Полный текст (423 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
دارى أحد! فقال المسور: أقبل على طعامك ولا تحلف، قال: أو تقول غير ذلك؟ قال نعم وان ذكرته غضبت، قال: فاذكره، قال: غزونا أفريقية سنة سبع وعشرين، فما كنت أنقانا حسبا، ولا أكرمنا فعالا، ولا أكثرنا مالا، ثم حضرنا القتال، فما كنت أشدنا قلبا، ولا أشجعنا لقاء، ولا أعظمنا غناء، ففتح الله على المسلمين، فاشتريت خمس أفريقية، وقدمت على ابن عمك عثمان بشيرا، فوهبه لك، واتخذت أموالك، وبنيت دارك، وأصلحت شأنك، قال: ألم أقل لك انك حسود؟ قال ألم أقل لك انك تغضب؟ وقالوا:
اشترى مروان خمس افريقية، وقيمته أربعمائة ألف دينار، بمائة ألف دينار، من عبد الله بن أبى السرح، فلما قدم المدينة، أدى بعضه، ووهب له عثمان الباقى.
وأمر المصاحف وأمر الحمى وقد ذكرناهما. «١»
وأمر ابن أبى وقاص والوليد. أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن على بن مجاهد عن أبى اسحاق قالوا: أوصى عمر فقال: من ولى بعدى من المسلمين فليول البصرة أبا موسى أربع سنين، وليستعمل سعدا على الكوفة، فولى عثمان سعدا تكملة سنة، ثم عزله، وبعث الوليد بن عقبة، فكان يشرب ويلعب، فقال عمرو بن زرارة: عزل عثمان عنا ابن أبى وقاص، الهين اللين السهل القريب الحسن البلاء فى الاسلام، واستعمل أخاه الاحمق الفاجر، فكتب الوليد الى عثمان يشكوه، فكتب اليه: وما لعمرو بن زرارة والانزاع والتأمير، «٢» انما ذلك الى المهاجرين الاولين من قريش، وانما عمرو أعرابى جلف جاف، فاتق الله فيما وليت، وانصر الضعيف، وخف الله فى السر والعلانية، قالوا: فلما قدم الوليد الكوفة، قال له سعد: احمقنا بعدك أبا وهب ام كيست «٣» بعدنا؟ فقال: فكل ذلك لم يكن، ولكنه سلطان القوم، يضعونه
стр. 177
حيث يحبون، فقال سعد متمثلا:
خذينى فجرّينى ضباع وأبشرى ... بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره
وأنكروا عليه ضربه الرجل الذى شهد على الوليد بالخمر.
أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن أبى محمد الناجى عن مطر الوراق قال: قدم رجل المدينة فقال لعثمان: انى صليت الغداة خلف الوليد، فالتفت الينا بعد ما صلّى، وأنا أجد ريح الخمر، فقال: أزيدكم؟ إنى أجد نشاطا، فأمر به عثمان فضرب، فقالت الناس: عطلت الحدود، وضربت الشهود، وقال الحطيئة يذكر صنيع الوليد:
شهد الحطيئة حين يلقى ربّه ... أنّ الوليد أحقّ بالعذر
فنزعت مكذوبا عليك ولم ... تردد الى عوز ولا فقر
ورأوا سماتك ماجدا «١» متبرّعا ... أعطى على الميسور والعسر
نادى وقد كملت صلاتهم ... أأزيدكم ثملا «٢» ولا يدرى
ليزيدهم خيرا ولو قبلوا ... لقرنت بين الشّفع والوتر
وأبوا أبا وهب ولو قبلوا ... زادت صلاتهم على عشر
стр. 178
كفوا عنانك «١» اذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجرى
وأمر ابن مسعود. أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن بشر بن عاصم عن الاعمش عن عبد الله بن سنان الاشعرى وعن المدائنى عن محمد بن الفضل عن يزيد بن أبى زياد عن المسيب بن رافع وعن غير هؤلاء قال عبد الله بن سنان: خرج علينا عبد الله بن مسعود، فقال: فقدت من بيت مالكم مالا، لم يكتب به براءة، «٢» ولم يأتنى فيه أمر أمير المؤمنين، فكتب الوليد ابن عقبة الى عثمان يشكوه، فعزله من بيت المال، قال: فبينا الوليد يخطب، نهض عبد الله فصلّى، فقال الوليد: أتاك فى هذا أمر أمير المؤمنين أم ابتدعت؟ قال:
لم يأتنى فيه أمره وما ابتدعت ولكن أبى الله أن ينظرك بصلاتنا وأنت تلعب، فكتب عثمان فى حمله الى المدينة، فخرج، فقال عثمان: يأتيكم ذؤيبه، «٣» فلا تسلح «٤» على شىء، فيأكل منه الا مات، فلما قدم عاتبه، وأحرمه عطاءه ثلاث سنين، فلما حضرته الوفاة، حمله اليه، فقال: حرمتنيه حين ينفعنى، وتعطينه حين لا ينفعنى؟ ورده وأوصى الى الزبير أن يصلّى عليه، فلما مات صلّى عليه، فعاتبه عثمان، وقال: لهممت أن أنبشه «٥» واصلّى عليه، فقال الزبير: لو رمت ذلك لحيل بينك وبينه، فوقف على قبره، وترحم عليه، وحمل عطاءه الى ولده، فقال الزبير:
لا ألفينّك بعد الموت تندبنى «٦» ... وفى حياتى ما زوّدتنى زادا
стр. 179
وأمر قصره طمار وما جرى فيه بينه وبين عبد الرحمن ابن عوف أخبرنا أبو القاسم العقدى عن أبى جعفر قال: قال أبو يعقوب السروى: بنى عثمان قصره طمار أو الزوراء، وصنع طعاما، ودعا الناس، فحضروا، فلما نظر عبد الرحمن الى بنائه قال: يا ابن عفان. قد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك، وانى أستغفر الله من بيعتك، فغضب عثمان، وقال عبد الله بن العباس: كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض، فمرض عبد الرحمن، فعاده عثمان، فكلمه، فلم يكلمه حتى مات.
وأمر عبادة بن الصامت أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن أبى معشر عن محمد بن كعب عن بريك الاسلمى قال: مر بعبادة بن الصامت عير تحمل الخمر من الشام، فقال: أزيت هذا؟ قالوا لا. بل خمر تباع لمعاوية، فأخذ شفرة فشق الروايا «١» فشكاه معاوية الى أبى هريرة، فقال له: أبو هريرة مالك ولمعاوية؟ له ما تحمل، ان الله يقول: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
«٢» فقال: يا أبا هريرة انك لم تكن معنا اذ بايعنا رسول الله- ﷺ ، بايعناه على السمع والطاعة، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر، نمنعه مما نمنع منه نساءنا وأبناءنا، ولنا الجنة، فمن وفى بها الله وفى الله له أجره، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«٣» فكتب معاوية الى عثمان: يشكوه فحمله الى المدينة، فلما دخل عليه قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «سيلى أموركم رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله» وعبادة يشهد أن معاوية منهم، فلم يراجعه عثمان.
стр. 180
وايثاره بنى أمية، أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن على بن مجاهد عن معمر عن الزهرى وعن غيرهم قال: تزوج سعيد بن العاص أم البنين بنت الحكم، فأعانه عثمان بأربعين ألفا، فهلكت، فتزوج أم عمرو بنت عثمان، فأعطاه مالا من بيت المال، وأمر عبد الله بن الارقم أن أن يكتم عليه حتى يرده، فلم يفعل، وأنكح الحارث بن أبى الحكم ابنته عائشة، ومروان ابنته أم أبان، وعبد الله بن خالد ابن أسيد ابنته أم سعيد، وأعطاهم أموالا من بيت المال، وأخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن سويد ابن أبى حاتم عن قتادة قال: أمر عثمان للحكم ابن أبى العاص بمائة ألف درهم، ولابى سفيان يمثلها، ولمروان بمائتى ألف، فجاء عبد الله بن الارقم بمفاتيح بيت المال، فوضعها بين يدى عثمان، وبكى، فقال: ما يبكيك إن وصلت رحمى؟
فقال: لعلك جعلت هذا عوضا عما أنفقت فى سبيل الله، لو أعطيت مروان مائتى درهم لكان كثيرا، وقال عثمان: ألق مفاتيحك يا ابن الارقم فانا سنجد غيرك.
ومثله أمر أبى موسى، أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن شريك عن عمار الدهنى عن سالم بن أبى الجعد قال: قدم أبو موسى على عثمان بمال من العراق، فأخذ منه غلام من آل عثمان قبضة، فقال عثمان: اذهب بها. وقالوا: بل قسمه بين أقاربه، فبكى أبو موسى، فقال:
ما يبكيك؟ قال قدمت على عمر بمال فى العام الاول، فتناول منه صبى درهما، فأخذه عمر فرده الى موضعه، فقال: إن ابا بكر وعمر منعا أرحامهما لله، وأنا أصل رحمى لله.
