طالبا تكريت [١]. وتوفى بها فى يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى من سنة خمس وستمائة، ودفن بمقبرة المشهد ولم يبلغ الأربعين [٢].
٦٧٤ - محمد بن عبد الخالق أبو الوازع الخراسانى اللغوىّ النحوى «١»
كان عالما بالنحو والغريب، صادقا فيما يروى. روى عنه أبو تراب وغيره.
وروى ابن الوازع نوادر الأعراب الذين كانوا مع ابن طاهر [٣] بنيسابور، وجمعها ورويت عنه.
٦٧٥ - محمد بن عبد السلام أبو عبد الله الأديب النحوىّ المعروف بالتّدميرىّ «٢»
سكن قرطبة. انتفع به فى علوم الأدب. وتوفى فقيدا فى وقعة قنتيش [٤] سنة أربعمائة مع أبى عثمان بن القزاز. ذكره ابن حيان مؤرّخ الأندلس وذكر فى وصفه: «كان خيّرا ورعا عابدا متقشفا متفننا فى العلوم، ذا حظ من الأدب والمعرفة، وكان قد نظر فى شىء من الحدثان».
стр. 982
٦٧٦ - محمد بن عبد العزيز بن محمد بن محمود بن سهل بن منده أبو نصر التميمىّ الأصبهانىّ النحوىّ المعروف بسيبويه «١»
حسن الأدب، أحد وجوه العلم؛ عالم بالنحو واللغة. حدّث عن زيد ابن عبد الله بن رفاعة [١] الهاشمىّ وأبى الخير أحمد بن زكريا الفارسىّ الأديب، وأبى الحسين بن فارس اللغوىّ الأديب.
قال ابن منده [٢]: سمعت أبا نصر النحوىّ يقول: سمعت أبا الحسين بن فارس الأديب يقول: دخلت بغداذ طالبا للحديث، فحضرت مجلس بعض المحدّثين، فرأيت شابا وعليه سمة جمال، وليست معى قارورة، فاستأذنته فى كتب الحديث من قارورته، فقال: من انبسط إلى الإخوان بالاستئذان، فقد استحق الحرمان.
قال: وسمعته يقول: سمعت أبا الحسين بن فارس يقول: سمعت أبا محمد بن أبى اليسار يقول: أبو أحمد العسكرىّ يكذب على الصّولىّ [٣] مثل ما كان الصولىّ يكذب على الغلابىّ [٤]؛ مثل ما كان الغلابىّ يكذب على سائر الناس.
قال ابن منده أيضا: وأنشدنا أبو نصر الملقب بسيبويه قال: أنشد أبو الحسين أحمد بن فارس ﵀:
стр. 983
إذا كنت فى حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدّرهم
وقال أيضا:
لا تلمنى على ركاكة عقلى ... إذ تيقنت أننى همذانى
٦٧٧ - محمد بن عبد الملك بن على بن عيسى النحوىّ أبو سعيد البغداذىّ «١»
سمع أبا الحسن على بن أحمد بن عمرو بن الحمامىّ [١]، وأبا الحسن محمد بن محمد بن محمد بن مخلد البزاز [٢] وأبا على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز [٣] وطبقتهم.
وكان نحويا، حدّث بشىء يسير، وما انتشرت عنه الرواية. ذكره أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن محمد العاصمىّ النّخشبىّ [٤] فى معجم شيوخه وقال:
«أبو سعيد النحوىّ كهل ليس من أهل السنة، سمع ابن بشران [٥] وأبا بكر البرقانىّ [٦] وجماعة. كان يكتب معنا الحديث».
стр. 984
٦٧٨ - محمد بن عبد الواحد بن أبى هاشم أبو عمر اللغوىّ الزاهد المعروف بغلام ثعلب «١»
فاضل كامل، حافظ للّغة. روى الكثير عن الأئمة الأثباث وروى عنه الجم الغفير. وكان اشتغاله بالعلوم واكتسابها قد منعه عن اكتساب الرزق والتحيّل له؛ فلم يزل مضيّقا عليه، وكانت صناعته التطريز.
وكان ابن ماسى ينفذ إليه فى الوقت بعد الوقت ما ينفقه عليه، ثم قطع عنه ذلك مدّة لعذر عارضه. ثم أنفذ إليه بعد ذلك جملة ما أخره عنه. وكتب إليه رقعة يعتذر فيها عن تأخيره ذلك، فردّ عليه ما سيّره، وأمر بعض من بين يديه أن يكتب على ظهر رقعته: «أكرمتنا فملكتنا؛ وتركتنا فأرحتنا».
وابن ماسى هذا هو إبراهيم بن أيوب، والد أبى محمد. والله أعلم.
وكان أبو عمر- ﵀ يحثّ الطلبة على مكارم الأخلاق، وكان يقول لهم: ترك حقوق الإخوان مذلة، وفى قضاء حقوقهم رفعة، فاحمدوا الله على ذلك، وسارعوا إليه، وبالغوا فى قضاء حوائجهم ومسارّهم تكافئوا على ذلك.
стр. 985
وكان مغاليا فى حبّ معاوية، وعنده جزء من فضائله. وكان إذا ورد إليه من يروم الأخذ عنه ألزمه قراءة ذلك الخبر. وكان جماعة يكذّبونه فى أكثر رواياته اللغة ويقولون: لو طار طائر لقال أبو عمر: «حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابى ... »،
ويذكر فى معنى ذلك شيئا. فأما رواية الحديث فالمحدّثون يوثّقونه على ذلك.
وكان حافظا مكثرا من اللغة أملى جميع ما ينسب من التصانيف من لسانه من غير صحيفة، وكتبها الرواة عنه ومن غير إملائه.
ويقال: إنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة؛ فلذلك الإكثار نسب إلى الكذب. وكان يسأل عن شىء قد تواطأ الجماعة على وضعه فيجيب عنه، ثم يترك سنة ويسأل عنه، فيجيب ذلك الجواب بعينه.
فمما جرى له فى ذلك أنّ جماعة قصدوه للأخذ عنه؛ فتذاكروا فى طريقهم عند قنطرة هناك [١] إكثاره وكذبه، فقال أحدهم: أصحّف له اسم هذه القنطرة وأسأل عنه؛ فانظروا ماذا يجيب؟ فلما دخلوا عليه قال له: أيها الشيخ، ما «الهرطنق [٢]» عند العرب؟ فقال: كذا وكذا. فضحك الجماعة سرّا وانصرفوا. وبعد شهر تركوا من سأله عنها فقال: ألست سألت عن هذه المسألة من مدّة كذا وكذا، وأجبت عنها بكذا! فعجب الجماعة من فطنته وذكره للمسألة والوقت، وإن لم يتحققوا صحة ما ذكره.
وكان أبو الحسن معز الدولة بن بويه [٣] قد قلّد شرطة بغداذ لغلام له اسمه خواجا، فبلغ أبا عمر الزاهد الخبر- وكان يملى كتاب الياقوته»، فلما جلس للإملاء قال:
стр. 986
اكتبوا ياقوتة خواجا، الخواج فى أصل لغة العرب الجوع، ثم فرّع على هذا بابا وأملاه؛ فاستعظم الناس ذلك من كذبه، وتتبعوه فى كتب اللغة.
قال أبو على الحاتمىّ الكاتب اللغوىّ: أخرجنا فى أمالى الحامض عن ثعلب عن ابن الاعرابى: الخواج: الجوع.
