Полный текст (237 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
مَعْنَاهُ اسْتِرْدَادُ جُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ؛ إذْ عَلَيْهِ رَتَّبُوا أَشْكَالَ مَسْأَلَةِ الْحُلِيِّ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَغْرَمَ لَا مِنْ عَيْنِ الثَّمَنِ لَمْ يَجِدْ إلَيْهِ سَبِيلًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ غَرَامَةٌ مُبْتَدَأَةٌ تَقْدِيرُهُ بِعَيْبٍ بِجِنَايَتِهِ، فَوَجَبَ الضَّمَانُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا عَقْدَ، وَإِنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْحُلِيِّ الْمَغْشُوشَةِ لَزِمَهُ أَنْ يُعَرِّفَ الْمُشْتَرِيَ مِقْدَارَ مَا فِيهَا مِنْ الْغِشِّ لِيَدْخُلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَإِذَا أَرَادَ صِنَاعَةَ شَيْءٍ مِنْ الْحُلِيِّ لِأَحَدٍ فَلَا يَسْبِكُهُ فِي الْكُوَرِ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ وَزْنِهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَبْكِهِ أَعَادَ الْوَزْنَ، وَدَفَعَ لَهُ عَيْنَهُ حَتَّى لَا يُخَيِّلَ عَلَى صَاحِبِهِ مَتَاعَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى لِحَامٍ فَإِنَّهُ يَزِنُهُ قَبْلَ إدْخَالِهِ فِيهِ وَلَا يُرَكِّبُ شَيْئًا مِنْ الْفُصُوصِ وَالْجَوَاهِرِ عَلَى الْخَوَاتِمِ وَالْحُلِيِّ إلَّا بَعْدَ وَزْنِهَا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهَا، وَبِالْجُمْلَةِ: إنَّ تَدْلِيسَ الصُّيَّاغِ وَغُشُوشِهِمْ خَفِيَّةٌ لَا تَكَادُ تُعْرَفُ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَمَانَتُهُمْ وَدِينُهُمْ، وَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مِنْ الْجَلَاوَاتِ وَالْأَصْبَاغِ مَا لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَصْبُغُ الْفِضَّةَ صَبْغًا لَا يُفَارِقُ الْجَسَدَ إلَّا بَعْدَ السَّبْكِ فِي الروباص، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُرَاقَبَةُ اللَّهِ وَلَا يُزْغِلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا بِهَذَا وَلَا بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ أَكْوَارُ السَّبْكِ لَا تَكُونُ مُرْتَفِعَةً بَلْ تَكُونُ فِي قَصَارٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَخْفَى مَا يَسْبِكُهُ فِيهَا عَنْ صَاحِبِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَلَا يَسْرِقُ.
стр. 142
مِنْ الْبَوْتَقَةِ شَيْئًا بِالْمَاسِكِ وَيُسَمَّى بِسَيْلِ النَّارِ وَلَا يَدُسُّ فِيهَا نُحَاسًا وَلَا غَيْرَهُ مِنْ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَكَذَلِكَ صُنَّاعُ الْخَوَاتِمِ يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُثْقِلُوا الْخَوَاتِمَ بِالرَّصَاصِ تَحْتَ الْفُصُوصِ وَيَبِيعُوهَا لِلنَّاسِ بِفِضَّةٍ وَأَنْ يُصَدَّقُوا فِي نَعْتِ فُصُوصِهَا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا زُجَاجٌ مَصْبُوغٌ فَإِنْ عَثَرَ الْمُحْتَسِبُ بِأَحَدٍ يَفْعَلُ هَذَا عَزَّرَهُ، وَأَشْهَرَهُ حَتَّى يَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمُفْسِدِينَ، وَأَمَّا تُرَابُ الدَّكَاكِينِ فَإِنَّهُ أَمْوَالُ النَّاسِ قَدْ جُهِلَتْ أَرْبَابُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ وَيُتَصَدَّقَ بِهِ عَنْ أَرْبَابِهِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِالْفُلُوسِ أَوْ بِعِوَضٍ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ تَكُونُ فِيهِ فَيُؤَدِّي إلَى الرِّبَا.
[الْبَاب الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى النُّحَاسَيْنِ وَالْحَدَّادِينَ]
لَا يَجُوزُ لَهُمْ إذَا اشْتَرَوْا قِطْعَةَ نُحَاسٍ فِيهَا لِحَامَاتٌ إلَّا أَنْ يُطْلِعَ الْمُشْتَرِيَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَبْيَضُّ فَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَنْقُشُوا عَلَيْهَا عَتِيقَ مَلْحُومٍ بِقَلَمٍ غَلِيظٍ حَتَّى يَعْرِفَهُ الْمُشْتَرِي، وَيَدْخُلَ عَلَى بَصِيرَتِهِ فَإِنْ أَخْفَاهُ، وَلَمْ يُطْلِعْهُ عَلَيْهِ كَانَ غَاشًّا، فَإِنْ اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ ثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ وَعَزَّرَهُ الْمُحْتَسِبُ عَلَى غِشِّهِ، وَيَلْزَمُهُمْ إذَا اشْتَرَوْا شَيْئًا بِنَسِيئَةٍ أَنْ يُخْبِرُوا شِرَاءَهُ بِالنَّسِيئَةِ، وَلَا يَقُولُوا: شِرَاؤُهُ كَذَا، وَلَمْ يُعَيَّنْ وَهَذَا تَدْلِيسٌ.
стр. 143
كَمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْبَزَّازِينَ، وَيَلْزَمُ الصُّنَّاعَ أَلَّا يَخْلِطُوا النُّحَاسَ الْأَحْمَرَ مَعَ السُّوسِيِّ وَلَا ضَرْبُ الْحَارِّ مَعَ الْبَارِدِ، وَلَا يُكْثِرُوا الرَّصَاصَ فِي النُّحَاسِ الْمُفَرَّغِ فَإِنَّهُ إذَا فُعِلَ مِنْهُ هَاوُنٌ أَوْ طَاسَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ثُمَّ وَقَعَ انْكَسَرَ سَرِيعًا مِثْلَ الزُّجَاجِ وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا الطَّاسَاتِ الْمُفَرَّغَةِ إلَّا رَزِينَةً حَتَّى إذَا وَقَعَتْ لَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ، وَلَهُمْ ضَرَائِبُ الْحَمْرَاءِ الْكَبِيرَةِ رِطْلَانِ وَنِصْفٌ بِالْمِصْرِيِّ والْوَسْطَانِيّةُ رِطْلٌ وَنِصْفٌ وَالسَّفَرِيَّةِ رِطْلٌ وَرُبْعٌ وَالصِّينِيَّةِ رِطْلَانِ وَرُبْعٌ وَالسِّرَاجِ سِتَّةُ أَرْطَالٍ وَمَنَارَةِ السِّرَاجِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَقَالِبِ الهناب تِسْعُ أَوَاقٍ وَالْأَطْبَاقِ الْمُفَرَّغَةِ الدُّسَتِ رِطْلَانِ وَرُبْعٌ مَخْرُوطٌ.
[فَصَلِّ مَا يُؤْخَذ عَلَى الْحَدَّادِينَ]
(فَصْلٌ) : وَيُؤْخَذُ عَلَى الْحَدَّادِينَ أَلَّا يَضْرِبُوا سِكِّينًا وَلَا مِقْرَاضًا وَلَا مِخْصَفًا وَهِيَ كَلْبَتَانِ لِلضِّرْسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أرمهان فَإِنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ فُولَاذٌ وَهَذَا تَدْلِيسٌ، وَلَا يَخْلِطُوا الْمَسَامِيرَ الرَّجِيعَةَ الْمُطَرَّقَةَ بِالْمَسَامِيرِ الْجَدِيدَةِ الْمَضْرُوبَةِ وَيَضَعُوهَا حَتَّى لَا يَشُكَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا جَدِيدَةٌ وَتُبَاعُ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْمُزَوَّجَ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَسَامِيرِ وَالْمَسَاحِي وَالْمَحَارِيثِ وَجَمِيعِ أَصْنَافِ الْحَدِيدِ فَمَنْ وَجَدَهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَزَّرَهُ وَأَشْهَرَهُ فَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقَامَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 144
[الْبَاب التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الْأَسَاكِفَة]
يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يُكْثِرُوا الْخَبْزَ فِي النَّعْلِ لِئَلَّا يَتَغَدَّدَ وَلَا يَسْتَعْمِلُوا إلَّا الْجِلْدَ الْمُحَبَّبَ الْأَدِيمَ الطَّائِفِيَّ الْخَمِيرَ، وَلَا يَسْتَعْمِلُوا الْجِلْدَ الْفَطِيرَ، وَلَا يَسْتَعْمِلُوا مِنْ الْخَيْطِ إلَّا قَلْبَ الْكَتَّانِ، وَلَا يُطَوِّلُوهُ أَكْثَرَ مِنْ ذِرَاعٍ لِئَلَّا يَتَسَلَّخَ، وَلَا يُمَكَّنُوا أَنْ يَخِيطُوا إلَّا بِالْإِبَرِ الرَّفِيعَةِ، وَلَا يُمَكَّنُوا أَنْ يَخِيطُوا بِشَيْءٍ مِنْ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَجِسٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ وَكَذَلِكَ صُنَّاعُ أَوْطِئَةِ النِّسَاءِ يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يُكْثِرُوا حَشْوَ الْخِرَقِ فِيمَا بَيْنَ الشِّبَاكِ وَالْبِطَانَةِ، وَلَا بَيْنَ النَّعْلِ وَالظِّهَارَةِ وَيَشُدُّونَ حَشْوَ الْأَعْقَابِ، وَلَا يَشُدُّوا نَعْلًا قَدْ أَحْرَقَتْهُ الدِّبَاغَةُ، وَلَا يَمْطُلُوا أَحَدًا بِمَتَاعِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا لِصَاحِبِهِ أَجَلًا مَعْلُومًا؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَتَضَرَّرُونَ بِحَبْسِ أَمْتِعَتِهِمْ وَالتَّرَدُّدِ إلَيْهِمْ فَيَمْنَعُهُمْ عَنْ ذَلِكَ.
стр. 145
[الْبَاب الْأَرْبَعُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الْبَيَاطِرَة]
الْبَيْطَرَةُ عِلْمٌ جَلِيلٌ سَطَرَتْهُ الْفَلَاسِفَةُ فِي كُتُبِهِمْ وَوَضَعُوا فِيهَا تَصَانِيفَ، وَهِيَ أَصْعَبُ عِلَاجًا مِنْ أَمْرَاضِ الْآدَمِيِّينَ؛ لِأَنَّ الدَّوَابَّ لَيْسَ لَهَا نُطْقٌ تُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا تَجِدُ مِنْ الْمَرَضِ وَالْأَلَمِ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى عِلَلِهَا بِالْحِسِّ وَالنَّظَرِ فَيَحْتَاجُ الْبَيْطَارُ إلَى حُسْنِ بَصِيرَةٍ بِعِلَلِ الدَّوَابِّ، وَعِلَاجِهَا فَلَا يَتَعَاطَى الْبَيْطَرَةَ إلَّا مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ وَخِبْرَةٌ بِالتَّهَجُّمِ عَلَى الدَّوَابِّ بِفَصْدٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ كَيٍّ وَمَا أَشْبَهَهُ فَمَنْ قَدِمَ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ مَخْبَرَةٍ فَيُؤَدِّي إلَى هَلَاكِ الدَّابَّةِ أَوْ عَطَبِهَا فَيَلْزَمُهُ أَرْشُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ وَيُعَزِّرُهُ الْمُحْتَسِبُ مِنْ طَرِيقِ السِّيَاسَةِ.
[فَصَلِّ وَيَنْبَغِي لِلْبَيْطَارِ أَنْ يَعْتَبِر حَافِرْ الْفَرَس وَالدَّابَّة قَبْل تَقْلِيمه]
(فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي لِلْبَيْطَارِ أَنْ يَعْتَبِرَ حَافِرَ الْفَرَسِ وَالدَّابَّةِ قَبْلَ تَقْلِيمِهِ، فَإِنْ كَانَ أَحْنَفَ أَوْ مَائِلًا نَسَفَ مِنْ الْجَنْبِ الْآخَرِ قَدْرًا يَحْصُلُ بِهِ الِاعْتِدَالُ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الدَّابَّةِ قَائِمَةً جَعَلَ الْمَسَامِيرَ الْمُؤَخَّرَةَ صِغَارًا وَالْمُقَدَّمَةَ كِبَارًا، وَإِنْ كَانَتْ يَدُهَا بِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ صَغَّرَ الْمُقَدَّمَةَ، وَكَبَّرَ الْمُؤَخَّرَةَ فَلَا يُبَالِغُ فِي نَسْفِ الْحَافِرِ فَتَعْمِشُ الدَّابَّةُ وَلَا تُرْخَى الْمَسَامِيرُ فَيُحَرَّكُ النَّعْلُ وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الْحَصَى وَالرَّمْلُ وَتُرْهَصُ الدَّابَّةُ، وَلَا يَشُدُّ.
