Полный текст (423 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فيسمعه من لا يدرى، فيفعل فعل أبى طلحة وأنس، فيكون الاثم عليك. وانما عنى- ﷺ العلماء منهم، مثل عمر وعلى وابن مسعود ومعاذ بن جبل ومن شابههم، لا على الجمهور.
أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة عبد الله بن الزبير
أخبرنا أبو احمد باسناده عن الواقدى عن مصعب بن ثابت عن أبى الاسود قال: لما قدم المهاجرون المدينة أقاموا لا يولد لهم مولود، فقالوا:
سحرهم اليهود، فكان أول مولود ولد فى الاسلام من المهاجرين عبد الله بن الزبير، قال: فكبر الناس تكبيرة ارتجت منها المدينة، وفرحوا، وكان الزبير يهنأ به وأبو بكر، وكانت ولادته فى شوال لعشرين شهرا من الهجرة، فحنكه «١» رسول الله- ﷺ بتمرة، وأمر ان يؤذن فى أذنه بالصلاة، فأذن أبو بكر فيها، وكان عبد الله بن الزبير أحد فضلاء الناس، عقلا وحزما وشجاعة وبيانا غير أنه كان بخيلا متناهى البخل.
أخبرنا أبو أحمد عن دريد عن أبى حاتم قال: قرأت على أبى عبيد حديث مادر فضحك، وقال: تعجبى من العرب قد ضربت المثل فى البخل بمادر لفعلة تحتمل التأويل، وتركوا، مثل ابن الزبير، مع ما يؤثر عن لفظه وفعله من دقائق البخل، نظر وهو خليفة الى رجل يقاتل الحجاج على دولته وقد دق فى صدور أهل الشام ثلاثة أرماح، فقال: اعتزل حربنا فان بيت المال لا يقوى على هذا، وقال فى تلك الحرب لجنده أكلتم تمرى وعصيتم أمرى، سلاحكم رث، «٢» وحدثكم غث،»
عيال فى الجدب، أعداء فى الخصب، وقال لرجل كان يتعاطى بيع الرقيق: ما أشد إقدامك على ركوب الغرر، وإضاعة المال، قال بماذا؟ قال: بضاعتك هذه الملعونة، قال: ومالها؟ قال: من ضمان
стр. 212
نفس، ومؤونة ضرس، قال: وسمع ان مالك بن الأشعر الدارمى من بنى مازن أكل من بعيره وحده، وحمل ما بقى منه على ظهره، فقال: دلونى على قبره حتى أنبشه، وقال لرجل أتاه مجتديا، وقد أبدع به فشكا اليه حفاء ناقته، فقال: اخصفها بهلب، وارفعها بسبب، وانضح خفها بالماء، وأعد بها يبرد خفها، «١» فقال يا أمير المؤمنين: جئتك مستوصلا لا مستوصفا، «٢» فلا بقيت ناقة حملتنى اليك! فقال: ان وصاحبها «٣» .
قال: فلو تكلف الحارث بن كلدة طبيب العرب، ومالك بن زيد مناة، وحنيف الحناتم آبل العرب، ما تكلفوا تكلف هذا الخليفة فى وصف علاج ناقة الأعرابى.
وكان يأكل فى سبعة أيام أكلة، ويقول فى خطبة: انما بطنى شبر فى شبر فما عسى أن يكفينى؟ فقال فيه الشاعر: «٤»
لو كان بطنك شبرا كان قد شبعت ... وكنت أفضلت فضلا للمساكين
فان يصبك من الأيام جائحة ... لم أبك منك على دنيا ولا دين
والمادر رجل من بنى هلال بن عامر بن صعصعة سقى إبله فبقى فى أسفل الحوض ماء قليل، فأحدث فيه، ومدر «٥» الحوض به لئلا ينتفع به أحد فسمى
стр. 213
مادرا، وذكر أن بنى فزارة وبنى هلال سافروا إلى أنس بن مدرك الخثعمى، فقالت بنو عامر: يابنى فزارة أكلتم أير الحمار، فقالوا: أكلناه ولم نعرفه، وحدثت أن ثلاثة نفر اصطحبوا. فزارى وتغلبى. وكلابى. وصادوا حمارا ومضى الفزارى فى حاجة. فطبخا وأكلا، وخبآ للفزارى جردان «١» الحمار، فلما رجع قالا قد خبأنا لك، فجعل يأكل ولا يكاد يسيغه، وجعلا يضحكان، ففطن وقال: آكل سواء العير وحومانه؟ وحومان الحمار جردانه، ثم أخذ السيف وقال: لتأكلانه والا قتلتكما وقال لاحدهما وكان اسمه مرقمة، كل فأبى، فضربه فأبان رأسه، «٢» فقال الآخر: طاح مرقمة، فقال: وأنت ان لم تلقمه، أراد ان تلقمها، فلما ترك الألف، ألقى الفتحة على الميم كما قالوا:
ويل أم الحيرة وأى رجال به أى بها، قال الكميت بن ثعلبة.
نشدتك يا فزار وأنت شيخ ... اذا خيّرت تحطىء فى الخيار
أصيحانيّة «٣» أدمت بسمن ... أحبّ إليك من أير الحمار
بلى أير الحمار وخصيتاه ... أحبّ الى فزارة من فزارى
فقالت بنو فزارة: ولكن لكم يا بنى هلال من فرى حوضه وسقى إبله، فلما رويت سلح فيه ومدره بخلا أن يشرب غيره منه، فقضى أنس بن مدرك على الهلاليين.
وباسناد لنا أن رجلا تقاضى فزاريا دينا له عليه، فقال له الفزارى:
ما أعطيتك أير حمار. فقال له: بورك لكم فى أير الحمار تأكلونه اذا جعتم
стр. 214
وتقضون ديونكم اذا استدنتم.
أول مولود ولد من الأنصار النعمان بن بشير لاربع وعشرين شهرا من الهجرة
أخبرنا أبو احمد باسناده عن الواقدى قال: قالوا: أتى النبى- ﷺ بالنعمان بن بشير اليوم السابع من مولده، وعليه شعر البطن، فأمر بحلقه، وقال: عقوا عنه بشاة، وتصدقوا بزنة شعره على المساكين، فهو أول من تصدق بزنة شعره.
أول مولود ولد بالبصرة عبد الرحمن بن أبى بكرة «أول من لاعن فى الاسلام هلال بن أمية الواقفى»
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى داود عن عباد ابن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
«١» قال: سعد بن عبادة: يا رسول الله، أهكذا أنزلت؟ فلو وجدت لكاعا. متفخذها رجل لم يكن لى أن أخبركم حتى آتى بأربعة شهداء؟ فو الله لا آتى بهم حتى يقضى حاجته، فقال رسول الله- ﷺ : يا معشر الانصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: لا تلمه، فانه رجل غيور، والله ما تزوج قط الا عذراء، ولا طلق امرأة فاجترأ رجل منا ان يتزوجها، فقال سعد: والله يا رسول الله، إنى لأعلم أنها حق، قال: فان رسول الله لكذلك إذ جاء هلال بن أمية الواقفى فقال: انى جئت البارحة عشاء الى حائط لى، فرأيت مع أهلى رجلا، فكره رسول الله- ﷺ ما جاء به، وقيل تجلد، وتبطل فى المسلمين فقال هلال: يا رسول الله، انى لأجد فى وجهك كراهة ما جئت به، وإنى أرجو أن يجعل الله لى فرجا، فان رسول الله- ﷺ لكذلك اذ نزل عليه الوحى،
стр. 215
وكان اذا نزل عليه الوحى يربد «١» وجهه وجسده لذلك، وأمسك عنه أصحابه، فلم يكلمه، أحد.
فلما رفع الوحى قال: يا هلال أبشر، فقد جعل الله لك فرجا، ثم قال:
ادعوها فدعيت، فقال: ان الله جل ثناؤه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب، فقال هلال: ما قلت الا حقا، وقالت هى: كذب.
فقيل لهلال: أشهد فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين وقيل له فى الخامسة: اتق الله، فان عذاب الله أشد من عذاب الناس، وان هذه توجب عليك العذاب، قال لا يعذبنى الله عليها أبدا كما لم يجلدنى عليها، فشهد الخامسة ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين، وقيل لها: اشهدى فشهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتق الله، فان عذاب الله أشد من عذاب الناس، وان هذه توجب عليك العذاب، فصبرت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومى، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين، وقضى رسول الله- ﷺ الا ترمى ولا يرمى ولدها، ومن رماها ورمى ولدها جلد الحد، وليس عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يتفرقان بغير طلاق ولا هو متوفى عنها.
