Полный текст (423 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الخطاب أو بأبى جهل بن هشام فاستجاب الله دعاءه فى عمر، فأسلم بعد أربعين رجلا وعشر نسوة، فظهر الاسلام بمكة، «١» وأقيمت الصلاة علانية فى المسجد الحرام، وجاء جبريل- ﵇ الى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ يا محمد على عمر السلام وأخبره أن رضاه حكم، وغضبه عز، فى كلام هذا معناه.
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر قال: حدثنا بشر بن محمد أبو أحمد السكرى قال: حدثنا المسعودى عن القاسم قال: قال عبد الله: ان اسلام عمر كان فتحا، «٢» وان هجرته كانت نصرا، «٣» وان امارته كانت رحمة، «٤» ما اصطففنا حول الكعبة ظاهرا حتى أسلم عمر، وانى لا حسب الشيطان يفر من عمر، وانى لا حسب بين عينى عمر ملكا يعلمه، فاذا ذكر الصالحون فحى هل بعمر «٥»
أول من سمى أمير المؤمنين عمر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الحسن بن عثمان عن عبد الله ابن صالح عن يعقوب عن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن الزهرى عن عمر بن عبد العزيز عن أبى بكر بن سليمان عن الشفاء- وكانت من المهاجرات- ان أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول الله، حتى كتب عمر الى عامل العراق أن يبعث اليه رجلين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث لبيد بن ربيعة وعدى بن حاتم، فقدما
стр. 142
المدينة ودخلا المسجد فوجدوا عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لكم فى هذا لتخرجن مما دخلت فيه، فأخبره وقال:
أنت الامير ونحن المؤمنون فجرى الكتاب بذلك من يومئذ، فى كلام هذا معناه «١»
أول من كتب التاريخ الهجرى عمر فى ربيع الاول سنة ١٦
وكان سبب ذلك فيما روى أبو أحمد عن بعض رجاله، ان أبا موسى الاشعرى كتب الى عمر، إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندرى على أيها يعمل، قد قرأنا صكا منه محله شعبان، فما ندرى أى الشعبانين، الماضى أم الآتى؟ فرأى ان الاشهر الحرم تقع حينئذ فى سنتين، «٢» فجعله من المحرم وهو آخرها فصيره أولا لتجتمع فى سنة واحدة.
وكانت الكتب تؤرخ من موت كعب بن لؤى، فلما كان عام الفيل أرخت منه، وكانت المدة بينهما خمسمائة وعشرين سنة، وأرخ بنو اسماعيل من نار ابراهيم- ﵇ الى بنائه البيت الى تفرق معد، ومن تفرق معد الى موت كعب بن لؤى، ثم أرخوا بعام الفيل، ثم من الهجرة، وعادة الناس ان يؤرخوا بالشىء المشهور والامر العظيم المذكور، فأرخ بعض العرب بعام الخنان لشهرته بتماوتهم فيه، قال النابغة الجمدى:
стр. 143
فمن يك سائلا عنّى فانّى ... من الفتيان أيّام الخنان «١»
مضت مائة لعام ولدت فيه ... وعامّ بعد ذاك وحجّتان «٢»
وقد أبقت صروف الدّهر منّى ... كما أبقت من السّيف اليمانى
وتقول العرب أرخت الكتاب وورخته، ولا تكاد ورخت تستعمل اليوم، وكانت العرب تؤرخ بالنجوم قديما، وهو أصل قولهم نجمت على فلان كذا حتى يؤديه فى نجوم.
أول من اتخذ بيت مال عمر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن شبويه عن سليمان بن صالح عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن قتادة قال: آخر ما أتى به النبى- ﷺ ثمانمائة ألف درهم من البحرين، فما قام عن مجلسه حتى أمضاه، ولم يكن له بيت مال، ولا لابى بكر، وأول من اتخذه عمر.
أول من سن قيام شهر رمضان جماعة سنة أربع عشرة
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن عيسى عن عبد الله بن وهب عن بكر بن مضر وعبد الرحمن بن سلمان عن أبى الهاد عن قيس ابن عبد الملك وعن غير هؤلاء قالوا: أمر عمر أبا خيثمة وأبى بن كعب ومعاذ بن جبل أن
стр. 144
يصلوا بالناس فى شهر رمضان، وسمع الناس يقولون: فلان أقرأ من فلان، وفلان أحسن صوتا بالقرآن من فلان، فنهاهم عن ذلك وقال: أتفعلون ذلك وأنتم أنتم، فكيف بمن جاء بعدكم؟ وكانوا قبل ذلك يصلون فى المسجد فرادى، ثم قدموا أبيا فصلّى بهم فرآهم عمر فقال: بدعة وأى بدعة ثم أقر أبيا على ذلك، وأضاف اليه أبا خيثمة ومعاذ.
أول من عس بالليل
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان وعن الجوهرى عن أبى زيد قال: قال عبد الله بن زيد الاسلمى: بينا عمر يعس ذات ليلة اذ سمع امرأة تقول
هل من سبيل الى خمر فأشربها ... أم هل سبيل الى نصر بن حجّاج
فلما أصبح سأل عنه واحضره،- وكان من بنى سليم- فاذا هو أحسن الناس وجها، وشعرا، فحلقه «١» فازداد حسنا، فأمره ان يعتم، «٢» ففعل ذلك فازداد حسنا، فقال عمر: والذى نفسى بيده لا يجامعنى فى ارض، فأمر له بما يصلحه وسيره الى البصرة، فكتب نصر من البصرة الى عمر بعد حول:
لعمرى لئن سيّرتنى وحرمتنى ... وما نلت ذنبا انّ ذا لحرام
وما نلت شيئا غير ظنّ ظننته ... وفى بعض تصديق الظّنون أثام
لئن غنّت الحوراء يوما بمنية «٣» ... وبعض أمانىّ النّساء غرام
стр. 145
فحقّقت بى الظّن الّذى ليس بعده ... بقاء فمالى فى النّدىّ كلام
فأصبحت منفيا على غير ريبة ... وقد كان لى بالمكّتين مقام
وقد يغنى ممّا تظنّ تكرّمى ... وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها ممّا ظننت صلاتها ... وفضل لها فى قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جبّ منّى غارب وسنام «١»
وقالت المرأة:
قل للامام الّذى تحشى بوادره ... مالى وللخمر أو نصر بن حجّاج
انى غنيت أبا حفص بغيرهما ... شرب الحليب وطرف فاتر ساج
إنّ الهوى زمّه التّقوى «٢» فحبّسه ... حتّى أقرّ بألجام وأسراج
أمنيّة لم أرد فيها بضائرة ... والنّاس من هالك فيها ومن ناج
فضرب أهل المدينة المثل بهذه المرأة فقالوا: أصعب من المتمنية، وهى العزيمة بنت همام أم الحجاج بن يوسف، وقالوا: جدته، وكان حين عشقت
стр. 146
نصرا تحب المغيرة بن شعبة.
وذكروا ان عروة ابن الزبير كنى أخاه عند عبد الملك، فقال له الحجاج: أتكنى أخاك المنافق عند أمير المؤمنين؟ لا أم لك، فقال عروة: ألى تقول ذلك يا ابن المتمنية؟ وأنا ابن عجائز الجنة، صفية وخديجة وأسماء وعائشة «١» .
ولما ورد نصر البصرة نزل على مجاشع بن مسعود، فعشق امرأته شميلة، وكانت هى ونصر كاتبين، ومجاشع أمى لا يكتب، فكتب نصر على الارض بحضرة مجاشع، انى قد احببتك حبا لو كان فوقك لأظلك، او كان تحتك لأقلك، فكتبت شميلة، وأنا، فقال مجاشع ما كتب وكتبت؟ قالت:
كتب كم تحلب ناقتكم وتغل أرضكم؟ فكتب: وأنا فقال: ما هذا لذاك، فطبق وكفأ على الكتابة جفنة، «٢» وأتى بمن قرأها، فقال لنصر: ما سيرك عمر لخير، قم فان وراءك اوسع لك، فنهض خجلا الى منزل بعض المسلمين، فضنى «٣» من حب شميلة، فبلغ مجاشعا فعاده، فوجد «٤» لما به، فقال لشميلة: قومى اليه فمرضيه، ففعلت، وضمته الى صدرها فعادت قواه، قال بعض العواد: قاتل الله الاعشى، كأنه شهد أمرهما فقال:
لو أسندت ميتا إلى صدرها ... عاد ولم ينقل الى قابر
فلما فارقته عاد الى مرضه، فلم تزل تتردد عليه حتى مات، فقال أهل البصرة: أدنف من المتمنى فذهبت مثلا، وروى بعض الشيوخ خلاف هذا
стр. 147
قال: لما توفى عمر ركب صدر راحلته حتى أتى المدينة.