стр. 146
عَلَى الْحَافِرِ بِقُوَّةٍ فَتُزْمَنُ الدَّابَّةُ، وَاعْلَمْ أَنَّ النِّعَالَ الْمُطَرَّقَةَ أَلْزَمُ لِلْحَافِرِ وَالْمُلَيَّنَةُ أَثْبَتُ لِلْمَسَامِيرِ الصُّلْبَةِ وَالْمَسَامِيرُ الرَّفِيعَةُ خَيْرٌ مِنْ الْغَلِيظَةِ، وَإِذَا احْتَاجَتْ الدَّابَّةُ إلَى تَسْرِيعٍ أَوْ فَتْحِ عِرْقٍ أَخَذَ الْمِبْضَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، وَجَعَلَ نِصَابَهُ فِي رَاحَتِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْ رَأْسِهِ مِقْدَارَ نِصْفِ ظُفْرٍ ثُمَّ فَتَحَ الْعِرْقَ تَعْلِيقًا إلَى فَوْقَ بِخِفَّةٍ وَرِفْقٍ وَلَا يَضْرِبُ الْعِرْقَ حَتَّى يَحْبِسَهُ بِأُصْبُعِهِ سِيَّمَا عُرُوقُ الْأَوْدَاجِ فَإِنَّهَا خُطْوَةٌ لِمُجَاوَرَتِهَا لِلْمَرِيءِ فَإِنْ أَرَادَ شَيْئًا مِنْ عُرُوقِ الْأَوْدَاجِ خَنَقَ الدَّابَّةَ خَنْقًا شَدِيدًا حَتَّى تَنْدُرَ عُرُوقُ الْأَوْدَاجِ فَيَتَمَكَّنَ حِينَئِذٍ مِمَّا أَرَادَ
[فَصَلِّ وَيَنْبَغِي لِلْبَيْطَارِ أَنْ يَكُون خَبِيرًا بِعِلَلِ الدَّوَابّ وَعُيُوبهَا]
(فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي لِلْبَيْطَارِ أَنْ يَكُونَ خَبِيرًا بِعِلَلِ الدَّوَابِّ وَمَعْرِفَةِ مَا يَحْدُثُ فِيهَا مِنْ الْعُيُوبِ، وَيَرْجِعُ النَّاسُ إلَيْهِ إذَا اخْتَلَفُوا فِي الدَّابَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ فِي كِتَابِ الْبَيْطَرَةِ أَنَّ عِلَلَ الدَّوَابِّ ثَلَاثُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ عِلَّةً، وَنَذْكُرُ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْهَا الْخِنَاقُ الرَّطْبُ وَالْخِنَاقُ الْيَابِسُ وَالْجُنُونُ وَفَسَادُ الدِّمَاغِ وَالصُّدَاعُ وَالْحُمْرُ وَالنَّفْخَةُ وَالْوَرَمُ وَالْمُرَّةُ الْهَائِجَةُ وَالذِّئْبَةُ وَالْخُشَامُ وَوَجَعُ الْكَبِدِ وَوَجَعُ الْقَلْبِ وَالدُّودُ فِي الْبَطْنِ وَالْمَغَلُ وَالْمَغَصُ وَرِيحُ السُّوسِ وَالْقُضَاعُ وَالصِّدَامُ وَالسُّعَالُ الْبَارِدُ وَالسُّعَالُ الْحَارُّ وَانْفِجَارُ الدَّمِ مِنْ الدُّبُرِ وَالذَّكَرِ وَالنُّحْلِ وَالْحَلْقِ، وَعِصَارُ الْبَوْلِ، وَوَجَعُ الْمَفَاصِلِ، وَالرَّهْصَةُ والرحس وَالدَّاحِسُ وَالنَّمْلَةُ وَالنَّكَبُ وَالْخُلْدُ وَاللَّقْوَةُ.
стр. 147
وَالْمَاءُ الْحَارُّ فِي الْعَيْنِ وَالْمَنَاخِرِ وَرَخَاوَةُ الْأُذُنَيْنِ وَالطَّرَشُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ، فَيَفْتَقِرُ الْبَيْطَارُ إلَى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ عِلَاجِهِ وَسَبَبِ حُدُوثِ هَذِهِ الْعِلَلِ مِنْهَا مَا إذَا أُحْدِثَ فِي الدَّابَّةِ صَارَ عَيْبًا دَائِمًا وَمِنْهَا مَا لَمْ يَصِرْ عَيْبًا دَائِمًا وَلَوْلَا التَّطْوِيلُ لَشَرَحْتُ مِنْ ذَلِكَ جُمَلًا كَثِيرَةً وَتَفَاصِيلَ، فَلَا يُهْمِلُ الْمُحْتَسِبُ ذَلِكَ وَيَمْتَحِنُهُمْ بِهِ
[الْبَاب الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ فِي الحسبة عَلَى سماسرة الْعَبِيد والجواري والدواب والدور]
يَنْبَغِي أَلَّا يَتَصَرَّفَ فِي سَمْسَرَةِ الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي إلَّا مَنْ ثَبَتَتْ عِنْدَ النَّاسِ أَمَانَتُهُ وَعِفَّتُهُ وَصِيَانَتُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَشْهُورَ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَسَلَّمُ جِوَارِي النَّاسِ وَغِلْمَانَهُمْ، وَرُبَّمَا اخْتَلَى بِهِمْ فِي مَنْزِلِهِ، وَيَنْبَغِي أَلَّا يَبِيعَ لِأَحَدٍ جَارِيَةً وَلَا عَبْدًا حَتَّى يُعَرِّفَ الْبَائِعَ أَوْ يَأْتِيَ بِمَنْ يُعَرِّفُهُ وَيُثْبِتَ اسْمَهُ وَصِفَتَهُ فِي دَفْتَرِهِ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَبِيعُ حُرًّا أَوْ مَسْرُوقًا وَيَتَفَقَّدَ عَهْدَ الْمَمَالِيكِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي أَيْدِي مَوَالِيهِمْ لِيَعْلَمَ مِنْهَا مَا قَدْ شَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا وَلَا يُخْفُوا عَيْبًا عَلِمُوهُ، وَمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ جَارِيَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَإِنْ طَلَبَ اسْتِعْرَاضَهَا فِي مَنْزِلِهِ وَالْخَلْوَةَ بِهَا فَلَا يُمَكِّنُهُ النَّخَّاسُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نِسَاءٌ فِي مَنْزِلِهِ فَيَنْظُرُونَ جَمِيعَ بَدَنِ الْجَارِيَةِ.
стр. 148
وَإِنْ أَرَادَ شِرَاءَ غُلَامٍ فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَدُونَ الرُّكْبَةِ، هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْجَارِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا كَمَا سَبَقَ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجَارِيَةِ أَوْ الْمَمْلُوكِ إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا سَبَقَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَيَحْرُمُ بَيْعُ الْجَارِيَةِ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا لِلْغِنَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ وَالْمُغَنِّيَاتِ وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ» وَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] ، وَمَتَى عَلِمَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا وَجَبَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ لِلْمُشْتَرِي كَمَا ذَكَرْنَا.
[فَصَلِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون سِمْسَار الْعَبِيد بَصِيرًا بِالْعُيُوبِ]
(فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِالْعُيُوبِ خَبِيرًا بِابْتِدَاءِ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ فَإِذَا أَرَادَ بَيْعَ غُلَامٍ نَظَرَ إلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ سِوَى عَوْرَتِهِ قَبْلَ بَيْعِهِ وَيَعْتَبِرُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ عَيْبٌ أَوْ عِلَّةٌ فَيُخْبِرَ بِهِ الْمُشْتَرِيَ.
[فَصَلِّ مَا يُؤْخَذ عَلَى سَمَاسِرَة الدَّوَابّ]
(فَصْلٌ) : وَيُؤْخَذُ عَلَى سَمَاسِرَةِ الدَّوَابِّ أَلَّا يَبِيعُوا دَابَّةً حَتَّى يُعَرِّفُوا الْبَائِعَ أَوْ يُعَرِّفُوا مَنْ يَعْرِفُهُ، وَيَكْتُبَ اسْمَهُ فِي دَفْتَرِهِ لِئَلَّا تَكُونَ مَعِيبَةً أَوْ مَسْرُوقَةً كَمَا قُلْنَا وَيُعَيِّنَ عَيْبَهَا لِلْمُشْتَرِي وَسِنَّهَا وَطَرْقَتَهَا وَلَا يُنَادِيَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ فَمِ التَّاجِرِ، وَيُرَاقِبَ اللَّهَ - تَعَالَى - فِيمَا هُوَ بِصَدَدِهِ فِي أَمْرِ الْحَيَوَانِ.
[فَصَلِّ مَا يُؤْخَذ عَلَى دَلَالِيّ الْعَقَارَات]
(فَصْلٌ) : يُؤْخَذُ عَلَى دَلَّالِي الْعَقَارَاتِ وَيُسْتَحْلَفُوا أَلَّا يَبِيعُوا مَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ يَدِ صَاحِبِهِ بِكِتَابَةِ تَحْبِيسٍ أَوْ كِتَابَةِ إقْرَارٍ أَوْ رَهْنٍ وَلَا شُبْهَةَ، وَلَا لِصَبِيٍّ وَلَا لِيَتِيمٍ إلَّا بِإِذْنِ وَصِيِّهِ، وَلَا يَأْخُذُ الْجَعْلَ إلَّا مِنْ الْبَائِعِ لَا غَيْرُ وَلَا يَعْدِلُ عَنْ مَنْ زَادَ فِي الثَّمَنِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إلَى أَنْقَصَ مِنْهُ لِعِلَّةٍ مِنْ الْعِلَلِ فَمَنْ خَالَفَ هَذَا صُرِفَ مِنْ جُمْلَةِ الدَّلَّالِينَ.
стр. 149
[الْبَاب الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ فِي الحسبة عَلَى الحمامات وقوامها وذكر منافعها ومضراتها]
يَأْمُرُهُمْ الْمُحْتَسِبُ بِإِصْلَاحِهَا وَنَضَاجَةِ مَائِهَا وَقِوَامِهَا وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ الْحَمَّامَاتِ مَا قَدِمَ بِنَاؤُهُ، وَاتَّسَعَ هَوَاؤُهُ وَعَذُبَ مَاؤُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِعْلَ الطَّبِيعِيَّ لِلْحَمَّامِ التَّسْخِينُ بِهَوَائِهِ وَالتَّرْطِيبُ بِمَائِهِ، فَالْبَيْتُ الْأَوَّلُ مُبَرَّدٌ مُرَطَّبٌ، وَالْبَيْتُ الثَّانِي مُسَخَّنٌ مُرَخٍّ وَالْبَيْتُ الثَّالِثُ مُسَخَّنٌ مُجَفَّفٌ، وَالْحَمَّامُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَنَافِعَ وَمَضَارَّ، فَأَمَّا مَنَافِعُهُ فَتَوَسُّعُ الْمَسَامِّ وَاسْتِفْرَاغُ الْفَضَلَاتِ وَتَحَلُّلُ الرِّيَاحِ، وَتَحَبُّسُ الطَّبْعِ إذَا كَانَتْ سُهُولَتُهُ عَنْ هَيْضَةٍ وَتَنَظُّفُ الْوَسَخِ وَالْعَرَقِ وَتَذَهُّبُ الْحَكَّةِ وَالْجَرَبِ وَالْإِعْيَاءِ وَتَرَطُّبُ الْبَدَنِ وَتَجَوُّدُ الْهَضْمِ وَتَنَضُّجُ النَّزَلَاتِ وَالزُّكَامِ وَتَمَنُّعُ مِنْ حُمَّى يَوْمٍ، وَمِنْ حُمَّى الدَّقِّ وَالرُّبْعِ بَعْدَ نُضْجِ خَلْطِهَا، وَأَمَّا مَضَارُّهَا، فَإِنَّهَا تُرْخِي الْجَسَدَ وَتُضْعِفُ الْحَرَارَةَ عِنْدَ طُولِ الْمَقَامِ فِيهَا، وَتُسْقِطُ شَهْوَةَ الطَّعَامِ، وَتُضْعِفُ الْبَاهَ وَأَعْظَمُ مَضَارِّهَا صَبُّ الْمَاءِ الْحَارِّ عَلَى الْأَعْضَاءِ الضَّعِيفَةِ، وَقَدْ.
стр. 150
تُسْتَعْمَلُ عَلَى الرِّيقِ وَالْخَلَاءِ فَتُجَفَّفُ تَجْفِيفًا شَدِيدًا أَوْ تَهْزِلُ وَتُضْعِفُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْحَمَّامُ عَلَى قُرْبِ عَهْدٍ بِالشِّبَعِ بَعْدَ الْهَضْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُرَطِّبُ الْبَدَنَ وَيُسْمِنُهُ وَيُحْسِنُ بَشَرَتَهُ.
[فَصَلِّ أَحْكَام الْحِمَام]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الصُّوَرُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى بَابِ الْحَمَّامِ أَوْ دَاخِلَهُ فَذَلِكَ مُنْكَرٌ يَجِبُ إزَالَتُهَا، وَيُكْرَهُ الْكَلَامُ فِي الْحَمَّامِ وَلَا يُقْرَأُ الْقُرْآنُ إلَّا سِرًّا، وَيُكْرَهُ دُخُولُ الْحَمَّامِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَقَرِيبًا مِنْ الْغُرُوبِ فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُ انْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ، وَقِيلَ: إنَّ الْمَاءَ الْحَارَّ فِي الشِّتَاءِ مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْأَلُ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْحَمَّامُ مِنْ النَّعِيمِ الَّذِي أَحْدَثُوهُ، وَقَدْ دَخَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَمَّامَاتِ بِالشَّامِ، وَيَنْبَغِي أَلَّا يُكْثِرَ صَبَّ الْمَاءِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَحَرَامٌ عَلَى الْمَرْأَةِ دُخُولُ الْحَمَّامِ إلَّا نُفَسَاءَ أَوْ مَرِيضَةً وَدَخَلَتْ عَائِشَةُ ﵂ حَمَّامًا مِنْ سَقَمٍ بِهَا فَإِنْ دَخَلَتْ لِضَرُورَةٍ فَلَا تَدْخُلُ إلَّا بِمِئْزَرٍ سَابِغٍ سَاتِرٍ لِسَائِرِ جَسَدِهَا، وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَهَا أُجْرَةَ الْحَمَّامِ فَيَكُونَ مُعِينًا لَهَا عَلَى الْمَكْرُوهِ.