وكان أبو عمر الزاهد يؤدّب ولد القاضى أبى عمر محمد بن يوسف [١]. فأملى يوما على الغلام نحوا من ثلاثين مسألة فى اللغة، وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر.
وحضر أبو بكر بن دريد وأبو بكر بن الأنبارى وأبو بكر بن مقسم عند أبى عمر، فعرض عليهم تلك المسائل؛ فما عرفوا منها شيئا، وأنكروا الشعر. فقال لهم القاضى:
ما تقولون فيها؟ فقال له ابن الأنبارى: أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن، ولست أقول شيئا. وقال ابن مقسم مثل ذلك واحتج باشتغاله بالقراءات. وقال ابن دريد:
هذه المسائل من موضوعات أبى عمر، ولا أصل لشىء منها فى اللغة؛ وانصرفوا.
وبلغ أبا عمر ذلك فاجتمع مع القاضى وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عيّنهم لهم؛ ففتح القاضى خزانته وأخرج له تلك الدواوين، فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كلّ مسألة ويخرج لها شاهدا من بعض تلك الدواوين ويعرضه على القاضى حتى استوفى جميعها، ثم قال: وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضى، وكتبهما القاضى بخطه على ظهر الكتاب الفلانىّ. فأحضر القاضى الكتاب فوجد البيتين على ظهره بخطّه كما ذكر أبو عمر. وانتهت القصة إلى ابن دريد، فلم يذكر أبا عمر بلفظة حتى مات.
стр. 987
قال رئيس الرؤساء [١]: وقد رأيت أشياء كثيرة مما استنكر على أبى عمر ونسب إلى الكذب فيها مدوّنه فى كتب أئمّة أهل العلم، وخاصة فى غريب المصنف لأبى عبيد، أو كما قال.
وقال عبد الواحد بن على بن برهان الأسدىّ أبو القاسم [٢]: لم يتكلّم فى علم اللغة أحد من الأوّلين والآخرين أحسن من كلام أبى عمر الزاهد. قال: وله كتاب غريب الحديث، وصنفه على مسند أحمد بن حنبل، وكان يستحسنه جدا.
قال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد [٣] النحوىّ: أنشدنا أبو العباس بن اليشكرىّ فى مجلس أبى عمر محمد بن عبد الواحد اللغوىّ يمدحه:
أبو عمر أوفى من العلم مرتقى ... يزل مساميه ويردى مطاوله [٤]
فلو أننى أقسمت ما كنت كاذبا ... بأن لم ير الراءون بحرا يعادله
هو الشّخت [٥] جسما والفضائل جمّة ... فأعجب بمهزول سمين فضائله [٦]
تضمّن من دون الحناجر زاخرا ... تغيب على من لجّ فيه سواحله
إذا قلت شارفنا أواخر علمه ... تفجّر حتى قلت هذا أوائله
стр. 988
مولد أبى عمر- ﵀ فى سنة إحدى وستين ومائتين. وتوفى- ﵀ يوم الأحد، ودفن فى يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى القعدة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، ودفن فى الصّفة التى دفن فيها بعده أبو بكر الأدمىّ القارىء، وهى مقابلة قبر معروف الكرخى؛ بينهما عرض الطريق. كان ينزل فى سكة أبى العنبر ببغداد، وبلغ من السّن ستا وثمانين سنة.
ولمّا صنّف كتاب الياقوت فى اللغة، زاد فيه مرّة بعد مرّة. رئى [١] من خطّ أبى الفتح عبيد الله بن أحمد النحوىّ، [عليه]، وكان صدوقا بحاثا [منقرا [٢]]، قال: «وكان أبو عمر محمد بن عبد الواحد صاحب أبى العباس ثعلب ابتدأ بإملاء هذا الكتاب كتاب الياقوت يوم الخميس لليلة بقيت من المحرّم سنة ست وعشرين وثلاثمائة فى جامع المدينة، مدينة أبى جعفر، ارتجالا من غير كتاب ولا دستور [٣]، فمضى فى الإملاء مجلسا [مجلسا [٢]] إلى أن انتهى إلى آخره، وكتبت ما أملى مجلسا يتلو [٤] مجلسا، ثم رأى الزيادة [فيه [٢]] فزادنى أضعاف ما أملى. وارتجل يواقيت أخر؛ واختص بهذه الزيادة أبو محمد الصفار، لملازمته وتكرير قراءته لهذا الكتاب على أبى عمر؛ فأخذت الزيادات منه. ثم جمع الناس على قراءة أبى إسحاق [٥] الطّبرىّ له، وسمّى هذه القراءة الفذلكة، فقرأه عليه وسمعه الناس. ثم زاد فيه بعد ذلك، فجمعت أنا فى كتابى
стр. 989
الزيادات كلها، وبدأت بقراءة الكتاب عليه يوم الثلاثاء لثلاث ليال بقين من ذى القعدة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة إلى أن فرغت منه فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. وحضرت النسخ كلّها عند قراءتى نسخة أبى إسحاق الطبرىّ ونسخة أبى محمد الصّفار ونسخة أبى محمد بن سعد القطربلىّ ونسخة أبى محمد الخفاجىّ [١] وزادنى [٢] فى قراءتى عليه أشياء، وتوافقنا فى الكتاب من أوله إلى آخره. ثم ارتجل بعد ذلك يواقيت أخر وزيادات فى أضعاف الكتاب، واختص بهذه الزيادة أبو محمد وهب لملازمته [٣]، ثم جمع الناس ووعدهم بعرض أبى إسحاق الطبرىّ عليه هذا الكتاب، ويكون آخر جزء [٤] منه يتقرّر عليه هذا الكتاب، ولا يكون بعدها زيادة، وسمى هذه العرضة المحرابية [٥]. واجتمع الناس يوم الثلاثاء من جمادى الأولى من سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة فى منزلى [٦] بحضرة [٧] سكة أبى جهير، فأملى على الناس ما نسخته»:
«قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد: هذه العرضة هى التى تفرد بها الأستاذ [أبو] إسحاق الطبرىّ آخر عرضة أسمعها؛ فمن روى عنى فى هذه النسخة وهذه العرضة حرفا وليس هو من قولى فهو كذاب علىّ، وهى من الساعة إلى الساعة من قراءة أبى إسحاق على سائر الناس، وأنا أسمعها حرفا [حرفا]».
قال أبو الفتح: «وبدأ بهذه العرضة يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة».
стр. 990
ولأبى عمر بعد الياقوت من الكتب التى صنفها: كتاب [شرح [١] كتاب] الفصيح. كتاب فائت الفصيح. كتاب المرجان. كتاب غريب الحديث [٢]، على الكلمات، عمله للحصرىّ ونحله إياه. كتاب الموضح [٣].
كتاب الساعات. كتاب يوم وليلة. كتاب المستحسن. كتاب العشرات. كتاب الشورى. كتاب البيوع. كتاب تفسير أسماء الشعراء. كتاب القبائل. كتاب المكنون والمكتوم. كتاب التفاحة. كتاب المواعظ. كتاب المداخل. كتاب حل المداخل. كتاب النوادر. كتاب فائت العين. كتاب فائت الجمهرة والرّد على ابن دريد. كتاب ما أنكرته الأعراب على أبى عبيد فيما رواه وصنفه.
