← Тараджим

Тараджим · id 10525

إنباه الرواة على أنباه النحاة

جمال الدين القفطي

Полный текст (1 612 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

كان مولده فى سنة تسعين وأربعمائة، أو سنة تسع وثمانين. وتوفى ليلة الثلاثاء ثامن عشرين شعبان سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ودفن فى باب حرب. ٤٧٩ - على بن فضّال أبو الحسن المجاشعىّ [١] علىّ بن فضّال بن على بن غالب بن جابر بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن عيسى بن حسن بن زمعة بن هميم «١» بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد ابن سفيان بن مجاشع القيروانىّ النحوىّ أبو الحسن المجاشعىّ. هجر مسقط رأسه، ودوّخ الأرض، ذات الطول والعرض، مصر وشأما، وعراقا وعجما؛ حتى وصل إلى مدينة المشرق غزنة «٢»، فتقدّم بها، وأنعم عليه أماثلها، واختاروا عليه التّصانيف، وشرع فى ذلك، وصنّف لكل رئيس منهم ما اقتضاه، ثم انكفأ راجعا إلى العراق، وانخرط فى جماعة نظام الملك الحسن بن إسحاق الطوسىّ «٣» الوزير، ولم تطل أيامه بعد ذلك، حتى ناداه اللطيف الخبير فأجاب.

стр. 702

كان- ﵀ إماما فى النحو واللغة والتصريف والتفسير، موفّقا فى التصنيف. صنّف التواليف المفيدة. صنف التفسير المسمى البرهان العميدىّ فى عشرين مجلدا، وصنف النّكت فى القرآن، وصنف كتابا فى شرح بسم الله الرحمن الرحيم. وصنف فى النحو: إكسير الذهب فى صناعة الأدب، كبير فى عدّة مجلدات، وكتاب العوامل والهوامل فى النحو، وصنف الفصول فى معرفة الأصول، وكتاب الإشارة إلى تحسين العبارة، وشرح عنوان الإعراب، والمقدّمة فى النحو، وكتاب العروض، وشرح معانى الحروف، وغير ذلك من الكتب النحوية المحتوية على الفوائد. وصنف فى التفسير كتابا آخر غير الأوّل سماه الإكسير فى علم التفسير خمسة وثلاثون مجلدا «١». أقام- ﵀ ببغداذ مدّة، ودرس عليه النحو اللغة. مات علىّ بن فضّال المجاشعىّ ببغداذ فى يوم الثلاثاء ثانى عشرين شهر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ودفن فى مقبرة باب برز. قال محمد بن طاهر المقدسىّ «٢»: سمعت إبراهيم بن عثمان، الأديب العربىّ بنيسابور يقول: لما دخل أبو الحسن على بن فضّال النحوىّ نيسابور اقترح عليه الأستاذ أبو المعالى الجوينىّ «٣» أن يصنف باسمه كتابا فى النحو، فصنفه وسماه

стр. 703

الإكسير، ووعده بأن يدفع إليه ألف دينار، فلما صنفه وفرغ منه ابتدأ بقراءته عليه، فلما فرغ من القراءة انتظره أياما أن يدفع إليه ما وعده أو بعضه، فلم يدفع إليه شيئا، فأنفذ إليه يقول: إن لم تف بما وعدت، وإلا هجوتك. فأنفذ الأستاذ إليه رسالة على يد الرسول كتب فيها: «عرضى «١» فداك». ولم يدفع إليه حبة واحدة «٢».

стр. 704

٤٨٠ - على بن قاسم السّنجانىّ الخراسانىّ [١] وسنجان قصبة خواف «١». أبو الحسن صاحب مختصر العين، ومحله من الأدباء محل العين من الإنسان [والإنسان «٢»] من العين، وقد سهل طريقة اللغة على طالبيها، وأدنى قطوفها من متناوليها باختصاره، ولا تكاد ترى حجور المتأدّبين منه خالية؛ لا بل تراها أبدا به حالية. وله شعر الزهاد، وقد جرى فيه «٣» على سمت العبّاد، ونسج فيه على منوال أولى الاجتهاد، فمنه قوله:

стр. 705

خليلىّ قوما فاحملا لى رسالة ... وقولا لدنيانا التى تتصنع عرفناك يا خدّاعة الخلق فاغربى ... ألسنا «١» نرى ما تصنعين ونسمع فلا تتحلّى للعيون بزينة ... فإنّا متى ما تسفرى نتقنع نغطى بثوب اليأس منك عيوننا ... إذا لاح يوما من مخازيك مطمع وهل أنت إلا متعة مستعارة ... وهل طاب يوما بالعوارى تمتع رتعنا وجلنا فى مراعيك كلّها ... فلم يهننا مما رعيناه مرتع وأنت خلوب كالغمامة كلّما ... رجاها مرجّى الغيث ظلّت تقشّع طلوع قبوع «٢» كالمغازلة التى ... تطلّع أحيانا وحينا تقبّع وهذا لعمرى كلام لو دعى به الصخر لأجاب، ولو قرع به سمع عفريت لتاب وله أيضا يرثى نفسه: دبت إلىّ بنات الأرض مسرعة ... حتى تمشّين فى قلبى وفى كبدى قد وسّد الترب خدّى فهو مضطجعى ... وصار فيه مهادى أوعر المهد «٣» والعين منّى فويق الخدّ سائلة ... وطالما كنت أحميها من الرّمد وله أيضا: عن قليل سرائر الخلق تفشو» ... فى مقام يشيب فيه الوليد أىّ يوم هناك يومى إذا ما ... جمع الخلق موقف مشهود

стр. 706

٤٨١ - على بن قاسم بن يونش الإشبيلىّ المقرئ المعروف بابن الزقاق [١] قرأ القرآن على أبيه، وأخذ طرفا من العربية على شيوخ بلاده، وانتقل إلى الجزيرة، وخطب برأس عين «١» الخابور مدة. وسكن دمشق هو وأخ له، ثم انتقل إلى حلب، وأقام بها، وتصدّر بها لإقراء القرآن بجامعها برزق قرّر له. وابتاع له دارا بها واستوطنها، وأولد بها عقبا غير صالح. وكان عسر الخلق كثير الدعوى، بعيدا من الخير، شحيحا على جمع الدنيا، قليل الحياء فى ذلك، أغلف اللسان، يخطىء فيما يعانيه، ولا يرجع إذا ردّ عليه. صنف فى النحو شرحا لكتاب الجمل للزجاجىّ فى أربع مجلدات كبار، ملكته بخطه. وله مفردات فى القراءات. وكان أبوه قاسم من المقربين المذكورين فى قطره. أخبرنى أبو الخطاب بن دحية الكلبىّ قال: قاسم الزقاق، كان أبوه عبدا روميا لبعض أهل إشبيليّة اسمه يونش، وكان قد قرأ على شريح «٢» وصحبه المدة الطويلة، وكان شريح مجاب الدعوة، فدعا عليه يوما يبليه الله بالفقر والغربة، فاستجيبت دعوته. وذلك أنه كان يركب حمارا له، وينتقل من بلد إلى بلد من أرض الأندلس يقرئ الناس، لا يستقر

