← Тараджим

Тараджим · id 10525

إنباه الرواة على أنباه النحاة

جمال الدين القفطي

Полный текст (1 612 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وهو أثبت من رأيت وأسكن، وهو أحد القائلين بمذهب ابن حزم الظاهرىّ الأندلسىّ. أخبرنى أنه لما عزم على الخروج إلى المشرق للحج ابتاع من عمر الشلوبينىّ الأندلسى كتاب العالم فى اللغة لأحمد بن أبان بن سيّد الأشبيلىّ الأندلسىّ فى اللغة فى أربعين مجلدا، وهو كتاب غريب عجيب لا يسوغ لعالم عاشق فى علم العربية أن يخرج عن يده، واستدللت بهذا على ما قلت «١».

стр. 737

وهو حى فى زماننا هذا بإشبيليّة يفيد هذا الشأن، ويقرأ عليه السّوقة والأعيان؛ لم تبلغنا وفاته، وذلك فى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة «١». ٥١٠ - عثمان بن جنى أبو الفتح الموصلىّ النحوىّ اللغوىّ [١] المشهور المذكور، صاحب التصانيف البديعة فى علم الأدب. وأبوه جنّى مملوك رومىّ لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدىّ الموصلىّ. وفى ذلك يقول عثمان ابن جنى: فإن أصبح بلا نسب ... فعلمى فى الورى نسبى

стр. 738

على أنى أؤول إلى ... قروم سادة نجب قياصرة إذا نطقوا ... أرمّ «١» الدهر «٢» ذو الخطب «٣» أولاك دعا النبى لهم ... كفى شرفا دعاء نبى صحب أبا على الفارسىّ وتبعه فى أسفاره، وخلا به فى مقامه، واستملى منه، وأخذ عنه، وصنّف فى زمانه، ووقف أبو علىّ على تصانيفه واستجادها. واستوطن أبو الفتح دار السلام، ودرس بها العلم إلى أن مات. وكانت وفاته ببغداد على ما ذكره أحمد بن علىّ التّوّزىّ «٤» فى يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. فمن تصانيفه: كتاب اللمع «٥». كتاب سر الصناعة «٦». كتاب المنصف «٧» فى شرح كتاب المازنى فى التصريف. كتاب الخصائص «٨». كتاب التلقين فى النحو. كتاب التعاقب. كتاب الكافى فى شرح قوافى الأخفش. كتاب المذكّر والمؤنث. كتاب المقصور والممدود. كتاب التمام فى شعر

стр. 739

الهذليين. كتاب إعراب الحماسة. كتاب المنهج «١» فى اشتقاق أسماء شعراء الحماسة «٢». كتاب الصبر «٣» فى شرح شعر المتنبى. مختصر العروض. مختصر فى القوافى. كتاب هذا القدّ، وهو ما استملاه من أبى علىّ. كتاب المسائل الخاطريات. كتاب التذكرة الأصبهانية. مختار تذكرة أبى على وتهذيبها. كتاب المقتضب فى المعتل العين «٤». وذكره الباخرزىّ فى كتابه فقال:

стр. 740

ابن جنّى» هو أبو الفتح عثمان، ليس لأحد من أئمة الأدب فى فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له؛ ولا سيّما فى علم الإعراب، فقد وقع منها على ثمرة الغراب «١». ومن وقف «٢» على مصنّفاته وقف «٣» على بعض صفاته. فوربّى إنه كشف الغطاء عن شعر المتنبى. وما كنت أعلم أنه ينظم القريض، أو يسيغ ذلك الجريض «٤»؛ حتى قرأت له مرثية فى المتنبى، أوّلها: غاض القريض وأودت نضرة الأدب ... وصوّحت «٥» بعد رىّ دوحة الكتب منها: سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه ... لما تخطّفت بالخطّية السلب «٦» ما زلت تصحب فى الجلّى إذا نزلت ... قلبا جميعا وعزما غير منشعب وقد حلبت لعمرى الدهر أشطره «٧» ... تمطو بهمّة لا وان ولا نصب من للهواجل تحيى ميت أرسمها ... بكل جائلة التصدير والحقب «٨» قبّاء خوصاء محمود علالتها ... تنبو عريكتها بالحلس والقتب «٩»

стр. 741

أم من لسرحانها تقريه فضلته ... وقد تضوّر بين البأس والسّغب «١» أم من لبيض الظّبا توكافهنّ دم ... أم من لسمر القنا والزّغف واليلب «٢» أم للجحافل تذكى جمر جاحمها «٣» ... حتى يقرّبها من ساطع اللهب أم للمحافل إذ تبدو فتعمرها ... بالنّظم والنّثر والأمثال والخطب أم للصواهل محمرّا سرابلها ... من بعد ما غربت معروفة الشّهب أم للمناهل والظلماء عاكفة ... تواصل الكرّ بين الورد والقرب «٤» أم للقساطل تعتمّ الحزون بها ... أم من لضغم الهزبر الضّيغم الحرب «٥» أم للضّراب إذا الأحساب دافع عن ... تدنيسها شفرات الوكّف القضب أم للملوك تحلّيها وتلبسها ... حتى تمايس فى أبرادها القشب نابت وسادى أطراب تؤرّقنى ... لما غدوت لقى «٦» فى قبضة النوب عمرت خدن المساعى غير مضطهد ... ومتّ كالنصل لم يدنس ولم يعب فاذهب عليك سلام الله ما قلقت ... خوص الركائب بالأكوار والشّعب - الشّعب: جمع شعبة، وهى المزادة الضخمة. قاله أبو حاتم السّجزىّ- موفّق لسبيل الرشد متّبع ... يزينه كلّ ما يأتى ويجتنب تسمو العلوم إليه كلما انفرجت ... للناس عن وجهه الأبواب والحجب له خلائق بيض لا يغيّرها ... صرف الزمان كمالا يصدأ الذهب

стр. 742

وخدم أبو الفتح بن جنّى البيت البويهىّ: عضد الدولة «١» وولده صمصام «٢» الدولة، وولده شرف «٣» الدولة، وولده بهاء «٤» الدولة، وفى زمانه مات. وكان يلازمهم فى دورهم وييايتهم. وحكى أبو غالب بن بشران النحوىّ الواسطىّ محمد بن أحمد بن سهل قال: ورد أبو الفتح بن جنى عثمان إلى واسط، ونزل فى دار الشريف أبى على الجوّانىّ نقيب العلويين، وكنا نتردّد إليه ونسائله، ويملى علينا مسائل سماها الواسطية. وورد بعد ذلك أبو الحسن على بن عيسى الربعىّ إلى واسط، ونزل حجرة فى جوار شيخنا أبى إسحاق إبراهيم بن سعيد الرفاعىّ، وكنت أتردّد إليه، وأسأله، فقال لى يوما أبو إسحاق: قد انعكفت على هذا المجنون! فقلت له: إنه يحكى عن أبى علىّ النحو كما أنزل. فقال: صدقت «٥»!.