٦٧٩ - محمد بن عمر بن عبد الوارث القيسىّ أبو عبد الله «١»
يعرف نحال الشرفى، قرطبىّ. كان من أهل هذا الشأن المتقدمين فيه، مع خير وصلاح؛ مولده فى سنة سبع عشرة وثلاثمائة. ومن صلاحه وخيره أنه كان قد احتفر قبره قبل وفاته بيوم، وقد أعدّ أكفانه وجهازه، وقال: يوم الجمعة أدخل قبرى إن شاء الله؛ فكان كذلك. وتوفّى سنة تسع وأربعمائة.
стр. 991
٦٨٠ - محمد بن عمر بن عبد العزيز «١»
يعرف بابن القوطية [١]. أبو بكر. كان إماما فى العربية بالأندلس، صحب أبا على القالى البغداذى بالأندلس [٢] وتلمذ له. وله كتاب فى الأفعال [٣]؛ لم يؤلّف مثله. سمع قاسم بن أصبغ [٤] وطبقته، وروى عنه القاضى أبو الحزم خلف [٥] بن عيسى بن سعيد الخير الوشقى.
стр. 992
٦٨١ - محمد بن عمران بن زياد بن كثير أبو جعفر الضبىّ النحوىّ الكوفىّ «١»
سكن بغداذ، وكان مؤدّب عبد الله بن المعتزّ [١]. وحدّث عن محمد بن كناسة الأسدىّ وغيره من أئمة العلم والحديث. وكان الغالب عليه الأخبار وما يتعلّق بالأدب، وروى عنه الناس فى زمانه. فمن نوادره التى أفادته أنه حفّظ ابن المعتزّ وهو يؤدّبه «والنازعات»، وقال له: إذا سألك أمير المؤمنين أبوك: فى أىّ شىء أنت؟ فقل: أنا فى السورة التى تلى «عبس» ولا تقل: أنا فى «والنازعات». قال:
فسأله أبوه: فى أى شىء أنت؟ قال: فى السورة التى تلى «عبس»، فقال له:
من علّمك هذا؟ قال: مؤدّبى. فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وكان محمد بن عمران الضبىّ هذا على اختيار القضاة للمعتزّ، فاجتمع إليه القضاة والفقهاء؛ الخصّاف [٢] وغيره من [القضاة [٣] و] الفقهاء. وكان الضبى [هذا [٣]] معلّما كما تقدّم ذكره قبل ذلك، فنعس، ثم رفع رأسه وقال: تهجّوا لنا- على عادته فى الكتّاب قديما- وكان شيخا حلوا يحفظ الأخبار والملح ولا يحفظ حديثا عن رسول الله ﷺ . وكان ثقة [٤].
стр. 993
٦٨٢ - محمد بن عمران بن موسى بن عبيد أبو عبيد الله الكاتب المعروف بالمرزبانىّ «١»
من بيت رياسة ونفاسة. كان أبوه نائب صاحب خراسان بالباب ببغداذ. وابنه هذا فاضل كامل ذكىّ راوية مكثر، مصنّف جميل التصانيف، كثير المشايخ، ممتع المحاضرة والمذاكرة، مقدّم فى الدّول وعند أهل العلم. وله التصانيف المشهورة فى فنون الآداب والمعارف، وهو وإن لم يتخصص بعلمى النحو واللغة فقد ألف فى أخبار جامعيها ومصنّفيها والمتصدّرين لإفادتها كتابا كبيرا، سماه: المقتبس، يقارب العشرين مجلدا. وورد فى أثنائه من المسائل النحوية، والألفاظ اللغوية ما يعدّ به من أكبر أهله.
وكان حسن الترتيب لما يجمعه، وكان يقال فى زمنه: إنه أحسن تصنيفا من الجاحظ.
стр. 994
قال على بن أيوب [١]: دخلت يوما على أبى على الفارسىّ النحوىّ فقال: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبى عبيد الله المرزبانىّ. فقال: أبو عبيد الله من محاسن الدنيا.
وكان عضد الدولة فناخسرو بن بويه على كبره وتعظّمه يجتاز بباب أبى عبيد الله فيقف بالباب حتى يخرج إليه أبو عبيد الله، فيسلّم عليه، ويساله عن حاله.
قال ابن أيوب: وسمعت أبا عبيد الله يقول: سوّدت عشرة آلاف ورقة، فصح لى مبيضا منها ثلاثة آلاف ورقة.
وقال: سمعت أبا عبيد الله المرزبانىّ يقول: كان فى دارى خمسون ما بين لحاف ودواج [٢] معدّة لأهل العلم الذين يبيتون عندى. وقيل إن أكثر أهل الأدب الذين روى عنهم سمع منهم فى داره.
وكان- عفا الله عنه- مستهترا، فيشرب الخمر [٣]، فذكر عنه أنه كان يضع بين يديه قنينة حبر وقنينة خمر، فلا يزال يشرب ويكتب. وسأله مرة عضد الدولة عن حاله فقال: كيف حال من هو بين قارورتين! يعنى قارورة الحبر وقارورة الخمر [٣].
وكان أبو عبيد الله معتزليّا، وصنف كتابا فى أخبار المعتزلة كبيرا. وآخذه أهل الحديث بأن أكثر روايته كانت إجازة، ولا يبين فى تصانيفه الإجازة من السماع، بل يقول فى كل ذلك: «أخبرنا». وهذا قريب من الاحتجاج، وقد رأى ذلك جماعة من الرواة.
стр. 995
توفى ليلة الجمعة، وقيل فى يوم الجمعة الثانى من شوّال سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
وكان مولده فى سنة ست وتسعين ومائتين. وصلى عليه أبو بكر الخوارزمىّ الفقيه، ودفن بداره بشارع عمرو الرومى فى الجانب الشرقى.
ثبت ما صنّفه المرزبانىّ كتاب الموثق فى أخبار الشعراء المشهورين؛ من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين إلى الدولة العباسية، مستوفى الأخبار، خمسة آلاف ورقة.
كتاب المستنير فى أخبار الشعراء المحدثين المشهورين؛ أوّلهم بشّار، وآخرهم ابن المعتزّ، عشرة آلاف ورقة. كتاب المفيد، وهو مفيد كاسمه فى أخبار المقلّين من الشعراء وكناهم ومذاهبهم، إلى غير ذلك من الفنون، خمسة آلاف ورقة. كتاب المعجم [١] فى أسماء الشعراء ونتف من أشعارهم وبعض أخبارهم على الاختصار، ألف ورقة. كتاب الموشح [٢]، فيه ذكر المآخذ من العلماء على الشعراء فى عدّة أنواع من صناعة الشعر، ثلاثمائة ورقة. كتاب الشعر، يشتمل على ما يتعلق بصناعة الشعر، أكثر من ألفى ورقة. كتاب أشعار النساء، خمسمائة ورقة. كتاب أشعار الخلفاء، مائتا ورقة. كتاب أشعار تنسب إلى الجنّ، مائة ورقة. كتاب المقتبس فى أخبار النحويين واللغويين والناسبين ثلاثة آلاف ورقة. كتاب المرشد فى أخبار المتكلمين، ألف ورقة. كتاب الرياض فى أخبار المتّيمين والعاشقين، ثلاثة آلاف ورقة. كتاب الرائق فى أخبار الغناء والأصوات ونسبتها وأخبار المغنّين، ثلاثة آلاف ورقة. كتاب
стр. 996
الأزمنة فى ذكر الفصول الأربعة، وما قالته العرب فى كل فصل منها، وما ذكره الحكماء منها، وذكر الأمطار والاستسقاء والرواد، نحو ألفى ورقة. كتاب الأنوار والثمار فى أوصافها وما قيل فيها وفى الفواكه، خمسمائة ورقة. كتاب أخبار البرامكة، خمسمائة ورقة. كتاب التهانى خمسمائة ورقة. كتاب التسليم والزيارة، أربعمائة ورقة. كتاب العيادة، أربعمائة ورقة. كتاب التعازى، ثلاثمائة ورقة. كتاب المراثى، خمسمائة ورقة. كتاب المعلى، فى فضائل القرآن، مائتا ورقة. كتاب المفضل فى البيان والفصاحة، نحو ستمائة ورقة. كتاب أخبار من تمثل بالأشعار، أكثر من مائة ورقة. كتاب تلقيح العقول مبوّب أبوابا، ثلاثة آلاف ورقة. كتاب المشرّف فى آداب النبى ﷺ والصحابة رضى الله عنهم والوصايا وحكم العرب والعجم، ألف وخمسمائة ورقة. كتاب الشباب والشيب، ثلاثمائة ورقة. كتاب المتوّج فى العدل وحسن السيرة، ثلاثمائة ورقة. كتاب المديح فى الدعوات ومجالس الشرب والشراب، خمسمائة ورقة. كتاب الفرج، مائة ورقة. كتاب الهدايا، ثلاثمائة ورقة. كتاب المزخرف فى الإخوان والأصحاب، أكثر من ثلاثمائة ورقة. كتاب أخبار أبى مسلم صاحب الدعوة مائة ورقة. كتاب الدعاء، مائتا ورقة. كتاب الأوائل، مائة وخمسون ورقة.
