كان بربض سليمان بن مجالد عند دار بنى الحلّاج الأطباء. وكان سليمان رجلا من أهل بلخ [١]. ويقال: إن ابن الأعرابى ادّعى فى بنى أسد. وروى فى خبر من أخبار ابن الأعرابى أنه من موالى بنى شيبان».
وقال الجاحظ: كان محمد بن زياد مولى للعباس بن محمد، ولم يكن عربيا.
وكان أحول، وكنيته أبو عبد الله، وكان مؤدّبا، وكان ناسبا عالما بالشعر واللغة نحويا، كثير السماع من المفضل الضبىّ، راوية لأشعار القبائل.
وروى أن ابن الأعرابى كان أحول أعرج، وحضر أعرابى يوما مجلسه، وذمّ أخويه وقال: كان أخواى لا يوسعان لى فى الفناء ولا فى الإناء. فقال له الأعرابى: هما أعلم بك، فقال: الأعرابى يعرض بابن الأعرابى.
قال أحمد بن يحيى ثعلب النحوىّ: سمعت أبا عبد الله بن الأعرابى فى سنة خمس وعشرين ومائتين يقول: ولدت ليلة توفى أبو حنيفة الفقيه لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة خمسين ومائة.
ومات ابن الأعرابى لأربع عشرة خلت من شعبان سنة إحدى وثمانين ومائتين. وكان عمره إحدى وثمانين سنة وثلاثة أشهر وثلاثة أيام.
وكان ابن الأعرابى يطعن على الأصمعىّ، وسببه أن الأصمعىّ دخل يوما على سعيد بن سلم وابن الأعرابى يؤدّب حينئذ ولده، فقال لبعضهم: أنشد أبا سعيد، فأنشد الغلام لرجل من بنى كلاب شعرا رواه ابن الأعرابىّ وهو [٢]:
رأت نضو أسفار أميمة قاعدا ... على نضو أسفار فجنّ جنونها [٣]
стр. 947
فقالت: من اىّ الناس أنت ومن تكن ... فإنك راعى صرمة لا تزينها [١]
فقلت لها: ليس الشحوب على الفتى ... بعار ولا خير الرجال سمينها
عليك براعى ثلّة مسلحبّة ... يروح عليه محضها وحقينها [٢]
سمين الضواحى لم تؤرقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم وعونها
ورفع «ليلة» فقال له الأصمعىّ: من روّاك هذا؟ فقال: مؤدّبى، فأحضره واستنشده البيت فأنشده، ورفع «ليلة»، فأخذ ذلك عليه، وفسّر البيت فقال:
إنما أراد «لم يؤرقه ليلة أبكار الهموم». و «عونها»: جمع عوان. و «أنعم» أى زاد على هذه الصفة. وقوله: «سمين الضّواحى» يريد ما ظهر منه وبدا سمين. ثم قال لابن سلم: من لم يحسن هذا المقدار فليس موضعا لتأديب ولدك، فنحّاه [٣].
ودخل ابن الأعرابى على الواثق [٤] بالله؛ قال: وقرأ علىّ الفتح بن خاقان [٥] شعر طرفة [٦]، فقال:
стр. 948
تذكرون إذ نقاتلكم ... إذ لا يضرّ معدما عدمه [١]
قال: فقلت له: زد فيها ألفا «أتذكرون». قال: فقال لى الحسين بن الضحاك [٢]- وهو نديم الواثق. وكان معه محمد بن عمر الرومى- قد خزم [٣] مرة بقوله:
«إذ» ويخزم بألف أخرى فى أوّله؟ قال: فقلت له: العرب تخزم أوّل الشعر إذا احتاجت إلى أن تصله بما قبله، خزمته بالحرف والحرفين، وقد خزمه طرفة فى أوّله وأوسطه؛ الألف الأولى والثانية.
قال: وأنشدته قول امرىء القيس [٤]:
فلعمرك ما سعد بخلّة آثم ... ولا نأنأ يوم الحفاظ ولا حصر [٥]
فخزم بالفاء. وأنشدته قول قدّ بن مالك الوالبىّ [٦]:
تعالوا نجمع الأموال حتى ... نجحدل من قبيلتنا المئينا [٧]
[وإلا [٨]] فتعالوا نجتلد بمهنّدات ... نشقّ بها الحواجب والشئونا [٩]
стр. 949
فخرم بقوله: «وإلا» ولم يقل: «تعالوا نجتلد» وخزم بالفاء التى فى «فتعالوا»؛ فخزم مرتين.
وأنشدته لبعض بنى تميم:
إذا أنت لم تستقبل الأمر لم تجد ... لك الدهر فى أدباره متعلّقا
وإذا أنت لم تترك أخاك وزلّة ... إذا زلّها أو شكتما أن تفرّقا
فخزم بالواو.
وقال: وقرأ قصيدة عنترة [١]:
نهد تعاوره الكماة مكلّم
[٢]- وكان روّاه أبو مسلم المغرب [٣]-. فقال أبو عبد الله: «نقذ [٤] تعاوره الكماة» قال أبو مسلم: ما سمعت بهذا إلا هكذا. قال أبو عبد الله بن الأعرابى: يروى هذا وهذا جميعا؛ و «نقذ» أجود القولين وأشعر.
وأنشدته فى ذلك قول عمرو بن كلثوم [٥]:
وتحملنا غداة الرّوع جرد ... عرفن لنا نقائذ وافتلينا [٦]
стр. 950
يقول: استنقذناهنّ من أعدائنا فصارت لنا؛ فهى نقائذ؛ وذلك أعزّ لهم أن يكونوا غالبين أبدا؛ إنما هم على خيول غنموها من آخرين ونتجت عندهم.
قال: ثم قرأ قصيدة عمرو بن كلثوم: «ألا هبى»، قال: وكان قد علّمه:
فصالوا صولة فيما يليهم ... وصلنا صولنا فيما يلينا
قال ابن الأعرابى: فرددت «صولة» وقلت: «فصالوا صولهم»؛ ألا ترى قوله: «وصلنا صولنا». قال ابن الأعرابى: فأعجب ذلك أمير المؤمنين.
وقال الجماعة: هو أعلم بهذا منا يا أمير المؤمنين. فجزّانى أمير المؤمنين خيرا، وأمر لى بعشرة آلاف درهم [١].
стр. 951
(حرف السين فى آباء المحمدين)
٦٤٦ - محمد بن سعيد بن أبى عتبة أبو عبد الله القشيرىّ النحوىّ الأندلسىّ «١»
من أهل قرطبة. من أهل العلم بصنوف من العلم مختلفة غامضة؛ كثير الكتب، كتب بخطه الكثير، ولم يجاره أحد فى صحة ضبطه وحسن نقله، وأفاد علم الأدب وغيره، وتصدر لذلك. وتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة فى ربيع الأوّل يوم الأحد بعد صلاة العصر. ودفن فى مقبرة منية المغيرة. وفى هذا العام توفى أبو بكر الزّبيدىّ بحاضرة إشبيليّة؛ ذكر ذلك ابن الفرضىّ [١].