стр. 743

٥١١ - عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموىّ المقرئ الدانىّ المعروف بابن الصيرفىّ [١] من أهل قرطبة؛ أبو عمرو. سكن دانية «١»؛ المقرئ شيخ زمانه، وعلّامة أوانه وصدر عصره ومكانه. روى عن علماء بلاده فأكثر، ورحل إلى المشرق، فسمع بمصر ومكة. وكان أحد الأئمة فى علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه. وجمع فى معنى ذلك كله تواليف حسانا مفيدة؛ يكثر تعدادها، ويطول إيرادها «٢». وله معرفة بالحديث وطرقه وأسماء رجاله ونقلته. وكان حسن الخط جيّد الضبط، من أهل الفضل

стр. 744

والعلم والذكاء والفهم، متفننا فى العلوم، جامعا لها، معتنيا بها. وكان ديّنا فاضلا ورعا مجاب الدعوة، مالكىّ المذهب. وقال ﵀: «ولدت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وابتدأت بطلب العلم بعد سنة خمس وثمانين وأنا ابن أربع عشرة سنة، وتوجهت إلى المشرق لأداء فريضة الحج يوم الأحد الثانى من المحرم سنة سبع وتسعين، وحججت سنة ثمان. وقرأت القرآن وكتبت الحديث وغير ذلك فى هذين العامين، وهى ابتداء الفتنة الكبرى التى كانت بالأندلس فى ذى القعدة سنة تسع وتسعين، وانصرفت إلى الأندلس سنة تسع وتسعين؛ والحمد لله على كل حال «١»». وتوفى- ﵀ بدانية يوم الاثنين فى النصف من شوّال سنة أربع وأربعين وأربعمائة. وكان دفنه بعد صلاة العصر فى اليوم الذى توفى فيه، ومشى السلطان أمام نعشه، وكان الجمع فى جنازته عظيما. ٥١٢ - عثمان بن على بن عمر السّرقوسىّ الصّقلىّ النحوىّ [١] كان عالما نحويا لغويا مقرئا. قرأ القرآن على ابن الفحام «٢» وابن بليّمة «٣» وغيرهما. وله تواليف فى القراءات والنحو والعروض. وكانت له فى جامع مصر حلقة للإقراء وانتفع به الناس، ونقلوا كلامه، وكتبوا تصانيفه، وتنافس فيها أهل العلم. وكان

стр. 745

قريبا من زماننا هذا فى المائة السادسة للهجرة. لقيه الحافظ السّلفىّ بمصر، وشاركه فى السماع على أبى صادق وابن بركات والفرّاء الموصلّى. ومن مصنفاته التى شاهدتها: الحاشية على كتاب الإيضاح. وهى فى غاية الجودة، ومختصر عمدة «١» ابن رشيق؛ وشاهدت هذا المختصر بحلب بخطه عند ابن القيسرانىّ، وقد زاد فيه أبوابا أخلّ بها ابن رشيق، وهى واقعة موقعها من التصنيف. وله شعر. أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ فى إجازته العامة قال: أنشدنى أبو عمر عثمان بن على ابن عمر السّرقوسىّ النحوىّ لنفسه بالثغر- يعنى الإسكندرية- وكتب لى بخطه: إنّ المشيب من الخطوب خطيب ... ألّا هوى بعد المشيب يطيب! خطب الخضاب على قضيبك خطبة ... لا غصن من بعد الخضاب رطيب فدع الصّبا فمن المصيبة أن ترى ... صبّا وصيّب مقلتيك يصوب إنّ الخضاب لعين عين ضدّه ... ببنانهنّ وكفّهن خضيب ضحك المشيب بلمّتى فبكت له ... عينى فمنى ضاحك وقطوب ضدّان مجتمعان فى وقت معا ... فى ذات مرء إن ذا لعجيب ٥١٣ - عثمان البتىّ [١] ذكره أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكرى فى كتاب شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف فيما وهم فيه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فقال:

стр. 746

«سمعت من يحكى عن ابن دريد ولم أسمع هذه الحكاية منه [أنه] «١» قال: وجدت للجاحظ فى كتاب البيان والتبيين تصحيفا شنعا فى الموضع الذى يقول فيه: حدثنى محمد بن سلّام قال: سمعت يونس يقول: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن النبىّ ﷺ . قال أبو بكر «٢»: وإنما هو عن البتّى؛ أى عن عثمان البتّى، وكان فصيحا، وأما النبىّ ﷺ فلا شك عند الملىّ والذمى أنه كان أفصح الناس. أخبرنا ابن دريد حدثنا أبو حاتم عن الأصمعىّ قال: كان عثمان البتّى نحويا؛ وكان يسمى عثمان العربىّ من فصاحته، فسمعه ابن أبى إسحاق ينشد: [كورهاء] «٣» مشنىّ إليها حليلها فقال: أخطأ عربيّكم؛ إنما هو «مشنوء» «٤». ٥١٤ - عثمان بن عيسى بن منصور النتاج البلطىّ النحوىّ الموصلىّ [١] أصله من بلد، إحدى قرى الموصل، ويقال لها بلط بلغة النّبط. مولده فى بنى مائدة بالموصل فى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وانتقل إلى الشام وأقام بدمشق

стр. 747

برهة من عمره يتردّد إلى الزبدانى للتعليم. ولما ملك العزيز مصر انتقل إليها، ورتب له صلاح الدين على جامعها كل شهر جاريا لإقراء النحو. رأيته بمصر وهو يفيد الطلبة علمى النحو والعروض؛ فإنه كان بهما قيّما، ولم أسمع أحدا يذكر صيانته. وكان متّهم الخلوة؛ لا يردّه ملام عن رشف المدام، ولا يسمع الكلام فى ذمّ الغلام. ولم يزل عزبا قذر الهيئة، خشن الملبوس، مبدّد الأطراف، فى تصرفه ما يدل على نقص مروءته. وكان شريف النفس فى أمر واحد، وهو قلة الاكتراث بأهل المناصب، وترك السعى إليهم. وبلغنى أنه كان حلو المحاضرة مفيد المخاطبة والمناظرة. وله شعر مذكور مشهور، منه قوله: حكّمته ظالما فى مهجتى فسطا ... وكان ذلك جهلا شبته بخطا هلّا تجنبته والظلم شيمته ... ولا أسام به خسفا ولا شططا ويلاه من تائه أفعاله صلف ... ملوّن كلما أرضيته سخطا أبثّه ولهى صدقا ويكذبنى ... وعدا وأقسط عدلا كلما قسطا واختصر كتاب الأغانى اختصارا جميلا أحسن فيه. «١» ومات فى حدود سنة ستمائة بالقاهرة المعزية «٢».

стр. 748

٥١٥ - عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف بسيبويه [١] عمرو بن عثمان بن قنبر،» مولى بنى الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد- ويكنى أبا بشر وأبا الحسن. ومعنى سيبويه «٢» بالفارسية رائحة التفاح. أخذ النحو عن الخليل بن أحمد الفرهودىّ الأزدىّ، ولازمه، وتتلمذ له. وقد كان أخذ شيئا من النحو عن عيسى بن عمر الثقفىّ وعن يونس، وأخذ عن غيرهما. وأخذ اللغة عن أبى الخطاب الأخفش الكبير وغيره، وعمل كتابه المنسوب

стр. 749

إليه فى النحو، وهو مما لم يسبقه إليه أحد. وقد قيل إنه أخذ كتاب عيسى بن عمر المسمى بالجامع، وبسطه وحشّى عليه من كلام الخليل وغيره، وأنه كان كتابه الذى اشتغل به، فلما استكمل بالبحث والتّحشية نسب إليه. ويستدلّ القائل بهذه المقالة بما نقل أن سيبويه لمّا فارق عيسى بن عمر ولازم الخليل سأله الخليل عن مصنّفات عيسى بن عمر، فقال له سيبويه: قد صنف نيّفا وسبعين مصنفا فى النحو، وأن بعض أهل اليسار جمعها وأتت عليها عنده آفة فذهبت، ولم يبق منها فى الوجود سوى تصنيفين؛ أحدهما اسمه الكامل وهو بأرض فارس عند فلان، والجامع، وهو هذا الكتاب الذى أشتغل فيه عليك، وأسألك عن غوامضه. فأطرق الخليل ساعة ثم رفع رأسه، وقال: رحم الله عيسى! ثم أنشد ارتجالا: ذهب النحو جميعا كلّه ... غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر فأشار إلى الإكمال بالإشارة إلى الغائب فى قوله: «ذاك»، وأشار [إلى الجامع] بالإشارة إلى الحاضر بقوله: «وهذا». وذكر ابن إسحاق النديم فى كتابه قال: «قرأت بخط أبى العباس ثعلب: اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنسانا؛ منهم سيبويه. والأصول والمسائل للخليل». «١»