وكان عمر غيورا والغيرة من أحمد أخلاق الرجال، وعابوا على معاوية ثلاثا تعين على السؤدد، «١» الجلح، واندحاق البطن، وتركه الافراط فى الغيرة، والجلح انحسار الشعر عن مقدم الرأس، واندحاق البطن خروجه وكبره، ومن أعجب ما روى فى الغيرة ان عبد الله بن الزبير وقف لابيه الزبير بباب داره وقال: لا أتركنك تدخل حتى تطلق أمى فان مثلى لا يحسن أن تكون له أم توطأ، فطلقها، فتركه فدخل، ومما يدل على شدة غيرة عمر- رضى الله عنه- ما أخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر بن دريد عن أبى حاتم عن أبى عبيدة قال: تناشد الناس شعرا على عهد عمر- رضى الله عنه- ثلاث سنين ثم ذكر رجل أنه قاتل قائله، فقال عمر: كيف كان شأنك وشأنه؟ فقال: أقبلت حتى نزلت قرية فى الليل واذا مصباح فى بيت رجل يغنى:
وأشعث غرّه الاسلام منّى ... خلوت بعرسه يوم التّمام «٢»
فقال عمر: اقتحم عليه، فقال: قد فعلت، ثم قال:
أتيت على ترائبها وتسرى ... على جرداء لاحقة الحزام «٣»
فقال عمر: أقتل، قال: قد فعلت، قال أبعده الله الى النار، ثم زاد فيها
كأنّ مجامع الويلات منها ... قيام ينظرون الى قيام
ومنه ما روى لنا أبو أحمد قال: تذاكرنا غيرة عمر بالبصرة، فقال ابن
стр. 148
جمهور: دخل رجل من أهل المدينة على امرأته وقد افترشها «١» رجل فقتله، وخرج حتى أتى عمر- رضى الله عنه- وهو يأكل فأكل معه، «٢» فجاء أولياء المقتول، فقالوا: الآكل معك قتل صاحبنا، فقال له: أكذلك هو؟ قال:
نعم، دخلت على امرأتى فاذا هو قاعد منها مقعدى فقتلته، قال له عمر:
أحسنت فإن عاد فعد هكذا.
قال وحدث أبو الوليد عن عبد الله بن صالح عن (بور بن برمك) ان عمر كان يعس «٣» فى المدينة، فسمع صوت رجل فى بيت يغنى فدخل عليه من وراء البيت، فوجد عنده امرأة وخمرا، فقال: ما هذا يا عدو الله؟ قال:
لا تعجل يا أمير المؤمنين، ان كنت عصيت الله فى واحدة فقد عصيته فى ثلاث، قال الله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا
«٤» وقد تجسست وقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
«٥» وقد تسورت، وقال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
«٦» وقد دخلت من غير سلام، قال عمر: فهل عندك من خير ان عفوت عنك؟ قال: بلى «٧» يا أمير المؤمنين، لله على ان عفوت عنى الا أعود، فعفى عنه.
أول من عاقب على الهجاء
أخبرنا غير واحد ان الزبرقان بن بدر لقى الحطيئة فقال: من أنت؟
فقال: أنا حسب موضوع أبو مليكة، فقال له: الزبرقان إنى أريد وجها فسر
стр. 149
الى منزلى وكن هناك حتى أرجع، ففعل، فأنزلته امرأة الزبرقان وأكرمته، فحسده بنو عمه بنو لأى، فدسوا الى الحطيئة، فقالوا: ان تحولت الينا أعطيناك مائة ناقة، ونشد الى كل طنب «١» من أطناب بيتك حلة هجرية وقالوا لامرأه الزبرقان: إنما قدم الزبرقان هذا الشيخ ليتزوج ابنته، فقدح «٢» ذلك فى نفسها، فلما أراد القوم النجعة «٣» تخلف الحطيئة، وتغافلت المرأة، فاحتمله القريعيون، ووفوا له بما قالوا، فأخذ فى مدحهم، وهجا الزبرقان فقال:
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولا يرى طاردا للحرّ كالياسى
دع المكارم لا ترحل لبعيتها ... واقعد فانّك أنت الطّاعم الكاسى «٤»
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
فاستعدى الزبرقان عليه عمر، فحكم عمر حسان، فقال ما هجاه ولكن سلح «٥» عليه، فحبس عمر الحطيئة فى بئر، فقال يستعطفه:
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ ... خمر «٦» الحواصل لا ماء ولا شجر
стр. 150
ألقيت كاسبهم فى قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ما آثروك بها اذ قدّموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر «١»
فأخرجه عمر، وجلس على كرسى، وأخذ شفرة وأوهمه أنه يريد قطع لسانه، فصاح وقال: إنى يا أمير المؤمنين، والله قد هجوت أمى وأبى ونفسى وامرأتى، فتبسم عمر وقال: ما الذى قلت؟ لابى وأمى:
ولقد رأيتك فى النّساء فسؤتنى ... وأبا بنيك «٢» فساءنى فى المجلس
وقلت أيضا: «٣»
تنحّى فاجلسى منّى بعيدا ... أراح الله منك العالمين
ولم أظهر لك البعضاء منّى ... ولكن لا أخالك تعقلين
أغربا لا اذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثين
وقد أخذ هذا المعنى من كعب بن زهير حيث يقول:
ولا تمسّك بالوعد الّذى وعدت ... الا كما يمسك الماء الغرابيل
стр. 151
قال: وقلت لامرأتى:
أطوّف ما أطوّف ثمّ آوى ... الى بيت قعيدته لكاع «١»
وقلت لنفسى:
أبت شفتاى اليوم الّا تكلّما ... بسوء فما أدرى لمن أنا قائله
أرى لى وجها شوّه الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله
وقد هجا من أحسن اليه فقال:
سمحت ولم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد
فخلى سبيله عمر بعد ان أخذ عليه الا يهجو احدا، وجعل له ثلاثة آلاف درهم اشترى بها منه أعراض المسلمين، فقال يذكر ذلك:
وأخذت أطوار الكلام فلم تدع ... شتما يضرّ ولا مديحا ينفع
ومنعتنى عرض البخيل فلم يخف ... شتمى وأصبح آمنا لا يجزع
أول من ضرب فى الخمر ثمانين عمر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن عبد الرحمن بن أزهر قال: رأيت النبى- ﷺ غداة الفتح يتخلل الناس، ويسأل عن منزل خالد بن الوليد،
стр. 152
وأنا غلام شاب، فأتى بشارب «١» فأمرهم فضربوه بما فى أيديهم، فمنهم من ضربه بنعله، ومنهم من ضربه بعصا، وحثا «٢» رسول الله- ﷺ فى وجهه التراب، فلما كان أبو بكر- رضى الله عنه- أتى بشارب، فسأل عن ضرب رسول الله فحزروه «٣» أربعين، فضربه أربعين، فلما كان عمر- رضى الله عنه- كتب اليه خالد بن الوليد ان الناس قد انهمكوا فى الشراب وتحاقروا العقوبة، فقال: فهم عندك فاسألهم، وعنده المهاجرون الاولون، فسألهم فاجمعوا على ان يضرب ثمانين، وقال على: «٤» ﵇ ان الرجل اذا شرب افترى، فاجعله حد الفرية، «٥» ثم ضرب فى أيام عثمان أربعين.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد باسناده قال: دخل أبو زينب وأبو مروع على الوليد بن عقبة فوجداه سكرانا، فأخذا خاتمه ولحقا بعثمان فأخبراه، فأشخصه «٦» وشهدا عليه، فأمر عثمان عليا ان يجلده، فقال للحسن: قم فاجلده، فقال: «ول حارها من تولى قارها» ، «٧» وأمر عبد الله ابن جعفر ان يحده فجعل يضربه، وعلى- رضى الله عنه- يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، جلد النبى- ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنه، وهذا أحب الى، فقال أبو زبيد الطائى:- وكان نصرانيا ينادم الوليد-