وأطعامه الحارث بن الحكم سوق المدينة: أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر بن محمد بن معاوية النيسابورى عن عبد الله بن جعفر عن شريك عن عطاء بن يسار، وأخبرنا أيضا عن أبى جعفر عن المدائنى عن ابراهيم بن محمد عمن حدث عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قال: قال عطاء: جاء
стр. 181
النبى- ﷺ الى سوق المدينة فقال: ان سوقكم هذا لا يضيق، ولا يؤخذ منه خراج او غلة، «١» قال عيسى ابن طلحة: فأطعمه عثمان الحارث بن الحكم، فأنكر الناس ذلك، فخطبهم وقال: ان الله أمر بصلة الرحم، ان أبا بكر وعمر رأيا رأيا، لا نقول انهما أخطآ، رأيا ان يمنعا المال أقاربهما، فلما وليت كان لى قرابتان، أقل قومهم مالا، بهم حاجة، فرأيت أن أصلهم، فأعطيت مروان خمس أرمينيه، فبلغ خمسة عشر ألف درهم، وجعلت الحارث على السوق، يأخذ كل يوم درهمين، ولعله لا ينقلب الا بدرهم، وكان امرا ذا حاجة، وزوجت عبد الله بن خالد بن أسيد،- وكان من أقل قريش مالا- فصنعت شيئا وان رأيتم ذا سرفا وخطأ فخذوه، فقد عرفتم مكانه، وإن لم يكن سرفا ففيم النكير؟
وأمر أبى ذر. قال أصحابنا: ان أبا ذر كان يذهب الى أن المسلم لا ينبغى أن يكون فى ملكه أكثر من قوت يومه، إلا شيئا ينفقه فى سبيل الله، او يعده لغريم، ويتأول على ذلك قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
«٢» الآية قالوا: فاختار الخروج الى الرّبذة «٣» زهدا منه فيما فى أيدى الناس، وكذلك روى عن الحسن، ومما يصدقه ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن اسحاق بن ادريس بن بكار أن عبيد الله بن العباس قال: كان أبو ذر يقول: لا يبيتن فى بيت أحدكم دينار ولا درهم ولا ذهب ولا فضة الا شيئا ينفقه فى سبيل الله، أو يعده لغريم، «٤» فبعث اليه معاوية جنح «٥» الليل ألف دينار، أراد أن يخالف قوله فعله، فلما جاءته قسمها، فلم يصبح وعنده منها دينار واحد، فقال معاوية للرسول: انطلق الى أبى ذر وقل له:
стр. 182
أرسلنى الى غيرك فأخطات بك، فقال أبو ذر: قل له: ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار واحد، فان أخذتنا بها، فأنظرنا نجمعها لك، فلما رأى معاوية ان قوله يصدقه فعله، كتب الى عثمان: ان كان لك حاجة فى الشام فأرسل الى أبى ذر، فقد أوغر «١» قلوب الناس، فكتب اليه ألحق بى.
وقد روى خلاف ما تقدم ذكره من خروجه الى الربذة من تلقاء نفسه.
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن أبى الحسن عن أبى عبد الرحمن العجلانى وعيسى بن يزيد قالا: أنبأنا بعض أهل العلم، عن رجل من بنى غفار قال: بينا أنا عند معاوية أحدثه، غضب، ولم أر شيئا أغضبه، ثم قال لرجل:
عجل على بأبى ذر، فلم ألبث ان طلع، فاذا رجل طويل مشتمل «٢» بكساء، فما سلم حتى جلس، فقال: يا معاوية، لم بعثت الى؟ قال: بلغنى أنك تطعن فى أمير المؤمنين عثمان، وهو إمامك، قال: هو طعن على نفسه، قال: أما والله لولا ان أبده «٣» - او لفظ هذا معناه- أمير المؤمنين بما لا أدرى، أيوافقه أم لا؟ لكنت أول أصحاب رسول الله- ﷺ أضرب عنقه، قال:
قاتلك الله يا معاوية! تراقب عثمان ولا تراقب الله؟ الا أحدثك حديثا سمعته من رسول الله؟ فاسترخت عينا معاوية، وأذناه، وقال: حدثنى، قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «ويح «٤» أمتى من أعين الامى، يراوح بين منكبيه،»
يخرج بمن اتبعه من أهله حتى يوردهم نار جهنم، فسيرتطم ويرتطمون» «٦» كانك هو ولا أدرى، فقام معاوية، فدخل، وخرج أبو ذر، فلحقته، فسلمت عليه، فتجهمنى، «٧» فانتسبت له، فرد علىّ السلام،
стр. 183
وكتب معاوية الى عثمان، يخبره ان أبا ذر يطعن عليه، فكتب عثمان يأمره بحمله اليه، فحمله على قتب، «١» تحته مسح، «٢» وخرجت معه، فكنت ألقى تحته ردائى، فقرحت فخذاه، وقدمنا المدينة، فلما دخل على عثمان قال:
لا أنعم الله لقين «٣» عينا ... أبدا ولا عساه فينادمنا
تحيّة السّحط اذا التقينا
فقال أبو ذر: وما قين؟ والله ما سمتنيه أمى ولا أبى، ولكن رسول الله- ﷺ كان اذا رآنى رحب بى، وأدنى مجلسى، قال عثمان:
اجلس. ألم يبلغنى أنك تقول: ما أحب أن أكون فى صلاح عمر بن الخطاب؟ قال: وان قلته فمه «٤» أسلمت كما أسلم، وهاجرت كما هاجر، وأنا على يقين من نفسى، وشك من غيرى، فقال عثمان: ما ترون فى أبى ذر؟ ودخل على- ﵇ وعليه عمامة بيضاء، فقال: لم أرسلت الى؟ قال لامر أبى ذر، قال: فلوما تركتموه كمؤمن آل فرعون. ان كان كاذبا فعليه كذبه، فقال عثمان لعلى: بفيك التراب قال: بل بفيك قبلى، ثم خرج، فمكث الناس أياما، ثم دخل أبو ذر وبين يدى عثمان مال، فقال:
ما ترون فى رجل اذا زكى ماله؟ هل عليه غيره؟ قال كعب الاحبار: لا ليس عليه شىء، فقال أبو ذر: متى كانت الفتيا اليك يا ابن اليهوديه؟ بل عليه أن يصل رحمه، ويتقى الله ربه، فقال عثمان: عن بلدنا، قال الى الشام؟ قال:
لا، قال: فمكة؟ قال: لا. قال: فهو التغريب بعد الهجرة، فخرج الى الربذة ومعه على يشيعه، فأقبل مروان يسير حتى أدخل راحلته بين راحلتيهما ليسمع ما يقولان، فضرب على وجه راحلته، وأعلم عثمان، فلام عليا فقال:
стр. 184
إن كان أغضبك أنى ضربت وجه راحلته فهذا وجه راحلتى فاضربوها، وأقام أبو ذر بالربذة حتى مات- رضى الله عنه-.
وأمر عمار بن ياسر وعائشة: أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن الاعمش عن سالم بن أبى الجعد وأخبرنا باسناده عن أبى جعفر قال: قال أبو يعقوب السروى: وأخبرنا غير هؤلاء جعلت أحاديثهم حديثا واحدا قالوا: جعل الناس ينقمون على عثمان ايثاره بنى أمية، وهو يعمل على شاكلته، فكتب عمار والمقداد ومعهما نفر كتابا اليه، يذكرون فيه ما ينقم الناس عليه، فمضى به عمار اليه، وتسلك «١» الباقون، فلما قرأه قال: أنت كتبت هذا؟ قال نعم، ونفر معى. قال من هم؟ قال: لا أخبرك. قال:
اضربوا العبد، فضربه من بحضرته، وقام هو فوطئه حتى فتقه، وكان لا يستمسك بوله فحمل مغشيا عليه، فقالت عائشة: إنك برىء من صاحب هذه الحجرات فقال: من لى بهذه الحميراء؟ انها لمن شر بيت من قريش. فقال طلحة والزبير: كذبت، قال: بل كذبتما، قالا: بل كذبت، قال: بل صدقتما وكذبت فى كلام هذا معناه.
فهذه جملة مما نقم على عثمان- رضى الله عنه- وعذره فى أكثرها واضح، واللائمة عنه ساقطة، الا تراهم رووا ان الذى أخذه من بيت مال المسلمين، ووصل به قرابته انما أخذه ليرد العوض عنه، وليس فى أخذه على هذه الشريطة أثم، وأما ضربه من ضرب، وحرمانه من حرم، فانما كان تأديبا منه لهم، لما كان من اجترائهم عليه، ومراجعتهم إياه، اذ كان فى ذلك خرق هيئته، «٢» والوضع من أبهته، «٣» وأدبهم ليعز سلطان الله فى أرضه.