стр. 750

وقدم سيبويه أيام الرشيد إلى العراق، وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، وتوفى وله نيّف وأربعون سنة بفارس. وكان وروده العراق لقصده يحيى بن خالد «١» البرمكىّ. ولما قيل ليحيى بن خالد: هذا فاضل نحاة البصرة اشتاقت نفسه إلى سماع كلامه. فقيل له: اجمع بينه وبين نحوىّ الكوفة الكسائى. فجمع بينهما، وحضر نحاة الكوفة، وحضر الأخفش الأوسط سعيد، وحضر الفرّاء والأحمر صاحبا الكسائىّ، وسألاه عن مسائل تلجلج فى جوابها. فقال يحيى بن خالد: من يحكم بين هؤلاء؟ فتراضوا بالأعراب، فأحضر من فصحائهم من قدم على باب السلطان، وهم أبو فقعس وأبو دماذ وأبو الجراح وأبو ثروان، فحكموا بما قاله الكسائىّ، فقال الكسائى ليحيى بن خالد: هذا رجل قدم عليك يريد من دنياك. فأجازه بعشرة آلاف درهم، فأخذها وعاد إلى البصرة، وخرج منها إلى فارس، فمات هناك فى سنة تسع وسبعين ومائة. وكان المبرّد إذا أراد أحد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه يقول له: هل ركبت البحر! تعظيما له، واستعظاما لما فيه. وكان المدينىّ يقول: من أراد أن يعمل كتابا كبيرا فى النحو بعد كتاب سيبويه فليستحى.

стр. 751

أخبرنى الشريف النقيب النّسابة محمد بن أبى البركات الحسين بن أسعد الحسينى الجوانىّ إجازة شافهنى بها بداره؛ بقرافة «١» مصر فى شهور سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، قال أخبرنى عبد السلام بن مختار اللغوى قال أخبرنى ابن بركات السعيدىّ قال أخبرنى أبو سهل محمد بن علىّ بن محمد الهروىّ قال أخبرنى أبو عبد الله محمد ابن الحسين اليمنىّ فى كتابه، قال: «أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الوليد قال حدّثنا إبراهيم بن السرىّ الزّجاج قال: قال محمد بن يزيد المبرّد: سيبويه يكنى أبا بشر، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى لبنى الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد، وقيل: كان يكنى أبا الحسين وأبا عثمان. والأوّل أشبه وأثبت». وقال أبو حاتم: هو عمرو بن عثمان. وسيبويه بالفارسية «رائحة التفّاح». وهو لقب. وكان فى لسانه حبسة، وقلمه أبلغ من لسانه. وهو أثبت من أخذ عن الخليل بن أحمد، وهو أستاذه، وأخذ أيضا عن يونس بن حبيب، وعيسى بن عمر وغيرهم. وأخذ اللغة عن أبى الخطاب الأخفش وغيره. وسمع الحديث، وكان شديد الأخذ، وكان يستملى على حماد بن سلمة. كتبت من خط محمد بن عبد الملك «٢»: حدّثنى محمد بن موسى بن حماد قال: حدّثنا محمد بن منصور الطوسىّ قال: سمعت عفان بن مسلم يقول: قال سيبويه

стр. 752

لشعبة- ورادّه فى حديث- فقال شعبة: لأن أخرّ من السماء أحبّ إلى من أن أدلّس. قال نصر بن علىّ: كان سيبويه يستملى من حماد بن سلمة يوما: قال رسول الله ﷺ : ما أحد من أصحابى إلا وقد أخذت عليه، ليس أبا الدرداء. فقال سيبويه: «ليس أبو الدرداء»، فقال: لحنت يا سيبويه، فقال سيبويه: لا جرم! لأطلبنّ علما لا تلحّننى فيه أبدا، فطلب النحو ولم يزل يلازم الخليل. كتبت من خط محمد بن عبد الملك: حدّثنا إبراهيم بن مهدىّ قال حدّثنا سهل بن محمد قال سمعت أبا زيد الأنصارىّ يقول: كان سيبويه غلاما يأتى مجلسى وله ذؤابتان. قال: وإذا سمعته يقول: حدّثنى من أثق بعربيّته- فإنّما يعنينى. وكتبت من خط محمد بن عبد الملك: حدّثنى محمد بن على بن حمزة قال حدّثنا الرياشىّ قال سمعت الأخفش يقول: كان سيبويه إذا وضع شيئا من كتابه عرضه علىّ وهو يرى أنى أعلم منه- وكان أعلم منى- وأنا اليوم أعلم منه. وكتبت من خطه: حدّثنى أحمد بن محمد النحوىّ قال حدّثنى محمد بن سلام قال حدّثنى الأخفش: أنه قرأ كتاب سيبويه على الكسائىّ فى جمعة، فوهب له سبعين دينارا. قال: وكان الكسائىّ يقول لى: هذا الحرف لم أسمعه فاكتبه لى، فأفعل. قال أبو العباس: وكان الأخفش يؤدّب ولد الكسائى، وكان الجاحظ قد سمع هذا الخبر فقال فيما يعدّده من فخر أهل البصرة على أهل الكوفة: هؤلاء يأتونكم بفلان وفلان، وسيبويه الذى اعتمدتم على كتبه وجحدتم فضله-

стр. 753

وذكر الجاحظ كتاب سيبويه- لم يكتب الناس فى النحو كتابا مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال. وكان سيبويه لشهرته وفضله علما عند النحويّين، وكان يقال بالبصرة: قرأ فلان الكتاب؛ فيعلم أنه كتاب سيبويه، ولا يشك أنه كتاب سيبويه. كتبت من خط محمد بن عبد الملك: حدّثنى المروزىّ عن الجاحظ قال: «أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات، ففكّرت فى شىء أهديه إليه فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه. فقلت له: أردت أن أهدى إليك شيئا، ففكرت فإذا كل شىء عندك دونه، فلم أر أشرف من كتاب سيبويه. وهذا كتاب سيبويه اشتريته من ميراث الفرّاء. فقال: والله ما أهديت إلىّ شيئا أحبّ إلىّ منه «١»». وشاهدت بخط السلالى النحوىّ القرشىّ الكوفىّ الورّاق أن الجاحظ لما قدم من البصرة فى بعض قدماته أهدى إلى محمد بن عبد الملك الزيات فى وزارته نسخة من كتاب سيبويه، وأعلم بإحضارها صحبته قبل أن يحضرها مجلسه، فقال له ابن الزيات: أو ظننت أن خزائننا خالية من هذا الكتاب؟ فقال: ما ظننت ذاك؛ ولكنها بخط الفرّاء ومقابلة الكسائىّ وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ. فقال له ابن الزيات: هذه أجلّ نسخة توجد وأغربها. فأحضرها إليه، فسرّ بها، ووقعت منه أجمل موقع. وكتبت من خط محمد بن عبد الملك التاريخىّ: حدّثنى ابن الأعلم قال حدّثنا محمد بن سلّام قال: كان سيبويه النحوىّ جالسا فى حلقته بالبصرة، فتذاكرنا شيئا من حديث قتادة، فذكر حديثا غريبا فقال: لم يرو هذا إلا سعيد بن