стр. 707

ببقعة، ولم يزل فقيرا مدقعا. وقال: إنما سمى الزقاق لأنه كان سمينا كبير البطن، وكان الطلبة يسمونه زق الخراء، ثم أنفوا من التصريح بذلك، فدعوه بالزقاق، وصار علما له، ولم يزل علىّ ولده هذا على ما هو عليه من الإقراء بحلب؛ إلى أن حج فى حدود سنة خمس وستمائة، ومات عائدا بطريق مكة. ٤٨٢ - علىّ بن محمد السّمسمانىّ الأديب البغداذىّ [١] كان فاضلا عالما متوفرا على إفادة علم الأدب، متصدرا ببغداذ. كتب بخطه الكثير، وكان فى غاية الضبط والإتقان. وله شهرة عند أهل هذا الشأن. مات ببغداذ فيما ذكره هلال بن المحسّن فى يوم الأربعاء الخامس من المحرم سنة خمس عشرة وأربعمائة. ٤٨٣ - على بن محمد بن الزّبير الأسدىّ المعروف بابن الكوفىّ النحوىّ اللغوىّ [٢] عالم، صحيح الخطّ، راوية، جماعة للكتب، صادق الرواية، منقّر بحاث. من أصحاب أبى العباس ثعلب المختصّين به. وكان أبوه من أهل ذوى اليسار من أهل الكوفة، واشتغل ولده هذا بطلب العلم من يومه. ولما مات أبوه خلّف له- فيما يقال- زائدا عن خمسين ألف دينار، فصرفها كلّها فى طلب العلم وتحصيل الكتب اشتراء واستنساخا وكتابة، وصرف

стр. 708

من ذلك جزءا صالحا لفقراء طلبة العلم، وكان منزله مغشيا منهم، ونفقاته عليهم واسعة. فأما كتبه ففى غاية الجودة والإتقان، والموجود منها فى زماننا هذا إذا تؤمّل دلّ على تيقظ وبحث ورغبة. وقد كانت لكثرتها يعيّن لكلّ نوع منها موضعا مخصوصا من خزائنه، ويكتبه على أوّل الكتاب ليجده إذا طلبه، ويعيده إلى موضعه المعلوم إذا غنى عنه- ﵀، فما كان أسنى فعاله! وشغله طلبه الفوائد عن التصنيف، فلم ير له إلا تصنيف واحد فى معانى الشعر واختلاف العلماء فى ذلك «١». ٤٨٤ - على بن محمد السّعيدىّ الأستاذ الأديب أبو الحسن البيارىّ [١] رجل فاضل. من أهل بيت الفضل والأدب. وله شرح الحماسة، جميل، أحسن فيه غاية إمكانه. ٤٨٥ - علىّ بن محمد بن علىّ أبو الحسن بن أبى زيد النحوىّ المعروف بالفصيحىّ [٢] من أهل أستراباذ، بلدة من أطراف خراسان. قرأ النحو على عبد القاهر الجرجانىّ، وبرع فيه حتى صار من أعرف أهل زمانه به.

стр. 709

قدم بغداذ، واستوطنها إلى أن توفى بها. ودرس النحو بالمدرسة النظامية مدّة، وأخذ عنه الناس، وتخرّج به جماعة. سمع منه أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة الأصبهانىّ ببغداذ، وقال: جالسته وسألته عن أحرف من العربية. توفى الفصيحىّ يوم الأربعاء ثالث عشر ذى الحجة من سنة ست عشرة وخمسمائة ببغداذ. وكان- ﵀ يكتب خطا صحيحا، رأيت بخطه شرح الحماسة للبيارىّ، وهى فى غاية الجودة والصحة. ٤٨٦ - علىّ بن محمد بن السّيد النحوىّ [١] من أهل بطليوس. أبو الحسن، ويعرف بالخيطال، وهو أخو الشيخ أبى محمد عبد الله بن السّيد البطليوسىّ «١». روى عن أبى بكر بن الفرات. أخذ عنه أبو محمد كثيرا من كتب الأدب وغيرها. وتوفى بقلعة رباح «٢» معتقلا من قبل ابن عكاشة قائدها سنة ثمان وثمانين وأربعمائة أو نحوها. وكان مقدّما فى علم اللغة وحفظها والضبط لها.

стр. 710

٤٨٧ - على بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان أبو الحسن التنوخىّ القاضى المعرىّ المقرئ الفقيه اللغوىّ النحوىّ [١] ولد علىّ أبو الحسن بن أبى طالب محمد بن أحمد بن إسحاق ببغداذ فى شوّال سنة إحدى وثلاثمائة، وتوفى بها فى شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. وكان حافظا للقرآن، قرأ على أبى بكر بن مقسم بحرف حمزة «١»، ولقى أبا بكر بن مجاهد وقرأ عليه بعض القرآن، وسمع منه حديثا، وتفقّه على مذهب أبى حنيفة. وحمل من النحو واللغة والأخبار والأشعار عن جدّه القاضى جعفر بن البهلول وعن أبى بكر بن الأنبارىّ ونفطويه والصولىّ وغيرهم. وقال الشعر، وتقلد القضاء بالأنبار وهيت «٢» من قبل أبيه فى سنة عشرين وثلاثمائة أو قبلها، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن تولى القضاء فى عدة أماكن «٣». ٤٨٨ - على بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن بشر أبو الحسن الأنطاكىّ المقرئ النحوىّ الفقيه [٢] قرأ القرآن بأنطاكيّة «٤» على أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الرزاق المقرئ «٥»، ورحل إلى الأندلس، فأدخل إليها علما كثيرا من القراءات والرواية لحديث كثير عن الشاميين والبصريين. وكان بصيرا بالعربية والحساب، وله حظ من الفقه على مذهب الشافعىّ، قرأ الناس عليه بالأندلس، وكتبوا عنه، وسمعوا منه.

