Полный текст (237 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَعِنْدَ الْوَاعِظِ تَتَرَقْرَقُ الْعُيُونُ بِالدُّمُوعِ عَلَى الْخُدُودِ وَبِبَرَكَتِهِ يُزْدَادُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا رَأَيْتُمْ رِيَاضَ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا فِيهَا قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ» .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَى مُوسَى ﵇ أَنْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ رِيَاضًا تُنْبِتُ الْمَغْفِرَةَ قَالَ مُوسَى وَمَا هِيَ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ فِيهَا دُعَاةٌ يَدْعُونَ إلَيَّ وَأَلْوِيَتُهُمْ مِثْلُ أَلْوِيَةِ الْأَنْبِيَاءِ يَحُثُّونَ عِبَادِي عَلَى الْخَيْرِ فَيُبْكُونَهُمْ وَيُزَهِّدُونَهُمْ وَيُرَغِّبُونَهُمْ وَيُحَبِّبُونَهُمْ إلَى عِبَادِي، أُولَئِكَ لَهُمْ الرَّحْمَةُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالرِّضْوَانُ الْأَكْبَرُ.
وَلِلْوَاعِظِ شُرُوطٌ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقِيمَ اللِّسَانِ حَسَنَ الْبَيَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ إشَارَةٍ وَرُمُوزٍ، فَقَدْ قِيلَ رُبَّ إشَارَةٍ أَبْلَغُ مِنْ عِبَارَةٍ وَرُبَّ لَحْظٍ أَبْلَغُ مِنْ لَفْظٍ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: الْوَاعِظُ الَّذِي إذَا دَخَلْتَ بَيْتَهُ تَعِظُكَ آلَةُ بَيْتِهِ فَتَرَى إنَاءَ الْوُضُوءِ وَسَجَّادَةَ الصَّلَاةِ.
وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ كَلَامُ الْقُصَّاصِ وَالْوُعَّاظِ الَّذِينَ يَمْزُجُونَ بِكَلَامِهِمْ الْبِدَعَ فَالْقَاصُّ إنْ كَانَ يَكْذِبُ فِي أَخْبَارِهِ فَهُوَ فِسْقٌ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَكَذَا الْوَاعِظُ الْمُبْتَدِعُ يَجِبُ مَنْعُهُ فَلَا يَجُوزُ حُضُورُ مَجْلِسِهِ إلَّا عَلَى قَصْدِ إظْهَارِ الرَّدِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَا يَجُوزُ حُضُورُ سَمَاعِ الْبِدْعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] وَمَهْمَا كَانَ الْوَاعِظُ شَابًّا مُتَزَيِّنًا لِلنِّسَاءِ فِي ثِيَابِهِ وَهَيْئَتِهِ كَثِيرَ الْأَشْعَارِ وَالْإِشَارَاتِ وَالْحَرَكَاتِ، وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ النِّسَاءُ فَهَذَا مُنْكَرٌ يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَسَادَ أَكْثَرُ مِنْ الصَّلَاحِ وَيَبِينُ ذَلِكَ مِنْهُ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهِ بَلْ
стр. 177
لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ الْوَعْظُ إلَّا لِمَنْ ظَاهِرُهُ الْوَرَعُ وَهَيْئَتُهُ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ وَزِيُّهُ زِيُّ الصَّالِحِينَ وَإِلَّا فَلَا يَزْدَادُ النَّاسُ إلَّا تَمَادِيًا فِي الضَّلَالِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَضْرِبَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ حَائِلًا يَمْنَعُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ وَالْعَادَاتُ تَشْهَدُ لِهَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ وَيَجِبُ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ وَمَجَالِسِ الْوُعَّاظِ إذَا خِفْنَ الْفِتْنَةَ بِهِنَّ، فَقَدْ مَنَعَتْهُنَّ عَائِشَةُ ﵂ قِيلَ لَهَا: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا مَنَعَهُنَّ مِنْ الْجَمَاعَاتِ» فَقَالَتْ لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ. وَأَمَّا اجْتِيَازُ الْمَرْأَةِ بِالْمَسْجِدِ مُسْتَتِرَةً فَلَا تُمْنَعُ مِنْهُ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَلَّا تَتَّخِذَ الْمَسْجِدَ مَجَازًا أَصْلًا.
وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بَيْنَ يَدَيْ الْوَاعِظِ بِالْأَلْحَانِ عَلَى وَجْهٍ يُغَيِّرُ نَظْمَ الْقُرْآنِ وَيُجَاوِزُ حَدَّ التَّنْزِيلِ مُنْكَرٌ وَمَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي قِرَاءَةِ الْجَنَائِزِ.
[الْبَاب التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْحَسَبَة عَلَى الْمُنَجَّمِينَ وَكِتَاب الرَّسَائِل]
أَمَّا الْمُنَجِّمُونَ فَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى النَّهْيِ بِالِاشْتِغَالِ بِهَذَا الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَتَى حَزَّارًا فَصَدَّقَهُ فِي مَقَالِهِ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » . وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ حَدَّثَنَا
стр. 178
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَاكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا عِلْمٌ لَيْسَ يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ بَلْ جَعَلُوهُ أُحْبُولَةً لِأَخْذِ الرِّزْقِ، وَحِينَئِذٍ يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى كُتَّابِ الرَّسَائِلِ أَنَّهُمْ لَا يَجْلِسُوا فِي دَرْبٍ، وَلَا زُقَاقٍ، وَلَا فِي حَانُوتٍ بَلْ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ مُعْظَمَ مَنْ يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ النِّسْوَانِ، وَقَدْ صَارَ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَجْلِسُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْكُتَّابِ وَالْمُنَجِّمِينَ مَنْ لَا لَهُ حَاجَةٌ عِنْدَهُمْ مِنْ الشَّبَابِ وَغَيْرِهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ سِوَى حُضُورِ امْرَأَةٍ تَكْشِفُ نَجْمَهَا أَوْ تَكْتُبُ رِسَالَةً أَوْ حَاجَةً لَهَا فَيُشَاكِلُهَا وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْحَدِيثِ مَعَهَا بِسَبَبِ جُلُوسِهِ وَجُلُوسِهَا وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى أَشْيَاءَ لَا يَلِيقُ ذِكْرَهَا فَإِذَا كَانُوا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ كَانَ أَمْرُهُمْ أَسْهَلَ مِنْ جُلُوسِهِمْ فِي حَانُوتٍ أَوْ دَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيُلْزِمُهُمْ بِالْقَسَامَةِ أَنَّهُمْ لَا يَكْتُبُونَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ شَيْئًا مِنْ الرُّوحَانِيَّاتِ مِثْلُ مَحَبَّةٍ وَتَهْيِيجٍ وَنَزِيفٍ وَرَمَدٍ وَعَقْدِ لِسَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ السِّحْرَ حَرَامٌ فِعْلُهُ وَمَتَى وَجَدَ أَحَدًا يَفْعَلُ ذَلِكَ عَزَّرَهُ لِيَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ كُتَّابُ الرَّسَائِلِ يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكْتُبُوا مَا لَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ كِتَابِ الشُّرُوطِ مِنْ مُبَايَعَةٍ، وَلَا عُهْدَةٍ، وَلَا إجَارَةٍ، وَلَا وَثِيقَةٍ، وَلَا فَرْضٍ، وَلَا مَا هُوَ مِنْ وَظَائِفِ الْعُدُولِ وَكِتَابَتِهِمْ، وَلَا يَنْسَخُوا لِأَحَدٍ نُسْخَةً مَسْطُورٍ
стр. 179
بِيَدِهِ، وَلَا عُهْدَةً، وَلَا نُسْخَةَ إجَارَةٍ، وَلَا يَكْتُبُوا لِامْرَأَةٍ رِسَالَةً لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ فَلَا يَكَادُ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِطَابِهَا لَهُ فِي الْكِتَابِ، وَلَا يَكْتُبُوا أَمْرًا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدَّوْلَةِ، وَلَا يُجَاوِزُونَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ كِتَابَةِ رِسَالَةٍ وَاسْتِعْلَامِ خَبَرٍ وَمَا فِيهِ فَائِدَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُرْسِلِ وَمَا يَتَعَدَّى فِيهِ ضَرَرٌ لِلْغَيْرِ وَمَتَى وَجَدَ أَحَدًا مِنْهُمْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ وَكَتَبَ مَا مُنِعَ مِنْهُ أَقَامَهُ الْمُحْتَسِبُ وَأَدَّبَهُ، فَإِنْ تَابَ أَعَادَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَزَّرَهُ.
[الْبَاب الْخَمْسُونَ يَشْتَمِل عَلَى مُعْرِفَة الْحُدُود وَالتَّعْزِيرَات]
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأَذْكُرُ مَا يَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ فِعْلُهُ مِنْ أُمُورِ الْحِسْبَةِ فِي مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا. فَمِنْ ذَلِكَ السَّوْطُ وَالدِّرَّةُ، أَمَّا السَّوْطُ فَيَتَّخِذُ وَسَطًا لَا بِالْغَلِيظِ الشَّدِيدِ، وَلَا بِالرَّقِيقِ اللَّيِّنِ بَلْ يَكُونُ مِنْ وَسَطَيْنِ حَتَّى لَا يُؤْلِمَ الْجِسْمَ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: «أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنَا فَدَعَا لَهُ بِالسَّوْطِ فَأُتِيَ بِسَوْطِ مَكْسُورٍ فَقَالَ فَوْقَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ فَقَالَ دُونَ هَذَا فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ لَانَ فَضَرَبَ بِهِ» .
وَأَمَّا الدِّرَّةُ فَتَكُونُ مِنْ جِلْدِ الْبَقَرِ أَوْ الْجَمَلِ مَخْرُوزَةً وَتَكُونُ هَذِهِ الْآلَةُ مُعَلَّقَةً عَلَى دِكَّةِ الْمُحْتَسِبِ لِيُشَاهِدَهَا النَّاسُ فَتُرْعَدُ مِنْهَا قُلُوبُ الْمُفْسِدِينَ وَيَنْزَجِرُ بِهَا أَهْلُ التَّدْلِيسِ فَإِذَا أُتِيَ لَهُ بِمَنْ زَنَا وَهُوَ بِكْرٌ
стр. 180
جَلَدَهُ مِائَةً فِي مَلَإٍ مِنْ النَّاسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَيَعْنِي بِذَلِكَ الزَّانِيَ، وَأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا مُخْتَارًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُرْتَدًّا وَنَعْنِي بِقَوْلِنَا زَنَا أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ، وَلَا شُبْهَةِ عَقْدٍ، وَلَا مِلْكٍ، وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ وَنَعْنِي بِالْوَطْءِ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ وُجُوبِ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلْحَدِّ الْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ، وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ قَائِمًا، وَلَا يُمَدُّ، وَلَا يُرْبَطُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ عُضْوٍ قِسْطًا مِنْ الضَّرْبِ وَيُتَوَقَّى الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ وَالْفَرْجُ وَالْخَاصِرَةُ وَسَائِرُ الْمَوَاضِعِ الْمَخُوفَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْهُ وَأَعْطِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ وَاتَّقِ وَجْهَهُ وَمَذَاكِيرَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالُوا لَا يُتَّقَ الرَّأْسُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَالَ لِلْجَلَّادِ اضْرِبْ الرَّأْسَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي الرَّأْسِ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُغَطًّى فِي الْعَادَةِ فَلَا يُخَافُ إفْسَادُهُ وَالْخَاصِرَةُ كَالرَّأْسِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ اتِّقَاؤُهُ وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ عَلَيْهِ أَخْوَفُ، وَلَا يُجَرَّدُ بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ أَوْ فَرْوَةٌ جُرِّدَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا تَقِيهِ الضَّرْبَ، وَلَا يَتَوَلَّى الضَّرْبَ غَيْرُ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُمْ أَبْصَرُ بِهِ، وَلَا يَبْلُغُ بِالضَّرْبِ مَا يَجْرَحُ وَيَنْهَرُ الدَّمَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتُضْرَبُ جَالِسَةً فِي إزَارِهَا؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فَإِذَا كَانَتْ قَائِمَةً رُبَّمَا تَكَشَّفَتْ وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا لِتَسْتَتِرَ بِهَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا امْرَأَةٌ يَعْنِي شَدَّ الثِّيَابِ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا فَالرَّجْمُ، وَالْمُحْصَنُ هُوَ الَّذِي أَصَابَ زَوْجَةً بِعَقْدِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا فَالْحَدُّ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالْبِكْرُ هُوَ الَّذِي
стр. 181
لَمْ يَطَأْ زَوْجَةً بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَغْرِيبِهِ بَعْدَ الْحَدِّ فَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْهُ اقْتِصَارًا عَلَى جَلْدِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ يُغَرَّبُ الرَّجُلُ، وَلَا تُغَرَّبُ الْمَرْأَةُ وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ تَغْرِيبَهُمَا عَامًا عَنْ بَلَدِهِمَا إلَى مَسَافَةٍ أَقَلُّهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَحْدُ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ سَوَاءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا» .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ الرَّجْمُ فَرِيضَةُ اللَّهِ أَنْزَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - إلَّا أَنَّ الرَّجْمَ إذَا أُحْصِنَ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ وَكَانَ الْحَمْلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ، وَقَدْ قَرَأْنَا الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ. وَإِذَا زَنَا الْبِكْرُ بِمُحْصَنَةٍ أَوْ زَنَا الْمُحْصَنُ بِبِكْرٍ جُلِدَ الْبِكْرُ مِنْهُمَا وَرُجِمَ الْمُحْصَنُ، وَإِذَا عَادُوا الزُّنَاءُ بَعْدَ الْحَدِّ حُدُّوا، وَإِذَا زَنَا مِرَارًا قَبْلَ الْحَدِّ حُدَّ لِلْجَمِيعِ حَدًّا وَاحِدًا.
وَالزِّنَاءُ يَثْبُتُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ، أَمَّا الْإِقْرَارُ فَإِذَا أَقَرَّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ بِالزِّنَا مَرَّةً وَاحِدَةً طَوْعًا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحُدُّهُ حَتَّى يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ الْحَدِّ سَقَطَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» .
وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الزِّنَا أَرْبَعُ رِجَالٍ عُدُولٍ لَا امْرَأَةَ فِيهِمْ يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ شَاهِدُونَ دُخُولَ ذَكَرِهِ فِي الْفَرْجِ كَدُخُولِ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَيْسَتْ شَهَادَةً وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مُجْتَمَعِينَ وَمُتَفَرِّقِينَ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا أَقْبَلَهَا إذَا تَفَرَّقُوا وَجَعَلَهُمْ قَذَفَةً، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِذَا لَمْ يَكْمُلْ شُهُودُ الزِّنَاءِ أَرْبَعَةً فَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالزِّنَاءِ هَلْ تُقْبَلُ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَإِذَا رُجِمَ الزَّانِي بِالْبَيِّنَةِ حُفِرَتْ لَهُ بِئْرٌ عِنْدَ رَجْمِهِ وَيَنْزِلُ فِيهَا إلَى
стр. 182
وَسَطِهِ لِيَمْنَعَهُ مِنْ الْهُرُوبِ، فَإِنْ هَرَبَ اُتُّبِعَ وَرُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ، وَإِنْ رُجِمَ بِإِقْرَارِهِ لَمْ يُحْفَرْ لَهُ، وَإِنْ هَرَبَ لَمْ يُتْبَعْ، وَلَا تُحَدُّ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا بَعْدَ الْوَضْعِ حَتَّى تُوجَدَ لِوَلَدِهَا مُرْضِعٌ، وَإِذَا ادَّعَى فِي الزِّنَا شُبْهَةً مُحْتَمَلَةً مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا، فَإِنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ تَرَبَّى فِي بَادِيَةٍ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ لِلْحَدِيثِ، وَإِذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ لَمْ يَسْقُطْ قَالَ اللَّهُ : ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ تَفْوِيضِ الْإِمَامِ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ وِلَايَتِهِ، قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً جَلَدَهَا سَيِّدُهَا نِصْفَ حَدِّ الْحُرَّةِ لِقَوْلِهِ: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، فَإِنْ زَنَتْ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِضَفِيرٍ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ " وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ "، هَذَا مَعَ الْإِقْرَارِ، فَإِنْ كَانَ بِالْبَيِّنَةِ فَالْحَاكِمُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِسَيِّدِهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» .
[فَصَلِّ فِي اللِّوَاط]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا اللِّوَاطُ وَإِتْيَانُ الْبَهَائِمِ، فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ كَالزِّنَاءِ أَوْ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فَثَبَتَ أَنَّهُ يُسَمَّى فَاحِشَةً وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَدِّهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ فِي رَجْمِهِ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ اللِّوَاطَ كَالزِّنَا يُرْجَمُ إنْ كَانَ مُحْصَنًا وَيُجْلَدُ إنْ كَانَ بِكْرًا؛ لِأَنَّهُ فَرْجٌ يَجِبُ بِإِيلَاجٍ فِيهِ الْحَدُّ، وَفَرَّقَ فِيهِ
стр. 183
بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ كَفَرْجِ الْمَرْأَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ فِيهِ وَلَكِنْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَمَّاهُ فَاحِشَةً عَلَى مَا بَيِّنَاهُ وَجَعَلَ حَدَّ الْفَاحِشَةِ الْحَبْسَ إلَى الْمَمَاتِ.
[فَصَلِّ فِي إتْيَان الْبَهَائِم]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا إتْيَانُ الْبَهَائِمِ فَفِيهِ قَوْلَانِ كَاللِّوَاطِ بِشَبَهِهِ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الثَّالِثُ أَنَّهُ يُعَزَّرُ.
قَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ لِلرَّدْعِ عَنْ الْمُشْتَهِي بِدَلِيلِ وُجُوبِهِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ دُونَ شُرْبِ الْبَوْلِ وَفَرْجُ الْبَهِيمَةِ لَا يُشْتَهَى، وَإِنْ مَالَتْ إلَيْهِ بَعْضُ الطِّبَاعِ الْخَبِيثَةِ وَقِيلَ يُطْرَدُ هَذَا الْقَوْلُ فِي اللِّوَاطِ أَيْضًا وَأُخِذَ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعُدُّ إتْيَانَ الْبَهِيمَةِ زِنًا وَالِاسْتِمْنَاءَ بِالْيَدِ زِنًا فَأَخْبَرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْغَيْرِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يُقْتَلُ فَوَجْهُهُ هُوَ أَنَّهُ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» .
فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ كَالزِّنَا فَوَجْهُهُ هُوَ أَنَّهُ فَرْجٌ يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ الْحَدُّ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ بِالْبَكَارَةِ وَالثِّيَابَةِ كَفَرْجِ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْبَهِيمَةُ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ وَجَبَ ذَبْحُهَا فَلِأَيِّ مَعْنًى ذُبِحَتْ فِيهِ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا رُبَّمَا تَأْتِي بِخَلْقٍ مُشَوَّهٍ بَيْنَ الْآدَمِيِّ وَالْبَهِيمَةِ وَقِيلَ لِتَعْلِيلٍ ذَكَرَهُ أَبِي عَبَّاسٍ وَهُوَ أَنَّهُ يُقَالُ هَذِهِ فَعَلَ بِهَا فُلَانٌ فَيُذْكَرُ مَا فَعَلَهُ. فَإِذَا ذُبِحَتْ هَلْ يُؤْكَلُ أَمْ لَا؟
فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهَا ذُبِحَتْ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهَا بَهِيمَةٌ يُؤْكَلُ لَحْمُهَا وَذَبَحَهَا مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلزَّكَاةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَا تُؤْكَلُ فَهَلْ تُذْبَحُ أَمْ لَا؟
فِيهِ وَجْهَانِ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا تُذْبَحُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ» .
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُذْبَحُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «اُقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصَلِّ حَدّ الْقُذُف بِالزِّنَا]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ بِالزِّنَا ثَمَانُونَ جَلْدَةً، فَقَدْ وَرَدَ بِهَا النَّصُّ قَالَ اللَّهُ
стр. 184
تَعَالَى -: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ، وَانْعَقَدَ عَلَيْهَا الْإِجْمَاعُ لَا يُزَادُ فِيهَا، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَيُسْتَحَقُّ بِالطَّالِبِ وَيَسْقُطُ بِالْعَفْوِ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ فِي الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَاءِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ، وَفِي قَاذِفِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ وَجَبَ الْحَدُّ فِيهِ، أَمَّا الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ فِي الْمَقْذُوفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا حُرًّا عَاقِلًا مُسْلِمًا عَفِيفًا، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ كَافِرًا أَوْ سَاقِطَ الْعِفَّةِ بِزِنًا حُدَّ فِيهِ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ لَكِنْ يُعَزَّرُ لِأَجْلِ الْأَذَى وَتَبْرِئَةِ اللِّسَانِ. وَأَمَّا الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي الْقَاذِفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يُحَدَّ، وَلَمْ يُعَزَّرْ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حُدَّ أَرْبَعِينَ بِنِصْفِ حَدِّ الْحُرِّ لِنَقْصِهِ بِالرِّقِّ وَيُحَدُّ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ وَتُحَدُّ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ وَيُفَسَّقُ الْقَاذِفُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَإِنْ تَابَ زَالَ فِسْقُهُ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْحَدِّ وَبَعْدَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ تَوْبَةُ الْقَاذِفِ إكْذَابُ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ الْقَذْفُ الَّذِي صَدَرَ مِنِّي بَاطِلٌ فَإِذَا تَابَ ارْتَفَعَ مَا سِوَى ذَلِكَ الْقَذْفِ مِنْ الْفِسْقِ وَالْمَنْعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْحَدِّ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ تَابَ بَعْدَ الْحَدِّ.
وَالْقَذْفُ بِاللِّوَاطِ وَإِتْيَانُ الْبَهَائِمِ كَالْقَذْفِ بِالزِّنَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَلَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ بِالْكَيْدِ وَالسَّرِقَةِ وَيُعَزَّرُ لِأَجْلِ الْأَذَى.
وَالْقَذْفُ بِالزِّنَا مَا كَانَ صَرِيحًا فِيهِ كَقَوْلِهِ يَا زَانٍ أَوْ قَدْ زَنَيْت أَوْ رَأَيْتُكَ تَزْنِي، فَإِنْ قَالَ يَا فَاجِرُ يَا فَاسِقُ يَا لُوطِيُّ كَانَ كِنَايَةً مُحْتَمِلَةً فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ إلَّا إنْ أَرَادَ بِهِ الْقَذْفَ، وَلَوْ قَالَ يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ كَانَ قَاذِفًا لِأَبَوَيْهِ دُونَهُ فَيُحَدُّ لَهُمَا إنْ طَلَبَا حَدَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا مَيِّتَيْنِ فَيَكُونُ الْحَدُّ مَوْرُوثًا عَنْهُمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَدُّ الْقَذْفِ لَا يُوَرَّثُ، وَلَوْ أَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ
стр. 185
يُصَالِحَ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ بِمَالٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِذَا لَمْ يُحَدَّ الْقَاذِفُ حَتَّى زَنَا الْمَقْذُوفُ لَمْ يَسْقُطْ حَدُّ الْقَذْفِ، وَلَوْ قَالَ يَا عَاهِرُ كَانَ كِنَايَةً عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَصَرِيحًا عِنْدَ آخَرِينَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» .
وَجَعَلَ مَالِكٌ التَّعَرُّضَ فِيهِ كَالتَّصْرِيحِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَلَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يُقِرَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَذْفَ، وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا حُدَّ إلَّا أَنْ يُلَاعِنَ مِنْهَا.
[فَصَلِّ وَطِئَ امْرَأَة فِي نِكَاح مُخْتَلِف فِي إبَاحَته]
(فَصْلٌ) وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي إبَاحَتِهِ كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ لَمْ يُحَدَّ وَقِيلَ إنْ كَانَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ حُدَّ، وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ رُبَّمَا يُؤَوَّلُ إلَى الزِّنَا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ. وَأَمَّا إذَا وُجِدَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يُقَبِّلُهَا وَيُعَانِقُهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، وَإِنْ وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ عُزِّرَ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا، وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ عُزِّرَ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ مُحَرَّمَةٌ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ، وَإِنْ أَتَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ عُزِّرَتَا قِيَاسًا عَلَى الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْ جَارِيَةَ ابْنِهِ عُزِّرَ، وَلَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَإِنْ وَطِئَ أُخْتَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ لَمْ يُبِحْ وَطْأَهَا فَلَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ.
وَالثَّانِي: يُعَزَّرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَإِنْ وَطِئَ امْرَأَةً وَهِيَ حَائِضٌ عُزِّرَ، وَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ وَكَذَا إنْ وَطِئَهَا فِي الْمَكَانِ الْمَكْرُوهِ عُزِّرَ، وَلَا يُحَدُّ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ.
[فَصَلِّ فِي التعازير]
وَالتَّعْزِيرُ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِفِعْلِهِ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالتَّأْدِيبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّعْزِيرِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 186
قَالَ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثْرَ حَتَّى يَأْوِيَهُ الْجَرِينُ فَإِذَا أَوَاهُ الْجَرِينُ وَبَلَغَ ثَمَنُهُ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَفِيهِ غُرْمُ مِثْلِهِ وَجَلَدَاتٌ نَكَالًا» ، فَأَمَّا ضَرْبُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ وَالْمُعَلِّمُ الصَّبِيَّ فَذَاكَ يُسَمَّى تَأْدِيبًا.
وَأَصْلُهُ الْعَزْرُ وَهُوَ الْمَنْعُ وَالزَّجْرُ يُقَالُ عَزَرَهُ إذَا رَفَعَهُ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّصْرُ تَعْزِيرًا؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْعَدُوَّ وَيَمْنَعُهُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] فَكُلُّ مَنْ أَتَى مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا، وَلَا كَفَّارَةَ كَالْمُبَاشَرَةِ الْمُحَرَّمَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَالسَّرِقَةِ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا وَالْخِيَانَةِ بِمَا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَالشَّهَادَةِ بِالزُّورِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي عُزِّرَ.
وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃، وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَبَاحَ الضَّرْبَ لِلزَّوْجِ عِنْدَ نُشُوزِ الزَّوْجَةِ وَقِسْنَا عَلَيْهِ سَائِرَ الْمَعَاصِي عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِ وَحَالِ فَاعِلِهِ، فَيُوَافِقُ الْحُدُودَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ تَأْدِيبُ
اسْتِصْلَاحٍ وَزَجْرٍ
يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الذَّنْبِ، وَيُخَالِفُ الْحُدُودَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّ تَأْدِيبَ ذَوِي الْهَيْئَةِ مِنْ أَهْلِ الصِّيَانَةِ أَخَفُّ مِنْ تَأْدِيبِ أَهْلِ الْبَذَاءَةِ وَالسَّفَاهَةِ
فَيُدْرَجُ فِي النَّاسِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ
، وَإِنْ تُسَاوَوْا فِي الْحُدُودِ الْمُقَدَّرَةِ فَيَكُونُ تَعْزِيرُ مَنْ جَلَّ قَدْرَهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَتَعْزِيرُ مَنْ دُونَهُ مِنْ زَوَاجِرِ الْكَلَامِ وَغَايَتُهُ اسْتِحْقَاقُ الذَّنْبِ الَّذِي لَا قَذْفَ فِيهِ وَلَا سَبَّ، ثُمَّ يَعْدِلُ بِمَنْ دُونَ ذَلِكَ إلَى الْحَبْسِ الَّذِي يَنْزِلُونَ فِيهِ عَلَى حَسَبِ رُتَبِهِمْ بِحَسَبِ هَفَوَاتِهِمْ
стр. 187
فَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ يَوْمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ أَكْثَرَ إلَى غَايَةٍ مَقْدُورَةٍ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ تُقَدَّرُ غَايَتُهُ شَهْرًا لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَفِّ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ لِلتَّأْدِيبِ وَالتَّقْوِيمِ، وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ أَنْ يَجْلِدَهُ جَلَدَهُ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ أَدْنَى الْحَدِّ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ بَلَغَ مَا لَيْسَ بِحَدٍّ فَهُوَ مِنْ التَّعْزِيرِ» وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَاصِيَ دُونَهَا فَلَا يَجِبُ فِيهَا مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ حُرًّا لَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يَبْلُغْ بِهِ عِشْرِينَ جَلْدَةً.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ الضَّرْبُ إلَى الْإِمَامِ يَضْرِبُهُ مَا يَرَى وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجْلِدْ أَحَدًا فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ بِحَالٍ إلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الْحُدُودَ عُقُوبَةَ الْمَعَاصِي مُقَدَّرَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَاقِبَ عَلَى مَا دُونَ تِلْكَ الْمَعَاصِي عُقُوبَتَهَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُنْقِصَ مِنْهَا، وَإِنْ رَأَى الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ تَرَكَ التَّعْزِيرَ جَازَ هَذَا.
نَقْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا فِي الْحُدُودِ» وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّهُ ضَرْبٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَضَرْبِ الزَّوْجَةِ.
وَقَالَ فِي الْمُهَذَّبِ: لَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ
стр. 188
الْآدَمِيِّ فَلَيْسَ لَهُ الْإِهْمَالُ مَعَ الطَّلَبِ لَكِنْ هَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّوْبِيخِ بِاللِّسَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَى الْمُتَوَلِّي أَنْ يَسْتَوْفِيَ لَهُ حَقَّهُ مِنْ تَعْزِيرِ الشَّاتِمِ وَالضَّارِبِ، فَإِنْ عَفَى الْمَشْتُومُ أَوْ الْمَضْرُوبُ كَانَ وَلِيُّ الْأَمْرِ بَعْدَ عَفْوِهِمَا عَلَى خِيَارِهِ فِي فِعْلِ الْمَصْلَحَةِ وَتَعْزِيرِهِ تَقْوِيمًا؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ مِنْ حُقُوقِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ أَوْ الصَّفْحِ عَنْهُ عَفْوًا، فَإِنْ تَعَافَوْا عَنْ الشَّتْمِ وَالضَّرْبِ قَبْلَ التَّرَافُعِ إلَيْهِ سَقَطَ مِنْ التَّعْزِيرِ حَقُّ الْآدَمِيِّ، وَإِذَا عَزَّرَ الْإِمَامُ رَجُلًا فَمَاتَ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا وَلِأَنَّهُ ضَرْبٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ فَكَانَ مَضْمُونًا كَضَرْبِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ وَالْمُعَلِّمِ الصَّبِيَّ، وَإِنَّمَا ضَمِنَا التَّعْزِيرَ؛ لِأَنَّهُ تَأْدِيبٌ مَشْرُوطٌ فِيهِ السَّلَامَةُ فَإِذَا أَفْضَى فِيهِ إلَى التَّلَفِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا رَأَى الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا يُصْلِحُهُ إلَّا الضَّرْبُ لَزِمَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنَّهُ يُصْلِحُهُ غَيْرُ الضَّرْبِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي ذَلِكَ وَأَيَّ الْأَمْرَيْنِ فَعَلَ فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا صِفَاتُ الضَّرْبِ فِي التَّعْزِيرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْعَصَا وَبِالسَّوْطِ الَّذِي كُسِرَتْ ثَمَرَتُهُ، لَا تَجُوزُ أَنْ يُبَلِّغَ بِتَعْزِيرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ إنْهَارَ الدَّمِ، وَضَرْبُ الْحَدِّ يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ بَعْدَ تَوَقِّي مَوَاضِعِ الْمَقَاتِلِ لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ نَصِيبَهُ مِنْ الْحَدِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجَسَدِ وَاخْتُلِفَ فِي ضَرْبِ التَّعْزِيرِ فَأَجْرَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَجْرَى ضَرْبِ الْحَدِّ فِي التَّفْرِيقِ وَجَوَّزَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ جَمِيعَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجَسَدِ وَيَجُوزُ فِي مَكَانِ التَّعْزِيرِ أَنْ يُجَرَّدَ مِنْ
стр. 189
ثِيَابِهِ إلَّا قَدْرُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَيُشْهَرُ فِي النَّاسِ وَيُنَادَى عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَحْلِقَ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَلَا تُحْلَقُ لِحْيَتُهُ وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَسْوِيدِ وَجْهِهِ فَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ، أَمَّا رُكُوبُهُ الدَّابَّةَ مُسْتَدْبَرَةً فَنَقَلَ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ وَالْحُكَّامِ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلَّبَ فِي التَّعْزِيرِ حَيًّا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ وَيُصَلِّي مُومِئًا وَيُعِيدُ إذَا أُرْسِلَ، وَلَا يُجَاوِزُ بِصَلْبِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
[فَصَلِّ التَّعْزِير فِي الْأَمْوَال]
(فَصْلٌ) وَأَمَّا التَّعْزِيرُ فِي الْأَمْوَالِ فَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أُوجِبَ عَلَى مَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ الْحَائِضَ فِي إقْبَالِ الدَّمِ دِينَارٌ، وَفِي إدْبَارِهِ نِصْفُ دِينَارٍ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي مَنْ غَلَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُؤْخَذُ شَطْرُ مَالِهِ عُقُوبَةً لَهُ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِبَةِ بِنْتُ لَبُونٍ مَنْ أَعْطَاهَا مُرْتَجِزًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَأَنَا آخُذَهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا شَيْءٌ» .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَخَذَ سَلَبَ رَجُلٍ قَتَلَ صَيْدًا بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ رَأَى رَجُلًا يَصْطَادُ بِالْمَدِينَةِ فَلَهُ سَلَبُهُ» وَالْمُرَادُ هَاهُنَا بِالسَّلَبِ الثِّيَابُ فَحَسْبُ وَهَذَا مَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَلَّمُوا سَعْدًا فِي هَذَا السَّلَبِ فَقَالَ مَا كُنْتُ أَرُدُّ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَرَاقَ لَبَنًا مَغْشُوشًا.
وَعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّهُ أَحْرَقَ
стр. 190
طَعَامًا مُحْتَكَرًا بِالنَّارِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ لِلْوَالِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ
إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ
. وَأَقُولُ وَلَهُ أَنْ يَكْسِرَ الظُّرُوفَ الَّتِي فِيهَا الْخُمُورُ زَجْرًا، وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَأْكِيدًا لِلزَّجْرِ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ وَلَكِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى الزَّجْرِ وَالْفِطَامِ شَدِيدَةً، وَإِذَا رَأَى الْوَالِي بِاجْتِهَادٍ مِثْلَ تِلْكَ الْحَاجَةِ جَازَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ هَذَا مَنُوطًا بِنَوْعِ اجْتِهَادٍ رَقِيقٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ، فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ لِلسُّلْطَانِ زَجْرُ النَّاسِ عَنْ الْمَعَاصِي بِإِتْلَافِ أَمْوَالِهِمْ وَتَخْرِيبِ دُورِهِمْ الَّتِي فِيهَا يَشْرَبُونَ وَيَعْصُونَ وَإِحْرَاقِ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي يَتَوَصَّلُونَ بِهَا إلَى الْمَعَاصِي؟ فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ لَمْ يَكُنْ خَارِجًا عَنْ سُنَنِ الْمَصَالِحِ وَلَكِنَّا لَا نَبْتَدِعُ الْمَصَالِحَ بَلْ نَتْبَعُ فِيهَا وَكَسْرُ ظُرُوفِ الْخَمْرِ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ لَا يَكُونُ نَسْخًا بَلْ الْحُكْمُ يَزُولُ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ وَيَعُودُ بِعَوْدِهَا، فَإِنَّمَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ لِلْإِمَامِ بِحُكْمِ الِاتِّبَاعِ وَمَنَعْنَا آحَادَ الرَّعِيَّةِ مِنْهُ لِخَفْيِ وَجْهِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ بَلْ نَقُولُ لَوْ أُرِيقَتْ الْخُمُورُ أَوَّلًا فَلَا يَجُوزُ كَسْرِ الْأَوَانِي بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا جَازَ كَسْرُ الْأَوَانِي تَبَعًا لِلْخَمْرِ فَإِذَا خَلَتْ عَنْهَا فَهُوَ إتْلَافُ مَالٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ ضَارِبَةً بِالْخَمْرِ لَا تَصْلُحُ إلَّا لَهَا فَهَذِهِ تَصَرُّفَاتٌ فِقْهِيَّةٌ يَحْتَاجُ الْمُحْتَسِبُ لَا مَحَالَةً لِمَعْرِفَتِهَا.
[فَصَلِّ مَرَاتِب الْحَسَبَة]
(فَصْلٌ) وَاعْلَمْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْحِسْبَةِ الْأَوَّلُ بِالنَّهْيِ، وَالثَّانِي بِالْوَعْظِ، وَالثَّالِثُ بِالرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، أَمَّا الزَّجْرُ يَكُونُ عَنْ الْمُسْتَقْبِلِ وَالْعُقُوبَةُ تَكُونُ عَنْ الْمَاضِي وَالدَّفْعُ عَنْ الْحَاضِرِ الرَّاهِنِ، فَلَيْسَ إلَى آحَادِ الرَّعِيَّةِ إلَّا الدَّفْعُ وَهُوَ إعْدَامُ الْمُنْكِرِ فَمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ إعْدَامِ الْمُنْكِرِ فَهُوَ إمَّا عُقُوبَةٌ عَلَى جَرِيمَةٍ سَابِقَةٍ أَوْ زَجْرٌ عَنْ لَاحِقٍ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْوُلَاةِ لَا إلَى الرَّعِيَّةِ، وَلَا
стр. 191
يَنْفَعُ وَعْظُ مَنْ لَا يَتَّعِظُ وَنَحْنُ نَقُولُ مَنْ عَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُقْبَلُ فِي الْحِسْبَةِ لِعِلْمِ النَّاسِ بِفِسْقِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحِسْبَةُ بِالْوَعْظِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي عِظَتِهِ فَمَنْ لَيْسَ بِصَالِحٍ فِي نَفْسِهِ كَيْف يُصْلِحُ غَيْرَهُ أَوْحَى اللَّهُ ﵎ إلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ يَا ابْنَ مَرْيَمَ عِظْ نَفْسَك، فَإِنْ اتَّعَظْتَ فَعِظْ النَّاسَ وَإِلَّا فَاسْتَحْيِ مِنِّي.
الثَّانِيَةُ التَّخْوِيفُ بِاَللَّهِ وَالتَّهْدِيدُ بِالضَّرْبِ أَوْ مُبَاشَرَةِ الضَّرْبِ حَتَّى يَمْتَنِعَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ كَالْمُوَاظِبِ عَلَى الْغِيبَةِ وَالْقَذْفِ.
الثَّالِثَةُ السَّبُّ وَالتَّعْنِيفُ بِالْقَوْلِ الْخَشِنِ، وَلَا نَعْنِي بِالسَّبِّ الْفُحْشَ بِمَا فِيهِ نِسْبَةٌ إلَى الزِّنَا وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَلَا الْكَذِبَ بَلْ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِمَا فِيهِ مِمَّا لَا يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ الْفُحْشِ كَقَوْلِهِ يَا فَاسِقُ يَا أَحْمَقُ يَا جَاهِلُ أَلَا تَخَافُ اللَّهَ يَا سَيْءَ الْأَدَبِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَهُوَ أَحْمَقُ، وَلَوْلَا حُمْقُهُ لَمَا عَصَى اللَّهَ - تَعَالَى - بَلْ كُلُّ مَنْ لَيْسَ بِكَيِّسٍ فَهُوَ أَحْمَقُ وَالْكَيِّسُ مَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْكِيَاسَةِ حَيْثُ قَالَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» ، وَلِهَذِهِ الرُّتْبَةِ أَدَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُقْدِمَ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَنْعِ بِاللُّطْفِ وَظُهُورِ مَبَادِئِ الْإِضْرَارِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِالْوَعْظِ وَالنُّصْحِ.
وَالثَّانِي: لَا يَنْطِقُ إلَّا بِالصِّدْقِ، وَلَا يَسْتَرْسِلُ فَيُطْلِقُ لِسَانَهُ الطَّوِيلَ بِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ خِطَابَهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الزَّاجِرَةِ لَيْسَتْ تَزْجُرُهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْلِقَهُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى إظْهَارِ الْغَضَبِ وَالِاسْتِحْقَارِ لَهُ وَالْإِزْرَاءِ لِمَحِلِّهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ ضُرِبَ، وَلَوْ اكْفَهَرَّ وَأَظْهَرَ الْكَرَاهَةَ بِوَجْهِهِ لَمْ يُضْرَبْ
стр. 192
لَزِمَهُ، وَلَمْ يَكْفِهِ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَغْضَبَ فِي وَجْهِهِ وَيُظْهِرَ الْإِنْكَارَ.
[فَصَلِّ شَرْط مَا يُنْكِرهُ الْمُحْتَسَب]
(فَصْلٌ) وَمِنْ شَرْطِ مَا يُنْكِرُهُ الْمُحْتَسِبُ أَنْ يَكُونَ مُنْكَرًا مَعْلُومًا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَكُلُّ مَا هُوَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَلَا حِسْبَةَ فِيهِ فَلَيْسَ لِلْحَنَفِيِّ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي أَكْلِ الضَّبِّ وَالضَّبُعِ وَمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، وَلَا لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْحَنَفِيِّ شُرْبَهُ النَّبِيذَ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْكِرٍ وَتَنَاوُلَهُ مِيرَاثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَجُلُوسَهُ فِي دَارٍ أَخَذَهَا بِشُفْعَةِ الْجُوَارِ نَعَمْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْحَنَفِيِّ شُرْبَ النَّبِيذِ وَاَلَّذِي يَنْكِحُ بِلَا وَلِيٍّ قُلْتُ نَعَمْ لَا يَتَعَرَّضُ عَلَى الْحَنَفِيِّ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَإِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَتَّخِذَ دَارِهِ مَدْبَغَةً أَوْ حَانُوتَ قَصَّارٍ أَوْ حَدَّادٍ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ قَالَ الْمَرَاوِزَةُ.
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ إذَا أَحْكَمَ الْجُدْرَانَ وَاحْتَاطَ عَلَى الْعَادَةِ لَا يُمْنَعُ وَتَرَدَّدَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا كَانَ يُؤَدَّى بِدُخَانِ الْخُبْزِ وَاِتَّخَذَهُ مَخْبِزًا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي الْمَنْعِ.
[فَصْل: وَيَمْنَعُ الْمُحْتَسِبُ مِنْ خَصْيِ الْآدَمِيِّ وَالْبَهَائِم]
(فَصْلٌ) وَيَمْنَعُ الْمُحْتَسِبُ مِنْ خَصْيِ الْآدَمِيِّ وَالْبَهَائِمِ (وَ) يُؤَدِّبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ فِيهِ قَوَدًا أَوْ دِيَةً اسْتَوْفَاهُ لِمُسْتَحِقِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَخَاصُمٌ وَتَنَازُعٌ وَيُمْنَعُ مِنْ خِضَابِ الشَّيْبِ بِالسَّوَادِ إلَّا لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي اللِّحْيَةِ عَشْرَ خِصَالٍ مَكْرُوهَةٍ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ وَهُوَ خِضَابُهَا بِالسَّوَادِ وَتَبْيِيضُهَا بِالْكِبْرِيتِ وَتَنْقِيَتُهَا مِنْ الشَّيْبِ وَالنُّقْصَانُ مِنْهَا وَالزِّيَادَةُ وَتَسْرِيحُهَا تَصَنُّعًا لِأَجْلِ الرِّيَاءِ وَتَرْكُهَا شَعِثَةً وَالنَّظَرُ إلَى سَوَادِهَا عَجَبًا بِالشَّبَابِ وَإِلَى بَيَاضِهَا تَكَبُّرًا بِعُلُوِّ السِّنِّ وَخِضَابُهَا بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ تَشَبُّهًا بِالصَّالِحِينَ، وَأَمَّا الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «خَيْرُ شَبَابِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِشُيُوخِكُمْ وَشَرُّ شُيُوخِكُمْ مَنْ تَشَبَّهَ بِشَبَابِكُمْ» وَالْمُرَادُ بِالتَّشَبُّهِ
стр. 193
بِالشُّيُوخِ فِي الْوَقَارِ لَا فِي تَبْيِيضِ الشَّعْرِ وَنَهَى عَنْ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ وَقَالَ هُوَ خِضَابُ أَهْلِ النَّارِ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ خِضَابُ الْكُفَّارِ وَتَزَوَّجَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ وَكَانَ قَدْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فَنَصَلَ خِضَابُهُ وَظَهَرَ شَيْبُهُ فَرَفَعَهُ أَهْلُ الْمَرْأَةِ إلَى عُمَرَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ وَأَوْجَعَهُ ضَرْبًا وَقَالَ غَرَرْت الْقَوْمَ بِالشَّبَابِ وَلَبِسْتَ عَلَيْهِمْ شَيْبَك، وَيُقَالُ أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ وَقَالَ هُوَ نُورُ الْمُؤْمِنِينَ» وَرَدَّ عَمْرُو بْنُ أَبِي لَيْلَى شَهَادَةَ مَنْ كَانَ يَنْتِفُ الشَّيْبَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَيُؤَدِّبُ مَنْ تَصَنَّعَ بِهِ لِلنِّسَاءِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْخِضَابِ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ.
وَأَمَّا مَا طَالَ مِنْ اللِّحْيَةِ، فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَا طَالَ مِنْهَا فَقِيلَ يَقْبِضُ الرَّجُلُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَيَأْخُذُ مَا تَحْتَ الْقَبْضَةِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيُّ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَقَالُوا تَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيْنَا لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَعْفُوا اللِّحَى» وَالْأَمْرُ فِي هَذَا قَرِيبٌ إذَا لَمْ تَنْتَهِ إلَى تَنْقِيصِ اللِّحْيَةِ وَتَدْوِيرِهَا مِنْ الْجَوَانِبِ، فَإِنَّ الطُّولَ الْمُفْرِطَ قَدْ يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ وَيُطْلِقُ أَلْسِنَةَ الْمُغْتَابِينَ، وَلَا بَأْسَ بِالِاحْتِرَازِ عَنْهُ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَجِبْتُ لِرَجُلٍ عَاقِلٍ طَوِيلِ اللِّحْيَةِ كَيْفَ لَا يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ فَجَعَلَهَا لِحْيَتَيْنِ، فَإِنَّ التَّوَسُّطَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ وَلِذَلِكَ قِيلَ كُلَّمَا طَالَتْ اللِّحْيَةُ تَكَوْسَجَ الْعَقْلُ.
الثَّانِي: شَعْرُ الشَّارِبِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «قُصُّوا الشَّارِبَ» ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «حُرُّوا الشَّارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى» ، وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ السَّالَّيْنِ وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ، فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتُرُ الْفَمَ، وَلَا يُبْقِي فِيهِ عُمْرُ الطَّعَامَ إذْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: اُعْفُوَا اللِّحَى أَيْ كَثِّرُوهَا، وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ الْيَهُودَ يَعْفُونَ شَوَارِبَهُمْ وَيَقُصُّونَ لِحَاهُمْ
стр. 194
فَخَالِفُوهُمْ.
وَأَمَّا شَعْرُ الرَّأْسِ فَلَا بَأْسَ بِحَلْقِهِ لِمَنْ أَرَادَ التَّنْظِيفَ، وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهِ لِمَنْ يَفْرِضُهُ وَيُرَجِّلُهُ إلَّا إذَا تَرَكَهُ قَزْحًا أَيْ قَطْعًا فَذَاكَ دَأْبُ أَهْلِ الشَّطَارَةِ، وَمَنْ أَرْسَلَ الذَّوَائِبَ عَلَى هَيْئَةِ أَهْلِ الشَّرَفِ حَيْثُ صَارَ ذَلِكَ شِعَارًا لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَرِيفًا كَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا، وَيُسْتَحَبُّ.
نَتْفَ الْإِبْطِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً وَذَلِكَ سَهْلٌ عَلَى مَنْ تَعَوَّدَهُ وَأَمَّا مَنْ تَعَوَّدَ الْحَلْقَ فَيَكْفِيه إذْ فِي النَّتْفِ تَعْذِيبٌ وَإِيلَامٌ وَالْمَقْصُودُ النَّظَافَةُ.
الرَّابِعُ: شَعْرُ الْعَانَةِ وَيُسْتَحَبُّ إزَالَتُهُ بِالْحَلْقِ وَالنَّوْرَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ الْأَرْبَعِينَ يَوْمًا.
الْخَامِسُ: قَصُّ الْأَظْفَارِ وَقَلْمُهَا مُسْتَحَبٌّ لِشَنَاعَةِ صُورَتِهَا إذَا طَالَتْ وَلِمَا يَجْتَمِعُ فِيهَا مِنْ الْوَسَخِ.
السَّادِسُ: زِيَادَةُ السُّرَّةِ وَقُلْفَةِ الْحَشَفَةِ فَتُقْطَعُ مِنْ أَوَّلِ الْوِلَادَةِ وَأَمَّا التَّطْهِيرُ بِالْخِتَانِ فَعَادَةُ الْيَهُودِ فِعْلُهُ فِي السَّابِعِ مِنْ الْوِلَادَةِ وَمُخَالَفَتُهُمْ بِالتَّأْخِيرِ إلَى أَنْ يَشْتَدَّ الْوَلَدَ أَحَبُّ وَأَبْعَدُ عَنْ الْخَطَرِ.
[فَصَلِّ وَيَمْنَع الْمُحْتَسَب مِنْ التَّكَسُّب بِآلَةِ اللَّهْو]
(فَصْلٌ) وَيَمْنَعُ الْمُحْتَسِبُ مِنْ التَّكَسُّبِ بِآلَةِ اللَّهْوِ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ الْآخِذَ وَالْمُعْطِي وَيُنْهِي الْإِضْرَارَ وَأَهْلَ الْكُدْيَةِ الْمُقِيمِينَ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْكُدْيَةِ بِهِ، وَقَدْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 195
[الْبَاب الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ فِي الْقُضَاة وَالشُّهُود]
الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إبْرَامِ الْأَمْرِ وَالْفَرَاغِ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ : ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] فَلَمَّا كَانَتْ الْقَضَاءُ أُمِرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنُهِيَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَطِبَاعُ النَّاسِ جُبِلَتْ عَلَى التَّنَازُعِ وَحُبِّ الْأَمْوَالِ وَالتَّنَافُسِ فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى حَمْلِهِمْ إلَى الْحَقِّ بِالْيَدِ الْقَاطِعَةِ لِلنِّزَاعِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَمْرِ الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] فَأَخْبَرَ - تَعَالَى - أَنَّ الْقَضَاءَ وَالْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
وَقَوْلُهُ : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] .
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيَعْمَلُ بِهَا» .
وَعَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَنْ السَّابِقُونَ إلَى ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ الَّذِينَ إذَا حَكَمُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» ، وَعَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا جَلَسَ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِهِ هَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ
стр. 196
يُسَدِّدَانِهِ وَيُرْشِدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ فَإِذَا جَارَ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ» .
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» ، وَقَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضٍ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ وَأَمَّا اللَّذَانِ فِي النَّارِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى فِي النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» .
وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ قَاضٍ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَيَعْلَمُ ذَلِكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَذَلِكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ» .
وَعَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُجَاءُ بِالْقَاضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَوَدُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ» .
وَعَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ اقْضِ قَالَ عَلَى مَا اقْضِي قَالَ عَلَى أَنَّك إنْ اجْتَهَدْتَ فَأَصَبْتَ فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ» .
وَرَوَى أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُ «مَعَ الْقَاسِمِ حِينَ يَقْسِمُ وَمَعَ الْقَاضِي حِينَ يَقْضِي» .
وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ، أَمَّا فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَضَى بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ فِي قَضَايَا لَا تُحْصَى كَثِيرَةٍ إلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ وَوَلَّى الْقَضَاءَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ: «فَبَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا وَقَالَ لَهُ إذَا حَضَرَ إلَيْكَ خَصْمَانِ فَلَا تَقْضِ شَيْئًا حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ فَقَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فَمَا أَشْكَلَ عَلَيَّ قَضِيَّةٌ بَعْدَهَا» .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا قَالَ لَهُ بِمَ تَقْضِي؟ قَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي فَقَالَ
стр. 197
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي اللَّهَ:» وَوَلَّى عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ الْقَضَاءَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ إلَى الْبَحْرَيْنِ قَاضِيًا.
وَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَاضِيًا إلَى الْبَصْرَةِ وَكَتَبَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْتَكِمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبِعَةٌ الْفَهْمَ الْفَهْمَ إذَا أُدْلِيَ إلَيْكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ حَقٌّ لَا يُقَادُ لَهُ، سَاوِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَعَدْلِكَ حَتَّى لَا يَطْمَعَ قَوِيٌّ فِي حَيْفِكَ، وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ، الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَالصُّلْحُ بَيْنَ النَّاسِ جَائِزٌ إلَّا صُلْحٌ حَرَّمَ حَلَالًا وَأَحَلَّ حَرَامًا، وَلَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْته بِالْأَمْسِ فَرَاجَعْت فِيهِ نَفْسَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تَرْجِعَ إلَى الْحَقِّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ وَالرُّجُوعَ إلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَاعْرَفْ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ وَقِسْ الْأُمُورَ بِرَأْيِكَ وَاعْمِدْ إلَى أَقْرَبِهَا إلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ، وَاجْعَلْ لِمَنْ يَطْلُبُ حَقًّا غَائِبًا أَوْ شَاهِدًا أَمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ، فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَةً أُخِذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا وُجِّهَتْ لِلْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ أَجْلَى لِلْعَمَى وَأَبْلُغُ فِي الْعُذْرِ
стр. 198
وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ أَوْ مُجْرَى عَلَيْهِ شَهَادَةُ الزُّورِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَلَّى السَّرَائِرَ وَدَرَأَ عَنْكُمْ الشُّبُهَاتِ.
وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَاضِيًا إلَى الْكُوفَةِ.
وَبَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَاضِيًا إلَى الْبَصْرَةِ وَوَلَّى عُثْمَانُ ﵁ شُرَيْحًا قَاضِيًا.
وَالْقَضَاءُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ قَوْمٍ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ، فَإِنْ تَرَكُوا الْقَضَاءَ أَثِمُوا الْجَمِيعُ.
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَاخْتِلَافِ السَّلَفِ فَقِيهَ النَّفْسِ يَعْقِلُ وُجُوهَ الْقِيَاسِ إذَا وَرَدَ، عَالِمًا بِتَخْرِيجِ الْأَخْبَارِ إذَا اخْتَلَفَتْ وَتَرْجِيحِ أَقَاوِيلِ الْأَئِمَّةِ إذَا اشْتَبَهَتْ وَافِرَ الْعَقْلِ أَمِينًا مُتَثَبِّتًا حَلِيمًا ذَا فِطْنَةٍ وَتَيَقُّظٍ لَا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ، وَلَا يُخْدَعُ بِغُرَّةٍ صَحِيحَ حَوَاسِّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ عَارِفًا بِلُغَاتِ أَهْلِ قَضَائِهِ جَامِعًا لِلْعَفَافِ نَزِهًا بَعِيدَ الطَّمَعِ عَدْلًا رَشِيدًا صَدُوقَ اللَّهْجَةِ ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ إذَا حَكَمَ فَصَلَ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ذَا هَيْئَةٍ وَسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ أَوْلَى.
يُحْكَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَلَّى أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ الْقَضَاءَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَزَلَهُ فَقَالَ لَهُ لِمَ عَزَلَتْنِي فَوَاَللَّهِ مَا خُنْتُ، وَلَا خَوَّنْت قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ كَلَامَكَ يَعْلُو كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ إذَا تَحَاكَمَا إلَيْك.
قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ
стр. 199
الْقَاضِي جَائِرًا عَسُوفًا، وَلَا ضَعِيفًا مَهِينًا. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَدِيدًا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ؛ لِأَنَّ الْجَبَّارَ يَهَابُهُ الْخَصْمَ فَلَا يُلْحِنُ بِحُجَّتِهِ، وَالضَّعِيفَ يَطْمَعُ فِيهِ الْخَصْمُ فَيُبْسِطُ لِسَانَهُ.
وَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِكِتَابِ اللَّهِ فِيمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ لَمْ تَكُنْ مَنْسُوخَةً.
وَإِذَا تَكَمَّلَتْ شُرُوطُ الْقَضَاءِ فِي رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ فَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ فَرْضُ عَيْنٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ إذَا دُعِيَ، وَإِنْ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ الْإِمَامُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُوَلِّيَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ إذَا طَلَبَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ بِنَفْسِهِ، وَلَا الطَّلَبُ، وَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَكِنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ وَالْمِيلَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ وُجُوبُهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ وَيَمْنَعُ نَفْسَهُ مِمَّا يَخَافُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَا تَسْقُطُ بِالِاسْتِشْعَارِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ جَمَاعَةٌ يُكَامِلُ فِيهِمْ شُرُوطَ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ تَقْلِيدُ أَفْضَلِهِمْ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلَى الْمَفْضُولِ وَقَلَّدَهُ صَحَّ تَقْلِيدُهُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى كَمَالِ الشُّرُوطِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَأَمَّا إذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ يَصْلُحُونَ، وَفِيهِمْ طَالِبٌ، وَفِيهِمْ مُمْسِكٌ عَنْ الطَّلَبِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَلِّدَ الْإِمَامُ الْمُمْسِكَ دُونَ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ رَاغِبٌ فِي السَّلَامَةِ.
وَرُوِيَ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِّنِي عَلَى الْعَمَلِ الْفُلَانِيِّ فَقَالَ ﷺ إنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ» ، فَلَوْ عَدَلَ الْإِمَامُ عَنْ الْمُمْتَنِعِ وَقَلَّدَ الطَّالِبَ صَحَّ تَقْلِيدُهُ بَعْدَ اعْتِبَارِ حَالِ الطَّالِبِ فِي طَلَبِهِ.
وَلِلْقَاضِي شُرُوطٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَهِيَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ
стр. 200
وَالذُّكُورَةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْعِلْمُ فَلَا يَصِحُّ وِلَايَةُ صَبِيٍّ، وَلَوْ بَلَغَ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ، وَلَا يَصِحُّ وِلَايَةُ الْمَجْنُونِ فَلَوْ كَانَ مُتَوَلِّيًا وَطَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ، وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ إغْمَاءٌ لَمْ يُؤْثِرْ فِي وِلَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمَرَضِ، وَلَا يَصِحُّ وِلَايَةُ الْعَبْدِ، وَلَا مَنْ لَمْ تَكْمُلْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ تَقْلِيدُ الْمَرْأَةِ، وَلَا الْخُنْثَى خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَا يَصِحُّ وِلَايَةُ الْكَافِرِ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا عَلَى أَهْلِ دِينِهِ وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ تَقْلِيدَهُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، وَأَنْفَذَ أَحْكَامَهُ.
وَلَا يَصِحُّ وِلَايَةُ الْفَاسِقِ، وَالْعَدَالَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ وَالْحَاكِمُ يَجِبُ اتِّبَاعُ قَوْلِهِ وَامْتِثَالُ حُكْمِهِ وَالْفَاسِقُ مَأْمُورٌ بِالتَّوَقُّفِ فِي قَوْلِهِ فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَقُرِئَ فَتَثَبَّتُوا، وَلَا يَصِحُّ وِلَايَةُ الْأَعْمَى وَطَرَآنُ الْعَمَى يُبْطِلُ، وَلَا اعْتِبَارَ بِضَعْفِ الْعَيْنِ إذَا حَقَّقَ الْأَشْخَاصَ مِنْ قُرْبٍ، وَلَا بِالْعَشَا الْمَانِعِ مِنْ الرُّؤْيَةِ بِاللَّيْلِ، وَلَا بِالْعَوَرِ، وَلَا يَصِحُّ وِلَايَةُ الْأَصَمِّ وَطَرَآنُ الصَّمَمِ بَعْدَ الْوِلَايَةِ مُبْطِلٌ لَهَا وَثِقَلُ السَّمْعِ لَا يُبْطِلُ ذَلِكَ إذَا سَمِعَ الْعَالِيَ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَمَتَى لَمْ يَسْمَعْ مُنِعَ، وَلَا يَصِحُّ وِلَايَةُ الْأَخْرَسِ، وَلَا تَقْلِيدُهُ وَطَرَآنُهُ أَيْضًا يُبْطِلُ الْوِلَايَةَ وَجَوَّزَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ وِلَايَتَهُ، وَلَا يَصِحُّ وِلَايَةُ الْعَامِّيِّ وَقَوْلٌ ضَعِيفٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِجَوَازِ ذَلِكَ إذَا كَانَ يُرَاجِعُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَيَحْكُمُ بِمَا يَقُولُونَ، وَفِي تَوْلِيَةِ الْأُمِّيِّ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ إذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمِّيًّا.
وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ فَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، أَمَّا الْكِتَابُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى
стр. 201
الْأَحْكَامِ وَهِيَ خَمْسُ مِائَةِ آيَةٍ، وَقَدْ يُمْكِنُ الْمُجْتَهِدَ أَنْ يَسْتَنْبِطَ أَحْكَامًا أُخَرَ مِنْ آيَاتٍ سِوَى هَذِهِ الْآيَاتِ وَاَللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَلَا يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ حِفْظُهَا بَلْ يَكْفِيه مَعْرِفَتُهَا إذَا رَجَعَ إلَيْهَا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ وَهِيَ إنْ كَانَتْ مَذْكُورَةً مَحْصُورَةً مُدَوَّنَةً فَلَا يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ حِفْظُهَا أَيْضًا بَلْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهَا وَهِيَ كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَسُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْأَحْكَامِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ حَتَّى لَا يَحْكُمَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ الْقِيَاسَ وَهُوَ الْأَصْلُ الرَّابِعُ مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ، هَذِهِ جَمِيعُهُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ.
ثُمَّ هَذِهِ الشُّرُوطُ أَطْلَقَهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ خَلَى الْعَصْرُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ، قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الصَّحِيحُ صِحَّةُ وِلَايَةِ مَنْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ الْقَاهِرُ لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ لَكِنَّهُ يَعْصَى بِتَفْوِيضِ الْوِلَايَةِ إلَى الْفَاسِقِ وَالْجَاهِلِ، وَلَوْ وَلَّاهُ لَا بُدَّ مِنْ تَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ لِلضَّرُورَةِ.
وَالْوِلَايَةُ تَنْعَقِدُ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ وَبِكِنَايَةٍ أَمَّا الصَّرِيحُ فَأَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ قَلَّدْتُكَ الْقَضَاءَ أَوْ وَلَّيْتُك أَوْ اسْتَخْلَفْتُك أَوْ اسْتَنَبْتُك، وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَأَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ وَهِيَ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ فِي الْقَضَاءِ أَوْ عَوَّلْتُ عَلَيْكَ أَوْ عَهِدْتُ إلَيْكَ أَوْ وَكَّلْتُ إلَيْك.
وَلَوْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إلَى رَجُلٍ فِي مَالَ وَحَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ قَاضٍ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْمَدِينَةِ حَاكِمٌ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَزْلٌ لِلْحَاكِمِ وَافْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ إذَا جَوَّزْنَا ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلَى صِفَةٍ يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَوْلِيَتُهُ ثُمَّ
стр. 202
لَا يَنْفُذُ إلَّا عَلَى مَنْ رَضِيَ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَمَنْ ذَهَبَ لِلْجَوَازِ قَالَ إلَّا فِي النِّكَاحِ وَاللِّعَانِ وَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَمْرُهَا خَطَرٌ فَاخْتَصَّتْ بِالْحَاكِمِ الْمُقَلَّدِ مِنْ الْإِمَامِ.
قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ لِلْحُكْمِ فِي مَوْضِعٍ وَاسِعٍ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ يَعْرِفُهُ النَّاسُ وَيَقْصِدُونَهُ، وَلَا يَكُونُ فِي الْجَامِعِ، وَلَا فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ الْجُنُبُ وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ أَوْ الذِّمِّيُّ أَوْ الصَّبِيُّ أَوْ الْحَافِي، وَمَنْ لَا يَحْتَرِزُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَيُؤْذُونَ الْمَسْجِدَ وَيُوَسِّخُونَ الْحُصْرَ، وَقَدْ تَرْتَفِعُ الْأَصْوَاتُ وَيَكْثُرُ اللَّغَطُ فِيهِ عِنْدَ ازْدِحَامِ النَّاسِ وَمُنَازَعَاتِهِمْ لِلْخُصُومِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَظْهِرَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَّى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ الْحِسْبَةَ فَنَزَلَ إلَى الْجَامِعِ جَامِعِ الْمَنْصُورِ فَوَجَدَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ فَقَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] .
وَقَدْ مَكَّنَ اللَّهُ خَلِيفَتَهُ الْمُسْتَظْهِرَ بِاَللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَبَسَطَ يَدَهُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ جَعَلَنِي اللَّهَ وَإِيَّاكَ نَائِبَيْنِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَائِمَيْنِ فِي رَعِيَّتِهِ بِحُدُودِ اللَّهِ " وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ " وَنَحْنُ أَوْلَى مَنْ يَعْمَلُ بِحُدُودِ اللَّهِ وَلُزُومِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ لِتَقْتَدِيَ بِنَا الْعَامَّةُ وَنَحْنُ مِلْحُ الْبَلَدِ نُصْلِحُ مَا يَفْسُدُ مِنْ أَحْوَالِ الْعَامَّةِ فَإِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ مَنْ يُصْلِحُهُ؟ وَمَجْلِسُكَ هَذَا لَا يَصْلُحُ فِي الْجَامِعِ أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧] وَلَيْسَ
стр. 203
فِي هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّهُ لَيَدْخُلَ إلَيْك الْمَرْأَةُ لِتَحْتَكِمَ مَعَ بَعْلِهَا وَمَعَهَا الطِّفْلُ فَيَبُولُ عَلَى الْحُصْرِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَمْشِي عَلَى النَّجَاسَاتِ وَالْقَذِرِ وَيَدُوسُ الْحُصْرَ بِنَعْلِهِ، وَإِنَّ الْأَصْوَاتَ لَتَرْتَفِعَ بِاللَّغَطِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَنْزِيهِ الْمَسَاجِدِ عَنْهُ، قَالَ فَنَهَضَ الْقَاضِي مِنْ وَقْتِهِ، وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَهَا يَجْلِسُ فِي الْجَامِعِ لِلْقَضَاءِ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا كَانَ فِي الْقُضَاةِ مَنْ يَحْتَجِبُ عَنْ الْخُصُومِ إذَا قَصَدُوهُ وَيَمْنَعُ النَّظَرَ بَيْنَهُمْ إذَا تَحَاكَمُوا إلَيْهِ حَتَّى تَقِفَ الْأَحْكَامُ وَتَتَصَرَّخَ الْخُصُومُ فَلِلْمُحْتَسِبِ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ مَعَ ارْتِفَاعِ الْأَعْذَارِ، وَلَا يَمْنَعُهُ عُلُوُّ مَرْتَبَتِهِ مِنْ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ، فَقَدْ مَرَّ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْبَطْحَاءِ مُتَوَلِّي الْحِسْبَةِ بِجَانِبَيْ بَغْدَادَ بِبَابِ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَاضِي الْقُضَاةِ فَرَأَى الْخُصُومَ جُلُوسًا عَلَى بَابِهِ يَنْتَظِرُونَ جُلُوسَهُ لِلنَّظَرِ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ طَلَعَ النَّهَارُ وَهَجَرَتْ الشَّمْسُ فَوَقَفَ وَاسْتَدْعَى حَاجِبَهُ وَقَالَ تَقُولُ لِقَاضِي الْقُضَاةِ الْخُصُومُ جُلُوسٌ بِالْبَابِ وَبَلَغَتْهُمْ الشَّمْسُ وَتَأَذَّوْا بِالِانْتِظَارِ فَإِمَّا أَنْ تَجْلِسَ لَهُمْ أَوْ تُعَرِّفَهُمْ عُذْرَكَ لِيَنْصَرِفُوا وَيَعُودُوا.
وَمَتَى رَأَى الْمُحْتَسِبُ رَجُلًا يَسْفُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ يَطْعَنُ عَلَى الْحَاكِمِ فِي حُكْمِهِ أَوْ لَا يَنْقَادُ إلَى حُكْمِهِ عَزَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا رَأَى الْقَاضِيَ قَدْ اسْتَشَاطَ عَلَى رَجُلٍ غَيْظًا وَيَشْتُمُهُ أَوْ يَحْقِدُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ وَدَّعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَوَعَظَهُ وَخَوَّفَهُ بِاَللَّهِ ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلَا يَقُولُ هَجْرًا، وَلَا يَكُونُ فَظًّا غَلِيظًا، وَغِلْمَانُهُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَعْوَانُهُ إنْ كَانَ فِيهِمْ شَابٌّ حَسَنُ الصُّورَةِ لَا يَبْعَثُهُ الْقَاضِي لِإِحْضَارِ النِّسْوَانِ.
وَأَمَّا الْوُكَلَاءُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِمْ، وَلَا مَصْلَحَةَ لِلنَّاسِ بِهِمْ
стр. 204
فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقُ الدِّينِ يَأْخُذُ مِنْ الْخَصْمَيْنِ شَيْئًا ثُمَّ يَتَمَسَّكُونَ فِيهِ بِسَبَبِ الشَّرْعِ فَيُوقِفُونَ الْقَضِيَّةَ فَيَضِيعُ الْحَقُّ وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ طَالِبِهِ وَصَاحِبِهِ فَإِذَا حَضَرَ الْخَصْمَانِ، فَإِنَّ الْحَقَّ يَظْهَرُ سَرِيعًا مِنْ كَلَامِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَكِيلٌ فَكَانَ تَرْكُ الْوُكَلَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوْلَى مِنْ نَصْبِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْبُرُوزِ فَتُوَكِّلُ، أَوْ صَبِيٌّ فَحِينَئِذٍ يُنَصِّبُ الْحَاكِمُ عَنْهُ وَكِيلًا.
[فَصَلِّ فِي الشُّهُود وَمَا يَتَعَلَّق بِهِمْ]
الْعَدَالَةُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الِاسْتِقَامَةِ وَالْعَدْلُ مَأْخُوذٌ مِنْ الِاعْتِدَالِ وَسُمِّيَ الْعَدْلُ عَدْلًا لِاسْتِوَاءِ أَفْعَالِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا مَيْلٌ عَنْ الصَّوَابِ، وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بِفَضْلِهَا فِي مَوَاضِعَ وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ أَعْلَى مَنَازِلِ الرِّيَاسَةِ وَرَفَعَهَا وَنَسَبَهَا إلَى نَفْسِهِ وَشَرَّفَ بِهَا مَلَائِكَتَهُ وَأَجَلَّ خَلْقِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فَجَعَلَ كُلَّ نَبِيٍّ شَهِيدًا عَلَى أُمَّتِهِ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ خَلْقِهِ فِي عَصْرِهِ فَجَعَلَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْزِلَةً وَأَعْلَى رُتْبَةً وَكَفَى بِالشَّهَادَةِ شَرَفًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَفَضَ الْفَاسِقَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَرَفَعَ الْعَدْلَ بِقَبُولِهَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الْمَرْضِيُّ فَقَالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] يَعْنِي هُوَ مَا يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ النَّاسِ بِالشُّهُودِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ فَهُمْ حُجَّةُ الْأَنَامِ وَبِقَوْلِهِمْ تَنْفُذُ الْأَحْكَامُ، وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَكْرِمُوا الشُّهُودَ
стр. 205
فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَخْرِجُ بِهِمْ الْحُقُوقَ وَيَدْفَعُ بِهِمْ الظُّلْمَ» .
وَسَمَّاهُمْ الْبَيِّنَةَ لِوُقُوعِ صِحَّةِ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِمْ وَارْتِفَاعِ الْإِشْكَالِ بِشَهَادَتِهِمْ وَذَلِكَ غَايَةُ التَّزْكِيَةِ، وَإِنَّهَا أَصْلٌ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ فَالْإِمَامُ لَا تَثْبُتُ وِلَايَتُهُ، وَلَا تَلْزَمُ طَاعَتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَالْقَاضِي لَا تَنْفُذُ أَحْكَامُهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَالْمُفْتِي لَا تَلْزَمُ فَتَاوِيه مَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، فَالْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ وَالْقَاضِي عَامِلٌ بِقَوْلِهِمْ وَمُعَوِّلٌ عَلَى خَبَرِهِمْ وَبِقَوْلِ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ تُقْتَلُ النُّفُوسُ وَتَحِلُّ الْفُرُوجُ وَيُزَالُ الضَّلَالُ وَتَنْتَقِلُ الْأَمْوَالُ وَتُوجَبُ الْحُدُودُ، وَلَا يَسَعُهُمْ مُخَالَفَتُهُمْ فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ الْمُتَصَدِّي لِهَذِهِ الرُّتْبَةِ أَنْ يَعْمَلَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الشَّهَادَةِ وَتَحَمُّلِهَا وَآدَابِهَا وَهِيَ أَفْضَلُ حَالَاتِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَأَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ عَلَى أَدَاءِ حَقِّهَا وَالْقِيَامِ بِهَا وَيَسْتَعِيذُ مِمَّنْ يَبْتَغِيهَا وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا طَلَبًا لِلرِّيَاسَةِ لَهَا بَعْدَ ذِلَّةٍ وَالْإِكْثَارِ بَعْدَ قِلَّةٍ فَلَا يُنَازَعُ إذَا قَالَ، وَلَا يُعَارَضُ بِحَالٍ، أَوْ طَلَبًا لِلتَّشَفِّي مِمَّنْ عَادَاهُ وَالرِّفْعَةِ عَلَى مَنْ سَاوَاهُ وَالتَّكَبُّرِ وَالْمُبَاهَاةِ فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَقَدْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَلَزِمَهُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَصَنَّعَ الْعَدَالَةَ لِيَشْهَدَ بَيْنَ يَدَيْ الْحُكَّامِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ لِجَامًا مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَالْوَيْلُ لِمَنْ دَخَلَ تَحْتَ هَذَا الْوَعِيدِ وَلَعَمْرِي لَقَدْ تَحَمَّلَ أَمْرًا شَدِيدًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا شَهِدَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي بِجَهْلٍ فَهَلَكَ وَأَهْلَكَ، وَإِنْ شَهِدَ بِالزُّورِ فَالْوَيْلُ لَهُ مِنْ الثُّبُورِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ فَشَهِدَ عِنْدَهُ
стр. 206
رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي قَامَتْ بِأَمْرِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ لَقَدْ كَذَبَا عَلَيَّ وَمَا فَعَلَا ذَلِكَ إلَّا غَيْظًا فَاسْتَوَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ جَالِسًا وَكَانَ مُتَّكِئًا. وَقَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ الطَّيْرَ تَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا وَتَرْمِي مَا فِي حَوَاصِلِهَا لَا تَفْزَعُ إلَّا لِهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَنْفَكُّ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» ، فَإِنْ كُنْتُمَا صَدَقْتُمَا فَأَثْبِتَا، وَإِنْ كَذَبْتُمَا فَغَطِّيَا رُءُوسَكُمَا وَاخْرُجَا، قَالَ: فَقَامَا وَغَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَخَرَجَا.
وَالْعَدْلُ فِي الشَّرِيعَةِ هُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ: الِاسْتِقَامَةُ فِي الدِّينِ وَالِاسْتِقَامَةُ فِي الْأَحْكَامِ وَالِاسْتِقَامَةُ فِي الْمُرُوَّةِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ بِوُجُودِهَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ الْعَدَالَةُ وَيَسْتَحِقُّ قَبُولَ الشَّهَادَةِ: أَحَدُهَا الْحُرِّيَّةُ وَالثَّانِي الْعَقْلُ وَالثَّالِثُ الْإِسْلَامُ وَالرَّابِعُ الْبُلُوغُ وَالْخَامِسُ الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ وَالسَّادِسُ الْمُرُوَّةُ وَالسَّابِعُ التَّيَقُّظُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُغَفَّلٍ، وَلَا مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ فَرُبَّ عَدْلٍ مُغَفَّلٍ كَثِيرِ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ لَا يَنْظُرُ لِحَقَائِق الْأَشْيَاءِ وَيَكْثُرُ سَبْقُهُ إلَى الِاعْتِقَادِ بِالتَّوَهُّمِ فَمِثْلُ هَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا فِي أَمْرٍ جَلِيٍّ يَسْتَقْصِي الْقَاضِي فِيهِ وَيُكْثِرُ فِيهِ مُرَاجَعَتَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ صِحَّتُهُ وَسَقَمُهُ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صَبِيٍّ وَقَبِلَ مَالِكٌ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ إذَا كَانُوا ذُكُورًا يَعْقِلُونَ الشَّهَادَةَ وَمَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِمْ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَقِيقٍ، وَلَا مَنْ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ الرِّقِّ وَقَبِلَهَا أَحْمَدُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كَافِرٍ وَقَبِلَ أَبُو حَنِيفَةَ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَجْنُونِ، وَلَا الْفَاسِقِ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ
стр. 207
إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْحَاكِمِ صِدْقُهُ وَقِيلَ: إنَّ الضَّابِطَ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ أَلَا يَرْتَكِبَ كَبِيرَةً، وَلَا يُوَاظِبَ عَلَى صَغِيرَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ فَقَالَ قَوْمٌ الْكَبِيرَةُ كُلُّ مَا وَرَدَ فِيهِ حَدٌّ أَوْ وَعِيدٌ بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَأَمَّا مَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَاءِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِضِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ الْوَاجِبِ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَيُحْكَمُ بِفِسْقِهِ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، قَالَ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ إنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً لَا لِأَمْرٍ فَيُحْكَمُ بِفِسْقِهِ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَلَوْ تَرَكَهَا لِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَفِيهِ خِلَافٌ.
[مَسْأَلَة قَبُول شَهَادَة سَمَاع الْعُود وَالْجُنْك وَالطُّنْبُور وَالْمِزْمَار]
وَأَمَّا سَمَاعُ الْعُودِ وَالْجُنْكِ وَالطُّنْبُورِ وَالْمِزْمَارِ وَمَا يُضْرَبُ بِطَرَبٍ، فَقَدْ ارْتَكَبَ أَمْرًا مُحَرَّمًا.
وَأَمَّا سَمَاعُ الدُّفِّ، وَإِنْ خَلَا عَنْ الْحِلِّ فَمُبَاحٌ وَالطُّبُولُ كُلُّهَا فِي مَعْنَى الدُّفِّ إلَّا الْكُوبَةَ وَهِيَ طَبْلٌ طَوِيلٌ ضَيِّقُ الْوَسَطِ وَاسِعُ الطَّرَفَيْنِ وَيُعْرَفُ بِطَبْلِ السُّودَانِ، وَأَمَّا سَمَاعُ الشَّبَّابَةِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ وَأَمَّا سَمَاعُ الْغِنَاءِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ أَمَّا أَهْلُ الْحِجَازِ فَأَبَاحُوهُ وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ كَرَاهِيَتُهُ، وَلَمْ يُبِيحُوهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَمْ يُحَرِّمُوهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَتَوَسَّطُوا فِيهِ الْكَرَاهَةُ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ مَرَّ عَلَى جَارِيَةٍ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ وَهِيَ تُغْنِي هَلْ عَلَيَّ وَيْحَكُمَا إنْ لَهَوْتُ مِنْ حَرَجٍ فَقَالَ: ﵇ لَا حَرَجَ إنْ شَاءَ اللَّهُ» .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْغِنَاءُ زَادُ الْمُشْتَاقِ، وَكَانَ إذَا خَلَا فِي دَارِهِ يَتَرَنَّمُ.
وَكَانَ لِعُثْمَانَ جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ فِي اللَّيْلِ فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الِاسْتِغْفَارِ قَالَ لَهُمَا اُسْكُتَا، وَهَذَا جَمِيعُهُ بِشَرْطٍ أَلَّا يَقَعَ الْإِكْثَارُ مِنْهُ وَالِانْقِطَاعُ إلَيْهِ وَاسْتَدَلَّ مَنْ حَرَّمَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦]
стр. 208
قِيلَ هُوَ الْغِنَاءُ وَقِيلَ هُوَ شِرَاءُ الْمُغَنِّيَاتِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَمِعُ لِذَلِكَ فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَاشْتُهِرَ بِهِ وَسَمِعَهُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ فَهُوَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَأَمَّا إذَا سَمِعَهُ فِي خَلْوَةٍ اسْتِرْوَاحًا بِذَلِكَ فَهُوَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَأَمَّا مَنْ اشْتَرَى جَوَارِيَ يُغْنِينَ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يُكْثِرْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَجَاهَرْ بِهِ وَأَمَّا إذَا اتَّخَذَهُنَّ لِلِاكْتِسَابِ وَيَدْعُوهُنَّ النَّاسُ إلَى دُورِهِمْ فَهَذَا مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَهَذَا مِنْ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ.
[مَسْأَلَة قَبُول شَهَادَة سَمَاع الْحُدَاة وَنَشِيد الْعَرَب]
وَأَمَّا سَمَاعُ الْحُدَاةِ وَنَشِيدِ الْعَرَبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الشِّعْرِ وَإِنْشَادُهُ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الشِّعْرُ كَلَامٌ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ وَالْمَحْذُورُ مِنْهُ مَا كَانَ كَذِبًا أَوْ يَضْمَنُ فُحْشًا أَوْ قَذْفًا وَأَمَّا مُنْشِدُهُ، فَإِنْ أَنْشَدَهُ إنْكَارًا عَلَى قَائِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أَنْشَدَهُ اسْتِحْسَانًا لَهُ وَطَلَبًا لِلْحِفْظِ كَانَ جُرْحًا فِي حَقِّهِ وَمَعَ هَذَا فَكُلُّ مَا لَا يَحْرُمُ قَوْلُهُ لَا يَحْرُمُ سَمَاعُهُ، وَالسَّمَاعُ وَالرَّقْصُ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ خَارِقَةٌ لِلْمُرُوءَةِ.
وَلُبْسُ الْحَرِيرِ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ وَلُبْسُ الذَّهَبِ وَاسْتِعْمَالُهُ حَرَامٌ وَلَكِنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ وَبَالَغَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَتَّى قَالَ لَوْ كَانَ شُهُودُ النِّكَاحِ حَالَةَ الْعَقْدِ جُلُوسًا عَلَى الْحَرِيرِ لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ.
وَأَمَّا اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ فَمِنْ الْكَبَائِرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي دَمِ خِنْزِيرٍ» وَحَرَّمَ مَالِكٌ اللَّعِبَ بِهِ وَفَسَّقَ اللَّاعِبَ بِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَكْرَهُ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ صَرِيحُ التَّحْرِيمِ وَلَكِنْ نَقُولُ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ يَكْرَهُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مَا يُطْلِقُ الشَّافِعِيُّ الْكَرَاهَةَ وَيُرِيدُ بِهَا التَّحْرِيمَ.
وَأَمَّا اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ إلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِهَا
стр. 209
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهِيَةَ تَغْلِيظٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً، وَالشِّطْرَنْجُ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الْفِكْرِ وَالتَّرَوِّي وَالتَّدْبِيرِ وَالذَّكَاءِ وَإِدْرَاكِ أَنْوَاعِ اللَّعِبِ وَالصَّبْرِ فِي كُلِّ يَوْمِ لَعِبٍ وَهُوَ أَيْضًا مُشَبَّهٌ بِأَحْوَالِ الْحَرْبِ وَمَعْرِفَةِ حِيَلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الشَّاهَ يُشَبَّهُ بِالسُّلْطَانِ والْفَرْزَانُ الْوَزِيرُ الْمُشَاوِرُ فَتَارَةً يُلَازِمُهُ وَتَارَةً يَتَفَرَّدُ عَنْهُ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْفَرَسُ وَالْفِيلُ ظَاهِرٌ أَنَّهُمَا مُشَبَّهَانِ بِآلَةِ الْحَرْبِ مُلَازِمَانِ قُرْبَ السُّلْطَانِ وَالْبَيَاذِقُ تُشَبَّهُ بِالرَّجَّالَةِ بَيْنَ يَدَيْ الشَّاهِ وَالْفِرْزَانِ، وَالرُّخُّ مِثْلُ تُرْسِ السُّلْطَانِ فِي الطَّرَفَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ فِي صِفَةِ لَقْطِهِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ لِلسُّلْطَانِ بَلْ شَأْنُهُ مُحَاصَرَتُهُ فَقَطْ؟ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَصِنَاعَاتٌ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْمُخْتَصَرِ ذِكْرِهَا، وَقَدْ لَعِب بِهَا أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ كَانَا يَلْعَبَانِ بِهَا اسْتِدْبَارًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَدَالَتَهُ وَجُرْحَهُ يُعْتَبَرُ بِصِفَةِ لَعِبِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهَا إلَى خَلَاعَةٍ بِأَنْ قَامَرَ عَلَيْهَا أَوْ لَعِبَ فِي الْأَسْوَاقِ أَوْ تَشَاغَلَ بِهَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ خَرَجَ عَنْ الْعَدَالَةِ.
[مَسْأَلَة اتِّخَاذ الْحِمَام لِلْأَصْوَاتِ وَالِاسْتِئْنَاس وَالِاسْتِفْرَاخ]
وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْحَمَامِ لِلْأَصْوَاتِ وَالِاسْتِئْنَاسِ وَالِاسْتِفْرَاخِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَسْخَرَةً يُضْحَكُ بِهِ فِي كَلَامِهِ أَوْ لِبَاسِهِ كَالْفَقِيهِ إذَا لَبِسَ الْقَبَاءَ أَوْ الكلوتة فِي بِلَادٍ لَا يَعْتَادُ أَهْلُهَا لُبْسَ ذَلِكَ كَانَ تَارِكًا
стр. 210
لِلْمُرُوءَةِ وَكَذَلِكَ مَنْ يَكْشِفُ رَأْسَهُ وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَكَان لَا يَعْتَادُ أَمْثَالُهُ ذَلِكَ كَانَ تَارِكًا لِلْمُرُوءَةِ أَيْضًا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْكُلَ فِي الطَّرِيقِ وَالْأَسْوَاقِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَهُ وَلَا يَبُولَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ الْمَسْلُوكَةِ وَلَا يَحْمِلَ مَتَاعَهُ بُخْلًا بِأُجْرَةِ حَمَّالٍ يَحْمِلُهُ لَهُ.
[مَسْأَلَة قَبُول شَهَادَة أَصْحَاب الصَّنَائِع الرَّذِلَةِ كَالْحَجَّامَةِ وَالْحِيَاكَة وَنَحْوهمَا]
وَأَمَّا الصَّنَائِعُ الرَّذِلَةُ كَالْحَجَّامَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْحِرَاسَةِ وَالْقِيَامِ فِي الْحَمَّامِ وَالزَّبَّالِينَ وَالْقَصَّابِينَ وَالسَّمَّاكِينَ وَالْمُبَاشِرِينَ لِلنَّجَاسَاتِ بِأَثْوَابِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ إذَا حَسُنَتْ طَرِيقَتُهُمْ وَأَزَالُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَأَتَوْا بِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الطَّاعَاتِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ اخْتِيَارَهُمْ لِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ مَعَ أَنَّ النَّاسَ يَسْتَرْذِلُونَهَا دَلِيلٌ عَلَى دِرَّتِهِ عُقُولِهِمْ.
وَالثَّانِي: تُقْبَلُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَا اُسْتُرْذِلَ لِأَجْلِ الدِّينِ يُقْدَحُ وَمَا اُسْتُرْذِلَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا كَالْحِيَاكَةِ لَمْ يُقْدَحْ وَقَالَ قَوْمٌ إنْ كَانَتْ صِنَاعَةُ آبَائِهِمْ وَقَدْ نَشَئُوا عَلَيْهَا مِنْ الصِّغَرِ لَا تُقْدَحُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَإِنَّمَا هُمْ اخْتَارُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا وَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يَتَوَقَّى فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ لِيَنْقَطِعَ عَنْهُ أَلْسِنَةُ الْعَامَّةِ وَيَزُولَ عَنْهُ الظِّنَّةُ وَتَنْتَفِي عَنْهُ التُّهْمَةُ وَأَنْ يُنَظِّفَ مَطْعَمَهُ وَيُجَمِّلَ مَلْبَسَهُ وَيَحْفَظَ لَفْظَهُ وَيُظْهِرَ بِشْرَهُ مَعَ إخْوَانِهِ وَجِيرَانِهِ كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁ مِنْ شُكْرِهِ إخْوَانَهُ وَجِيرَانَهُ وَخُلَطَاؤُهُ فَهُوَ جَائِزٌ الشَّهَادَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ السَّفَلَةَ وَمَنْ هُوَ مَشْهُورٌ بِبِدْعَةٍ وَيَتَوَقَّى إسْقَاطَ الْمُرُوَّةِ جَهْرَةً وَأَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ مِنَّةٌ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ.
стр. 211
[الْبَاب الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ فِي الْأُمَرَاء وَالْوُلَاة وَمَا يَتَعَلَّق بِهِمْ مِنْ أُمُور الْعِبَاد]
يَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَقْصِدَ مَجَالِسَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُلَاةِ وَيَأْمُرَهُمْ بِالشَّفَقَةِ عَلَى الرَّعِيَّةِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَيَذْكُرَ لَهُمْ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إلَّا لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ» وَفِي رِوَايَةٍ «لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ» .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ أَمِيرٍ يُؤَمَّرُ عَلَى عَشْرَةٍ إلَّا وَهُوَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَةً يَدُهُ إلَى عُنُقِهِ حَتَّى يَكُونَ عَمَلُهُ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُهُ أَوْ يُوثِقُهُ» وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تَسْأَلْ الْإِمْرَةَ فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْت إلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا» .
وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَتَأَمَّرْنَ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَتَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» .
وَيُرْوَى «أَنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنِي إمَارَةً قَالَ يَا عَمِّ نَفْسٌ تُحْيِيهَا خَيْرٌ مِنْ إمَارَةٍ لَا تُحْصِيهَا» لِأَنَّ الْإِمَارَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ لَا تَكُونَ أَمِيرًا فَافْعَلْ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ يَطُوفُ مَعَ الْعَسَسِ حَتَّى يَرَى خَلَلًا يَتَدَارَكُهُ وَكَانَ يَقُولُ لَوْ ضَاعَتْ شَاةٌ بِالْقُرَاةِ لَخَشِيت أَنْ أُسْأَلَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَانْظُرْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ الْمُتَوَلِّي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ إلَى عُمَرَ مَعَ احْتِيَاطِهِ وَعَدْلِهِ وَمَا وَصَلَ أَحَدٌ إلَى قِرَاءَتِهِ وَصَلَاتِهِ كَيْفَ يَتَفَكَّرُ وَيَتَخَوَّفُ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
стр. 212
حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالُوا كُنَّا نَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِينَا عُمَرُ فِي الْمَنَامِ فَرَأَيْته فِي النَّوْمِ بَعْدَ اثْنَيْ عَشْرَ سَنَةَ كَأَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ وَأَنَّهُ مُتَلَفِّعٌ بِإِزَارٍ فَقُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ وَجَدْت رَبَّك وَبِأَيِّ حَسَنَاتِك جَازَاك قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَمْ لِي مُنْذُ فَارَقْتُكُمْ فَقُلْت اثْنَا عَشَرَ سَنَةً قَالَ مُنْذُ فَارَقْتُكُمْ كُنْت فِي الْحِسَابِ وَخِفْت أَنْ أَهْلَكَ إلَّا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
فَهَذِهِ حَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ الْوِلَايَةِ سِوَى دِرَّتِهِ، وَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَدْخَلَهُ فِي قَبْرِهِ وَلَدُهُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَارْتَكَضَ وَاضْطَرَبَ عَلَى أَيْدِيهِمَا فَقَالَ وَلَدُهُ عَاشَ وَاَللَّهِ أَبِي فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بَلْ وَاَللَّهِ عُوجِلَ أَبُوك.
وَقَالَ مَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ ﵁ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُهُمْ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مَدَّ لَهُمْ دَوَاةً أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَمًا فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَّا حَضَرُوا فَيُجْمَعُونَ فِي تَابُوتٍ مِنْ نَارٍ فَيُلْقَوْنَ فِي جَهَنَّمَ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَقِفُ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُضْرَبُ فِيهِ رَجُلٌ مَظْلُومٌ فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَ حَيْثُ لَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ» .
وَرُوِيَ أَنَّهُ مَاتَ رَجُلٌ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ فَوَجَدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَجْدًا شَدِيدًا وَسَأَلُوا عِيسَى ﵇ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَهُ لَهُمْ فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ وَدَعَا اللَّهَ فَأَحْيَاهُ لَهُمْ وَإِذَا بِرِجْلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ نَارٍ فَسَأَلَهُ عِيسَى ﵇ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا عَصَيْت بِهِمَا قَطُّ غَيْرَ أَنِّي مَرَرْت بِمَظْلُومٍ فَلَمْ أَنْصُرْهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يُؤْتَى بِالْوُلَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ أَنْتُمْ كُنْتُمْ رُعَاةَ خَلِيقَتِي وَخَزَنَةَ مُلْكِي فِي أَرْضِي ثُمَّ يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ لِمَ ضَرَبْت عِبَادِي فَوْقَ الْحَدِّ
стр. 213
الَّذِي أَمَرْت بِهِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لِأَنَّهُمْ عَصَوْك وَخَالَفُوك فَيَقُولُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْبِقَ غَضَبُك غَضَبِي ثُمَّ يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ لِمَ عَاقَبْت عِبَادِي أَقَلَّ مِنْ الْحَدِّ الَّذِي أَمَرْت بِهِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ إنِّي رَحِمْتهمْ فَيَقُولُ تَعَالَى كَيْفَ تَكُونُ أَرْحَمَ مِنِّي خُذُوا الَّذِي زَادَ وَاَلَّذِي نَقَصَ فَاحْشُوا بِهِمَا زَوَايَا جَهَنَّمَ» .
فَيَجِبُ عَلَيْك يَا أَيُّهَا الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَحْتَرِزَ عَلَى نَفْسِك مِنْ مِثْلِ هَذَا وَأَنْ تَقِفَ عِنْدَ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الظُّلْمَ مِنْ الْوُلَاةِ عَظِيمٌ لِأَنَّهُمْ يُجْرُونَ الْبَاطِلَ مَجْرَى الْحَقِّ وَيُخْرِجُونَ الْجَوْرَ مَخْرَجَ الْعَدْلِ وَيَقُولُونَ إنَّنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ أَمَاتُوهُ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ رَأَيْت بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِالْخَلِيجِ سَمَكًا كَثِيرًا مُطْلَقًا لِلْعَامَّةِ فَاحْتَجَرَ عَلَيْهِ الْوَالِي وَمَنَعَ النَّاسَ مِنْهُ فَذَهَبَ مِنْ الْخَلِيجِ السَّمَكُ إلَّا الْوَاحِدَةُ بَعْدَ الْوَاحِدَةِ.
وَخَطَرُ الْوِلَايَةِ عَظِيمٌ وَخَطْبُهَا جَسِيمٌ وَلَا يَسْلَمُ الْوَالِي إلَّا بِمُخَالَطَةِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَفُضَلَاءِ الدِّينِ لِيُعَلِّمُوهُ طَرِيقَ الْعَدْلِ وَيُسَهِّلُوا عَلَيْهِ خَطَرَ هَذَا الْأَمْرِ وَمِنْ أَعْظَمِ خِصَالِ الْوَالِي وَأَحْمَدِهَا تَوَقُّعًا فِي نُفُوسِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ إنْصَافُهُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَحَاشِيَتِهِ وَأَعْوَانِهِ وَتَفَقُّدُهُمْ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْغُرَمَاءِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ، وَفِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ وَلْيَكُنْ فِي وَعْظِهِ وَقَوْلِهِ فِي رَدْعِهِمْ عَنْ الظُّلْمِ لَطِيفًا ظَرِيفًا لَيِّنَ الْقَوْلِ بَشُوشًا غَيْرَ جَبَّارٍ وَلَا عَبُوسٍ.
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْحِكَايَةُ عَنْ الْمَأْمُونِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ أُمَّتِي شَيْئًا وَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ» فَقَدْ سَبَقَتْ دَعْوَتُهُ ﷺ وَفِي ذَلِكَ كِفَايَةٌ لِمَنْ يَتَدَبَّرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 214
[الْبَاب الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ فِيمَا يُجِبْ عَلَى الْمُحْتَسَب فَعَلَهُ]
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُلَازِمًا لِلْأَسْوَاقِ يَرْكَبُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيَدُورُ عَلَى السُّوقَةِ وَالْبَاعَةِ وَيَكْشِفُ الدَّكَاكِينَ وَالطُّرُقَاتِ وَيَتَفَقَّدُ الْمَوَازِينَ وَالْأَرْطَالَ وَيَتَفَقَّدُ مَعَائِشَهُمْ وَأَطْعِمَتَهُمْ وَمَا يَغُشُّونَهُ وَيَفْعَلَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَذَلِكَ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهُمْ وَيَخْتِمَ فِي اللَّيْلِ حَوَانِيتَ مَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْكَشْفِ عَلَيْهِ بِالنَّهَارِ وَلْيَكْشِفْهُ بَاكِرَ النَّهَارِ.
وَإِذَا أَرَادَ الْمُحْتَسِبُ أَنْ يَكْشِفَ فَلْيَكُنْ مَعَهُ أَمِينٌ عَارِفٌ ثِقَةٌ يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَعْتَمِدُ فِي الْكَشْفِ إلَّا عَلَى مَا يَظْهَرُ لَهُ وَيُبَاشِرُهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُهْمِلُ كَشْفَ الْأَسْوَاقِ فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى الْوَزِيرَ وَقَعَ إلَى مُحْتَسِبٍ كَانَ فِي وَقْتِ وِزَارَتِهِ يُكْثِرُ الْجُلُوسَ فِي دَارِهِ بِبَغْدَادِ الْحِسْبَةُ لَا تَحْتَمِلُ الْحَجَبَةَ فَطُفْ الْأَسْوَاقَ تَحِلَّ لَك الْأَرْزَاقُ وَاَللَّهِ إنْ لَزِمْت دَارَك نَهَارًا لَأَضْرِمَنَّهَا عَلَيْك نَارًا وَالسَّلَامُ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَيُخَوِّفُ بِمَا لَا يَسُوغُ لَهُ شَرْعًا وَيُهَدِّدُ الْجَانِي بِهِ وَيُظْهِرُ لِلنَّاسِ فِعْلَهُ وَفِي ذَلِكَ نَفْعٌ كَبِيرٌ عَامٌّ
لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ
مَا أَخْبَرَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّيَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ
стр. 215
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «كَانَتْ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا فَجَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إحْدَاهُمَا فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِك وَقَالَتْ الْأُخْرَى إنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِك فَتَحَاكَمَا إلَى دَاوُد فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى وَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِسِكِّينٍ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا وَقَالَتْ الصُّغْرَى لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُك اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاَللَّهِ إنْ سَمِعْت بِالسِّكِّينِ إلَّا يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إلَّا الْمُدْيَةَ، قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ الْحُكْمِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لِلْمُتَوَلِّي إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الصِّحَّةُ فِيمَا طَلَبَهُ الْمُدَّعِي مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ أُمَّ الصَّغِيرِ فَأَمَرَ بِطَلَبِ السِّكِّينِ وَأَظْهَرَ لَهُمَا شَقَّهُ وَتَحَقَّقَ أَنَّ الْوَالِدَةَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَطِيبُ خَاطِرُهَا بِفِعْلِ ذَلِكَ وَلَا يَسَعُهَا السُّكُوتُ عَنْهُ فَقَالَتْ الصُّغْرَى لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُك اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ أَنْ تَأْخُذَهُ الْكُبْرَى وَلَا يُشَقُّ لِحُنُوِّهَا فَعَلِمَ سُلَيْمَانُ أَنَّهُ وَلَدُهَا فَقَضَى بِهِ لَهَا وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ وَالْإِرْهَابِ بِمَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لِيَصِلَ الْمُتَوَلِّي إلَى فِعْلِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ شَقُّهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمَا نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْإِرْهَابِ مِنْ بَابِ السِّيَاسَةِ وَالْمَعْرِفَةِ حَتَّى ظَهَرَ لَهُ أَمْرُهَا.
[فَصَلِّ يَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَّخِذ رَسْلًا وَأَعْوَانًا بَيْن يَدَيْهِ بِقَدْرِ الْحَاجَة دَائِمًا]
(فَصْلٌ) : وَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَّخِذَ رُسُلًا وَغِلْمَانًا وَأَعْوَانًا بَيْنَ يَدَيْهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ دَائِمًا إنْ كَانَ جَالِسًا أَوْ رَاكِبًا فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِحُرْمَتِهِ وَأَوْفَرُ لِهَيْبَتِهِ وَأَعَانَهُ النَّاسُ عَلَى طَلَبِ غُرَمَائِهِمْ وَخَلَاصِ الْحَقِّ مِنْهُمْ
следующие страницы →