стр. 952
٦٤٧ - محمد بن سعد بن محمد بن محمد الديباجىّ أبو الفتح «١»
من أهل مرو. نحوىّ كاتب، له معرفة جيدة بالنحو، وله فيه تصنيف.
وشرح المفصّل فى النحو؛ تصنيف محمود بن عمر الزمخشرىّ. وسماه:
المحصّل فى شرح المفصل، وغير ذلك [١].
وهو مشهور عند أهل بلده بالفضل والمعرفة. وأقرأ الأدب ببلده، وحدّث هناك، وأفاد الأدباء. وقال لى ياقوت مولى عسكر الحموىّ: لما دخلت مرو، حضرت الجامع فرأيت به خزانة كتب، وقفا يعرف بوقف الفقّاعىّ، وفيها كتب جميلة، خازنها ختن هذا الرجل، فذاكرته بتصنيفه فقال: قد كان صنّف شرحا للمفصل، فطلبته منه فقال لى: لم يأت فيه بغريب، ولم يتكلم على عبارة المصنف، وإنما أتى بنفس النحو. قال: فسألته أن يرينى منه، فأرانى كراسة
стр. 953
بخط المصنّف من مسوّداته، وأحضرها إلى حلب فى صحبته فرأيتها، فكان الأمر كما قال.
مولده فى محرم سنة سبع عشرة وخمسمائة فى ثالثه. وتوفى بمرو فى يوم الأحد ثامن عشر صفر سنة تسع وستمائة، وعمره اثنتان وتسعون سنة وشهر ونصف شهر.
٦٤٨ - محمد بن سعدان أبو جعفر الضرير النحوىّ «١»
كان أحد القرّاء، وله كتاب مصنف فى النحو، وكتاب كبير فى القراءات.
روى عنه محمد بن سعد كاتب الواقدىّ [١]، وعبد الله بن أحمد بن حنبل [٢] وغيرهما.
وكان ثقة، ذكره أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المنادى [٣] فى تسمية قراء أهل مدينة السلام. قال: «وكان أبو جعفر محمد بن سعدان النحوىّ الضرير يقرأ بقراءة حمزة [٤]، ثم اختار لنفسه ففسد عليه الأصل والفرع؛ إلا أنه كان نحويا. مات فى سنة إحدى وثلاثين ومائتين فى يوم عرفة. وكان بغداذىّ المولد كوفىّ المذهب».
ومن تصنيفه كتاب القراءات. كتاب مختصر النحو. كتاب الحدود، على مثل حدود الفرّاء، لا يرغب الناس فيها.
стр. 954
٦٤٩ - محمد بن سليمان ابو موسى الحامض النحوىّ البغداذىّ «١»
صاحب أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب. كان بارعا فى اللغة والنحو على مذهب الكوفيين، وكان فى اللغة أبرع، وكان ضيّق العطن سيّئ الخلق. وتوفى سنة خمس وثلاثمائة. ودفن بمقبرة باب التبن ببغداذ، وأوصى بدفاتره لابن فاتك المعتضدى ضنّا بها أن تصير إلى أحد.
وذكر أن أبا إسحاق الزجاج دخل على أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب يعوده فى مرض له، فوجد عنده أبا موسى الحامض؛ فقال ثعلب للزجاج: قد بلغنى أن صاحبكم الخلدىّ [١]- يعنى المبرد- قد أملى كتابا فى النحو- يعنى المقتضب- وما أرى لسانه يطوع به. فقال له الزجاج: ما يشك أحد فى سعة علم أبى العباس المبرّد فى هذا النوع، ولا ينكر فصاحة لسانه وجميل بيانه. فقال أبو موسى الحامض:
فصاحبكم الأكبر- يعنى سيبويه- كان أغلف اللسان عييّا عن البيان؛ ذكر لى من أثق بقوله أنه سمعه بالبصرة يقول لجارية له: هاتى ذيك الماء من ذاك الحبّ [٢]، فآزر ثعلب قوله، وقال: قد رأيت فى كتابه مثل هذا- وذكر موضعا من كتابه يناسب ما حكاه الحامض أو يقاربه- واغتاظ أبو إسحاق الزجاج وقال:
أمّا نحن فلا نذكر حدود الفراء لأن خطأه فيها أكثر من أن يعد، ولكن استعملت الفصيح للمبتدىء، وهو عشرون ورقة، وقد أخطأت فى عشرة مواضع منه، وذكرها له ثم خرج من عنده. واشتهر ما دار بينهم فى مجالس أهل الطلب
стр. 955
فما قرىء الفصيح بعد ذلك على ثعلب [١]. ثم كثر القول فى الألفاظ التى ردها أبو إسحاق الزجاج، ولهجت بها الألسن إلى أن سئم ثعلب الفصيح وأنكر أن يكون له.
٦٥٠ - محمد بن سالم الأطرابلسىّ الإفريقىّ النحوىّ المعروف بالعقعق «١»
من أهل أطرابلس. كان صاحب نحو ولغة وترسل وبلاغة وعلم بالجدل ونظر فيه، وكان معتزليا.
٦٥١ - محمد بن سنديلة النحوىّ الأصبهانى «٢»
يعرف بممشاذ. ذكره أبو نعيم الحافظ، وقال: «صاحب غريب، وسماه النحوىّ وقال: من أهل جرواءان [٢]. حدّث عن محمد بن بكير [٣] وسهل والشّاذكونى [٤] ومحمد بن الفضل بن شاذكويه النحوىّ الأصبهانى أبو مسلم. ذكره أبو نعيم الحافظ وسماه النحوىّ. روى عن سليمان بن أحمد [٥] عنه».
стр. 956
٦٥٢ - محمد بن سلّام بن عبيد الله بن سالم أبو عبد الله البصرىّ الجمحىّ «١»
مولى قدامة بن مظعون الجمحىّ، وهو أخو عبد الرحمن بن سلام [١]. كان من أهل اللغة والأدب، [روى عن] الجمّ الغفير [٢]. وله كتاب فى طبقات الشعراء [٣] مروىّ [٤]. روى عنه مشايخ الأدب أبو العباس ثعلب وغيره [٥]. وكان صدوقا يختلف إليه يحيى بن معين ليستفيد منه.
стр. 957
قال الحسين بن فهم [١]: قدم علينا محمد بن سلّام سنة اثنتين وعشرين ومائتين، فاعتلّ علة شديدة فما تخلّف عنه أحد، وأهدى إليه الأجلّاء أطباءهم. وكان ابن ماسويه ممن أهدى إليه؛ فلما جسّه ونظر إليه قال له: ما أرى العلة كما أرى من الجزع، فقال له: والله ماذا بحرص على الدنيا مع اثنتين وثمانين سنة؛ ولكن الإنسان فى غفلة حتى يوقظ بعلّة، ولو وقفت بعرفات وقفة، وزرت قبر رسول الله ﷺ زورة؛ وقضيت أشياء فى نفسى لرأيت ما اشتدّ علىّ من هذا قد سهل. فقال له ابن ماسويه: لا تجزع فقد رأيت فى عرقك من الحرارة الغزيرة وقوتها ما إن سلّمك الله من العوارض بلّغك عشر سنين أخرى.