стр. 711

وكان مولده بأنطاكيّة فى سنة تسع وسبعين ومائتين. وتوفى بقرطبة يوم الجمعة يوم تسعة وعشرين من ربيع الأوّل سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، ودفن فى مقبرة الرّبض «١». ٤٨٩ - على بن محمد الجزرىّ النحوىّ الأديب [١] نزيل باخرز «٢» من أعمال نيسابور. فاضل وقع من بعض أقطار الجزيرة إلى باخرز، وعلم فضله، فارتبطه أهلها للتأديب. وبقى بين كبرائها موفور النصيب. وكان غاليا «٣» فى التشيّع، ومقت لذلك. فخرج عن باخرز، وقصد الشام ونزل دمشق، ولازم قبر معاوية بن سفيان، وهو فى القبّة الخضراء، وفى ذلك اليوم فيما قيل دكان لفقّاعىّ، فأقام ملازما للقبر مدّة ليزيل عنه اسم التشيع. ثم غلبه الطبع فلم يزل ينتهز الفرصة فى أن يخلو بالقبر. فلمّا خلا به فى بعض الأيام أسال عليه ميزابه، ونفض عليه عيابه، وألقى عليه جنينه، وخلط بذى بطنه طينه. وخرج عنه خائفا يترقب، قال: رب نجنى من القوم الظالمين «٤». وفى هذا المعنى يقول: رأيت بنى الطوامث «٥» والزّوانى ... بمقت ينظرون إلىّ شزرا «٦» لأنى بالشآم أقمت حولا ... على قبر ابن هند كنت أخرا

стр. 712

٤٩٠ - على بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله أبو الحسن الضّرير النحوىّ القهندزىّ النيسابورىّ [١] من أصحاب أبى عبد الله «١». شيخ فاضل من الأدباء، سمع الحديث الكثير، وسمع منه الناس، وقرأ عليه الأئمة، وتخرّجوا به. ٤٩١ - على بن محمد بن عبد الله بن الهيثم بن بختيار بن خرزاد ابن سنين بن سينات بن الهيثم المعروف بأبى القاسم بن أبى جعفر الأديب الأصبهانىّ المدينىّ [٢] راوية لكتب اللغة. يروى كتب أبى عبيد القاسم بن سلام، سمعها من الطبرانىّ. ومات بأصبهان فى ذى القعدة سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ٤٩٢ - على بن محمد بن عبدوس الكوفىّ [٣] نحوىّ. له ذكر هناك، وصنف كتبا، منها كتاب ميزان الشعر بالعروض «٢». كتاب البرهان فى علل النحو. كتاب معانى الشعر.

стр. 713

٤٩٣ - على بن محمد الهروىّ النحوىّ [١] من أهل هراة. قدم مصر واستوطنها روى عن الأزهرىّ. وهو أوّل من أدخل نسخة من كتاب الصحاح للجوهرىّ مصر- فيما قيل- ووجد فيها خللا ونقصا، فهذبه وأصلحه. وصنف كتابا كبيرا فى النحو، عدّة مجلدات، وهو موجود بمصر. وصنف كتابا فى معانى العوامل سماه الأزهية «١» رأيته بخط ولده أبى سهل، وملكته والحمد لله. وله مختصر فى النحو سماه المرشد، رأيته وملكته وعليه خطه «٢». ٤٩٤ - على بن محمد السّخاوىّ المصرىّ المقرئ النحوىّ [٢] نزيل دمشق. من أهل سخا؛ إحدى قرى الناحية الشمالية من مصر «٣». قرأ القرآن العزيز بمصر على أبى القاسم بن فيّره «٤» الشاطبىّ المقرئ المشهور، ولازمه مدّة طويلة،

стр. 714

واستفاد منه، وقرأ النحو على نحاة زمانه من الشاطبىّ وغيره، وخرج عن مصر، واستوطن دمشق، وتصدّر بجامعها للإقراء والإفادة، فاستفاد الناس منه، وأخذوا عنه. وصنف فى علم القراءات «١»، وشرح قصيدة «٢» شيخه فى القراءات شرحا كافيا، ونقل عنه. وشرح المفصل «٣» للزمخشرى شرحا حسنا، وطيئ الألفاظ، أراد به وجه الله تعالى، فالنفوس تقبله؛ إذ لم يعتمد فيه القعقعة الأعجمية، ولا التقاسيم المنطقية «٤». وهو مقيم على حالته فى الإفادة بدمشق فى زماننا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وستمائة «٥».

стр. 715

٤٩٥ - على بن المبارك الأحمر النحوىّ [١] صاحب على بن حمزة الكسائىّ. كان مؤدب الأمين، وهو أحد من اشتهر بالتقدّم فى النحو واتساع الحفظ. وجرت بينه وبين سيبويه مناظرة لما قدم بغداذ.

стр. 716

قال أبو العباس أحمد بن يحيى: كان علىّ بن المبارك الأحمر مؤدب «١» الأمين يحفظ أربعين ألف بيت شاهد فى النحو سوى ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب. ولما أحضر سيبويه فى دار يحيى بن خالد البرمكىّ لمناظرة الكسائىّ حضر الأحمر قبل حضور الكسائىّ، فألقى الأحمر على سيبويه مسألة. فأجاب فيها. فقال له الأحمر: أخطأت. وألقى عليه أخرى فأجاب، فقال له: أخطأت،- وكان الأحمر حادا حافظا- فغضب سيبويه، فقال له الفراء: [إن «٢»] معه عجلة. وأخذ الفراء فى الكلام مع سيبويه «٣». وقال على بن المبارك الأحمر هذا: قعدت مع الأمين ساعة من نهار، فوصل إلىّ فيها ثلاثمائة ألف درهم. فانصرفت وقد استغنيت. ولم يصر إلى أحد قط من التأديب ما صار إليه. وقد ذكر أن اسمه على بن الحسن. قال عبد الصمد بن المعذّل: رأيت الأصمعىّ بمكة، وقد جاءه الأحمر؛ فألقى إليه مسائل من الغريب، فجعل يجيبه. وكان الأحمر كأنه مجنون فى سؤاله وحركته. ولما انقضت المسائل تمثل بشعر ابن مقبل «٤»: وقد بريت قداحا أنت مرسلها ... ونحن راموك فانظر كيف ترمينا ثم سأله الأصمعىّ عن بيت فلم يجبه، فسأله عن ثان فلم يجبه، ثم سأله عن ثالث فلم يجبه وتلجلج، فقال الأصمعىّ «٥»:

стр. 717

تلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلّت فهى فوق الكشح داء «١» غصصت بنيئها فبشمت عنها ... وعندى لو طلبت «٢» لها دواء فقال الأحمر للأصمعىّ: ما يتعرض لك فى اللغة إلّا مجنون. وكان الأحمر هذا فى أوّل أمره من الجند، من رجالة النوبة على باب الرشيد، وكان يحب علم العربية ولا يقدر على مجالس الكسائى إلا فى أيام غير نوبته، وكان يرصد مصير الكسائىّ إلى دار الرشيد، ويعرض له فى طريقه كل يوم؛ فإذا أقبل تلقّاه وأخذ بردائه حتى ينزل، ثم أخذ بيده وماشاه إلى أن يبلغ إلى الستر، وسأله فى طريقه عن المسألة بعد المسألة، فإذا دخل الكسائىّ رجع إلى موضعه، فإذا خرج الكسائى من الدار تلقاه إلى الستر، وأخذ بيده فماشاه، وسأله حتى يركب ويتجاوز الموضع، ثم ينصرف إلى مكانه. ولم يزل كذلك يتعلم المسألة بعد المسألة حتى قوى وتمكن. وكان فطنا حريصا، فلما أصاب الكسائىّ الوصح «٣» فى وجهه وبدنه كره الرشيد ملازمته أولاده، وأمره أن يرتاد لهم من ينوب عنه ممن يرتضى به. وقال له: إنك قد كبرت، ونحن نحبّ أن نريحك؛ لسنا نقطع عنك جاريك «٤»، فجعل يدافع بذلك، وينوى أن يأتيهم برجل فيغلب على موضعه. إلى أن ضيق عليه الأمر وشدد وقيل له: إن لم تأتنا أنت من أصحابك برجل ارتدنا لهم من يصلح- وكان قد بلغه أن سيبويه يريد الشخوص إلى بغداذ والأخفش- فقلق لذلك، وأراد أن يدخل إليهم من لا يخشى عاقبته، فقال للأحمر: هل فيك خير؟ قال: نعم،

стр. 718

قال: قد عزمت على أن أستخلفك على أولاد الرشيد، فقال الأحمر: لعلى لا أفى بما يحتاجون إليه. فقال له الكسائىّ: إنما يحتاجون فى كل يوم إلى مسألتين فى النحو، وبيتين من معانى الشعر وأحرف من اللغة، وأنا ألقّنك فى كل يوم قبل أن تأتيهم ذلك، فتحفظه وتعلّمهم، فقال: نعم. فلما ألحوا عليه قال: قد وجدت لكم من أرضاه، وإنما أخّرت ذلك حتى وجدته- وأسماه لهم- فقالوا له: اخترت لنا رجلا من رجال النوبة، ولم تأت بأحد متقدّم فى العلم. فقال: ما أعرف فى أصحابى فى الفهم والصيانة مثله، ولست أرضى غيره لكم. فأدخل الأحمر إلى دار، وفرش له البيت الذى فيه بفرش وخيش. وكان الخلفاء إذا أدخلوا مؤدّبا إلى أولادهم فجلس أوّل يوم أمروا عند قيامه بحمل كل ما فى المجلس إلى منزله مع ما يوصل به، ويوهب له. فلما أراد الأحمر الانصراف إلى منزله دعى له بحمّالين، فحمل معه ذلك كله مع بزّ كثير. فقال الأحمر: والله ما يسع بيتى هذا، وما أنا إلا فى غرفة ضيّقة فى بعض الخانات ليس فيها من يحفظه غيرى، وإنما يصلح هذا كلّه لمن له دار وأهل وكلّ شىء يشاكله. فأمر بشراء دار له وجارية، وحمل على دابة، ووهب له غلام، وأقيم له جار له ولمن عنده. وجعل يختلف إلى الكسائىّ كل عشيّة، فيتلقّن ما يحتاج إليه أولاد الرشيد ويغدو عليهم فيلقّنهم. وكان الكسائىّ يأتيهم فى الشهر مرّة أو مرّتين، فيعرضون عليه بحضرة الرشيد ما علّمهم الأحمر. وكان الكسائىّ لا يسألهم إلّا عمّا لقّنهم الأحمر، فيجيبوه عنه، فيثنى على الأحمر بذلك ويرضاه. ولم يزل الأحمر كذلك حتى صار نحويّا، وحسنت حاله، وعرف بالأدب حتى قدّم على سائر أصحاب الكسائى. ولم يكن قبل ذلك له ذكر، ولا يعرف. ولما تمكّن

стр. 719

فى الرياسة صارت له الهيئة الجميلة، والتجمّل التام، والجماعة المتوقّرة، والطعام السرىّ. وإذا حضر الطلبة إلى منزله رأوا منزلا كمنازل الملوك ينفح منه الطيب، ويوسّع لهم فى المأكل والورق والأقلام والمداد، ويريهم بشرا وسرورا؛ فلا ينفصل أحد عنه إلّا شاكرا. وكان ينصرف من مكتبه يوم الثّلاثاء فينقطع فى ذلك اليوم عن الخروج، ويجمع إليه إخوانه وأصحابه، ويوسعهم فضلا وإفضالا، فلذلك قال أبو فقعس أو أبو الجراح: قالوا: ثلاثاؤه خصب [ومكرمة] ... وكلّ أيّامه يوم الثلاثاء والأحمرىّ إذا لاذوا فملوذه ... من الطّريق ندى فى رأس ميثاء وجاءته قريبة الدّبيريّة تسأله فلم [يفهم] ما أرادت، فقالت: الأحمرىّ الأحمق الطّرماذ «١» ... أحمق شخص ضمّه بغداذ ليس له من خزيه ملاذ وكان بين الفرّاء والأحمر وحشة؛ وذلك أن الأحمر كان قد اقترض من الفرّاء عشرة آلاف درهم، وردّها عليه مقطّعة، فاستوحشا لذلك. ولما مات الأحمر بطريق مكّة نعى إلى الفراء، فذكره بخير وأثنى عليه. فقال أهل زمانه: لم يذكره لمحبّته له، وإنما ذكره ليكاثر أهل البصرة بأهل الكوفة. قال الطّوال: ومات الأحمر قبل الفرّاء بمدّة. قال: أحسبه سنة أربع وتسعين ومائة، ومات الفراء سنة أربع ومائتين.

