الدّبّاس، وعلى المزرقىّ «٦»، وسبط أبى منصور «٧» الخياط.
وسمع الحديث من مشايخ زمانه، وحدّث الكثير، وأجاز للإمام الناصر «٨» أحمد، وكانت له جماعة بجامع القصر، وأفاد الناس فى علوم القرآن والنحو، وكانت له معرفة حسنة.
стр. 701
كان مولده فى سنة تسعين وأربعمائة، أو سنة تسع وثمانين. وتوفى ليلة الثلاثاء ثامن عشرين شعبان سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ودفن فى باب حرب.
٤٧٩ - على بن فضّال أبو الحسن المجاشعىّ [١]
علىّ بن فضّال بن على بن غالب بن جابر بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن عيسى بن حسن بن زمعة بن هميم «١» بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد ابن سفيان بن مجاشع القيروانىّ النحوىّ أبو الحسن المجاشعىّ.
هجر مسقط رأسه، ودوّخ الأرض، ذات الطول والعرض، مصر وشأما، وعراقا وعجما؛ حتى وصل إلى مدينة المشرق غزنة «٢»، فتقدّم بها، وأنعم عليه أماثلها، واختاروا عليه التّصانيف، وشرع فى ذلك، وصنّف لكل رئيس منهم ما اقتضاه، ثم انكفأ راجعا إلى العراق، وانخرط فى جماعة نظام الملك الحسن بن إسحاق الطوسىّ «٣» الوزير، ولم تطل أيامه بعد ذلك، حتى ناداه اللطيف الخبير فأجاب.
стр. 702
كان- ﵀ إماما فى النحو واللغة والتصريف والتفسير، موفّقا فى التصنيف. صنّف التواليف المفيدة.
صنف التفسير المسمى البرهان العميدىّ فى عشرين مجلدا، وصنف النّكت فى القرآن، وصنف كتابا فى شرح بسم الله الرحمن الرحيم.
وصنف فى النحو: إكسير الذهب فى صناعة الأدب، كبير فى عدّة مجلدات، وكتاب العوامل والهوامل فى النحو، وصنف الفصول فى معرفة الأصول، وكتاب الإشارة إلى تحسين العبارة، وشرح عنوان الإعراب، والمقدّمة فى النحو، وكتاب العروض، وشرح معانى الحروف، وغير ذلك من الكتب النحوية المحتوية على الفوائد.
وصنف فى التفسير كتابا آخر غير الأوّل سماه الإكسير فى علم التفسير خمسة وثلاثون مجلدا «١».
أقام- ﵀ ببغداذ مدّة، ودرس عليه النحو اللغة.
مات علىّ بن فضّال المجاشعىّ ببغداذ فى يوم الثلاثاء ثانى عشرين شهر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ودفن فى مقبرة باب برز.
قال محمد بن طاهر المقدسىّ «٢»: سمعت إبراهيم بن عثمان، الأديب العربىّ بنيسابور يقول: لما دخل أبو الحسن على بن فضّال النحوىّ نيسابور اقترح عليه الأستاذ أبو المعالى الجوينىّ «٣» أن يصنف باسمه كتابا فى النحو، فصنفه وسماه
стр. 703
الإكسير، ووعده بأن يدفع إليه ألف دينار، فلما صنفه وفرغ منه ابتدأ بقراءته عليه، فلما فرغ من القراءة انتظره أياما أن يدفع إليه ما وعده أو بعضه، فلم يدفع إليه شيئا، فأنفذ إليه يقول: إن لم تف بما وعدت، وإلا هجوتك. فأنفذ الأستاذ إليه رسالة على يد الرسول كتب فيها: «عرضى «١» فداك». ولم يدفع إليه حبة واحدة «٢».
стр. 704
٤٨٠ - على بن قاسم السّنجانىّ الخراسانىّ [١]
وسنجان قصبة خواف «١». أبو الحسن صاحب مختصر العين، ومحله من الأدباء محل العين من الإنسان [والإنسان «٢»] من العين، وقد سهل طريقة اللغة على طالبيها، وأدنى قطوفها من متناوليها باختصاره، ولا تكاد ترى حجور المتأدّبين منه خالية؛ لا بل تراها أبدا به حالية.
وله شعر الزهاد، وقد جرى فيه «٣» على سمت العبّاد، ونسج فيه على منوال أولى الاجتهاد، فمنه قوله:
стр. 705
خليلىّ قوما فاحملا لى رسالة ... وقولا لدنيانا التى تتصنع
عرفناك يا خدّاعة الخلق فاغربى ... ألسنا «١» نرى ما تصنعين ونسمع
فلا تتحلّى للعيون بزينة ... فإنّا متى ما تسفرى نتقنع
نغطى بثوب اليأس منك عيوننا ... إذا لاح يوما من مخازيك مطمع
وهل أنت إلا متعة مستعارة ... وهل طاب يوما بالعوارى تمتع
رتعنا وجلنا فى مراعيك كلّها ... فلم يهننا مما رعيناه مرتع
وأنت خلوب كالغمامة كلّما ... رجاها مرجّى الغيث ظلّت تقشّع
طلوع قبوع «٢» كالمغازلة التى ... تطلّع أحيانا وحينا تقبّع
وهذا لعمرى كلام لو دعى به الصخر لأجاب، ولو قرع به سمع عفريت لتاب وله أيضا يرثى نفسه:
دبت إلىّ بنات الأرض مسرعة ... حتى تمشّين فى قلبى وفى كبدى
قد وسّد الترب خدّى فهو مضطجعى ... وصار فيه مهادى أوعر المهد «٣»
والعين منّى فويق الخدّ سائلة ... وطالما كنت أحميها من الرّمد
وله أيضا:
عن قليل سرائر الخلق تفشو» ... فى مقام يشيب فيه الوليد
أىّ يوم هناك يومى إذا ما ... جمع الخلق موقف مشهود