стр. 153
ولعمر الإله لو كان للسّيف ... مصال او للسّنان مقال
ما تناسيتك الصّفاء ولا الودّ ... ولا حال دونك الاشغال
ولحرّمت لحمك المبغض صلة ... ضلّ حلمهم فكيف اعتالوا «١»
من رجال تناولوا منكرات ... لينالوا الّذى أرادوا فنالوا
أول من حرم المتعة «٢» عمر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى خداش عن عيسى بن يونس عن الاملح قال: سمعت الزبير يقول: تمتع عمرو بن حريث من امرأة بالمدينة فحبلت، فأتى بها عمر فأراد ان يضربها، فقالت: تمتع منى عمرو بن حريث، فقال: من شهد نكاحك؟ فقالت: أمى وأختى، فأرسل عمر الى عمرو فقدم، فسأله، فقال: صدقت، فقال عمر للناس: هذا نكاح فاسد وقد دخل فيه ما ترون، ورأى عمر ان يحرمه، قال الزبير: فقلت لجابر: هل بينهما ميراث؟ فقال: لا، وخطب عمر فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله- ﷺ أنا أنهى عنهما، او أعاقب «٣» عليهما، قال سعيد بن المسيب:
стр. 154
رحم الله عمر، لولا أنه نهى عن المتعة لفشا الزنا، وقال ابن عباس:- رضى الله عنه- رحم الله عمر، لو أنه ما نهى عن المتعة ما زنى أحد، وكان ابن عباس يرى المتعة قال الشاعر:
يا صاح هل لك فى فتوى ابن عبّاس
فقال على لابن عباس: انت امرؤ تائه، نهى رسول الله- ﷺ عن متعة النساء وأكل لحوم الحمر الاهلية بخيبر، «١» فرجع ابن عباس عن هذا القول، فنادى يوم عرفة بأعلى صوته، من عرفنى فقد عرفنى، ومن لم يعرفنى فأنا عبد الله ابن العباس، الا ان المتعة حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير، فقال جابر بن عبد الله: نهانا رسول الله عن المتعة فلم نعد لها أبدا، وقالت الفقهاء:
قد صح حظر المتعة من جهة الاجماع «٢» والقرآن والسنة، والصحيح ان عمر نهى عنها لنهى النبى- ﷺ عنها، والشاهد حديث أبى هريرة، ان رسول الله حرم المتعة بالطلاق والنكاح، وقوله تعالى: فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
«٣» والمتعة هى وراء ذلك، وأما متعة «٤» الحج فان النبى أحلها ثلاثة أيام ثم حرمها.
أول من نهى عن بيع أمهات الأولاد عمر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن حاتم عن منصور بن سلمة عن الخزاعى عن ليث بن سعد عن يزيد بن الهادى عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أن عمر فى أول خلافته جعل أمهات الأولاد فى
стр. 155
ميراث أبنائهن، حتى مات رجل من بنى فهر وله أولاد من مهيرة، «١» وغلام من أم ولد، فأقاموها عليه قيمة سخطوا عليه فيها لجمالها، فأخذ الغلام أمه، وبلغ ذلك عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فأرسل إلى الغلام فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، خيرونى بين أن أؤدى فى أمى، وبين أن يخرجونى من ميراث أبى، فاخترت أحرار أمى، وعلمت أن الله رازقى، فقال عمر: لقد فعلت ما أردت، فقام عمر على المنبر يخطب الناس، فقال: أما بعد، فقد كان منى فى أمر أمهات الأولاد ما كان، وقد ركب الناس فيهن الحرام، وأيما أمة ولدت من سيدها فلا تباع ولا توهب ولا تورث، وهى لسيدها متعة فى حياته، فإذا مات فهى حرة «٢»
أول من جمع الناس فى صلاة الجنائز على أربع تكبيرات عمر
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى خداش عن أبى الورقاء عن سفيان عن عامر عن شقيق عن أبى وائل قال: جمعهم يعنى عمر فسألهم عن تكبيرات الرسول- ﷺ فقال بعضهم: أربع، وقال بعضهم:
خمس، وبعضهم ست، كلهم قال ما سمع، فجمعهم على أربع، قال:
وكان آخر ما كبر النبى أربعا على سهيل بن البرصاء «٣»
أول من اتخذ الديوان عمر
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولى عن العادى قال: حدثنا ابن الضحاك عن الهيثم بن عدى عن عوانة قال: جاء مال من البحرين الى أبى
стр. 156
بكر، فساوى فيه بين الناس، فغضب الانصار، فقالوا: ما فضلنا، فقال لهم أبو بكر: صدقتم ان أردتم أن أفضلكم فقد صار ما عملتموه للدنيا، وان شئتم كان ذلك لله وللدين، فقالوا: والله ما عملناه الا لله، وانصرفوا، فرقى أبو بكر المنبر، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: يا معشر الانصار، لو شئتم ان تقولوا:
أنا آويناكم وشاركناكم فى أموالنا. ونصرناكم بانفسنا لقلتم، وان لكم من الفضل ما لا يحصى عدده وان طال به الامد، فنحن وانتم كما قال الغنوى
جزى الله عنّا جعفرا حين أزلفت «١» ... بنا نعلنا فى الواطئين فزلّت
أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا ... تلاقى الّذى لا قوه منّا لملّت
هم أسكنونا فى ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأكنّت
ثم قام عمر، فأتاه أبو هريرة من البحرين بثمانمائة ألف درهم، وقيل:
خمسمائة ألف درهم، فخطب وقال: قد جاءكم مال، فإن شئتم كلته كيلا، وإن شئتم عددته عدا، فقال الفيرزان: ان العجم يدونون ديوانا «٢» يكتبون فيه ما لواحد واحد، وأراد عمر ان يبعث بعثا، فقال له الفيرزان: ان تخلف رجل عن هذا البعث كيف تصنع؟ وكيف تعلم عاملك بخبره؟ وأشار عليه الديوان فعمله. وجعل المال فى بيت مال، ثم قال بمن نبدأ؟ فقيل: بنفسك، فقال:
بأهل بيت رسول الله- ﷺ فبدأ بازواج النبى، فجعل لعائشة اثنى عشر ألفا فى كل سنة، وكتب أزواج النبى فى عشرة آلاف لكل واحدة، «٣» وكتب
стр. 157
بعد أزواج النبى عليا- ﵇ فى خمسة آلاف، ومن شهد بدرا من بنى هاشم، ثم كتب عثمان فى خمسة آلاف، ومن شهد بدرا من موالى بنى أمية على سواء، ثم قال: بمن نبدأ؟ قالوا: بنفسك، قال: بل نبدأ بآل أبى بكر، فكتب طلحة فى خمسة آلاف، وبلالا فى مثلها، ثم كتب لنفسه، ومن شهد بدرا من بطون قريش خمسة آلاف، ثم كتب الانصار فى أربعة آلاف، فقالوا: قصرت بنا عن اخواننا، قال: أجعل الذين قال الله لهم لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً
«١» مثل من أتته الهجرة فى داره قالوا: رضينا، ثم كتب لمن شهد فتح مكة فى ألفين فى كلام هذا معناه.