وأما قولهم: عطلت الحدود، فكيف يقال ذلك؟ وقد حد الوليد ابن
стр. 185
عقبه، وهو أخوه من أمه، وأعز الناس عنده، وحد عاصم بن عمر بن الخطاب ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر، «١» ومحمد ابن حذيفة فى الخمر، وغيرهم ممن يطول الكتاب بذكرهم، وأما ضربه الرجل الذى ذكر الوليد يشرب الخمر: فلم يكن شاهدا، وانما يكون شاهدا اذا كان معه شاهد آخر، يشهد بما يشهد به، وإلا فقوله يجرى مجرى النميمة والاغرار، «٢» وأما حبه لاقاربه: فغير بديع «٣» لان الناس مجبولون على حب القربى، والوحشة من البعداء، وكان فيهم على علاتهم غناء، وعندهم كفاية، فلذلك كان يوليهم، ويستعملهم ويستكفيهم، الا ترى الى فتوح ابن عامر؟ فتح جور «٤» واسطخر «٥» ونيسابور وطوس ومشى الى سرخس، ووجه الاحنف ففتح قوهيان، والاسود بن كلثوم ففتح بيهق «٦» من خراسان. الى غير ذلك من فتوحه، وفتح عثمان بن أبى العاص أرخان، «٧» وقالوا: فتحه أبو موسى وبلادا من كورة دار ابجرد، وفتح الوليد بن عقبة التين والطبسين، وموقان من أرمينية، وفتح ابن أبى السرح كثيرا من بلاد المغرب. وكان لهم بأس فى الحرب، ونكاية فى العدو، وحماية الثغور، يقومون فيها مقام غيرهم، وكان الذى يذكرون به من مكروه الافعال، لا يصح عند عثمان، وما صح فيه عنده، أجرى فيه حكم الله فحد الوليد بن عقبة الحد الشرعى فى الخمر ...
وأما قول عبد الرحمن: فانى استغفر الله من بيعتك فان كان صحيحا فانه قالها على جهة المبالغة، فى انكار ما رأى من بنائه وسعة نفقته عليه. لا لصحة
стр. 186
الاعتقاد لذلك، لان التوسعة فى النفقة على بناء، واتخاذ طعام، لا يبلغ ان يكون فسقا يستغفر معه من سعته. وكانوا فى ذلك الوقت يستعظمون الصغير من الذنوب، لقرب عهدهم برسول الله- ﷺ ثم بخشونة عمر، وشدة استقصائه ومناقشته على الصغير من المعاصى، وبهذا يتأول قول عائشة: انك برىء من صاحب هذه الحجرات، ونحن نعلم ان عثمان لم يبرأ من رسول الله، وانما قالت ذلك: على حسب ما يقال للرجل اذا أفرط فى ضرب غلامه او ابنه انك لكافر القلب، لما يتصور فى الكافر من القساوة، لا على ان ذلك الضرب كفر هذا الى أنا لا ندعى لعثمان العصمة من الذنوب، بل نقول: يجوز وقوعها منه، مع انصرافه عنها الى التوبة، حتى يموت وهو طاهر من الذنوب، نقى الجيب من العيوب لان النبى- ﷺ أخبر عن عاقبة أمر العشرة أنهم فى الجنة.
وقد فرغ أصاحبنا المتكلمون، من الكلام فى تصويب ما عليه المخالفون من أفعال الأئمة، الا فى هذه الاخبار التى تقدمت، فإنى ما قرأت لاحد منها شيئا، وأرجو ان يكون ما ذكرته من تصويب عثمان فيما نقم عليه، مقنع ان شاء الله.
فكانت هذه الامور سبب الاختلاف بين الناس، لانهم صاروا فريقين عاذر له فيها، وناقم عليه بها، ثم قتلوه فاشتد الخلاف، واشتبكت الحروب، وصار الناس فرقا، فكل يحتج لنفسه وعصابته، ويرد على من يخالفه من غير طائفته، وشرح هذا يطول، وليس كتابنا منه بسبيل، فتركته.
أول خليفة ولى وأمه تحيا عثمان رضى الله عنه
واسمها أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب، ثم موسى وهارون ابنا المهدى، وأمهما الخيزران، أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الطيب بن محمد عن قعنب بن محرز عن سعيد بن سالم قال: قال الهادى لامه الخيزران حين ولى الخلافة:
стр. 187
ان الامر والنهى لا يبلغه قدر النساء، فلا يخرجن من خفر الكفاية الى بذلة التدبير، «١» اختمرى بخمرتك، وعليك بسبحتك، ولا أعلمنك تعديت ذلك الى تكليف يعز لك، «٢» وتعنيف يلزمك، ولك على بعد ذلك الطاعة التى أوجبها الله فى غير كفر ولا مأثم.
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن محمد بن العباس عن على بن محمد النوفلى قال: قال لى عبد الملك بن اسماعيل: كنت مع المهدى اذ قدمت عليه الخيزران فى مائة قبة ملبسة وشيا وديباجا، فقال أبو العتاهية:
رحن فى الوشى «٣» وأصبحن عليهنّ المسوح ... كلّ نطّاح من الدّهر له يوم نطوح
لتموتنّ وإن عمّرت ما عمّر نوح ... فعلى نفسك نح ان كنت لا بدّ تنوح
وكانت الخيزران أرضعت الفضل بن يحيى بلبان الرشيد، فقال مروان بن أبى حفصة:
كفى لك فضلا أنّ أفضل حرّة ... غذتك بثدى والخليفة واحد
لقد زنت يحيى فى المشاهد كلّها ... كما زان يحيى خالدا فى المشاهد
ثم محمد بن هارون الامين. وأمه أم جعفر بنت أبى جعفر المنصور، ولم يتول الخلافة هاشمى الابوين إلا على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، ومحمد الأمين أبوه الرشيد، وأمه أم جعفر
стр. 188
بنت المنصور، تلقب بزبيدة، قال أبو الهول الحميرى «١» .
ملك أبوه وأمّه من نبعة ... منها سراج الأمّة الوهّاج «٢»
شربوا بمكّة فى ذرا بطحائها «٣» ... ماء النّبوّة ليس فيه مزاج «٤»
ثم المتوكل- وهو جعفر بن المعتصم- ثم المنتصر- وهو محمد بن المتوكل- ثم المستعين- وهو احمد بن محمد بن المعتصم- وأمهما ريا:
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن ابن محمد عن أحمد بن حمدون قال: عملت أم المستعين قلادة، «٥» لم يبق شىء حسن الا جعلته فيها. وأنفقت عليها مائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، وسألته ان يقف عليها، قال أحمد: فما رأينا فى الدنيا شيئا الا قد عمل فيها، ومددت أنا يدى الى غزال من ذهب قد ملىء عنبرا، عيناه حبتا جوهر، وعليه سرج ولجام وركاب من ذهب فأخذته، ووضعته فى كمى، وجئنا فوصفنا له حسنها، فقال أترجة: أنه سرق منها شيئا، وغمز به على، فقلت: يا سيدى أألام على مثل هذا؟ فقال: ارجع فخذ ما أطقت حمله مما تريده، فقال أترجة: وأنا معه، فمضينا فملأنا أكمامنا وخفافنا، وفتحنا أقبيتنا، «٦» وجعلنا تحتها ما قدرنا عليه، وعقدنا أطراف الشفاشح «٧» فوق ذلك، وأقبلنا نمشى مشى الحبالى، فلما رآنا ضحك فقال
стр. 189
الجلساء: نحن فما ذنبنا؟ قال: قوموا أنتم أيضا، وقال المغنون: مثل ذلك، فاذن لهم، وجاء فوقف على الطريق ينظر كيف يحملون ما معهم ويضحك، فنظر يزيد المهلبى الى سطل من ذهب مملوء مسكا فأخذه وخرج، فقال: الى أين؟ قال إلى الحمام. فضحك، وأمر الاطباء والخدم والفراشين فانتهبوا الباقى، فوجهت اليه أمه سرا، لله أمير المؤمنين فى جميع أفعاله، كنت أحب أن يراها قبل أن يفرقها، فقال: يعاد مثلها، فأعيد فى مدة شهرين، فى كلام هذا معناه.
ثم المعتز، وأمه قبيحة وسميت بذلك عوذة من العين، لخلوها من جميع العيوب، أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن عبد الله بن المعتز قال: لما بويع لابى بالخلافة قال مروان ابن أبى الجنوب يخاطب أمه:
لله درّك يا عقيلة «١» جعفر ... ماذا ولدت من التّقى والسّودد «٢»
انّى لأعلم أنّه لخليفة ... إن بيعة عقدت وان لم تعقد
انّ الخلافة قد تبيّن نورها ... للنّاظرين على جبين محمّد
فدعته فوضعت فى فمه حبتين من جوهر، فزعم أنه باعهما بمائة ألف درهم، ثم المعتضد- وأمه ضرار- ثم المطيع- وأمه مشعلة- ولم يتول أحد الخلافة وأبوه باق الا أبو بكر الصديق رضى الله عنه وقد ذكرناه.
أول من خلع عثمان فى حياته عمرو بن زرارة
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن بعض أصحابه عن هشام
стр. 190
بن محمد قال: أول من خلع عثمان فى حياته وبايع عليا عمرو بن زرارة والحارث بن عداء، أقام حياته ببنى أود فخلعه وقال:
أقسمت بالله ربّ البيت مجتهدا ... أرجو الثّواب به سرّا وإعلانا
لاخلعنّ أبا وهب وصاحبه ... كهف «١» الضّلالة عثمان بن عفّانا
أول من اتخذ صاحب شرطه
فى كلام أوردت منه ما احتيج اليه، وعثمان- رضى الله عنه- أول من اتخذ صاحب شرطة وكان صاحب شرطته عبد الله بن منقذ من تميم قريش.