стр. 754

أبى العروبة، فقال بعض ولد جعفر بن سليمان: ما هاتان الزائدتان يا أبا بشر؟ فقال: هكذا يقال؛ لأن العروبة هى الجمعة، ومن قال: عروبة فقد أخطأ. قال ابن سلام: فذكرت ذلك ليونس فقال: أصاب، لله درّه!. «١» وكتبت من خط محمد بن عبد الملك: حدّثنى إبراهيم بن إسحاق الحربىّ قال: سمعت ابن عائشة يقول: كنا نجلس مع سيبويه النحوىّ فى المسجد- وكان شابّا جميلا نظيفا قد تعلّق من كل علم بسبب، وضرب فى كل أدب بسهم، مع حداثة سنه وبراعته فى النحو- فبينا نحن عنده ذات يوم إذ هبّت ريح أطارت الورق، فقال لبعض أهل الحلقة: انظر أىّ ريح هذه؟ وكان على منارة، تمثال فرس «٢» من صفر، فنظر ثم عاد فقال ما يثبت الفرس على شىء. فقال سيبويه: العرب تقول فى مثل هذا: قد [تذاءبت الريح و «٣»] تدأّبت الريح؛ أى فعلت فعل الذئب، وذلك أنه يجىء من هاهنا وهاهنا ليختل، فيتخيل للناظر أنه عدّة ذئاب. وكتبت من خطّه: حدّثنا بشر بن موسى، حدثنا ابن النّطّاح قال: كنت عند الخليل بن أحمد فأقبل سيبويه، فقال: مرحبا مرحبا بزائر لا يملّ. فقال أبو عمر المخزومى- وكان كثير المجالسة للخليل: ما سمعت الخليل يقولها لأحد إلا لسيبويه. كتبت من خط ابن عبد الملك: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول: كان سيبويه يخطئ فى اسمه؛ يقول: سيبويه وسيبويه آخر؛ والكسائى يقول سيبويه وسيبويه آخر؛ لأنه أعجمىّ فلا يجرى، وزيلويه وزيلويه آخر، ويثنى زيلويهان

стр. 755

و [يجمع] زيلوهات، لأن الجمع بالواو والنون للحيوان الذى يعقل من الذّكران، والألف والتاء لما يعقل من الإناث ولما لا يعقل، ولا يعرف باللام. وقد قيل زيلويه وذو زيلويه وذوات زيلويه ورأيت زيلويه وذوى زيلويه وذوات زيلويه. ومن خطه: حدثنى أبو أحمد التّبريزىّ قال: حدثنا الفضل بن الحسن قال حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبرىّ قال: جاء سيبويه إلى حمّاد بن سلمة فقال له: أحدّثك هشام بن عروة عن أبيه فى رجل رعف فى الصلاة؟ فقال: أخطأت يا سيبويه! إنما هو رعف. «١» قال: فانصرف إلى الخليل فشكا إليه ما لقيه به حمّاد، فقال: صدق، ومثل حماد يقول هذا. ورعف يجوز إلا أنها ضعيفة، والكلام رعف. قال أبو العباس المبرّد: كان الأخفش أكبر سنا من سيبويه؛ وكانا جميعا يطلبان، فجاءه الأخفش يناظره بعد أن برع، فقال له الأخفش: إنما ناظرتك لأستفيد لا غير، قال: أترانى أشك فى هذا! ومات سيبويه قبل جماعة قد كان أخذ عنهم كيونس وغيره؛ فأما يونس فمات فى سنة ثلاث وثمانين ومائة، ومات أبو زيد بعد موت سيبويه بنيّف وثلاثين سنة. وكانت وفاة سيبويه- على ما ذكر محمد بن عمرو الجماز- فى سنة ثمانين ومائة «٢» بفارس، فى أيام الرشيد، وقبره بشيراز قصبة فارس. وكان قدم بغداذ، وجمع له النحويون فناظروه، فاستزلّ، فعاد إلى فارس ومات هناك.

стр. 756

ونجم من أصحاب سيبويه أبو الحسن الأخفش سعيد بن مسعدة، وأبو علىّ محمد بن المستنير قطرب. أنبأنا زيد بن الحسن بن زيد النحوىّ فيما كتب به إلى: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن القزاز، حدثنا أحمد بن علىّ من كتابه قال: «عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر المعروف بسيبويه النحوىّ من أهل البصرة. كان يطلب الآثار والفقه، ثم صحب الخليل بن أحمد، فبرع فى النحو، وورد بغداذ، وجرت بينه وبين الكسائىّ وأصحابه مناظرة». «١» أنبأنى الكندىّ أخبرنا القزاز حدثنا أحمد بن على فى كتابه: «أخبرنا محمد ابن عبد الواحد بن على البزاز، أنبأنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ، أخبرنى الصّولىّ وعبد الله بن جعفر قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوىّ قال: أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر مولى بنى الحارث بن كعب بن عمرو بن جلد بن مالك بن أدد بن علة. قال المرزبانىّ: وحدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن يزيد المبرّد قال: سيبويه يكنى أبا بشر وأبا الحسن، وهو من مولى بنى الحارث بن كعب. قال المرزبانىّ: ويقال: وهو مولى آل الربيع بن زياد الحارثى. وتفسير سيبويه بالفارسية رائحة التفاح». «٢» أنبأ الكندىّ إجازة قال: أخبرنا عبد الرحمن القزاز سماعا عليه قال حدثنا أحمد بن علىّ من كتابه: «أخبرنا العتيقىّ، حدثنا محمد بن العباس، أخبرنا سليمان ابن إسحاق الجلاب قال: وسمعته- يعنى إبراهيم الحربىّ- يقول: سمى سيبويه لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاح «٣»».

стр. 757

وبالإسناد قال أحمد بن على: «أخبرنا القاضى أبو العلاء الواسطىّ قال: قال: محمد بن جعفر بن هارون التميمىّ: كان سيبويه فى أول أيامه صحب الفقهاء وأهل الحديث، وكان يستملى على حمّاد بن سلمة، فلحن فى حرف، فعاتبه حمّاد، فأنف من ذلك، ولزم الخليل. وكان من أهل فارس، من البيضاء «١» ومنشؤه بالبصرة، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر، وكنيته أبو بشر، ولقبه سيبويه، وتفسيره ريح التفاح لأن «سيب»: التفاحة، و «ويه»: الريح. وكانت والدته ترقّصه وهو صغير بذلك». «٢» وبالإسناد قال أحمد بن علىّ فى كتابه: «أخبرنى التّنوخىّ، حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التّنوخىّ، حدثنا أبو سعد داود ابن الهيثم بن إسحاق بن البهلول، حدثنا حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد عن نصر بن على قال: برز من أصحاب الخليل أربعة: عمرو بن عثمان أبو بشر المعروف بسيبويه، والنّضر بن شميل، وعلى بن نصر، ومؤرّج السدوسىّ «٣»». وبالإسناد قال أحمد بن على: «أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن على، أخبرنا المرزبانىّ، أخبرنا أبو بكر الجرجانىّ، حدثنا محمد بن يزيد قال: كان سيبويه وحماد بن سلمة فى النحو أكثر من النّضر بن شميل والأخفش، وكان النّضر أعلم الأربعة باللغة والحديث «٤»». وبالإسناد قال أحمد بن علىّ: «قرأت بخط القاضى أبى بكر بن الجعابىّ، وأخبرناه الصيمرىّ، حدثنا أحمد بن علىّ الصيرفىّ، حدثنا ابن الجعابىّ، حدثنا الفضل (هو ابن الحباب) عن ابن سلّام قال: كان سيبويه النحوىّ مولى بنى الحارث