أول من فتح الفتوح ومسح السواد عمر
أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى قال العمرى: عن أبى عبد الرحمن الثعلبى، وأخبرونا عن غير هؤلاء قالوا: لما ظهر المسلمون على السواد وفارس. لم يعلموا كيف يصنعون بالخراج وجباية أهل الذمة؟ وكان سعد يستعمل العامل على طروح «٢» فيأتيه بما يجد، ولا يدرى كيف يعمل؟ وكان بعث عمر عثمان بن حنيف على مساحة السواد، وكاتبه بأن يبعث اليه من دهاقينها «٣» عشرة نفر، «٤» ففعل، فسألهم عمر عما كانت ملوك فارس تعمله فى جباية الخراج، فاختلفوا عليه، فقال: ما سبب اختلافكم؟ قالوا: لننظر ما لنا عندك، قال: لكم عندى ما تحبون، فقالوا: كانت ملوك فارس يأخذون
стр. 158
على كل جريب «١» عامر او غامر «٢» مما يناله الماء قفيزا «٣» ودرهما، ومن القفيز الحنطة على التقريب درهم، والدرهم تتمة درهمين، وإنما ألزموا ذلك العامر والغامر، لان الارض تبور سنة وتعمر سنة، فكانوا يقولون: اذا دفعنا اليكم الارض والماء. فأدوا حقوقنا عمرتم أو لم تعمروا، وتفسير الخراج- الكروة- «٤» وأخذوا منهم عن كل جريب عامر وغامر، أربعة دراهم، وأمر عثمان بن حنيف فمسح السواد، وحدها فى الطول، من العلث وحوبى- وهما من أرض الموصل- الى عبادان، «٥» وهى مائة وخمسة وعشرون فرسخا، فبلغت جربانه ستة وثلاثين ألف جريب، «٦» فوضع على كل جريب من الحنطة أربعة دراهم، وكل جريب من الشعير () «٧» وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم «٨» والرطب ستة دراهم، وعلى جريب الزيتون اثنا عشر درهما، وعلى أهل الذمة- على الفقير منهم- اثنا عشر درهما فى كل سنة، وعلى الوسط منهم أربعة وعشرون، وعلى أهل اليسار ثمانية وأربعون درهما، رفع عنهم الرق حين وضع عليهم الخراج فى رقابهم، وجعلهم أكرة فى الارض.
قال الشعبى لم يكن لاهل السواد ذمة، فلما أخذت الجزية منهم صارت لهم ذمة، فمن أسلم منهم فهو حر لا خراج عليه ولا رق. فبلغ جباية السواد «٩» أيام عمر وعثمان مائة الف الف، فلما ولى معاوية صارت الى
стр. 159
خمسين الف الف. فلما كان أيام الحجاج بلغت جباية السواد ثمانية عشر ألف ألف، وكان أسلفهم ألفى ألف، فحصل ستة عشر ألف ألف، بعد العسف والظلم وضرب الابشار وهتك الحرم.
وقال المدائنى: وبلغ الخراج من سواد الكوفة أيام عمر- رضى الله عنه- مائة ألف ألف درهم، «١» الدرهم يومئذ- درهم ودانقين «٢» ونصف- وقال أبو جعفر الحرار: أنا أقول انها دنانير، وقيل: كان الحجاج يجبيها ستين ألف ألف، ثم صارت فى أيام عمر بن عبد العزيز مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف مثقال، ولما نقصت الجباية أيام الحجاج، منع أهل السواد ذبح البقر، فسمعت بعض أصحابنا يتحدثون أن ابن الغز كان عظيم الذكر، فاذا واقع امرأة ذهب عقلها، فانكرت امرأة ذلك وقالت: سأجرب، فلما واقعها قال لها: أترينى السها؟ وهو كوكب صغير فى بنات نعش، قالت: ها هو ذا، وأشارت الى القمر. فضحك وقال: (أريها السها وترينى القمر) فذهبت مثلا فلما كان أيام الحجاج، شكى اليه خراب السواد، فحرم لحوم البقر لكثرة الحرث. فقال بعض الشعراء
شكونا إليه خراب السّواد ... فحرّم فينا لحوم البقر
وكان كما قيل فى بعده ... أريها السّها وترينى القمر
أول وشاية كانت بالعمال ومصالحة خليفة لهم على ما يأخذه منهم
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبى عبيدة
стр. 160
قال أبو بكر: هذا الخبر صدر به أبو عبيدة كتاب منافع الشعر ومضاره، قال:
كتب يزيد بن قيس الصعق الكلابى الى عمر (رضى الله عنه)
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فأنت أمين الله فى الأمر والنّهى
وأنت أمين الله فينا ومن يكن ... أمينا لربّ النّاس يسلم له صدرى
فلا تدعن أهل الرّساتيق «١» والقرى ... يضيعون مال الله فى الأدم الوفر
وأرسل الى الحجّاج فاعرف حسابه ... وأرسل إلى جزء وأرسل الى بشر
ولا تنسينّ النّافعين كليهما ... ولا ابن غلاب من سراة «٢» بنى نصر
وما عاصم منّا بصفر عنانه ... وذاك الّذى فى السوق مولى بنى بدر
وأرسل الى النّعمان وابن مغفّل ... وصهر بنى غزوان إنّى لذو خبر
وشبل هناك المال وابن محرّش ... وقد كان فى أهل الرّساتيق ذا ذكر
فأرسل اليهم يصدقوك ويخبروا ... أحاديث هذا المال ذى العلم الدثر «٣»
فقاسمهم نفسى فداؤك انّهم ... سيرضون إن قاسمتهم منك بالشّطر
стр. 161
ولا تدعونّى للشّهادة انّنى ... أعيب ولكنّى أرى عجب الدّهر
أرى الحور كالغزلان والبيض كالّدمى «١» ... وما ليس يحصى من قرام «٢» ومن ستر
ومن ريطة «٣» مكنونة فى خبائها ... ومن حىّ أستار معصفرة حمر
اذا التّاجر الدّارىّ جاء بفأرة «٤» ... من المسك راحت فى مفارقهم تجرى
نؤوب «٥» اذا آبوا ونغزوا اذا غزوا ... فأنّى بهم وفر ولسنا ذوى وفر
الحجاج الذى ذكره، هو الحجاج بن عتيك الثقفى، كان على الغزاة وجزء ابن معاوية، عم الاحنف، كان يلى السوق، وبشر بن المحتضر المرى كان على جند نيسابور، والنافعان نافع بن الحارث كان على غنائم الابلة، وأخوه نفيع أبو بكرة، وابن غلاب خالد بن الحارث ابن أوس من بنى دهمان، كان على بيت المال بأصبهان، وعاصم بن قيس بن الصلت السلمى، كان على المناذر وعلى الصدقة، والذى فى السوق سمرة بن جندب، كان على سوق الاهواز، والنعمان بن عون بن نضلة من بنى عدى بن كعب، وضمير بن غزوان ومجاشع بن مسعود، وابن مغفل المزنى، وهو الذى نزل فيه قوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
، «٦» وشبل بن معبد البجلى، وابن محرش- هو أبو مريم أياس ابن صبيح- كان على رام هرمز، فلما قاسمهم عمر أموالهم أجاب الكلابى الحارث الغلابى.
стр. 162
أبلغ أبا المختار امّا لقيته ... فقد كان ذا قربى اليك وذا صهر
فما كان مالى من جباية خائن ... فتجعلنى ممّا يؤلّف فى الشّعر
ولكن عطاء الله فى كلّ ركبة ... اذا الخيل جالت بالمثقّفة السّمر «١»
وصبرى اذا حاد النّجيد «٢» عن الوغى ... وأمرى اذا حاد المدجّج «٣» بالصّبر
فان كنت للنّصح ابتغيت قصيدة ... فانّ لدى الله المثوبة بالأجر
وان كان عن بغى وفرط نفاسة ... فشرّ هى الحوّاء «٤» ذو النّيرب «٥» المعرى
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا ابن الأنبارى قال: حدثنا محمد بن أحمد المقدمى قال: حدثنا عبد الله بن شيب قال: حدثنا محمد بن معاوية عن عبد الرحمن بن عبد الملك الانصارى- وكان جليسا لمالك ابن أنس- عن محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: لما قلد عمر بن الخطاب عمرو بن العاص على مصر، بلغه انه قد ظهر له مال كثير، من ناطق وصامت «٦» فكتب اليه:
стр. 163
اما بعد: بلغنى ما ظهر لك من كثرة المال، ولم يكن ذلك فى رزقك، ولا كان لك مال قبل ذلك، فأنى لك ذلك؟ فو الله لو لم يهمنى فى ذات الله، الا من اختان مال الله لكثر همى. وانتشر أمرى، وقد كان عندى من المهاجرين الاولين من هو خير منك، ولكنى قلدتك هذا الامر رجاء عنائك، «١» فان كان ذاك لك، فإنا لا نؤثرك على أنفسنا، فاكتب الى: من أين لك هذا المال؟ وعجل.