كتاب المستطرف فى نوادر الحمقى، أكثر من ثلاثمائة ورقة. كتاب أخبار الأولاد والزوجات والأهل ومن مدح [ودّهم [١]]، مائتا ورقة. كتاب الزهد وأخبار الزهاد مائتا ورقة. كتاب حب الدنيا مائتا ورقة.
كتاب المنير فى التوبة والعمل الصالح، أكثر من ثلاثمائة ورقة. كتاب
стр. 997
المواعظ وذكر الموت، أكثر من خمسمائة ورقة. كتاب أخبار المحتضرين، نحو مائة ورقة [١].
٦٨٣ - محمد بن عثمان بن مسبّح أبو بكر الشيبانىّ النحوىّ «١»
يعرف بالجعد، صاحب ابن كيسان النحوىّ. كان من علماء الناس وأفاضلهم. وصنف كتابا فى ناسخ القرآن ومنسوخه، وهو من أحسن الكتب وأجودها.
وقال أبو طاهر محمد بن علىّ بن محمد الواعظ [٢]: محمد بن عثمان بن الجعد، بغداذىّ، وله كتاب صنّفه فى غريب القرآن. وكان لما فرغ من عمله أخذ نفسه بحفظه، فلم يمكنه إلا يسيرا حتى توفى [٣]، فلم يخرج الكتاب عنه.
وقال غيره: إن الجعد صنف كتبا عدّة؛ منها كتاب القراءات، وكتاب الهجاء، وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المذكّر والمؤنّث، وكتاب العروض، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب الفرق، ومختصر فى النحو [٤].
стр. 998
٦٨٤ - محمد بن على بن أحمد أبو عبد الله المعروف بابن حميدة «١»
من أهل الحلّة المزيدية، أديب فاضل، له معرفة حسنة بالنحو والعربية.
قرأ ببلده على شيخ كان هناك يعرف بخزيمة [١]، وقدم بغداذ، وقرأ على أبى محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب، ولازمه مدّة، وأخذ عنه النحو. وكان له شعر حسن، أخذ الناس عنه ببلده علما كثيرا وآدابا متوفرة، وتخرّج به جماعة فى علم النحو ورووا شيئا من شعره، ووصفوه بالفضل والمعرفة والأدب [٢].
٦٨٥ - محمد بن على بن أحمد أبو العباس الكرخىّ «٢»
ذكره أبو عبد الله بن البيّع فى تاريخ نيسابور فقال: «الأديب أبو العباس الكرخى مؤدّبنا. وكان من الأدباء الزهاد والعلماء، قلّ ما رأيت أورع منه، ولم يكن بعد ابن سلمة للتأديب بنيسابور مثله. كان يبكّر من منزله إلى أن يجىء إلى مدرسته فى سكّة الدّهانين، يقرأ نصف سبع، ثم يقعد إلى أن نقرأ وردنا من الأدب عليه، ولقد اختلفت إليه أربع سنين؛ من سنة اثنتين وثلاثين إلى سنة ست فما رأيته قط أفطر
стр. 999
إلا يومى العيد وأيام التشريق. وكان يتعمم ويرتدى السنة، ويرخى عمامته خلف ظهره. تفقه عند أبى عبد الله اليزيدىّ بالبصرة. وكان إماما فى الفرائض، وسمع من أبى خليفة. وقد كان أتى أبا محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة وأخذ عنه. توفى فى ذى الحجة من سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة».
٦٨٦ - محمد أبو بكر بن علىّ بن أحمد الأدفوىّ المصرىّ النحوىّ المفسر «١»
أصله من أدفو، مدينة من مدن صعيد مصر فى آخره، قريب من أسوان.
سكن مصر، وكان صالحا يرتزق من معيشته، وكان خشّابا، وصحب أبا جعفر النحاس المصرىّ، وأخذ عنه وأكثر، وروى كلّ تصانيفه، وأخذ عن غيره من أهل العلم والقرآن والحديث والعربية. وكان سيد أهل عصره فى مصره وغير مصره وقرأ عليه الأجلّاء، واعتاد على مجلسه الرؤساء والفضلاء. وصنف فى التفسير كتبا مفيدة، منها كتابه الاستغناء وهو أكبر كتاب صنف فى التفسير، جمع فيه من العلوم ما لم يجتمع بغيره. ولقد بلغنى أن متخلّفا من متخلفى منتحلى العلوم- وكان قاضيا فى بعض مدن الشام- دخل إلى مصر فى رسالة من صاحب بلده، فسمع أهلها به، وكان بمصر سمسار للكتب اسمه شرف، ويلقب زحف الصبر [١]، فظن بهذا القاضى أنه من أهل المروءات والعلم، فأحضر إليه هذا التفسير على جمل فى فردتى خوص، وعدّته مائة وعشرون مجلدا، وعليه خط المصنّف الأدفوىّ المذكور
стр. 1000
فنظر فيه نظر جاهل به، ودفع فيه ثمنا يضحك منه ومن دافعه؛ فتحقق الرجل غلطه، وغالطه واستعاد الكتاب، وأباعه على بعض محبى الكتب بمصر بأمثال تلك القيمة، وقال: تحقّقت أن أهل مصرنا هم خير أهل الأمصار.