قال الحسين بن فهم: فوافق كلامه قدرا. فعاش محمد عشر سنين بعد ذلك ومات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
قال الفضل بن الحباب أبو خليفة القاضى: ابيضّت لحية محمد بن سلّام ورأسه وله سبع وعشرون سنة. قال: وسمعته يقول: أفنيت ثلاثة أهلين؛ تزوّجت وأطفلت فماتوا، ثم فعلت مثل ذلك فماتوا، ثم فعلت الثالثة فماتوا؛ وهأنا فى الرابعة ولى أولاد. وكان أبو خليفة إذا حدّث بهذا الحديث أنشد بعقبه شعرا للنابغة الجعدىّ [٢]:
стр. 958
ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا
والمستآس: المستعان.
وقال محمد بن قانع: مات محمد بن سلّام ببغداذ سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
وذكر الزّبيدىّ أنه مات بالبصرة فى التاريخ.
٦٥٣ - محمد بن السرىّ أبو بكر النحوىّ المعروف بابن السراج النحوىّ «١»
كان أحد العلماء المذكورين بالأدب وعلم العربية. صحب أبا العباس المبرّد وأخذ عنه العلم، روى عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزّجاجى وأبو سعيد السّيرافى وعلى بن عيسى الرمانىّ النحوىّ. وكان ثقة.
قال على بن عيسى بن على النحوىّ: كان أبو بكر بن السّراج يقرأ عليه كتاب الأصول الذى صنّفه، فمرّ فيه باب استحسنه بعض الحاضرين، فقال: هذا والله أحسن من كتاب المقتضب، فأنكر عليه أبو بكر ذلك وقال: لا تقل هذا.
وتمثل ببيت- وكان كثيرا ما يتمثل فيما يجرى له من الأمور بأبيات حسنة- فأنشد حينئذ:
стр. 959
ولكن بكت قبلى فهاج لى البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدّم [١]
وقال: وحضر فى يوم من الأيام بنىّ له صغير، فأظهر من الميل إليه والمحبّة له ما يكثر من ذلك، فقال له بعض الحاضرين: أتحبّه أيها الشيخ؟ فقال متمثلا:
أحبّه حبّ الشحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثم ناله
قال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النحوىّ: إن أبا بكر محمد بن السرىّ السرّاج مات فى يوم الأحد لثلاث بقين من ذى الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة.
وله كتب فى النحو مفيدة، منها كتابه فى أصول النحو، وهو غاية فى الشّرف والفائدة، ومختصره فى أصول العربية، وجمع مقاييسها.
وكان ابن السرّاج أديبا شاعرا عالما. وكان يحبّ أم ولده. وكانت فى القيان، فأنفق عليها ماله. وتهيأ أن قدم المكتفى من الرّقة فى الوقت الذى ولى فيه الخلافة.
قال الأوارجىّ الكاتب: فجلست أنا وابن السراج وأبو القاسم عبد الله بن حمدان الموصلىّ الفقيه فى روشن [٢]، فلما وافى [المكتفى به [٣]] الماء استحسناه.
стр. 960
وكانت هذه الجارية قد جفته، فقال: قد حضرنى شىء فاكتبه، فكتبته وهو قوله:
قايست بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة والخيانة لا تفى
[حلفت لنا ألّا تخون عهودنا ... فكأنما حلفت لنا ألّا تفى [١]]
والله لا كلّمتها ولو انها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفى [٢]
قال: ومرّ لهذا زمن طويل. وكان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن زنجى [٣] الكاتب يهوى قينة، فكان يدعوها كلّ جمعة. وكان لا يحتشم أن يحدّث أبا العباس أحمد بن محمد بن الفرات بحديثه معها، فحدّثنى زنجى أنه غدا يوم سبت إليه، فقال له أبو العباس: ما كان خبرك مع صاحبتك أمس؟ قال: فحدّثته باجتماعنا. قال:
فما كان صوتك عليها؛ فقلت: كان:
قايست بين جمالها وفعالها
وأنشدته بيتى ابن السرّاج. فقال: هما لمن؟ فقلت لعبد الله بن المعتز. وركب إلى القاسم بن عبيد الله وأنشده البيتين، وصار معه إلى بعض الطريق فانصرف إلى ديوانه، فلما علم أنه قد قرب انصرافه خرج فتلقاه، فحدّثه أنه أنشد المكتفى البيتين، وأنه سأله عن قائلهما فقال: هما لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر. قال:
فأمرنى المكتفى أن أحمل إليه ألف دينار. قال: فقلت: إنما أنشدتك هذا على أنه لعبد الله بن المعتز، فصرفته إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر. فقال: والله ما ظننت إلا ما ذكرته لك، وهذا رزق قد رزقه الله إياه وأنفذه إليه.
стр. 961
قال زنجىّ: فلما انصرف أبو العباس حدّثنى بالحديث وقال: خذ هذه الألف دينار وسربها إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقل: هذا رزق رزقك إياه من حيث لم تحتسب. فأوصلته إليه، فشكر الله ، وشكر أبا العباس.
فقلت أنا لزنجىّ: ما رأيت أعجب من هذا! يعمل هذا الشعر محمد بن السراج النحوىّ؛ ويكون سببا لرزق عبيد الله بن عبد الله بن طاهر! فعجب من ذلك؛ وهو مما يعجب منه فى أسباب الرزق.
قال: وأنشدنى ابن السراج لنفسه لما حضر ابن يانس [١] المغنى- وكان من أحسن الناس وجها، وكان قد علق به وهويه-:
يا قمرا جدّر لما استوى ... فزادنى حزنا وزادت همومى
أظنه غنّى لشمس الضحى ... فنقّطته طربا بالنّجوم
قال أبو محمد بن درستويه: كان ابن السراج من أحدث غلمان المبرّد سنا مع ذكائه وفطنته، وكان المبرّد يميل إليه ويقرّبه وينشرح له، ويجتمع معه فى الخلوات والدعوات ويأنس به. قال: ورأيت ابن السراج يوما وقد حضر عند الزجاج مسلّما عليه بعد موت المبرد، فسأل رجل الزجّاج عن مسألة، فقال لابن السراج:
أجبه يا أبا بكر، فأجابه فأخطأ، فانتهره الزجّاج وقال: والله لو كنت فى منزلى لضربتك؛ ولكن المجلس لا يحمل هذا، وقد كنا نشبّهك فى الذكاء والفطنة بالحسن ابن رجاء، وأنت تخطئ فى مثل هذا! فقال: قد ضربتنى يا أبا إسحاق وأدّبتنى وأنا تارك مادرست مذ قرأت الكتاب- يعنى كتاب سيبويه،- لأنى شغلت
стр. 962
عنه بالمنطق والموسيقى، وأنا أعاود، فعاود وصنف ما صنف. وانتهت إليه الرياسة بعد موت الزجاج.