فكتب عمرو: أما بعد: فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين، فأما ما ظهر لى من مال، فانا قدمنا بلادا رخيصة الاسعار، كثيرة الغزو، فجعلنا ما أصابنا فى الفضول التى اتصلت بأمير المؤمنين، والله لو كانت جبايتك حراما ما جئتك، وقد اتهمتنى، «٢» فأقصر عنى كتابك، فان لنا أحسابا اذا رجعنا اليها أغنتنا عن العمل مع مثلك، وذكرت ان عندك من المهاجرين من هو خير منى، فان كان ذاك فو الله ما دققت لك بابا ولا فتحت لك قفلا، فكتب اليه عمر رضى الله عنه:
أما بعد: فإنى لست من تسطيرك الكتاب، وتسقيفك «٣» الكلام فى شىء، وأنتم معشر الامراء، قعدتم على عيون الاموال، ولن يعوزكم عذر، وانما تأكلون النار، وتؤثرون العار، وقد وجهت اليك محمد بن مسلمة فسلم اليه شطر ما فى يدك، فصنع عمرو لمحمد طعاما فلم يأكل منه، وقال: هذا تقدمة الشر، لو جئتنى بطعام الضيف لأكلت، فنح عنى طعامك، وأحضرنى مالك، فأحضره ماله، فجعل يأخذ شطره، فلما رأى كثرة ما صار الى محمد قال: لعن الله زمانا كنت فيه عاملا لعمر، فو الله لقد رأيت عمر وأباه، على كل واحد منهما عباءة قطوانية، «٤» لا تجاوز مآبض «٥» ركبتيه، وعلى عنقه حزمة حطب، والعاص بن
стр. 164
وائل فى مزراب الديباج، «١» فقال محمد: أيها عنك «٢» فعمر والله خير منك، واما أبوك وأبوه فانهما فى النار، ولولا ما سبقت اليه من الاسلام، لألفيت معتقلا شاة، يسرك عذرها، «٣» ويسوؤك جمادها، «٤» قال: صدقت فاكتم على، قال أفعل.
وأكثر ما كتب لك من هذه الاخبار فانى أكتبه من حفظى اذ حال بينى وبين الوصول الى مظانها من كتبى، استيلاء الضعف، وقله المعين، فان وجدت فى بعض ألفاظها تغييرا فلا تنكر، فانى قد أديت اليك المعانى وافية، وصورتها فى نفسك تصويرا صحيحا، وما ألقيته من ألفاظها فانه لا يحتاج اليه فى كشف أغراضها والتعبير عن صورتها، فاذا انكشف لك المعنى فلا تبال بما القى من فضول اللفظ، فقد خف عنك بالقائها مؤونة فضل الاستمتاع، وفضل الحفظ، وكثرة تحريك اليد بالكتابة، ولكل كلام مقدار تقبله النفس، ويعيه القلب فاذا جاوز ذلك تبرم به القارىء، ونبا عنه سمع السامع، وخير الامور أوسطها، وأحبها الى النفوس أعدلها.
أول من انتقش على خاتم الخلافة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن الاسود بن شيبان قال: حدثنا خالد بن سمير قال: كان رجل يقال له معن بن زائدة، انتقش على خاتم الخلافة، فأصاب به خراجا من خراج الكوفة، فبلغ عمر ذلك فكتب الى المغيرة ابن شعبة يعلمه أمره، ويأمره ان يطيع فيه أمر رسوله، فخرج المغيرة حتى وقف على معن، وقال لرسول عمر: مرنى بما شئت، قال:
اجعل فى عنقه جامعه، «٥» واحبسه، ففعل، والسجن يومئذ من القصب، ففرج القصب وخرج وركب ناقة، حتى أتى عمر فقال: السلام عليك يا أمير
стр. 165
المؤمنين قال: وعليك السلام، من أنت؟ قال أنا معن بن زائدة، قد جئتك تائبا، قبل ان تقدر على، قال: لا حياك الله، فلما صلى الصبح استشار الصحابة، فقال بعضهم: اصلبه، وقال بعضهم: أقطع يده، فسأل عليا فقال:
كذب كذبة فعقوبته بشره «١» فضربه وحبسه مدة.
ثم سأل معن رجلا يسأل فيه عمر، فسأله فقال: ذكرتنى الطعن، وكنت ناسيا، ثم عاد به فضربه وحبسه طويلا، «٢» ثم قال: أكتب لنا مالك؟
وأظن ان هذا أول ما صولح عليه رجل من جناية جناها، فأخذ شطر ماله، وكان بالمضيق بين مكة والمدينة، فركب معن ناقته حين طلعت الشمس يوم عرفة، فانتهى الى عمر قبل المغرب، فلما رجع عمر، سأل عن ذلك، فأخبره بصدقه، وكان عمر لما شاطره ماله اختار معن الذى فيه هذه الناقة، فأراد معن أن يعرف عمر أنه غبنه.
أول من ارتشى يرفأ حاجب عمر
قال المغيرة بن شعبة: ربما عرق الدرهم بيدى لا دفعه الى يرفأ غلام عمر ليسهل أذنى.
أخبرنى أبى- ﵀ قال: حمل بعض أصحابنا الى بعض العمال رقعة من شفاعة، فردها، وحمل أخرى، فردها، ولم يشفع لصاحبها، فقال له بعض ندماء العامل: نراك تحمل قرطاسا مطويا على مختلفات سود، فترد عن حاجتك، فلو حملته ملونا على أشباه بيض لقضيت لك، فحمل الرجل دراهم، فقضى حاجته.
المختلفات السود، يعنى الحروف، والاشباه البيض، الدراهم، قال زهير:
стр. 166
ومن لم يصانع «١» فى أمور كثيرة ... يضرّس «٢» بأنياب ويوطأ بمنسم «٣»
أول من حمل الطعام من مصر الى الحجاز عمر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو القاسم باسناده على المدائنى عن شيوخه قال: أجدبت الارض على عهد عمر فألقت الرعاة عصيها، فتقاطرت البوادى «٤» المدينة، فاجتمع فيها خمسون ألفا، فكان عمر- رضى الله عنه- يعولهم، فكتب عمر الى عماله: الغوث الغوث، «٥» فحملوا اليه فى البر والبحر، وحمل بن العاص من مصر فى بحر أيلة طعاما كثيرا، وفى البر مثله، فقال لابى عبيدة بن الجراح:
مر به الى البادية، واقسم الطعام فيهم، وألبسهم الطروف، «٦» وانحر لهم الابل، ففعل، وأكلوا واحتملوا اللحم والودك، «٧» وحلف عمر- رضى الله عنه- لا يأكل سمنا ولا لحما حتى يحيا الناس، ثم كتب اليه عمرو بن العاص: ان الخلق لا يشبعهم الا الخالق، فمر الناس فليستسقوا، فقال كعب الاحبار: كانت بنو اسرائيل اذا أصابهم جدب، استسقوا بعصبة «٨» الانبياء:
فمشى عمر الى العباس حتى صعد به المنبر، فقال: اللهم انا قد توجهنا اليك بعم نبينا، وصنو «٩» أبيه، فاسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. وقال العباس: اللهم انك لم تنزل بلاء الا بذنب، ولا تكشفه الا بتوبة، وقد توجه القوم بى اليك لمكان نبيك، وهذه أيدينا مبسوطة اليك بالتوبة من الذنوب،
стр. 167
ونواصينا «١» ذليلة لك، فاسقنا الغيث، «٢» وانشر علينا رحمتك، ولا تجعلنا من الخائبين.
قال فأرخت السماء عزاليها بشآبيب «٣» المياه، حتى استوت الحفر والآكام، «٤» فقال عمر: هذه والله الوسيلة، فى كلام هذا معناه.
أول من احتبس فى الاسلام صدقة عمر (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا الجوهرى قال: حدثنا أبو زيد قال:
حدثنى محمد بن يحيى عن الواقدى عن عتبة بن جبيرة عن الحصين بن عبد الرحمن عن عمر بن سعيد بن معاذ قال: قالت الانصار: أول ما احتبس فى الاسلام صدقة عمر، كان له مال يقال له ثمغ، «٥» فجاء الى رسول الله- ﷺ فقال: لى مال وأنا أحبه، فقال: احبس أصله وسبل ثمره، ففعل، وقال الواقدى: عن رجاله، ثمغ أول مال تصدق به فى الاسلام، فى كلام هذا معناه.