وقال رسول الله- ﷺ أبصروها، فان جاءت به أشبح أصهب «٢» أرسح أحمش الساقين «٣» فهو لهلال بن أمية، وان جاءت به خدلج الساقين، «٤» سابغ الاليتين، أورق «٥» جعدا «٦» جماليا فهو لصاحبه، فجاءت به
стр. 216
خدلج الساقين، سابغ الاليتين، أورق جعدا جماليا فهو لصاحبه، فجاءت به خدلج الساقين، سابغ الاليتين، أورق جعدا جماليا، فقال رسول الله: لولا الأيمان لكان لى ولها أمر.
أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن الواقدى عن عبد الحميد عن عمران ابن أنس عن أبيه قال: كان من ظاهر فى الجاهلية حرمت عليه امرأته آخر الدهر، وكان أول من ظاهر فى الاسلام أوس ابن الصامت، وكان به لمم، «١» لاحى «٢» امرأته خولة بنت ثعلبة، فقال لها: أنت على كظهر أمى، فسألت رسول الله- ﷺ فقال: ما أراك الا قد حرمت عليه، فجادلته مرارا، ثم دعت الله، فأنزل الله تعالى قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ
«٣» الى آخر القصة.
فقال لها رسول الله: مريه فليعتق رقبة، قالت: من أين يجدها؟ والله ما له خادم غيرى، قال: فليصم شهرين متتابعين، قالت: لا يطيق انه لكالحرساه، «٤» قال: فليطعم ستين مسكينا، قالت: وأنى له ذلك؟ انما هى وجبة، قال: فليأت أم المنذر- وكان عندها تمر الصدقة- فليأخذ شطر وسق، فليتصدق به على ستين مسكينا، ففعل، وكان يطعم كل مسكين مدين، هذا معنى الحديث.
стр. 217
أول من رجم فى الاسلام ماعز أول من استقبل القبلة حيا وميتا البراء بن معرور أول ما نسخ من الشريعة أمر القبلة
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: اختلف الناس فقال بعضهم: لم يزل رسول الله- ﷺ يسجد نحو بيت المقدس، ويجعل الكعبة وراء ظهره، وقال بعضهم: لم يستقبل الكعبة حتى أتى المدينة فجعل يصلّى الى بيت المقدس، لئلا تكذب به اليهود اذا صلّى الى غير قبلتهم مع ما يجدون من نعته، فصلّى إليه سبعة عشر شهرا، وقالوا ستة عشر شهرا، ثم سأل الله أن يحوله الى الكعبة فأنزل الله فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
«١» ففعل، وكان ذلك أول ما نسخ من الشريعة.
فقالت قريش: قد تردد على محمد أمره، وقد توجه اليكم، وهو راجع الى دينكم، وشق على اليهود توليه عن بيت المقدس، فقال حيى بن أخطب للمسلمين: ان كانت صلاتكم الى بيت المقدس هدى، فقد رجعتم عنه، وان كانت ضلالا، فقد مات عليها جماعة منكم، أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وغيرهما، فانزل الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
«٢» وكانت الانصار تصلّى الى بيت المقدس قبل مقدم رسول الله- ﷺ بسنتين.
وأول من توجه الى الكعبة البراء بن معرور
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن عيسى عن عبد الله بن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن رسول الله- ﷺ قال: من سيدكم يا بنى سلمة قالوا: جد بن قيس،
стр. 218
قال: لم سودتموه؟ قالوا: لانه أكثرنا مالا، وإنا لنذمه بالبخل، قال: وأى داء أدوى «١» من البخل؟ بل سيدكم بشر ابن البراء بن معرور، وكان البراء أول من استقبل القبلة حيا، فبلغ النبى ﷺ ذلك، فأمره أن يستقبل بيت المقدس، فأطاع، حتى اذا حضرته الوفاة قال: وجهونى نحو المسجد الحرام، فلما قدم رسول الله المدينه صلّى الى بيت المقدس ثلاثة عشر شهرا، هكذا قال: ثم صرفت القبلة الى البيت الحرام فى جمادى والبراء أول من صلّى عليه رسول الله- ﷺ من المسلمين.
أول ما حرمت الخمر أول من جلد فيها عبد الله بن الحمار
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن احمد بن عبد الرحمن القرشى عن الوليد بن مسلم عن مرزوق بن أبى الهذيل وغيره أنهم سمعوا ابن شهاب يحدث، أن أول آية نزلت فى تحريم الخمر يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
«٢» الآية فتواعظ المسلمون فيما بينهم، وقالوا: من اتبع هواه لا يتركها حتى تحرم، فانزل الله تعالى لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
«٣» فانتهى بعضهم عنها ولم ينته بعض، فشرب سعد بن أبى وقاص مع رجال من بنى عمرو بن عوف، فسكروا فاقتتلوا، فكسروا أنف سعد، فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ
- إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
؟ «٤» فقال عمر: لننتهين، وكان عمر حرمها على نفسه قبل التحريم، وقال الواقدى: أول من أتى به رسول الله- ﷺ رجل يقال له عبد الله الحمار، قد شرب وسكر، فأمر فحثوا فى وجهه التراب، وضربوه بنعالهم، ثم أتى به الثانية، ففعل به مثل ذلك، والثالثة حتى ضربوه
стр. 219
مرارا، فقال عمر: اللهم العنه، فقال رسول الله ﷺ لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله، وكان يشترى الشىء يأتى به الرسول على أنه هدية، فاذا أكله وفرقه قال: يا رسول الله، هذا صاحبه، فأعطه ثمنه، فيضحك الرسول، ويأمر بارضاء صاحبه، هذا معنى الحديث.
وقيل أول من ضرب فى الخمر نعيمان والأول أصح.
أول فرس عقر فى الاسلام فرس جعفر بن أبى طالب
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجاله قالوا: وجه رسول الله- ﷺ جعفر بن أبى طالب سنة ثمان إلى مؤتة فى جيش فنزلوا معان، فلقوا جمعا للروم، معهم قوم متعربة من لخم وجذام ونهد «١» ، أو غيرهم، عليهم مالك بن زافلة، فالتقوا فعقر جعفر فرسه، ليعلم المشركين أنه الموت أو النصر، فكان أول فرس عقر فى الإسلام، ثم قتل جعفر، وأخذ الراية عبد الله بن رواحة فقتل، وقتل قطبة بن قتادة مالك بن زافلة فقال:
طعنت ابن زافلة الرّائش ... برمح مضى فيه ثمّ انحطم
ضربت بسيفى شرى سيفه ... فمال كما مال غصن السّلم
واجتمع الجيش الى خالد ابن الوليد، وانصرف ففتح الله عليه.
أول من استصبح فى مسجد رسول الله وأول من عمل المنبر تميم الدارى
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد وعن غير هؤلاء قالوا: كان رسول الله- ﷺ يشتكى رجله اذا قام وقعد من وجع يقال له الرجز، فقال له تميم الدارى: الا أعمل لك منبرا؟ قال: وكيف المنبر؟ وكان تميم الدارى رأى منابر
стр. 220
الكنائس بفلسطين، فقطع أثلا، وعمله وجعله درجتين ومقعدا، فتحول اليه رسول الله- ﷺ فحن الجذع فوضع يده عليه فسكت، ثم دفن تحت المنبر، ثم كتب معاوية الى مروان أيام خلافته أن يبعث اليه بمنبر رسول الله ﷺ ، فقطعه مروان، فأصابتهم ريح مظلمة بدت فيها النجوم، فتركه وزاد فيه ست درجات، فصار تسع درجات، وما زاد فيه أحد قبله ولا بعده «١» ، وتميم أول من استصبح فى مسجد رسول الله- ﷺ هكذا رواه لنا فى كتاب المدينة «٢» .