وله من التصنيف: كتاب الأصول الكبير. كتاب مجمل الأصول.
كتاب الموجز صغير. كتاب الاشتقاق. كتاب شرح سيبويه.
كتاب احتجاج القرّاء. كتاب الشعر والشعراء. كتاب الرياح والهواء والنار. كتاب الجمل. كتاب المواصلات فى الأخبار والمذاكرات.
قال أبو الحسن علىّ بن عيسى الرمانىّ- ﵀ جرى بحضرة ابن السّرّاج ذكر كتابه فى الأصول النحوية الذى صنفه فقال قائل: هو أحسن من كتاب المقتضب للمبرّد، فقال أبو بكر بن السراج له: لا تقل هذا؛ فإنما استفدنا ما استفدناه من صاحب المقتضب، وأنشد:
ولكن بكت قبلى فهيّج لى البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدّم
قال أبو عبد الله المرزبانى: «صنف- يعنى ابن السراج- كتابا فى النحو سماه الأصول انتزعه من أبواب كتاب سيبويه، وجعل أصنافه بالتقاسيم على لفظ المنطقيين، فأعجب بهذا اللفظ الفاسفيون. وإنما أدخل فيه لفظ التقاسيم؛ فأما المعنى فهو كله من كتاب سيبويه على ما قسمه ورتّبه؛ إلا أنه عوّل فيه على مسائل الأخفش [١] ومذاهب الكوفيين، وخالف أصول البصريين فى أبواب كثيرة لتركه النظر فى النحو وإقباله على الموسيقى. وصنّف على ما بلغنى كتبا غير ذلك. ولم تطل مدّته؛ ولكن اعتبط. وكان الأخفش [٢] يغتابه وينشد أهاجيه على رسم الأخفش فى العبث».
стр. 963
٦٥٤ - محمد بن سدوس أبو عبد الله النحوىّ الكاتب الصّقلىّ «١»
برع فى النحو على أهل زمانه، وكان النظم والنثر طوع عنانه؛ فمن شعره قوله يعاتب أبا الحسن الكاتب الصّقلىّ من أبيات يقول فيها:
وكنت ترانى الرئيس الجليل ... وكنت أراك الرئيس الجليلا
إلى أن قصدت هضاب الإخاء ... فصيرتهنّ كثيبا مهيلا
تشيع علىّ الذى لم أقله ... وتسمعه الخلق جيلا فجيلا
وهبنى قد قلته مخطئا ... أما فى المروءة ألّا تقولا!
وله يهجو بعض كتاب القاضى أبى الفضل بصقلّية:
قل لمن يقضى ويمضى ... ويرى الرأى الجزيلا
أنت كالمسك ولكن ... جئت بالحسن عديلا
لو كما يجهل يدرى ... كان لله رسولا
وله:
تطاول هذا الليل حتى كأنّما ... هو الدهر لا صبح ينير ولا فجر
وضنّ علىّ الطيف بالوصل فى الكرى ... فيا عجبا حتى الخيال له هجر!
وله:
يقولون طال الليل جهلا ولم يطل ... ولكنّ أشواقى إليك تطول
ولى أدمع كالقطر تبكيك كثرة ... ونوم إذا نام الخلىّ قليل [١]
стр. 964
(حرف الشين فى آباء المحمدين)
٦٥٥ - محمد بن شقير أبو بكر النحوىّ «١»
....
стр. 965
(حرف الصاد فى آباء المحمدين)
٦٥٦ - محمد بن صدقة المرادىّ النحوىّ الأطرابلسىّ الإفريقىّ «١»
كان عالما باللغة شاعرا، متقعّرا فى كلامه متشدّقا. دخل يوما على أبى الأغلب بن أبى العباس بن إبراهيم بن الأغلب، وهو أمير طرابلس؛ فتكلم وأغرب وتجاوز المقدار، فقال له أبو الأغلب: أكان أبوك يتكلّم بمثل هذا الكلام! فقال: نعم، أعز الله الأمير، وأمّيه! يريد: وأمى أيضا تتكلم بمثل ذلك. فقال الأمير: ما ينكر أن الله يخرج بغيضا من بغيضين!
стр. 966
(حرف الطاء فى آباء المحمدين)
٦٥٧ - محمد بن طيفور السجاوندىّ الغزنوىّ المفسر النحوىّ اللغوىّ «١»
قريب العهد منا، كان فى وسط المائة السادسة للهجرة النبوية. صنّف كتابا فى تفسير القرآن العزيز سماه عين التفسير، ذكر فيه النحو وعلل القراءات والأبيات ومعانيها واللغة إلى غير ذلك من معانى التفسير فى مجلدات، أعدادها قليلة وفوائدها كثيرة جليلة، واختصر ولده هذا التفسير، وسماه إنسان العين.
ولمحمد بن طيفور هذا شعر كشعر النحاة؛ منه:
أزال الله عنكم كلّ آفه ... وسدّ عليكم سبل المخافه
ولا زالت نوائبكم لديكم ... كنون الجمع فى حال الإضافه
٦٥٨ - محمد بن طاهر بن على بن عيسى أبو عبد الله الأنصارىّ الأندلسىّ الدانىّ النحوى «٢»
قدم دمشق سنة أربع وخمسمائة، وأقام بها مدّة. وكان يقرىء النحو، وكان شديد الوسواس فى الوضوء؛ وكان لا يستعمل من ماء نهر ثورة ما يخرج من تحت الرّبوة، لأجل السقاية التى بالربوة.
وخرج عن دمشق إلى بغداذ، وأقام بها إلى أن مات. وقيل إنه كان يقيم أياما لا يصلى؛ لأنه لم يكن يتهيأ له الوضوء على الوجه الذى يريده.
توفى ببغداذ فى سنة تسع عشرة وخمسمائة.
стр. 967
٦٥٩ - محمد بن طوسىّ القصرىّ النحوىّ «١»
صاحب أبى على الفارسىّ. صحب أبا على وأخذ عنه وأكثر، وسأله المسائل المعروفة بالقصرية، وهى أكثر مسائل أبى على؛ مع اختصار ألفاظها. وقد قيل إنها من مسائل التذكرة لأبى على.
كتبت من خط أبى الخير سلامة بن غياض النحوىّ ما مثاله: كان على ظهر الجزء الأوّل من التذكرة: قال أبو الحسن أحمد بن رضوان: هذه النسخة كتبتها من خط منصور بن محمد الأشروسنىّ [١]؛ فكان فى آخر الجزء الأوّل منها هذا الذى ذكرته: كان الشيخ أبو على سمّى هذا الكتاب روزنامه بالفارسىّ. وقال: كان محمد بن طوسىّ المعروف بالقصرىّ نسخ إلى آخر الكراسة السابعة من هذه الكراريس فنسخت وشاعت تسميته، وجعل كل عشر كراريس من هذا الكتاب جزءا منه. وبلغ الكل إلى آخر سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، مائة وخمسا وعشرين كراسة. وابتدأ فى السادسة فى سنة ست وسبعين. وهذه الأجزاء التى سماها القصريات هذا الجزء أوّلها والسابع آخرها. وقد كان القصرىّ قرأها على الشيخ أبى على واستفسر فيها مواضع، وترك مواضع، فهى على خلاف هذا الترتيب فى أيدى الناس.