стр. 758

ابن كعب غاية الخلق فى النحو، وكتابه هو الإمام فيه، وكان الأخفش أخذ عنه، وكان أفهم الناس فى النحو». «١» وبالإسناد قال أحمد بن علىّ فى كتابه: «أنبأنى القاضى أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعىّ المصرىّ؛ أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن إسماعيل ابن خرّوزاد النّجيرمىّ، أخبرنا أبو الحسين على بن أحمد المهلبىّ، أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الروذبارىّ قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخىّ قال: حدّثنى المروزىّ (يعنى محمد بن يحيى بن سلمة) «٢»، وذكر حكاية الجاحظ التى تقدّمت فى إهداء الكتاب إلى محمد بن عبد الملك الزيات «٣». وبالإسناد قال أحمد بن على فى كتابه: «أخبرنا القاضى أبو الطيب الطبرى وأحمد ابن عمر بن روح قالا: أخبرنا المعافى بن زكريا، حدّثنا محمد بن عبد الواحد، أخبرنا أبو الحسن بن كيسان قال: سهرت ليلة أدرس، قال: ثم نمت فرأيت جماعة من الجن يتذاكرون بالفقه والحديث والحساب والنحو والشعر، قلت: أفيكم علماء؟ قالوا: نعم، قال: فقلت- من همّى بالنحو-: إلى من تميلون من النحويين؟ قالوا: إلى سيبويه. قال أبو عمر: فحدّثت بها أبا موسى- وكان يغيظه لحسد كان بينهما- فقال لى أبو موسى: إنما مالوا إليه لأن سيبويه من الجن» «٤»». وبالإسناد قال أحمد بن على: «أخبرنا القاضى أبو العلاء الواسطى، أخبرنا محمد بن جعفر التميمى حدّثنا أبو العباس محمد بن الحسن، حدّثنا ثعلب عن سلمة قال: لما دخل من البصرة إلى مدينة السّلام أتى «٥» حلقة الكسائىّ وفيها غلمانه:

стр. 759

الفرّاء وهشام ونحوهما، فقال الفراء للكسائى: لا تكلّمه ودعنا وإياه، فلما جلس سيبويه سأل عن مسائل والفرّاء يجيب، ثم قال له الفراء: ما تقول فى قول الشاعر: نمتّ بقربى الزينبين كلاهما ... إليك وقربى خالد وسعيد فلحق سيبويه حيرة «١» السؤال وقال: أريد أمضى لحاجة وأدخل. فلما خرج قال الفراء لأهل الحلقة: قد جاء وقت الانصراف فقوموا بنا، فقاموا. فخرج سيبويه فذكر علة «٢» البيت فرجع، فوجدهم قد انصرفوا «٣». أنبأنا زيد بن الحسن أخبرنا عبد الرحمن، حدّثنا الخطيب من كتابه: «أخبرنا هلال بن المحسّن الكاتب، أخبرنا أحمد بن محمد بن الجراح الخزاز، وأخبرنا محمد ابن محمد بن على الوراق؛ حدّثنا المعافى بن زكريا، حدّثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ، أخبرنا أبو بكر مؤدّب ولد الكيّس بن المتوكل، حدّثنا أبو بكر العبدىّ النحوىّ قال: لما قدم سيبويه إلى بغداد فناظر الكسائى وأصحابه فلم يظهر عليهم سأل: من يبذل [من] «٤» الملوك ويرغب فى النحو؟ فقيل له طلحة بن طاهر، فشخص إليه إلى خراسان، فلما انتهى إلى ساوة «٥» مرض مرضه الذى مات فيه، فتمثل عند الموت: يؤمل دنيا لتبقى له ... فوافى المنية دون الأمل حثيثا يروّى أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل وبالإسناد قال أحمد بن علىّ «أخبرنا «٦» عبد الله بن يحيى السكرىّ، أخبرنا جعفر ابن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطىّ، حدّثنا أبو محمد الحسن بن على بن المتوكّل،

стр. 760

أخبرنا أبو الحسن المدائنىّ قال: قال أبو عمرو بن يزيد: احتضر سيبويه النحوىّ فوضع رأسه فى حجر أخيه فأغمى عليه. قال: فدمعت عين أخيه، فأفاق، فرآه يبكى فقال: وكنّا جميعا فرّق الدهر بيننا ... إلى الأمد الأقصى فمن يأمن الدهرا! قال أبو إسحاق إبراهيم بن السرىّ الزجاج: إذا تأملت الأمثلة من كتاب سيبويه تبينت أنه أعلم الناس باللغة. وقال أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش والمبرّد وثعلب: إن سيبويه لما قدم العراق على أبى على يحيى بن خالد البرمكىّ سأله عن خبره والحال التى ورد لها. فقال: جئت لتجمع بينى وبين الكسائىّ، فقال له: لا تفعل، فإنه شيخ مدينة السّلام وقارئها ومؤدّب أمير المؤمنين، وكلّ من فى المصر له ومعه. فأبى إلا الجمع بينهما. فعرف الرشيد خبره، فأمره بالجمع بينهما، فوعده بيوم. فلما كان ذلك اليوم غدا سيبويه وحده إلى دار الرشيد، فوجد الفرّاء وهشاما والأحمر ومحمد بن سعدان قد سبقوه، فسأله الأحمر عن مائة مسألة، فأجابه عنها، فما أجابه بجواب إلا قال: أخطأت يا بصرىّ: فوجم [لذلك] «١» سيبويه وقال: هذا سوء أدب. ووافى الكسائىّ- وقد شق أمره عليه- ومعه خلق كثير من العرب، فلما جلس قال له: يا بصرىّ، كيف تقول: خرجت فإذا زيد قائم؟ فقال: خرجت فإذا زيد قائم، فقال الكسائىّ: أيجوز: فإذا زيد قائما؟ قال: لا. قال الكسائىّ: كيف تقول: قد كنت أظن أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور، فإذا هو هى، أو فإذا هو إياها؟. فقال سيبويه: فإذا هو هى؛ ولا يجوز النصب. فقال الكسائىّ: لحنت! وخطّأه الجميع. وقال الكسائىّ: العرب

стр. 761

نرفع ذلك كلّه وتنصبه. فدفع سيبويه قوله. فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما وهذا موضع مشكل؟ فقال الكسائىّ: هذه العرب ببابك؛ قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء العرب، وقد قنع بهم أهل المصريين، وسمع منهم أهل الكوفة والبصرة، فيحضرون ويسألون. فقال يحيى وجعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا، وفيهم أبو فقعس، وأبو ثروان، وأبو دثار، فسئلوا عن المسائل التى جرت، فتابعوا الكسائى. فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع أيها الرجل. فانصرف المجلس عن سيبويه، وأعطاه يحيى عشرة آلاف درهم وصرفه. فخرج وصرف وجهه إلى فارس، ولم يعد إلى البصرة، وأقام هناك إلى أن مات غما بالذّرب «١»، ولم يلبث إلا يسيرا. قال أبو الحسن على بن سليمان الأخفش: وأصحاب سيبويه إلى هذه الغاية لا اختلاف بينهم أن الجواب كما قال سيبويه، وهو: «فإذا هو هى»؛ أى فإذا هو مثلها، وهذا موضع رفع، وليس هو موضع نصب. فإن قال قائل: فأنت تقول: خرجت فإذا زيد قائم، وقائما، فتنصب «قائما»، فلم لم يجز: فإذا هو إياها؛ لأن «إيّا» للمنصوب و «هو» للمرفوع؟ والجواب فى هذا أن «قائما» انتصب على الحال وهو نكرة، و «إيّا» مع ما بعدها مما أضيفت إليه معرفة؛ والحال لا يكون إلا نكرة، فبطل «إيّاها» والحال لا يكون إلا نكرة، فكيف تقع «إياها» وهى معرفة فى موضع ما لا يكون إلا نكرة، وهذا موضع الرفع! وقال أصحاب سيبويه: الأعراب الذين شهدوا من أعراب الحطمة الذين كان الكسائى يقوم بهم ويأخذ عنهم. وقد حكى أبو زيد الأنصارىّ: قد كنت أظنّ أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو إيّاها.