стр. 221
الباب الخامس فيما جاء من ذلك عن الملوك فى الإسلام
стр. 222
أول من بايع لولده معاوية وأشار عليه المغيرة بن شعبة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن الهيثم عن عدى عن الشعبى قال: كتب المغيرة بن شعبة الى معاوية حين كبر وخاف العزل، فكتب اليه معاوية، أما ما ذكرت من كبر سنك، فأنت أكملت عمرك، وأما ما ذكرت من اقتراب أجلك، فانى لو أستطيع دفع المنية لدفعتها عن آل أبى سفيان، وأما ما ذكرت من سفهاء قريش، فان حلماء قريش أنزلوك هذا المنزل، وأما ما ذكرت من العمل فصح رويدا تدرك الهيجاء جمل، فاستأذن معاوية فى القدوم فاذن له، فقال الربيع ابن هريم: فخرج المغيرة، وخرجنا معه إلى معاوية، فقال له: يا مغيرة! كبرت سنك، واقترب أجلك، ولم خرجنا معه الى معاوية، فقال له: يا مغيرة! كبرت سنك، واقترب أجلك، ولم يبق منك شئ، ولا أظننى الا مستبدلا بك، قال: فانصرف الينا، ونحن نعرف الكآبة فى وجهه، فقلنا ما يريد أن يصنع؟ قال: ستعلمون قال: فأتى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، ان الانفس يغدى عليها ويراح، فلو نصبت لنا علما نصير اليه، مع أنى قد دعوت أهل العراق الى يزيد فركنوا اليه، حتى جاءنى كتابك، فقال: يا أبا محمد، انصرف الى عملك، فأحكم هذا الأمر لابن أخيك، فأقبلنا على اليزيد فركض، فقال: يا مغيرة! وضعت رجلك فى ركاب طويل، ألقى على أمة محمد، قال: فذاك الذى دعا الى البيعة ليزيد «١» .
стр. 223
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعد عن أبيه قال: لما أراد معاوية ان يعقد البيعة ليزيد قال لاهل الشام:
أن أمير المؤمنين قد كبر، ودنا من أجله، فما ترون؟ وقد أردت أن أولى أمركم رجلا من بعدى، قالوا: عليك بعبد الرحمن بن خالد، فأضمرها، واشتكى عبد الرحمن بن خالد، فأمر ابن أثال طبيبا من عظماء الروم فسقاه شربة فمات، فبلغ معاوية موته، فقال: ما أنجد إلا من أنقص عنك من تكره، «١» وبلغ حديثه ابن أخيه خالد بن المهاجر، فورد دمشق مع مولى له، يقال له نافع: فقعد لابن أثال ليلا، فلما طلع منصرفا من عند معاوية شد عليه خالد، فضربه وقتله، فطلبهما معاوية فوجدهما، فقال لخالد: قتلته لعنك الله؟ قال: نعم، قتل المأمور وبقى الآمر، «٢» ولو كنا على سواء ما تكلمت بهذا الكلام، فضرب معاوية نافعا مائة سوط، وقضى فى ابن أثال بالدية باثنى عشر الف درهم، وأدخل بيت المال منها ستة آلاف، فكانت دية المعاهد مثل ذلك، حتى قام عمر بن عبد العزيز، فأبطل الذى كان يأخذه السلطان منها، وقال خالد حين رجع الى المدينة:
قضى لابن سيف الله «٣» بالحقّ سيفه ... وعرّى من جمل الدخول رواحله
فان كان حقّا فهو حقّ أصابه ... وان كان ظنّا فهو بالظّن فاعله
سل ابن أثال هل ثارت ابن خالد ... وهذا ابن جرموز فهل أنت قاتله
يقول لعروة بن الزبير، «٤» وقال كعب بن جعيل يرثى عبد الرحمن:
стр. 224
ألا تبكى وما ظلمت قريش ... بأعوال البكاء على فتاها
ولو سئلت دمشق وأرض حمص ... وبصرى من أباح لكم قراها
فسيف الله أدخلها المنايا ... وهدّم حصنها وحمى حماها
فأسكنها معاوية بن حرب ... وكانت أرضه أرضا سواها
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن سعيد بن عامر عن جورية ابن أسماء قال: لما أراد «١» لبيعة ليزيد كتب الى مروان وهو على المدينة فقرأ كتابه على الناس فقال: ان أمير المؤمنين قد كبر سنه، ورق عظمه، وخاف أن يأتيه أمر الله، فيدع الناس حيارى كالغنم، لا راعى لها، فأحب أن يعلم علما، ويقيم إماما بعده، فقيل: وفق الله أمير المؤمنين وسدده فليفعل، فكتب مروان اليه بذلك، فكتب، ان سم يزيد، فسماه، فقال عبد الرحمن بن أبى بكر، كذبت والله وكذب معاوية، لا يكون ذلك أبدا، أشبه الروم؟ كلما مات هرقل، قام هرقل، «٢» فقال مروان: هذا الذى قال الله فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
«٣» الآية فأنكرت عائشة عليه ذلك، وكتب مروان الى معاوية بذلك، فأقبل، فلما دنا من المدينة استقبله أهلها، فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن على، (رضى الله عنهم) وعبد الرحمن بن أبى بكر، فلما رآهم سبهم واحدا واحدا، «٤» ودخل المدينة،
стр. 225
وخرج هؤلاء الرهط، «١» معتمرين، ثم خرج معاوية حاجا، فاستقبلوه، فلما دخلوا عليه رحب بهم والطفهم، ثم أرسل اليهم يوما، فقالوا لابن الزبير: أنت صاحبه فكلمه، فلما دخلوا عليه دعاهم الى بيعة يزيد، فسكتوا، فقال:
أجيبوني، فقال ابن الزبير: اختر خصلة من ثلاث: اما أن تفعل فعل رسول الله- ﷺ فلا تستخلف، او فعل أبى بكر نظر الى رجل من أعراض «٢» قريش، أو فعل عمر جعلها شورى فى ستة فقال: ألا تعلمون أنى كنت قد عودتكم من نفسى عادة أكره ان أمنعكم إياها حتى أبين لكم؟ انى كنت أتكلم بالكلام فتعرضون فيه، وتردون على، وإياكم ان تعودوا، وانى قائم فقائل مقالا لا يعارضنى فيه أحد منكم الا ضربت عنقه.
ثم وكل بكل واحد منهم رجلين، وقام خطيبا فقال: ان عبد الله بن عمر وابن الزبير والحسين بن على وعبد الرحمن بن أبى بكر قد بايعوا، فبايعوا، فابتدر الناس يبايعون حتى اذا فرغ ركب نجائبه، «٣» ومضى الى الشام، وأقبل الناس على هؤلاء يلومونهم، فقالوا: والله ما بايعنا ولكن فعل بنا ما فعل، هذا معنى الحديث.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: قدم معاوية حاجا فى عام واحد وخمسين، وأذن لمروان وقال: أشر على فى أمر الحسين، قال:
أرى أن تخرجه معك فتقطعه عن أهل العراق، وتقطعهم عنه، قال: أردت والله أن تستريح منه، ونحمل مؤنته، على أن ينال منى ما ينال منك فان انتقمت قطعت رحمه «٤» وان صبرت صبرت على أذاه، ثم أذن لسعيد بن العاص،
стр. 226
فقال: أشر على فى أمر الحسين قال: أرى أنك لا تخافه على نفسك، وانما تخافه على من بعدك، وأنت تدع له قرينا ان قاتله قتله، وان ماكره ماكره، فاترك حسينا بمنبت النخلة، يشرب من الماء، ويذهب فى الهواء، لا يبلغ عنان السماء، «١» قال: أصبت.
لأخبرنكم عنى يا بنى أمية: لن يبرح هذا الأمر فيكم ما عظمتم ملوككم، فاذا تمناها كل امرىء منكم لنفسه وثب بنو عبد المطلب فى أقطارها، «٢» وقال الناس: آل رسول الله- ﷺ ، فكانت الخلافة فيكم كحجر المنجنيق «٣» يذهب أمامه، ولا يرجع وراءه.
أول من وضع البريد فى الاسلام معاوية بن أبى سفيان وأحكم أمره عبد الملك
فقال لابن الزعيزعة: وليتك ما خلف بابى إلا أربعة: المؤذن فانه داع الى الله فلا حجاب عليه، وطارق الليل، فانه لو وجد خير لنام، والبريد متى جاء من ليل أو نهار فلا يحجب، وربما أفسد على القوم تدبير سنّتهم «٤» حبسهم البريد ساعة، والطعام اذا أدرك فافتح الباب وارفع الحجاب وخل بين الناس وبين الدخول، ومن هذا أخذ الشاعر قوله:
بابى خلائق خالد وفعاله ... الّا تجنّب كلّ أمر عائب
واذا حضرنا الباب عند غذائه ... اذن الغذاء لنا برغم الحاجب
وروى هذا الكلام عن زياد أيضا.
