Полный текст (423 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
رجلا يطلع من عقبة المدينة وليس فى السماء غيم الا قدر ما يظله، واذا هو النبى- ﷺ فقالت: ان قول اليهودى حق والمبعوث محمد، فقالت له:
اخطبنى، فلقى عمه ابا طالب فقال: أخطب على خديجة، قال: أخاف الا يفعلوا أيم قريش وأنت يتيم قريش، فقال: أخطبها على، فلقى أبو طالب أباها وقالوا: عمها،- وهى الصحيح- فذكر له ذلك فلقيها فقال: فلان يخطبك لشيخ من قريش، فقالت: شيخ قضى شبابه وساء خلقه لا حاجة لى فيه، فقال لها: محمد فقالت أوسط قريش حسبا وأفصحهم لسانا، أعود عليه بمالى فيكون عطف يمينى، فبعث اليه ان تعالى نزوجك، فاستنهض معه أبا طالب فقال: أخاف الا يفعلوا وان ردونى كانت الفضيحة، فتأخر وبعث معه حمزة، فمروا بعلى يلعب مع الصبيان فانطلق معهم، فلما دخلوا قال النبى: ﷺ الحمد لله الحى الذى لا يموت فقالوا: ما هذا الكلام؟ ثم تكلم بما أراد وأرادوا، فقالوا: تكلمت، ولكن من يضمن لنا المهر؟ فقال على: أبى، فلما بلغ الخبر أبا طالب جعل يقبل عليا ويقول: بأبى أنت وأمى.
قالوا: والصحيح ان رسول الله- ﷺ كان يومئذ ابن خمس وعشرين سنة، ولو كان ذلك كذلك لكان لعلى يوم استشهد أكثر من سبعين سنة، ولم يقل هذا أحد، والغلط فى أحد الأمرين إما فيما رووه من كون على معهم، او فيما ذكروه من سن النبى يومئذ، وقد قيل: أنه كان يومئذ ابن ثلاثين سنة، وقالوا: ابن خمس وثلاثين والله أعلم بالصواب.
وروى أن أبا طالب خطب فى تزويج النبى ﷺ خديجة، أخبرنا أبو احمد قال: حدثنى أبو الحسن محمد بن القاسم السعدى قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا اسحاق بن محمد النخعى قال: حدثنا محمد بن عثمان الواسطى قال: حدثنا على بن هشام ابن محمد بن عبد الله بن رافع عن أبيه عن جده قال: لما أراد النبى أن يتزوج خديجة خطب ابو طالب فقال: الحمد لله، جعلنا من زرع ابراهيم وذرية اسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا،
стр. 107
وجعلنا الحكام على الناس، ثم ان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى من لا يوازن بأحد الا رجح به، ولا يعدل بأحد الا فضله، وان كان فى المال قلا فان المال ظل زائل، وله فى خديجة رغبة ولها فيه مثلها، وما كان من صداق ففى مالى، وله بعد نبأ عظيم وخطر شاسع، وهذه من الخطب المستحسنة الموجزة.
وشبهها خطبة أمير المؤمنين على- ﵇ لنفسه فى املاك فاطمة، حدثنا أبو احمد عن أبى الحسين النسابة عن سعيد بن العباس عن الزبير ابن بكار عن عمه قال: سمعت أبا سعيد الأصمعى يقول: لما أملك على بفاطمة- ﵉ قال له النبى: ﷺ أخطب فقال: الحمد لله شكرا لانعمه وأياديه، وأشهد ان لا اله الا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلّى الله على سيدنا محمد صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله به ورضيه، واجتماعنا مما قدره الله تعالى وأذن فيه، وان رسول الله زوجنى ابنته فاطمة بصداق اثنتى عشرة أوقيه، فاسألوه واشهدوا.
وقالوا: خطب النبى- ﷺ لما زوج فاطمة، أخبرنا أبو احمد قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن إسماعيل عن الغلابى عن سعيد بن وافد قال: سمعت الحسين بن زيد بن على يقول: سمعت عبد الله بن الحسين بن الحسن بن على- ﵉ يحدث عن زيد بن على عن أبيه عن جده عن جابر قال الغلابى: وحدثنى احمد بن عيسى بن زيد قال: حدثنى الحسين بن زيد عن عمومته وأهله قالوا: ان رسول الله- ﷺ حين زوج عليا فاطمة خطب فقال: الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المرهوب عقابه، المرغوب اليه فيما عنده، النافذ أمره فى سمائه وأرضه، الذى خلق الخلق بقدرته، ودبرهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيهم، ثم ان الله جعل المصاهرة نسبا لاحقا، وأمرا مفترضا نسخ بها الايام «١» وألزمها
стр. 108
الأنام، فقال وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً
«١» فأمر الله يجرى الى قضائه، وقضاؤه يجرى الى قدره، وقدره يجرى الى أجله، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
«٢» ، ثم ان الله تعالى أمرنى ان أزوج فاطمة من على، وقد زوجته على أربعمائة مثقال فضة ان رضى بذلك على، فقال على:- رضى الله عنه- رضيته عن الله ورسوله فقال: جمع الله شملكما، وأسعد جدكما، وأخرج بينكما كثيرا طيبا، «٣» قال جابر: فو الذى بعثه بالحق، لقد أخرج بينهما كثيرا طيبا.
وتزوج- ﷺ عائشة بنت أبى بكر بكرا، ولم يتزوج بكرا غيرها ودخل بها ولها تسع سنين، وسودة بنت زمعة بن قيس، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم سلمة واسمها هند بنت أمية بن المغيرة المخزومية، وأم حبيبة بنت أبى سفيان، فهؤلاء ست قرشيات، وزينب بنت جحش، وكانت قبله عند زيد بن الحارثية «٤» وهى التى نزل فيها فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها
«٥» .
وزينب بنت خزيمة الهلالية، وميمونة بنت الحارث ابن حزن الهلالية، ونكح مما أفاء الله عليه جويرية بنت الحارث بن ضرار الخزاعية، وصفية بنت حيى بن أخطب النضيرية، وريحانة بنت زيد من بنى قينقاع، وتزوج أيضا عمرة بنت يزيد العامرية وكان بها وضح فطلقها، وأسماء بنت النعمان بن الحارث بن الأسود بن شراحيل بن كندى بن الجون بن آكل المرار، وأم شريك وهى التى وهبت له نفسها.
стр. 109
وتوفيت عنده منهن خديجة، وزينب بنت خزيمة، وريحانة، وخلى سبيل العامرية والكندية، وأرجأ ام شريك، وتوفى عن تسع: عائشة وحفصة وأم سلمه وأم حبيبة وسوده وزينب وصفية وميمونة وجويرية، وبعث اليه المقوقس بمارية وأختها سيرين، فاتخذ مارية لنفسه وأولدها ابراهيم- ﵇ ووهب سيرين لحسان بن ثابت وهى أم عبد الرحمن.
أول ولد ولد له عبد الله
أخبرنا أبو القاسم بن سيران عن عبد الرحمن بن جعفر عن الغلابى عن العباس بن بكار عن الهزلى عن عكرمة عن ابن عباس، وحدثنا أبو احمد عن الطوس عن الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه، وعن غير هؤلاء يزيد بعضهم على بعض قالوا: تزوج رسول الله- ﷺ خديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهى بنت أربعين سنه، فأول من ولدت له عبد الله ثم زينب ثم القاسم ثم الطاهر ثم المطهر ثم رقية ثم أم كلثوم ثم الطيب ثم المطيب ثم فاطمة، وتوفيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات القاسم والطاهر قبل النبوة فمر رسول الله راجعا من جنازة القاسم على العاص بن وائل السهمى وابنه عمرو فقال: أنى لأشنؤه فقال العاص: لا جرم فقد أصبح أبتر، فانزل الله تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
، «١» وزوج زينب من أبى العاص بن الربيع، وأم كلثوم «٢» من عتيبة بن أبى لهب، فطلقها بعد أن نبىء رسول الله، فتزوجها عثمان، فولدت له عبد الله فلما بلغ ست سنين ماتت والنبى ببدر، «٣» فتزوج بعدها أم كلثوم وتزوج على
стр. 110
فاطمة فى السنة الثانية من الهجرة.