стр. 762

قال أبو سعيد الطّوال: رايت على قبر سيبويه ﵀ هذه الأبيات مكتوبة، وهى لسليمان بن يزيد العدوىّ: ذهب الأحبّة بعد طول تزاور ... ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا تركوك أوحش ما تكون بقفرة ... لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا قضى القضاء وصرت صاحب حفرة ... عنك الأحبة أعرضوا وتصدّعوا قال أبو عبد الله بن طاهر العسكرىّ: سيبويه اسم فارسىّ كأنه فى المعنى ثلاثون رائحة، وكان- فيما يقال- طيّب الرائحة ٥١٦ - عمرو بن أبى عمرو الشّيبانىّ اللغوىّ [١] روى عن أبيه وغيره من أهل العلم، وأملى فى حياة أبيه سنين متعدّدة. وكان ثبتا، واسع الرواية مفيدا. وتوفّى سنة إحدى وثلاثين ومائتين. سمع منه أحمد بن يحيى ثعلب كتاب النوادر لأبيه، وسمع منه أبو إسحاق الحربى الشيخ الصالح الزاهد ﵀ ووثّقه كل واحد منهما. ٥١٧ - عمرو بن كركرة أبو مالك الأعرابىّ [٢] دخل الحاضرة، وأخذ الناس اللغة عنه، وله كتاب فى خلق الإنسان جيد، وكان يعلّم فى البادية ويورّق فى الحضر. وكان مولى لبنى سعد؛ ويقال: إنه كان يحفظ اللغة كلّها. وكان بصرىّ المذهب.

стр. 763

وقال الجاحظ: كان عمرو بن كركرة أبو مالك أحد الطّياب، «١» يزعم أن الأغنياء عند الله أكرم من الفقراء. ويقول: إن فرعون عند الله أكرم من موسى. وكان يلتقم الحارّ الممتنع فلا يؤلمه. ومن تصنيفه: كتاب خلق الإنسان. كتاب الخيل. قال أبو سعيد السكرىّ يوما: إن عمرو بن كركرة سمع من أبى عمرو بن العلاء وغيره. ٥١٨ - عياض بن عوانة بن الحكم بن عوانة الكلبىّ النحوىّ [١] نزيل القيروان. وكان جدّه الحكم بن عوانة عالما بأيام العرب وأنسابها. وكان له قدر وحال. وولى ولايات كثيرة. وكان أبو عوانة عالما أديبا، وكان من أهل الكوفة، وعنه أخذ المهدى القيروانىّ كثيرا من النحو والشعر. وكانت المهالبة «٢» ولاة القيروان يكرّمونه. وروى عنه أنه قال: أقمت زمانا لا عهد لى بصلة روح ابن حاتم «٣»؛ حتى أرملت وأملقت، فركبت يوما بغلة وخرجت حتى رقيت على الكدية «٤» السوداء المطلّة على القنطرة- وكانت العرب تضع أثقالها فى دخول إفريقية

стр. 764

بالقيروان «١»؛ فسمّيت القيروان؛ لأنها الأثقال فى كلام العرب- فإنى لعلى الكدية إذ أتى رسوله يشتد إلىّ؛ فقال: أجب يابن عوانة. فمضيت وما أحسب أن بعثته إلىّ ابتداء من غير أن أكون توسلت للوصول إليه إلا لأمر نمى إليه عنى من القول، فلما أتيت نزلت على بابه؛ فاستؤذن لى، فصعدت، وإنه لمع جاريته طلّة الهندية، فسلمت فأحسن الرد، فكأن روعى سكن. ثم قال: ما حالك؟ فقلت: مقلّ معدم أبو عيال، ولا مال. فقال: قد بلغت الغيث، فتخيّم؛ أى ألق خيمنك، فقلت: الحمد لله؛ ذاك والله المأمول المرجوّ من الأمير. قال: مالك من العيال؟ قلت: ثلاثون- قال: وكان أبو هريرة قهرمانه أكرم حضير ومشير- فقال: هم أكثر من ذلك إلى السبعين؛ بين قرابة وأصهار، يأملون كلهم رأى الأمير ويرجونه، وما هو بذى ماشية ولا غاشية ولا بتاجر. قال: قد أمرت لك بخمسمائة دينار، فادفعها إليه يا أبا هريرة، ومن القمح والشعير والتبن والطلاء والزيت والخلّ ما قال إنه يقوم به إلى رأس الحول. قال: فنزلنا، فوزن لى المال، وقال لأصحاب الخراج: احسبوا كم له فى هذه السنة ممّا أمر له، فجعلوا يعدون ويعقدون،- وكان السعر قد نزا «٢» - فقال لى أبو هريرة: هل لك إلى ما هو أقرب من هذا؟ تأخذ ثمنا. قلت: ما أكره ذلك؛ فأعطانى خمسمائة دينار أخرى ومضيت، [وما أنسى طلّة] «٣» يومئذ وقولها: عالم البلد أهل لكل ما أسدى إليه، فانصرفت بأحسن حال. وكان عياض يقرض الشعر ويجيده. وذكر المرزبانى فى كتابه: «أن عوانة «٤» بن الحكم كان يقول لأخ له يقال له عياض: نحوىّ، لا تعمّق فى النحو؛ فإنه لم يتعمق أحد فيه الإصار معلّما». قال: «فصار

стр. 765

عياض ذلك معلّما بإفريقية لولد المهلّب «١». فعلى هذا الخبر يكون عياض أخا عوانة ابن الحكم، لا ولده. والله أعلم. ٥١٩ - عياض بن موسى بن عياض اليحصبىّ المغربىّ [١] من أهل سبته، «٢» يكنى أبا الفضل، إمام عالم فاضل كامل مصنّف. أخذ عن مشايخ المغرب بالأندلس والعدوة «٣»، وجمع من الحديث كثيرا.

стр. 766

وهو من أهل التّفنّن فى العلم والذكاء والفطنة والفهم. واستقضى ببلده مدّة طويلة؛ حمدت سيرته فيها. ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة «١»؛ فلم يطل مقاسه بها، ورحل عنها إلى قرطبة فى ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. وأخذ الناس بها عنه بعض ما عنده. وكانت ولادته فى نصف شعبان من سنة ست وعشرين وأربعمائة، وتوفى بمرّاكش مغرّبا عن قرطبة وسط سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وله من التصانيف شرح خبر أم زرع «٢» مجلد. كتاب مشارق الأنوار «٣» كبير. تمام المعلم «٤» فى شرح كتاب مسلم كبير «٥».