أول من بايع عليا ﵇
ذكر الواقدى عن رجاله قالوا: جاء الاشتر الى على حين قتل عثمان- رضى الله عنه- فقال له: قم فبايع الناس، فو الله لو تكلمت لتعصرن «٢» عليها عينك مرة أخرى، فجاء حتى دخل بين سكن، «٣» واجتمع الناس اليه، وفيهم طلحة والزبير لا يشكان ان الامر شورى، فقال الاشتر: هل تنتظرون أحدا؟ قم يا طلحة فبايع؛ فقام يجر رجله حتى بايع عليا، فقال حبيب ابن زؤيب او ذؤيب:
اول من بايعه أشل، فما أظن أمره يتم، واول من بايعه اشتر، ألقى خميصة كانت عليه، وأخذ السيف وجذب يد على فبايعه وقال: والله لا يتكلم أحد منكم الا ضبت عنقه، فقام طلحة والزبير فبايعا، وبايع الناس فكانا يقولان بعد ذلك: بايعنا واللج على رؤوسنا، أى السيف.
стр. 191
أول من بايعه من أهل مصر عبد الرحمن بن عديس
بايعه وقال:
خذها اليك واعلمنّ أبا الحسن ... أنّا نمرّ الأمر امرار الرّسن»
وخطب على- رضى الله عنه- أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن القاسم عن أبيه قال: لما استخلف على صعد المنبر ثم قال:
حق وباطل، ولكل أهل: وقال: ما أدبر شىء ثم أقبل، وإنى لاخشى ان تكونوا فى فترة من دينكم، ولئن ردت عليكم أموركم إنكم لسعداء، قد كانت أمور ملتم فيها عن الحق ميلا كبيرا، كنتم فيها غير محمودين، ولو أشاء لقلت عفا الله عما سلف، مضى الرجلان، وقام الثالث كالغراب، همته بطنه، وبجد لو قطع رأسه وجناحاه كان خيرا له، ثلاثة واثنان ليس لها سادس. نبى أخذ الله يده وملك طار بجناحيه، وساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر فى النار، هلك من ادعى، وخاب من افترى، اليمين والشمال مظلمة «٢» والطريق المنهج عليه، ما فى الكتاب وآثار النبوة، ان الله تعالى أدب هذه الامة بالسيف والسوط، ليس فيهما هوادة، فاستتروا فى بيوتكم، وتفقدوا أعمالكم، والتوبة من ورائكم، من أبدى صفحته «٣» للحق هلك، الا كل قطيعة أقطعها
стр. 192
عثمان، ومال من مال الله فهو رد على المسلمين فى بيت مالهم، والله لو رأيناه نكح به النساء وتفرق به فى البلدان لرددناه، لان الحق قديم لا يخلق، «١» وان لكم فى الحق سعة، ومن ضاق عنه الحق فالباطل عنه أضيق، ثم بعث الى سيفه ودرعه ونجائب «٢» كانت له فأخذها، فقال الوليد بن عقبة:
الا من لليل لا تغور ... اذا غاب نجم لاح نجم يراقبه
خليلىّ انّى لست أنسى مصابه «٣» ... وهل ينسينّ الماء من هو شاربه
هموا قتلوه كى يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى أقاربه «٤»
هو الأنف والعينان منّى وليس لى ... سوى الأنف والعينين وجه أصاحبه
ثلاثة رهط قاتلان وسالب ... سواء علينا قاتلاه وسالبه «٥»
بنى هاشم كيف المودّة بيننا ... وعند علىّ «٦» سيفه ونجائبه
стр. 193
أول قتال كان بين فريقين من أهل القبلة
أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن رجاله عن الواقدى عن عبد الله بن الحارث عن أبيه وأبى القاسم عن رجاله عن المدائنى قال: لما صارت عائشة- رضى الله عنها- وطلحة والزبير بحفر أبى موسى، بعث اليهم عثمان بن حنيف- وهو عامل على البصرة- عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلى، فدخلا على عائشة- رضى الله عنها- وقالا: ما جاء بك؟ قالت: غضبنا لكم من سوط عثمان، أفلا أغضب لعثمان من سيوفكم؟ قالا: وما أنت وسوط عثمان وسيوفنا؟ أنت حبس «١» رسول الله- ﷺ ، نذكرك الله أن تهراق «٢» الدماء فى سببك، قالت: وهل أحد يقاتلنى؟ قال: أبو الاسود:
نعم. والله قتال أهونه شديد.
ثم دخلا على الزبير وطلحة، وكلماهما، فوقعا فى على ونالا منه، فأتيا عثمان فعرفاه، فأمر الناس فلبسوا السلاح، ودخل طلحة والزبير وعائشة حتى انتهوا الى المربد، فخطبت فقالت: ان عثمان غير وبدل، فلم نزل نغسله حتى أنقيناه، وبلوناه بالشدة حتى أخلصناه، ولما صار كالذهب المصفى عدا عليه السفهاء فقتلوه، ثم أتوا عليا فبايعوه على غير ملأ من الناس أفنغضب لكم من سوط عثمان، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم؟ لا يصلح هذا الأمر حتى يرد شورى كما فعله عمر- رضى الله عنه-، فقال بعضهم: صدقت وقال بعضهم: كذبت. واضطربوا بالنعال، فصارت تجمعها، فاستقبلهم عثمان فى الناس، فشجوهم «٣» بالرماح، ورماهم النساء والصبيان من فوق البيوت، وأفواه السكك، «٤» فاندفعوا حتى أتوا مقبرة بنى مازن، فنابت اليهم نائبة من الناس،
стр. 194
ولقيهم عثمان من الغد فى أصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى زالت الشمس، وكثرت القتلى، ثم كتبوا بينهم كتابا لا يتعرض بعضهم لبعض حتى يرد على- ﵇، فوقفوا أياما، ثم جاء عبد الله بن الزبير فى أصحاب له، فطرق «١» عثمان بن حنيف وأسره، وجىء به الى طلحة والزبير فأمرا به فضرب، ونتفت لحيته، وأرادا قتله، فقال معاذ بن عبد الله: ان قتلتموه لا آمن الانصار على ذراريكم بالمدينة، فحبسوه، ثم أرسلوه، فقال حكيم بن جبلة:
ما كنت فى شك من قتالهم، ولقد ازددت فيه بصيرة، فمن كان فى شك فلينصرف فخرج فى سبعمائة من عبد القيس وبكر بن وائل، فقاتلهم، فضرب رجل منهم ساق حكيم فقطعها، فأخذها حكيم فرماه بها فصرعه، ثم جاء اليه فقتله، واتكأ عليه، فمر به رجل فقال: من قاتلك؟ قال وسادتى، «٢» وقتل يومئذ سبعون رجلا من عبد القيس، وبلغ أمرهم عليا فقال:
دعا حكيم دعوة سميعه ... نال بها المنزلة الرّفيعه
يا لهف «٣» نفسى على ربيعه ... ربيعة السّامعة المطيعه
أتيتها كانت بها الوقيعه ... بين محلّى سوقها والبيعه «٤»
فى كلام هذا معناه.
وحدث أسد بن سعيد عن أبيه عن جده عن جد أبيه قال: بلغنى ان عبد الملك بن مروان قال لجلسائه: أخبرونى عن حى من العرب فيهم أشد الناس وأسخاهم وأخطبهم، وأطوعهم فى قومه، وأعظمهم خطرا، وأحلمهم وأحضرهم جوابا، وأسرعهم انتصافا قالوا: فى قريش؟ قال: لا. قالوا: ففى حمير؟ قال: لا. قالوا: ففى مضر؟ قال: لا.
стр. 195
قال مصقلة العبدى: فهم فى ربيعة ونحن منهم: قال: صدقت، قالوا: فمن هؤلاء؟ قال: أما أشد الناس فحكيم بن جبلة، قطعت ساقه فرمى بها الذى قطعها فجندله، «١» ثم جاء اليه وقال:
يا ساق لن تراعى. ... انّ معى ذراعى.
أحمى بها كراعى «٢»
فقتله واتكأ عليه، فقيل، من قاتلك؟ قال: وسادتى.
وأما أسخى الناس: فعبد الله بن سوار، استعمله معاوية على السند، فرحل اليها فى أربعة آلاف لا يوقد مع ناره نار، فرأى ذات يوم نارا فى معسكره، فأنكرها، فقال صاحبها: اعتل بعضنا واشتهى الخبيص، «٣» فاتخذناه له، فأمر الا يطعم الناس الا الخبيص حتى ضجوا، فردهم الى الخبز واللحم.
وأما أسود «٤» الناس وأطوعهم فى قومه: فالجارود بن بشر، قبض رسول الله- ﷺ فارتدت العرب، ومنعت الصدقات، فقال لقومه ان كان الله قبض رسوله فهو حى لا يموت، فتمسكوا بدينكم، فمن ذهب له شىء فعلى مثلاه، فما خالفه أحد.
وأما أحضر الناس جوابا وأشدهم انتصافا: فصعصعة بن صوحان وفد على معاوية فى وفد العراق. فقال: مرحبا بكم قدمتم البلاد المقدسة، وأرض المحشر والمنشر، والانبياء والرسل، والعلم والحلم، إن أبا سفيان لو ولد الناس جميعا لكانوا حلماء علماء عقلاء.