أول من أعال الفرائض عمر
قال ابن عباس: أول من أعالها «٦» عمر- رضى الله عنه- قال: لما التوت الفرائض، فدافع بعضها بعضا، قال: والله ما أدرى، أيكم قدم الله،
стр. 168
وأيكم أخر؟ - وكان امرأ ورعا- فقال: ما أجد لى شيئا من ان اقسم المال بينهم بالحصص، وأدخل على كل ذى حق ما دخل عليه عول الفريضة.
وروى ان العباس أول من أشار على عمر بذلك، وكان ابن عباس لا يرى العول، ويقول: وايم الله لو قدم من قدم، وأخر من أخر، ما عالت فريضة فقيل: وأيها التى قدم الله، وأيها التى أخر؟ قال: كل من لم يزل عن فريضة إلا إلى فريضة فهى التى قدم، وكل من إذا زال عن فريضة لم يكن له إلا ما بقى فهى مما أخر، فأما التى قدم، فالزوج والزوجة، والام، لانهم لا يزالون عن فرض الا الى فرض، والبنات والاخوات يزلن عن فرض الى تعصيب مع البنين، والاخوة، فيكون لهن ما بقى مع الذكور، فيبدأ بأصحاب السهام ثم يدخل الضرر على الباقين، وهم الذين يستحقون ما بقى اذا كانوا عصبة.
أول من أخذ زكاة الخيل عمر (رضى الله عنه)
أتى بفرس تباع بمائة قلوص «١» فقال: ما ظننت ان أثمان الخيل تبلغ هذا المبلغ، وأخبر أن بالشام خيلا سائمة، «٢» فأمر بأخذ الصدقة منها، وبناه على قول رسول الله- ﷺ وقد ذكر الخيل «خذوا حق الله فيها» قال أبو حنيفة: فأما قول رسول الله: عفوت لكم عن الخيل والرقيق، فانما أراد الخيل التى تتخذ للركوب، دون السائمة، وفى السائمة الصدقة. كما يقول مخالفنا: انما أراد الرقيق الذى يتخذ للخدمة، دون الذى يشترى للتجارة، وفى الذى يشترى للتجارة الزكاة، وكلا اللفظين خاص.
أول من اقطع القطائع عثمان (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى وعن أبى جعفر
стр. 169
ايضا عن الحسين بن الاسود «١» يحيى بن آدم عن اسرائيل عن جابر وعن العقدى أيضا وعن هؤلاء قالوا: أول من أقطع الارضين عثمان، ولم يقطع النبى ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا على- رضى الله عنهم- «٢» فاقطع الاشعت طيزنا باد، «٣» وعدى بن حاتم الروحاء، قال أبو هلال: قد روى ان النبى ﷺ أقطع قطائع، فاقتدى عثمان به فى ذلك، وأقطع خباب بن الارت وسعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد والزبير واقطع طلحة أجمة الجوف «٤» - وهو موضع الناسيح- «٥» وكتب الى سعيد ابن العاص، وهو بالكوفة ان ينفذها له، فكتب اليه ان طرفا لها فى البحر وآخر فى البر، فجعل لطلحة- وهو كاتب عثمان- أرضا ونهرا كانا له، فكتب الى سعيد، ويحك أنفذها! فانى أتخوف عليك، ففعل فى كلام هذا معناه.
أول من حمى الحمى عثمان
أخبر أبو القاسم بن سيران- ﵀ قال: أخبرنا الجوهرى عن أبى زيد عن عمر بن سعيد الدمشقى عن أبيه قال: انى لفى المنزل، إذا أنا برسول عثمان يدعو أبى، فقام فلبس ثوبه، فانطلق وانطلقت معه، فاذا عثمان جالس وعنده المهاجرون، وعيون الانصار، فتكلم، فعلمت أنه ليس بمجلسى، فتنحيت، فقال: إنكم نقمتم على رجال استعملتهم هذه الاعمال
стр. 170
فولوها من رأيتم، ونقمتم على الحمى، «١» وانى نظرت فعلمت ان المسلمين لا يستغنون عن ابل تكون معدة للنائبة تنوب، ولامر يحدث، فحميت الحمى، وانى أشهدكم أنى قد أبحته، ونقمتم على أنى آويت الحكم بن أبى العاص، وكان النبى- ﷺ يقبل توبة الكافر، وان الحكم تاب، فقبلت توبته، ولو كان بينه وبين ابى بكر وعمر من الرحم ما بينى وبينه لآوياه، ونقمتم على أنى أعطيت من مال الله، والله ما أخذت من مال الله درهما واحدا، أكذاك يا طلحة؟ قال نعم.
وذلك فى قدمة قدمها معاوية، وهو حاضر، فقال: يا معشر المهاجرين، قد علمتم أنه ليس منكم رجل الا وقد كان فى قومه من يقطع الامور عليه، حتى بعث الله رسوله، فسبقتم اليه، وابطأوا عنه، فسدتم عشائركم، حتى أنه ليقال بنو فلان ورهط فلان، وان هذا الامر فيكم ما استقمتم، فإن تركتم شيخنا هذا يموت على فراشه والا دخل فيكم غيركم، فقال على:﵇ ما أنت وذاك يا ابن اللخناء «٢» ؟ فقال معاوية: مهلا أبا الحسن عن ذكر أمى، وكانت بأحسن نسائكم، ولقد أسلمت فأتت رسول الله- ﷺ فبايعت، فصافحها، وما رأيته صافح امرأة غيرها، فقام على ليخرج مغضبا، فقال عثمان: اجلس فقال: لا أجلس، فقال: عزمت عليك لتجلسن، فأبى وولى، وأخذ عثمان بطرف ردائه، فترك الرداء وخرج، فاتبعه عثمان بصره، فقال: والله لا تصل اليك ولا الى أحد من ولدك، قال: فتعجبت فى نفسى مما آلى عثمان، «٣» فذكرته لسعد بن أبى وقاص، فقال: لا تعجب فإنى سمعت رسول الله- ﷺ يقول: ليست لعلى، ولا لاحد من ولده، فانى لفى المسجد يوما وعلى وطلحة والزبير جلوس، اذ طلع معاوية، فتواصوا
стр. 171
بينهم الا يوسعوا له، فجلس بين أيديهم، ثم قال: أتسمعون؟ والله لئن لم تتركوا شيخكم هذا يموت على فراشه، لا أعطيكم الا السيف، ثم قام فخرج، فقال على: كنت أحسب عند هذا شيئا، فقال طلحة: قاتله الله! لقد رمى غرضه، وما سمعت كلمة أملأ لصدرك منها.
أول من خلق المسجد وأول من خفض صوته بالتكبيرة وأمر بالنداء الثالث
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن الصباح عن اسماعيل بن زكريا عن عاصم بن أبى مخلد قال: أول من خفض صوته بالتكبيرة عثمان، لضعفه، فلما كان من أمر على- ﵇ ما كان رفع صوته به، فقال عمران او عمار: لقد ذكرنا هذا شيئا نسيناه من سنة نبينا- ﵊.
وأخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ميمون بن الاصبغ عن الحكم بن نافع عن شعيب بن أبى حمراه عن الزهرى عن سعيد بن المسيب قال: جاء عبد الله بن زيد الى النبى فأخبره بما رأى فى التأذين، «١» فوجد النبى- ﷺ قد أمر به، وكان بلال يؤذن بإقامة الصلاة، فتقدم اليه بالتأذين قبل الاقامة، ثم جاء بلال فى الفجر- والنبى ﷺ نائم- فزاد، الصلاة خير من النوم، وأقرت فى تأذين الغداة، «٢» فجرى الامر فيه الى أيام عثمان- رضى الله عنه- فكبر «٣» الناس، فأمر بتأذين الجمعة الثالث، فثبتت، وأمر بتخليق المسجد «٤» ورزق المؤذنين، وهو أول من فعل ذلك قال الحسن: انما كان أذان وإقامة والأذان اذا خرج الامام محدث، فى كلام هذا معناه.
стр. 172
أول من أرتج عليه فى الخطبة عثمان (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن على بن مجاهد عن الاعمش عن يزيد بن حصين عن أبى العالية قال: اتخذ لرسول الله- ﷺ منبرا ثلاث مراق، وكان يقوم الى أعلاه، فلما توفى، قام أبو بكر دون مقامه، وقام عمر دون مقام أبى بكر، فلما بويع عثمان قام مقام رسول الله- ﷺ ، فقال سلمان: اليوم ولد الشر، قال: فلما استوى فى أعلاه، نظر فى وجوه الناس، ووجم «١» فأحف «٢» وصلّى على رسول الله فأوجز، ثم قال: أيها الناس، ان اللذين تقدمانى، يعدان لهذا الموقف كلاما، وأنتم الى إمام عادل، أحوج منكم الى أمام قائل، وستأتيكم الخطبة على وجهها، ثم نزل، قالوا: فأنكر على عثمان قيامه حيث قام النبى، ولم ينكر على أبى بكر وعمر قيامهما فى مصلاه، ولو وقف عثمان دون مقامهما، لصار نزول كل امام عن مقام من تقدمه سنة، وذكر لبعض الامراء صنيع عثمان هذا، فقال له بعض المخانيث:»
أشكره يا أمير المؤمنين، فلولاه كنت الآن تخطب فى بئر.
أول من قدم الخطبة فى صلاة العيدين عثمان
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن يزيد بن هارون عن حميد وعن غير هؤلاء قال حميد: قلت للحسن: من صلّى بعد الخطبة؟ قال: عثمان، صلّى ثم خطب، فرأى كثيرا من الناس يذهبون، فخطب ثم صلّى، وقال: لا بأس أن تؤخر الصلاة حتى نتكلم بحاجتنا، وكان النبى- ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان صدرا من خلافته، يصلون ثم يخطبون، وقد روى خلاف ذلك.
стр. 173
حدثنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: أول من قدم الخطبة قبل الصلاة مروان، فقام اليه رجل فقال: يا مروان، انك قد خالفت السنة فقال: ان ذلك قد ترك. فقال أبو سعيد الخدرى: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت النبى- ﷺ يقول:
من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليفعل، والا فبلسانه، والا فبقلبه، وذلك أضعف الايمان، وقد روى هذا المعنى من وجوه أخر تركناها كراهة الإطالة.
أول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم عثمان
خطب فى شهر رمضان فقال: أيها الناس، هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليقضه، وليزك ما بقى، قال أبو يوسف: لما جعل عثمان اخراج الزكاة الى أرباب الاموال، سقط حقه من الاصل، فليس لخليفة بعده أن يطالبهم به، وليس ذلك كصدقة المواشى، لان أرباب الاموال يحفظون أموالهم تحت أيديهم، وحفظ الصحارى على الامام، قال: ولهذا نصب عمر العشارين «١» لما كثرت الفتوح، وتصرفت التجارة فى البلدان، ليأخذوا زكاة ما يمر بهم من أموال التجار، ويعتبروا الانصاب والحول، ولا يأخذوا ممن عليه دين، ولا من مال الصبى، وذلك لان حماية الطرقات وما تحتوى عليه، انما تلزم الامام، وقال محمد بن الحسن: بل جعل عثمان القبض فى الاصل للامام، وعلى هذا القياس، يجوز أن يعزل الامام بعد عثمان أرباب الاموال عن ذلك، كما للموكل أن يعزل الوكيل، وكما أنه إن جعل القبض الى مصدق بعينه كان له عزله، والصحيح قول أبى يوسف: لان ذلك العقد لو كان كالوكالة لانفسخ عند موت عثمان، لان الوكيل ينعزل عند موت الموكل، وانما كان ذلك كسائر ما عقده عمر مما لا يجوز حله لاحد.
стр. 174
أول ما وقع الخلاف أول ما وقع الاختلاف من الامة فخطأ بعضهم بعضا حين نقموا على عثمان أشياء نحن ذاكروها
وكان اختلافهم قبل ذلك فى الفقه ولم يكن اختلافا يخطىء فيه بعضهم بعضا. فمما نقموا «١» أمر عبيد الله بن عمر، أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن نصر بن أبى جمعة عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عمر وعن المدائنى عن على بن مجاهد عن حميد بن البحترى عن الشعبى ويزيد ابن عياض وسليمان بن أرقم عن الزهرى عن سعيد ابن المسيب قالوا: قال عبد الرحمن بن أبى بكر: مررت بالهرمزان وجفينة وأبو لؤلؤة وهم نجى، «٢» وذلك قبل أن يطعن عمر، فلما بغتهم، تاروا «٣» وسقط من بينهم خنجر لها رأسان، قال: وهو الخنجر الذى أصيب به عمر- رضى الله عنه- فدعا عبيد الله الهرمزان وأدخله الى مربد، «٤» وقال: انظر الى فرس عندى، فقال: لا اله الا الله فقتله وواراه، وأرسل الى جفينة- وكان نصرانيا- وأدخله المربد وضربه، فلما وجد مس السيف، خر وصلب «٥» على الأرض صلبا وسجد، ثم خرج فقتل امرأة أبى لؤلؤة وبنتا له وابنا له صغيرا، فأخذ وحبس- وذلك فى اليوم الثانى من موت عمر- فلما قام عثمان، استشار فى أمره، فقال عمرو بن العاص: دماء سفكت فى غير ولايتك، فاجعلها دية، فأخذ منه خمس ديات وخلى سبيله، وأنكر على- ﵇ ذلك، ورأى قتله، فلما ولى خافه عبيد الله،
стр. 175
فقدم الكوفة، وسأل الاشتر أن يأخذ له أمانا من على، فأبى، وقال: ان رأيته لاقتلنه بالهرمزان فلحق بمعاوية، فقال معاوية: الحمد لله الذى جعلنى أطالب بدم عثمان، وجعل عليا يطلب بدم الهرمزان، فقال زياد بن بياضة.
أبا عمرو عبيد الله رهن ... ولا تشكك بقتل الهرمزان
أبا عمرو حكمت بغير حقّ ... وما لك بالّتى حدثت يدان
وشهد عبيد الله صفين مع معاوية، وقد أعلم بجلاجل علقها فى أعناق خيله، وهو أول من فعل ذلك، فقتل بصفين.
ونقموا عليه أمر المنبر وقد ذكرناه.
وأمر الحكم بن أبى العاص. أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن أبى معشر عن عبد الله بن أبى فروة وعن غير هؤلاء قالوا: كان الحكم بن أبى العاص يهزأ برسول الله- ﷺ واذا صلّى قام خلفه وأشار بأصبعه، فاطلع يوما فى حجرة النبى: فقام إليه النبى- ﵊ يعيره، «١» فرجع الحكم، فقال النبى: من يعذرنى من هذه الوزغة؟ «٢» تطلع على فى بيتى، لو أدركته لفقأت عينه، فسيره الى الطائف، فلما قام أبو بكر سأله عثمان رده فأبى، ثم سأل ذلك عمر فأبى، فلما قام عثمان رده، وقال: كنت سألت رسول الله أن يرده فوعدنى، فلما وليت رددته، ولو كان بين أبى بكر وعمر من القرابة ما بينى وبينه لآوياه.
وخمس أفريقية. أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن عيسى بن يزيد ويزيد بن عياض عن جعفر عن عبد الرحمن بن المسور: أن مروان بن الحكم بنى دارا، وصنع طعاما، ودعا الناس، وقال: والله ما أعاننى فى بناء
стр. 176
دارى أحد! فقال المسور: أقبل على طعامك ولا تحلف، قال: أو تقول غير ذلك؟ قال نعم وان ذكرته غضبت، قال: فاذكره، قال: غزونا أفريقية سنة سبع وعشرين، فما كنت أنقانا حسبا، ولا أكرمنا فعالا، ولا أكثرنا مالا، ثم حضرنا القتال، فما كنت أشدنا قلبا، ولا أشجعنا لقاء، ولا أعظمنا غناء، ففتح الله على المسلمين، فاشتريت خمس أفريقية، وقدمت على ابن عمك عثمان بشيرا، فوهبه لك، واتخذت أموالك، وبنيت دارك، وأصلحت شأنك، قال: ألم أقل لك انك حسود؟ قال ألم أقل لك انك تغضب؟ وقالوا:
اشترى مروان خمس افريقية، وقيمته أربعمائة ألف دينار، بمائة ألف دينار، من عبد الله بن أبى السرح، فلما قدم المدينة، أدى بعضه، ووهب له عثمان الباقى.
وأمر المصاحف وأمر الحمى وقد ذكرناهما. «١»
وأمر ابن أبى وقاص والوليد. أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن على بن مجاهد عن أبى اسحاق قالوا: أوصى عمر فقال: من ولى بعدى من المسلمين فليول البصرة أبا موسى أربع سنين، وليستعمل سعدا على الكوفة، فولى عثمان سعدا تكملة سنة، ثم عزله، وبعث الوليد بن عقبة، فكان يشرب ويلعب، فقال عمرو بن زرارة: عزل عثمان عنا ابن أبى وقاص، الهين اللين السهل القريب الحسن البلاء فى الاسلام، واستعمل أخاه الاحمق الفاجر، فكتب الوليد الى عثمان يشكوه، فكتب اليه: وما لعمرو بن زرارة والانزاع والتأمير، «٢» انما ذلك الى المهاجرين الاولين من قريش، وانما عمرو أعرابى جلف جاف، فاتق الله فيما وليت، وانصر الضعيف، وخف الله فى السر والعلانية، قالوا: فلما قدم الوليد الكوفة، قال له سعد: احمقنا بعدك أبا وهب ام كيست «٣» بعدنا؟ فقال: فكل ذلك لم يكن، ولكنه سلطان القوم، يضعونه
стр. 177
حيث يحبون، فقال سعد متمثلا:
خذينى فجرّينى ضباع وأبشرى ... بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره
وأنكروا عليه ضربه الرجل الذى شهد على الوليد بالخمر.
أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن أبى محمد الناجى عن مطر الوراق قال: قدم رجل المدينة فقال لعثمان: انى صليت الغداة خلف الوليد، فالتفت الينا بعد ما صلّى، وأنا أجد ريح الخمر، فقال: أزيدكم؟ إنى أجد نشاطا، فأمر به عثمان فضرب، فقالت الناس: عطلت الحدود، وضربت الشهود، وقال الحطيئة يذكر صنيع الوليد:
شهد الحطيئة حين يلقى ربّه ... أنّ الوليد أحقّ بالعذر
فنزعت مكذوبا عليك ولم ... تردد الى عوز ولا فقر
ورأوا سماتك ماجدا «١» متبرّعا ... أعطى على الميسور والعسر
نادى وقد كملت صلاتهم ... أأزيدكم ثملا «٢» ولا يدرى
ليزيدهم خيرا ولو قبلوا ... لقرنت بين الشّفع والوتر
وأبوا أبا وهب ولو قبلوا ... زادت صلاتهم على عشر
стр. 178
كفوا عنانك «١» اذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجرى
وأمر ابن مسعود. أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن بشر بن عاصم عن الاعمش عن عبد الله بن سنان الاشعرى وعن المدائنى عن محمد بن الفضل عن يزيد بن أبى زياد عن المسيب بن رافع وعن غير هؤلاء قال عبد الله بن سنان: خرج علينا عبد الله بن مسعود، فقال: فقدت من بيت مالكم مالا، لم يكتب به براءة، «٢» ولم يأتنى فيه أمر أمير المؤمنين، فكتب الوليد ابن عقبة الى عثمان يشكوه، فعزله من بيت المال، قال: فبينا الوليد يخطب، نهض عبد الله فصلّى، فقال الوليد: أتاك فى هذا أمر أمير المؤمنين أم ابتدعت؟ قال:
لم يأتنى فيه أمره وما ابتدعت ولكن أبى الله أن ينظرك بصلاتنا وأنت تلعب، فكتب عثمان فى حمله الى المدينة، فخرج، فقال عثمان: يأتيكم ذؤيبه، «٣» فلا تسلح «٤» على شىء، فيأكل منه الا مات، فلما قدم عاتبه، وأحرمه عطاءه ثلاث سنين، فلما حضرته الوفاة، حمله اليه، فقال: حرمتنيه حين ينفعنى، وتعطينه حين لا ينفعنى؟ ورده وأوصى الى الزبير أن يصلّى عليه، فلما مات صلّى عليه، فعاتبه عثمان، وقال: لهممت أن أنبشه «٥» واصلّى عليه، فقال الزبير: لو رمت ذلك لحيل بينك وبينه، فوقف على قبره، وترحم عليه، وحمل عطاءه الى ولده، فقال الزبير:
لا ألفينّك بعد الموت تندبنى «٦» ... وفى حياتى ما زوّدتنى زادا
стр. 179
وأمر قصره طمار وما جرى فيه بينه وبين عبد الرحمن ابن عوف أخبرنا أبو القاسم العقدى عن أبى جعفر قال: قال أبو يعقوب السروى: بنى عثمان قصره طمار أو الزوراء، وصنع طعاما، ودعا الناس، فحضروا، فلما نظر عبد الرحمن الى بنائه قال: يا ابن عفان. قد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك، وانى أستغفر الله من بيعتك، فغضب عثمان، وقال عبد الله بن العباس: كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض، فمرض عبد الرحمن، فعاده عثمان، فكلمه، فلم يكلمه حتى مات.
وأمر عبادة بن الصامت أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن أبى معشر عن محمد بن كعب عن بريك الاسلمى قال: مر بعبادة بن الصامت عير تحمل الخمر من الشام، فقال: أزيت هذا؟ قالوا لا. بل خمر تباع لمعاوية، فأخذ شفرة فشق الروايا «١» فشكاه معاوية الى أبى هريرة، فقال له: أبو هريرة مالك ولمعاوية؟ له ما تحمل، ان الله يقول: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
«٢» فقال: يا أبا هريرة انك لم تكن معنا اذ بايعنا رسول الله- ﷺ ، بايعناه على السمع والطاعة، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر، نمنعه مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، ولنا الجنة، فمن وفى بها الله وفى الله له أجره، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«٣» فكتب معاوية الى عثمان: يشكوه فحمله الى المدينة، فلما دخل عليه قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «سيلى أموركم رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله» وعبادة يشهد أن معاوية منهم، فلم يراجعه عثمان.
стр. 180
وايثاره بنى أمية، أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن على بن مجاهد عن معمر عن الزهرى وعن غيرهم قال: تزوج سعيد بن العاص أم البنين بنت الحكم، فأعانه عثمان بأربعين ألفا، فهلكت، فتزوج أم عمرو بنت عثمان، فأعطاه مالا من بيت المال، وأمر عبد الله بن الارقم أن أن يكتم عليه حتى يرده، فلم يفعل، وأنكح الحارث بن أبى الحكم ابنته عائشة، ومروان ابنته أم أبان، وعبد الله بن خالد ابن أسيد ابنته أم سعيد، وأعطاهم أموالا من بيت المال، وأخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن سويد ابن أبى حاتم عن قتادة قال: أمر عثمان للحكم ابن أبى العاص بمائة ألف درهم، ولابى سفيان يمثلها، ولمروان بمائتى ألف، فجاء عبد الله بن الارقم بمفاتيح بيت المال، فوضعها بين يدى عثمان، وبكى، فقال: ما يبكيك إن وصلت رحمى؟
فقال: لعلك جعلت هذا عوضا عما أنفقت فى سبيل الله، لو أعطيت مروان مائتى درهم لكان كثيرا، وقال عثمان: ألق مفاتيحك يا ابن الارقم فانا سنجد غيرك.
ومثله أمر أبى موسى، أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن شريك عن عمار الدهنى عن سالم بن أبى الجعد قال: قدم أبو موسى على عثمان بمال من العراق، فأخذ منه غلام من آل عثمان قبضة، فقال عثمان: اذهب بها. وقالوا: بل قسمه بين أقاربه، فبكى أبو موسى، فقال:
ما يبكيك؟ قال قدمت على عمر بمال فى العام الاول، فتناول منه صبى درهما، فأخذه عمر فرده الى موضعه، فقال: إن ابا بكر وعمر منعا أرحامهما لله، وأنا أصل رحمى لله.
وأطعامه الحارث بن الحكم سوق المدينة: أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر بن محمد بن معاوية النيسابورى عن عبد الله بن جعفر عن شريك عن عطاء بن يسار، وأخبرنا أيضا عن أبى جعفر عن المدائنى عن ابراهيم بن محمد عمن حدث عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قال: قال عطاء: جاء
следующие страницы →