ومن العجب أن هذا القاضى المذكور كان يحكى هذه الحكاية عن نفسه، ثم يعتذر ويقول: إنما تقاعدت فيه ظنا منى أن أهل مصر قد جهلوه. ولعمرى إن هذا غاية الجهل من هذا المذكور، فرحم الله التراب، ماذا يستر من الفضائح، ويغطّى من القبائح! ووقف القاضى الفاضل عبد الرحيم بن على البيسانىّ- ﵀ نسخة من هذا الكتاب على مدرسته بالقاهرة المعزيّة، رأيت ذكره فى فهرستها، وعاتبه بعض من يدلّ عليه من أهل الفضل فى إخراجه عن مجلسه فقال: هو كتاب كبير يغنى عنه غيره مما هو ألطف منه. ولما سمعت هذا القول ما أعجبنى، وتعجبت منه واستدللت على ضيق عطن الرجل، ثم زاده ذلك عندى مقتا ما حكى عنه أنه قال:
يجب أن يلحق فى تراجم ثلاثة من الكتب: «عين، نون، هاء». فأوّلها كتاب الاستغناء للأدفوىّ، فإذا اتبعت الترجمة عنه صار الاستغناء عنه، وإن يلحق مثل ذلك فى كتاب إخوان الصفاء فيصير إخوان الصفاعنة [١]. وأن يزاد مثل ذلك فى ترجمة معانى القرآن للفرّاء، فتصير معانى القرآن للفراعنة، إشارة إلى قوّة الفرّاء والكوفيين المنقول عنهم ذلك النوع. وأنشد عند هذه الأقوال:
ومن ذا الذى ترضى سجاياه كلّها
стр. 1001
ولا شبهة فى أن الشهوات تفرضها أخلاط رديئة فتحدث فسادا، وإن كان المزاج صحيحا. كان الأدفوىّ حيا، يقرأ عليه بمصر فى شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
وذكر الشيخ الصالح أبو إسحاق الحبال [١] المصرىّ الحافظ فى وفاته فى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة: «توفى أبو بكر محمد بن على الأدفوىّ المقرىء النحوىّ صاحب ابن النحاس يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الأوّل».
٦٨٧ - محمد بن على بن إبراهيم بن زبرج أبو منصور النحوىّ العتابىّ «١»
من أهل محلّة العتابّيين، إحدى محالّ الجانب الغربىّ. سكن الجانب الشرقىّ، وكانت له معرفة بالنحو واللغة والعربية، وله الخط المليح الفصيح الصحيح الذى يتنافس فيه أهل العلم وجماعو الكتب؛ وكتب الكثير.
قرأ على الشريف أبى السعادات هبة الله بن على بن الشّجرىّ، وعلى الشيخ أبى منصور موهوب بن الخضر الجواليقى، وسمع الحديث من مشايخ وقته، وتوفى- ﵀ ليلة الثلاثاء خامس عشرين جمادى الأولى من سنة ست وخمسين وخمسمائة [٢]. وكان مولده فى شهر ربيع الأوّل من سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
стр. 1002
٦٨٨ - محمد بن على بن إسماعيل أبو بكر- ويلقّب مبرمان- النحوىّ العسكرىّ «١»
من عسكر مكرم [١]. نزل البصرة، وأخذ عن محمد بن يزيد المبرّد وطبقته، وهو لقّبه مبرمان لكثرة ملازمته له وسؤاله إيّاه؛ قال ابن شيران: كان مبرمان ساقط الهمّة، [فاقد الهيبة [٢]]، دنىء النفس، كثير الطّلب والتثقيل على المستفيدين. وكان قد أقام بالأهواز مدّة يفيد الناس على هذه الصورة، ومن مهانته أنه كان إذا أراد أن يمشى إلى منزله استأجر حمّالا بطبلية [٣] وقعد فيها، وحمله الحمّال من غير عجز عن السعى، وريما بال على رأس الحمّال، فإذا عاتبه يقول: احسب أنك حملت رأس غنم وبال عليك. وكان ربما استصحب معه تمرا مما يعطاه فيأكله وهو على رأس الحمّال، ويحذف به الناس الذين يجتاز بهم فى طريقهم؛ إلى أمثال هذا من الأفعال السخيفة.
ومع هذا فقد أخذ عنه النحو جماعة من العلماء الصدور كأبى على الفارسىّ وأبى سعيد السّيرافىّ ومن فى طبقتهما. ومات فى سنة ست وعشرين وثلاثمائة [٤] أو قريب منها بالأهواز.
стр. 1003
وله من التصانيف كتاب العيون. كتاب النحو المجموع على العلل.
كتاب شرح كتاب سيبويه ولم يتّمه. كتاب شرح شواهد كتاب سيبويه.
كتاب المجازى، لطيف. كتاب صفة شكر المنعم [١].
٦٨٩ - محمد أبو بكر بن على بن الحسن بن البرّ اللغوىّ الصّقلىّ التميمى الغوثىّ «١»
فاضل كامل. ولد بصقلّيّة، ورحل عنها فى طلب العلم إلى جهة المشرق، وروى كثيرا من اللغة، ثم استوطن صقلّية، وصحب ابن متكود [٢] صاحب مازر من مدن صقلّيّة، فقرّبه وأدناه، وأكرم محلّه وأجلّ مثواه، وكان ابن متكود هذا على غاية من الصيانة والدّين والزهد، وبلغه عن ابن البرّ أنه يشرب الخمر سرا، فعزّ عليه ذلك وسيّر إليه: إننا إنما أردناك لعلمك ودينك، وأردنا منك الصيانة، وإذا كان ولا بدّ من شرب الخمر فهذا النوع ببلرم كثير، وربما يعزّ وجوده هاهنا.
فخجل من قوله وارتحل إلى بلرم، وهى مدينة من مدن صقلّيّة، وأقام بها للإفادة، وكان موجودا هناك إلى سنة خمسين وأربعمائة.
وممّن أخذ عنه وأكثر تلميذه على بن جعفر بن على السّعدىّ المعروف بابن القطّاع اللغوىّ الصّقلىّ نزيل مصر. وكتاب الصّحاح بمصر لا يروى إلا من طريق ابن البرّ هذا. والله أعلم بصحة هذا الطريق.
стр. 1004
أنبأنا أبو طاهر السّلفىّ قال: سمعت على بن عبد الجبار بن سلامة الهذلىّ اللغوىّ التونسىّ بالإسكندرية يقول: رأيت أبا بكر محمد بن على بن البرّ الغوثىّ اللّغوى بمدينة مازر من جزيرة صقلّيّة، وكنت على أن أقرأ عليه لما اشتهر من فضله وتبحّره فى اللغة، فاتصل بابن متكود صاحب البلد أنه يشرب الخمر- وكان يكرمه- فشقّ عليه وصار يكرهه، وأنفذ إليه وقال: المدينة أكبر، والشراب بها أكثر. فأحوجته الضرورة إلى الخروج منها، ولم أقرأ عليه شيئا.
٦٩٠ - محمد بن على بن شعيب بن الدهان أبو شجاع اللغوىّ الفرضىّ «١»
أخو الشيخ محمود بن على، كان فيه فضل ونبل، وله يد فى النحو واللغة والحساب وحلّ الزيج، وانتقل عن بغداذ إلى الموصل، وأقام بها مدّة، وصحب جمال الدين الأصبهانى [١] وزير الموصل، وقال فيه شعرا؛ ما خرج فيه على صنعته [٢]، وهو:
رأيته فاعتدلت سطورى ... وكنت فى مربّع التعذير
стр. 1005
وسيّر رسولا من الموصل من بيت أتابك [١] إلى صلاح الدين، وعاد إليهم ولم يقض ما سيّر فيه، فتغيروا عليه، فانتقل عنها إلى صلاح الدين، فولاه ديوان ميّافارقين، فلم يسغ له المقام بها مع سنقر الخلاطىّ أحد المماليك، وقد كان ولى أمرها، فرحل إلى دمشق وأقام، وأجرى له بها رزق لم يكن كافيا، فكان يمشّى حاله- فيما قيل- تمشية ظاهرها التجمل، وتشعر بالتكلّف.