فقال صعصعة: ليس الناس تقدسهم البلاد ولكن تقدسهم أعمالهم، ولن
стр. 196
يضر مؤمنا بعد المحشر، ولن ينفع كافرا قرب المنشر، ومن سكنها من الجبابرة والفراعنة أكثر، وأما قولك: إن أبا سفيان لو ولد الناس جميعا لكانوا حلماء علماء عقلاء: فقد ولدهم خير من أبى سفيان- آدم ﵇ فمنهم السفيه والحليم والاحمق والكيس، فقال معاوية، أتردن على؟
لا شردنك فى البلاد، ولا جفينك «١» عن الوساد. قال: أجد فى الأرض سعة، وفى فراقك دعة. «٢» فقال: قد كنت أبغض أن أراك خطيبا، قال: وأنا والله أبغض أن أراك أميرا.
وأما أحلم الناس: فالاشج العبدى، فان وفد عبد القيس وردوا على رسول الله- ﷺ ومعهم صدقاتهم، وفيهم الاشج. وكان أول عطاء ارتزقه رسول الله من ذلك المال. فقال: يا أشج فيك خصلتان، الحلم والاناة، «٣» وكفى برسول الله شهيدا.
قالوا: ولم يغضب الاشج قط، وكان ينبغى أن يورد هذا الخبر فى الباب الثالث، فأغفلناه حتى أوردناه فى هذا الموضوع.
أول من عمل بآية النجوى على ﵇
أخبرنا أبو القاسم بن سموان عن الجلودى عن محمد بن عيسى عن الجمانى عن على بن هشام عن محمد بن عبد الله بن رافع عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى أيوب الأنصارى قال: لما نزلت آية النجوى «٤» أشفق الناس وبخلوا، فناجى على- ﵇ رسول الله ﷺ عشر
стр. 197
نجاوى «١» ، وتصدق كل مرة بدينار، فلما علم الله بخلهم أنزل الرخصة، فلم يعمل بها الا على، والآية هى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً
«٢» والرخصة: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
الآية.
أول من اتخذ بيتا يطرح الناس فيه القصص
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن حاتم عن مسعدة ابن اليسع عن أبى عون عن محمد بن سيرين قال: اتخذ على بيتا يلقى الناس فيه القصص، «٣» حتى كتبوا شتمه فألقوه فيه فتركه، ثم اتخذه المهتدى أيام خلافته.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن أحمد ابن محمد بن اسحاق قال: كان المهتدى يجلس للمظالم فارتشى أصحابه على تقديم بعضها على بعض، فاتخذ بيتا له شباك حديد على الطريق، وأمر فنودى بطرح القصص فيه، فكان يدخله وحده فيأخذ ما يقع بيده. أولا، فينظر فيه لا يقدم بعضها على بعض، وكان المهتدى فى بنى العباس، نظير عمر بن عبد العزيز فى بنى أمية، كان يلبس الصوف، ويصوم الدهر، قيل أنه ما أفطر فى أيام خلافته الا الاعياد وأياما اعتل فيها، وكان يصلّى أكثر الليل.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: قدم رجل من الرملة يتظلم الى المهتدى فانصفه فاستخفه الفرح حتى غشى عليه، فأتاه المهتدى بنفسه، فلما أفاق، قال: ما حسبت أنى أعيش حتى أرى هذا العدل، فلما رأيته داخلنى من السرور ما زال معه عقلى، فقال: كان الواجب أن ننصفك فى بلدك، فاذا لم
стр. 198
نطق ذلك، فنعطيك ما أنفقت فى طريقك، وكان أنفق عشرين دينارا، فأمر له بخمسين دينارا، واستحله من تأخر حقه، فما سمع بهذا منه أحد الا خشع له قلبه، فى كلام هذا معناه.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن محمد بن الفضل قال: طالب رجل بعض قواد الا تراك بضيعة غصبه عليها بحضرة المهتدى، فقال التركى: لى وفى يدى، وقالت الفقهاء: لمن هى فى يده، وعلى خصمه البينة، فقال المهتدى: علّمت هذا، وذهب أمرك على من علمك. أنت فى الاسلام منقطع وحدك لا إرث لك، ولا يجوز أن تملك مال هذه الضيعة «١» الا بأقطاع «٢» أو شرى أو إرث عن زوجة، فهل ورثتها عن زوجة؟ قال: لا. قال: فأحضرنى كتب اقطاعك أو شراك، والا سلمتها اليه، فخرج التركى فاشتراها منه، وعجب الناس من فطنة المهتدى.
وكان الملك فى الجاهلية يجلس للعامة، فى النيروز مرة، «٣» وفى المهرجان»
مرة فيأتونه بظلاماتهم، فان تظلم منه متظلم، جاء حتى جلس مع خصمه عند المربد، فاذا نظر بينه وبينه لبس تاجه، وانتصب للنظر فى أمور الناس، فلم يطمع أحد فى ظلم أحد بعد ما رأى من اعطاء الملك الحق من نفسه، وقال أنو شروان: خفت أن يحجب عنى المظلوم، فعلق على أقرب الاستار اليه أجراسا، ووصلها بسلسلة ونادى مناديه، من ظلم فليحرك السلسلة، وهو الاصل فى قول الناس (حرك فلان السلسلة) على فلان اذا وشى به، وكان ملوك الفرس اذا بلغهم أن كلبا مات بقرية أخذوا أهلها بالبينة أنه مات حتف أنفه، ولم يمت جوعا.
стр. 199
أول من فرق بين الخصوم على ﵇
خرج قوم فى خلافته سفرا فقتلوا بعضهم فلما رجعوا طالبهم على به، وأمر شريحا بالنظر فى أمرهم بإقامة البينة، فقال على: ﵇
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل
أراد أنه قصر، ولم يستقص كتقصير صاحب الابل فى تركها، واشتماله ونومه، ثم فرق بينهم، وسألهم فاختلفوا، فلم يزل يبحث حتى أقروا، فقتلهم، وذلك أول ما فرق بين الخصوم.
أول من سن صلاة الركعتين عند القتل خبيب بن عدى
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ابراهيم بن المنذر عن محمد بن أفليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب وعن الجوهرى عن أبى زيد عن غير هؤلاء، جعلت أحاديثهم حديثا واحدا، قالوا: بعث النبى- ﷺ عاصم بن أبى الأفلح «١» ، ومرثد بن أبى مرثد، وخبيب ابن عدى وزيد بن الدّثنّة وعبد الله بن طارق الى مكة، يتخبرون له خبر قريش، فلما كانوا بالرجيع اعترضهم بنو لحيان- حى من هذيل- فجعل عاصم يقاتل وهو يقول:
ما علّتى وأنا جلد «٢» نابل «٣» ... والقوس فيها وتر عنابل «٤»
نزل «٥» عن صفحتها المعابل «٦» ... أتراس القوم ولا تقاتل
والموت حقّ والحياة باطل
стр. 200
وقال: اللهم أنى أحمى دينك فاحم لى لحمى، فلما قتل أراد القوم أن يحملوا رأسه، فاجتمع عليه الدبر- النحل- فلم يقدروا عليه، فقال الاحوص:
فحزت «١» واعتمت فقلت ذرينى ... ليس جهل أتيته ببديع
فأنا ابن الّذى حمت لحمه الدّبر ... قتيل اللحيان يوم الرّجيع
وأما خبيب وزيد فصعدا فى الجبل، فحمل القوم لهما الامان من القتل، فلما نزلا، أو ثقوهما، وانطلقوا بهما الى مكة، فباعوهما. فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا، وكان قتل الحارث يوم بدر، فلما انسلخ الأشهر الحرم أخرجوه الى الحل ليقتلوه، فقال:
ولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أىّ جنب كان فى الله مصرعى
وذلك فى ذات الإله وان يشا ... يبارك على أعضاء شلو «٢» ممزّع
ثم ركع ركعتين وقال: والله لولا تحسبون أننى أجزع من القتل لزدت، وهو أول من فعل ذلك. فقام عقبة بن الحارث فقتله، وصلبوه، وقتل نسطاس مولى صفوان بن أمية زيد بن الدثنة فقال حسان:
стр. 201
يا عين جودى بدمع واكف سرب «١» ... على حبيب مع الغادين لم يؤب
فرع توسّط فى الأنصار منصبه ... صافى الضّريبة محض غير مؤتسب «٢»
بنى سخينة انّ الحرب قد لقحت ... يحلو بها الصّاب «٣» يهديه لمحتلب
فيها أسود بنى النّجّار يقدمهم ... زرق الأسنّة فى معصوصب لجب «٤»
أول من بايع رسول الله بيعة الرضوان سنان الأسدى
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجاله قال:
خرج رسول الله ﷺ فى سبعمائة «٥» من أصحابه، ومعه سبعون بدنة، يريدون زيارة البيت، فلقيه خالد ابن الوليد فى خيل فصده، وكان بعث عثمان- رضى الله عنه- الى قريش يستأذن له فى الدخول، فأجاره سعيد بن العاص، وتأخر رجوعه، فبلغ رسول الله ﷺ أنه قتل، فبايع الناس على ألا يفروا، وهى بيعة الرضوان، فكان أول من ضرب يده على يد رسول الله فيها سنان بن سنان الأسدى، فضرب رسول الله احدى يديه على الاخرى وقال: هذه يد عثمان، ثم كتبت قريش بينهم وبين رسول الله الصلح عشر سنين.