стр. 227
أول من سمى الغالية غالية معاوية أيضا
شمها من عبد الله بن جعفر وسأله عنها فوصفها له فقال: انها غالية، ويقال: انه شمها من مالك بن اسماء ابن خارجة، وكانت أخته هند أول من صنعتها، فسألها عنها فقالت: أخذته من شعرك.
أطيب الطّيب طيب أمّ أبان ... فأرمسك بعنبر مسحوق
خلطته بزنبق «١» ولبان ... فهو أحدى على اليدين شريق «٢»
وأنكر الجاحظ ذلك وقال: نحن نجد فى أشعار الجاهلية ذكر الغالية وأنشد البيتين ونسبهما الى عدى، وذكر قول الهيثم. ان أربعة أشياء أتت قريشا والعرب من جهة الحبشة. الغالية، وحمل النساء اذا متن فى النعوش، والمصحف له دفتان، وصداق أربعمائة دينار.
قال: ولا أظن الهيثم يثبت فى هذا الحديث، وانما يؤتى الناس من ترك الثبت، وقلة المحاسبة، ولا يدفع التثبت والتحفظ من قريحة جيدة وقد قال الشاعر:
انّما تنفع التّجارب من كان عاقلا
قد علمنا ان ولد هارون النبى من اليهود كانوا طبقوا الحجاز وقرى العربية، وما زالوا يحملون موتاهم من الرجال والنساء فى النعوش، وما زالت التوراة فى أيديهم بين الدفتين، وأما الغالية: فمتى كانت الحبشة أصحاب عيش رقيق وتنعم فهل يعدلهم شىء آخر يشبه الغالية، ومعجونات العطر كلها عربية،
стр. 228
يدل على ذلك أن اسماءها كلها عربية صحيحة مثل الغالية والشاهرية والخلوق واللخلخة والعطن وهو العود المطرى والذريرة «١» ولو كانت عجمية لكانت أسماؤها معربة كما يقولون فى أسماء ألوان الطبيخ: مثل السكباج «٢» والدغياج والطباهجة «٣» والمصوص «٤» بالفارسية مزرور والمردون- وهو السميط- «٥» والسميط بالفارسية روا قال: والخلوق «٦» وهو مما استعملته العرب قديما، وكان السيد منهم اذا قتل رجلا من غير رهطه، وكان أولياء الدم أعزاء، قالوا: اما ان يقتلك صاحبنا، واما أن تدفع الينا رجلا من رهطك شريفا نقيده «٧» به، فكان السيد يعمد الى رجل شريف فيلبسه أجود لباس ويخلقه ويزفه اليهم، فان وجدوه كفؤا قتلوه، أو عفوا عنه بعد القدرة. قال: فقتل حاجب بن زرارة مرار بن حنيفة فقالت قبائل دارم: إما أن تقتد بنفسك، واما ان تدفع الينا رجلا من رهطك، فأمر فتى من بنى زرارة من عدس أن يصير اليهم حتى يقاد، فمروا بالفتى على أمه مزينا مخلقا، «٨» فانشد أخوها:
تضمّخ بالخلوق وجهّزوه ... لناجز حتفه والسيّف دامى «٩»
وكان كظبية عترت ضلالا ... مكان الشّاة فى الشّهر الحرام «١٠»
وهذا مثل قول الحارث بن حلزة.
стр. 229
عنتا «١» باطلا فظلما كما ... تعتر عن حجرة الرّبيض الظّباء
وانما قال أخوها هذا القول لتجزع أمه فلعل حاجبا يدفع اليهم سواه، فقالت الام: ان حيضة وقت حاجبا الموت لعظيمة البركة، فجعلت ابنها حيضة فى جانب ما يدفع الأذى عن السيد.
أول من عمل المقصورة معاوية
قال العينى: رأى معاوية على منبره كلبا فأمر فاتخذ له المقصورة فى المسجد، وقالوا: أول من اتخذها مروان.
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن الواقدى عن عبد الحكم بن عبد الله بن المطلب بن عبد الله قال: أول من أحدث المقصورة فى المسجد مروان ابن الحكم، بناها بحجارة منقوشة وجعل لها كوى، وكان قد بعث ساعيا الى تهامة، فظلم رجلا يقال له دب، فجاء حتى قام حيث يريد مروان ان يصلّى، فطعنه بسكين معه، فلم يصنع شيئا، وأخذوه، وقالوا: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بعثت عاملك فأخذ مالى، فقلت أذهب الى الذى بعثه أقتله فهو أصل الظلم، فحبسه مروان حينا، ثم أمر به فاغتيل سرا، وأمر ببناء المقصورة وكان يصلّى فيها مخافة ان يصيبه ما أصاب عمر- رضى الله عنه.
أول من نقص التكبير وأول من خطب جالسا
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن رجاله عن ابراهيم عن الشعبى قال: أول من خطب جالسا معاوية، حين كثر شحمه وعظمت بطنه، وهو أول من نقص التكبير، وكان اذا قال «سمع الله لمن حمده» انحط الى السجود ولم يكبر، فعد الناس خطبته جالسا من البدع، حتى بعث عبد الملك
стр. 230
بن مروان حبيش بن دلجة فدعا بخبز ولحم فأكله على منبر رسول الله ﷺ ، ثم دعا بماء فتوضأ عليه، ودعا الناس الى بيعة عبد الملك فبايعوه كرها، ثم بعث ابن الزبير أخاه عروة فقتله.
أول ملك عبثت به رعيته واجترىء عليه أشد الاجتراء معاوية
أخبرنا أبو أحمد باسناده عن أبى زيد قال: بلغنى فيما روى فى ذلك ان معاوية لما حج قال شاب من قريش لمولى: ان أنت قمت الى معاوية، فسألته، من كان زوج أمه قبل أبى سفيان، فلك كذا، فقام الرجل اليه فقال: ليخبرنا أمير المؤمنين، من كان زوج أمه قبل أبى سفيان؟ قال: حفص بن المغيرة، فكلم ذلك الرجل عمرو بن الزبير بعد ذلك بكلام أغلظ له فيه، فأمر به فضرب حتى مات، فبلغ ذلك معاوية فتغيظ على عمرو، وهم به، فقيل هو الرجل الذى قام اليك بمكة، فقال كذا فقال: فأنا اذا قتلته وأنا أحق من وداه «١» .
أول من أقر التسليم على الملوك معاوية
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن عبد الله ابن عبد الصمد بن خداش عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعى عن التسليم على الأمراء فقال: أول من فعله معاوية، وأقره عمر بن عبد العزيز، قال الأوزاعى: انى لاكرهه لانه مفسدة لقلوبهم.
وكره من الداخل على الملك ان يسلم لأن التسليم يقتضى الرد، وليس ينبغى ان يخاطب الملك بما يوجب عليه كلفة رد، ورجع جواب، ألا ترى أنه لا ينبغى لاحد أن يسأله عن حاله؟ وعما بات عليه فى ليلته الا أن يكون طبيبا فيسأل عن ذلك ليكون علاجه له بحسبه، ولان التسليم أيضا مبتذل فى سائر الناس، وعادات الملوك مباينة لعادات الرعايا، فسبيل الداخل عليهم، إن كان من الاشراف أن يجرد عليهم الدعاء، ويخلص التمجيد والثناء، قائما بحيث
стр. 231
لا ينأى عنهم، ولا يقرب منهم، فان استدناه الملك، أكب على أطرافه فقبلها، ثم قام، فان أومأ «١» إليه بالقعود قعد، فان كلمه أجابه بانخفاض صوت، وقلة حركة وان سكت، نهض قبل أن يتمكن به المجلس بغير تسليم، ولا توديع ولا انتظار أمر.
وان كان من الطبقة الوسطى، فينبغى أن يقف نائيا عن الملك، وان استدناه دنا خطوات ثلاثة، فان استدناه ثانيا، دنا مثل ذلك، فان أومأ اليه بالقعود قعد مقعيا، «٢» أو جاثيا، وان كان فى دخوله محاذيا له عدل يمينا أو شمالا، ان أمكن ذلك، ثم ينحرف الى مجلسه، فاذا وقعت عينه عليه هرول اليه حتى يقف بين يديه، ويدعو قائما، وان سكت عنه انصرف ومشى القهقرى «٣» من غير سلام ولا كلام، وان أمكن ان يستتر بشىء عن نظره فعل، «٤» فاذا دخل اليه من يساويه فى السلطات فينبغى للملك ان يقوم اليه فيعانقه، ويجلس مجلسه، ويجلس دونه، فاذا انصرف مشى معه خطى يسيرة، ويدعو بدابته، ويأمر حشمه بالسعى بين يديه، ليفعل به مثل ذلك اذا كان فى مثل حاله.