ووجد بدمشق زيد بن الحسن بن زيد الكندىّ النحوىّ، فكان يذاكره ويحاضره، وامتدحه بقوله:
يا زيد زادك ربّى من مواهبه ... نعماء يعجز عن إدراكها الأمل
لا غيّر الله حالا قد حباك به ... ما دار بين النحاة «الحال» و «البدل»
النحو أنت أحقّ العالمين به ... أليس باسمك فيه يضرب المثل!
وارتحل إلى مصر فى شهور سنة ست وثمانين، ونزل على قاضيها عبد الملك بن درباس المارانى [٢] الكردىّ، وأنزله فى دار فى قبلة الجامع الأزهرىّ، بينها وبين الجامع عرصة درب غير نافذ؛ ودخل الناس إليه للأخذ، وكنت فيمن دخل عليه، فرأيته شيخا دميم الخلقة، مسنون الوجه، مسترسل اللحية خفيفها، أبيض تعلوه صفرة. وحضر من قرأ عليه منبرا فى الفرائض من جدولته، وكان القارىء له علىّ ابن جلال الدولة بن الدورىّ؛ شاب نشأ يطلب العلم ولم يعمّر، وأخرج إلينا كتابا فى ستة عشر مجلدا لطافا، فيه غريب الحديث له، وقد عمل فيه رموز الحروف
стр. 1006
يستدل بها على أماكن الكلمات المطلوبة فى اللغة، وكأن قلمه كان أبلغ من فمه، ولم ترتفع له بمصر درجة؛ فإنه حضر إليه جماعة من أهل العلوم التى يدّعيها وحاضروه فيها فقصّر، فلم ينفق، وهجره الناس، فخرج من مصر بغير طائل، وعاد إلى دمشق، وأقام بها إلى حين موت الملك الناصر صلاح [١] الدين فى سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فخرج بعد موته عن دمشق إلى مكّة، ووقف وقفة تلك السنة، وخرج إلى العراق، ولما وصل إلى الحلّة المزيدية عثر جمله على [جسر [٢]] هناك، فأصاب وجهه بعض خشب المحمل، فمات لوقته، وذلك فى صفر سنة تسعين وخمسمائة- عفا الله عنه.
٦٩١ - محمد بن علىّ بن عبد الله الزّوزنىّ أبو جعفر الأديب «١»
كان يؤدّب أولاد أبى إسحاق المزكّى [٣] النيسابورىّ. ومحمد بن على هذا هو المعروف بالبحّاث، وإليه ينسب البحّاثيون من أولاده وأولاد أولاده، وكلهم أهل أدب وفضل ونباهة وشعر. وسيرد فى هذا المصنّف ذكر بعضهم إن شاء الله تعالى.
توفى أبو جعفر البّحاث ببخارى سنة سبعين وثلاثمائة.
стр. 1007
٦٩٢ - محمد بن علىّ بن عمر الجبان أبو منصور اللغوىّ الرازىّ «١»
الفاضل الكامل العلّامة، شيخ وقته فى اللغة واستفادتها، وله رواية. واستفاد الناس منه، وأخذوا الكثير عنه. قدم أصبهان وروى بها وأخذ عنه، وقرىء عليه مسند الرّويانىّ [١]. وله تصنيف فى اللغة سماه الشامل، وهو كتاب كبير على الحروف، ملكت منه بعضه، وهو تصنيف كثير الألفاظ قليل الشواهد. وقصده فيه جمع الألفاظ اللغوية، والكثير منها [٢]. وورد اسمه أيضا فى باب الكنى.
٦٩٣ - محمد بن علىّ بن محمد بن الحسين بن مهرايزد أبو مسلم النحوىّ الأصبهانىّ «٢»
صنّف التفسير؛ وكان عارفا بالنحو، غاليا فى مذهب الاعتزال، آخر من حدّث بأصبهان عن ابن المقرىء [٣]. سكن باب كوشك، ومات فى سنة تسع وخمسين وأربعمائة.
كان هذا التفسير أحضر من أصبهان مع بعض التجار الجهلة به، وهو فى عشرين مجلّدا أو نحوها، فافترق منه أوّله، وأبيع باقيه بدمشق، وكان تاجره من أهل
стр. 1008
الرصافة (رصافة هشام [١])، فابتاعه منه رجل أندلسىّ من أهل مرسية يعرف بابن أبى الفضل. ولما وصل الكتاب إلى مصر استغر به أهلها وجهلوا مصنّفه، فأبردوا إلىّ بريدا من مصر يسألون عنه، فكتبت إليهم بخبره، ناقلا ذلك عن كتاب يحيى بن منده فى تاريخ أصبهان، وحمدت الله الذى أبقى فى العالم من يبحث عن شىء من العلم.
٦٩٤ - محمد بن علىّ بن محمد أبو سهل الهروىّ النحوىّ اللّغوىّ «١»
نزيل مصر؛ كان نحويّا، وله رياسة المؤذّنين بجامع عمرو بن العاص، وله خطّ صحيح يتنافس فيه أهل العلم، كتب الكثير من كتب اللّغة والنحو، وكان مفيدا، وحدّث [٢].
وكان مولده فى اليوم السابع من رمضان سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وتوفى فى الثالث عشر من المحرّم سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة [٣].
стр. 1009
٦٩٥ - محمد بن علىّ المراغىّ «١»
من أهل مراغة [١]، نزل الموصل، وأطال المقام به، واتصل بأبى العباس [٢]، وكان عالما ديّنا. قرأ على أبى إسحاق الزّجاج، وله من التصنيف كتاب مختصر النحو. كتاب شواهد سيبويه وتفسيرها.
٦٩٦ - محمد بن على بن منصور بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد ابن الفراء القزوينىّ أبو منصور «٢»
كان يسكن الجانب الشرقىّ من بغداذ، وكان شيخا صالحا، وكان له معرفة باللغة والعربيّة والقرآن، وكان أقرأ الناس. سمع أباه وأبا طالب محمد بن محمد ابن إبراهيم بن غيلان البزّاز، وأبا إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكىّ، وأبا الطيب طاهر ابن عبد الله الطبرىّ، وأبا طالب محمد بن على بن الفتح العشارىّ، وأقضى القضاة أبا الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردىّ، وأبا محمد الحسن بن على الجوهرىّ وغيرهم. وروى عنه جماعة، وسئل عنه عبد الوهاب بن المبارك الأنماطىّ، فأثنى عليه ووصفه. وتوفّى ليلة الأحد تاسع عشرين شوّال سنة عشر وخمسمائة، ودفن بباب حرب.
стр. 1010
٦٩٧ - محمد بن عيسى أبو عبد الله العمانىّ النحوىّ «١»
من أهل الأدب، من أصحاب أبى إسحاق الزّجّاج. روى عن أبى إسحاق الزجّاج كتاب فعلت وأفعلت، ورواه الناس عنه. حدّث عنه به علىّ بن محمد ابن الحسن بن قشيش [١] المالكىّ.
٦٩٨ - محمد بن عاصم أبو عبد الله «٢»
نحوىّ مشهور، إمام فى العربية بالأندلس. ذكره أبو محمد على بن أحمد وأثنى عليه وقال: «كان لا يقصّر عن أكابر أصحاب محمد بن يزيد المبرّد».
٦٩٩ - محمد بن عاصم النحوىّ المعروف بالعاصمىّ القرطبىّ أبو عبد الله «٣»
كان من كبار الأدباء وعلمائهم، وكانت الدّراية أغلب عليه من الرواية.
حدّث عنه أبو القاسم بن الإفليلىّ. كان نحويا مشهورا إماما فى العربية، وكان لا يقصّر عن أصحاب المبرّد. وتوفى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.