стр. 202
وان ينصرف عامة ذلك ويعتمر من قابل، فرجع رسول الله- ﷺ أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ابراهيم بن المنذر عن عبد الله ابن وهب عن الليث بن سعد، ان يزيد بن أبى حبيب حدثه عمن حدثه، ان عبد الرحمن بن عوف أرسل الى عثمان وهو مريض يعاتبه فى بعض ما عتب الناس عليه، وقال لرسوله: اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وقل له: وليتك ما وليتك من أمور الناس وان لى أمورا ما هى لك، لقد شهدت بدرا وما شهدتها، وشهدت بيعة الرضوان وما شهدتها، ولقد فررت يوم أحد وصبرت، فقال عثمان- رضى الله عنه- لرسوله: اقرأ على أخى السلام وقل له: أما ما ذكرت من شهودك بدرا وغيبتى عنها، فقد خرجت لها وردنى رسول الله- ﷺ عن الطريق الى ابنته التى كانت تحتى لما بها من المرض، ووليت منها الذى يحق على ثم دفنتها، ثم لقيت رسول الله منصرفه من بدر فبشرنى بأجر عند الله مثل أجوركم، وأعطانى سهما مثل سهامكم، فأنا أفضل أم أنتم؟ وأما بيعة الرضوان فان رسول الله كان بعثنى لاستأذن له من قريش فى الدخول بالهدى، يطوف بالبيت، وينحر هديه، ويحل من عمرته، فاستبطأنى، وخاف أن يكون غدر بى، فهاجه مكانى على بيعة الرضوان، فلما فرغ من بيعتكم ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: هذه بيعة عثمان. فأيديكم أفضل أم يد رسول الله- ﷺ ؟ وأما ما ذكرت من صبرك يوم أحد وفرارى، فقد كان ذلك، فأنزل الله العفو فى كتابه عنى، فعيرتنى بذنب غفره الله لى، ونسيت من ذنوبك ما لا تدرى أغفر الله لك أم لم يغفر؟ فلما جاء الرسول بهذا بكى، وقال: صدق والله أخى، لقد عيرته بذنب غفره الله له، ونسيت من ذنوبى مالا أدرى أغفرت لى أم لم تغفر؟
أول من شهر سيفه فى سبيل الله الزبير بن العوام
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن القعبنى عن سفيان ابن عيينة، وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن لوط بن
стр. 203
يحيى عن مجالد عن الشعبى قال سفيان: أول سيف شهر فى الاسلام سيف الزبير، قيل له: قد قتل رسول الله، فخرج بسيفه يسعى وهو غلام، قالوا:
فلما قتله بن جرموز، جاء عليا فقال على:﵇ بشر قاتل ابن صفية «١» بالنار، ونظر الى سيفه فقال: كم كشفت به الغماء عن وجه رسول الله- ﷺ ، قال أبو جعفر: فقال ابن جرموز:
أتيت عليّا برأس الزّبير ... رجوت به عنده الزّلفه
فبشّر بالنّار قبل العيان ... وبئست بشارة ذى التّحفه
فقلت له ان قتل الزّبير ... لولا رضاك من الكلفه
وسيّان عندى قتل الزّبير ... وضرطة عير بذى الجحفه
فلما ورد مصعب البصرة استخفى ابن جرموز، فقال مصعب: ليظهرن سالما وليأخذ عطاءه موفورا، أيظن أنى أقتله بأبى عبد الله، وأجعله ندا له؟
فكان هذا من الكبر المستحسن. وكان ابن جرموز يدعو لدنياه فقيل له: هلا دعوت لآخرتك! فقال: أيست «٢» من الجنة بقتل الزبير، فى كلام هذا معناه.
أول من أراق دما فى سبيل الله سعد بن أبى وقاص
أخبرنا أبو احمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى عن أبى بكر بن اسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه قال:
خرجت أنا وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر، وابن مسعود فى شعب أبى دب نتوضأ ونصلّى، ونحن مستخفون، الى أن ظهر علينا نفر من المشركين، قد كانوا يرصدوننا، واتبعوا أثرنا، أبو سفيان بن حرب، والاخنس بن شريق، وغيرهما، فعابوا علينا ذلك وأنكروا. حتى
стр. 204
بطشوا بنا، فتضاربنا واقتتلنا، فأخذ سعد لحى «١» جمل فضرب به رجلا من المشركين فأشجه شجة أوضحت، فانكسر المشركون، وقوى أصحابى، وطردناهم حتى خرجوا من الشعب، فكنت أول من هراق دما فى الاسلام.
أول من جمع بالمدينة أسعد بن زرارة
جمع فى أربعين رجلا فى هزمة «٢» بين ظهرى بنى بياضة يقال لها الخضمات، وقيل أول من جمع فيها مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف فى دار سعد بن خيثمة، قبل مقدم رسول الله- ﷺ .
أول من أفشى القرآن بمكة عبد الله بن مسعود
وكان صاحب سواد رسول الله- أى أسراره- وصاحب وساده- أى فراشه- وسواكه ونعليه وطهوره فى السفر، وكان يستره اذا اغتسل، ويوقظه اذا نام، ويمشى معه فردين، ويلبسه نعليه، ويمشى أمامه بالعصا، واذا أتى مجلسا نزع نعليه وأدخلهما فى ذراعه، وكان يشبه به فى سمته وهديه «٣» .
أول من رمى بسهم فى سبيل الله
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عمر بن عون عن خالد ابن أبى عبد الله عن اسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم قال: سمعت سعدا يقول: انى لاول رجل من العرب رمى بسهم فى سبيل الله، ولقد كنا نغدو مع رسول الله- ﷺ ومالنا طعام الا ورق الشجر، حتى ان أحدنا ليضع كما يضع البعير ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تغمزنى على الدين، لقد خبت اذا وضل عملى، وكانوا وشوا به الى عمر وقالوا: لا يحسن ان يصلّى.
стр. 205
وأما أول من رمى من عسكر المسلمين يوم أحد فقزمان وكان من المنافقين، وعظم بلاؤه يومئذ، وجرح فقيل له: لتهنك الشهادة. فقال: والله ما قاتلت للشهادة، ولكن للحفاظ. فقال رسول الله: ان الله ليؤيد دينه بالرجل الفاجر.
ومما يجرى مع هذا ما أخبرنا به أبو القاسم عن العقدى أبى عرفه عن عيسى بن يونس عن عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن أبى سلام الدمشقى عن خالد بن يزيد الجهنى قال: كنت رجلا راميا، وكان يمر بى عقبة بن عامر الجهنى فيقول: أخبرك بما قال لى رسول الله- ﷺ ؟ فأتيته فقال: قال رسول الله- ﷺ يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه محتسب فى صنعته الخير، والرامى به، ومناوله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا، وليس اللهو إلا فى ثلاث: تأديب «١» الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بنبله، ومن ترك الشىء بعد ما علمه رغبة عنه، فانها نعمة كفرها.
أول من استشهد فى الإسلام الحارث بن أبى هالة
أخبرنا أبو القاسم بن سيران عن عبد الرحمن بن جعفر عن العلاء عن بشر بن حجر الشامى عن على بن منصور الانبارى عن شرقى بن القطامى قال: أول قتيل فى الاسلام الحارث بن أبى هالة، وكانت أمه خديجة قد ولدت الحارث وهندا ابنى أبى هالة، وذلك ان رسول الله- ﷺ لما أمر أن يصدع بما يؤمر قام فى المسجد الحرام فقال: قولوا لا اله الا الله تفلحوا، فوثبت عليه قريش، فأتى الصريخ أهله، فكان أول من أتاه الحارث بن أبى هالة، فضرب فى القوم ففرقهم عنه، ثم عطفوا عليه فضربوه حتى قتلوه، وقال غيره: أول من استشهد فى الاسلام سمية أم عمار، طعنها أبو جهل فى فرجها فقتلها حين أظهرت الاسلام.
стр. 206
أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون «١»
أخبرنا أبو أحمد عن عبد الله بن الفضل عن ابراهيم عن الواقدى عن رجاله وعن الجوهرى عن أبى زيد عن شيوخه قالوا: أول من مات من المهاجرين، وأول من دفن بالبقيع، عثمان بن مظعون، فدخل رسول الله- ﷺ وقد مات وجعل فى أثوابه، فقالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب، انى شاهدة ان الله قد أكرمك، فقال رسول الله- ﷺ وما يدريك؟ فقالت: يا رسول الله لا أدرى فمه؟ فقال: انى أرجو له الجنة، ولا أدرى ما يفعل بى وأنا رسول الله، قالت: فو الله لا أزكى بعده أحدا أبدا، ثم لحد له رسول الله- ﷺ وفصل حجرا من حجارة لحده، فوضعه عند رجليه، فمر مروان حين ولى فأمر به فنحى، وقال: والله لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجر يعرف به، وليس على قبر عثمان بن عفان حجر يعرف به. فلامته بنو أمية، وقالوا: عمدت الى حجر وضعه رسول الله فأزلته، وأمروا به أن يرد، فقال: والله إذ رميت به لا يرد، فى كلام هذا معناه.