стр. 767

٥٢٠ - عبّاس بن ناصح الأندلسىّ النحوى [١] ساكن الجزيرة الخضراء «١». كان من أهل العلم والعربيّة، ومن ذوى الفصاحة فى شعره ولسانه، ويذهب فى شعره مذاهب العرب، وولى قضاء شذونة «٢» والجزيرة ووليها ابنه عبد الوهاب بن عباس، ثم ابنه محمد بن عبد الوهاب. قال عبد الرحمن بن عباس بن ناصح: كان أبى لا يقدم من المشرق قادم إلا كشفه عمّن نجم من الشعراء بعد ابن هرمة «٣»؛ حتى أتاه رجل من التجار، فأعلمه بظهور الحسن بن هانئ وارتحاله من البصرة إلى بغداذ، والمحلّ الذى ناله من الأمين وبنى برمك، وأتاه من شعره بقصيدتين؛ إحداهما قوله «٤»: جريت مع الصّبا طلق الجموح «٥» والثانية «٦»: أما ترى الشّمس حلّت الحملا «٧» فقال: إنّ هذا أشعر الجنّ والإنس؛ لا يحبسنى عنه حابس، وتجهّز نحو المشرق. قال: فلما دخلت بغداذ سألت عن منزل الحسن بن هانئ، فأرشدت إليه، فإذا

стр. 768

قصر عليه حفدة وخدّام وحوله أكثر متأدّبى بغداذ، فسلّمت وجلست حيث انتهى بى المجلس، وأنا فى هيئة السّفر، فلما كاد المجلس ينقضى قال: من الرجل؟ قلت: باغى أدب، قال: أتروى من شعر أبى المخشى «١» الذى قاله عندكم؟ قلت: نعم، قال: أنشدنى، فأنشدته: «كنت الذرى إلى الذرى» «٢» قال: هذا الذى طلبته الشعراء فأضلّته. ثم قال: أنشدنى لأبى الأجرب، «٣» فأنشدته، ثم قال أنشدنى لبكر الكنانىّ فأنشدته، ثم قال: شاعر البلد اليوم عباس بن ناصح؟ قلت: نعم، قال: أنشدنى له، فأنشدته: فأدت القريض ومن ذا فأد فقال لى: عبّاس! قلت: نعم، فنهض إلىّ فتلقيته، فعانقنى وضمّنى إلى نفسه، وانحرف لى عن مجلسه، فقال له من حضر المجلس: من أين عرفته أصلحك الله فى قسم بيت؟ قال: إنى رأيته عند إنشاده لغيره، فرأيته لا يبالى ما حدث من استحسان واستقباح، فلما أنشدنى لنفسه استبنت عليه وجمة، فقلت إنه صاحب

стр. 769

الشعر. قال عباس: ثم أتممت الشعر، فقال: هذا أشعر العرب، ثم نقلنى إلى نفسه فى ضيافته عاما. ثم قدم عبّاس الأندلسى، فتكرر على الحكم بن هشام بالمدح، ثم تعرض للخدمة فاستقضاه على بلده. ٥٢١ - العباس بن الفرج أبو الفضل الرياشىّ [١] مولى محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. من أهل البصرة. سمع الأصمعىّ وأبا معمر المقعد «١» وعمرو بن مرزوق، «٢» وروى عنه أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربىّ وأبو بكر بن أبى الدنيا وأبو بكر محمد بن أبى الأزهر النحوىّ وأبو بكر بن دريد وأبو روق الهزانىّ «٣» وغيرهم.

стр. 770

وكان من أهل الأدب وعلم النحو بمحل عال. وكان يحفظ كتب أبى زيد والأصمعىّ كلها، وقرأ على أبى عثمان المازنىّ كتاب سيبويه. وكان المازنىّ يقول: قرأ علىّ الرياشىّ الكتاب وهو أعلم به منى. وقدم بغداذ، وحدّث بها، وكان ثقة. جاء أبو شراعة» إلى الرّياشىّ فقال له: إن أبا العباس الأعرج قد هجاك، فقال: إن الرياشىّ عباسا تعلّم بى ... حوك القصيد وهذا أعجب العجب يهدى لى الشّعر جبنا من سفاهته ... كالتمر يهدى لذات الليف والكرب «٢» فقال الرياشىّ: هلا ردد ثم عنى، أما سمعتم قول أبى نواس «٣»: لا أعير الدهر سمعى ... أن يعيبوا لى حبيبا لا ولا أحفظ عندى ... للأخلّاء العيوبا فإذا ما كان كون ... قمت بالغيب خطيبا احفظ الإخوان يوما ... يحفظوا منك المغيبا «٤» قال أبو سعيد السيرافىّ: «الرّياشىّ أبو الفضل عبّاس بن الفرج، مولى محمد بن سليمان بن على الهاشمىّ. ورياش رجل من جذام؛ كان أبو العباس عبدا له فبقى عليه نسبه إلى رياش. وكان عالما باللّغة والشعر، كثير الرواية عن الأصمعىّ. وروى أيضا عن غيره، وقد أخذ عنه أبو العباس محمد بن يزيد- يعنى المبرّد- وأبو بكر ابن دريد» «٥». وقال «٦» أبو بكر بن أبى الأزهر- وكان عنده أخبار الرياشىّ- كنا

стр. 771

نراه يجيء إلى [أبى] العباس المبرّد فى قدمة قدمها من البصرة، وقد لقيه أبو العباس ثعلب، وكان يقدّمه ويفضّله. قال أبو سعيد: «ومات الرّياشىّ- فيما حدّثنى به أبو بكر بن دريد- سنة سبع وخمسين ومائتين بالبصرة، قتلته الزّنج «١»». دخلوا عليه المسجد بأسيافهم والرّياشىّ قائم يصلى الضّحا، فضربوه بأسيافهم، وقالوا: هات المال، فجعل يقول: أىّ مال، أىّ مال! حتى مات. فلما خرج الزّنج عن البصرة، ودخلها من فرّ عنها، فمرّ منهم من مرّ ببنى مازن الطحّانين- وهناك كان ينزل الرّياشىّ- فدخلوا مسجده، فإذا به ملقى وهو مستقبل القبلة، كأنما وجّه إليها وإذا شملته تحرّكها الريح قد مزّقت، وإذا جميع خلقه صحيح سوىّ، لم تنشقّ له بطن، ولم يتغير له حال، إلّا أن جلده قد لصق بعظمه ويبس. وذلك بعد مقتله بسنين- يرحمنا الله وإياه. وذكر محمد بن موسى الحمّادى قال: رأيت الرياشىّ فى مسجده هذا، فرأيت رجلا طوالا آدم اللون، عليه قلنسوة، وحين قدم بغداذ نزل على يعقوب بن شيبة، فأقام على ابن السرىّ صاحب الكلبىّ شهرا، حتى كتب عنه ما أراد، ثم رجع إلى البصرة. قال المازنىّ: قرأ الرياشىّ علىّ كتاب سيبويه فما بلغ النصف منه حتى كان أعلم به منى.