стр. 968
(حرف العين فى آباء المحمدين)
٦٦٠ - محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن شاذان الأعرج الأديب الأصبهانىّ «١»
حافظ النحو واللغة. وروى الحديث واستفاد الناس منه، وأخذوا عنه مدة طويلة. وكان مولده فى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. ومات فى ليلة الاثنين الثانى من جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وصلى عليه أبو الطيب الإمام.
٦٦١ - محمد بن عبد الله بن محمد بن موسى الكرمانىّ أبو عبد الله اللغوىّ «٢»
كان عالما باللغة متقنا لها، محققا للنحو، خلط المذهبين. مليح الخط صحيح النقل يرغب الناس فى خطه، وكان يورّق. رأيت بخطه كتاب المعارف لابن قتيبة وملكته، وهو فى غاية الحسن والصحة.
وصنّف- ﵀ كتبا حسانا مفيدة، منها: كتاب ما أغفله الخليل فى كتاب العين [١]، وما ذكر أنه مهمل وهو يستعمل وضدّه. كتاب الجامع فى اللغة؛ كتاب فى النحو، لم يتمه [٢].
٦٦٢ - محمد بن عبد الله الحطابىّ أبو بكر النيسابورىّ «٣»
ذكره الباخرزىّ فى كتابه وسجع له فقال: «حق للأدب أن يعرّف به، وينسب إليه؛ لأن الحطابىّ هو الحاطب فى حبله، والرائش لنبله، والمستمطر لوبله. وكان
стр. 969
فى عصره المدرّس بنيسابور، وتشهد بفضله المحاضر، وتنزف بفوائده المحابر، ولم يكن عند الفضلاء ما عنده من علم حماسة ابى تمام، فكان- ﵁ يفتح منها الغلق، ويسيغ الشّرق. ولم يبلغنى من شعره إلا ما أفادنيه الأديب يعقوب بن أحمد، قال: أنشدنى الأديب الحطابىّ لنفسه:
لنا صاحب مولع بالمراء ... كثير الزيارة للأصدقاء
تشبه خفته بالأباء [١] ... وتأباه نفسى كلّ الإباء
يزور فيزورّ عنه الصديق ... ويؤذى المزور بزور الثناء
له خلق خلق الخائنين ... وطبع به طبع الأغبياء
ونفس تسفّ لأدنى الأمور ... وأدنى المراتب للأدنياء
وكلّفه لى أخ زورتى ... وذاك يعاض بسوء القضاء
فقال سألقاه حتى يملّ ... فقلت لقد ملّ قبل اللقاء
٦٦٣ - محمد بن عبد الله أبو عبد الله النحوىّ الكوفىّ المعروف بابن قادم «١»
وقيل اسمه أحمد، وجدّه قادم. نحوى كوفىّ، وهو أستاذ ثعلب، قال أبو جعفر أحمد بن إسحاق البهلول القاضى الأنبارىّ [٢]: دخلت أنا وأخى البهلول [٣] مدينة السلام
стр. 970
سنة خمس وخمسين ومائتين، فدرنا على الحلق يوم الجمعة، فوقفنا على حلقة فيها رجل يتلهّب ذكاء، ويجيب عن كلّ ما يسأل عنه من مسائل القرآن والنحو والغريب وأبيات المعانى، فقلنا: من هذا؟ فقالوا: أحمد بن يحيى ثعلب؛ فبينا نحن كذلك إذ ورد شيخ يتوكّأ على عصا، فقال لأهل الحلقة: أفرجوا للشيخ، فأفرجوا له حتى جلس إلى جانبه، ثم سأله عن مسألة فقال: قال أبو جعفر الرؤاسىّ: فيها كذا، وقال الكسائىّ: فيها كذا، وقال هشام: فيها كذا، وقلت أنا: كذا. فقال له الشيخ: إن [١] ترانى أعتقد فى هذه المسألة إلا جوابك، فالحمد لله الذى بلّغنى هذه المنزلة فيك. فقلنا: من هذا؟ فقالوا:
محمد [٢] بن قادم.
وكان مع إسحاق بن إبراهيم المصعبىّ؛ قال ثعلب: وكان ابن قادم يشبه الناس فى خلقه وعلمه. قال: وجّه إلىّ إسحاق يوما فأحضرنى فلم أدر ما السبب، فلما قربت من مجلسه تلقّانى ميمون بن إبراهيم كاتبه على الرسائل وهو على غاية الهلع والجزع، فقال لى بصوت خفىّ: إنه إسحاق، ومرّ غير متلبّث ولا متوقف حتى رجع إلى مجلس إسحاق، فراعنى ذلك، فلما مثلت بين يديه قال لى:
كيف يقال: «وهذا المال مالا» أو «هذا المال مال»؟ فعلمت ما أراد ميمون، فقلت له: الوجه «[وهذا [٣]] المال مال»، ويجوز «وهذا المال مالا»، فأقبل إسحاق على ميمون بغلظة وفظاظة، ثم قال: الزم الوجه فى كتبك، ودعنا من يجوز ويجوز.
ورمى بكتاب كان فى يده، فسألت عن الخبر فإذا ميمون قد كتب إلى المأمون وهو
стр. 971
ببلاد الروم عن إسحاق، وذكر مالا حمّله إليه، فكتب: «وهذا المال مالا»، فخط المأمون على الموضع من الكتاب، ووقع بخطه فى حاشيته: تخاطبنى [١] بلحن! فقامت القيامة على إسحاق. فكان ميمون بعد ذلك يقول: ما أدرى كيف أشكر ابن قادم، أبقى علىّ روحى ونعمتى. قال ثعلب: فكان هذا مقدار العلم، وعلى حسب ذلك كانت الرغبة فى طلبه والحذر من الزلل. قال: وهذا [المال [٢]] مالا ليس بشىء، ولكن أحسن ابن قادم فى التأتّى لخلاص ميمون.
وكان ابن قادم يعلّم المعتز [٣] قبل الخلافة، فلما ولى الخلافة بعث إليه، فجاء الرسول وهو فى منزله شيخ كبير، فقيل له: رسول أمير المؤمنين، فقال: ليس أمير المؤمنين ببغداذ- يعنى المستعين [٤].- قالوا: لا، قد ولى المعتزّ. وكان المعتزّ قد حقد عليه عقيب تأديبه، فخشى من تأديبه، وقال لعياله: عليكم السلام. وخرج فلم يرجع إليهم؛ وهذا فى سنة إحدى وخمسين ومائتين. وله من الكتب المصنفة من تصنيفه: كتاب غريب الحديث. كتاب الملوك فى النحو.