стр. 1011
٧٠٠ - محمد بن عطاء الله النحوىّ القرطبىّ أبو عبد الله «١»
أخذ عن أبى بكر الزّبيدىّ. كان بصيرا بالنحو مقدّما فيه، وهو الغالب عليه، وله يد لطيفة فى الأستاذيّة والتفهيم. وتوفّى ﵀ فى بعض مدائن الثّغر فى بعض غزوات المظفّر عبد الملك بن أبى عامر [١]- وكان غازيا معه فيها- سنة أربع وتسعين وثلاثمائة أو نحوها؛ ذكره أبو عبد الله بن عائد- ﵀.
٧٠١ - محمد أبو عبد الله بن العباس بن أبى محمد يحيى ابن المبارك اليزيدىّ «٢»
فاضل كامل، حسن المذاكرة، غزير الأدب، من بيت فضل وعلم وذكر وتقدّم فى الدّول، وتصدّر وصنف وأفاد، وأخذ عنه المستفيدون والرواة، ودعى فى آخر عمره إلى تعليم ولد المقتدر [٢] بالله فلزمهم مدّة. ولقيه بعض أصحابه الآخذين عنه، المتلمذين له، بعد اتصاله بالسلطان، فسأله أن يقرئه بعض ما كان يرويه، فقال له: «تجاوزت الأحصّ وشبيثا [٣]»؛ أى أنا مشتغل عن ذلك.
стр. 1012
والذى صنّفه من الكتب: كتاب مختصر نحو. كتاب الخيل.
كتاب أخبار اليزيديّين. كتاب مناقب بنى العباس [١].
وتوفّى ﵀ فى سنة عشر وثلاثمائة.
стр. 1013
(حرف الفاء فى آباء المحمّدين)
٧٠٢ - محمد بن الفضل بن أحمد بن على بن محمد بن يحيى بن أبان ابن الحكم العنبرىّ الأصبهانىّ أبو عدنان الأديب الكاتب «١»
يرجع [فى] [١] علم النحو واللّغة إلى معرفة تامّة، حسن الوجه والدين، جميل الطريقة.
أفاد الناس، وعادت بركة تعليمه عليهم لديانته وأمانته. مات بأصبهان سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة [فجأة] [١].
٧٠٣ - محمد بن الفضل بن عيسى أبو عبد الله الهمدانىّ النحوىّ «٢»
نزل بغداذ، وحدّث بها عن محمد بن مزيد التميمىّ. كتب عنه محمد بن عبد الله ابن نجيب، وذكر أنه سمع منه فى جامع الرّصافة.
٧٠٤ - محمد بن فرح (بالحاء المهملة) الغسانىّ النحوىّ «٣»
يكنى أبا جعفر. كان أحد العلماء بنحو الكوفيين، وحدّث عن سلمة بن عاصم صاحب الفرّاء، وعبد الله بن أحمد بن شيبويه المروزىّ. وروى عنه محمد بن عبد الملك التاريخىّ، وأبو الحسن بن المنادى؛ وكان ثقة.
стр. 1014
(حرف القاف فى آباء المحمّدين)
٧٠٥ - محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبو بكر الأنبارى «١»
محمد بن القاسم بن محمد [١] بن بشّار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن ابن دعامة، أبو بكر بن الأنبارىّ النحوىّ. كان من أعلم الناس بالنحو والأدب وأكثرهم حفظا له. ولد فى يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين.
سمع عالما من الأئمّة فى زمانه، وروى عنه مثل ذلك. وكان صدوقا فاضلا ديّنا خيّرا من أهل السّنّة، وصنّف كتبا كثيرة فى علوم القرآن وغريب الحديث والمشكل والوقف والابتداء.
стр. 1015
روى عنه أبو عمر بن حيويه وأبو الحسين بن البوّاب وأبو الحسن الدار قطنى وأبو الفضل بن المأمون وأحمد بن محمد بن الجراح ومحمد بن عبد الله، ابن أخى ميمى [١]، وغيرهم.
وبلغنى أنه كتب عنه وأبوه حىّ، وكان يملى فى ناحية من المسجد وأبوه فى ناحية أخرى، وكان [يحفظ] [٢]- فيما ذكر- ثلاثمائة ألف بيت من الشعر شاهدة فى القرآن، وكان يملى من حفظه لا من كتاب، وكانت عادته فى كل ما يكتب عنه من العلم هكذا، فى كتبه المصنّفة وأماليه المشتملة على الفوائد اللّغوية والنحوية والأخبار والتفاسير والأشعار.
ومرض دفعة فانزعج عليه أبوه انزعاجا شديدا، وقيل له فى ذلك فقال: كيف لا أجزع لعلّة من يحفظ جميع ما ترون- وأشار لهم إلى حيرى [٣] مملوء كتبا.
وكان ﵀ مع حفظه زاهدا متواضعا. وحكى أبو الحسن الدار قطنىّ أنّه حضره فى مجلس أملاه يوم جمعة، فصحّف اسما أورده فى إسناد حديث- إمّا كان «حيان» فقال «حبان»، أو «حبان» فقال «حيان» - قال الحسن:
فأعظمت أن يحمل عن مثله فى فضله وجلالته وهم، وهبته أن أوقفه على ذلك.
فلما انقضى الإملاء تقدّمت إلى المستملى، وذكرت له وهمه، وعرّفته صواب القول فيه وانصرفت. ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه فقال أبو بكر للمستملى: عرّف جماعة الحاضرين أنا صحّفنا الاسم الفلانى لمّا أملينا حديث كذا فى الجمعة الماضية، ونبّهنا ذلك الشابّ على الصواب وهو كذا، وعرّف ذلك الشابّ أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال [٤].
стр. 1016
وحكى أبو الحسن العروضىّ قال: اجتمعت أنا وأبو بكر بن الأنبارىّ عند الراضى [١] بالله على الطعام- وقد كان الطباخ عرف ما يأكل أبو بكر، وكان يشوى له قلّية [٢] يابسة- قال: فأكلنا نحن من أنواع الطعام وأطايبه، وهو يعالج تلك الفليّة.
ثم فرغنا فأتيناه بحلواء فلم يأكل منها، وقام وقمنا إلى الخيش فنام بين يدى الخيش ونمنا نحن فى خيش ينافس فيه، ولم يشرب ماء إلى العصر. فلمّا كان العصر قال لغلام: الوظيفة، فجاءه بماء من الحب [٣]، وترك الماء المزمّل بالثلج، فغاظنى امره، فصحت صيحة، فأمر أمير المؤمنين بإحضارى وقال: ما قصتك؟ فاخبرته وقلت: هذا يا أمير المؤمنين يحتاج أن يحال بينه وبين تدبير نفسه؛ لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها. قال: فضحك وقال: له فى هذا لذّة، وقد جرت به العادة، وصار إلفا فليس يضرّه. ثم قلت: يا أبا بكر، لم تفعل هذا بنفسك؟ قال: أبقى على حفظى. قلت له: قد أكثر الناس فى حفظك فكم تحفظ؟ قال: احفظ ثلاثة عشر صندوقا. قال محمد بن جعفر: وهذا ما لا يحقه لأحد من قبله ولا من بعده.
وكان أحفظ الناس للغة والنحو والشعر وتفسير القرآن. وحدّث أنه كان يحفظ عشرين ومائة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها.