أول ما تكلم به حين دخل المدينة
أخبرنا أبو احمد عن الجلودى عن عبد الرحمن بن خلف عن معاذ بن عوذ الله عن عوف بن أبى جميلة عن زرارة ابن أوفى عن عبد الله بن سلام قال:
لما قدم رسول الله- ﷺ المدينة احتفل الناس قبله، فقالوا: قدم رسول الله- قدم رسول الله، فجئت فى الناس فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس وجه كذاب، وكان أول شىء تكلم به أن قال. «أيها الناس اطعموا الطعام وافشوا السلام وصلوا الارحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» ومما يجرى مع هذا قول بعضهم: أبخل الناس من بخل بالسلام على معرفته وجاره إذا غدا أو راح، ودخل بعض الصلحاء على بعض الخلفاء فسلم، فقيل له:
أصبت السنة واخطأت الأدب، فقال: لا خير فى أدب ليس فيه سنة.
وجعل السلام فى الاسلام مكان السجود، والمصافحة بدل تقبيل اليد، ولما دخل جعفر بن أبى طالب فى أصحابه على النجاشى سلموا عليه ولم يسجدوا له فغضب، فقال له جعفر: أيها الملك جئناك بتحية رضيها الله لأوليائه وأهل طاعته فجعلها تحية أهل الجنة، وكان السجود تحيتنا اذ نحن نعبد الأوثان، فبدلنا الله بها خيرا منها وهو السلام فرضى.
أخبرنا أبو احمد عن بعض رجاله عن ابراهيم بن المدبر قال: دخل الفقهاء على المتوكل ونحن وقوف بين يديه فاستدناهم، فكل قبل يده، الا اسحاق بن اسرائيل فإنه قال: ما ينقصك يا أمير المؤمنين الا أقبل يديك، وقد حدثنى الفضل بن عياض عن هشام عن الحسن أنه قال: المصافحة تزيد فى المودة وتبقى ببهاء المؤمن، فبسط المتوكل يده فصافحه، ثم وصله بأكثر ما وصل واحدا منهم وقلت فى المعنى:
стр. 111
أتراك تسمح بالنّوال ... وأنت تبخل بالسّلام
لا توحش النّفر الكرام ... فأنت من نفر كرام
قد ضلّ من لا يشترى ... ودّ الاكارم بالكلام
وقال:
تضنّ بتسليم وزورة ساعة ... فكيف نرجّى جود كفّيك بالوفر
أول هدية أهديت اليه بالمدينة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن بعض رجاله قال: أول هدية أهديت الى رسول الله- ﷺ هدية زيد بن ثابت، قصعة مثرودة خبزا وسمنا ولبنا، ثم هدية سعد بن عبادة، قصعة ثريد عليها عراق- والعراق عظم عليه لحم وكذلك العرق بالفتح- وهدية فروة بن عمرو الجزامى حين أسلم، بعث اليه بثياب فيها قباء سندس مخوص بالذهب وفرس وحمار وبغلة شهباء، فكانت أول شهباء رؤيت فى المدينة، وكان فروة عاملا من قبل الروم على عمان من أرض البلقاء، فقسم رسول الله- ﷺ الثياب بين نسائه، وأعطى منها أبا بكر، ووهب الفرس لأبى أسيد الساعدى، وأعطى القباء مخرمة، ومات الحمار عند منصرفة من حجة الوداع، وبلغ ملك الروم صنيع فروة فأراده على الرجوع الى دينه فأبى، فأمر بصلبه فقال حين يصلب:
ألا هل أتى هندا بأنّ خليلها ... على ماء عفر فوق احدى الرّواحل
على ناقة لا يضرب الفحل أمّها ... مشرّبة أطرافها بالمناجل «١»
стр. 112
ومن هنا أخذ أبو تمام قوله فى مصلوبين:
أمسوا وأضحوا فى متون ضوامر «١» ... قيدت لهم من مربط التّجّار
سود الثّياب كأنّما نسجت لهم ... أيدى الجنون «٢» مدارعا من قار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدا على سفر من الاسفار
أول غزوة غزاها بنفسه الأبواء وهى غزوة ودان
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن ابى جعفر عن المدائنى عن رجاله قال:
خرج رسول الله- ﷺ النصف من صفر يوم الإثنين من السنة الثانية من الهجرة، وقد بلغه ان جمعا من قريش خرجوا، فاستخلف على المدينة عبادة بن الصامت، وقيل: غيره، ولواؤه مع حمزة بن عبد المطلب فلم يلق قريشا ووادعه مخشى بن عمرو الضمرى على بنى ضمره فغاب خمس عشرة ليلة ثم رجع.
وقد ذكر نصيب ودان فى شعره. أخبرنا أبو احمد عن أبيه عن عسل عن بعض رجاله قال: دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك قبل خلافته فقال:
أنشدنى يا أبا فراس، وأراد ان ينشده مديحه فأنشد.
وركب كأنّ الرّيح تطلب عندهم ... لها سلبا من جذبها بالعصايب
سروا يركبون اللّيل وهى تلقّهم ... على شعب الأكوار من كلّ جانب
стр. 113
اذا بصروا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
فغضب سليمان، وقال لنصيب: أنشد مولاك فانشد
أقول لركب قافلين تيمّموا ... قفاذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبّرونا عن سليمان إنّنى ... لمعروفه من أهل ودّان طالب
فعاجوا فاثنوا بالّذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فأعطاه وحرم الفرزدق، قلنا: وشعر الفرزدق أحسن وأجود، وأكثر طلاوة، وأبين بلاغة وفصاحة، ولكنه مفارق لحسن الأدب، ولما يوجبه العقل، لأن العاقل لا يفتخر بحضرة السلطان، ولا يمدح نفسه عند الملوك، وأعقل الناس أخضعهم للسلطان، والكبر عليهم هلكة.
أول لواء عقد
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن ابى جعفر عن المدائنى عن رجاله قال:
أول لواء عقده رسول الله- ﷺ لواء أبيض لحمزة، حمله مرثد حليف حمزة فى السنة التى هاجر فيها فى شهر رمضان، بعثه فى ثلاثين رجلا من المهاجرين يعترض عير قريش مقبلة من الشام، فلقى أبا جهل وأبا سفيان فى ثلاثمائة، فحجز مجدى بن عمرو الجهنى بينهم، فانصرفوا من غير قتال.
وكانت رايته يوم حنين سوداء من برد لعائشة، وأول ما عقدت الرايات يومئذ، وكانت قبل ذلك الألوية. وكانت راية على يوم صفين سوداء، يحملها الحضين بن المنذر، أبو ساسان، وحضين بالضاد المعجمة، وليس فى العرب
стр. 114
حضين غيره وكان بخيلا وفيه يقول زياد الاعجم:
يسدّ حضين بابه خشية القرى ... بأصخر والشّاة السّمين بدرهم
وفيه يقول الضحاك بن هشام.
وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا ... حياتك لانفع وموتك فاجع
أول خمس خمسه
أخبرنا أبو أحمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى قال: عبد الله بن جحش: دعانى رسول الله- ﷺ حين صلّى العشاء فقال: واف مع الصبح أبعثك وجها، فوافيت ومعى سيفى وقوسى، فصلّى النبى بالناس الصبح، فانصرف فوجدنى سبقته واقفا عند بابه، وأجد نفرا معى من قريش، فدعى أبى بن كعب فكتب كتابا وأعطانيه وقال: استعملتك على هؤلاء النفر، فامض حتى اذا سرت ليلتين فانشر كتابى ثم امض لما فيه، واسلك النجدية قال: فانطلق حتى اذا كان ببئر أبى ضمرة قرأ الكتاب فاذا فيه، سر حتى تأتى بطن نخلة «١» على اسم الله وبركته، ولا تكرهن أحدا من أصحابك، فترصد بها عيرا لقريش، فقدموها فصادفوا العير، ففزع أصحابها، فحلق بعض الصحابة رأسه ليقولوا انماهم عمار فأمنوا، ثم قاتلوهم فى آخر يوم من رجب وقالوا: ان أخرنا دخلوا الحرم، فأنكر المشركون ذلك وقالوا: أحل محمد من الشهر الحرام ما كان يحرم، وورد عبد الله بن جحش بالخمس على رسول الله- ﷺ وقسم الباقى بين أصحابه، فكان أول خمس خمسة.
فلما أكثر المشركون واليهود الانكار لما كان منهم من القتل والسبى
стр. 115
فى رجب، أنزل الله تعالى فى عذرهم يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ
«١» يعنى الكفر، ففرح المسلمون وسكنوا.
أول قتيل من المشركين
وقد قتل يومئذ عمرو بن الحضرمى، وهو أول قتيل قتل منهم وأسر عثمان ابن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان فكانا أول أسيرين أسرا منهم فى الاسلام، وأسلم الحكم بن كيسان، ورجع عثمان بن عبد الله كافرا بعد أن فودى، وكانت غنيمة أهل نخلة أول غنيمة غنمها المسلمون.
أول ما قاتل جمهور المشركين وهزمهم وظفر بهم وهو أول يوم علا فيه الاسلام ورفعت أعلامه وانحط منار الكفر وزلزلت أركانه
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى وأبو أحمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم الجوهرى عن الواقدى وعن غير هؤلاء قالوا: أقبل أبو سفيان بن حرب بعير قريش من الشام يحميها، ومعه ثلاثون رجلا أو أربعون، وخرج رسول الله- ﷺ لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة فى ثلاث وثلاثين رجلا من المهاجرين وواحد وستين رجلا من الأوس ومائة وسبعين من الخزرج، ولم يكن خرج بأحد من الانصار قبل ذلك فى قتال، ومعهم سبعون بعيرا وفرسان، فرس للمقداد بن الأسود الكندى والآخر لمرثد بن أبى مرثد الغنوى، يعترض العير ففاتته.
стр. 116
وجاء حتى نزل ببدر وكانت سوقا تقام فى كل سنة ثمانية أيام، وخرجت قريش تريده وهم ما بين تسعمائة والف، وخيلهم مائة، وكان أول طالع منهم زمعة بن الأسود، فقال رسول الله « ﷺ » (اللهم أنك أنزلت على الكتاب وأمرتنى بقتال المشركين ووعدتنى احدى الطائفتين وأنت لا تخلف الميعاد وهذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم «١» الغداة) فاستجيب له فيهم، فهزموا وقتل صناديدهم وأسروا، فكان القتلى سبعين والأسرى سبعين، وقيل أربعين وأربعين.
وضرب عنق النضر ابن الحارث، وهو أول من ضرب عنقه فى الاسلام فقالت ابنته ترثيه: وتخاطب رسول الله- ﷺ أمحمّد ها أنت صنو «٢» نجيبة لنجيبة والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربّما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق «٣»
فقال ﷺ : لو سمعت شعرها ما قتلته «٤» ، فلما قسم غنائمهم أخذ سيف منبه بن الحجاج،- وهو ذو الفقار- فتقلده فكان أول سيف تقلده، وأخذ أيضا جملا مهريا لابى جهل صفّية، فجعله فيما أهدى الى مكة، فهابت قريش من يومئذ جانب المسلمين، فتركت الطريق التى كانت تسلكها الى الشام، واستأجرت رجلا يقال له الفرات بن حيان، فخرجوا بتجارة عظيمة، فبعث رسول الله- ﷺ زيد بن حارثة فأصابها، وورد بها المدينة، فقال حسان ابن ثابت: يذكر الفرات بن حيان حين انصرف رسول الله من بدر ومعه فرسان
стр. 117
فرس للمقداد وفرس للزبير.
أقمنا على الرّس «١» النّزوع لياليا ... بأرعن «٢» جرّار عريض المبارك
بكلّ كميت جوزه نصف خلقه ... طوال الهوادى مشرفات الحوارك «٣»
ترى العرفج الحولىّ تذرى أصوله ... مناسم أخفاف المطىّ الرّواتك «٤»
اذ ارتحلوا عن منزل خلت أنّه ... قريب المدى بالموسم المتعارك «٥»
نسير فلا تنجو اليعافير وسطنا ... وإن وألت منّا بشدّ مواشك «٦»
دعوا فلجات الشّام قد حال دونها ... جلاد كأفواه المخاض الأوارك «٧»
بأيدى رجال هاجروا نحو ربّهم ... وأنصاره حقا وأيدى الملائك
اذا أقبل العضروط من رمل عالج ... فقولا لها ليس الطّريق هنالك «٨»
стр. 118
فان نلق فى تطوافنا والتماسنا ... فرات بن حيّان يكن جدّ هالك
يصيب وما يدرى ويخطى ومادرى ... وليس يكون النّوك الّا كذلك «١»
وانما يستحسن ذلك لدخوله فى باب التهويل على العدو، وهو يجرى مجرى المكيدة فى الحرب، ومثله ان خثعم قتلت رجلا من بنى سليم فقالت أخته ترثيه.
لعمرى وما عمرى علىّ بهّين ... لنعم الفتى غادرتم آل ختعما
وكان اذا ما أورد الخيل بيشة ... الى حين أسراج أناخ فألجما «٢»
فأرسلها رهوا رعالا كأنّها ... جراد رمته ريح نجد فأتهما «٣»
فقيل لها: كم كانت خيل أخيك؟ فقالت: اللهم لا أعرف الا فرسه.
ومثله ان ليلى بنت عروة بن زيد الخيل قالت لابيها: كم كانت الخيل؟
حين قال:
بنى عامر هل تعرفون اذا غدا ... أبو مكنف قد شدّ عقد الدّوائر
بجيش تضلّ البلق فى حجراته ... ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر
стр. 119
وجمع كمثل اللّيل مرتجس الوغى ... كثير بواكبه سريع البوادر «١»
أتت غادة للورد ان نكره الوغى ... وحاجة رمّحى فى نمير بن عامر
قال أبو هلال قوله تضل البلق فى حجراته غاية فى صفة الكثرة، لأن البلق مشاهير، فاذا خفى فكأنه فى جيش قد بلغ نهاية الكثرة، وتقول العرب: هو أشهر من الفارس الابلق.
فقال: لست أعرف إلا ثلاثة أفراس أحدها فرسه.
أول ما جالت خيله وأول من قتل بيده يوم أحد
أخبرنا أبو أحمد عن عبد الله عن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى وأبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجالهم قالوا: خرجت قريش فى شوال سنة ثلاث من مكة حنقين يطلبون ثأرهم ببدر فى ثلاثة آلاف، وفيهم مائتا فرس، وقيل: مائة وسبعمائة دارع، فلما دنوا من المدينة راح رسول الله- ﷺ حين صلّى الجمعة فى سبعمائة ولواؤه مع على بن أبى طالب- ﵇ وفيهم فرسان «٢» فرس لرسول الله وفرس لابى بردة بن نيار، فلما صلّى الغداة يوم السبت قدم لواءه، والتقى الجمعان فقتل من المشركين تسعة ثم انهزموا، وحوى المسلمون عسكرهم، فبصر خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين خلو موضع الرماة، فحمل على المسلمين فانكشفوا، وقتل أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان ومصعب بن عمير، وستة وستون رجلا من الانصار، وأصيبت رباعية النبى- ﷺ وشج فى وجنته، وعلاه ابن قمئة
стр. 120
بالسيف فوقاه طلحة بن عبيد الله- رضى الله عنه- فسلت «١» أصبعه.
أول من قتل بيده الشريفة
وسار رسول الله بأصحابه فى الوادى، وتبعه أبى بن خلف فعطف عليه رسول الله وبيده حربة فطعنه بها طعنة خفيفة فوجد منها ألما شديدا، فقيل له: ما عليك بأس، لو كانت هذه بعين أحدنا لم يألم، فقال: لو أن ما أجده بجميع الناس لماتوا، ثم مات.
فلما أراد المشركون الانصراف أشرف أبو سفيان على أصحاب رسول الله فى عرض الجبل فنادى بأعلى صوته، أعل هبل فقال عمر بن الخطاب: «٢» الله أعلى وأجل، فقال: قد أنعمت «٣» يا ابن الخطاب، ثم قال: أين ابن أبى كبشة؟ أين ابن أبى قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله وهذا أبو بكر وها أنا ذا عمر فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والايام دول، والحرب سجال، «٤» فقال عمر: لا سواء قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار قال: انكم لتقولون ذلك لقد خبنا اذا وخسرنا.
ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم فقال عمر: «٥» الله مولانا ولا مولى لكم، ثم قال: قم يا ابن الخطاب أكلمك، فقام فقال: أنشدك بدينك هل قتلنا محمدا؟
فقال: اللهم لا وانه ليسمع كلامك قال: أنت أصدق عندى من ابن قمئة، وكان أخبرهم أنه قتله، ثم قال: ليس الذى تجدونه من المثلة فى قتلاكم من رأى سراتنا «٦» ثم أدركته الحمية فقال: بل لم نكره ما كان منها، وانصرف وقال: موعدكم البدر الصغرى فى العام المقبل.
стр. 121
وأخبرنا أبو أحمد عن الفرائى عن الجهنى عن ابن العراج قال: كان المجذر بن زياد قتل سويد بن الصامت فى الجاهلية ثم أسلم، وحضر أحدا مع النبى- ﷺ فلما جال المسلمون تلك الجولة جاء الحارث بن سويد من خلفه فضرب عنقه، وجاء جبريل فأخبر النبى، فخرج رسول الله الى قباء ومعه الناس وفيهم الحارث فى ملحفة مصبوغة، وكان قد أعرس بأهله قبيل ذلك، فقال رسول الله لعويم بن ساعدة: ان قدم الحارث الى باب المسجد فاضرب عنقه بالمجذر فقد قتله فى الشعب، فقال الحارث: والله ما كان قتلى له رجوعا عن الاسلام ولا ارتيابا فيه، ولكنه أمر وكلت فيه الى نفسى وأنا أتوب الى الله تعالى ورسوله، وأؤدى ديته، وأصوم شهرين متتابعين، وأعتق رقبة، وأطعم ستين مسكينا، فلما استوعب رسول الله كلامه وكان الحارث يقول ذلك ويلوذ بركابه، قال رسول الله- ﷺ عويم، قدمه فاضرب عنقه، فضرب عنقه فقال حسان:
أكنت فى سنة من نوم أوّلكم ... يا جار أم كنت مغترا بجبريل
أم كنت يا ابن سويد حين تقتله ... فى طامس من خلاء الارض مجهول
وقلتم لا نرى والله يبصره ... وعنده محكمات الآى والقيل
محمّد فيكم والله يحبره ... عمّا تكنّ سريرات الاقاويل
أول صدقة اتته صدقة بن عذرة السبب فى تخليق المساجد
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عبد الصمد ابن عبد الوارث عن عمر بن سليم عن أبى الوليد قال: قلت لابن عمر: ما بدء الزعفران يطلى به المسجد؟ فقال: برأى رسول الله نخامه فى المسجد فقال: ما اقبح هذا! من فعل
стр. 122
هذا؟ فجاء صاحبها فحكها وطلاها بالزعفران، فقال رسول الله: هذا أحسن من ذلك وفى غير هذا الاسناد، أن رسول الله- ﷺ حكها بعرجون كان بيده، وقال: ائتونى عنبرا فأتى به، فجعله على رأس العرجون، ولطخ به على أثر النخامة، فمن هنالك جعلتم الخلوق فى مساجدكم.
أول من أجلى من اليهود
أخبرنا أبو أحمد عن عبد الله عن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى قال: لما قدم رسول الله المدينة وادعته اليهود كلها، فجاءت امرأة عربية تحت رجل من الانصار الى سوق قينقاع، فجلست عند صائغ، فجاء يهودى من أهل قينقاع فخل درعها إلى ظهرها بشوكة، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا منها، فقام رجل من المسلمين فقتله، فقام اليهود فتحايشوا «١» وقتلوا الرجل ونبذوا العهد فغزاهم النبى- ﷺ فى ذى القعدة أو ذى الحجة سنة اثنتين، فحاصرهم خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، فأراد قتلهم فاعترض دونهم عبد الله بن أبى بن سلول، وكانوا حلفاءه، وكان لعبادة بن الصامت من حلفهم مثل ما لعبد الله فبرىء عبادة منهم، وقام عبد الله دونهم، وادخل يده فى جنب درع رسول الله، وقال: لا أرسلك حتى تحسن فى موالى أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع منعونى من الاسود والاحمر، فولى رسول الله محمد بن مسلمة وعبادة بن الصامت اخراجهم فأخرجوا، وغنم المسلمون اموالهم وذلك اول ما ظهر نفاق عبد الله.
стр. 123
الباب الرابع فيما روى عن الصحابة والتابعين
стр. 124
أول من أسلم من المهاجرين
اختلف فى ذاك: فروى أن أول من أسلم على بن أبى طالب- ﵇ اخبرنا أبو احمد قال: حدثنا الجوهرى قال: حدثنا زكريا بن يحيى المنقرى قال: حدثنا محمد بن صالح العدوى قال: حدثنا أبو حبيب بن رزين قال: حدثنا أبو إسحاق الهدانى عن الشعبى قال أخبرنا: أشياخنا منهم جرير بإسلام أبى بكر رضى الله عنه فى خبر طويل قال أبو بكر: فلما قدمت مكة استبشروا فظنوا أنهم فتح عليهم بقدومى فتح، واجتمعوا إلى، وشكوا أبا طالب، وقالوا: لولا تعرضه دونه لما انتظرنا به، قلت: ومن تبعه على مخالفة دينهم؟ قالوا: بنو أبى طالب. وهذا يدل على أن عليا- ﵇ اذ ذاك بالغ ولو كان صبيا صغيرا لما اعتد به تابعا.
أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ قال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة قال: حدثنا عبد الله بن موسى قال: حدثنا العلاء بن صالح عن المنهاك بن عمر وعن عباد بن فلان الاسدى قال: سمعت عليا- ﵇ يقول: أنا عبد الله، وأنا أخو رسول الله، وانا الصديق الاكبر، لا يقولها بعدى الا كذاب مفتر، ولقد صليت قبل الناس بسبع سنين «١» .
أخبرنا أبو أحمد قال: اخبرنا ابراهيم بن الخليل الجلاب ببغداد قال: حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال: حدثنا يحيى بن يمان عن سليمان عن سلم الاعور عن حسنة العرنى عن على- رضى الله عنه- قال: بعث رسول الله- ﷺ يوم
стр. 125
الإثنين، وأسلمت يوم الثلاثاء، وأخبرنا أبو أحمد قال: اخبرنا عبد الله بن محمد ابن عبدان قال: حدثنا الثقفى قال: حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن نصر قال: أسلم على- ﵇ وهو ابن أربع عشرة «١» سنة وكانت له ذؤابه.
وأخبرنى أبو احمد قال: أخبرنا محمد بن أبى عمر النهدى قال: حدثنى أبو عبد الله ابن زياد بن سمعان المدائنى عن محمد بن على بن الحسين قال: على أول ذكر آمن، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وهاجر الى المدينة وهو ابن أربع وعشرين سنة، وقالوا: أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وقالوا: اثنتا عشرة سنة.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن أبى حاتم عن الاصمعى قال: وفد الوليد بن جابر بن ظالم على النبى- ﷺ وصحب عليا، وشهد معه صفين، وكان من فرسانه المشهورين، ثم وفد على معاوية فى الاستقامة، فدخل فى جماعة وفد العراق، فلما انتسب له قال: انت صاحب ليلة الهرير؟ «٢» قال:
نعم، قال: والله لكأنى بك الآن ترتجز وتقول:
شدّوا فدا لكم امّ وأب ... فانّما الملك غدا لمن غلب
هذا ابن عمّ المصطفى والمنتخب ... بنوه «٣» فى العلياء سادات العرب
ليس بموضوم «٤» اذا نصّ النسب ... أوّل من صام وصلّى واقترب
стр. 126
قال: أنا قائلها، وذاك أنا كنا مع رجل لا نعلم خصلة توجب الخلافة، ولا فضيلة تصير الى المقدمة الا وهى مجموعة له، وكان أول الناس سلما، وأرجحهم حلما، وأكثرهم علما، فات الجياد فلا يشق غباره، واستوى على الامد «١» فلا يخاف عثاره، وأوضح المنهج الهدى فلا يبيد مناره، وسلك القصد فلا تدرس آثاره، «٢» فلما ابتلانا الله بافتقاده، وجعل الامر الى من شاء من عباده، دخلنا فى جماعة المسلمين، فلم ننزع يدا من طاعة، ولم نصدع صفاة جماعة، «٣» على أن لك منا ما ظهر وقلوبنا بيد الله، فأقبل صفونا، وأعرض عن كدرنا، ولا تشهد كوامن الاحقاد فان النار تقدح بالزناد، قال: وانك لتهددنى بأوباش «٤» العراق محر نجم النفاق، «٥» ومستقر الشقاق، والفجار الفاسق الملحده المراق، قال:
يا معاوية، هم الذين اشرقوك بالريق، وحبسوك فى المضيق، وذادوك «٦» عن سنن الطريق، حتى حاكمت بالمصاحف الى من صدق بها وكذبت، وآمن بمنزلها وكفرت، وعرف تأويلها وانكرت.
فغضب معاوية وادار طرفه فيمن حوله فاذا جلهم من قريش، فقال: أيها الشقى الخائن، انى لأخال ان هذا آخر كلام تفوه به، وكان عفير بن سيف بن ذى يزن يومئذ بدمشق بباب معاوية، فأخبر بمقال الطائى ومراددته معاوية فخاف عليه، فأقبل وقدهم معاوية بقتله، فنظر الى من حضر من اليمانية، وقال: شاهت الوجوه ذلا وقلا وجدعا، كشم «٧» الله هذه الانوف كشما موعبا، ثم قال: يا معاوية، انى والله ما أقول قولى هذا حبا لاهل العراق ولا جنوحا اليهم، ولكن الحفائظ تحل الاحقاد، والله لقد رأيتك بالامس خاطبت أخا تميم وهو أعظم جرما من هذا وأنكى
стр. 127
لقلبك، وأقدح فى صفاتك وأجد فى عدواتك وأشد استنصارا فى حربك، ثم توبته وسرحته، وأمرت بقتل ابن عمك تناسيا لنا واستصغارا لجماعتنا كأنا لا نمر ولا نحلى، ولعمرى لو وكلتك بنو قحطان الى قومك لكان جدك الغابر وذكرك الداثر وحدك المفلول وعرشك المثلول، «١» فأربع على ظلعك، «٢» وأطونا على بلالتنا، «٣» يسهل لك حزننا وينقد لك ضغننا، «٤» فانا لا نرام بسواء للضيم، «٥» ولا نتلمط جزع الخسف «٦» ولا نغمز تغماز التين ولا ندر على الغضب، «٧» فقال معاوية: ان الغضب شيطان فأربع أيها الانسان، فانا لن نأتى لصاحبك سوءا، ولم نرتكب منه ممضغا، «٨» ولم نهتك له محرما، فدونك هو، لم يضق عنه من حلمنا ما وسع غيره، وأخذ عفير بيد الطائى وخرج الى منزله وقال: لتئوبن «٩» بأكثر مما آب به أحد، ففرض على كل واحد من اليمانية دينارين من عطائه فبلغت اربعين الفا، فتجعلها من بيت المال ودفعها اليه ورده الى العراق.
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الجوهرى عن أبى زيد عن يوسف بن موسى القطان عن حكام بن سلم عن أبى درهم ان الحجاج بعث الى الحسن، فلما حضر قال له يزيد بن ابى مسلم: ان الامير يريد ان يدفع الى التجار الف درهم على ان يردوها اليه عند الحول (ده دوازده) ، «١٠» فما ترى؟ قال: ذلكم محض الربا، قال: لا تفسد على الامير عمله فقال: ان الله لم يجعل هذا الدين هوى للملوك
стр. 128
وأتباعهم قال: فاستوى الحجاج وقال: ما تقول فى أبى تراب؟ قال: من أبو تراب؟ قال: ابن أبى طالب، قال: اقول: ان الله جعله من المهتدين، قال:
هات برهانا، قال: قال الله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها..
إلى قوله تعالى وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
وكان على أول من هدى الله مع النبى- ﷺ قال: رأى عراقى، قال: هو ما تسمع، ثم خرج وقال: لما عوفيت من الفاسق ذكرت عفو الله عن العباد فى كلام هذا معناه.
وقالوا أول من أسلم أبو بكر رضى الله عنه.
حدثنا أبو أحمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم الجوهرى عن الواقدى قال: حدثنى عبد الملك بن سليمان الاسلمى عن النضر عن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: أول من أسلم أبو بكر، وقيل لبلال وقد رجع من الحلبة بالشام، من سبق؟ «١» قال: النبى- ﷺ قالوا:
فمن صلّى؟ «٢» قال: أبو بكر، قالوا: إنما سألناك عن الخيل، قال: انما أجبتكم عن الخير.
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو روق عن الرياشى عن الاصمعى قال:
أراد عمر أن يمنع الحلبة فقيل له: سوق من أسواق العرب، قال: فليركبها أربابها، فلما أرسلت الخيل أقبل أعرابى على فرس وهو يقول:
غاية مجد رفعت فمن لها ... نحن حويناها وكنّا أهلها
لو ترسل الرّيح لجئنا قبلها
فعثرت فرسه فسقط، فتقدمه رجل من ولد أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- بفرسه، فقال الاعرابى: يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما جرى، قد رأيت
стр. 129
أنه قد سبقنى، وأتاك رجل كان أبوه سباقا الى الخير.
وقيل ان أبا بكر- رضى الله عنه- رابع أربعة من المسلمين، والشاهد ما روى زكريا بن يحيى الطائى عن أبى بكر عن حميد بن منهب حاجا فى السنة التى قتل فيها عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فصادفت طلحة والزبير وعائشة بمكة، فلما ساروا الى البصرة سرت معهم، فلما وقفت عائشة بالبصرة قالت: ان لى «١» عليكم حرمة الامومة، وحق الموعظة، لا يتهمنى الا من عصى ربه «٢» بى ميز مؤمنكم من منافقكم، وفى رخص لكم فى صعيد الأقواء، وأبى رابع «٣» أربعة من المسلمين، وأول من سمى الصديق، مضى رسول الله- ﷺ راضيا عنه، فطوقه وهف الامامة، ثم اضطرب حبل الدين، فأخذ بطرفه وربق لكم أبناءه، ورتق لكم فتق النفاق، وأغاض نبع الرده، وأطفأ ما حشت يهود، وانتم يومئذ جحظ «٤» العيون تنظرونه الغدره، وتسمعون الصيحة، فرأب الثأى، «٥» وأودم العطلة، «٦» وامتاح من الهوة، «٧» واجتهز من الردى، «٨» ثم انتظم طاعتكم بحبله فى ذات الله، فولى أمركم رجلا مرعيا اذا ركن اليه، بعيد ما بين اللابتين اذا ضل، عركة للاذاة بجنبه «٩» صفوحا عن أذى الجاهلين، يقظان الليل فى نصرة الاسلام، خشاش المرآة، فسلك مسلك
стр. 130
السابقين، ففرق شمل الفتنة، وجمع أعضاد ما جمع القرآن وأنا نصب المسألة عن مسيرى هذا، لم ألتمس إثما، ولم أورث فتنة أوطئكموها، أقول قولى هذا صدقا وعدلا، واعذارا وانذارا وأسأل الله أن يصلى على محمد وأن يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين.
فانطلق رجل سمع مقالتها الى الاحنف بن قيس وهو معتزل فى بنى سعد وأخبره بما قالت، فأنشأ الاحنف يقول:
لشتّان ما بين المقامين تارة ... نضارا وطورا غدرة يستقيلها
فلو كانت الاكنان دونك لم تجد ... عليك مقالا أو هناة تقولها «١»
وقفت يمينا للسّيول وقلّ من ... يقوم بها إلّا علاه بليلها «٢»
محضت سقائى عذرة ولمامة ... وكلتاهما كانت لغولك غولها «٣»
ألمّا ترى أنّ الامور بضرّة ... من الشرّ كم يعبأ بليلى ليلها
حجابك أخفى للّتى تسترينها ... سفورك أدعى للّتى لا أقولها
فلما بلغت عائشة مقالة الاحنف قالت: لقد استفرغ حلم الاحنف لقد
стр. 131
استفرغ الاحنف حجاه إياى، الى الله أشكو عقوق أبنائى، ثم أنشأت تقول:
بنىّ أتّعظ انّ المواعظ شهّد ... ويوشك ان تبكى عيونك ميلها
ولا تستهن بالله حقّ امومتى ... فانّك اولى النّاس الّا تقولها
(ولا يطعننىّ بالخنا من له حجى ... فى أمّة قد كان بعلى رسولها «١» )
قال أبو هلال ﵀ قولها (حق الامومة) من قولهم أم بين الامومة، وقولها (فى رخص لكم فى صعيد الاقواء) يعنى التيمم بالصعيد، وكان النبى- ﷺ أقام عليها فى سفر «٢» فلم يجدوا ماء فنزلت آية التيمم، وواحد الاقواء أقا وهو الصخر، وقولها: (وأبى رابع أربعة من المسلمين) يقال: أنه أسلم قبله خديجة وعلى وزيد بن حارثة، وقولها: (وهف الامامة) أى معظمها، وقولها (ربق لكم أبناءه) أى جمع، والربقة الحبل، وفى الحديث «من خلع ربقة الاسلام من عنقه فهو دان» وقولها: (حشت يهود) أى أوقدوا، وقولها: (أودم العطلة) »
والعطلة التى عطلت ورمى بها، والودم بها نوع من السير، وقولها: (بعيد ما بين اللابتين) أى الجانبين، واللابة أرض تركبها حجارة سوداء، وقولها: (خشاش المرآة) الخشاش الخفيف الصعل،
стр. 132
والمرآة مفعلة من الرؤية «١» وقول الاحنف.
لشتّان ما بين المقامين تارة ... نضارا وطورا غدرة يستقيلها
يعنى اختلاف قول عائشة فى عثمان رضى الله عنه.
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن أبى مخنف عن كبير بن أبى اسماعيل عن عمر بن بشير عن عمته أم زيد قالت: كنت مع عائشة- رضى الله عنها- بمكة، فأتاها ان عثمان قتل، فقالت: أبعده الله بما قدمت يداه، يا معشر قريش لا يشأمنكم عثمان كما شأم أحمر ثمود قومه، ان أحق بهذا الامر ذو الاصبع.
ثم أتاها أن عليا رضى الله عنه استخلف، فقالت: تعسوا، لا تؤمروا بنى تميم أبدا، يأيها الناس، ان عثمان قتل مظلوما، وان عليا أخذ الامر بغير شورى، والله لا نرضى لنقاتلنه، فقالت أم سلمة: يأيها الناس، ان عثمان قتل، وان الناس ولوا عليا خير من تعلمون، وقد بايعنا فبايعوا عليا، وكان الاحنف يميل الى أمير المؤمنين على- ﵇ أيام الجمل، فاعتزل فى بنى سعد يمنعهم عن قتاله، وما روى عنه فى على الا واحدة.
أخبرنا أبو القاسم قال: حدثنا العقدى قال: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو الحسن المدائنى عن مشيخة بن تميم ان الاحنف لم يتعلق عليه الا ست خصال، قوله فى أمر الزبير حين قيل له: هذا الزبير قد مر آنفا فقال: (ما اصنع به؟ وقد جمع بين جيشين عظيمين يقتل بعضهم بعضا، وها هو ذا صار الى منزله سالما) «٢» واتبعه ابن جرموز فقتله، فقال الناس: الاحنف
стр. 133
قتله وقوله حين أتاه كتاب الحسن بن على- ﵉ يستنصره: قد بلونا حسنا وآل أبى الحسن، فلم نجد له ايالة للملك، ولا صيانة للمال، ولا مكيدة فى الحرب، ولم يجبه، وقوله للمرأة حين أتته بمجمر: أست المرأة احق بالمجمر، وقوله للحباب بن يزيد: أسكن يا آدر وكان آدر وقوله لقطرى بن الفجاءة «١» الخارجى: ان أبا نعامة أشار على القوم فركبوا البغال، وجنبوا الخيل، وأصبحوا ببلد وأمسوا بغيره، فأقمن ان يطول أمرهم، فأخذ قطرى بقوله، وأتاه رجل فلطمه فقال له: لم لطمتنى؟ قال: جعلوا لى جعلا ان ألطم سيد بن تميم، فقال: انك اخطأت، سيد بنى تميم جارية «٢» بن قدامة، فجاء الرجل حتى لطم جارية، فأخرج جارية سكينا من خفه وقطع يد الرجل فقالوا:
قطعة الأحنف.
أول من أسلم من الانصار معاذ بن عفراء
أخبرنا أبو امد باسناده عن الواقدى قال: حدثناابن أبى حنيفة عن داود بن الحصين قال: خرج رسول الله- ﷺ من مكة فمر فى أهل يثرب على يمينه نفر، معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة ورافع بن مالك وذكوان بن عبد قيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهن وعويمر بن ساعدة، فعرض عليهم الاسلام فأسلم معاذ، وقال رافع بن مالك: دعنى استخير، فكتب على بعض سهامه محمد رسول الله، وضرب بها فخرج المكتوب عليه ذلك ثلاث مرات فأسلم، ثم أسلم الباقون، فقال رسول الله- ﷺ تمنعون لى ظهرى حتى أبلغ رسالة ربى، فقالوا: انما نحن أعداء متباغضون، وانما كان بعاث «٣» العام الاول، وان تقدم ونحن كذلك لا يكن لنا عليك اجتماع، وموعدك الموسم من العام المقبل، ثم قال رافع: أكتب لى بعض ما معك، قال: انى لا أخط بيدى، قال: فأمل
стр. 134
على فأنى آخذ الكلمة، وكان الكامل فى الجاهلية الشاعر الكاتب الرامى الذى يحسن العوم، فأملى عليه وعلى ابن عفراء سورة يوسف وطه، فقدموا المدينة، فجاء رافع قومه وهم فى مشرقة «١» فقال: انى قد اهديت لكم هدية ما أهدى رجل لقومه خيرا منها الا ابن عفراء، فقرأ عليهم السورتين فرموه بالحجارة والمحايض «٢» وكان ابناه خلاد ورفاعه أشد الناس عليه، ثم أسلما وشهدوا بدرا، وقتل رافع يوم أحد أصابته رمية فلم يزل ضمنا حتى مات فى كلام هذا معناه.
أول من سمى القرآن مصحفا وأول من جمعه أبو بكر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ابراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: لما أصيب المسلمون باليمامة، خاف أبو بكر ان يهلك طائفة من أهل القرآن، وانما كان فى العسب «٣» والرقاع «٤» فأمر الناس فأتوه بما كان عندهم، فأمر به فكتب فى الورق، فلما كان أيام عثمان كثر اختلاف الناس فى القراءات، فقالوا حرف عبد الله وحرف أبى موسى، فاستشار الصحابة، فأشاروا عليه بجمع الناس على مصحف واحد، فجمع ما كان بأيدى الناس من المصاحف وأحرقها، أو قالوا: غسلها، وأمر سعد بن العاص- وكان أفصح الناس- فأملى على زيد بن ثابت، فكتب مصاحف وفرقها فى البلدان فأبو بكر أول من جمع القرآن، وعثمان أول من جمع الناس على مصحف واحد فى كلام هذا معناه.
والمصحف بالكسر لغة أهل الحجاز، وهى رديئة، لانه أخرج مخرج ما يتبادل ويتعاطى باليد، والمصحف أكرم من ذلك، وأهل نجد يقولون: مصحف من قولك أصحفته فهو مصحف اذا جعلت بعضه على بعض، وهى أعجب اللغتين
стр. 135
الى، وقالوا: أول من جمع القرآن عمر، «١» وكان لا يقبل من احد شيئا منه حتى يشهد شاهدان، فمات عمر قبل ان يجمع.
وقد روينا ايضا حديثا دل على ان عليا- ﵇ اول من شرع فى جمع القرآن، حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا الصولى قال: حدثنا الغلابى قال: حدثنا أحمد بن عيس قال: حدثنا عمى الحسين ابن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما قبض رسول الله- ﷺ تشاغل على بدفنه، فبايع الناس أبا بكر، فجلس على يجمع القرآن، وكتبه فى الخزف «٢» وأكتاف الابل وفى الرق، «٣» فمكث ثلاثة أيام، واجتمعت بنو هاشم كلها معه، ولم يبايعوا أبا بكر، والزبير معهم، فلما كان اليوم الثالث قال أبو بكر لعمر: قد تخلف بنو هاشم عنى، ولم يتم لى الامر حتى يبايعونى، فجاءا الى على فدخلا عليه، فقال أبو بكر: أبا حسن، ما أبطأ بك عنا؟ قال: يا أبا بكر، ما كنت أظن أنك تقدم على أمر وأنا فيكم، قال: أبا حسن أكرهت امارتى؟ أبسط يديك أبايعك، قال: أو تفعل ذلك؟ قال: نعم، قال: ما كنت لافعل، ان رسول الله- ﷺ رضيك لديننا فرضيناك لدنيانا، ما كان يخلفنى عن بيعتك كراهة منى لها، ولكن كنت أجمع «٤» ما أنزل الله على نبيه- ﵇ من القرآن، وهو ذا قد جمعته فى هذه الصحيفة الملأى، ثم بايعه، كذا سمعته. والصواب فيها، هو ذا قد جمعته، ولا يقال وهو ذا.
стр. 136
أول خليفة فرض له العطاء رعيته أبو بكر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عاصم عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال وأبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى وغير هؤلاء قالوا: لما ولى أبو بكر- رضى الله عنه- غدا الى السوق، فقال المسلمون: أفرضوا لخليفة رسول الله ما يغنيه قالوا: رداءاه اذا أخلقهما وضعهما وأخذ غيرهما، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل ذلك، وظهره اذا سافر، فقال: رضيت، فلما حضرته الوفاة أوصى بأن يرد ما أخذه من ذلك الى موضعه من مال المسلمين.
أول خليفة ولى وأبوه حى أبو بكر
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: قيل لابى قحافة: استخلف أبو بكر، قال: أو أقرت بذلك بنو قصى؟ قالوا: نعم، قال: يفعل الله ما يشاء، قال: ولم ولوه؟ قالوا لسنّه قال فأنا أسن منه.
ونازع أبو سفيان أبا بكر، وأغلظ له أبو بكر، فقال أبو قحافة: وقر «١» أبا سفيان، فقال: ان الله رفع بالاسلام بيوتا ووضع بيوتا فبيتك مما رفع وبيت أبى سفيان مما وضع، وتوفى أبو قحافة بمكة بعد وفاة أبى بكر بستة أشهر وأيام فى المحرم سنة أربع عشرة وله سبع وتسعون سنة، وكان المنصور يدعو عبد الله بن الحسن أبا قحافة، لان ابنه محمدا ادعى الخلافة وهو حى.
أول من سمى خليفة أبو بكر
وخليفة الرجل من يقوم مقامه، خلفته أخلفه خلافة، وأما الخلافة بالفتح فالحمق وقلة الخير، رجل خالف وفى القرآن الكريم فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ
، «٢» قال أبو زيد: يعنى من لا خير فيه من المنافقين، ويقال: خليفة
стр. 137
وخلائف وخليف وخلفا، واذا أرادوا تعظيم الخليفة قالوا: خليفة الله كما قالوا: بيت الله وشهر الله.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا نفطوية عن أبى العباس المنصورى عن عبد الله بن محمد القرشى ان أعرابية عرضت للمنصور فى طريق مكة بعد وفاة أبى العباس فقالت: يا أمير المؤمنين، أحسن الصبر، وقدم الشكر، فقد اجزل الله لك الثواب فى الحالتين، وأعظم عليك المنة فى الحادثتين، سلبك خليفة الله «١» وأفادك خلافة الله، فسلم فيما سلبك، واشكر فيما منحك، وتجاوز الله عن أمير المؤمنين، واختار لك فيما ملكك من أمر الدنيا والدين.
أول من هنأ وعزى فى مقام واحد
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال: دخل عطاء بن أبى صيفى على يزيد فهنأه بالخلافة، وعزاه فى أبيه، ففتح للناس باب الكلام فى ذلك قال: رزئت «٢» يا أمير المؤمنين فى خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، قضى معاوية نحبه «٣» فغفر الله له ذنبه، ووليت الرياسة، وكنت أحق بالسياسة، فاحتسب عند الله جليل الرزية، وأشكر على جزيل العطية، فعظم الله فى معاوية أجرك، وأحسن على الخلافة عونك، فأخذه أبو دلامة فقال مما يرثى به المنصور ويمدح المهدى:
عيناى واحدة ترى مرزوّة ... بإمامها جذلى وأخرى تذرف «٤»
تبكى وتضحك تارة ويسوؤها ... ما أنكرت ويسرّها ما تعرف
стр. 138
ما أن رأيت ولا سمعت كما أرى ... شعرا أرجله وآخر انتف
أهدى لذاك الله فضل خلافة ... ولذاك جنّات النّعيم تزخرف
هلك الخليفة يا لأمّة أحمد ... وأتاكم من بعده من يخلف
فابكوا لمصرع خيركم ووليّكم ... واستبشروا بقيام ذا وتشرّفوا
فأخذه أبو الشيص، فقال يمدح محمد الامين ويرثى هارون:
جرت جوارى السّعد والنّحس ... والنّاس فى ماتم وفى عرس
العين تبكى والسّن ضاحكة ... فنحن فى كربة وفى أنس
يضحكنا القائم الامين ويب ... كينا وفاة الإمام بالأمس
أول ما ورد على أبى بكر (رضى الله عنه) حين استخلف
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: بعث أبو بكر خالد بن الوليد على العراق، وكتب الى المثنى بن حارثة ان يطيعه، فاستقبله بالنباج، «١» وأتاه أبجر بن جابر فقال له: قدمت خير مقدم، ويعظم الله لك المغنم، ويظهرك على العجم، قال خالد: لو شئت ان تقول الشعر لقلته.
стр. 139
ما دينك يا أبجر؟ قال: دين عيسى بن مريم، قال: اذا أنت على ديننا أتؤمن بمحمد؟ قال: لا، قال: اذا أقتلك، قال: أتقتلنى إن لم أتبع دينك ولم أحاربك؟ قال: نعم، قال: ومتى كان دينكم؟ انما جئتم منذ أعوام، قال:
كذا يقول من كفر بعيسى، لتسلمن أو لاقتلنك، قال له المثنى: هب لى ابن عمى فأبى، فقال: اذا أسلم نصارى العرب فأنا زعيم أن سيسلم، فخرج أبجر وقال:
فإن تنجنى اللهم من شرّ خالد ... فأنت المرجّى للشّدائد والكرب
وسار خالد حتى أتى بانقيا، «١» فصالحه أهلها على ألف درهم وطيلسان، «٢» فبعث به الى أبى بكر، فكان أول ما أورد عليه من العراق.
وقالوا: أول ما ورد عليه من العراق مال الحيرة، والاول أصح، وكسا الطيلسان الحسن بن على- ﵉ وقال ضرار بن الازور:
أرقت ببانقيا ومن يلق مثلما ... لقيت ببانقيا من الهمّ يأرق
أول من استخلف من الخلفاء أبو بكر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: لما استعر بأبى بكر الوجع أرسل إلى على وعثمان ورجال من المهاجرين والأنصار، فقال: قد حضر ما ترون، ولا بد من قائم بأمركم، فان شئتم اخترتم لا نفسكم، وان شئتم اخترت لكم، قالوا: بل اختر لنا، فقال لعثمان: أكتب، هذا ما عهد أبو بكر بن أبى قحافة فى آخر عهده بالدنيا خارجا منها وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يتوب الفاجر، ويؤمن الكافر، ويصدق الكاذب، عهد وهو يشهد ان لا اله الا الله وان
стр. 140
محمدا عبده ورسوله، وقد استخلف- ثم رهقته غشية «١» - فكتب عثمان عمر بن الخطاب، فلما أفاق قال: أكتبت شيئا؟ قال: نعم، كتبت عمر بن الخطاب، فقال:- رحمك الله- اما أنك لو كتبت نفسك لكنت لها أهلا، فاكتب، قد استخلفت عمر بن الخطاب بعدى، ورضيته لكم، فان عدل فذلك ظنى فيه، وان بدل فلكل نفس ما كسبت، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«٢» فالتوى «٣» عمر- رضى الله عنه- وقال:
لا أطيق القيام بأمر الناس، فقال أبو بكر: هاتوا سيفى، وتهدده فانقاد عمر، قال: ثم دخل عليه طلحة، وعاتبه على استخلافه عمر، فقال: ان عمر والله خير لكم، وانت شر لهم، اما والله لو استخلفتك لجعلت أنفك «٤» فى قفاك، ولرفعت نفسك فوق قدرها حتى يكون الله هو الذى يضعها، أتيتنى قد دلكت عينك تريد ان تفتننى عن دينى، وتزيلنى عن رأيى، قم، لا أقام الله رحلك، أما والله لئن بلغنى أنك غمطته، «٥» وذكرته بسوء لالحقنك بحمضات قنة حيث كنتم تسقون ولا تروون، وترعون ولا تشبعون، وأنتم بذلك لححون راضون، فقام طلحة فخرج.
قال أبو جعفر: حمضات جمع حمض وهو ضرب من النبت والقنّة اعلى الجبل والجمع قنن وقنان.
أول ما ظهر الاسلام بمكة وأقيمت الصلاة علانية
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن الواقدى عن محمد بن عبد الله عن الزهرى عن سعيد بن المسيب، وعنه عن يعقوب بن عبد الله عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن جبير، وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر المدائنى جعلت أحاديثهم حديثا واحدا قالوا: دعا رسول الله- ﷺ فقال: اللهم أعز الاسلام بعمر بن
стр. 141
الخطاب أو بأبى جهل بن هشام فاستجاب الله دعاءه فى عمر، فأسلم بعد أربعين رجلا وعشر نسوة، فظهر الاسلام بمكة، «١» وأقيمت الصلاة علانية فى المسجد الحرام، وجاء جبريل- ﵇ الى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ يا محمد على عمر السلام وأخبره أن رضاه حكم، وغضبه عز، فى كلام هذا معناه.
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر قال: حدثنا بشر بن محمد أبو أحمد السكرى قال: حدثنا المسعودى عن القاسم قال: قال عبد الله: ان اسلام عمر كان فتحا، «٢» وان هجرته كانت نصرا، «٣» وان امارته كانت رحمة، «٤» ما اصطففنا حول الكعبة ظاهرا حتى أسلم عمر، وانى لا حسب الشيطان يفر من عمر، وانى لا حسب بين عينى عمر ملكا يعلمه، فاذا ذكر الصالحون فحى هل بعمر «٥»
أول من سمى أمير المؤمنين عمر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الحسن بن عثمان عن عبد الله ابن صالح عن يعقوب عن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن الزهرى عن عمر بن عبد العزيز عن أبى بكر بن سليمان عن الشفاء- وكانت من المهاجرات- ان أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول الله، حتى كتب عمر الى عامل العراق أن يبعث اليه رجلين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث لبيد بن ربيعة وعدى بن حاتم، فقدما
стр. 142
المدينة ودخلا المسجد فوجدوا عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لكم فى هذا لتخرجن مما دخلت فيه، فأخبره وقال:
أنت الامير ونحن المؤمنون فجرى الكتاب بذلك من يومئذ، فى كلام هذا معناه «١»
أول من كتب التاريخ الهجرى عمر فى ربيع الاول سنة ١٦
وكان سبب ذلك فيما روى أبو أحمد عن بعض رجاله، ان أبا موسى الاشعرى كتب الى عمر، إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندرى على أيها يعمل، قد قرأنا صكا منه محله شعبان، فما ندرى أى الشعبانين، الماضى أم الآتى؟ فرأى ان الاشهر الحرم تقع حينئذ فى سنتين، «٢» فجعله من المحرم وهو آخرها فصيره أولا لتجتمع فى سنة واحدة.
وكانت الكتب تؤرخ من موت كعب بن لؤى، فلما كان عام الفيل أرخت منه، وكانت المدة بينهما خمسمائة وعشرين سنة، وأرخ بنو اسماعيل من نار ابراهيم- ﵇ الى بنائه البيت الى تفرق معد، ومن تفرق معد الى موت كعب بن لؤى، ثم أرخوا بعام الفيل، ثم من الهجرة، وعادة الناس ان يؤرخوا بالشىء المشهور والامر العظيم المذكور، فأرخ بعض العرب بعام الخنان لشهرته بتماوتهم فيه، قال النابغة الجمدى:
стр. 143
فمن يك سائلا عنّى فانّى ... من الفتيان أيّام الخنان «١»
مضت مائة لعام ولدت فيه ... وعامّ بعد ذاك وحجّتان «٢»
وقد أبقت صروف الدّهر منّى ... كما أبقت من السّيف اليمانى
وتقول العرب أرخت الكتاب وورخته، ولا تكاد ورخت تستعمل اليوم، وكانت العرب تؤرخ بالنجوم قديما، وهو أصل قولهم نجمت على فلان كذا حتى يؤديه فى نجوم.
أول من اتخذ بيت مال عمر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن شبويه عن سليمان بن صالح عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن قتادة قال: آخر ما أتى به النبى- ﷺ ثمانمائة ألف درهم من البحرين، فما قام عن مجلسه حتى أمضاه، ولم يكن له بيت مال، ولا لابى بكر، وأول من اتخذه عمر.
أول من سن قيام شهر رمضان جماعة سنة أربع عشرة
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن عيسى عن عبد الله بن وهب عن بكر بن مضر وعبد الرحمن بن سلمان عن أبى الهاد عن قيس ابن عبد الملك وعن غير هؤلاء قالوا: أمر عمر أبا خيثمة وأبى بن كعب ومعاذ بن جبل أن
стр. 144
يصلوا بالناس فى شهر رمضان، وسمع الناس يقولون: فلان أقرأ من فلان، وفلان أحسن صوتا بالقرآن من فلان، فنهاهم عن ذلك وقال: أتفعلون ذلك وأنتم أنتم، فكيف بمن جاء بعدكم؟ وكانوا قبل ذلك يصلون فى المسجد فرادى، ثم قدموا أبيا فصلّى بهم فرآهم عمر فقال: بدعة وأى بدعة ثم أقر أبيا على ذلك، وأضاف اليه أبا خيثمة ومعاذ.
أول من عس بالليل
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان وعن الجوهرى عن أبى زيد قال: قال عبد الله بن زيد الاسلمى: بينا عمر يعس ذات ليلة اذ سمع امرأة تقول
هل من سبيل الى خمر فأشربها ... أم هل سبيل الى نصر بن حجّاج
فلما أصبح سأل عنه واحضره،- وكان من بنى سليم- فاذا هو أحسن الناس وجها، وشعرا، فحلقه «١» فازداد حسنا، فأمره ان يعتم، «٢» ففعل ذلك فازداد حسنا، فقال عمر: والذى نفسى بيده لا يجامعنى فى ارض، فأمر له بما يصلحه وسيره الى البصرة، فكتب نصر من البصرة الى عمر بعد حول:
لعمرى لئن سيّرتنى وحرمتنى ... وما نلت ذنبا انّ ذا لحرام
وما نلت شيئا غير ظنّ ظننته ... وفى بعض تصديق الظّنون أثام
لئن غنّت الحوراء يوما بمنية «٣» ... وبعض أمانىّ النّساء غرام
стр. 145
فحقّقت بى الظّن الّذى ليس بعده ... بقاء فمالى فى النّدىّ كلام
فأصبحت منفيا على غير ريبة ... وقد كان لى بالمكّتين مقام
وقد يغنى ممّا تظنّ تكرّمى ... وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها ممّا ظننت صلاتها ... وفضل لها فى قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جبّ منّى غارب وسنام «١»
وقالت المرأة:
قل للامام الّذى تحشى بوادره ... مالى وللخمر أو نصر بن حجّاج
انى غنيت أبا حفص بغيرهما ... شرب الحليب وطرف فاتر ساج
إنّ الهوى زمّه التّقوى «٢» فحبّسه ... حتّى أقرّ بألجام وأسراج
أمنيّة لم أرد فيها بضائرة ... والنّاس من هالك فيها ومن ناج
فضرب أهل المدينة المثل بهذه المرأة فقالوا: أصعب من المتمنية، وهى العزيمة بنت همام أم الحجاج بن يوسف، وقالوا: جدته، وكان حين عشقت
следующие страницы →