стр. 720

٤٩٦ - على بن المبارك بن عبد الباقى بن بانويه أبو الحسن النحوىّ [١] يعرف بابن الزاهدة «١». من ساكنى الظّفرية «٢». قرأ النحو على الشريف أبى السعادات بن الشجرىّ العلوى، [و] «٣» أبى جعفر «٤» المعروف بالتّكريتى، ثم على أبى محمد بن الخشّاب. وصارت له به معرفة جيدة، وأقرأ الناس مدّة، وتخرج به فيه جماعة؛ منهم أبو البركات محمد بن محمد الشهرستانىّ ثم البغداذىّ وغيره. وكان قد انقطع قبل وفاته بمنزله، وسمع الناس منه فى حال انقطاعه. وتوفّى يوم الثلاثاء ثالث ذى الحجة من سنة أربع وتسعين وخمسمائة ودفن عند والدته برباط لهم بدرب البقر بالظّفرية.

стр. 721

٤٩٧ - على بن المغيرة أبو الحسن الأثرم [١] صاحب النحو والغريب واللغة. سمع أبا عبيدة معمر بن المثنى وأبا سعيد الأصمعىّ. روى عنه الزبير بن بكار «١»، والحسن «٢» بن مكرم، وأحمد بن أبى خيثمة «٣»، وأبو العباس ثعلب وغيرهم. روى الأثرم هذا عن أبى عبيدة البصرىّ قال: مرّ أبو عمرو بن العلاء [بالبصرة] «٤»، فإذا أعدال مطروحة مكتوب عليها: «لأبو فلان» فقال أبو عمرو: يا ربّ، يلحنون ويرزقون! قال أبو بكر بن الأنبارىّ: وكان ببغداذ من رواة اللّغة اللّحيانى والأصمعىّ وعلى بن المغيرة الأثرم. قال أبو مسحل: كان إسماعيل بن صبيح أقدم أبا عبيدة فى أيام الرشيد من البصرة إلى بغداذ، وأحضر الأثرم- وكان ورّاقا فى ذلك الوقت- وجعله فى دار من دوره، وأغلق عليه الباب، ودفع إليه كتب أبى عبيدة، وأمره بنسخها. قال: فكنت أنا وجماعة من أصحابنا نصير إلى الأثرم، فيدفع إلينا الكتاب من

стр. 722

تحت الباب، ويفرّقه علينا أوراقا، ويدفع إلينا ورقا أبيض من عنده، ويسألنا نسخه وتعجيله، ويوافقنا على الوقت الذى نردّه عليه فيه، فكنا نفعل ذلك. وكان الأثرم يقرأ على أبى عبيدة، ويسمعها. قال: وكان أبو عبيدة من أضنّ الناس بكتبه، ولو علم بما فعله الأثرم لمنعه منه، ولم يسامحه. مات الأثرم فى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين فى جمادى الأولى. قال محمد ابن إسحاق النّديم فى كتابه: «أبو الحسن علىّ بن المغيرة الأثرم. روى عن جماعة من العلماء، وعن فصحاء الأعراب، وروى كتب أبى عبيدة والأصمعىّ- وكان لا يفارقها». «قال ثعلب: كنا عند الأثرم صاحب الأصمعىّ، وهو يملّ «١» شعر الراعى. قال: فلما استتم المجلس وضع الكتاب من يده- وكان معى يعقوب بن السّكيت- فقال: لا بد من أن أسأله عن أبيات. قال: فقلت: لا تفعل، فلعله لا يحضره جواب، فتكون قد هجنته على رءوس الملأ. قال: لا بدّ من ذلك. فقال: ما تقول فى قول الراعى «٢»:

стр. 723

وأفضن بعد كظومهنّ بجرّة ... من ذى الأبارق إذ رعين حقيلا «١» قال: فلجلج الشيخ [وتنحنح] «٢»، ولم يجب بشىء. فقال: ما تقول فى بيته: كدخان مرتجل بأعلى تلعة ... غرثان ضرّم عرفجا مبلولا «٣» قال: فعاد إلى تلك الصورة، ورأيت فى وجهه الكراهة والإنكار». وتوفّى الأثرم سنة ثلاثين ومائتين. وله من الكتب: كتاب النوادر. كتاب غريب الحديث. ٤٩٨ - على بن منصور بن عبيد الله بن علىّ الخطيبىّ أبو الحسن [١] الأصبهانىّ الأصل، البغداذىّ المولد والدار، اللغوىّ. فاضل له معرفة تامة بالأدب. قرأ على أبى الحسن على بن عبد الرحيم السّلمىّ المعروف بابن العصّار، وعلى أبى البركات عبد الرحمن بن محمد الأنبارىّ. وبرع فى ذلك حتى صار يشار

стр. 724

إليه فى معرفة اللّغة العربيّة، ونقلها حفظا «١» وعلما، مع حفظ القرآن المجيد ومعرفة الفقه على مذهب الشافعىّ. ولد فى سنة سبع وأربعين وخمسمائة فى شوّال «٢». ٤٩٩ - على بن المغربى النحوىّ [١] المقيم بقلعة جعبر «٣»، من أرض الجزيرة. كان متصدّرا بها لإفادة هذا الشأن. وكان أديبا فاضلا فى المائة السادسة من الهجرة، وله شعر جيّد منه: ما كنت لولا كلفى بالعذار ... أصبو إلى الشرب بكأس العقار «٤» سال كذوب المسك فى وجنة ... ورديّة تجمع ماء ونار هذا وما تمّ غرامى به ... فكيف لو تمّ بها واستدار وفاتن الألحاظ ما زلت من ... نواظر الناس عليه أغار

стр. 725

ملّكته رقّى على أنّه ... يجير قلبى فتعدّى وجار ويلاه من صحة أجفانه ... وما بها من مرض واحورار ٥٠٠ - على بن نصر بن سليمان أبو الحسن البرنيقىّ النحوىّ [١] نزيل مصر. وبرنيق مدينة على ساحل البحر المالح المغربىّ بين الإسكندرية وبرقة. وهى إحدى المراسى للمراكب الواردة من المغرب على رأس الجون المعروف بجون زنديق. كان نحويا لغويا فاضلا، مشهورا بالأدب. وكتب بخطه الكثير. وكان الناس يتنافسون فى خطه وتحصيله، وذلك مستمرّ إلى زماننا هذا. ولقد رأيت نسخة بخطه من كتاب الجمهرة لابن دريد. وقد أبيع فى تركة الجمال البجلىّ البغداذى المعروف بابن الفضل الكرخى مدرّس المدرسة الحنفية بالقاهرة المعزّيّة بما مبلغه أربعة وعشرون دينارا مصريا. ولولا الحياء ممن تعرّض له، وهو مبارك ابن منقذ التبريزىّ أحد أمراء الدولة الصلاحيّة- وكان يتولّى الدواوين، وتحت يديه أرزاق المرتزقين بها من جهة السلطان- لكان ثمنها قد زاد على ذلك. وكان خطه خطا قاعدا عاقلا بين الخطوط، كثير الضبط، فى غاية التحقيق والتنقيب والتصحيح. حدّث البرنيقىّ عن سعيد بن السكن الحافظ.

стр. 726

٥٠١ - على بن هارون بن نصر أبو الحسن النحوىّ المعروف بالقرميسينىّ [١] حدّث عن علىّ بن سليمان الأخفش. روى عنه عبد السّلام بن الحسين البصرىّ. وكان عنده عن أبى الحسن الأخفش أشياء كثيرة، وكان ثقة جميل الأمر. وكان مولده سنة تسعين ومائتين، وكان يسكن الرحبة ببغداذ، وتوفى فى جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. ٥٠٢ - عمر بن إبراهيم بن محمد العلوىّ الزيدىّ أبو البركات [٢] عمر بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن علىّ بن الحسين بن على بن حمزة بن يحيى بن الحسين ذى الدمعة بن زيد الإمام الشهيد بن على زين العابدين بن السّبط أبى عبد الله الحسين بن على بن أبى طالب، ﵈. أبو البركات. من أهل الكوفة. يسكن محلّة يقال لها السّبيع «١»، ويصلّى بالناس فى مسجد أبى إسحاق السّبيعىّ «٢». شيخ مسنّ كبير فاضل، له معرفة بالفقه والحديث والتفسير

стр. 727

والنحو واللغة والأدب. وله التصانيف الحسنة السائرة فى النحو. وهو خشن العيش، صابر على الفقر والقلّة، قانع باليسير. وكان يقول: أنا زيدىّ المذهب، وأفتى على مذهب أبى حنيفة. واسع الرواية، أدرك المشايخ الجلّة، كأبى بكر الخطيب وطبقته. وسافر إلى الشام، وأقام بدمشق مدّة، ثم بحلب مدّة، وقرا بها الإيضاح لأبى على الفارسىّ فى سنة خمس وخمسين وأربعمائة، على رجل يقال له أبو القاسم زيد بن علىّ الفارسىّ عن خاله أبى علىّ الفارسىّ. وروى هذا الشريف الكتاب- أعنى الإيضاح- بهذا الطريق بالكوفة المدّة الطويلة، وأخذه عنه بهذا السّبيل الجمّ الغفير من علماء الرواة والنحاة. وكان هذا الشريف عمر متيقّظا حسن الاستماع، يكتب خطّا جميلا. وكان حافظا للسانه، تكرّر إليه المحدّثون ونقلوا عنه الأحاديث والأخبار لسعة روايته، ولم يسمعوا منه شيئا مما يتعلّق باعتقاد الشيعة. قال المسلم بن نجم بن علىّ الرّسىّ الكوفىّ: كان الشريف عمر بن إبراهيم الكوفىّ يغرس فسيل «١» النخل فى أجمة له، وهو شيخ كبير، ومعه جماعة من شبّان محلّته يعينونه على ذلك كما جرت العادة. فوقف رجلان من طيّئ شيبان من بعيد من أبناء السبيل ينظران إلى العمل، فقال أحدهما لصاحبه: ترى من يغرس هذا الفسيل؟ فقال له: ذلك الشيخ الكبير. فقال البدوىّ: أذلّه الله! أيرجو هذا الشيخ أن يأكل من جناه! فسمع الشريف ما قال، وأحزنه ذلك، وقال له: يا بنىّ، كم من كبش فى المرعى وخروف فى التّنور! ففهم أحدهما دون الآخر كلام الشريف. فقال الذى لم يفهمه لصاحبه الذى فهم: أيش قال الشيخ؟ فقال

стр. 728

البدوىّ: قال الشيخ: كم من ناب يسقى فى جلد حوار «١»! ففهم البدوىّ ما قال وأعجبه ذلك. قال أبو الغنائم: وعاش الشريف إلى أن أدرك الفسيل وأكل من تمره سنين كثيرة. وذاكر الشريف عمر هذا يوما بعض أصحاب الحديث الآخذين عنه، وقال: دخل أبو عبد الله الصّورىّ «٢» الكوفة، وكتب عن أربعمائة شيخ. وقدم علينا هبة الله بن المبارك السّقطىّ «٣»، فأفدته عن سبعين شيخا من الكوفيّين، وما فى الكوفة اليوم أحد يروى الحديث غيرى. ثم أنشد: لما دخلت اليمنا ... لم أر فيه حسنا قلت: حرام بلدة ... أعلم من فيها أنا وكان أبو محمد عبد الله بن على بن أحمد المقرئ سبط أبى منصور الخياط قد قرأ على الشّريف عمر النحو؛ لأن الشريف كان علامة فى النحو، وقرأ عليه جماعة من مشايخ العراق النحو أيضا. ومدحه أبو محمد عبد الله بأبيات، منها: أحيا بكوفان علما كان مدروسا ... وقام بالحق فيها وهو خاطبه فما له فى الورى شكل يماثله ... وما له فى التّقى عدل يناسبه سئل عن مولده فقال: ولدت فى سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة بالكوفة.

стр. 729

وتوفّى ﵀ يوم الجمعة السابع من شعبان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. ودفن يوم السبت فى المسبلة المعروفة بالعلويين، وصلّى عليه كل من فى الكوفة. وقدّر الجمع بثلاثين ألفا. أنبأنا أبو طالب السّلفىّ فى إجازته العامّة- لمن يقول فى وقت الإجازة: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وذلك فى سنة ست وتسعين وخمسمائة- وكنت فى ذلك الحين ابن ثمان سنين: أخبرنى أبو البركات عمر بن إبراهيم بن محمد العلوىّ الزيدىّ بالكوفة وروى عنه حديثا. وقال: الشريف عمر هذا أديب نحوىّ، وفى المذهب زيدىّ، وكان يفتى بالكوفة على مذهبه، وسمع معنا على جماعة من شيوخنا الكوفيين. وكان من عقلاء الرجال، حسن الرأى فى الصحابة، مثنيا عليهم، متبرئا ممن يتبرّأ منهم. والزيديون فى تشيّعهم القديم يقولون بخلافة أبى بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علىّ، ويرون أن عليا أفضل، ويجوز تقديم المفضول على الفاضل». ٥٠٣ - عمر بن أحمد بن محمد بن الحسن الكشانىّ الأديب أبو حفص [١] شيخ معروف مشهور بالتأديب، له تلامذة. ولد سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة وتوفى يوم السبت سادس شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة.