[فَصَلِّ وَيَلْزَم الْمُحْتَسَب أَصْحَاب الْحَمَّامَات بِنَظَافَتِهَا]
(فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهُمْ الْمُحْتَسِبُ بِغَسْلِ الْحَمَّامِ وَكَنْسِهِ وَتَنْظِيفِهِ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ غَيْرِ مَاءِ الْغُسَالَةِ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مِرَارًا فِي الْيَوْمِ، وَأَنْ يُدَلِّكُوا الْبَلَاطَ بِالْأَشْيَاءِ الْخَشِنَةِ لِئَلَّا يَتَعَلَّقَ بِهَا السِّدْرُ وَالْخِطْمِيُّ فَيَزْلُقُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَغْسِلُوا فِي كُلِّ يَوْمٍ حَوْضَ النَّوْبَةِ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْمُجْتَمِعَةِ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْفَسَاقِي وَالْقُدُورُ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْمُجْتَمِعَةِ مِنْ الْمَجَارِي وَالْعَكِرِ الرَّاكِدِ فِي أَسْفَلِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً؛ لِأَنَّهَا إنْ تُرِكَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَغَيَّرَ الْمَاءُ فِيهَا مِنْ الطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ، وَلَا يَسُدُّوا الْأَنَابِيبَ بِشَعْرِ الْمَشَّاطَةِ بَلْ يَسُدُّوهَا بِالْخِرَقِ الطَّاهِرَةِ أَوْ اللِّيفِ الطَّاهِرِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ.
стр. 151
وَيُسْتَعْمَلُ فِيهَا الْبَخُورُ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ بِالْحَصَى اللِّبَانُ الذَّكَرُ أَوْ الْمُصْطَكَا أَوْ اللادن، وَلَا يَدَعُ الْأَسَاكِفَةَ وَأَصْحَابَ اللِّبَدِ يَغْسِلُونَ شَيْئًا مِنْ اللِّبَدِ، وَلَا مِنْ الْأَدِيمِ فِي الْحَمَّامِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَتَضَرَّرُونَ بِرَائِحَتِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ مَجْذُومٌ وَلَا أَبْرَصُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْحَمَّامِيِّ مَآزِرُ يُؤَجِّرُهَا لِلنَّاسِ، وَأَنْ تَكُونَ عَرِيضَةً حَتَّى تَسْتُرَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَيَأْمُرَ بِفَتْحِ الْحَمَّامِ فِي السَّحَرِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا لِلتَّطَهُّرِ فِيهَا قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَيَلْزَمَ الْوَقَّافَ حِفْظُ أَقْمِشَةِ النَّاسِ فَإِنْ ضَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَتَّخِذَ بِالْحَمَّامِ زِيرًا كَبِيرًا بِرَسْمِ الْمَاءِ الْحُلْوِ أَوْ عَذْبًا إنْ كَانَ يُشْرَبُ [أَوْ] بِرَسْمِ شُرْبِ النَّاسِ لَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ الْحَرِّ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَهُ السِّدْرُ وَالدُّلُوكُ، فَقَدْ يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ لَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَى ظَاهِرِ الْحَمَّامِ، وَلَوْ رَتَّبَ سِدَارًا دَائِمًا عَلَى بَابِ الْحَمَّامِ لِيَبِيعَ السِّدْرَ وَآلَةَ الْحَمَّامِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا.
[فَصَلِّ الْحَسَبَة عَلَى الْحَلَّاقِينَ]
(فَصْلٌ) : وَيُلْزِمُ صَاحِبَ النَّوْبَةِ بِاسْتِعْمَالِ الْأَمْوَاسِ الْجَيِّدَةِ الْفُولَاذِ حَتَّى يَنْتَفِعُوا النَّاسُ بِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُزَيِّنُ خَفِيفًا رَشِيقًا بَصِيرًا بِالْحِلَاقَةِ، وَتَكُونُ الْأَمْوَاسُ حَدِيدَةً قَاطِعَةً كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَسْتَقْبِلَ الرَّأْسَ وَمَنَابِتَ الشَّعْرِ اسْتِقْبَالًا، وَلَا يَأْكُلَ مَا يُغَيِّرُ نَكْهَتَهُ كَالْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ وَغَيْرِهِ فِي يَوْمِ نَوْبَتِهِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ النَّاسُ بِرَائِحَتِهِ فِيهِ عِنْدَ الْحِلَاقَةِ، وَلَا يَحْلِقَ شَعْرَ صَبِيٍّ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَلَا عَبْدًا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَلَا يَحْلِقُ عَذَارٍ أَمْرَدَ وَلَا لِحْيَةَ مُخَنَّثٍ.
стр. 152
[فَصَلِّ وَيَلْزَم الْمُحْتَسَب أَنْ يَتَفَقَّد الْحِمَام فِي كُلّ وَقْت]
(فَصْلٌ) : وَيَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْحَمَّامَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيَعْتَبِرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ رَأَى أَحَدًا قَدْ كَشَفَ عَوْرَتَهُ عَزَّرَهُ عَلَى كَشْفِهَا؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ حَرَامٌ وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاظِرَ وَالْمَنْظُورَ إلَيْهِ، وَالنِّسَاءُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَشَدُّ تَهَالُكًا مِنْ الرِّجَالِ، وَلَهُنَّ مُحْدَثَاتٌ مِنْ الْمُنْكَرِ أَحْدَثَهَا كَثْرَةُ الْإِرْفَاهِ وَالْإِتْرَافِ وَأُهْمِلَ إنْكَارُهَا حَتَّى سَرَتْ فِي الْأَوْسَاطِ وَالْأَطْرَافِ فَقَدْ أَحْدَثْنَ الْآنَ مِنْ الْمَلَابِسِ مَا لَا يَخْطِرُ لِلشَّيْطَانِ فِي حِسَابٍ، وَتِلْكَ لِبَاسُ الشُّهْرَةِ الَّتِي لَا يَسْتَتِرُ مِنْهَا إسْبَالُ مِرْطٍ، وَلَا أَدْنَى جِلْبَابٍ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُنَّ يَعْتَصِبْنَ عَصَائِبَ كَأَمْثَالِ الْأَسْنِمَةِ، وَيَخْرُجْنَ مِنْ جَهَارَةِ أَشْكَالِهَا فِي الصُّورَةِ الْمُعَلَّمَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا وَرَدَ عَنْهُ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَجَعَلَ صَاحِبَهَا مَعْدُودًا مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِ النَّارِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» .
وَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ» وَيَكْفِي فِي حَقِّهِنَّ مَا وَعَدَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْعَذَابِ وَاللَّعْنَةِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَعَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ وَيَعِظَهُنَّ وَيُخَوِّفَهُنَّ عُقُوبَةَ اللَّهِ
стр. 153
تَعَالَى إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِنَّ، وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ، وَمِنْهَا كَشْفُ الْبَلَّانِ عَنْ الْفَخِذِ وَمَا تَحْتَ السُّرَّةِ لِتَنْحِيَةِ الْوَسَخِ بَلْ مِنْ جُمْلَتِهَا إدْخَالُ الْيَدِ تَحْتَ الْإِزَارِ، فَإِنَّ مَسَّ عَوْرَةِ الْغَيْرِ حَرَامٌ كَالنَّظَرِ إلَيْهَا فَيُمْنَعُ الْمُدَلِّكُ مِنْ ذَلِكَ.
[الْبَاب الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى السدارين]
(الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْحِسْبَةِ عَلَى السدارين) وَهُوَ أَلْيَقُ بِهَذَا الْمَكَانِ مِنْ غَيْرِهِ، يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَطْحَنُونَ شَيْئًا مِنْ السِّدْرِ الصَّيْفِيِّ إلَّا، وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الشَّتْوِيِّ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَيَقْوَى فِعْلُهُ وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ لَا يَخْلِطُوا فِيهِ شَيْئًا مِنْ أَوْرَاقِ الْبَسَاتِينِ فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ وَرَقُ الصَّفْصَافِ وَالتُّوتِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْرَاقِ، وَعَلَامَةُ غِشِّهِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ وَيُضْرَبَ فِي طَاسَةٍ فَإِنْ أَرْغَى وَطَلَعَتْ الرَّغْوَةُ بَيْضَاءَ فَهُوَ سَالِمٌ، وَإِنْ طَلَعَتْ صَفْرَاءَ فَهُوَ مَخْلُوطٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغُشُّهُ بِشَيْءٍ يُقَالُ لَهُ: السَّرَّادَةُ، وَهُوَ نَوَى النَّبْقِ وَحَصَبُ السِّدْرِ فَيُجَفِّفُهُ وَيَطْحَنُهُ مَعَهُ، فَإِذَا غَسَلَ بِهِ الرَّجُلُ صَارَ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ وَلَا يَخْرُجُ، وَلَا يُنَقَّى مِنْ الْوَسَخِ فَإِذَا وُجِدَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَدَّبَهُ تَأْدِيبًا جَيِّدًا لِيَرْدَعَ بِهِ غَيْرَهُ وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ طَحْنِهِ يَزِنُهُ، وَعَلَامَةُ السَّالِمِ مِنْهُ: أَنَّ كُلَّ قَدَحٍ زِنَتُهُ رِطْلٌ وَأُوقِيَّتَانِ بِالرِّطْلِ الْمِصْرِيِّ، وَيَأْخُذُ عَلَى طَحَّانِينَ الْأُشْنَانِ أَلَّا يَطْحَنُوهُ إلَّا زَهْرًا عَلَى جِهَتِهِ فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يُدَلِّسُهُ وَيَخْلِطُهُ بِالتُّرْمُسِ، فَإِنْ طَحَنَهُ عَلَى الطَّاحُونِ.
стр. 154
وَصَعُبَ عَلَى الدَّوَابِّ فَلْيَجْعَلْ فِي كُلِّ إرْدَبٍّ رُبْعَ وَيْبَةِ تُرْمُسٍ لَيْلًا مَا يَرْجِعُ يُزِيلُ الْوَسَخَ مِنْ يَدِ مَنْ يَغْسِلُ بِهِ وَمَتَى كَثُرَ فِيهِ دِقَاقُ التُّرْمُسِ مَنَعَ إزَالَةَ الْوَسَخِ، وَصَارَ فِي يَدِ الَّذِي يَغْسِلُ بِهِ مِثْلَ الْعَجِينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْلِطُ فِيهِ سُوسَ حَطَبِ الطَّلْحِ وَشَيْئًا يُقَالُ لَهُ عِنْدَهُمْ الصُّوفَةُ وَهُوَ حَطَبُ الْأَوْرَاقِ، فَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ دِقَاقَ التُّرْمُسِ، فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَغُشُّهُ بِدَقِيقِ الْفُولِ الْمُسَوَّسِ، وَهَذَا غِشٌّ، وَيَعْتَبِرُ عَلَيْهِمْ مَوَازِينَهُمْ وَأَكْيَالَهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْبَاب الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الفصادين وَالْحَجَّامِينَ]
يَنْبَغِي أَلَّا يَتَصَدَّى لِلْفَصْدِ إلَّا مَنْ اُشْتُهِرَتْ مَعْرِفَتُهُ وَأَمَانَتُهُ وَجَوْدَةُ عِلْمِهِ بِتَشْرِيحِ الْأَعْضَاءِ وَالْعُرُوقِ وَالْعَضَلِ وَالشَّرَايِينِ وَأَحَاطَ بِمَعْرِفَتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا لِئَلَّا يَقَعَ الْمِبْضَعُ فِي عُرُوقٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ أَوْ عَضَلَةٍ أَوْ شِرْيَانٍ فَيُؤَدِّي إلَى زَمَانَةِ الْعُضْوِ وَهَلَاكِ الْمَفْصُودِ، وَإِذَا أَرَادَ تَعَلُّمَ الْفَصْدِ فَلْيُدْمِنْ بِفَصْدِ وَرَقِ السَّلْقِ أَعْنِي الْعُرُوقَ الَّتِي فِي الْوَرَقَةِ حَتَّى تَسْتَقِيمَ يَدُهُ وَلَا يُفْصَدُ عَبْدًا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَلَا صَبِيًّا إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَلَا حَامِلًا وَلَا طَامِثًا.
стр. 155
وَأَلَّا يَفْصِدَ إلَّا فِي مَكَان فَضَاءٍ، وَأَنْ تَكُونَ آلَتُهُ مَاضِيَةً، وَلَا يَفْصِدَ وَهُوَ مُنْزَعِجُ الْجِنَانِ، وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِمْ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنَّ فِي عَشَرَةِ أَمْزِجَةٍ لَا يَحْدُثُ فِيهَا الْفَصْدُ إلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ الْأَطِبَّاءِ وَهِيَ فِي السِّنِّ الْقَاصِرِ عَنْ الرَّابِعَ عَشَرَ وَفِي سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ وَفِي الْأَبْدَانِ الشَّدِيدَةِ الْقَضَافَةِ، وَفِي الْأَبْدَانِ الشَّدِيدَةِ الْيُبْسِ، وَفِي الْأَبْدَانِ الْمُتَخَلْخِلَةِ، وَفِي الْأَبْدَانِ الْبِيضِ الرَّهِلَةِ، وَفِي الْأَبْدَانِ الصُّفْرِ الْعَدِيمَةِ الدَّمِ، وَفِي الْأَبْدَانِ الَّتِي طَالَتْ بِهَا الْأَمْرَاضُ، وَفِي الْأَمْزِجَةِ الشَّدِيدَةِ الْبَرْدِ وَعِنْدَ الْوَجَعِ الشَّدِيدِ فَهَذِهِ الْأَحْوَالُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَكْشِفَ عَنْ الْفَاصِدِ فِي وُجُودِهَا، وَقَدْ نَهَتْ الْأَطِبَّاءُ عَنْ الْفَصْدِ فِي خَمْسَةِ أَحْوَالٍ أَيْضًا، وَلَكِنْ مَضَرَّتُهَا دُونَ مَضَرَّةِ الْعَشَرَةِ الْأُولَى الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا، فَالْحَالَةُ الْأُولَى الْفَصْدُ عَقِبَ الْجِمَاعِ، وَبَعْدَ الِاسْتِحْمَامِ الْمُخَلَّدِ وَفِي حَالِ الِامْتِلَاءِ مِنْ الطَّعَامِ، وَفِي حَالِ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ وَالْمِعَاءِ مِنْ الثِّقَلِ (وَ) فِي حَالِ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ فَهَذِهِ أَحْوَالٌ يُتَوَقَّى الْفَصْدُ فِيهَا أَيْضًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَصْدَ لَهُ وَقْتَانِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ اضْطِرَارٍ فَأَمَّا وَقْتُ الِاخْتِيَارِ فَهُوَ ضَحْوَةُ النَّهَارِ بَعْدَ تَمَامِ الْهَضْمِ وَالنَّفْضِ، وَأَمَّا وَقْتُ الِاضْطِرَارِ فَهُوَ الْوَقْتُ الْمُوجِبُ الَّذِي لَا يَتَّسِعُ تَأْخِيرُهُ، وَلَا يُلْتَفَتُ فِيهِ إلَى سَبَبٍ مَانِعٍ، وَيَنْبَغِي لِلْمُفْتَصِدِ أَنْ لَا يَمْتَلِئَ مِنْ الطَّعَامِ بَعْدَهُ بَلْ يَتَدَرَّجُ فِي الْغِذَاءِ، وَيُلَطِّفُهُ وَلَا يَغْتَاظُ بَعْدَهُ بَلْ يَمِيلُ إلَى الِاسْتِلْقَاءِ، وَيَحْذَرُ النَّوْمَ عَقِبَ الْفَصْدِ فَإِنَّهُ يُحْدِثُ انْكِسَارًا فِي الْأَعْضَاءِ، وَمَنْ اُفْتُصِدَ وَتَوَرَّمَتْ عَلَيْهِ الْيَدُ فَلْيُفَصَّدْ فِي الْيَدِ الْأُخْرَى بِمِقْدَارِ الِاحْتِمَالِ.
[فَصَلِّ مَا يَكُون مَعَ الْفَاصِد]
(فَصْلٌ)
стр. 156
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ الْفَاصِدِ مَبَاضِعُ كَثِيرَةٌ فِي ذَوَاتِ الشَّعِيرَةِ وَغَيْرِهَا وَيَكُونَ مَعَهُ وَتَرٌ لِيَشُدَّ الذِّرَاعَ بِهِ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ نَافِجَةُ الْمِسْكِ وَأَقْرَاصُهُ حَتَّى إذَا عَرَضَ لِلْمَفْصُودِ غَشْيٌ بَادَرَ يُشَمِّمُهُ النَّافِجَةَ وَيُجَرِّعُهُ مِنْ أَقْرَاصِ الْمِسْكِ شَيْئًا فَتَنْتَعِشُ قُوَّتُهُ بِذَلِكَ. وَلْيَمْسَحْ رَأْسَ مِبْضَعِهِ بِالزَّيْتِ الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ لَا يُوجَعُ عِنْدَ الْبَضْعِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَلْتَحِمُ سَرِيعًا، وَإِذَا أَخَذَ الْمِبْضَعَ فَلْيَأْخُذْهَا بِالْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى، وَيَتْرُكُ السَّبَّابَةَ لِلْجَسِّ وَلْيَنْشُلْ نَشْلًا وَلَا يَغْرِزْ غَرْزًا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُوَسِّعَ الضَّرْبَةَ فِي الشِّتَاءِ لِئَلَّا يَجْمُدَ الدَّمُ وَيُضَيِّقَ الضَّرْبَةَ فِي الصَّيْفِ لِئَلَّا يُسْرِعَ إلَيْهِ الْغِشَاوَةَ، وَأَنْ يَحْفَظَ صِحَّةَ قُوَّةِ الْمَفْصُودِ، وَمَتَى تَغَيَّرَ لَوْنُ الدَّمِ أَوْ حَدَثَ غَشْيٌ أَوْ ضَعْفٌ فِي الْبَدَنِ فَلْيُبَادِرْ إلَى شَدِّهِ وَمَسْكِهِ.
[فَصَلِّ امْتِحَان الْمُحْتَسَب للفصادين]
(فَصْلٌ) : وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُرُوقَ الْمَفْصُودَةَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا عُرُوقٌ فِي الرَّأْسِ وَعُرُوقٌ فِي الْيَدَيْنِ وَعُرُوقٌ فِي الْبَدَنِ وَعُرُوقٌ فِي الرِّجْلَيْنِ وَعُرُوقٌ فِي الشَّرَايِينِ فَيَمْتَحِنُهُمْ الْمُحْتَسِبُ بِمَعْرِفَتِهَا وَبِمَا جَاوَرَهَا مِنْ الْعَضَلِ وَالشَّرَايِينِ وَسَأَذْكُرُ مَا اُشْتُهِرَ مِنْهَا أَمَّا عُرُوقُ الرَّأْسِ الْمَفْصُودَةِ فَعِرْقُ الْجَبْهَةِ، وَهُوَ الْمُنْتَصِبُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ وَفَصْدُهُ يَنْفَعُ مِنْ ثِقَلِ الرَّأْسِ وَثِقَلِ الْعَيْنَيْنِ وَالصُّدَاعِ الدَّائِمِ، وَمِنْهَا الْعِرْقُ الَّذِي فَوْقَ الْهَامَةِ وَفَصْدُهُ يَنْفَعُ مِنْ الشَّقِيقَةِ، وَعُرُوقُ الرَّأْسِ مِنْهَا الْعِرْقَانِ الْبَارِعَانِ الْمَلْوِيَّانِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ وَفَصْدُهُمَا.
стр. 157
يَنْفَعُ مِنْ الرَّمَدِ وَالدَّمْعَةِ وَجَرَبِ الْأَجْفَانِ، وَمِنْهَا عِرْقَانِ يُسَمَّيَانِ الْوُصْوَافَ مِنْ خَلْفِ الْأُذُنَيْنِ يُفْصَدَانِ لِقَطْعِ النَّسْلِ فَيُحَلِّفُهُمْ الْمُحْتَسِبُ أَنْ لَا يَفْصِدُوا أَحَدًا فِيهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ النَّسْلَ وَفِعْلُ هَذَا حَرَامٌ، وَمِنْهَا عُرُوقُ الشَّفَتَيْنِ وَفَصْدُهَا يَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْفَمِ وَالْقِلَاعِ وَأَوْجَاعِ اللِّثَةِ وَأَوْرَامِهَا، وَمِنْهَا الْعُرُوقُ الَّتِي تَحْتَ اللِّسَانِ وَفَصْدُهَا يَنْفَعُ لِلْخَوَانِيقِ وَأَوْرَامِ الرَّأْسِ، وَأَمَّا عُرُوقُ الْيَدَيْنِ فَسِتَّةٌ الْقِيفَالُ وَالْأَكْحَلُ والباسليق وَحَبْلُ الذِّرَاعِ الْوَحْشِيِّ وَالْأُسَيْلِمُ وَالْإِبْطِيُّ وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ الباسليق وَأَسْلَمُ هَذِهِ الْعُرُوقِ الْقِيفَالُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنَحَّى فِي فَصْدِهِ رَأْسُ الْعَضَلَةِ إلَى مَوْضِعٍ لَيِّنٍ وَيُوَسَّعَ بِضْعُهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يُثْنَى، وَأَمَّا الْأَكْحَلُ فَفِي فَصْدِهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ لِأَجْلِ الْعَضَلَةِ الَّتِي تَحْتَهُ، وَرُبَّمَا وَقَعَتْ بَيْنَ عَصَبَيْنِ، وَرُبَّمَا كَانَ فَوْقَهَا عَصَبَةٌ دَقِيقَةٌ مُدَوَّرَةٌ كَالْوَتَرِ، فَيَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ، وَيَجْتَنِبَ فِي حَالِ الْفَصْدِ وَيَحْتَاطَ أَنْ تُصِيبَهُ الضَّرْبَةُ فَيَحْدُثَ مِنْهَا حَدَثٌ مُزْمِنٌ، وَأَمَّا الباسليق فَعَظِيمُ الْخَطَرِ أَيْضًا لِوُقُوعِ الشِّرْيَانِ تَحْتَهُ فَيَجِبُ أَنْ يَحْتَاطَ لِذَلِكَ فَإِنَّ الشِّرْيَانَ إذَا بُضِعَ لَمْ يُرْقَأْ دَمُهُ، فَأَمَّا الْأُسَيْلِمُ فَالْأَصْوَبُ أَنْ يُفْصَدَ طَوِيلًا وَحَبْلُ الذِّرَاعِ يُفْصَدُ مُؤْرَبًا.
(فَصْلٌ) : وَأَمَّا عُرُوقُ الرِّجْلَيْنِ فَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا عِرْقُ النَّسَا وَيُفْصَدُ عِنْدَ الْجَانِبِ الْوَحْشِيِّ مِنْ الْكَعْبِ فَإِنْ خَفِيَ فَلْيُفْصَدْ فِي الشُّعْبَةِ الَّتِي بَيْنَ الْخِنْصِرِ وَالْبِنْصِرِ.
стр. 158
وَمَنْفَعَةُ ذَلِكَ عَظِيمَةٌ سِيَّمَا فِي النِّقْرِسِ، وَمِنْهَا عِرْقُ الصَّافِنِ، وَهُوَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ عِرْقِ النَّسَا وَفَصْدُهُ يَنْفَعُ مِنْ الْبَوَاسِيرِ وَبَدْرِ الطَّمْثِ وَيَنْفَعُ الْأَعْضَاءَ الَّتِي تَحْتَ الْكَبِدِ، وَمِنْهَا عِرْقُ مَأْبِضِ الرُّكْبَةِ، وَهُوَ مِثْلُ الصَّافِنِ فِي النَّفْعِ، وَمِنْهَا الْعِرْقُ الَّذِي خَلْفَ الْعُرْقُوبِ، وَكَأَنَّهُ شُعْبَةٌ مِنْ الصَّافِنِ فَمَنْفَعَةُ فَصْدِهِ مِثْلُ الصَّافِنِ، وَاَلَّذِي يَجُوزُ فَصْدُهُ عَلَى الْأَكْثَرِ شِرْيَانُ الصُّدْغَيْنِ، وَالشِّرْيَانُ الَّذِي بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ، وَقَدْ أَمَرَ جَالِينُوسُ بِفَصْدِهِ فِي الْمَنَامِ.
[فَصَلِّ فِي الْحَجَّامَة]
(فَصْلٌ) وَالْحِجَامَةُ عَظِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ أَقَلُّ خَطَرًا مِنْ الْفَصَادَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَجَّامُ خَفِيفًا رَشِيقًا خَبِيرًا بِالصِّنَاعَةِ، وَأَنْ يَخِفَّ يَدَهُ فِي الشُّرُوطِ وَيَسْتَعْجِلَ ثُمَّ يُعَلِّقَ الْمُحْجِمَةَ، وَعَلَامَةُ خِفَّةِ يَدِهِ أَلَّا يُوجِعَ الْمَحْجُومَ.
[فَصَلِّ أَفَضْل أَوْقَات الْحَجَّامَة]
(فَصْلٌ) : وَأَفْضَلُ أَوْقَاتٍ الْحِجَامَةِ السَّاعَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مِنْ النَّهَارِ، وَأَمَّا مَنَافِعُ الْحِجَامَةِ فَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ تَنْفَعُ مِنْ ثِقَلِ الْحَاجِبَيْنِ وَجَرَبِ الْعَيْنَيْنِ وَالْبَخَرِ فِي الْفَمِ غَيْرَ أَنَّهَا تُورِثُ النِّسْيَانَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ مُؤْخِرَ الدِّمَاغِ مَوْضِعُ الْحِفْظِ وَتُضْعِفُهُ الْحِجَامَةُ» .
[فَصَلِّ فِي الْخِتَان]
(فَصْلٌ) وَيَكُونُ مَعَهُ آلَةُ الْخِتَانِ وَهُوَ الْمُوسُ وَالْمِقَصُّ؛ لِأَنَّ الْخِتَانَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَبِهَذَا قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْخِتَانُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ يَقُولُ: إنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ، وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَسْلَمَ: أَلْقِ عَنْكَ شِعَارَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» ، وَلِأَنَّهُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ الْبَدَنِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 159
فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَصِفَةُ الْخِتَانِ فِي الرَّجُلِ: أَنْ يَقْطَعَ مِنْهُ الْغُلْفَةَ الَّتِي تُوَارِي الْحَشَفَةَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَمَوْضِعُ الْخِتَانِ مِنْهَا الْجِلْدَةُ الَّتِي فِي أَعْلَى الْفَرْجِ، وَهُوَ فَوْقَ الثَّقْبِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ، فَإِنَّ أَسْفَلَ الْفَرْجِ مَجْرَى الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ، وَأَعْلَاهُ ثُقْبَةٌ كَثُقْبَةِ الْإِحْلِيلِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ، وَفَوْقَ ذَلِكَ قِطْعَةُ جِلْدَةٍ كَعُرْفِ الدِّيكِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْخِتَانِ فَيَقْطَعُ مِنْ أَعْلَى تِلْكَ الْجِلْدَةِ، وَفِي هَذَا وَرَدَ «قَوْلُهُ ﷺ لِأُمِّ عَطِيَّةَ: الْخَاتِنَةُ أَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْنَى لِوَجْهِهَا وَأَحْظَى لَهَا عِنْدَ زَوْجِهَا» يَعْنِي خُذِي طَرَفَ الْجِلْدَةِ لَا تَسْتَأْصِلِيهَا، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَعَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَنْ يَفْعَلَا ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمَا وَأَوْلَادِهِمَا، فَإِنْ أَخَلَّا بِهِ أَجْبَرَهُمَا الْإِمَامُ عَلَى فِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ، فَلَوْ خَتَنَ الْحَجَّامُ فَأَخْطَأَ، فَأَصَابَ الْحَشَفَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي تَفْوِيتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ فَمَاتَ الْمَخْتُونُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْهَوَاءُ مُعْتَدِلًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ قَطْعٍ وَاجِبٍ، وَإِنْ كَانَ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى طَرِيقَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا فَصْلَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِذَا قُلْنَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَلَا كَلَامَ، وَإِذَا قُلْنَا: يَضْمَنُ فَبِكَمْ يَضْمَنُ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَضْمَنُ بِكَمَالِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ وَاجِبٍ وَمُخْطِرٍ وَأَيُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا يَضْمَنُ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالثَّانِي فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 160
[الْبَاب الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ فِي الحسبة عَلَى الأطباء والكحالين والجرائحيين والمجبرين]
الطِّبُّ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ وَعَمَلِيٌّ أَبَاحَتْ الشَّرِيعَةُ تَعَلُّمَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ الصِّحَّةِ وَدَفْعِ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ عَنْ هَذِهِ الْبِنْيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ، فَمِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسْلَمِيِّ أَعُودُهُ فَأَرَادَ غُلَامٌ لَهُ أَنْ يُدَاوِيَهُ فَنَهَيْتُهُ فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إلَّا وَأَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً» وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: شِفَاءٌ عَلَّمَهُ مَنْ عَلَّمَهُ وَجَهَّلَهُ مَنْ جَهَّلَهُ.
وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلَّا وَأَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» .
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَبِيبًا إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَكَوَاهُ» .
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رُمِيَ رَجُلٌ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى الْخُلَّةِ فَكَوَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «احْتَفَّ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ طَبِيبَيْنِ كَانَا بِالْمَدِينَةِ
стр. 161
فَقَالَ عَالِجَاهُ فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نُعَالِجُ وَنَحْتَالُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ فَمَا هُوَ إلَّا التَّوَكُّلُ فَقَالَ عَالِجَاهُ فَإِنَّ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ شِفَاءً فَعَالَجَاهُ فَبَرِئَ» ، وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلَا قَائِمَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَمْ مِنْ بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ طَبِيبٌ إلَّا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ ،
وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَطِبَّاءِ مِنْ أَحْكَامِ الطِّبِّ، وَلَا نَرَى أَحَدًا يَشْتَغِلُ بِهِ وَيَتَهَافَتُونَ عَلَى عِلْمِ الْفِقْهِ لَا سِيَّمَا الْخِلَافِيَّاتُ وَالْجَدَلِيَّاتُ، وَالْبَلَدُ مَشْحُونٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِمَّنْ يَشْتَغِلُ بِالْفَتْوَى وَالْجَوَابِ عَنْ الْوَقَائِعِ فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْف يُرَخِّصُ الدِّينُ فِي الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ قَدْ قَامَ بِهِ جَمَاعَةٌ وَإِهْمَالِ مَا لَا قَائِمَ بِهِ؟ ، هَلْ لِهَذَا سَبَبٌ إلَّا أَنَّ الطِّبَّ لَيْسَ يَتَيَسَّرُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى تَوَلِّي الْقَضَاءِ وَالْحُكُومَةِ وَالتَّقَدُّمِ بِهِ عَلَى الْأَقْرَانِ وَالتَّسَلُّطِ عَلَى الْأَعْدَادِ؟ ، هَيْهَاتَ قَدْ انْدَرَسَ عِلْمُ الدِّينِ فَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَإِلَيْهِ الْمَلَاذُ بِأَنْ يُعِيدنَا مِنْ هَذَا الْغُرُورِ الَّذِي يُسْخِطُ الرَّحْمَنَ وَيُضْحِكُ الشَّيْطَانَ.
[فَصَلِّ الشُّرُوط الَّتِي يُجِبْ تَوَافُرهَا فِي الطَّبِيب]
(فَصْلٌ) : وَالطَّبِيبُ هُوَ الْعَارِفُ بِتَرْكِيبِ الْبَدَنِ وَمِزَاجِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَمْرَاضِ الْحَادِثَةِ فِيهَا وَأَسْبَابِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَعَلَامَتِهَا وَالْأَدْوِيَةِ النَّافِعَةِ فِيهَا وَالِاعْتِيَاضِ عَمَّا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا وَالْوَجْهِ فِي اسْتِخْرَاجِهَا وَطَرِيقِ مُدَاوَاتِهَا بِالتَّسَاوِي بَيْنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَدْوِيَةِ فِي كَمْيَّاتِهَا وَيُخَالِفُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَيْفِيَّاتِهَا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يُجْعَلُ لَهُ مُدَاوَاةُ الْمَرْضَى، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى عِلَاجٍ يُخَاطِرُ فِيهِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِمَا لَا عِلْمَ لَهُ فِيهِ وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ» .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُقَدَّمٌ مِنْ أَهْلِ صِنَاعَتِهِمْ فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ مُلُوكَ
стр. 162
الْيُونَانِ كَانُوا يَجْعَلُونَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ حَكِيمًا مَشْهُورًا بِالْحِكْمَةِ ثُمَّ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ أَطِبَّاءِ الْبَلَدِ فَيَمْتَحِنُهُمْ فَمَنْ وَجَدَهُ مُقَصِّرًا فِي عِلْمِهِ أَمَرَهُ بِالِاشْتِغَالِ وَقِرَاءَةِ الْعِلْمِ وَنَهَاهُ عَنْ الْمُدَاوَاةِ.
وَيَنْبَغِي إذَا دَخَلَ الطَّبِيبُ عَلَى الْمَرِيضِ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ مَرَضِهِ، وَعَنْ مَا يَجِدُ مِنْ الْأَلَمِ ثُمَّ يُرَتِّبُ لَهُ قَانُونًا مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَغَيْرَهُ مِنْ الْعَقَاقِيرِ ثُمَّ يَكْتُبُ نُسْخَةً لِأَوْلِيَاءِ الْمَرِيضِ بِشَهَادَةِ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ عِنْدَ الْمَرِيضِ وَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ حَضَرَ وَنَظَرَ إلَى دَائِهِ وَنَظَرَ إلَى قَارُورَتِهِ وَسَأَلَ الْمَرِيضَ هَلْ تَنَاقَصَ بِهِ الْمَرَضُ أَمْ لَا؟ ثُمَّ يُرَتِّبُ لَهُ مَا يَنْبَغِي عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَى الْحَالِ وَيَكْتُبُ لَهُ نُسْخَةً وَيُسَلِّمُهَا لِأَهْلِهِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَذَلِكَ، وَفِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ كَذَلِكَ وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَبْرَأَ الْمَرِيضُ أَوْ يَمُوتَ، فَإِنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ أَخَذَ الطَّبِيبُ أَجَرْتَهُ وَكَرَامَتَهُ، وَإِنْ مَاتَ حَضَرَ أَوْلِيَاؤُهُ عِنْدَ الْحَكِيمِ الْمَشْهُورِ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ النُّسَخَ الَّتِي كَتَبَهَا لَهُمْ الطَّبِيبُ، فَإِنْ رَآهَا عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَصِنَاعَةِ الطِّبِّ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَلَا تَقْصِيرٍ مِنْ الطَّبِيبِ قَالَ: هَذَا قُضِيَ بِفُرُوغِ أَجَلِهِ، وَإِنْ رَأَى الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: خُذُوا دِيَةَ صَاحِبِكُمْ مِنْ الطَّبِيبِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ بِسُوءِ صِنَاعَتِهِ وَتَفْرِيطِهِ فَكَانُوا يَحْتَاطُونَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الشَّرِيفَةِ إلَى هَذَا الْحَدِّ حَتَّى لَا يَتَعَاطَى الطِّبَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا يَتَهَاوَنُ الطَّبِيبُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِمْ عَهْدَ أَبُقْرَاطَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَطِبَّاءِ وَيُحَلِّفَهُمْ أَنْ لَا يُعْطُوا أَحَدًا دَوَاءً مُضِرًّا، وَلَا يُرَكِّبُوا لَهُ سُمًّا، وَلَا يَصِفُوا سِمَامًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعَامَّةِ، وَلَا يَكْذِبُوا النِّسَاءَ الدَّوَاءَ الَّذِي يُسْقِطُ الْأَجِنَّةَ، وَلَا لِلرِّجَالِ الَّذِي يَقْطَعُ النَّسْلَ وَلْيَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَنْ الْمَحَارِمِ عِنْدَ دُخُولِهِمْ عَلَى الْمَرْضَى
стр. 163
وَلَا يُفْشُوا الْأَسْرَارَ، وَلَا يَهْتِكُوا الْأَسْتَارَ، وَلَا يَتَعَرَّضُوا لِمَا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ فِيهِ.
[فَصَلِّ امْتِحَان الْمُحْتَسَب لِلْكَحَّالَيْنِ]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْكَحَّالُونَ فَيَمْتَحِنُهُمْ الْمُحْتَسِبُ بِكِتَابِ حُنَيْنِ بْنِ إِسْحَاقَ أَعْنِي الْعَشْرَ مَقَالَاتٍ فِي الْعَيْنِ فَمَنْ وَجَدَهُ قَيِّمًا فِيمَا امْتَحَنَهُ بِهِ عَارِفًا بِتَشْرِيحِ طَبَقَاتِ الْعَيْنِ وَعَدَدِ السَّبْعَةِ وَعَدَدِ رُطُوبَاتِهَا الثَّلَاثَةِ وَعَدَدِ أَمْرَاضِهَا الثَّلَاثَةِ وَمَا يَتَفَرَّعُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَكَانَ خَبِيرًا بِتَرْكِيبِ الْأَكْحَالِ وَأَمْزِجَةِ الْعَقَاقِيرِ أَذِنَ لَهُ الْمُحْتَسِبُ بِالتَّصَدِّي لِمُدَاوَاةِ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّطَ فِي شَيْءٍ مِنْ آلَاتِ صَنْعَتِهِ مِثْلِ صَنَانِيرِ السَّبَلِ وَالظَّفَرِ وَمَبَاضِعِ الْفَصْدِ وَدُرْجِ الْمَكَاحِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا كَحَّالُو الطُّرُقَاتِ فَلَا يَوْثَقُ بِأَكْثَرِهِمْ إذْ لَا دِينَ لَهُمْ، وَيَصُدُّهُمْ عَنْ التَّهَجُّمِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ بِالْبِضْعِ وَالْكُحْلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَمَخْبَرَةٍ بِالْأَمْرَاضِ وَالْعِلَلِ الْحَادِثَةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرْكَنَ إلَيْهِمْ فِي مُعَالَجَةِ عَيْنَيْهِ، وَلَا يَثِقُ بِأَكْحَالِهِمْ وَأَشْيَافِهِمْ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَصْنَعُ أَشِيَافًا أَصْلُهَا النَّشَا وَالصَّمْغُ وَيَصْبُغُهَا أَلْوَانًا مُخْتَلِفَةً فَيُصْبَغُ الْأَحْمَرُ بالسيلقون وَالْأَخْضَرَ بِالْكُرْكُمِ وَالنِّيلَ وَالْأَسْوَدَ بالقاقيا
стр. 164
وَالْأَصْفَرَ بِالزَّعْفَرَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ أَشِيَافًا مِنْ ماميثا وَيَعْجِنُهُ بِالصَّمْغِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ كُحْلًا مِنْ نَوَى الْإِهْلِيلَجِ الْمَحْرُوقِ وَالْفُلْفُلِ. وَجَمِيعُ غُشُوشِ أَكْحَالِهِمْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا فَيُحَلِّفُهُمْ الْمُحْتَسِبُ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهُمْ مِنْ الْجُلُوسِ لِمُعَالَجَةِ أَعْيُنِ النَّاسِ.
[فَصَلِّ امْتِحَان الْمُحْتَسَب لِلْمُجْبَرَيْنِ]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْمُجَبِّرُونَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَدَّى لِلْجَبْرِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ الْمَقَالَةَ السَّادِسَةَ مِنْ كَنَاشٍ فَوَلِيسِ فِي الْجَبْرِ، وَأَنْ يَعْلَمَ عَدَدَ عِظَامِ الْآدَمِيِّ وَهِيَ مِائَتَا عَظْمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَعْظُمٍ، وَصُورَةَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْهَا وَشَكْلَهُ، وَقَدْرَهُ حَتَّى إذَا انْكَسَرَ مِنْهَا شَيْءٌ أَوْ انْخَلَعَ رَدَّهُ إلَى مَوْضِعِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فَيَمْتَحِنُهُمْ الْمُحْتَسِبُ عَلَى ذَلِكَ.
[فَصَلِّ امْتِحَان الْمُحْتَسَب للجرائحيون]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا الْجَرَائِحِيُّونَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ كِتَابِ جَالِينُوسَ الْمَعْرُوفِ بقاطا جَانِسَ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالْمَرَاهِمِ وَأَنْ يَعْرِفُوا التَّشْرِيحَ وَأَعْضَاءَ الْإِنْسَانِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْعَضَلِ وَالْعُرُوقِ وَالشَّرَايِينِ وَالْأَعْصَابِ لِيَجْتَنِبَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ فَتْحِ الْمَوَادِّ وَقَطْعِ الْبَوَاسِيرِ وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ دُسَتُ الْمَبَاضِعِ فِيهِ مَبَاضِعُ مُدَوَّرَاتُ الرَّأْسِ وَالْمُؤَرَّبَاتُ وَالْحَرْبَاتُ وَفَأْسُ الْجَبْهَةِ وَمِنْشَارُ الْقَطْعِ وَمُخْرَقَةُ الْأُذُنِ وَوِرْدُ السِّلَعِ ومرهمدان الْمَرَاهِمِ وَدَوَاءُ الكندر الْقَاطِعُ لِلدَّمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْرِجُونَ عَلَى النَّاسِ بِعِظَامٍ تَكُونُ مَعَهُمْ فَيَدْفِنُونَهَا فِي الْجُرْحِ ثُمَّ يُخْرِجُونَهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ النَّاسِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَدْوِيَتَهُمْ الْقَاطِعَةَ أَخْرَجَتْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَصْنَعُ مَرَاهِمَ مِنْ الْكِلْسِ الْمَغْسُولِ بِالزَّيْتِ ثُمَّ يَصْبُغَ لَوْنَهُ أَحْمَرَ بِالْمَغْرَةِ وَأَخْضَرَ بِالْكُرْكُمِ وَالنِّيلِ وَالْأَسْوَدِ بِالْفَحْمِ الْمَسْحُوقِ، فَيُعْتَبَرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.
стр. 165
[الْبَاب السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى مُؤَدِّبِي الصَّبِيَّانِ]
لَا يَجُوزُ تَعْلِيمُ الْخَطِّ فِي الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَوِّدُونَ حِيطَانَهَا وَيُنَجِّسُونَ أَرْضَهَا إذْ لَا يَحْتَرِزُونَ مِنْ الْبَوْلِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ بَلْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا لِلتَّعْلِيمِ مَوَاضِعَ شَرَحَهُ فِي أَطْرَافِ الْأَسْوَاقِ، وَيَمْنَعُونَ أَيْضًا مِنْ التَّعْلِيمِ فِي بُيُوتِهِمْ.
[فَصَلِّ مَا يَشْتَرِط فِي الْمُعَلَّم]
(فَصْلٌ) : وَاعْلَمْ أَنَّهَا أَجَلُّ الْمَعَايِشِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «خَيْرُ مَنْ مَشَى عَلَى الْأَرْضِ الْمُعَلِّمُونَ الَّذِينَ كُلَّمَا خَلِقَ الدِّينُ جَدَّدُوهُ» .
فَحِينَئِذٍ يُشْتَرَطُ فِي الْمُعَلِّمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْعِفَّةِ وَالْأَمَانَةِ حَافِظًا لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ حَسَنَ الْخَطِّ وَيَدْرِي الْحِسَابَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُزَوَّجًا، وَلَا يُفْسَحُ لِعَازِبٍ أَنْ يَفْتَحَ مَكْتَبًا لِتَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا، وَقَدْ اُشْتُهِرَ بِالدِّينِ وَالْخَيْرِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهُ بِالتَّعْلِيمِ إلَّا بِتَزْكِيَةٍ مَرْضِيَّةٍ وَثُبُوتِ أَهْلِيَّتِهِ لِذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَدِّبِ أَنْ يَتَرَفَّقَ بِالصَّغِيرِ وَأَنْ يُعَلِّمَهُ السُّوَرَ الْقِصَارَ مِنْ الْقُرْآنِ بَعْدَ حَذَاقَتِهِ بِمَعْرِفَةِ الْحُرُوفِ وَضَبْطِهَا بِالشَّكْلِ وَيُدَرِّجُهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَأْلَفَهُ طَبْعًا ثُمَّ يُعَرِّفُهُ عَقَائِدَ السُّنَنَ ثُمَّ أُصُولَ الْحِسَابِ وَمَا يُسْتَحْسَنُ مِنْ الْمُرَاسَلَاتِ، وَفِي وَقْتِ بَطَالَةِ الْعَادَةِ يَأْمُرُهُمْ بِتَجْوِيدِ الْخَطِّ عَلَى الْمِثَالِ وَيُكَلِّفُهُمْ عَرْضَ
стр. 166
مَا أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ حِفْظًا غَائِبًا لَا نَظَرًا، وَمَنْ كَانَ عُمْرُهُ سَبْعَ سِنِينَ أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عَلِّمُوا صَبِيَاكُمْ الصَّلَاةَ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ» .
وَيَأْمُرُهُمْ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِمَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِمَا وَتَقْبِيلِ أَيَادِيهِمَا عِنْدَ الدُّخُولِ إلَيْهِمَا، وَيَضْرِبُهُمْ عَلَى إسَاءَةِ الْأَدَبِ وَالْفُحْشِ مِنْ الْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ قَانُونَ الشَّرْعِ مِثْلِ اللَّعِبِ بِالْكَعْبِ وَالْبَيْضِ وَالنَّرْدِ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِمَارِ، وَلَا يَضْرِبَ صَبِيًّا بِعَصًا غَلِيظَةٍ تَكْسِرُ الْعَظْمَ، وَلَا رَقِيقَةٍ لَا تُؤْلِمُ الْجِسْمَ بَلْ تَكُونُ وَسَطًا وَيَتَّخِذُ مُجَلَّدًا عَرِيضَ السَّيْرِ وَيَعْتَمِدُ بِضَرْبِهِ عَلَى الْأَلَايَا وَالْأَفْخَاذِ وَأَسَافِلِ الرِّجْلَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لَا يُخْشَى مِنْهَا مَرَضٌ، وَلَا غَائِلَةٌ، وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَدِّبِ أَنْ لَا يَسْتَخْدِمَ أَحَدَ الصِّبْيَانِ فِي حَوَائِجِهِ وَأَشْغَالِهِ الَّتِي فِيهَا عَارٌ عَلَى آبَائِهِمْ كَنَقْلِ التُّرَابِ وَالزِّبْلِ وَحَمْلِ الْحِجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُرْسِلُهُ إلَى دَارِهِ وَهِيَ خَالِيَةٌ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ التُّهْمَةُ، وَلَا يُرْسِلُ صَبِيًّا مَعَ امْرَأَةٍ لِكَتْبِ كِتَابٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ جَمَاعَةَ الْفُسَّاقِ يَحْتَالُونَ عَلَى الصِّبْيَانِ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ السَّائِقُ لَهُمْ أَمِينًا ثِقَةً مُتَأَهِّلًا، فَإِنَّهُ يَتَسَلَّمُ الصِّبْيَانَ فِي الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ وَيَنْفَرِدُ بِهِمْ فِي الْأَمَاكِنِ الْخَالِيَةِ وَيَدْخُلُ عَلَى الصَّبِيَّانِ فِي بُيُوتِهِمْ، وَلَا يُعَلِّمُ الْخَطَّ امْرَأَةً وَلَا جَارِيَةً فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تُعَلِّمُوا نِسَاءَكُمْ الْكِتَابَةَ، وَلَا تُسْكِنُوهُمْ الْغُرَفَ وَلَكِنْ عَلِّمُوهُنَّ سُورَةَ النُّورِ» وَقِيلَ: إنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي
стр. 167
تَتَعَلَّمُ الْخَطَّ كَمَثَلِ الْحَيَّةِ تُسْقَى سُمًّا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ الصِّبْيَانَ مِنْ حِفْظِ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِ ابْنِ الْحَجَّاجِ وَالنَّظَرِ فِيهِ وَيَزْجُرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
[الْبَاب السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الْقَوْمَة وَالْمُؤَذِّنِينَ]
وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرِفَ الْمُحْتَسِبُ عَلَى الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَيَأْمُرُ قَوَمَتَهَا بِكَنْسِهَا وَتَنْظِيفِهَا فِي كُلِّ يَوْمِ مِنْ الْأَوْسَاخِ وَنَفْضِ حُصُرِهَا مِنْ الْغُبَارِ وَمَسْحِ حِيطَانِهَا وَغَسْلِ قَنَادِيلِهَا وَإِشْعَالِهَا بِالذِّكْرِ وَالْوُقُودِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَيَلْزَمُ بِغَلْقِ أَبْوَابِهَا عَقِبَ الصَّلَوَاتِ وَصِيَانَتِهَا مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَمِمَّنْ يَأْكُلُ فِيهَا الطَّعَامَ وَيَنَامُ أَوْ يَعْمَلُ صِنَاعَةً أَوْ يَبِيعُ فِيهَا سِلْعَةً أَوْ يَنْشُدُ فِيهَا ضَالَّةً أَوْ يَجْلِسُ فِيهَا لِحَدِيثِ الدُّنْيَا فَجَمِيعِ ذَلِكَ، فَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ عَنْهُ وَكَرَاهِيَةِ فِعْلِهِ، وَيَتَقَدَّمُ إلَى جِيرَانِ كُلِّ مَسْجِدٍ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ لِإِظْهَارِ مَعَالِمِ الدِّينِ وَإِشْعَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» .
وَفِي الْحَدِيثِ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تُفَضَّلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ
стр. 168
دَرَجَةً» ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيَّةٌ فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ تَقُولُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يُزَالُ أَحَدُهُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ» .
وَفِي الْحَدِيثِ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَا يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» ، وَيُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَمَا يَسْمَعُونَ الْأَذَانَ أَنْ يُبَادِرُوا فِي الْمَشْيِ لِلْمَسْجِدِ لِتَحْصُلَ لَهُمْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا عَاقِلًا قَارِئًا فَقِيهًا سَلِيمَ اللَّفْظِ مِنْ رَثٍّ أَوْ لَثَغٍ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ فَاسِقًا صَحَّتْ إمَامَتُهُ، وَلَا تَنْعَقِدُ وِلَايَتُهُ؛ لِأَنَّ الصِّغَرَ وَالرِّقَّ وَالْفِسْقَ يَمْنَعُ مِنْ الْوِلَايَةِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِمَامَةِ، وَقَدْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِقَوْمِهِ وَكَانَ صَغِيرًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَقْرَأَهُمْ» ، وَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُ هَذَا الْإِمَامَ أَنْ يَكُونَ لَازِمَ الْقُرْآنِ حَافِظًا عَالِمًا بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا حَافِظًا لِلْقُرْآنِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ فَقِيهٌ لَيْسَ بِقَارِئِ وَقَارِئٌ لَيْسَ بِفَقِيهٍ كَانَ الْفَقِيهُ أَوْلَى إذَا كَانَ هُوَ يُقَوِّمُ الْفَاتِحَةَ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ مِنْ الْقُرْآنِ مَحْصُورٌ وَمَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَوَادِثِ غَيْرُ مَحْصُورٍ، وَمِنْ مُهِمَّاتِ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَيَّامِ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَادِ فِي الْأَعْوَامِ، وَفِيهِ السَّاعَةُ الْمَخْصُوصَةُ بِالدُّعَاءِ الْمُجَابِ الَّتِي مَا صَادَفَهَا عَبْدٌ إلَّا
стр. 169
ظَفِرَ بِالطَّلَبِ فَيَأْمُرُ النَّاسَ بِابْتِدَارِهِ فِي الْبَوَاكِرِ وَالْفَوْزِ فِيهِ بِقُرُبَاتِ الْبَدَنَاتِ الْأَخَايِرِ، فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ عَلَى مِثْلِهِ وَبِهِ فُضِّلَ هَذَا الدِّينُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِهِ فَهُوَ وَاسِطَةُ عِقْدِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَجْمُوعِ فَضْلِهَا سُمِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُنَادِهِمْ بِالِاجْتِمَاعِ إلَيْهَا وَرَاقَبَهُمْ عِنْدَ أَوْقَاتِ الْأَذَانِ فِي الْأَسْوَاقِ الَّتِي هِيَ مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ فَمَنْ شُغِلَ عَنْهَا بِتَمْيِيزِ مَكْسَبِهِ أَوْ لُهِيَ عَنْهَا بِالْإِقْبَالِ عَلَى لَهْوِهِ وَلَعِبِهِ فَخُذْهُ بِالْآلَةِ الْعُمَرِيَّةِ الَّتِي تَضَعُ مِنْ قَدْرِهِ وَتُذِيقُهُ وَبَالَ أَمْرِهِ، وَلَا يَمْنَعُكَ مِنْ ذِي شَيْبَةٍ شَيْبَتُهُ، وَلَا مِنْ ذِي هَيْئَةٍ هَيْئَتُهُ: «فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ» .
وَأَمَّا الْإِمَامَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ تَقْلِيدِهَا فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّهَا مِنْ الْوِلَايَاتِ الْوَاجِبَةِ، وَأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِحُضُورِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ فِيهَا وَذَهَبَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَفُقَهَاءُ الْحِجَازِ إلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ فِيهَا نَدْبٌ وَأَنَّ حُضُورَ السُّلْطَانِ فِيهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإِنْ أَقَامَهَا الْمُصَلَّوْنَ عَلَى شُرُوطِهَا انْعَقَدَتْ وَصَحَّتْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ فِيهَا عَبْدًا، وَإِنْ لَمْ تَنْعَقِدْ وِلَايَتُهُ.
وَفِي جَوَازِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ خِلَافٌ، وَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهَا إلَّا بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا أَحْرَارًا مُكَلَّفِينَ لَا يَظْعَنُونَ شِتَاءً، وَلَا صَيْفًا مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَالْإِمَامُ هُوَ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ عَلَى قَوْلٍ وَقِيلَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْبَعِينَ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْخَطِيبُ لَابِسًا لِثَوْبٍ أَسْوَدَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْإِبْرَيْسَمُ أَوْ
стр. 170
مُمْسِكًا لِسَيْفٍ مُذَهَّبٍ فَهُوَ فِسْقٌ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ السَّوَادِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَحْبُوبٍ إذْ أَحَبُّ الثِّيَابِ إلَى اللَّهِ الْبَيَاضُ وَمَنْ قَالَ فِي هَذَا إنَّهُ بِدْعَةٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَرَادَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَلَكِنَّهُ إذَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى بِدْعَةً، وَلَا مَكْرُوهًا وَلَكِنَّهُ تَرْكُ الْأَحَبِّ.
وَيَمْنَعُ الْمُحْتَسِبُ أَيْضًا مَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ النِّدَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ، وَإِذَا كَانَ فِي أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ مَنْ يُطِيلُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَعْجِزَ عَنْهَا الضَّعِيفُ وَيَنْقَطِعَ بِهَا ذُو الْحَاجَاتِ عَنْ حَاجَاتِهِ أَنْكَرَ الْمُحْتَسِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا «أَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ حِينَ أَطَالَ الصَّلَاةَ بِقَوْمِهِ فَقَالَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ» .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْعَجْزِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» .
وَإِذَا قَلَّدَ السُّلْطَانُ فِيهَا إمَامًا كَانَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ وَأَعْلَمَ، وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِيهَا مَعَ حُضُورِهِ، فَإِنْ غَابَ وَاسْتَنَابَ كَانَ مَنْ اسْتَنَابَهُ فِيهَا أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِبْ فِي غَيْبَتِهِ اُسْتُؤْذِنَ السُّلْطَانُ فِيمَنْ يُقَدَّمُ فِيهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ فِيهَا تَرَاضَى أَهْلُ الْمَسْجِدِ بِمَنْ يَؤُمُّهُمْ لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ جَمَاعَتُهُمْ، وَإِذَا صَلَّى إمَامُ هَذَا الْمَسْجِدِ بِجَمَاعَةٍ وَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ تِلْكَ الْجَمَاعَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِيهِ جَمَاعَةً وَصَلَّوْا فُرَادَى لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمُبَايَنَةِ وَالتُّهْمَةِ بِالْمُشَاقَّةِ وَالْمُخَالَفَةِ.
стр. 171
وَفِي الْأَعْوَامِ مَوَاسِمُ لِصَلَوَاتٍ مَخْصُوصَةٍ كَالتَّرَاوِيحِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالرَّغَائِبِ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ تُمْلَأُ فِي هَذِهِ الْمَوَاسِمِ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الْأَقْلَامُ فِي كَتْبِ الطَّاعَاتِ وَمَحْوِ الْآثَامِ وَمَنْ حَضَرَهَا وَلَيْسَ هِمَّتُهُ إلَّا أَنْ يَمُرَّ بِهَا طُرُوقًا وَيُوَاعِدَ إلَيْهَا أَخْدَانَهُ رَفَثًا وَفُسُوقًا فَهَؤُلَاءِ الْخَلْقُ الَّذِينَ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَابْعَثْ عَلَيْهِمْ قَوْمًا يَسْلُبُونَهُمْ سَلْبًا وَيُوجِعُونَهُمْ ضَرْبًا وَيَمْلَئُونَ عُيُونَهُمْ مَهَابَةً وَقُلُوبَهُمْ رُعْبًا، فَإِنَّ بُيُوتَ اللَّهِ مُطَهَّرَةٌ مِنْ الْأَدْنَاسِ، وَلَمْ تُعَمَّرْ لِشَيْطَانِ الْإِنْسِ، وَإِنَّمَا عُمِّرَتْ لِلنَّاسِ فَلَا يَحْضُرُهَا إلَّا رَاكِعٌ وَسَاجِدٌ أَوْ ذَاكِرٌ وَحَامِدٌ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إظْهَارُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَإِشْهَارُ الشَّرِيعَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ لِتَقْوَى عَقَائِدُ الْعَامَّةِ.
[فَصَلِّ امْتِحَان الْمُحْتَسَب لِلْمُؤَذِّنَيْنِ]
(فَصْلٌ) وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْمَنَارَةِ إلَّا عَدْلٌ ثِقَةٌ أَمِينٌ عَارِفٌ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ وَالْأَئِمَّةُ ضُمَنَاءُ فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْآئِمَةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ» وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْتَحِنَهُمْ بِمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ مَنَعَهُ مِنْ الْأَذَانِ حَتَّى يَعْرِفَهَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَذَّنَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ فَأَفْطَرَ الصَّائِمَ أَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَوْ يُصَلُّونَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ فَيَكُونُ هُوَ السَّبَبَ فِي إفْسَادِ أَحْوَالِهِمْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ وَيَقْرَأُ بَابَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْفِقْهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ حَسَنَ الصَّوْتِ وَيَنْهَاهُ الْمُحْتَسِبُ عَنْ النَّغْيِ فِي الْأَذَانِ وَهُوَ التَّمْطِيطُ الْفَاحِشُ وَالتَّطْرِيبُ وَيَأْمُرُهُ إذَا صَعِدَ الْمَنَارَةَ أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ
стр. 172
عَنْ النَّظَرِ إلَى حَرِيمِ النَّاسِ وَدُورِهِمْ، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِ الْعَهْدُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَصْعَدُ إلَى الْمَنَارَةِ غَيْرُ الْمُؤَذِّنِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَنَازِلِ الْقَمَرِ وَشَكْلِ كَوَاكِبِ الْمَنَازِلِ لِيَعْلَمَ أَوْقَاتَ اللَّيْلِ وَمُضِيَ سَاعَاتِهِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً الشَّرْطَيْنِ وَالْبُطَيْنُ وَالثُّرَيَّا وَالدَّبَرَانُ وَالْهَقْعَةُ وَالْهَنْعَةُ وَالذِّرَاعُ وَالنَّثْرَةُ وَالطَّرَفُ وَالْجَبْهَةُ والخرتان والصرفة وَالْعَوَّاءُ والسماك وَالْغَفْرُ والزبانيان وَالْإِكْلِيلُ وَالْقَلْبُ وَالشَّوْلَةُ وَالنَّعَائِمُ وَالْبَلْدَةُ وَسَعْدُ الذَّابِحِ وَسَعْدُ بُلَعٍ وَسَعْدُ السُّعُودِ وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ وَالْفَرْغُ الْمُقَدَّمُ وَالْفَرْغُ الْمُؤَخَّرُ وَبَطْنُ الْحَوْطِ وَهُوَ الرِّشَاءُ فَهَذِهِ جُمْلَةُ عَدَدِ الْمَنَازِلِ، وَالصُّبْحُ يَدُومُ يَطْلُعُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ مِنْ هَذِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَإِذَا عَرَفَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَيِّ مَنْزِلَةٍ هُوَ الصُّبْحُ نَظَرَ إلَى الْمَنْزِلَةِ الْمُعْتَرِضَةِ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ فَيَعْرِفُ حِينَئِذٍ الطَّالِعَ وَالسَّاقِطَ وَكَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّبْحِ وَهَذَا فِيهِ عِلْمٌ وَحِسَابٌ يَطُولُ شَرْحُهُ.
وَمِنْ شَرْطِ الْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا ذَكَرًا فَلَا يَصِحُّ أَذَانُ كَافِرٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَكْرَانَ وَيَصِحُّ أَذَانُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَيُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ فِي الْأَذَانِ وَيَصِحُّ بِدُونِهَا، وَالْكَرَاهِيَةُ فِي الْجُنُبِ أَشَدُّ، وَلِيَكُنْ الْمُؤَذِّنُ عَارِفًا بِالْأَوْقَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْأَذَانُ مَثْنَى وَالْإِقَامَةُ فُرَادَى مَعَ الْإِدْرَاجِ وَأَنْ يَكُونَ قَائِمًا وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ وَيَلْتَفِتُ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَصَدْرُهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ. وَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْأَذَانِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ وَالتَّرْتِيبُ فِي كَلِمَاتِ الْأَذَانِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهِ فَلَوْ عَكَسَ لَمْ يُعْتَدْ بِهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ اسْتِهْزَاءً أَوْ اسْتِهْتَارًا عُزِّرَ تَعْزِيرًا بَلِيغًا، وَلَا يُؤَذِّنُ إلَّا لِفَرِيضَةٍ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ يُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ
стр. 173
وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّذْكَارِ وَالتَّسْبِيحِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ وَيُنَادِي بِالسُّحُورِ أَوَّلًا ثُمَّ يَشْرَبُ الْمَاءَ ثُمَّ يُنَادِي قَرُبَ الصَّبَاحُ ثُمَّ قَرُبَ الْأَذَانُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُطْفِي الْفَانُوسَ ثُمَّ يُؤَذِّنُ وَمَتَى تَعَذَّرَ عَلَيْهِ طفي الْفَانُوسِ كَسَرَهُ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ لِبَعْدِهِ إنَّمَا اعْتِمَادُهُ فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ عَلَى رُؤْيَةِ الْفَانُوسِ وَإِيقَادِهِ وَطَفْيِهِ، وَيَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ، وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالْإِمَامَةِ، فَإِنْ دُفِعَ لِلْإِمَامِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ لَهُ أَخْذُهُ عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ، وَإِنْ رُزِقُوا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَيَأْمُرُ الْمُحْتَسِبُ الْقَوَمَةَ أَنْ يَقِفُوا عَلَى أَبْوَابِ الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَمْنَعُوا الصَّعَالِيكَ مِنْ الدُّخُولِ لِلْكُدْيَةِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَفِي دُخُولِهِمْ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ وَيَمْنَعُوهُمْ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ وَالْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُمْ يُشَوِّشُونَ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ لَا سِيَّمَا مَنْ يَقِفُ وَيَحْكِي أَخْبَارًا وَقِصَصًا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَيُشْغِلُونَ الْعَوَامَّ بِسَمَاعِ كَلَامِهِمْ عَمَّا حَضَرُوا لِأَجْلِهِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ يُرْسِلَ مِنْ جِهَتِهِ أَعْوَانًا لِلْقَوَمَةِ يُسَاعِدُونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْمَصَالِحِ.
وَكَذَلِكَ مِنْ الْمَكْرُوهِ أَيْضًا تَكْثِيرُ الْأَذَانِ فِي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَمَّا مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جَمَاعَةٍ، فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إذَا لَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ غَافِلٌ، وَلَمْ يَكُنْ الصَّوْتُ مِمَّا يَخْرُجُ عَنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَبْلُغَ غَيْرَ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِسُنَّةِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ.
[فَصَلِّ الْحَسَبَة عَلَى قَارِئِي الْقُرْآن]
(فَصْلٌ) وَيَأْمُرُ أَهْلَ الْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ تَلْحِينِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ بِالْأَصْوَاتِ الْمُلَحَّنَةِ كَمَا تُلَحَّنُ الْأَغَانِي وَالْأَشْعَارُ
стр. 174
فَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونِ أَهْلِ الْعِشْقِ وَلُحُونِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَسَيَجِيءُ بَعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ مَفْتُونَةٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ» ، وَلَا يَأْتُونَ إلَى جِنَازَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَدْعِيَهُمْ وَلِيُّ الْمَيِّتِ، وَإِذَا أُعْطُوا شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ جَازَ لَهُمْ أَخْذُهُ عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الْوُعَّاظ]
يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِ الْوُعَّاظِ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا يَتَصَدَّى لِهَذَا الْفَنِّ إلَّا مَنْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّينِ وَالْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَعِلْمِ الْأَدَبِ حَافِظًا الْكِتَابَ الْعَزِيزَ وَلِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَارِ الصَّالِحِينَ وَحِكَايَاتِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَيُمْتَحَنُ بِمَسَائِلَ يُسْأَلُ عَنْهَا مِنْ هَذِهِ الْفُنُونِ، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا مُنِعَ كَمَا اخْتَبَرَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ لَهُ: مَا عِمَادُ الدِّينِ؟ قَالَ: الْوَرَعُ، قَالَ: فَمَا آفَتُهُ؟ قَالَ: الطَّمَعُ، قَالَ: تَكَلَّمَ الْآنَ إنْ شِئْتَ.
وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِيهِ مُكِّنَ مِنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ أَحَبَّ، وَمَنْ لَا يَدْرِي ذَلِكَ وَكَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ مُنِعَ مِنْ الْكَلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ وَدَامَ عَلَى كَلَامِهِ عُزِرَ، وَمَنْ عَرَفَ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ كَلَامِ الْوُعَّاظِ
стр. 175
وَحَفِظَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَأَخْبَارِ الصَّالِحِينَ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَصَدَ الْكَلَامَ يَسْتَرْزِقُ بِهِ وَيَسْتَعِينُ عَلَى قُوَّتِهِ فَيُبِيحُ لَهُ بِشَرْطِ أَلَّا يَصْعَدَ عَلَى مِنْبَرٍ بَلْ يَقِفُ عَلَى قَدَمَيْهِ، فَإِنَّ رُتْبَةَ صُعُودِ الْمِنْبَرِ رُتْبَةٌ شَرِيفَةٌ لَا يَلِيقُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ اُشْتُهِرَ بِمَا وَصَفْنَاهُ وَكَفَى بِهِ عُلُوًّا سُمُوًّا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ عَلَيْهِ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ وَالْأَئِمَّةُ وَكَانَ الْعَصْرُ الْأَوَّلُ لَا يَصْعَدُ فِيهِمْ الْمِنْبَرَ أَلَّا أَحَدُ رَجُلَيْنِ خَطِيبٌ فِي جَامِعٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ رَجُلٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ يَعِظُ النَّاسَ وَيُذَكِّرُهُمْ الْآخِرَةَ وَيُنْذَرُهُمْ وَيُحَذِّرُهُمْ وَيُخَوِّفُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَكَانَ لِلنَّاسِ بِذَلِكَ نَفْعٌ عَظِيمٌ، وَفِي زَمَانِنَا هَذَا لَا يُطْلَبُ الْوَاعِظُ إلَّا لِتَمَامِ شَهْرِ مَيِّتُ أَوْ لَعَقَدَ نِكَاح أَوْ لِاجْتِمَاعِ هَذَيَانٍ، وَلَا يَجْتَمِعُونَ النَّاسُ عِنْده لِسَمَاعِ مَوْعِظَةٍ وَلَا لِفَائِدَةٍ، وَإِنَّمَا صَارَ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ الْفَرَحِ وَاللَّعِبِ وَالِاجْتِمَاعِ وَيَجْرِي فِي الْمَجْلِسِ أُمُورٌ لَا تَلِيقُ مِنْ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَرُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَأَشْيَاءُ لَا يَلِيقُ ذَكَرُهَا وَهَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ وَكَانَ الْأَوْلَى حَسْمُ الْبَابِ فِي ذَلِكَ وَالْمَنْعُ مِنْهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا رَجُلٌ مَشْهُورٌ بِالدِّينِ وَالْخَيْرِ وَالْفَضِيلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا لِلَّهِ مُجْتَهِدًا قَوَّالًا فَعَّالًا، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] .
وَقَالَ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور: ١٧] ، وَالْفُقَهَاءُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ وَالْأُدَبَاءُ وَالنُّحَاةُ يُسَمُّونَ أَهْلَ الذَّكَرِ وَالْوَعْظِ قُصَّاصًا، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَجَالِسُ الْوَعْظِ خَيْرُ الْمَجَالِسِ وَمَلَابِسُهَا أَفْخَرُ الْمَلَابِسِ فِيهَا تَرِقُّ قَسْوَةُ الْقُلُوبِ، وَفِيهَا يُتَابُ مِنْ الذُّنُوبِ وَيُعْتَرَفُ بِالْعُيُوبِ
стр. 176
وَعِنْدَ الْوَاعِظِ تَتَرَقْرَقُ الْعُيُونُ بِالدُّمُوعِ عَلَى الْخُدُودِ وَبِبَرَكَتِهِ يُزْدَادُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا رَأَيْتُمْ رِيَاضَ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا فِيهَا قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ» .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَى مُوسَى ﵇ أَنْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ رِيَاضًا تُنْبِتُ الْمَغْفِرَةَ قَالَ مُوسَى وَمَا هِيَ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ فِيهَا دُعَاةٌ يَدْعُونَ إلَيَّ وَأَلْوِيَتُهُمْ مِثْلُ أَلْوِيَةِ الْأَنْبِيَاءِ يَحُثُّونَ عِبَادِي عَلَى الْخَيْرِ فَيُبْكُونَهُمْ وَيُزَهِّدُونَهُمْ وَيُرَغِّبُونَهُمْ وَيُحَبِّبُونَهُمْ إلَى عِبَادِي، أُولَئِكَ لَهُمْ الرَّحْمَةُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالرِّضْوَانُ الْأَكْبَرُ.
وَلِلْوَاعِظِ شُرُوطٌ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقِيمَ اللِّسَانِ حَسَنَ الْبَيَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ إشَارَةٍ وَرُمُوزٍ، فَقَدْ قِيلَ رُبَّ إشَارَةٍ أَبْلَغُ مِنْ عِبَارَةٍ وَرُبَّ لَحْظٍ أَبْلَغُ مِنْ لَفْظٍ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: الْوَاعِظُ الَّذِي إذَا دَخَلْتَ بَيْتَهُ تَعِظُكَ آلَةُ بَيْتِهِ فَتَرَى إنَاءَ الْوُضُوءِ وَسَجَّادَةَ الصَّلَاةِ.
وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ كَلَامُ الْقُصَّاصِ وَالْوُعَّاظِ الَّذِينَ يَمْزُجُونَ بِكَلَامِهِمْ الْبِدَعَ فَالْقَاصُّ إنْ كَانَ يَكْذِبُ فِي أَخْبَارِهِ فَهُوَ فِسْقٌ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَكَذَا الْوَاعِظُ الْمُبْتَدِعُ يَجِبُ مَنْعُهُ فَلَا يَجُوزُ حُضُورُ مَجْلِسِهِ إلَّا عَلَى قَصْدِ إظْهَارِ الرَّدِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَا يَجُوزُ حُضُورُ سَمَاعِ الْبِدْعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] وَمَهْمَا كَانَ الْوَاعِظُ شَابًّا مُتَزَيِّنًا لِلنِّسَاءِ فِي ثِيَابِهِ وَهَيْئَتِهِ كَثِيرَ الْأَشْعَارِ وَالْإِشَارَاتِ وَالْحَرَكَاتِ، وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ النِّسَاءُ فَهَذَا مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَسَادَ أَكْثَرُ مِنْ الصَّلَاحِ وَيَبِينُ ذَلِكَ مِنْهُ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهِ بَلْ
стр. 177
لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ الْوَعْظُ إلَّا لِمَنْ ظَاهِرُهُ الْوَرَعُ وَهَيْئَتُهُ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ وَزِيُّهُ زِيُّ الصَّالِحِينَ وَإِلَّا فَلَا يَزْدَادُ النَّاسُ إلَّا تَمَادِيًا فِي الضَّلَالِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَضْرِبَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ حَائِلًا يَمْنَعُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ وَالْعَادَاتُ تَشْهَدُ لِهَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ وَيَجِبُ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ وَمَجَالِسِ الْوُعَّاظِ إذَا خِفْنَ الْفِتْنَةَ بِهِنَّ، فَقَدْ مَنَعَتْهُنَّ عَائِشَةُ ﵂ قِيلَ لَهَا: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا مَنَعَهُنَّ مِنْ الْجَمَاعَاتِ» فَقَالَتْ لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ. وَأَمَّا اجْتِيَازُ الْمَرْأَةِ بِالْمَسْجِدِ مُسْتَتِرَةً فَلَا تُمْنَعُ مِنْهُ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَلَّا تَتَّخِذَ الْمَسْجِدَ مَجَازًا أَصْلًا.
وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بَيْنَ يَدَيْ الْوَاعِظِ بِالْأَلْحَانِ عَلَى وَجْهٍ يُغَيِّرُ نَظْمَ الْقُرْآنِ وَيُجَاوِزُ حَدَّ التَّنْزِيلِ مُنْكَرٌ وَمَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي قِرَاءَةِ الْجَنَائِزِ.
[الْبَاب التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الْمُنَجَّمِينَ وَكِتَاب الرَّسَائِل]
أَمَّا الْمُنَجِّمُونَ فَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى النَّهْيِ بِالِاشْتِغَالِ بِهَذَا الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَتَى حَزَّارًا فَصَدَّقَهُ فِي مَقَالِهِ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » . وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ حَدَّثَنَا
стр. 178
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَاكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا عِلْمٌ لَيْسَ يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ بَلْ جَعَلُوهُ أُحْبُولَةً لِأَخْذِ الرِّزْقِ، وَحِينَئِذٍ يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى كُتَّابِ الرَّسَائِلِ أَنَّهُمْ لَا يَجْلِسُوا فِي دَرْبٍ، وَلَا زُقَاقٍ، وَلَا فِي حَانُوتٍ بَلْ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ مُعْظَمَ مَنْ يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ النِّسْوَانِ، وَقَدْ صَارَ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَجْلِسُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْكُتَّابِ وَالْمُنَجِّمِينَ مَنْ لَا لَهُ حَاجَةٌ عِنْدَهُمْ مِنْ الشَّبَابِ وَغَيْرِهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ سِوَى حُضُورِ امْرَأَةٍ تَكْشِفُ نَجْمَهَا أَوْ تَكْتُبُ رِسَالَةً أَوْ حَاجَةً لَهَا فَيُشَاكِلُهَا وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْحَدِيثِ مَعَهَا بِسَبَبِ جُلُوسِهِ وَجُلُوسِهَا وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى أَشْيَاءَ لَا يَلِيقُ ذِكْرَهَا فَإِذَا كَانُوا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ كَانَ أَمْرُهُمْ أَسْهَلَ مِنْ جُلُوسِهِمْ فِي حَانُوتٍ أَوْ دَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيُلْزِمُهُمْ بِالْقَسَامَةِ أَنَّهُمْ لَا يَكْتُبُونَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ شَيْئًا مِنْ الرُّوحَانِيَّاتِ مِثْلُ مَحَبَّةٍ وَتَهْيِيجٍ وَنَزِيفٍ وَرَمَدٍ وَعَقْدِ لِسَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ السِّحْرَ حَرَامٌ فِعْلُهُ وَمَتَى وَجَدَ أَحَدًا يَفْعَلُ ذَلِكَ عَزَّرَهُ لِيَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ كُتَّابُ الرَّسَائِلِ يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكْتُبُوا مَا لَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ كِتَابِ الشُّرُوطِ مِنْ مُبَايَعَةٍ، وَلَا عُهْدَةٍ، وَلَا إجَارَةٍ، وَلَا وَثِيقَةٍ، وَلَا فَرْضٍ، وَلَا مَا هُوَ مِنْ وَظَائِفِ الْعُدُولِ وَكِتَابَتِهِمْ، وَلَا يَنْسَخُوا لِأَحَدٍ نُسْخَةً مَسْطُورٍ
стр. 179
بِيَدِهِ، وَلَا عُهْدَةً، وَلَا نُسْخَةَ إجَارَةٍ، وَلَا يَكْتُبُوا لِامْرَأَةٍ رِسَالَةً لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ فَلَا يَكَادُ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِطَابِهَا لَهُ فِي الْكِتَابِ، وَلَا يَكْتُبُوا أَمْرًا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدَّوْلَةِ، وَلَا يُجَاوِزُونَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ كِتَابَةِ رِسَالَةٍ وَاسْتِعْلَامِ خَبَرٍ وَمَا فِيهِ فَائِدَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُرْسِلِ وَمَا يَتَعَدَّى فِيهِ ضَرَرٌ لِلْغَيْرِ وَمَتَى وَجَدَ أَحَدًا مِنْهُمْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ وَكَتَبَ مَا مُنِعَ مِنْهُ أَقَامَهُ الْمُحْتَسِبُ وَأَدَّبَهُ، فَإِنْ تَابَ أَعَادَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَزَّرَهُ.
[الْبَاب الْخَمْسُونَ يَشْتَمِل عَلَى مُعْرِفَة الْحُدُود وَالتَّعْزِيرَات]
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأَذْكُرُ مَا يَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ فِعْلُهُ مِنْ أُمُورِ الْحِسْبَةِ فِي مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا. فَمِنْ ذَلِكَ السَّوْطُ وَالدِّرَّةُ، أَمَّا السَّوْطُ فَيَتَّخِذُ وَسَطًا لَا بِالْغَلِيظِ الشَّدِيدِ، وَلَا بِالرَّقِيقِ اللَّيِّنِ بَلْ يَكُونُ مِنْ وَسَطَيْنِ حَتَّى لَا يُؤْلِمَ الْجِسْمَ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: «أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنَا فَدَعَا لَهُ بِالسَّوْطِ فَأُتِيَ بِسَوْطِ مَكْسُورٍ فَقَالَ فَوْقَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ فَقَالَ دُونَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ لَانَ فَضَرَبَ بِهِ» .
وَأَمَّا الدِّرَّةُ فَتَكُونُ مِنْ جِلْدِ الْبَقَرِ أَوْ الْجَمَلِ مَخْرُوزَةً وَتَكُونُ هَذِهِ الْآلَةُ مُعَلَّقَةً عَلَى دِكَّةِ الْمُحْتَسِبِ لِيُشَاهِدَهَا النَّاسُ فَتُرْعَدُ مِنْهَا قُلُوبُ الْمُفْسِدِينَ وَيَنْزَجِرُ بِهَا أَهْلُ التَّدْلِيسِ فَإِذَا أُتِيَ لَهُ بِمَنْ زَنَا وَهُوَ بِكْرٌ
стр. 180
جَلَدَهُ مِائَةً فِي مَلَإٍ مِنْ النَّاسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَيَعْنِي بِذَلِكَ الزَّانِيَ، وَأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا مُخْتَارًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُرْتَدًّا وَنَعْنِي بِقَوْلِنَا زَنَا أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ، وَلَا شُبْهَةِ عَقْدٍ، وَلَا مِلْكٍ، وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ وَنَعْنِي بِالْوَطْءِ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ وُجُوبِ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلْحَدِّ الْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ قَائِمًا، وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ عُضْوٍ قِسْطًا مِنْ الضَّرْبِ وَيُتَوَقَّى الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ وَالْفَرْجُ وَالْخَاصِرَةُ وَسَائِرُ الْمَوَاضِعِ الْمَخُوفَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْهُ وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ وَاتَّقِ وَجْهَهُ وَمَذَاكِيرَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالُوا لَا يُتَّقَ الرَّأْسُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَالَ لِلْجَلَّادِ اضْرِبْ الرَّأْسَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي الرَّأْسِ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُغَطًّى فِي الْعَادَةِ فَلَا يُخَافُ إفْسَادُهُ وَالْخَاصِرَةُ كَالرَّأْسِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ اتِّقَاؤُهُ وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ عَلَيْهِ أَخْوَفُ، وَلَا يُجَرَّدُ بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ أَوْ فَرْوَةٌ جُرِّدَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا تَقِيهِ الضَّرْبَ، وَلَا يَتَوَلَّى الضَّرْبَ غَيْرُ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُمْ أَبْصَرُ بِهِ، وَلَا يَبْلُغُ بِالضَّرْبِ مَا يَجْرَحُ وَيَنْهَرُ الدَّمَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتُضْرَبُ جَالِسَةً فِي إزَارِهَا؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فَإِذَا كَانَتْ قَائِمَةً رُبَّمَا تَكَشَّفَتْ وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا لِتَسْتَتِرَ بِهَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا امْرَأَةٌ يَعْنِي شَدَّ الثِّيَابِ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا فَالرَّجْمُ، وَالْمُحْصَنُ هُوَ الَّذِي أَصَابَ زَوْجَةً بِعَقْدِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا فَالْحَدُّ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالْبِكْرُ هُوَ الَّذِي
следующие страницы →