ومن حضر طعام الملك فينبغى ان يقلل الاكل غاية الاقلال، حتى يأكل كما تأكل الطير، فانما يراد بمواكلة الملوك التشريف لا الشبع.
وروى ان سابور ذا الاكتاف أراد أن يولى رجلا قضاء القضاة، فأحضره طعامه، فأكل أكلا واسعا، فلما فرغ قال له: انصرف فان من شره بين يدى الملوك كان الى مال الرعية أشره،.. ودعا المنصور فتى من بنى هاشم الى
стр. 232
طعامه فقال: قد أكلت، فعدل به الربيع فضربه ثلاثين مقرعة، فعاتبه المنصور فقال: ان هذا كان يقف فى النظارة فاستدناه أمير المؤمنين، حتى دعاه الى طعامه، فظن أن ذلك يراد به الشبع، وأغفل ما فيه من التشريف، فأدبته على سوء تمييزه، فشكر له المنصور وأجازه.
ومن يدنه الملك لمنادمته ينبغ أن ينادمه على حسب عادة الملك فى ذم نفسه، وارسالها عند الشرب، «١» ولا يسأله حاجة اذا سكر، فان ذلك يجرى مجرى الخداع، واذا أراد أن يقوم لحاجة فينبغى أن يلاحظ الملك، فان نظر اليه قام مائلا، فان نظر اليه مضى. وان عاد وقف أبدا، حتى اذا نظر إليه قعد مقعيا أو جاثيا، فإذا نظر إليه تمكن، وليس له ان يختار كمية الشرب وكيفيته، وعلى الملك أن يأمر بالكف عنه اذا بلغ الكفاية، ولا يكلفه فوق وسعه، فإن من يجاوز حد العدل على الخاصة، لم تطمع العامة فى انصافه، واذا كان من اسم الداخل على الملك بعض صفات الملك، فسأله الملك عن اسمه، فينبغى ان يكنى عنه، ويصف الملك بتلك الصفة، ... دخل سعيد بن مرة الكندى على معاوية فقال له: أنت سعيد؟ قال: أمير المؤمنين السعيد، وأنا ابن مرة، وقيل للعباس بن عبد المطلب: أنت أكبر أم رسول الله- ﷺ ؟ فقال:
رسول الله أكبر منى، وأنا أسن منه.
واذا حدثه الملك بحديث فينبغى أن يصرف فكره وذهنه نحوه، ويظهر السرور بالفائدة منه، روى أن بعضهم ساير أنوشروان، فقال له أنو شروان:
حدثنى حديث كذا، وكان يعرفه، فأنكر معرفته، وأخذ أنو شروان يحدثه الحديث، وأصغى اليه بجوارحه كلها، وكان سيرهما على شاطىء نهر فأغفل الرجل النظر الى مواطىء دابته، فمالت به الى النهر، فابتدره الحاشية وأخرجوه
стр. 233
فقال له: كيف غفلت عن مواطىء دابتك؟ فقال: ان الله اذا أنعم على رجل بنعمة قابلها بمنحة، وعلى قدر النعم تكون المحن، وان الله أنعم على نعمتين:
اقبال الملك على من بين هذا السواد الاعظم، والفائدة بحديثه، فلما اجتمعتا جاءت على أثرهما هذه المحنة، فأمر فحشى فمه جوهرا ودرا ثمينا.
ومثل ذلك أن يزيد بن سحرة ساير معاوية يوما، فأقبل عليه يحدثه، فصلت وجه يزيد حجر عاثر، فصار الدم يسيل على ثيابه ولا يمسحه ولا يشتغل به، فقال له معاوية: أما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك؟ قال: وجهك يسيل، قال: عنق ما أملك ان لم يكن حديث أمير المؤمنين الهانى، وغمر فكرى، فما شعرت بما أصابنى، فقال معاوية: لقد ظلمك من جعلك فى ألف من العطاء، وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وزاد فى عطائه ألفا، ولا شك أن يزيد تصنع لمعاوية فى هذا الكلام، وان معاوية تخادع له لحسن أدبه.
أخبرنا أبو احمد باسناده عن الواقدى عن ابن أبى قال: قلت للزهرى من أول من سلم عليه؟ فقيل: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حى على الصلاة، حى على الفلاح، الصلاة يرحمك الله، فقال: معاوية بالشام، ومروان بن الحكم بالمدينة، كانوا يقولون: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حى على الصلاة، حى على الفلاح، الصلاة يرحمك الله، انتهى.
أول من استلحق فى الاسلام معاوية
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن حيان بن بشر عن جرير ابن المغيرة عن الشعبى وأخبرنا أيضا عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى عمرو ومحمد بن محمد بن خلاد عن المدائنى وعن غير هؤلاء جعلت أحاديثهم حديثا واحدا قال: فرض عمر لزياد ألف درهم، فلما أخذها قال: ما فعلت الفك؟
قال: أعتقت بها عبيدا. قال: نعم الألف الفك! وكان يكتب من زياد بن
стр. 234
عبيد، حتى قال أبو سفيان: لعلى- ﵇ لولا ان يستوفى عمر أهابى لعرفت أن زيادا قريب النسب منك، «١» أنا غرسته فى رحم أمه، ثم ولاه على- ﵇ فارس، فكتب اليه معاوية: أما بعد، فانك امرؤ سفيه يغرك منى قلاع تأوى اليها كما تأوى الطير الى أو كارها، وايم الله لولا انتظارى ما الله محدث لك، لكنت أنا وأنت كما قال العبد الصالح: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها
«٢» الآية. وكتب فى أسفل الكتاب يعلمه أنه يريد الدعاء فقال فيها:
لله درّ زياد أيّما رجل ... لو كان يعلم ما يأتى وما يذر
افخر بوالدك الأدنى ووالده ... انّ ابن حرب له فى قومه خطر
واترك ثقيفا فانّ الله باعدهم ... حتّى يلاقيهم فى نسبة مضر
إنّ انتحالك قوما لا يناسبهم ... الّا بأمّك ذنب ليس يغتفر «٣»
فلما قرأ الكتاب قال: العجب لابن آكلة الاكباد، «٤» وكهف النفاق، يتهددنى وبينى وبينه ابن عم النبى- ﷺ فى مائة ألف، وايم الله، لئن أفضى الى ليجدن منى أحمر ضرابا بالسيف ثم بعث بكتابه الى على، فكتب اليه:
стр. 235
أما بعد: فانى قد وليتك ما وليتك ما أنت أهل له، وأنا أعلم أنك لم تضبطه الا بالتقوى والصبر، وقد قرأت كتاب معاوية، فاحذر فانه الشيطان يأتى المرء من بين يديه ومن خلفه، وكانت من أبى سفيان زمن عمر فلتة فلا يثبت بها نسب، ولا يستحق بها ميراث.
فلما قرأه زياد قال: شهد لى أبو الحسن ورب الكعبة، فلما قتل على- رضى الله عنه- واجتمع الامر لمعاوية، قال للمغيرة ابن شعبة: ان داهية العرب متحصن فى قلاع فارس، معه الاموال، ما يؤمننى أن يدعو الى رجل من أهل البيت، فيعيد على الأمر جذعة، «١» قال: أتحب أن أكون رسولك اليه؟ قال:
نعم، فخرج حتى ورد عليه، فقال: ان معاوية أقلقه الوجل منك، وقد استقام له الأمر، وبايعه الحسن، وليس فى أهل هذا البيت أحد يمد اليه الناس أعناقهم، وأرى ان تصل حبلك بحبله، وتنقل أصلك الى أصله، ففعل، وقدم الى معاوية فادعاه، وخطب وقال: انه من يرد على دفع خسيسته، «٢» واثبات وطأته، سبب له الأمور، وأجرى له المقادير، حتى يبلغ به النسب المشهور، والأمد المذكور، وان زيادا من الله عليه وعلينا معه بصلة رحم، مدتها رحم مقطوعة، فوشمت العروق فى مناسبها، «٣» واشتبكت الارحام فى معادنها، فالحمد لله الذى وصل ما قطعه الناس، وألطف لما جفوا عنه، وحفظ ما ضيعوا منه، فقال يونس بن سعيد: خالفت قول النبى- ﷺ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» قال: لقد هممت أن أطير بك طيرة بطيئة وقوعها قال: ثم يكون الرد الى الله تعالى قال: أجل، استغفر الله! فقال عبد الرحمن بن الحكم «٤» :
стр. 236
الا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلّفة «١» من الرّجل اليمانى
أتغضب أن يقال أبوك عفّ ... وترضى أن يقال أبوك زان
فاقسم أنّ رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان «٢»
ومعاوية أول من اتخذ الخصيان لخاص خدمته، وللجاحظ فيه كلام نذكره بعد ان شاء الله تعالى.