وقال أبو الحسن العروضى: كان يتردّد ابن الأنبارى إلى أولاد الراضى بالله، وكان يوما من الأيام قد سألته جارية عن شىء من تفسير الرؤيا، فقال: أنا حافن،
стр. 1017
ثم مضى، فلما كان من الغد عاد وقد صار معبّرا للرؤيا، وذلك أنه مضى من يومه فدرس كتاب الكرمانىّ [١] وجاء.
وكان يأخذ الرطب يشمّه ويقول: أما إنك لطيّب؛ ولكن أطيب منك حفظ ما وهب الله لى من العلم.
قال محمد بن جعفر: ومات ابن الأنبارى فلم نجد من تصنيفه إلا شيئا يسيرا؛ وذلك أنه إنما كان يملى من حفظه. وقد أملى كتاب غريب الحديث، قيل إنه خمس وأربعون ألف ورقة. وكتاب شرح الكافى، وهو نحو ألف ورقة.
وكتاب الهاءات وهو نحو ألف ورقة. وكتاب الأضداد، وما رأيت أكبر منه. وكتاب المشكل، أملاه وبلغ إلى «طه» وما أتمّه، وقد أملاه سنين كثيرة. والجاهليات سبعمائة ورقة. والمذكّر والمؤنث، ما عمل أحد أتمّ منه. وعمل رسالة المشكل؛ ردّا على ابن قتيبة وأبى حاتم ونقضا لقولهما.
ومضى يوما فى النخّاسين ورأى جارية تعرض حسنة كاملة الوصف. قال:
فوقعت فى قلبى ومضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضى بالله، فقال لى: أين كنت إلى الساعة؟ فعرّفته، فأمر بعض أسبابه فمضى فاشتراها وحملها إلى منزلى؛ فجئت فوجدتها فعلمت الأمر كيف جرى. فقلت لها: كونى فوق إلى أن أشتريك [٢].
стр. 1018
وكنت أطلب مسألة قد اختلّت علىّ، فاشتغل قلبى فقلت للخادم: خذها وامض بها إلى النخّاس فليس قدرها أن تشغل قلبى عن علمى، فأخذها الغلام. فقالت:
دعنى أكلّمه بحرفين، فقالت: أنت رجل لك عقل، وإذا أخرجتنى ولم تبيّن [١] لى ذنبى لم آمن أن يظن الناس بى ظنا قبيحا. فعرّفنيه قبل أن تخرجنى، فقلت لها: ما لك عندى عيب غير أنك شغلتنى عن علمى، فقالت: هذا أسهل عندى.
قال: فبلغ الراضى بالله أمره فقال: لا ينبغى أن يكون العلم فى قلب أحد أحلى منه فى صدر هذا الرجل.
ولما وقع فى علّة الموت أكل [كلّ] [٢] شىء يشتهى وقال: هى علّة الموت.
قال أبو بكر بن محمد بن أحمد بن عبد الله النحوىّ المؤدّب: حدّثنى أبى قال:
سمعت أبا بكر بن الأنبارىّ يقول: دخلت المارستان بباب المحوّل، فسمعت صوت رجل فى بعض البيوت يقرأ: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[٣] فقال: أنا لا أقف إلا على قوله: كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ
، فأقف على ما عرفه القوم وأقرّوا به؛ لأنهم لم يكونوا يقرّون بإعادة الخلق، وأبتدئ بقوله:
ثُمَّ يُعِيدُهُ
فيكون خبرا. وأما ما قرأه على بن أبى طالب: واذكر بعد أمة [٤] فهو وجه حسن؛ لأن الأمّة النسيان. وأما أبو بكر بن مجاهد فهو إمام فى القراءة، وأما ما قرأه الأحمق- يعنى ابن شنبوذ [٥]: إن تعذّبهم فإنّهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرّحيم [٦]
стр. 1019
فخطأ؛ لأن الله تعالى قد قطع لهم العذاب فى قوله:
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ*
[١] قال: فقلت لصاحب المارستان: من هذا الرجل؟
فقال: هذا إبراهيم الموسوس محبوس. فقلت: ويحك! هذا أبىّ بن كعب [٢]، افتح الباب عنه، ففتح الباب فإذا أنا برجل منغمس فى النجاسة، والأدهم فى قدميه، فقلت: السلام عليكم، فقال: كلمة مقولة، فقلت: ما منعك من ردّ السلام علىّ؟
فقال: السلام أمان، وإنى أريد أن أمتحنك، ألست تذكر اجتماعنا عند أبى العباس- يعنى ثعلبا- فى يوم كذا وفى يوم كذا؟ وعرّفنى ما ذكرته وعرفته، وإذا به رجل من أفاضل أهل العلم، فقال لى: هذا الذى ترانى منغمسا فيه ما هو؟
فقلت: الخرء يا هذا، فقال: وما جمعه؟ فقلت: خروء، فقال لى: صدقت! وأنشد:
كأن خروء الطير فوق رءوسهم
[٣] ثم قال: والله لو لم تجبنى بالصواب لأطعمتك منه، فقلت: الحمد لله الذى أنجانى منك. وتركته وانصرفت.
ولد أبو بكر بن الأنبارىّ سنة إحدى وسبعين ومائتين، وتوفى ليلة النحر من ذى الحجة من سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
стр. 1020
قال أبو علىّ القالىّ: كان أبو بكر بن الأنبارىّ يحفظ فيما ذكر ثلاثمائة ألف بيت شاهدة فى القرآن. وله أوضاع شتى كثيرة. وكان ثقة ديّنا صدوقا. وكان ممن تقدّم من الكوفيين. وقال غيره: كان ابن الأنبارىّ شحيحا، وكذلك أبو عبد الله نفطويه؛ إلا أن نفطويه كان يعاشر الناس ويحضر مجالسهم. وكان ابن الأنبارىّ لا يفعل ذلك. وكان يأكل كلّ جمعة طباهجة [١] تصلح له بلحم أحمر ومرّىّ [٢]، وما أكل له أحد قطّ شيئا، وكان ذا يسار وحال واسعة، ولم يكن له عيال. وكان لنفطويه جوار إحداهن قارئة بالألحان، وكانت له بنت.
ووقف أبو يوسف المعروف بالأقسامى على أبى بكر بن الأنبارىّ يوما فى جامع المنصور ببغداذ، فقال له: يا أبا بكر، قد أجمع سبع فراسخ ناسا على شىء- يعنى أهل بغداذ- فأعطنى درهما حتى أفرّق الإجماع، فقال: وما هذا الإجماع يا أبا يوسف؟ قال: أجمع أهل البلد عن آخرهم على أنك بخيل. فضحك ولم يعطه شيئا.
قال الزّبيدىّ: «توفى أبو بكر بن الأنبارىّ سنة سبع وعشرين وثلاثمائة يوم الأضحى» وكأنّ الأوّل أثبت، والله أعلم.
قال محمد بن إسحاق النديم فى كتابه: «أخذ محمد بن بشار عن أبيه وعن أبى جعفر أحمد بن عبيد، وأخذ النحو عن ثعلب. وكان أفضل من أبيه وأعلم، فى نهاية الذكاء والفطنة وجودة القريحة وسرعة الحفظ، وكان مع ذلك ورعا من الصالحين، لا تعرف له زلّة. وكان يضرب به المثل فى حضور البديهة وسرعة الجواب. وكان أكثر ما يملّه عن غير دفتر ولا كتاب، ولم يمت عن سنّ عالية.
مات عن دون الخمسين كثيرا. توفى سنة ثمان وعشرين من ذى القعدة ودفن فى داره».