стр. 730

٥٠٤ - عمر بن حسن النحوىّ الصّقلىّ أبو حفص [١] شيخ فى اللغة والنحو، طويل الباع فيهما؛ أخذا ورويا عنه. وتصدّر للإفادة ببلرم «١»، وهى مدينة جزيرة صقلّيّة فى الأيام الفرنجية، وأصيب من الفرنج بما قضى بسجنه. وقال يمدح رجّار «٢» ملك صقلّية، وهو فى حبسه: طلب السلوّ لو أنّ غير سعاده ... حلّت سويدا قلبه وفؤاده ورجا زيارة طيفها فى صدّها ... وغرامه يأبى لذيذ رقاده والله لولا الملك رجّار الذى ... أهدى «٣» لحبّيه عظيم وداده ما عاف كأس المجد يوم فراقها ... ورأى محيّا المجد فى ميلاده منها فى المديح: يهتزّ للجدوى اهتزاز مهنّد ... يهتزّ فى كفّيه يوم جلاده ويضىء فى الدّيجور ضوء جبينه ... فتخال ضوء الشمس من حسّاده ومطالع الجوزاء أرض خيامه ... والنجم والقمران من أوتاده وإذا الأمور تشابهت فلعضبه ... خطّ يبيّض سودها بمداده يأيّها الملك الذى ثنيت به ... قدما الفظاظة فى صفا أصلاده ودعته أرواح العدى فرمى بها ... لعبا تلقتها ظبى أغماده والله يغفر لهذا الشاعر فى مدحه الملك الكافر؛ ولكنه معذور؛ إذ هو مأسور.

стр. 731

٥٠٥ - عمر بن خلف بن مكّىّ الصّقلى [١] فقيه محدّث لغوىّ عالم بالعربيّة، مصنّف فى اللغة. صنّف فى اللغة كتابا سمّاه تلقيح الجنان وتثقيف اللسان فى نهاية الملاحة والبيان، يدل على وفور حظّه من هذا الشأن. رحل إلى تونس من برّ العدوة، فاستوطنها، وولى قضاءها. وكان يجيد الخطب، يخطب فى كل جمعة بخطبة من إنشائه؛ تفوق خطب ابن نباته. وله شعر يروق، منه ما قاله فى القناعة: يا حريصا قطع الأيّام فى ... بؤس عيش وعناء وتعب ليس يعدوك من الرزق الّذى ... قسم الله فأجمل فى الطلب وقال: أتطمع فى ودّ امرئ وهو قاطع ... لأرحامه هيهات قد فاتك الرّشد إذا لم يكن فى المرء خير لوالد ... ولا ولد لم يرجه أحد بعد ٥٠٦ - عمر بن عثمان بن شعيب الجنزى [٢] من ثغر جنزة. قرأ على الأبيوردىّ «١». وهو أحد أئمة الأدب، وله باع طويل فى النحو ومعرفة كلام العرب. ورد بغداذ والبصرة وخوزستان؛ وذاكر الفضلاء

стр. 732

حتى صار علّامة زمانه وواحد عصره. وشرع فى إملاء تفسير لو تمّ لم يوجد مثله. وتوفى بمرو سنة خمسين وخمسمائة فى شهر ربيع الأول. ومن شعره: بدا ونسيم صبحى برق عيد ... خيال زائر من برقعيد «١» وقرّعنى على طول التنائى ... وجرّعنى عتاب المستزيد ففضّ الدرّ فوق الورد نثرا ... وغصّ الورد بالدرّ النضيد وبات وبتّ معتنقين شوقا ... يبدّد منه ضمّى سقط جيد فلى طوقان لكن من لجين ... وطوقاه من التّبر الجديد ٥٠٧ - عمر بن عثمان بن محمد بن عمير بن حبيب الأندلسىّ النحوىّ المعروف بابن الجرار [١] كان من أهل البلاغة والشعر، وكان ذا حظ من اللغة والنحو، وله رسالة ناقض فيها عبد الله بن المقفّع فى اليتيمة، وظهر فضله فيها. وكان يرمى بالزندقة. وكان ضئيل الخلقة؛ فلأجل ذلك كتب إلى ربّ الأمر فى زمانه، وقد كان مبعدا غير مقرّب: يا لباب اللّباب من عبد شمس ... ومحلّ الحياة من كلّ نفس إن يكن مبعدى قماءة شخصى ... وروائى ففى حديثى أنسى

стр. 733

٥٠٨ - عمر بن محمد بن عمر أبو حفص الفرغانى [١] من فرغانة تركستان ممّا وراء النهر، وإنما [ذكرت] بلده؛ خشية اللبس؛ وذلك [أن] فى قرى أصبهان فرغانة- وربما قيل فرغان- ينسب إليها جماعة من المحدّثين. وعمر هذا قرأ النحو العربىّ فى بلاد العجم على عدّة مشايخ، وعرف منه طرقا. وقرأ المنطق اليونانى أيضا على الفخر الرازىّ «١» وطبقته، وأجاد النوعين، وشارك فيما سواهما مشاركة بليغ. وهو حسن النّقل فى الألفاظ البليغة، وربما خرج فى المؤاخذة إلى حدّ يرتفع به مجاز الكلام والاتساع فى العبارة والاستعارة. رماه المقدار إلى مدينة سنجار، ورزق بها على تدريس ما يعلّمه، فتصدّر وأفاد الطلبة بجامعها علم النحو، والفقه على مذهب النعمان بن ثابت، والمنطق. وفيه كبر وعسر فى الإفادة، واطّراح لجانب الجهلة المتكبرين. واتفق أن جرى على رسمه السائر، فى قطع وصل ابن مهاجر. [و] لما استمر الفرغانى هذا على إهمال جانبه، وألقى حبله على غاربه، توسط له فى أمر رزقه بما هو أهله، وحمله على اطّراح علمه جهله، وأشار على صاحب البلد بإبعاده، ورماه عنده بكفره وإلحاده، فتقدم إليه بالرحلة عن سنجار؛ فتركها غير مكترث بها وسار. ولما حصل ببغداذ نال بها المآرب والملاذ، وتصدر للتدريس والإفادة، وبذلت له الحسنى وزيادة.

стр. 734

وهو فى وقتنا هذا مرتّب فى المدرسة الجديدة المستنصرية «١»، يلقى الدروس، وتطأطأ نحوه الرءوس، وذلك فى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. وأصبح الناقص ابن مهاجر يقلّب من الندم على فعله فى حقّه كفّيه، ويتميّز غيظا إذ بلغه ما انتهى أمره إليه. ولما توفرت لديه السعادات، وساغ [له] أن يعيش مات، فى أوائل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ولم يخلف ولدا «٢». ٥٠٩ - عمر بن محمد بن عمر بن عبد الله أبو على الشّلوبينىّ الأندلسىّ [١] نزيل إشبيلّية والمتصدّر بها. نحوىّ فاضل كامل، من قرية من قرى إشبيلية، اسمها شلوبينية «٣».

стр. 735

قال لى مخلص بن الظّل الغرناطىّ لما قدم علينا حلب: خرجت من إشبيلية أنا وعمر الشّلوبينىّ النحوىّ، وكنت قاصدا مالقة لأركب منها البحر إلى بر العدوة، وكان الشلوبينىّ راكبا على حمار قصير تكاد رجلاه تلمس الأرض، وعليه برنس يغطّيه ويغطى الحمار، فلما كنا ببعض الطريق عرّج إلى ناحية قريته ومضيت إلى مالقة. وهذا الشّلوبينىّ له فى بلاده ذكر كثير، وهو متصدّر هناك، وسألت عنه من رآه من أهل النحو فقال لى: لم تكن عبارته بليغة، وإن قلمه فى التصنيف لأجود من عبارته. وقيل إنه صنف شرحا لكتاب سيبويه لم يظهر بعد، وصنف شرحا «١» للجزولية «٢»، رأيت منه فصولا قد أوردها الجيّانىّ «٣» النحوى فى شرحها منسوبة إليه، لم يكن فيها كبير أمر. والذى وقع لى أنه غير عاشق فى هذه الصناعة، وإنما يريدها للارتزاق؛ وذلك أنه لما قدم علينا أبو العباس أحمد بن مفرج بن الرومية العشّاب «٤» الإشبيلىّ «٥»

стр. 736

وهو أثبت من رأيت وأسكن، وهو أحد القائلين بمذهب ابن حزم الظاهرىّ الأندلسىّ. أخبرنى أنه لما عزم على الخروج إلى المشرق للحج ابتاع من عمر الشلوبينىّ الأندلسى كتاب العالم فى اللغة لأحمد بن أبان بن سيّد الأشبيلىّ الأندلسىّ فى اللغة فى أربعين مجلدا، وهو كتاب غريب عجيب لا يسوغ لعالم عاشق فى علم العربية أن يخرج عن يده، واستدللت بهذا على ما قلت «١».

стр. 737

وهو حى فى زماننا هذا بإشبيليّة يفيد هذا الشأن، ويقرأ عليه السّوقة والأعيان؛ لم تبلغنا وفاته، وذلك فى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة «١». ٥١٠ - عثمان بن جنى أبو الفتح الموصلىّ النحوىّ اللغوىّ [١] المشهور المذكور، صاحب التصانيف البديعة فى علم الأدب. وأبوه جنّى مملوك رومىّ لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدىّ الموصلىّ. وفى ذلك يقول عثمان ابن جنى: فإن أصبح بلا نسب ... فعلمى فى الورى نسبى

стр. 738

على أنى أؤول إلى ... قروم سادة نجب قياصرة إذا نطقوا ... أرمّ «١» الدهر «٢» ذو الخطب «٣» أولاك دعا النبى لهم ... كفى شرفا دعاء نبى صحب أبا على الفارسىّ وتبعه فى أسفاره، وخلا به فى مقامه، واستملى منه، وأخذ عنه، وصنّف فى زمانه، ووقف أبو علىّ على تصانيفه واستجادها. واستوطن أبو الفتح دار السلام، ودرس بها العلم إلى أن مات. وكانت وفاته ببغداد على ما ذكره أحمد بن علىّ التّوّزىّ «٤» فى يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. فمن تصانيفه: كتاب اللمع «٥». كتاب سر الصناعة «٦». كتاب المنصف «٧» فى شرح كتاب المازنى فى التصريف. كتاب الخصائص «٨». كتاب التلقين فى النحو. كتاب التعاقب. كتاب الكافى فى شرح قوافى الأخفش. كتاب المذكّر والمؤنث. كتاب المقصور والممدود. كتاب التمام فى شعر

стр. 739

الهذليين. كتاب إعراب الحماسة. كتاب المنهج «١» فى اشتقاق أسماء شعراء الحماسة «٢». كتاب الصبر «٣» فى شرح شعر المتنبى. مختصر العروض. مختصر فى القوافى. كتاب هذا القدّ، وهو ما استملاه من أبى علىّ. كتاب المسائل الخاطريات. كتاب التذكرة الأصبهانية. مختار تذكرة أبى على وتهذيبها. كتاب المقتضب فى المعتل العين «٤». وذكره الباخرزىّ فى كتابه فقال:

стр. 740

ابن جنّى» هو أبو الفتح عثمان، ليس لأحد من أئمة الأدب فى فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له؛ ولا سيّما فى علم الإعراب، فقد وقع منها على ثمرة الغراب «١». ومن وقف «٢» على مصنّفاته وقف «٣» على بعض صفاته. فوربّى إنه كشف الغطاء عن شعر المتنبى. وما كنت أعلم أنه ينظم القريض، أو يسيغ ذلك الجريض «٤»؛ حتى قرأت له مرثية فى المتنبى، أوّلها: غاض القريض وأودت نضرة الأدب ... وصوّحت «٥» بعد رىّ دوحة الكتب منها: سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه ... لما تخطّفت بالخطّية السلب «٦» ما زلت تصحب فى الجلّى إذا نزلت ... قلبا جميعا وعزما غير منشعب وقد حلبت لعمرى الدهر أشطره «٧» ... تمطو بهمّة لا وان ولا نصب من للهواجل تحيى ميت أرسمها ... بكل جائلة التصدير والحقب «٨» قبّاء خوصاء محمود علالتها ... تنبو عريكتها بالحلس والقتب «٩»
следующие страницы →