أول من أتى أرض الحبشة من المهاجرين حاطب بن عمرو
وكانت الى الحبشة هجرتان، والى المدينة هجرة واحدة، قالوا: لما أظهر رسول الله- ﷺ الدعاء الى الاسلام، اشتد كياد المشركين عليه، وعلى من أسلم من قبائلهم، فأمر رسول الله بالخروج الى الحبشة، فخرجوا اليها، فكان أول من أتاها حاطب بن عمرو، أخو سهيل بن عمرو، فلما هاجر الى المدينة، لحقوا به.
أخبرنا أبو احمد عن عبد الله عن الفضل عن الواقدى قال، قالوا: لقى عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- اسماء بنت عميس، وكانت من المهاجرين الى الحبشة، وقال لها: سبقناكم بالهجرة، فقالت: بل نحن
стр. 207
سبقناكم بها مرتين، وشركناكم فى الثالثة، ثم قالت: لعمرى لقد كنا الطرداء، وكنتم أنتم مع رسول الله فى عشائركم، يطعم جائعكم، ويعلم جاهلكم، ويؤمن مخائفكم، فسكت عنها عمر.
أول من قدم من المهاجرين الى المدينة
أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم عامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وهى أول ظعينة «١» قدمت المدينة.
أول من ضرب على يد رسول الله ليلة العقبة البراء بن معرور
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن الواقدى فى خبر طويل، قال: اجتمع الانصار مع رسول الله- ﷺ على البيعة، فقالوا: اننا نخاف ان أعزك الله وأظهرك، ان ترجع الى قومك وتدعنا، فقال النبى: الدم الدم، الهدم الهدم، أى دمى دمكم ما قمتم به قمت معكم، وما هدمتم هدمته، فلما أرادوا البيعة قال العباس: يا معشر الخزرج، انما تبايعون هذا الرجل على حرب الأسود والاحمر، فان كنتم اذا أنهكت «٢» أموالكم، وقتلت أشرافكم، أسلمتموه فمن الآن: قالوا: فانا نقبله على مصيبة الأموال، وقتل الاشراف قال: فأخذ العباس بيد رسول الله- ﷺ وقال: يا معشر الانصار، أخفوا جرسكم فان علينا عيونا، وقدموا ذوى أسنانكم فانا نخاف أقوامكم عليكم، فاذا بايعتم فتفرقوا فى رحالكم، فاكتموا أمركم، فان طويتم هذا الأمر حتى يتصدع «٣» هذا الموسم فأنتم الرجال، وأنتم لما بعد اليوم. فقال البراء بن معرور: والله عندنا كتمان ما تحب، واظهار ما تحب، وبذل مهجنا رضاء ربنا، إنا أهل
стр. 208
حلقة وافرة «١» ، واهل منعة، «٢» وعز، وكنا على ما كنا عليه من عبادة ونحن كذلك، فكيف اليوم؟ وقد بصرنا الله ما عمى على غيرنا، وأيدنا بمحمد، أبسط يدك. فكان أول من ضرب يده على يد رسول الله للبيعة فى كلام هذا معناه.
وقالوا: أول من ضرب على يده أبو الهيثم بن التيهان، وكان أحد الخطباء. أخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر بن دريد عن على العكلى عن ابى خالد عن الهيثم بن عدى قال: قام أبو الهيثم بن التيهان خطيبا بين يدى على بن أبى طالب- ﵇ فقال: ان حسد قريش اياك على وجهين، أما خيارهم فتمنوا ان يكونوا مثلك، منافسة فى الملأ، وارتفاع الدرجة، وأما شرارهم فحسدوك حسدا أثقل القلوب وأحبط الاعمال، وذلك أنهم رأوا عليك نعمة قدمك اليها الحظ، وأخرهم عنها الحرمان، فلم يرضوا ان يلحقوك حتى طلبوا ان يسبقوك، فبعدت عليهم والله الغاية، واسقط المضمار، «٣» فلما تقدمتهم بالسبق، وعجزوا عن اللحاق، بلغوا منك ما رأيت، وكنت والله أحق قريش بشكر قريش، نصرت نبيهم حيا، وقضيت عنه الحقوق ميتا، والله ما بغيهم الا على أنفسهم، ولا نكثوا الا بيعة الله، يد الله فوق أيديهم، فها نحن معاشر الانصار، أيدينا وألسنتنا لك، فأيدينا على من شهد، والسنتنا على من غاب.
أول من أذن فى الاسلام بلال (رضى الله عنه)
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن حاتم عن هيثم عن بشر عن أبى عمير عن أنس عن عمومته من الأنصار وعن غير هؤلاء قالوا:
اهتم رسول الله- ﷺ بجمع الناس للصلاة فقال بعضهم: انصب راية،
стр. 209
وذكر بعضهم الشبور، «١» وبعضهم الناقوس، فلم يعجبه ذلك، ثم أتاه عبد الله بن زيد الانصارى وقال: انى لبين النائم واليقظان، فرأيت رجلا عليه ثوبان أخضران، قام فأذن ثم قعد، ثم قام فقال مثلها، الا أنه قال: قد قامت الصلاة، فقال رسول الله- ﷺ ، علمها بلالا، فكان بلال يؤذن، فاذا غاب أذن ابن أم مكتوم، واذا غاب اذن أبو محذورة، قال الشاعر:
كلّا وربّ الكعبة المستوره ... وما تلا محمّد من سوره
والنّغمات من أبى محذوره
فقال رسول الله: (إذا أذن بلال فلا يطعم أحد. واذا أذن عمرو فكلوا واشربوا فانه ضرير البصر) فاستدل بعض الفقهاء بهذا على جواز أذان الفجر قبل طلوع الفجر.
أخبرنا بعض أصحابنا قال: استقضى بعض العلويين بواسط فجمع الفقهاء ليتناظروا فى مجلسه، فقال بعضهم: ما الدليل على جواز أذان الفجر قبل طلوع الفجر؟ فقال: قول النبى- ﷺ (إذا أذن بلال فلا يطعم أحد واذا أذن عمرو فكلوا واشربوا) قال: فهذا دليل على أنه كان يؤذن قبل طلوع الفجر، قال: فقال القاضى: أليس قول النبى: ﷺ (على منى كهارون من موسى) دليلا على أن اذان الفجر لا يجوز قبل طلوع الفجر، قال: فقلت له:
ما أنكرت ان قول النبى (اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر) وقول الله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
السورة، وقول على (لا رأى لمن لا يطاع) وكل خبر يروى، وكل اية نزلت دليل على جواز اذان الفجر قبل طلوع الفجر، قال: وارتج المجلس ضحكا، والقاضى مبهوت لا يدرى ما قال، وما قلت له، فقمت وقلت: أنزل الله القضاء على من ولاك القضاء.
стр. 210
أول مولود ولد فى الاسلام قبل الهجرة عبد الله بن عمر
وأمه زينب بنت مظعون الجمحى، تزوجها عمر فى الجاهلية فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن الاكبر، وحفصة، وكان عبد الله ممن لم يدخل فى الفتنة، «١» وممن لا يرى طلاق المكره، وكان اذا اغتسل من الجنابة غسل داخل عينيه حتى ذهب بصره، فاذا توضأ غسل بيده الى منكبه، ودخل على بعض الأمراء فأحضر له بربطا، «٢» فقال: أتعرف هذا يا أبا عبد الرحمن؟ فقال نعم.
هذا ميزان جيرانى، وذلك من سلامة قلبه.
وأعجب من غسل عبد الله داخل عينيه من الجنابة صنيع أنس بن مالك، وأبى طلحة الانصارى أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن المغيرة بن محمد عن على بن محمد بن سليمان النوفلى عن أبيه قال: قلت لعيسى بن جعفر: وهو والى البصرة، لو أحضرت عدة من الفقهاء والأدباء، وأطايب الناس مجلسك فى كل أسبوع يوما، فتغدوا عندك وتذاكروا الفقه والآثار وأخبار الناس، فتستفيد معرفة وذكرا حسنا، فقال: اختر لى منهم عشرة، واقبض كل شهر الف درهم، وفرقه فيهم، فلما حضروا تذاكروا أنس بن مالك، فقلت: ولاه الحجاج نيسابور من أرض فارس، فأقام فيها سنتين يقصر الصلاة ويفطر، ويقول: ما أدرى كم مقامى ومتى يوافينى العزل، فانكر عيسى ذلك، فتبادر القوم بالأسانيد بصحته، فقلت: أعجب من هذا صنيع أبى طلحة الانصارى، كان يأكل البرد فى شهر رمضان، ويقول: ليس بطعام ولا شراب، فأنكره عيسى، فتبادر القوم بالأسانيد، فقال حماد بن زيد: كأنك تحب أن تذكر مساوىء أصحاب رسول الله- ﷺ فقلت: والله ما قصدت ذلك، ولا أبغضت واحدا منهم، ولكنى أعلمك أنك على خطأ اذا حدثت عن النبى أنه قال: (أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) فترسل هذا ولا توضحه
стр. 211
فيسمعه من لا يدرى، فيفعل فعل أبى طلحة وأنس، فيكون الاثم عليك. وانما عنى- ﷺ العلماء منهم، مثل عمر وعلى وابن مسعود ومعاذ بن جبل ومن شابههم، لا على الجمهور.
أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة عبد الله بن الزبير
أخبرنا أبو احمد باسناده عن الواقدى عن مصعب بن ثابت عن أبى الاسود قال: لما قدم المهاجرون المدينة أقاموا لا يولد لهم مولود، فقالوا:
سحرهم اليهود، فكان أول مولود ولد فى الاسلام من المهاجرين عبد الله بن الزبير، قال: فكبر الناس تكبيرة ارتجت منها المدينة، وفرحوا، وكان الزبير يهنأ به وأبو بكر، وكانت ولادته فى شوال لعشرين شهرا من الهجرة، فحنكه «١» رسول الله- ﷺ بتمرة، وأمر ان يؤذن فى أذنه بالصلاة، فأذن أبو بكر فيها، وكان عبد الله بن الزبير أحد فضلاء الناس، عقلا وحزما وشجاعة وبيانا غير أنه كان بخيلا متناهى البخل.
أخبرنا أبو أحمد عن دريد عن أبى حاتم قال: قرأت على أبى عبيد حديث مادر فضحك، وقال: تعجبى من العرب قد ضربت المثل فى البخل بمادر لفعلة تحتمل التأويل، وتركوا، مثل ابن الزبير، مع ما يؤثر عن لفظه وفعله من دقائق البخل، نظر وهو خليفة الى رجل يقاتل الحجاج على دولته وقد دق فى صدور أهل الشام ثلاثة أرماح، فقال: اعتزل حربنا فان بيت المال لا يقوى على هذا، وقال فى تلك الحرب لجنده أكلتم تمرى وعصيتم أمرى، سلاحكم رث، «٢» وحدثكم غث،»
عيال فى الجدب، أعداء فى الخصب، وقال لرجل كان يتعاطى بيع الرقيق: ما أشد إقدامك على ركوب الغرر، وإضاعة المال، قال بماذا؟ قال: بضاعتك هذه الملعونة، قال: ومالها؟ قال: من ضمان
стр. 212
نفس، ومؤونة ضرس، قال: وسمع ان مالك بن الأشعر الدارمى من بنى مازن أكل من بعيره وحده، وحمل ما بقى منه على ظهره، فقال: دلونى على قبره حتى أنبشه، وقال لرجل أتاه مجتديا، وقد أبدع به فشكا اليه حفاء ناقته، فقال: اخصفها بهلب، وارفعها بسبب، وانضح خفها بالماء، وأعد بها يبرد خفها، «١» فقال يا أمير المؤمنين: جئتك مستوصلا لا مستوصفا، «٢» فلا بقيت ناقة حملتنى اليك! فقال: ان وصاحبها «٣» .
قال: فلو تكلف الحارث بن كلدة طبيب العرب، ومالك بن زيد مناة، وحنيف الحناتم آبل العرب، ما تكلفوا تكلف هذا الخليفة فى وصف علاج ناقة الأعرابى.
وكان يأكل فى سبعة أيام أكلة، ويقول فى خطبة: انما بطنى شبر فى شبر فما عسى أن يكفينى؟ فقال فيه الشاعر: «٤»
لو كان بطنك شبرا كان قد شبعت ... وكنت أفضلت فضلا للمساكين
فان يصبك من الأيام جائحة ... لم أبك منك على دنيا ولا دين
والمادر رجل من بنى هلال بن عامر بن صعصعة سقى إبله فبقى فى أسفل الحوض ماء قليل، فأحدث فيه، ومدر «٥» الحوض به لئلا ينتفع به أحد فسمى
стр. 213
مادرا، وذكر أن بنى فزارة وبنى هلال سافروا إلى أنس بن مدرك الخثعمى، فقالت بنو عامر: يابنى فزارة أكلتم أير الحمار، فقالوا: أكلناه ولم نعرفه، وحدثت أن ثلاثة نفر اصطحبوا. فزارى وتغلبى. وكلابى. وصادوا حمارا ومضى الفزارى فى حاجة. فطبخا وأكلا، وخبآ للفزارى جردان «١» الحمار، فلما رجع قالا قد خبأنا لك، فجعل يأكل ولا يكاد يسيغه، وجعلا يضحكان، ففطن وقال: آكل سواء العير وحومانه؟ وحومان الحمار جردانه، ثم أخذ السيف وقال: لتأكلانه والا قتلتكما وقال لاحدهما وكان اسمه مرقمة، كل فأبى، فضربه فأبان رأسه، «٢» فقال الآخر: طاح مرقمة، فقال: وأنت ان لم تلقمه، أراد ان تلقمها، فلما ترك الألف، ألقى الفتحة على الميم كما قالوا:
ويل أم الحيرة وأى رجال به أى بها، قال الكميت بن ثعلبة.
نشدتك يا فزار وأنت شيخ ... اذا خيّرت تحطىء فى الخيار
أصيحانيّة «٣» أدمت بسمن ... أحبّ إليك من أير الحمار
بلى أير الحمار وخصيتاه ... أحبّ الى فزارة من فزارى
فقالت بنو فزارة: ولكن لكم يا بنى هلال من فرى حوضه وسقى إبله، فلما رويت سلح فيه ومدره بخلا أن يشرب غيره منه، فقضى أنس بن مدرك على الهلاليين.
وباسناد لنا أن رجلا تقاضى فزاريا دينا له عليه، فقال له الفزارى:
ما أعطيتك أير حمار. فقال له: بورك لكم فى أير الحمار تأكلونه اذا جعتم
стр. 214
وتقضون ديونكم اذا استدنتم.
أول مولود ولد من الأنصار النعمان بن بشير لاربع وعشرين شهرا من الهجرة
أخبرنا أبو احمد باسناده عن الواقدى قال: قالوا: أتى النبى- ﷺ بالنعمان بن بشير اليوم السابع من مولده، وعليه شعر البطن، فأمر بحلقه، وقال: عقوا عنه بشاة، وتصدقوا بزنة شعره على المساكين، فهو أول من تصدق بزنة شعره.
أول مولود ولد بالبصرة عبد الرحمن بن أبى بكرة «أول من لاعن فى الاسلام هلال بن أمية الواقفى»
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى داود عن عباد ابن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
«١» قال: سعد بن عبادة: يا رسول الله، أهكذا أنزلت؟ فلو وجدت لكاعا. متفخذها رجل لم يكن لى أن أخبركم حتى آتى بأربعة شهداء؟ فو الله لا آتى بهم حتى يقضى حاجته، فقال رسول الله- ﷺ : يا معشر الانصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: لا تلمه، فانه رجل غيور، والله ما تزوج قط الا عذراء، ولا طلق امرأة فاجترأ رجل منا ان يتزوجها، فقال سعد: والله يا رسول الله، إنى لأعلم أنها حق، قال: فان رسول الله لكذلك إذ جاء هلال بن أمية الواقفى فقال: انى جئت البارحة عشاء الى حائط لى، فرأيت مع أهلى رجلا، فكره رسول الله- ﷺ ما جاء به، وقيل تجلد، وتبطل فى المسلمين فقال هلال: يا رسول الله، انى لأجد فى وجهك كراهة ما جئت به، وإنى أرجو أن يجعل الله لى فرجا، فان رسول الله- ﷺ لكذلك اذ نزل عليه الوحى،
стр. 215
وكان اذا نزل عليه الوحى يربد «١» وجهه وجسده لذلك، وأمسك عنه أصحابه، فلم يكلمه، أحد.
فلما رفع الوحى قال: يا هلال أبشر، فقد جعل الله لك فرجا، ثم قال:
ادعوها فدعيت، فقال: ان الله جل ثناؤه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب، فقال هلال: ما قلت الا حقا، وقالت هى: كذب.
فقيل لهلال: أشهد فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين وقيل له فى الخامسة: اتق الله، فان عذاب الله أشد من عذاب الناس، وان هذه توجب عليك العذاب، قال لا يعذبنى الله عليها أبدا كما لم يجلدنى عليها، فشهد الخامسة ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين، وقيل لها: اشهدى فشهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتق الله، فان عذاب الله أشد من عذاب الناس، وان هذه توجب عليك العذاب، فصبرت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومى، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين، وقضى رسول الله- ﷺ الا ترمى ولا يرمى ولدها، ومن رماها ورمى ولدها جلد الحد، وليس عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يتفرقان بغير طلاق ولا هو متوفى عنها.
وقال رسول الله- ﷺ أبصروها، فان جاءت به أشبح أصهب «٢» أرسح أحمش الساقين «٣» فهو لهلال بن أمية، وان جاءت به خدلج الساقين، «٤» سابغ الاليتين، أورق «٥» جعدا «٦» جماليا فهو لصاحبه، فجاءت به
следующие страницы →