стр. 772

قال مروان بن عبد الملك: سمعت العباس بن الفرج الرياشىّ يقول: حفظت كتب أبى زيد ودرستها إلا أنى لم أجالسه مجالستى للأصمعىّ، وأما كتب الأصمعىّ فإنى حفظتها لكثرة ما كانت تتردّد على سمعى لطول مجالستى له. قال: وكنت أقرأ على أبى زيد، ولعلّ حفظى قريب من حفظه. قال: وقال لى يوما: عمن تأخذ؟ قلت له: عن فلان، فاجتمعنا عنده يوما أنا وذلك، فتناظرنا، فقال لى: تقول لى إنك تأخذ عن هذا وأنت أعلم منه!. وقال الخشنىّ: كان المازنىّ فى الإعراب، وأبو حاتم فى الشعر والرواية، وكان الرياشىّ فى الجميع. وكان أهل البصرة إذا اختلفوا فى شىء قالوا ما قال فيه أبو الفضل الرياشىّ، انقيادا لفضله وروايته. وكان من أهل الفضل، لا تخرج البصرة مثل الرياشىّ. وحمل الرياشىّ إلى سرّ من رأى فى أيام المتوكل، لتولّى قضاء البصرة فاستعفى، وقال شعرا مدح به المتوكل، وذكر فيه خلوّ مسجده منه، فأعفاه وأعطاه ووسع له وأعاده. وقرأ عليه الفتح بن خاقان الوزير، وأعطاه مالا جسيما، وعاد إلى البصرة. وقال يحيى: رأيت أبا حاتم يعظم الرّياشىّ تعظيما كثيرا، وأبو حاتم أسنّ منه. وسئل الرّياشىّ فى عقيب ذى الحجة سنة أربع وخمسين ومائتين: كم تعد؟ قال: أظنّ سبعا وسبعين. وكانت قتلته فى شوّال سنة سبع وخمسين ومائتين- ﵀. قال أبو الفتح محمد بن جعفر النحوى: قرأ الرّياشىّ النصف الأوّل من كتاب سيبويه على المازنى. وقال أبو بكر بن دريد: رأيت رجلا من الورّاقين بالبصرة يقرأ كتاب إصلاح المنطق لابن السكّيت، ويقدّم الكوفيين، فقلت للرّياشىّ-

стр. 773

وكان قاعدا فى الوراقين- بما قال، فقال: إنما أخذنا اللغة من حرشة «١» الضّباب وأكلة اليرابيع «٢»، وأخذوا اللغة من أهل السواد، وأكلة الكواميخ «٣» والشواريز. «٤» وله من الكتب: كتاب الخيل. كتاب الإبل. كتاب ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب. قال أحمد بن يحيى ثعلب: كنت أصير إلى الرّياشىّ لأسمع ما كان يرويه، فقال لى يوما: كيف تروى هذا البيت: «بازل عامين»، «أو بازل»، أو [بازل]؟ يعنى قول الشاعر «٥»: ما تنقم الحرب العوان «٦» منّى ... بازل «٧» عامين حديث سنّى لمثل هذا ولدتنى أمّى قال ثعلب: تقول لى هذا فى العربيّة؛ إنما أصير إليك لهذه المقطّعات والخرافات! وقلت له: يروى «بازل عامين»، «وبازل عامين»، [وبازل عامين]، فأمسك. الرفع على الاستئناف، والخفض على الإتباع، والنصب على الحال.

стр. 774

وقال ثعلب أيضا: قدم الرياشى بغداذ فى سنة ثلاثين ومائتين، فأتيته لأكتب عنه، فقال: أسألك عن مسألة؟ فقلت: قل، قال: «نعم الرجل يقوم»؛ قلت: الكسائىّ يضمر «رجلا يقوم» والفرّاء لا يضمر، لأن «نعم» عنده اسم، وعند الكسائىّ فعل، و «يقوم» من صلة الرجل، وسيبويه يقول: إنه ترجمة. قال: صدقت، قلت: فتقول: «يقوم نعم الرجل»؟ قال: نعم، قلت: هذا مخالف لقول صاحبك «١»، والكسائىّ والفراء يجيزانه؛ لأن الترجمة إذا تقدّمت فسد «٢» الكلام؛ لأنه إنما أتى بها فى آخره، ليظهر معنى الكلام؛ فاقصد لما أتيت له. ثم قال: إنى أسألك عن مسألة سألنا عنها الأخفش: لم قالت العرب: «نعم الرجلان أخواك»، فثنّوا «الرجل» وهو جنس من الرجال على «أخواك»؟ والمعبّر «٣» عن الجنس لا يثنّى ولا يجمع؟ فقلت له: لمّا صرف الفعل إلى الرجل جرى مجرى الفاعل، فثنّى وجمع لذلك. فقال: هكذا قال الأخفش. قلت له: وجالست الأخفش؟ قال: نعم، وأنا أرى أنّى أعلم منه. فما أعجبتنى هذه الكلمة من الرّياشىّ؛ لأنى وجدته أفرط فيها. فجاريته الأخبار والأشعار وأيام الناس، ففجّرت به ثبج بحر. وجرت مناظرة فى مجلس فيه الأخفش سعيد والعبّاس بن الفرج الرّياشىّ، فقال الأخفش: إن «منذ» إذا رفعت بها كان اسما مبتدأ وما بعده خبره، وإذا جررت بها كان حرفا جاء لمعنى. فقال له الرياشى: فلم لا تكون فى حال ما يرفع ويجر جميعا اسما؛ كما تقول: «ضارب زيدا، [وضارب زيد]»، فقد رأينا الاسم ينصب الاسم ويجره. فلم يأت الأخفش بمقنع. فلما سمع المازنىّ هذا الكلام [قال:]

стр. 775

أقول أنا: إنه لا يشبه الأسماء، وذلك لأنى لم أر الأسماء على هذه الهيئة، فقد رأينا الأسماء المبتدأة تزول عمّا هى عليه، ولا تلزم موضعا واحدا، لا يغيّر عن مكانه الذى هو فيه؛ وإنما هو الحرف الذى جاء لمعنى؛ فهو حرف جاء لمعنى؛ مثل: أين، وكيف ألزم شيئا واحدا. قال أبو يعلى بن أبى زرعة: فقلت لأبى عثمان: حرف جاء لمعنى، هل رأيته قط يعمل عملين: جرّا ورفعا؟ فقال: قد رأيته يعمل عملين؛ ينصب ويجر؛ مثل قولك: «أتانى القوم خلا زيد، وخلا زيدا». قال أبو عثمان: أقول العوامل [و] هى الأفعال؛ إنما ترفع الشىء الواحد؛ ولم أرها رفعت شيئين إلا بحرف عطف؛ مثل: «قام زيد وعمرو»؛ ولا يجوز أن ترفع بالابتداء المبتدأ وخبره. قلنا له: فإنّ الصّفة هى مرتفعة أيضا إذا قلت: «قام زيد العاقل»، فقد رفعت شيئا بغير حرف عطف، فقال: الموصوف قد اشتمل على الصفة. قال أبو عثمان: ألا [ترى] أنك لو حملت كوزا فيه ماء كنت قد حملت الماء؟ وأهل بغداذ يقولون: «إن زيدا منطلق» إنّ ناصب «زيد» «إنّ» و «منطلق» لم تعمل فيه «إن»، والحجة عليهم فى ذلك أن تقول: «إن زيدا لمنطلق»، وهذه اللام لا تدخل إلا على ما تعمل فيه «إن». قال أبو عثمان المازنىّ: سألنى الرياشىّ: «الله». ما أنكرت أن تكون «الإله» فخفف فقيل: «أللاه»، ثم أدغمت اللام فى اللام الساكنة؛ كما أجزت فى «الناس» أن يكون تخفيفا من «الأناس»، ثم أدغمت؟ فقلت له: من قبل أن «الناس» على معنى «الأناس»، وكذلك كل شىء خففت من الهمزة فهو على معناه مخففا، وأنت إذا قلت «اللاه»، فليس يعلم الله ، فلو كان «الله» هو «الإله» مخففا لبقى على معناه، فلما جاء «الله» على غير معنى «إلاه» علمنا أن هذا ليس مخففا.
следующие страницы →