стр. 972
٦٦٤ - محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى بن عبد الله أبو يحيى الكوفىّ الأسدىّ المعروف بابن كناسة «١»
محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى بن عبد الله بن خليفة بن زهير بن نضلة [١] بن معاوية بن مازن بن كعب بن دويبة بن أسامة بن نصر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان [٢]. ويعرف بابن كناسة أبو يحيى الكوفى الأسدىّ. ويقال إن كناسة لقب أبيه عبد الله. وقيل لقب جده عبد الأعلى. وهو ابن أخت إبراهيم ابن أدهم [٣] الزاهد.
стр. 973
كان عالما بالعربية وأيام الناس والشعر. وروى عن الأئمة الأثبات فى وقته.
وروى عنه الجمّ الغفير. وكان متواضعا، رآه بعض الناس وهو يحمل بطن شاة بيده، فقال له: أنا أحملها عنك، فأنشده:
ما ينقص الكامل من كماله ... ما جرّ من خير إلى عياله
قال إسحاق بن إبراهيم [١]: أتيت إلى محمد بن كناسة لأكتب عنه، فكثر عليه أصحاب الحديث، فتضجر بهم وتجهمهم، فلما انصرفوا عنه دنوت منه، فهش إلىّ واستبشر بى، وبسط من وجهه، فقلت له: عجبت من تفاوت حالتيك، فقال:
أضجرنى هؤلاء بسوء آدابهم، فلما حييتنى أنت انبسطت إليك وأنشدتك. وقد حضرنى فى هذا المعنى بيتان، وهما:
فىّ انقباض وحشمة فإذا ... صادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسى على سجيّتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
فقلت: وددت والله أن هذين البيتين لى بنصف ما أملك. فقال: قد وفّر الله عليك مالك، والله ما سمعهما أحد، ولا قلتهما إلا لك الساعة؛ فقلت له:
فكيف لى بعلم ينسى أنهما ليسالى [٢]!.
قال إسحاق: فأذكرت ابن كناسة هذين البيتين بعد، فقال: لكنى أقول اليوم:
ضعفت عن الإخوان حتى جفوتهم ... على غير زهد فى الإخاء ولا الودّ
ولكنّ أيامى تخرّمن قوتى ... فما أبلغ الحاجات إلا على جهدى
وسئل يحيى بن معين عن محمد بن كناسة فقال: ثقة. وقال على بن المدينىّ:
كان ابن كناسة شيخا ثقة صدوقا.
стр. 974
وقال محمد بن أحمد بن يعقوب: حدثنا جدّى قال: محمد بن كناسة أسدىّ من أنفسهم، وهو ثقة صالح التثبّت، وهو ابن أخت إبراهيم بن أدهم الزاهد، وكان له علم بالعربية والشعر وأيام الناس. ولد ابن كناسة فى سنة ثلاث وعشرين ومائة، ومات بالكوفة لثلاث ليال خلون من شوّال سنة سبع ومائتين فى خلافة المأمون.
وقال ابن قانع: مات فى سنة تسع ومائتين. والأول أصح، والله أعلم.
قال ابن الكوفىّ: أبو يحيى محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى الأسدىّ من أهل الكوفة، انتقل إلى بغداد وأقام بها، وأخذ عن جلّة الكوفيين، ولقى رواة الشعر وفصحاء بنى أسد مثل جزىّ [١] وأبى الموصول وأبى صدقة. وكل هؤلاء من بنى أسد، وعنهم أخذ، وكان شاعرا. وله من التصانيف كتاب الأنواء. كتاب معانى الشعر. كتاب سرقات الكميت من القرآن وغيره.
قال أبو عبد الله المرزبانىّ: الصحيح أن كناسة هو عبد الله أبو محمد بن كناسة وأم محمد بن كناسة عجلية، وهى حسنة بنت موسى بن جابر. وكان يكنى بأبى يحيى، ولد له ولد، ومات يحيى قبله، فرثاه بقوله:
تفاءلت لو يغنى التفاؤل باسمه ... وما خلت فألا قبل ذاك يفيل
فسميته يحيى ليحيا ولم يكن ... إلى قدر الرحمن فيه سبيل
قال محمد بن كناسة: أتيت امرأة من بنى أود فكحلتنى وقالت لى: اضطجع ولتهدأ؛ حتى يبلغ الكحل فى عينيك، فاضطجعت وقلت [٢]:
أمخترمى ريب المنون ولم أزر ... طبيب بنى أود على النأى زينبا
قال: فقالت: أتدرى فيمن قيل هذا الشعر؟ قلت: لا، قالت: [فىّ والله قيل [٣]] وأنا والله زينب [التى عناها [٣]؛ وأنا] طبيب بنى أود [٤].
стр. 975
٦٦٥ - محمد بن عبد الله أبو عبد الله المكفوف الأندلسىّ المعروف بابن الأصفر «١»
مولى قريش، كان مفيدا للقرآن والشعر والنحو. وكان حظّه من علم النحو متوفرا، وكان له فى علم الكلام تقدّم وبصر بمعانى الشعر؛ شعر حبيب وغيره من أشعار المحدثين، وكان له شعر. وهو بذىء اللسان شديد النيل من الأعراض، وكان مقامه بإشبيلية، ثم رحل إلى قرطبة، فسكنها حتى توفى بها.
وله فى جهور [١]:
وإنى امرؤ أستغفر الله كلّما ... هجوت امرأ إلا أبا الحزم جهورا
وكان بالأندلس وزير قد استناب فى ضياعه ثلاثة رجال كواسج عور العيون ولما دخلوا أنكر عليهم بعض أمورهم، وألوى عنهم، فكتب إليه يقول:
لله [أنت] فقد أحسنت ما شينا ... أعطيتنا كرما أقصى أمانينا
وإنهم لمساكين سواسية ... والله أوصاك أن تعطى المساكينا
إن الكواسجة العور العيون أتوا ... وأنت تزورّ عنهم حين يأتونا
أدوا عشورك واستبقوا على وجل ... وليس عندهم شىء يؤدونا [٢]
стр. 976
٦٦٦ - محمد بن عبد الله المقرىء النحوىّ اللغوىّ الصّقلى أبو بكر «١»
من أهلها المقيمين بها. وكان من أهل القرآن والتفسير والورع والتعفف.
له فى النحو فهم صاف، وفى اللغة قسم واف؛ ابتلى بحب فتى من أبناء قوّاد صقليّة، فهام به، وسلب لبه، وفقد أربه، ولم يزل جسمه ينحل ويضنى، ويذبل ويفنى وعيل فى حبه صبره؛ إلى أن نفث الدم صدره. وكان يصنع فيه الشعر طول أيامه، ومدّة غرامه؛ إلى أن فارق دنياه، وصار إلى أخراه؛ من دون ذنب فى حبّه ارتكبه، ولا عيب فى نفسه اكتسبه، أعاضه الله الجنة من شبابه، وغفر له يوم حسابه.