أول من أخرج المنبر فى العيد مروان
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن الزعفرانى عن محمد بن عبيد عن الاعمش عن اسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: أول من أخرج المنبر فى يوم العيد مروان، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام اليه رجل فقال: خالفت السنة، فأخرجت المنبر ولم يكن يخرج، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، فقال أبو سعيد: من هذا؟ قالوا: فلان ابن فلان. فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله- ﷺ يقول: من رأى منكم منكرا فان استطاع غيره بيده، وان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان.
стр. 237
أول غدر كان فى الاسلام
ما كان من أمر عبد الملك بن مروان مع عمرو بن سعيد أخبرنا ابو احمد عن أبى بكر بن دريد عن عمه عن أبيه عن ابن الكلبى قال: كان مروان بن الحكم ولى العهد عمرو بن سعيد ابن العاص بعد أبيه، فقتله عبد الملك، وكان قتله أول غدر فى الاسلام فقال بعضهم:
يا قوم لا تقلبوا عن داركم فلقد ... جرّبتم الغدر من أبناء مروانا
أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا ... يدعون غدرا بعهد الله كيسانا «١»
يقتّلون الرّجال البزل ضاحية «٢» ... لكى يولوا أمور النّاس ولدانا
تلاعبوا بكتاب الله واتّخذوا ... هواهم فى معاصى الله قربانا
فهدّموا ما أطاقوا من مدائننا ... ونحن نحسب ذا عدلا وإحسانا
ويقطعون بنا أعناق سادتنا ... ويغلقون بنا أبواب دنيانا
وقال يحيى بن الحكم «٣» أخو مروان يرثيه:
أعينىّ جودا بالدّموع على عمرو ... عشيّة شدّوا بالخلافة بالختر «٤»
стр. 238
كأنّ بنى مروان اذ يقتلونه ... بغاث «١» من الطّير اجتمعن على صقر
غدرتم بعمرو يا بنى خيط باطل ... ومثلكم يبنى البيوت على الغدر
فرحنا وراح الشّامتون بنعشه ... كأنا على اكتافنا فلق الصّخر
قال: وكان مروان يلقب بخيط باطل، وكان عمرو يسمى الاشدق، لتشادقه فى الكلام قال الشاعر:
تشادق حتى مال بالقول شدقه ... وكلّ خطيب لا أبالك أشدق
وقيل: بل كان أفقم مائل الذقن، ولهذا سمى لطيم الشيطان، وهذا هو الصحيح، وخطب ابن الزبير لما قتله عبد الملك، فقال: ان أبا الذبان قتل لطيم الشيطان، وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
«٢» واستنطقه معاوية وهو غلام فقال: ان أول مركب صعب، وان مع اليوم غدا، وأول الغدر خرق، «٣» وقال: الى من أوصى أبوك بك؟ قال: أوصى الى ولم يوصى بى.
وهذا من قول الراجز
انّى اذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه «٤»
стр. 239
وشدّ فوق بعضهم بالأرويه ... هناك أوصينى ولا توصى بيه
أول من نهى عن الأمر بالمعروف
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن محمد بن يونس الكريمى عن أبى عاصم الضحاك عن بن مخلد عن أبى خديج عن أبيه قال: خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة، بعد قتل ابن الزبير، فى العام الذى حج فيه، سنة خمس وسبعين فقال:
بعد حمد الله والثناء عليه، أما بعد: فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأفون، «١» الا وان من كان قبلى من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الاموال، الا وانى لا أداوى أدواء «٢»
هذه الامة الا بالسيف، حتى تستقيم لى، فكأنكم تكلفوننا أعمال المهاجرين الاولين، ولا تعملون مثل أعمالهم، فلن يزدادوا الا اجتراحا، ولا تزدادوا الا عقوبة، حتى حكم السيف بيننا وبينكم، هذا عمرو بن سعيد، قرابته قرابته، وموضعه موضعه، قال برأسه هكذا، فقلنا بسيوفنا هكذا، الا وانا نحتمل لكم كل شىء، الا وثوبا على منبر، او نصب راية ألا إن الجامعة التى جعلتها فى عنق عمرو بن سعيد عندى، والله لا يفعل احد فعله الا جعلتها فى عنقه، ثم لا أخرج نعشه «٣»
الا صعدا، وزاد غيره: والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله الا ضربت عنقه ثم نزل فركب ناقته وأخذ بزمامها البهى بن رافع فقال:
فصحت ولا شلّت وضرّت عدوّها ... يمين هراقت مهجة «٤» بن سعيد
стр. 240
أول من نهى الناس عن الناس عن الكلام بحضرة الخلفاء
اول من فعل ذلك عبد الملك بن مروان وكان الناس قبله يراجعون الخليفة فيما يقول، ويعترضون عليه فيما يفعل، وأكثروا من ذلك على عثمان، ثم على معاوية، وكان يجرى فى مجلسه من المنازعات والخصومات ما يجل وصفه، وكان يحتمل ذلك تحلما وابقاء على ملكه، فلما صار الأمر الى عبد الملك، أخذ الناس مأخذ ملوك الاعاجم، فنهاهم عن الكلام بحضرته، والمنازعة فى مجلسه، وتوعدهم على مخالفة رسمه فى ذلك، وكان يقول: لست بالخليفة المستضعف، يعنى عثمان، ولا الخليفة المداهن، يعنى معاوية، ولا الخليفة المأفون يعنى يزيد.
قلنا ومن حق مجلس الملك، الا ترفع فيه الاصوات، اذا كان ذلك زائدا فى مهابة الملك وأبهته، «١»
ولما كان فى خفض الصوت من بهاء المجلس، وكمال صاحبه، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ
«٢»
الآية وحرمة مجلس الرئيس اذا غاب كحرمة اذا حضر. وكان لملوك العجم عيون على مجالسهم، يتأملون من حضرها، فمن كان كلامه واشارته، وحسن لفظه اذا غاب الملك على مثل ما يكون عليه اذا حضر سمى ذا وجه، ومن كان بخلاف ذلك سمى ذا وجهين وكان مبتغضا عندهم منقوصا.
أول خليفة بخل عبد الملك بن مروان
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن الغلابى عن محمد بن عبد الله العتبى من ولد عتبة بن أبى سفيان عن أبى خالد القرشى من ولد أمية بن خالد قال: قال عبد الملك- وكان أول خليفة بخل- اى الشعراء أفضل؟ فقال له كثير بن هراسة يعرض به، أفضلهم المقنع الكندى حيث يقول:
إنّى أحرّص أهل البخل كلّهم ... لو كان ينفع أهل البخل تحريضى
стр. 241
ما قلّ مالى إلّا زادنى كرما ... حتّى يكون برزق الله تعويضى
فالمال ينفع من لولا دراهمه ... امسى يقلّب فينا طرف محفوض
لن تخرج البيض «١» عفوا من اكفّهم ... الّا على وجع منهم وتمريض
كأنّها من جلود الباخلين بها ... عند النّوائب تحذى «٢»
بالمقاريض
فقال عبد الملك- وقد عرف ما أراد- الله أصدق من المقنع حيث يقول: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
«٣»
وكان عبد الملك يسمى رشح الحجارة لبخله، ويكنى أبا الذّبان لبخره. «٤»
اخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: نظر عبد الملك الى خالد بن يزيد- وقد شابت عنفقته «٥»
- فقال: كأنك عاض على حجر فقال: لأنهن يلثمن فاى ولا يشممن قفاى، يعرض به أنه أبخر، فالنساء يشممن قفاه دون وجهه، والناس يرون ان انفاس النساء وانفاس الطيب تشيب قال الشاعر:
انّما شيّبنى الطّيب وانفاس الغوانى
وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: قال سعيد بن عثمان- ولم يكن بالحصيف- للحسن بن على- ﵉ ما بال
стр. 242
أصداغنا تشيب قبل عنافقنا؟ وعنافقكم تشيب قبل أصداغكم؟ فقال: ان أفواهنا عذبة، فنساؤنا لا يكرهن لثامنا، ونساؤكم يكرهن لثامكم، فيصرفن وجوههن، فيتنفسن فى أصداغكم.
وكان المنصور فى ولد العباس كعبد الملك بن مروان فى بنى أمية فى بخله، ورأى بعضهم عليه قميصا مرقوعا فقال: سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر فى ملكه، وأجاز سلمان الحادي «١»
بنصف درهم، فشتان ما هو والمأمون أو غيره من خلفاء بنى العباس.
سمع مرة بعض ولده يقول لوكيله قد رأيت فى السوق بقلا حسنا فاشتر لنا منه بنصف درهم، فقال: أما أنك إذا عرفت للدرهم نصفا، فانك لا تفلح أبدا.
واستعمل الحسن البصرى رجلا فى شىء، ودفع اليه درهما، فقيل له:
كان يجزيه نصف درهم، فقال: أو يقاسم المؤمن أخاه درهما؟
وأنشد ابن هرمة المنصور:
له لحظات فى حفافى سريره ... اذا كرّها فيها عقاب ونائل «٢»
فأما الّذى أمّنت أمّنه الرّدى ... وأما الّذى حاولت «٣»
بالثّكل ثاكل
فدفع اليه عشرة آلاف درهم، وقال: يا إبراهيم احتفظ بها فليس لك عندنا مثلها، فقال: يا أمير المؤمنين، انى ألقاك بها على الصراط بختم الجهبذ «٤» .
стр. 243
أول من ضرب الدراهم فى الإسلام وأول ما عملت الاوزان
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن المدائنى وأبى عبد الرحمن الثعلبى، وأخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن خالد بن عبد العزيز الثقفى، وعن غير هؤلاء جعلت احاديثهم حديثا واحدا، قالوا: كان عبد الملك أول من كتب فى صدور الطوامير «١»
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وذكر النبى ﷺ مع التاريخ، فكتب ملك الروم. إنكم قد أحدثتم فى طواميركم شيئا من ذكر نبيكم، فاتركوه، والا أتاكم فى دنانيرنا من ذكره ما تكرهون، فعظم ذلك فى صدر عبد الملك، فأرسل الى خالد بن يزيد بن معاوية- وكان أديبا عالما- فقال: يا أبا هشام، إحدى بنات طبق، قال: أفرج الله روعك يا أمير المؤمنين، حرم دنانيرهم، واضرب للناس سككا «٢»
فيها ذكر الله تعالى، وذكر نبيه- ﷺ ، ولا تعفهم مما يكرهون، فضرب الدنانير سنة خمس وسبعين، وكانت الدراهم العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، والعشرة منها وزن ستة، فتقدم عبد الملك بذلك واستمر.
وضرب الحجاج الدراهم، ونقش فيها: الله أحد، الله الصمد، فكرهها الناس لمكان القرآن فيها، لان الجنب والحائض يمسها، ونهى ان يطبع أحد غيره، فطبع سمير اليهودى دراهمه السميرية، من فضة خالصة وجعل فيها ذهبا، فأتى بها الحجاج وبسمير، فأمر بقتله فقال: انظر اليها فإن لم تكن أجود من دراهمك فاقتلنى، فنظر فوجدها أجود، فأمر بقتله لجرأته على ضربها بغير اذنه، قال: فانى أعرض عليك أمرا ان رأيته أصلح للمسلمين من قتلى قبلته وأعفيتنى، قال: هاته، فوضع الاوزان: وزن ألف وخمسمائة، وثلاثمائة، الى وزن ربع قيراط، فجعلها حديدا ونقشها، وجاء بها الحجاج وقال: هذا انفع للمسلمين، لا يغبن احد معها-، وكان الناس انما يأخذون الدرهم الوزان فيزنون به غيره، وأكثر ذلك يؤخذ
стр. 244
عددا، حتى كان من أمر سمير ما كان اخبرنا هذا الخبر أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن خالد بن عبد العزيز الثقفى عن أشياخه.
أول من شدد فى أمر العيار
وأول من شدد فى أمر العيار يوسف بن عمر، أمر الا يضرب درهم بنقص حبة، «١»
فما فوقها، ثم امتحن بعد ذلك درهما، فوجده ينقص حبة، فأمر أن يضرب كل واحد من الضاربين ألف سوط- وكانوا مائة- فضرب فى حبة واحدة مائة ألف سوط.
ومما يشبه هذا من فعله أنه أمر أن يتخذ له طنافس، «٢»
فلما عملت، أمر يده عليها فعلقت بإبهامه عقدة من طنفة، فقطع يد الصانع، وكان مع ذلك يقول فى خطبته: اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمل أملا لا يبلغه، وجامع مالا لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، وعن حق منعه، أصابه حراما، وورثه عدوا، واحتمل بأصره، «٣»
وباء بوزره، ذلك هو الخسران المبين.
وكان قصيرا كأنه عقدة رشاء، «٤»
او سجة عصا، «٥»
وكان اذا وصف بالقصر اغتاظ، وكان الخياط اذا قال له: يقنعك هذا الثوب ويحتاج فيه الى زيادة فرح وخلع عليه، واذا فضل من الثوب شىء أمر بضربه وحبسه، وكان له نديم يقال له عبدان،- وكان من أطول الناس- فقال له: يا عبدان، أنا أطول أم أنت؟ قال فوقعت فى محنة تحتها السيف، فقلت: أصلح الله الأمير، انت أطول منى ظهرا، وأنا أطول منك ساقا، فضحك وقال: أحسنت.
стр. 245
أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن بعض رجاله قال: استكتب زاذان فروخ صالح ابن عبد الرحمن- وكان من سبى سجستان- فلما ولى الحجاج رأى ذكاء صالح، فقال صالح لزاذان: ان الامير سيقدمنى عليك، وانت سببى فيه، ولست أحب ذلك، فقال: لا بد للأمير منى، انه لا يجد من يقوم بحساب ديوانه غيرى، قال صالح: انه إن امرنى بنقل الديوان الى العربية فعلت قال: فانقل بين يدى منه شيئا، ففعل، فقال: فكيف تصنع بالاضافات؟ قال: أقول أيضا فقال: زاذان لكتّابه الفرس: التمسوا مكسبا فقد ذهب مكسبكم. ثم نقل صالح الديوان الى العربية، فكان كتّاب العراقيين غلمانه وتلامذته.
وكان ديوان الشام الى سرجون، وكان روميا نصرانيا، كتب لمعاوية، ولمن بعده الى عبد الملك، ثم رأى عبد الملك منه توانيا وادلالا، فقال لسليمان بن سعد مولى الحسين- وكان على الرسائل- ما أحتمل تسحب «١»
سرجون، فقال: انقل الحساب الى العربية، قال: او تفعل ذلك؟ قال: نعم قال: فانقله، فنقله فولاه عبد الملك جميع دواوين الشام، فكان عليها حتى ايام عمر بن عبد العزيز، فعزله واستكتب صالح بن كثير الصدائى هذا معنى الحديث، وعبد الملك أول من رفع يديه على المنبر.
أول من أخذ الجار بالجار والولى بالولى مروان بن الحكم
هكذا سمعناه، ولا ندرى أكان ذلك أيام خلافته أو امارته؟ ذكر بعض الشيوخ مروان بأبيه فجلده وتمثل:
جانيك من يجنى عليك وقد ... تعدى الصّحاح مبارك الجرب
стр. 246
فقال: فتى، ما هكذا قال الله تعالى، قال: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
«١»
فرق له وخلاه.
ومن مليح ما جاء فى ذلك، ما أخبرنا به أبو احمد عن الريان عن أبى جعفر بن العينى عن أبيه قال: أول خليفة أخذ الجار بالجار والولى بالولى سليمان بن عبد الملك، قال: دخل عليه فتى ظريف، وعلى رأس سليمان وصيفة حسناء قائمة، فجعل الفتى يديم النظر اليها، فقال سليمان: هات سبعة أمثال قيلت فى الاست وهى لك، فقال الفتى: أست لم تعود المجمرة «٢»
، قال واحدة. قال: أستى اختى، «٣»
قال: اثنان، قال: أست المسؤول أضيق، «٤»
قال: ثلاثة، قال: أست العامر أعلم، «٥»
قال: أربعة، قال: من الله عليه وأسته، قال: خمسة، قال: الحر يعطى العبد بنجع أسته، قال:
سته، قال: لا مالك أبقيت، ولا حرك أنقيت، «٦»
قال: ليس هذا من ذلك، قال الفتى: أخذت الجار بالجار كما يفعل أمير المؤمنين، قال:
خذها- لا بارك الله لك فيها-! وروى هذا الحديث ايضا عن بعض شيوخه عن ابن الاعرابى.
اول من لبس النعال الصرارة المروانى
وكان قصيرا، وكان يتخذ الغلاظ من النعال النباتية لامرين: أحدهما أن ذلك يزيد فى قامته، والآخر أن يؤذن جواريه وحريمه بصريرها أو ان دخوله
стр. 247
عليهن، فان كانت احداهن على حالة لا يجوز ان يطلع عليها تغيرت عنها، وكان ذلك من الآداب المستحسنة، فاتخذ اهل الوقت بعد ذلك نعال الخشب، يتوخون بها ما توخاه المروانى بالنعال الصرارة.
أول من رد فدكا عمر بن عبد العزيز
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن محمد بن زكريا عن ابن عائشة، وعن أبيه عن عمه قال: شهد على وأم أيمن عند أبى بكر- رضى الله عنه- أن النبى- ﷺ وهب فدكا لفاطمة، وشهد عمر وعبد الرحمن بن عوف أن رسول الله- ﷺ كان يقسمها، فقال أبو بكر: صدقوا وصدقت، كان مالا لابيك، وكان يأخذ منها قوته ويقسم الباقى، فما تصنعين بها؟ قالت:
صنيع أبى قال: فلك على ان اصنع فيها صنيع أبيك- ﵊ فكان يدفع اليهم ما يكفيهم، ويقسم الباقى، وكذلك فعل عمر وعثمان وعلى، فلما ولى معاوية- وذلك بعد الحسن- تداولوها حتى ولى مروان، فوهبها لعبد العزيز بن مروان، فتخلصها عمر ابنه فى حياة أبيه، فلما ولى كانت أول مظلمة ردها على بنى على- ﵇ ثم قبضها يزيد بن عبد الملك، فلما ولى أبو العباس ردها الى عبد الله بن الحسن، ثم قبضها أبو جعفر، ثم ردها المهدى على ولد فاطمة، ثم قبضها موسى وهارون، ثم ردها عليهم المأمون.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن محمد بن زكريا عن مهدى بن سابق قال: جلس المأمون للمظالم، وأول رقعة وقعت فى يده نظر فيها وبكى، ثم قال: أين وكيل فاطمة بنت رسول الله- ﷺ ؟ فقام شيخ وعليه دراعة وعمامة وخف ثغرى، فتقدم فجعل يناظره فى فدك، والمأمون يحتج عليه وهو يحتج على المأمون، ثم أمر أن يسجل بها لهم فسجل وأمضاه المأمون، فأنشأ دعبل يقول:
أصبح وجه الزّمان قد ضحكا ... بردّ مأمون هاشم فدكا
стр. 248
فلم تزل فى أيديهم حتى كان أيام المتوكل، فأقطعها عبد الله بن عمر الباريار، وكان فيها احدى عشرة نخلة مما غرسه رسول الله- ﷺ بيده، وكان آل أبى طالب يأخذون ذلك الثمر، فاذا قدم الحجاج أهدوا اليهم منه، فيصل اليهم به مال جليل، فبلغ المتوكل ذلك، فأمر عبد الله بن عمر بصرمه «١»
ويعصره، فوجه رجلا يقال له بشر بن أمية الثقفى، فصرمه وعصره، وذكروا أنه جعله نبيذا، فما وصل الى البصرة حتى ملح، وقتل المتوكل.
أول من لبس السواد حين قتل مروان بن محمد ابراهيم بن محمد الإمام
جىء به مروان فقال: أنت الذى تدعى لك الامامة؟ قال: لست به، فقال: أسوة بمن فى الحبس من بنى أبيه، وكان فيه جماعة من قريش، فلما أحس ابراهيم بالقتل، عهد الى شيعته، ان لا يهولنكم قتلى، وكونوا على ما أنتم عليه من تضافركم، وتعاونكم، فاذا تمكنتم من أمركم، فاستخلفوا عليكم ابن الحارثية- يعنى أبا العباس- ثم قتله مروان، فلبس شيعته السواد، فلزمهم وصار شعارا لهم، فقال شريف منهم أيام أبى العباس، يذكر قتل ابراهيم:
علام وفيم يترك عبد شمس ... لها فى كلّ داعية ثغاء «٢»
فما بالقبر فى حرّان منها ... ولو قتلت بأجمعها وفاء «٣»
أخبرنا أبو احمد عن عمه عن أبى عبيدة قال: حدثنى الحسن بن على قال: حدثنى بعض أصحابنا عن محمد بن أبى كامل عن رجل قال: قال ابراهيم
стр. 249
ابن المهدى: كنت عند الخيزران يوما وعندها الهاشميات وغيرهن، وهى على أنماط عليها وسائد أرمنية، وزينب بنت سليمان جالسة عن يمينها، اذ عرضت امرأة من آخر المجلس، عليها أطمار فقالت: يا أم الخليفة الاول والثانى، وامرأة الخليفة، أنا امرأة مروان بن محمد، قد أصار بى الدهر الى ما ترين، فغيرى من حالى، فرقت لها، وهمت لها بالخير، فقالت لها زينب بنت سليمان: لا زلت كذلك، ولا زالت هى حالك، ولا كرامة لك، اذكرى وقد قتل مروان ابراهيم الامام، وأشفقت ان يمثل به، فأتيت هذه وهى جالسة على هذا الفرش بعينه، فكلمتها تسأله فى هبة جثته لى لأواريها، فقطبت وجهها وقالت: ما للنساء وللدخول فى أمر الرجال؟ فأيست وتعرضت لمروان، فكان أوصل لرحمه، فدفعه الى وأعاننى على جهازه، فجهزته ودفنته.
أول من ظهر لندمائه من ملوك بنى العباس المهدى
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن يحيى بن على عن أبيه عن اسحاق الموصلى قال: كان المهدى فى أول أمره يحتجب على ندمائة، متشبها بالمنصور نحوا من سنة، ثم ظهر لهم لما قال سلم الخاسر:
من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللّذّة الجسور «١»
فاشار اليه أبو عون أن يحتجب عنهم، فقال: اليك عنى يا جاهل! انما اللذة مع مشاهدتها، وفى أدراك الجوارح لها لذة، فأما من وراء الحجاب فما له معنى، وكان بشار قال:
من راقب النّاس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج «٢»
فلما سمع بيت سلم قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتى، ومن هاهنا «٣» أخذ
стр. 250
أبو نواس قوله:
الا فاسقنى خمرا وقل لى هى الخمر ... ولا تسقنى سرّا اذا امكن الجهر
وبح باسم من أهوى ودعنى من الكنى ... فلا خير فى اللّذّات من دونها ستر
وهذا أشأم بيت قيل، وكان سبب زوال ملك محمد الامين وقتله هذا البيت، لما اتصل بالمأمون أمر مناديا فنادى به فى بلاد خراسان «١» وقال: قائل هذا البيت ينادم محمدا، ويقول مثل هذا بحضرته، فلا يكون منه نكير، فاشتد اهل خراسان على محمد، واستحلوا قتله، واتصل ذلك بمحمد فحبس أبا نواس، وانكر عليه.
وكان أبو العباس يظهر لندمائه فى اول خلافته، ثم قال له أسد بن عبد الله الخزاعى- وكان صاحب حرسه- ان الخلافة ترق على كل شىء، والبذلة «٢» فيها أكبر الخطأ، فاحتجب عنهم بستارة، وكان لا ينصرف عنه نديم، ولا مله فى كل يوم يجلس لهم فيه الا بعطاء كثير أو قليل، وهذه فضيلة لم تكن لعربى ولا عجم قبله ولا بعده الا أنو شروان، فقد حكى عنه مثل ذلك، وكان يقول: أعجب من انسان يفرحه انسان ويمكنه مكافأته فيؤخرها ويجعلها عدة وتسويفا، فيتكدر صفوها، وينطمس نورها.
والمهدى اول من علق الخيس، «٣» وذلك أنه جلس الى جنب حائط عليه منديل رطب، فوجد برده، فأمر باتخاذ الخيس، وكان ملوك بنى أمية
следующие страницы →