فمن شعره فيه قوله من قصيدة أوّلها:
هذا خيالك فى الجفون يلوح ... لو كان فى الجسم المعذب روح
يا سالما مما أقاسى فى الهوى ... هل يشتفى من قلبى التبريح
غادرتنى غرض الرّدى وتركتنى ... لا عضو لى إلّا وفيه جروح
لله ما صنعت لواحظ جفنه ... لو بلغت نفسى الردى فتريح
ويقول فيها:
لو عاينت عيناك قذفى من فمى ... كبدى ودمعى مع دمى مسفوح
لرأيت مقتولا ولم تر مقتلا ... ولخلت أنى من فمى مذبوح
يا ويح إنى قد جرحت وما دروا ... أنى بأسياف الجفون جريح
قل للذى منه علقت منيتى ... أأباح قتلى يا ظلوم مبيح!
كبدى على صدرى جرت فإلى متى ... أغدو أعذّب فى الهوى وأروح!
ومن ذلك قوله:
حسبوا دموعى إذ رأوها من دمى ... عن علة حدثت لفرط بكاء
تالله ما هى غير أن بليتى ... من مقلتى أفضت إلى أحشائى
فتقطعت كبدى وغيضت أدمعى ... فجرى إلى عينىّ فيض دمائى
стр. 977
٦٦٧ - محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن محمد ابن محمد بن مكيال «١»
ذكره الحافظ أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور فقال: «أبو جعفر الأديب، وهو الرئيس ابن الرئيس الأوحد؛ الذى جلّ عن الرياسة. وجدّه [١] الشيخ أبو العباس.
قد قدّمت ذكر سلفه عند [٢] ذكر جدّه [٣] وابنه على نحو ما قالت الخنساء:
كأنه علم من فوقه نار
[٤] «فأما أبو جعفر؛ فإنه أديب شاعر لغوىّ. وقد تفقه عند قاضى الحرمين أبى الحسن، وسمع أحمد بن كامل القاضى، وأحمد بن سليمان الفقيه وعبد الله بن إسحاق الخراسانى وأقرانهم ببغداذ. وحدّث، وعقد له الإملاء سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ودفن فى دار الشيخ أبى محمد.
أنشدنى أبو جعفر الميكالى:
اشرح لمكروه بدا صدرا فقد ... يكفيك ربّ قد كفى ما قد مضى
واعلم بأنك لو أتيت بكل من ... وطئ الحصى لم يدفعوا ما قد قضى
وإذا تحققت الذى قد قلته ... فاستبدل الحزن المبرّح بالرضا [٥]
стр. 978
٦٦٨ - محمد بن عبد الله المذكر أبو بكر الطائى «١»
الأديب البارع؛ من مشاهير الأدباء والفضلاء بنيسابور. قرأ عليه أولاد المشايخ كتب الأدب. وكان يؤدّب أولاد الرئيس منصور بن رامش، ويقرأ لهم ولغيرهم الأحاديث. ذكره عبد الغافر الفارسىّ.
٦٦٩ - محمد بن عبد الله أبو الحسن الورّاق النحوىّ «٢»
عالم بالنحو وعلله. وكان بغداذيا، وصنف فى النحو كتبا حسانا: كتاب علل النحو مشهور. كتاب الهداية فى شرح مختصر الجرمى.
قال هلال بن المحسن فى تاريخه: «فى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة مات أبو الحسن محمد بن عبد الله الورّاق النحوىّ [١]».
٦٧٠ - محمد بن عبد الرحمن بن أبى المعالى الوارينى أبو عبد الله «٣»
من أهل قزوين. له معرفة بالنحو واللغة وبالشروط، مات ببلده.
٦٧١ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن جعفر بن محمد أبو سعد ابن أبى بكر الكنجروذىّ الفقيه الأديب النحوىّ النيسابورىّ «٤»
شيخ مشهور من أهل الفضل، وله قدم فى الطب والفروسية وأدب السلاح، وكان بارعا فى وقته لاجتماع فنون العلم عنده، كثير الأسانيد فى الأدب وغيره. لقى
стр. 979
ببغداذ أئمة النحو واللغة والأدب، وله سفر حسن، وتصدر بنيسابور للإفادة زمانا طويلا. توفى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
٦٧٢ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مسعود بن أحمد بن الحسين ابن محمد البنجديهىّ أبو عبد الله «١»
وقيل أبو سعيد. من أهل بنجديّه؛ من أعمال مرو الروذ، ومعناه الخمس قرى، وهى القرى التى تخرج الحرير الكثير فى ذلك القطر. له أدب وفقه وفضل؛ محدّث جوّال، دخل العراق وخرج إلى الشام وديار مصر، وأقعد لتأديب الملك الأفضل [١] بن الناصر الملك صلاح الدنيا والدين أبى المظفر يوسف بن أيوب.
وألف شرح المقامات، فأشبع الشرح من اللغة والعربية والمعانى، وهو أبسط شروحها [٢]؛ وقنى كتبا جميلة الوصف، واستعان بجاه الملك على قنيتها.
أخبرنى أبو البركات الهاشمى الحلبىّ قال: لما دخل صلاح الدين حلب سنة سبع وسبعين وخمسمائة نزل البنجديهىّ إلى الجامع إلى خرانة الوقف بها، واختار منها جملة أخذها، لم يمنعه منها مانع، ورأيته وهو يحشرها فى عدل. وحصّل من كتب
стр. 980
اللغة والأدب كل جميل. ومما حصله كتاب المحكم فى اللغة لابن سيده الأندلسىّ؛ وهو كتاب كبير فى عدّة مجلدات يقارب العشرين. وكانت هذه النسخة للأشيرىّ [١] المغربىّ، واشتراها من تركة المجد بن جهبل الحلبىّ وأخذها منه بالجاه، وهى فى وقفه بدمشق، وكان أهل الحديث يستلينونه فى الحديث. وكان لقبه التاج؛ أدركته بمصر يسمع عليه، ويستفاد منه. وهو نازل بدار سعيد السعداء التى جعلت للصوفية بالقاهرة تجاه دار السلطان. وذكر أن مولده فى سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وتوفى بدمشق فى ليلة السبت تاسع عشرين شهر ربيع الأوّل من سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ودفن بسفح جبل قاسيون [٢]. ووقف كتبه بها على رباط الصوفية المعروف بالسّميساطىّ [٣]. والله أعلم.
٦٧٣ - محمد بن عبد الرحيم بن يعقوب أبو عبد الله بن أبى خلف «١»
الأرّجانىّ الأصل الهمذانى المولد. والأرّجان من نواحى الرىّ. له معرفة باللغة وأشعار العرب، وسافر الكثير، واستفاد وأفاد. ولقى علماء أهل البلاد فى خراسان والشام والعراق والحجاز والجزيرة وما وراء النهر. وخرج من الموصل
стр. 981
طالبا تكريت [١]. وتوفى بها فى يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى من سنة خمس وستمائة، ودفن بمقبرة المشهد ولم يبلغ الأربعين [٢].
٦٧٤ - محمد بن عبد الخالق أبو الوازع الخراسانى اللغوىّ النحوى «١»
كان عالما بالنحو والغريب، صادقا فيما يروى. روى عنه أبو تراب وغيره.
وروى ابن الوازع نوادر الأعراب الذين كانوا مع ابن طاهر [٣] بنيسابور، وجمعها ورويت عنه.
٦٧٥ - محمد بن عبد السلام أبو عبد الله الأديب النحوىّ المعروف بالتّدميرىّ «٢»
سكن قرطبة. انتفع به فى علوم الأدب. وتوفى فقيدا فى وقعة قنتيش [٤] سنة أربعمائة مع أبى عثمان بن القزاز. ذكره ابن حيان مؤرّخ الأندلس وذكر فى وصفه: «كان خيّرا ورعا عابدا متقشفا متفننا فى العلوم، ذا حظ من الأدب والمعرفة، وكان قد نظر فى شىء من الحدثان».
стр. 982
٦٧٦ - محمد بن عبد العزيز بن محمد بن محمود بن سهل بن منده أبو نصر التميمىّ الأصبهانىّ النحوىّ المعروف بسيبويه «١»
حسن الأدب، أحد وجوه العلم؛ عالم بالنحو واللغة. حدّث عن زيد ابن عبد الله بن رفاعة [١] الهاشمىّ وأبى الخير أحمد بن زكريا الفارسىّ الأديب، وأبى الحسين بن فارس اللغوىّ الأديب.
قال ابن منده [٢]: سمعت أبا نصر النحوىّ يقول: سمعت أبا الحسين بن فارس الأديب يقول: دخلت بغداذ طالبا للحديث، فحضرت مجلس بعض المحدّثين، فرأيت شابا وعليه سمة جمال، وليست معى قارورة، فاستأذنته فى كتب الحديث من قارورته، فقال: من انبسط إلى الإخوان بالاستئذان، فقد استحق الحرمان.
قال: وسمعته يقول: سمعت أبا الحسين بن فارس يقول: سمعت أبا محمد بن أبى اليسار يقول: أبو أحمد العسكرىّ يكذب على الصّولىّ [٣] مثل ما كان الصولىّ يكذب على الغلابىّ [٤]؛ مثل ما كان الغلابىّ يكذب على سائر الناس.
قال ابن منده أيضا: وأنشدنا أبو نصر الملقب بسيبويه قال: أنشد أبو الحسين أحمد بن فارس ﵀:
стр. 983
إذا كنت فى حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدّرهم
وقال أيضا:
لا تلمنى على ركاكة عقلى ... إذ تيقنت أننى همذانى
٦٧٧ - محمد بن عبد الملك بن على بن عيسى النحوىّ أبو سعيد البغداذىّ «١»
سمع أبا الحسن على بن أحمد بن عمرو بن الحمامىّ [١]، وأبا الحسن محمد بن محمد بن محمد بن مخلد البزاز [٢] وأبا على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز [٣] وطبقتهم.
وكان نحويا، حدّث بشىء يسير، وما انتشرت عنه الرواية. ذكره أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن محمد العاصمىّ النّخشبىّ [٤] فى معجم شيوخه وقال:
«أبو سعيد النحوىّ كهل ليس من أهل السنة، سمع ابن بشران [٥] وأبا بكر البرقانىّ [٦] وجماعة. كان يكتب معنا الحديث».
стр. 984
٦٧٨ - محمد بن عبد الواحد بن أبى هاشم أبو عمر اللغوىّ الزاهد المعروف بغلام ثعلب «١»
فاضل كامل، حافظ للّغة. روى الكثير عن الأئمة الأثباث وروى عنه الجم الغفير. وكان اشتغاله بالعلوم واكتسابها قد منعه عن اكتساب الرزق والتحيّل له؛ فلم يزل مضيّقا عليه، وكانت صناعته التطريز.
وكان ابن ماسى ينفذ إليه فى الوقت بعد الوقت ما ينفقه عليه، ثم قطع عنه ذلك مدّة لعذر عارضه. ثم أنفذ إليه بعد ذلك جملة ما أخره عنه. وكتب إليه رقعة يعتذر فيها عن تأخيره ذلك، فردّ عليه ما سيّره، وأمر بعض من بين يديه أن يكتب على ظهر رقعته: «أكرمتنا فملكتنا؛ وتركتنا فأرحتنا».
وابن ماسى هذا هو إبراهيم بن أيوب، والد أبى محمد. والله أعلم.
وكان أبو عمر- ﵀ يحثّ الطلبة على مكارم الأخلاق، وكان يقول لهم: ترك حقوق الإخوان مذلة، وفى قضاء حقوقهم رفعة، فاحمدوا الله على ذلك، وسارعوا إليه، وبالغوا فى قضاء حوائجهم ومسارّهم تكافئوا على ذلك.
стр. 985
وكان مغاليا فى حبّ معاوية، وعنده جزء من فضائله. وكان إذا ورد إليه من يروم الأخذ عنه ألزمه قراءة ذلك الخبر. وكان جماعة يكذّبونه فى أكثر رواياته اللغة ويقولون: لو طار طائر لقال أبو عمر: «حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابى ... »،
ويذكر فى معنى ذلك شيئا. فأما رواية الحديث فالمحدّثون يوثّقونه على ذلك.
وكان حافظا مكثرا من اللغة أملى جميع ما ينسب من التصانيف من لسانه من غير صحيفة، وكتبها الرواة عنه ومن غير إملائه.
ويقال: إنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة؛ فلذلك الإكثار نسب إلى الكذب. وكان يسأل عن شىء قد تواطأ الجماعة على وضعه فيجيب عنه، ثم يترك سنة ويسأل عنه، فيجيب ذلك الجواب بعينه.
فمما جرى له فى ذلك أنّ جماعة قصدوه للأخذ عنه؛ فتذاكروا فى طريقهم عند قنطرة هناك [١] إكثاره وكذبه، فقال أحدهم: أصحّف له اسم هذه القنطرة وأسأل عنه؛ فانظروا ماذا يجيب؟ فلما دخلوا عليه قال له: أيها الشيخ، ما «الهرطنق [٢]» عند العرب؟ فقال: كذا وكذا. فضحك الجماعة سرّا وانصرفوا. وبعد شهر تركوا من سأله عنها فقال: ألست سألت عن هذه المسألة من مدّة كذا وكذا، وأجبت عنها بكذا! فعجب الجماعة من فطنته وذكره للمسألة والوقت، وإن لم يتحققوا صحة ما ذكره.
وكان أبو الحسن معز الدولة بن بويه [٣] قد قلّد شرطة بغداذ لغلام له اسمه خواجا، فبلغ أبا عمر الزاهد الخبر- وكان يملى كتاب الياقوته»، فلما جلس للإملاء قال: