Полный текст (423 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فقال: فتى، ما هكذا قال الله تعالى، قال: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
«١»
فرق له وخلاه.
ومن مليح ما جاء فى ذلك، ما أخبرنا به أبو احمد عن الريان عن أبى جعفر بن العينى عن أبيه قال: أول خليفة أخذ الجار بالجار والولى بالولى سليمان بن عبد الملك، قال: دخل عليه فتى ظريف، وعلى رأس سليمان وصيفة حسناء قائمة، فجعل الفتى يديم النظر اليها، فقال سليمان: هات سبعة أمثال قيلت فى الاست وهى لك، فقال الفتى: أست لم تعود المجمرة «٢»
، قال واحدة. قال: أستى اختى، «٣»
قال: اثنان، قال: أست المسؤول أضيق، «٤»
قال: ثلاثة، قال: أست العامر أعلم، «٥»
قال: أربعة، قال: من الله عليه وأسته، قال: خمسة، قال: الحر يعطى العبد بنجع أسته، قال:
سته، قال: لا مالك أبقيت، ولا حرك أنقيت، «٦»
قال: ليس هذا من ذلك، قال الفتى: أخذت الجار بالجار كما يفعل أمير المؤمنين، قال:
خذها- لا بارك الله لك فيها-! وروى هذا الحديث ايضا عن بعض شيوخه عن ابن الاعرابى.
اول من لبس النعال الصرارة المروانى
وكان قصيرا، وكان يتخذ الغلاظ من النعال النباتية لامرين: أحدهما أن ذلك يزيد فى قامته، والآخر أن يؤذن جواريه وحريمه بصريرها أو ان دخوله
стр. 247
عليهن، فان كانت احداهن على حالة لا يجوز ان يطلع عليها تغيرت عنها، وكان ذلك من الآداب المستحسنة، فاتخذ اهل الوقت بعد ذلك نعال الخشب، يتوخون بها ما توخاه المروانى بالنعال الصرارة.
أول من رد فدكا عمر بن عبد العزيز
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن محمد بن زكريا عن ابن عائشة، وعن أبيه عن عمه قال: شهد على وأم أيمن عند أبى بكر- رضى الله عنه- أن النبى- ﷺ وهب فدكا لفاطمة، وشهد عمر وعبد الرحمن بن عوف أن رسول الله- ﷺ كان يقسمها، فقال أبو بكر: صدقوا وصدقت، كان مالا لابيك، وكان يأخذ منها قوته ويقسم الباقى، فما تصنعين بها؟ قالت:
صنيع أبى قال: فلك على ان اصنع فيها صنيع أبيك- ﵊ فكان يدفع اليهم ما يكفيهم، ويقسم الباقى، وكذلك فعل عمر وعثمان وعلى، فلما ولى معاوية- وذلك بعد الحسن- تداولوها حتى ولى مروان، فوهبها لعبد العزيز بن مروان، فتخلصها عمر ابنه فى حياة أبيه، فلما ولى كانت أول مظلمة ردها على بنى على- ﵇ ثم قبضها يزيد بن عبد الملك، فلما ولى أبو العباس ردها الى عبد الله بن الحسن، ثم قبضها أبو جعفر، ثم ردها المهدى على ولد فاطمة، ثم قبضها موسى وهارون، ثم ردها عليهم المأمون.
أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن محمد بن زكريا عن مهدى بن سابق قال: جلس المأمون للمظالم، وأول رقعة وقعت فى يده نظر فيها وبكى، ثم قال: أين وكيل فاطمة بنت رسول الله- ﷺ ؟ فقام شيخ وعليه دراعة وعمامة وخف ثغرى، فتقدم فجعل يناظره فى فدك، والمأمون يحتج عليه وهو يحتج على المأمون، ثم أمر أن يسجل بها لهم فسجل وأمضاه المأمون، فأنشأ دعبل يقول:
أصبح وجه الزّمان قد ضحكا ... بردّ مأمون هاشم فدكا
стр. 248
فلم تزل فى أيديهم حتى كان أيام المتوكل، فأقطعها عبد الله بن عمر الباريار، وكان فيها احدى عشرة نخلة مما غرسه رسول الله- ﷺ بيده، وكان آل أبى طالب يأخذون ذلك الثمر، فاذا قدم الحجاج أهدوا اليهم منه، فيصل اليهم به مال جليل، فبلغ المتوكل ذلك، فأمر عبد الله بن عمر بصرمه «١»
ويعصره، فوجه رجلا يقال له بشر بن أمية الثقفى، فصرمه وعصره، وذكروا أنه جعله نبيذا، فما وصل الى البصرة حتى ملح، وقتل المتوكل.
أول من لبس السواد حين قتل مروان بن محمد ابراهيم بن محمد الإمام
جىء به مروان فقال: أنت الذى تدعى لك الامامة؟ قال: لست به، فقال: أسوة بمن فى الحبس من بنى أبيه، وكان فيه جماعة من قريش، فلما أحس ابراهيم بالقتل، عهد الى شيعته، ان لا يهولنكم قتلى، وكونوا على ما أنتم عليه من تضافركم، وتعاونكم، فاذا تمكنتم من أمركم، فاستخلفوا عليكم ابن الحارثية- يعنى أبا العباس- ثم قتله مروان، فلبس شيعته السواد، فلزمهم وصار شعارا لهم، فقال شريف منهم أيام أبى العباس، يذكر قتل ابراهيم:
علام وفيم يترك عبد شمس ... لها فى كلّ داعية ثغاء «٢»
فما بالقبر فى حرّان منها ... ولو قتلت بأجمعها وفاء «٣»
أخبرنا أبو احمد عن عمه عن أبى عبيدة قال: حدثنى الحسن بن على قال: حدثنى بعض أصحابنا عن محمد بن أبى كامل عن رجل قال: قال ابراهيم
стр. 249
ابن المهدى: كنت عند الخيزران يوما وعندها الهاشميات وغيرهن، وهى على أنماط عليها وسائد أرمنية، وزينب بنت سليمان جالسة عن يمينها، اذ عرضت امرأة من آخر المجلس، عليها أطمار فقالت: يا أم الخليفة الاول والثانى، وامرأة الخليفة، أنا امرأة مروان بن محمد، قد أصار بى الدهر الى ما ترين، فغيرى من حالى، فرقت لها، وهمت لها بالخير، فقالت لها زينب بنت سليمان: لا زلت كذلك، ولا زالت هى حالك، ولا كرامة لك، اذكرى وقد قتل مروان ابراهيم الامام، وأشفقت ان يمثل به، فأتيت هذه وهى جالسة على هذا الفرش بعينه، فكلمتها تسأله فى هبة جثته لى لأواريها، فقطبت وجهها وقالت: ما للنساء وللدخول فى أمر الرجال؟ فأيست وتعرضت لمروان، فكان أوصل لرحمه، فدفعه الى وأعاننى على جهازه، فجهزته ودفنته.
أول من ظهر لندمائه من ملوك بنى العباس المهدى
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن يحيى بن على عن أبيه عن اسحاق الموصلى قال: كان المهدى فى أول أمره يحتجب على ندمائة، متشبها بالمنصور نحوا من سنة، ثم ظهر لهم لما قال سلم الخاسر:
من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللّذّة الجسور «١»
فاشار اليه أبو عون أن يحتجب عنهم، فقال: اليك عنى يا جاهل! انما اللذة مع مشاهدتها، وفى أدراك الجوارح لها لذة، فأما من وراء الحجاب فما له معنى، وكان بشار قال:
من راقب النّاس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج «٢»
فلما سمع بيت سلم قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتى، ومن هاهنا «٣» أخذ
стр. 250
أبو نواس قوله:
الا فاسقنى خمرا وقل لى هى الخمر ... ولا تسقنى سرّا اذا امكن الجهر
وبح باسم من أهوى ودعنى من الكنى ... فلا خير فى اللّذّات من دونها ستر
وهذا أشأم بيت قيل، وكان سبب زوال ملك محمد الامين وقتله هذا البيت، لما اتصل بالمأمون أمر مناديا فنادى به فى بلاد خراسان «١» وقال: قائل هذا البيت ينادم محمدا، ويقول مثل هذا بحضرته، فلا يكون منه نكير، فاشتد اهل خراسان على محمد، واستحلوا قتله، واتصل ذلك بمحمد فحبس أبا نواس، وانكر عليه.
وكان أبو العباس يظهر لندمائه فى اول خلافته، ثم قال له أسد بن عبد الله الخزاعى- وكان صاحب حرسه- ان الخلافة ترق على كل شىء، والبذلة «٢» فيها أكبر الخطأ، فاحتجب عنهم بستارة، وكان لا ينصرف عنه نديم، ولا مله فى كل يوم يجلس لهم فيه الا بعطاء كثير أو قليل، وهذه فضيلة لم تكن لعربى ولا عجم قبله ولا بعده الا أنو شروان، فقد حكى عنه مثل ذلك، وكان يقول: أعجب من انسان يفرحه انسان ويمكنه مكافأته فيؤخرها ويجعلها عدة وتسويفا، فيتكدر صفوها، وينطمس نورها.
والمهدى اول من علق الخيس، «٣» وذلك أنه جلس الى جنب حائط عليه منديل رطب، فوجد برده، فأمر باتخاذ الخيس، وكان ملوك بنى أمية
стр. 251
يعدون تطيين البيوت التى يبردون فيها أشهر الصيف مرات فى الأسبوع.
قال الجاحظ: هذه ملوك نزلوا على دجلة، من دون الصيادة الى قرية بغداد فى القصور والبساتين، وكانوا أصحاب نظر واستخراج، من لدن أزدشير بن بابك الى زمن فيروز ابن يزدجرد، وقبل ذلك أيضا ما كان نزلها ملوك الازدوان بعد ملك الاسكندر، فهل رأيتم أحدا منهم اتخذ حراقة او زلالة «١» أو قاربا؟ وهل عرفوا الخيس مع حر البلاد وشدة وقوع السموم؟ وهل عرفوا الجمازات «٢» فى أسفارهم؟ وهل عرف فلاحوهم من الاثمار المطعمة، وغراس النخل على الفرد دون الشطر؟ وأين كانوا عن تزيين سقوفهم بالرديات «٣» ؟ وأين كانوا عن استنباط قهوة العصفر؟ واين كانوا عن مراكب الامم فى ممارسة العدو فى البحر؟ ان طلبت النوازح «٤» أدركتها، وان كرهتها فاتتها، بعد ان كانوا أسارى فى يد الهند، تتحكم عليهم، وتتلعب بهم، وأين كانوا عن الرمى بالنيران؟ وكانوا يتخذون الأدهان، وينفقون عليها، فترى الرجال رسم العمائم، وسخ القلانس، وكان الرجل اذا مر بالعطار، وأراد كرامته دهن رأسه ولحيته، وكان الرجل من عوام الناس اذا أطعم ضيفا او زائرا كسر الخبز بين يديه، كى لا يحتشم من أكل الكثير، وكان أهل البيت إذا طبخوا اللحم غرفوا للجار والجارة منه غرفة، وكان الناس لا يغسلون أيديهم للطعام قبله كما كانوا يغسلونها بعده، ثم اتخذوا الموائد السفر وبسطوا اللبود على وجوه البسط الكريمة، وكانوا يستخدمون فى منازلهم الرجال الشباب، والوصائف الرومية، من الكواعب والنواهد. «٥» فاستحدثوا الخصيان والغلمان بدلا من
стр. 252
الجوارى، وكان خوان أحدهم طسموان، «١» فاستبدلوا الخلنج بالصفر «٢» ، وجعلوا الصفر للطساس «٣» والاباريق، وكانت المرأة اذا خرجت شدت رأسها بالرمائد «٤» - والرمائد على زى نساء العرب اليوم- وكانوا يلبسون القمص على الجلباب، لا يعرفون المبطنات، فترى القميص متقلصا عن جبه الراكب، واتخذوا المرفلات، «٥» وشربوا الثلج، وأحصو ما وجدوا فى ديوان الفرس من أسماء غريبة، فلم يجدوه على عشر العشر مما استخرج بعد، وكانوا يأتون الصين فى سنة ويرجعون فى سنة، ويقيمون سنة، وقد رجع إلى البصرة رجال لم يتم لهم أن يغيبوا ثمانية عشر شهرا، وكانوا يلبسون الديباج، فجعله هؤلاء أفيفا لدوابهم، وكان الكتاب اذا كتبوا وفرغوا من الرسائل قطعوا الكاغد «٦» بالمقاريض، ثم حددوا أظفار الابهام فقطعوه به، ثم قطعوه بمواخر الاقلام، وهذه خطوط الاول فى المصاحف والسجلات والعهود، وهذه خطوط الناس اليوم، وكانوا يشربون فى جامات «٧» الذهب والفضة، وقد عرف الناس فضيلة الزجاج فى خفة المحمل، وفى ادراء ما وراءها من الاشخاص.
قال أبو هلال:- ايده الله- يريد أن عمل الحراقات والزلالات وصب الزردج، واستخراج النساسخ، وتعليق الخيوش، وعمل الرديات، انما كان فى الاسلام، وكذلك إجراء السفن المقيرة فى البحر.
أول من زاد فى الكتاب بعد حمد الله الصلاة على رسول الله هارون الرشيد
كان اذا كتب فأتى أحمد الله اليك كتب: وأسأله أن يصلى على محمد
стр. 253
وآله، قالوا: وكان ذلك من أفضل مناقبه، وكان الرشيد كاتبا شاعرا، خطيبا أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال: كانت على الروم امرأة منهم، وكانت تلاطف الرشيد، ولها ابن صغير، فلما نشأ فوضت الأمر اليه، فعاث وأفسد وخاشن الرشيد، فخافت على ملك الروم فقتلته، فغضب الروم، فخرج عليها نقفور فقتلها، واستولى على الملك، وكتب الى الرشيد: اما بعد فان هذه وضعتك موضع الشاه، ووضعت نفسها موضع الرخ، «١» وينبغى ان تعلم انى أنا الشاه وانت الرخ، فأد الى ما كانت المرأة تؤدى اليك، فلما قرأ الكتاب قال للكتاب اجيبوا عنه، فأتوا بما لم يرتضه، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هارون أمير المؤمنين الى نقفور كلب الروم. اما بعد: فقد فهمت كتابك، والجواب ما تراه لا ما تسمعه، والسلام على من اتبع الهدى.
ثم خرج فى جمع لا يسمع مثله، فتوغل فى بلاد الروم، يقتل ويسبى ثم أوقد نقفور فى طريقه نارا ليصده بها، فخاضها محمد بن يزيد الشيبانى، وتبعه الناس حتى صاروا من ورائها، فرأى نقفور أنه لا قبل له به، فصالحه على الجزية يؤديها عن رأسه، وعن سائر أهل مملكته، فقال أبو العتاهية:
امام الهدى اصبحت بالدّين معنيّا ... واصبحت تسقى كلّ مستمطر ريّا
قضى الله ان صفّى لهارون ملكه ... وكان قضاء الله فى الخلق مقضيّا
تحلّبت الدّنيا لهارون بالرّضا ... وأصبح نقفور لهارون ذمّيّا
فلما سقط الثلج أمن نقفور على نفسه فنقض العهد، فلم يجرؤ أحد أن يذكر ذلك للرشيد الا شاعر من أهل جده، أعطاه يحيى بن خالد مائة ألف
стр. 254
درهم، ودخل عليه وأنشده.
نقض الّذى اعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر امير المؤمنين فانّه ... فتح أتاك من الاله كبير
فلقد تباشرت الرّعيّة اذ أتى ... بالنّقض منه وافد وبشير
اعطاه جزيته وطأطأ خدّه ... حذر الصّوارم والرّدى «١» محذور
انّ الإمام على اقتسارك «٢» قادر ... قربت ديارك أو نات بك دور
فقال الرشيد: أو فعلها؟ ورحل فى بقية الثلج، وأقام على هرقلة يرمى حصنها بالنيران حتى افتتحها، فقال بعضهم:
هوت هر قلة لمّا أن رأت عجبا ... جواثما ترتمى بالنّفط والقار «٣»
كأنّ نيراننا فى جنب قلعتهم ... مصقّلات على أرسان قصّار «٤»
فعاد نقفور الى الجزية، ورجع الرشيد.
وأما ما جاء فى خطابته: فأخبرنا احمد عن الصوالى عن الحسين بن
стр. 255
يحيى عن محمد بن عمرو الدومى قال: كان الرشيد ربما خطب مرتجلا من غير ان يعد كلاما، فصعد يوما المنبر، وقد شغب الجند، ثم سكنوا بعد ايقاع بهم، فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد والملائكة المقربين، وعلى الانبياء أجمعين، أما بعد: فقد كان لكم ذنب، ولنا عتب، وكان منكم إجرام، ومنا انتقام وعندى بعد هذا لكم التنفيس عن المكروبين، والتفريج عن المغمومين، والاحسان الى المحسنين، والتعمد لاساءة المسيئين، الا يكفر لكم بلاء، «١» ولا يحبس عنكم عطاء، وعلى بعد ذلك الوفاء ان شاء الله.
وأما الشعر فطبقته فيه عالية، أنشدنا أبو احمد عن الصولى للرشيد.
واذا نظرت الى محاسنها ... فبكلّ موضع نظرة نبل
وتنال منك بحدّ مقلتها ... مالا ينال بحدّه النّصل «٢»
شغلتك وهى لكلّ ذى بصر ... لاقى محاسن وجهها شغل
فلقلبها حلم يباعدها ... عن ذى الهوى ولطرفها جهل
ولوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل
وقل ما تسمع شعرا يشبه هذا الشعر.
أول من دعى الى بيعته على المنبر محمد الامين
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن احمد بن يحيى قال: كانت العرب تسمى مواضع أرصاد السلطان مسالح من السلاح فكره المأمون هذا الاسم فسماها مصالح من المصلحة ثم أنشد:
تذكّرتها وهنا وقد حال دونها ... قرى أذربيجان المسالح والخالى
стр. 256
يعنى الذى خلى عن بلاده الى هذا الموضع.
واستبقاء المأمون ابراهيم المهدى فعلة لم يسبقه إليها احد من الاولين والآخرين، وذلك أنه استبقاه بعد وثوبه على الخلافة. وبيعة الناس له بها، وعادة الملوك اذا ظفروا بمن ينازعهم الملك ان يقتلوه.
كان المأمون قد ولى على بن موسى الرضا العهد بعده. فغضب بنو العباس، فخلعوه، وبايعوا ابراهيم بن المهدى فى محرم سنة اثنتين وثمانين. «١» فحارب الحسن بن سهل ابراهيم فهزمه. والمأمون بخراسان.
فلما قدم بعد ان ظفر بابراهيم قال له: قد استشرت فى أمرك فأشير علىّ بدمك. فقال: ان المشير أشار عليك بما جرت به عادة السياسة. الا انك أبيت ان تطلب النصر الا من حيث عودته، من العفو، فان عاقبت فلك نظير. وان عفوت فلا نظير لك، وان جرمى أعظم من ان أنطق فيه بعذر. وعفو أمير المؤمنين اجل من ان يقابل بشكر، وان لى لشفعة الاقرار بالذنب. وحق العمومة بعد الاب. فلا يسقط عن كرمك عملك، ولا يقع دون عفوك عندك.
فقال المأمون: لو لم يكن من حق نسبك الصفح عنك. بلغك املك حسن تنصلك. «٢» ولطف توسلك.
روى جعفر بن قدان بن زياد الكاتب عن سارية الكبيرة قالت: قال ابراهيم بن المهدى: لما قدم المأمون مدينة السلام من خراسان، أمن الناس غيرى، فتواريت فاختللت اختلالا شديدا، فقالت لى عجوز من الازد:- كانت تخدمنى- سأحتال لك فى ان يصل اليك مال، فركبت زورقا فلما حاذت المأمون فى قصره على دجلة صاحت: النصيحة فأمر بها فادخلت اليه، فقالت: ان دللتك يا أمير المؤمنين على ابراهيم بن المهدى فما تجعل لى؟ قال: مائة ألف درهم. قالت: وجه معى رسولا، ومره أن
стр. 257
يطيعنى فى جيمع أمره، وادفع اليه الف دينار، ومره ان يدفعها الى حين أريه دينار، ومره ان يدفعها الى حين أريه وجه ابراهيم.
فوجه المأمون معها حسين الخادم، ودفع اليه الدنانير، وأمره بما قالت، فجاءت بالحسين حتى دخلت به مسجدا فيه صندوق عظيم، فقالت له: أدخل هذا الصندوق. فتأنى. فقالت: ألم يأمرك أمير المؤمنين بطاعتى؟ وان لم تفعل انصرفت، ولم يتهيأ ما يريد الا بهذا، فدخل الحسين الصندوق، فأتت بحمال فحمله، فجعلت تطوف به فى الاسواق والشطوط، فمرة يسمع صوت الباعة، ومرة يسمع صوت الملاحين، فلما اظلم الليل أدخلته دارا، وفتحت عنه، واذا مجلس عظيم فى صدره ابراهيم بن المهدى يشرب، وبين يديه جوار يغنينه فانكب الحسين على رجل ابراهيم فقبلها، وسأله ابراهيم عنه وعن المأمون، وتناولت المرأة منه الدنانير، وقال له ابراهيم: كل عندى لقمة، واشرب قدحا، وتحمل عنى رسالة، وامض محفوظا، قال: أفعل.
وقدم اليه طعام فأكل، ثم سقى شرابا فيه ببخ، «١» فشربه فسكر وأدخل الصندوق، وأقفل عليه، وحمل حتى أتى به باب العامة فوضع، فلما أصبح الناس رأوا الصندوق وليس معه أحد، فانهوا خبره الى صاحب الحرس، وكتب فى الخبر الى المأمون، فاحضر وفتح، واذا الحسين متلوث مسلوت، «٢» فعولج حتى أفاق فقال المأمون: أرأيت ابراهيم؟ قال له: اى والله قال: أين هو؟ قال: لا أدرى. وحدثه بالقصه فقال المأمون: خدعتنا والله. وذهب المال. فقال ابراهيم فتفرجت بالالف مدة مديدة.
أول من اتخذ الاتراك المنصور
أخبرنا أبو احمد عن الصولى قال: حدثنا ثمود بن المزرع قال: حدثنا
стр. 258
الجاحظ قال: أول من اتخذ الا تراك المنصور، اتخذ حمادا التركى ثم اتخذ المهدى مبارك التركى، وتوليا التركى، وهو الذى قتل الوليد بن طريف الخارجى مع يزيد بن مزيد.
واما الخصيان فذكر الجاحظ أنهم اتخذوا فى الاسلام.
أول كتاب صدر من ملوك بنى العباس فيه شعر
أخبرنا أبو احمد عن الصولى عن القاسم بن اسماعيل قال: وثب أهل حمص بعاملهم على المعونة موسى بن ابراهيم بن البغيث الرافقى- وكان قتل رجلا من رؤسائهم- وأخرجوه ثم وثبوا على محمد بن عبدوية- وكان وليهم بعد ابن البغيث- وأمر المتوكل ابراهيم بن العباس ان يكتب اليهم كتابا مختصرا يحذرهم فيه فكتب:
أما بعد: فان أمير المؤمنين يرى من حق الله عليه، فيما قوم به من أود، «١» أو عدّل به من زيغ، «٢» أو لمّ به من شعث، «٣» استعمال ثلاث يقدم بعضهن على بعض: وأولهن ما يستظهر به من عظمة وحجة، وما يشفعه من تحذير وتنبيه، ثم التى لا تقع بحسم الداء غيرها
أناة فإن لم تغن عقّب بعدها ... وعيدا فإن لم تجد أجدت عزائمه
وكان ابراهيم ابتدأه كلاما، فرآه يتزن، فجعله بيتا، هكذا رواه لنا عن الصولى.
وروى لنا أيضا عنه محمد بن زكريا الغلابى عن مهدى بن سابق قال: كتب
стр. 259
رافع الى الرشيد كتابا فى أسفله:
اذا جئت عارا او رضيت بمثله ... فنفسى على فنفسى من الكلب أهون
فكتب اليه الرشيد كتابا فى أسفله:
ورفعك نفسا طالبا فوق قدرها ... يسوق لك الحيف المعجّل والذّلّا «١»
أول من أخر النيروز «٢» المتوكل
أخبرنا أبو أحمد الصولى عن يحيى بن على عن أبيه واحمد ابن يزيد عن أبيه قال: وسمعت ابراهيم بن المدبر يحدث بطرف منه قال: بينا المتوكل يطوف فى متصيد له، رأى زرعا أخضر فقال: قد استأذننى عبد الله بن يحيى فى فتح الخراج، وأرى الزرع أخضر، فقيل له: أن هذا قد أضر بالناس، فهم يقترضون ويستسلفون، فقال: أهذا شىء حدث أم هو لم يزل كذا؟ فقيل له:
هو حادث.
ثم عرف ان الشمس تقطع الفلك فى ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم، وان الروم تكبس فى كل أربع سنين يوما، فيطرحون من العدد، فيجعلون شباط ثلاث سنين متواليات ثمانية وعشرين يوما، وفى السنة الرابعة- وهى التى تسمى الكبيسة- يكمل من ذلك الربع يوم تام، فيصير شباط تسعة وعشرين يوما. وكانت الفرس تكبس الفصل الذى بين سنتها وبين سنة الشمس فى كل مائة وست عشرة سنة شهرا، وهذا الكبس فى طوله أصح من كبس الروم، لأنه أقرب إلى ما يحصله الحساب من الفصل فى سنة الشمس.
فلما جاء الاسلام عطل ذلك ولم يعمل به. فأضر بالناس ذلك، وجاء زمن هشام، فاجتمع الدهاقنة «٣» الى خالد بن عبد الله القسرى، فشرحوا له،
стр. 260
وسألوه ان يؤخر النيروز شهرا، فكتب الى هشام بن عبد الملك- وهو الخليفة- فقال هشام: أخاف أن يكون ذلك من قول الله تعالى إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
«١» فلما كان أيام الرشيد، اجتمعوا الى يحيى بن خالد البرمكى وسألوه أن يؤخر النيروز نحو شهر، فعزم على ذلك، فتكلم اعداؤه فيه، وقالوا: يتعصب للمجوسية، فأضرب عنه، وبقى على ذلك الى اليوم.
وأحضر المتوكل ابراهيم بن العباس، وأمره أن يكتب عنه كتابا فى تأخير النيروز بعد أن يحسبوا الايام، فوقع العزم على تأخيره الى سبعة وعشرين يوما من حزيران، فكتب الكتاب على ذلك، وهو كتاب مشهور فى رسائل ابراهيم.
وانما احتذى المتوكل بالله ما فعله المتوكل الا أنه قد قصره فى أحد عشر يوما من حزيران، فقال البحترى يمدح المتوكل ويذكر تأخير النيروز:
لك فى المجد أوّل وأخير ... ومساع صغيرهنّ كبير
انّ يوم النّيروز عاد الى العهد ... الذّى كان سنّه أردشير
انت حوّلته الى الحالة الأولى وقد كان حائرا يستدير وافتتحت الخراج فيه فللأمّة فى ذاك مشهد مذكور قال احمد بن يحيى البلاذرى: حضرت مجلس المتوكل وابراهيم ابن العباس يقرأ الكتاب الذى انشأه فى تأخير النيروز، والمتوكل يعجب من حسن عبارته، ولطف معانيه، والجماعة تشهد له بذلك، فدخلتنى نفاسة، «٢» فقلت: يا أمير المؤمنين، فى هذا الكتاب خطأ، فأعادوا النظر، فقالوا: ما نراه، فما هو؟ فقلت: أرخ السنة الفارسية بالليالى، والعجم تؤرخ بالايام، واليوم عندهم اربعة وعشرون ساعة، يشتمل على الليل والنهار، وهو جزء من
стр. 261
ثلاثين جزءا من الشهر، والعرب تؤرخ بالليل لان سنتهم وشهورهم قمرية، وابتداء رؤية الاهلة بالليل، قال: فشهدوا بصحة ما قلت، واعترف به ابراهيم، وقال: ليس هذا من علمى، فخف عنى ما دخلنى من النفاسة.
ثم قتل المتوكل قبل دخول السنة الجديدة، وولى المنتصر واحتيج الى المال، وطولب به الناس على الرسم الاول، وانتقض ما رسمه المتوكل، فلم يعمل به حتى ولى المعتضد، فقال ليحيى بن على المنجم: قد كثر ضجيج الناس من أمر الخراج، فكيف جعلت الفرس مع حكمتها، وحسن سيرتها، افتتاح الخراج فى وقت لا يتمكن الناس من أداء الخراج فيه، قال: فشرحت له أمره وقلت: ينبغى أن يرد الى وقته، ويلزم يوما من أيام الروم، ولا يقع منه تغيير، فقال: الق عبد الله بن سليمان، فوافقه على ذلك، فوافقه وحسبنا حسابه، فوقع فى اليوم الحادى عشر من حزيران، فأحكم أمره على ذلك، وأثبت فى الدواوين، وكان النيروز الفارسى فى وقت نقل المعتضد له يوم الجمعة لاحدى عشرة ليلة خلت من صفر سنة اثنتين وثمانين ومائتين. ومن شهور الروم الحادى عشر من نيسان، وأخره حسب ما أوجبه الكبس ستين يوما حتى رجع الى وقته الذى كانت الفرس ترده اليه. وكان قد مضى لذلك مائتان واثنتان وثلاثون سنة فارسية، تكون من سنى العرب مائتين وتسعا وثلاثين سنة وبضعة عشر يوما، ووقع بعد التأخير يوم الاربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين ومائتين ومن شهور الروم الحادى عشر من حزيران.
أول من أمر أهل الذمة بتغيير زيهم المتوكل
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: أمر المتوكل أهل الذمة أن يلبسوا العسلى، وان تكون ركبهم حصنا، وان يجعل على مقدمة السرج زر، وكذلك على مؤخره. وعلى القلنسوة مثله، وعلى الدراريع رقاع من قدام ومن
стр. 262
خلف، وعلى أبوابهم صور من خشب.
وأمر ألا يستعان بهم، فأسلم لهذا السبب جماعة منهم: ابو نوح عيسى ابن ابراهيم، وقدامة بن زياد، والهيثم بن خالد كاتب الوزير.
стр. 263
الباب السادس فيما جاء من ذلك عن الأمراء والوزراء والجلساء
стр. 264
أول الأمراء على مكة
عتاب بن أسيد، ولاه النبى- ﷺ حين صدر عن حجة الوداع، أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن أبى الحسن عن رجاله قالوا:
لما توفى النبى- ﷺ ارتدت العرب، وكان عتاب بن أسيد بمكة، استعمله النبى عليها، فخاف ان يرتد أهلها، فبدر اليه منهم بادرة، «١» فنزل شعبا من شعابها، «٢» فجاء سهيل بن عمرو فأخرجه الى المسجد، وخطب الناس فقال:
ان يكن محمد قد مات، فان الله حى لا يموت، وقد علمتم أنى أكثركم قتبا «٣» فى بر، وجارية فى بحر، فقروا على أمركم، وأدوا زكاتكم، وانا ضامن ان لم يتم هذا الامر أن أردها عليكم، فإنى والله أعلم ان هذا الأمر سيمتد كامتداد الشمس من طلوعها الى غروبها، قالوا: وأنى علمت ذلك؟
قال: أنا رأينا رجلا وحيدا جريدا فريدا، لا مال له ولا عز ولا عدد، قام فى ظل هذه الكعبة فقال: أنا رسول الله اليكم، فكنا بين هازل وضاحك، ومستجهل وراحم، فلم يزل أمره ينمو ويتصاعد، حتى دنا له طوعا او كرها، ولو كان من عند غير الله، لكان كالكرة فى يد بعض سفهائكم، فبلغ أبا بكر قوله فشكر له.
стр. 265
أول الأمراء على المدينة
سهل بن حنيف وولاه على- ﵇ حين خرج الى البصرة لقتال اصحاب الجمل، فلما قتل حكيم بن جبلة، وأريد قتل عثمان بن حنيف قال: ان أخى سهلا والى علىّ على المدينة، ولو قتلتمونى لانتصر من ذريتكم، فخلوا سبيله.
أول الأمراء على مصر
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن عمرو بن هشام القرشى ومحمد بن عمرو بن شعيب عن أبيه، وعن غير هؤلاء قالوا: كتب عمر- رضى الله عنه- الى عمرو بن العاص، سنة تسع عشرة، يأمره بالمسير الى مصر، فأتاه الكتاب وهو محاصر قيسارية «١» فسار فى شعبان، فى ثلاثة آلاف وسبعمائة، حتى نزل العواصم، فقال رجل من القبط:
عجبت لهؤلاء، يدخلون مصر فى هذه العدة وهذا العدد، وبها عساكر يتبعها عساكر، فقال صاحب له: لا يقصد هؤلاء أحدا الا قتلوه، ولا ينزلون حصنا الا فتحوه، حتى يقتلوا خيرهم، فاذا فعلوا ذلك، اختلفوا وضعف أمرهم، وسار عمرو حتى أتى غزة، «٢» فبعث ملكها: أن أرسل الى رجلا من أصحابك أكلمه، فقال عمرو: ما له أحد غيرى، فدخل المدينة، فسمع منه كلاما لم يكن بمثله له عهد، فقال: هل فى أصحابك مثلك؟ قال: لا تسأل عن هوانى عليهم، وانما بعثونى اليك وقالوا: لو نزل به حاذرا «٣» كان نزل بأهوننا، فأمر له بجائزة وكسوة وبعث الى البواب، اذا مر بك فاضرب عنقه، وخذ ما معه، فلما خرج لقيه نصرانى من غسان، فقال له: يا عمرو قد أحسنت الدخول، فأحسن الخروج، فنبهه، فرجع الى الملك، فقال: قد نظرت الى ما أعطيتنى
стр. 266
فوجدته لا يسع بنى عمى، فأردت ان أجيئك بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية، وتكسوهم هذه الكسوة، فيكون معروفك عند عشرة، فقال: مرحبا بهم، عجل بهم، وبعث الى البواب ان خل سبيله، فمر عمرو يتلفت حتى أمن، وندم على ما فعل ولم يفارقه حتى صالحه، فلما أتى به الى عمرو قال: وأنت هو؟ قال: نعم، على ما كان من غدرك.
وسار حتى أتى فسطاط «١» - وقد خندق أهلها- فأقام عليهم، وقدم الزبير بن العوام فى خمسة آلاف، وقال: جئت أميرا على الجماعة. فقال عمرو بن العاص: بل جئت مددا، ثم اتفقا أن يكون كل واحد منهما أميرا على أصحابه، وخرج المشركون فهزمهم المسلمون، ودخلوا حصنهم فحاصروهم، وقال الزبير: ما نطاول «٢» قوما فى ديارهم، يأتيهم أمدادهم، ووضع سلما على الحصن وصعد، وصعد الناس ففتحوه عنوه. «٣»
وقيل بل فتحوه صلحا على كل رأس دينار، ولكل رجل من المسلمين جبة صوف، وبرنس «٤» وعمامة وخفان، ولهم الاتباع نساؤهم وأولادهم، وذلك سنة عشرين، فأقام عمرو بها أميرا أربع سنين، ثم اجتمع العدو بين مصر والاسكندرية، فسار اليهم عمرو فى عشرة آلاف، على مقدمته شريك بن سحماء فى ألفين فانهزم الاعداء ودخلوا الاسكندرية، فحاصروها ثلاثة أشهر، فكادوه، «٥» فأقاموا النساء على الحصن، ناشرات شعورهن، ووجوههن الى المدينة، عليهن السلاح، والرجال مقبلون عليه يقاتلونه، يخوفونه بكثرة العدد، فناداهم عمرو فقال:
стр. 267
ان كان فيكم رجل مستجاب الدعوة، فسلوه ان يدعو الله تعالى ان يسلطكم علينا فتقتلونا، فإن الآخرة خير لنا من الدنيا.
فتعجبوا وقالوا: من يطيق قوما راحتهم عندهم القتل؟ وقالوا ليس لنا الا أن نصالحهم على ثلاثة عشر ألف دينار،- على كل حالم دينار- وقيل:
ديناران، على ان يخرج منهم من شاء الى الروم، ويقيم من شاء منهم بالاسكندرية.
أول الامراء على البصرة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى وأخبرنا غيره قالوا: كتب قطبة بن قتادة- وهو اول من أغار على السواد من ناحية البصرة- الى عمر- رضى الله عنه- أنه لو كان معه عدد ظفر بمن فى ناحيته من العجم، فبعث عمر عتبة بن غزوان أحد بنى مازن ابن منصور فى ثلاثمائة، وانضاف اليه فى الطريق نحو مائتى رجل، فنزل أقصى البر- حيث يسمع نقيق الضفادع- وكان عمر تقدم اليه بذلك، فكتب الى عمر إنا نزلنا بأرض فيها حجارة بيض. فقال عمر: الزموها فإنها أرض بصرة، فسميت بذلك.
ثم سار الى الابلة «١» فخرج اليه مرزبانها «٢» فى خمسمائة أسوار «٣» فهزمهم عتبة ودخلوا البلد، وأقام عتبة عليها حتى فتحها فى شعبان سنة أربع عشرة وقالوا: فى رجب، وأصاب المسلمون سلاحا وطعاما ومتاعا، وكانوا يأكلون الخبز، وينظرون الى أيديهم، هل سمنوا؟ وأصابوا برانى «٤» فيها جوز فظنوه حجارة، فلما ذاقوه استطابوه، ووجدوا صحناة «٥» فقالوا: ما كنا نظن العجم
стр. 268
تدخر العذرة، «١» وأصاب رجل سراويل فلم يحسن لبسها فرماها وقال: أخزاك الله من ثوب! فما تركك أهلك بخير، وأصابوا أرزا فى قشره، فلم يمكنهم أكله، فظنوه سما، فقالت بنت الحارث بن كلدة: إن أبى كان يقول: اذا أصابت النار السم، ذهبت غائلته «٢» وطبخوه وأكلوه، فاستطابوه وجعلوا يأكلونه، ويقدرون أعناقهم، ويقولون: قد سمنا.
وبعث عتبة بالخمس الى عمر- رضى الله عنه- مع رافع بن الحارث ثم قاتل عتبة أهل دست ميسان، «٣» وظفر بهم، واستأذن عمر فى الحج، فأذن له، فلما حج رده الى البصرة، فلما كان بالفرع «٤» وقصته ناقته «٥» فمات، فولى عمر البصرة المغيرة بن شعبة، فرمى بالزنا، فعزله، وولى أبا موسى.
أول الأمراء على الكوفة
سعد بن أبى وقاص، واسم أبى وقاص مالك.
أخبرنا أبو أحمد الجوهرى عن أبى زيد عن الفضل بن الدكين عن أبى العسل عن هارون بن عبد الله عن عفيف بن معد يكرب. وأخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى عن رجاله قالوا: كان المثنى بن حارثة الشيبانى أول من أغار على السواد من ناحية الكوفة، فبعث عمر- رضى الله عنه- أبا عبيد بن مسعود الثقفى، لينضاف الى المثنى، ويتعاونا على الفرس، فعقد أبو عبيد جسرا، وعزم على العبور اليهم، فنهاه المثنى وغيره من ذوى الرأى، فأبى وعبر بمن كان معه، فقاتلهم فقتل، وقتل من المسلمين ألف وثمانمائة رجل، ونجا الباقون بعد جهد شديد، وبعث عمر سعد بن أبى
стр. 269
وقاص، فافتتح القادسية «١» والمدائن، ومصر الكوفة، ثم عزله حين وشى به الاشعث ورجال من أهل الكوفة.
قالوا: قدمنا على عمر فقلنا: نحب أن تعزل عنا سعدا، فقد اعتدى علينا، ومنعنا حقوقنا قال: لعل ذلك أن يكون! وولى فندمنا على ما قلنا، وخفنا ان يخبر سعدا، فيكون أخبث لنا صحبة مما كان، فتبعناه فقلنا: ان لم تسمع فيه قولنا، فلا تذكره له قال: لعل ذلك أن يكون! فغدونا اليه، فخرج سعد من عنده يسب ويلعن، فقلنا: انه والله بلغه قولنا: واستعمله علينا، ثم قال قائل منا هذا والله غضب معزول، فدخلنا اليه، فقال: انى قد عزلت عنكم سعدا، فأخبرونى، اذا كان الامام عليكم يمنعكم حقوقكم، ويسىء صحبتكم، ما تصنعون؟ قلنا ان رأينا خيرا حمدنا الله، وان رأينا شرا صبرنا.
فقال: لا والله لا تكونوا شهداء فى الارض حتى تأخذوهم فى الحق كأخذهم اياكم فيه، وتضربوهم على الحق، كضربهم اياكم عليه، والا فلا، ثم ولاها عمارا ابن ياسر، وعزله، ثم ولاه ثانية وعزله، وولى جبير ابن مطعم واستكتمه، فأتى رجل ابن أبى ثور فقال: رأيت عمر وجبيرا نجيا، وأظنه قد ولاه الكوفة.
فبعث ابن أبى ثور امرأته- وكان يقال لها لقاطة الحصى لنقلها الاحاديث- الى امرأة جبير، وهى تصلح جهازه للخروج، فقالت: ما تصنعين؟ قالت: أبو محمد يريد سفرا قد كتمنيه. قالت: أو ترضى الحرة من زوجها أن يكتمها أمره؟ فتركت ما كانت عليه متغضبة فقال لها جبير: عودى قالت بالنذور العظام لا أمس شيئا حتى تخبرنى لأى شىء خروجك؟ فأخبرها، فرجعت تعالج، وجاءت لقاطة الحصى، فسألتها عن أمره، فقالت: ذكر لى أمره، واستكتمنيه، فقالت: حلفى لو كان بى مرض ما كتمتك فأخبرتها، فأخبرت ابن أبى ثور، فأخبر صاحبه، فراح إلى عمر فقال: بارك الله لك فى رأيك، قد وليته قويا أمينا، فقال: نشدتك الله! هل رأيتنى مخليا بجبير؟ فأتيت ابن أبى
стр. 270
ثور وأخبرته فأرسل امرأته الى امرأة جبير فاقتص الخبر كأنه معهم؟ فأرسل عمر الى جبير فقال: لا تحدث شيئا، فانك عندى أمين ولكنك ضعيف، فعزله، وولاها المغيرة بن شعبة.
وروى عن المأمون انه قال: الملوك تحتمل كل شىء الا القدح فى الملك وافشاء السر، والتعرض للحرم.
أول الامراء على الشام أبو عبيدة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن أبى الحسن عن رجاله قالوا: لما فرغ أبو بكر- رضوان الله عليه- من أهل الردة، وأمر الحيرة، استنهض الناس الى الشام، فتثاقلوا، فقال عمر: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ
«١» فقال خالد بن سعيد بن العاص: لنا تضرب مثل المنافقين؟ فقال أبو بكر: كلا! ولكن أراد أن يبعث المتثاقلين، فعقد أبو بكر لخالد بن سعيد على الشام، فقال عمر: أتعقد لرجل أمر الناس بالتغالب؟ «٢» وكان خالد حين توفى رسول الله- ﷺ غائبا، فلما قدم وقد بويع أبو بكر، أتى عليا- رضى الله عنه- فقال: أرضيتم أن يليكم رجل من تيم؟
فعزل أبو بكر خالدا، فعقد ليزيد بن أبى سفيان، وبعثه فى سبعة آلاف، ومشى معه وهو راكب، وأوصاه وودعه ثم وجه بعد ثالثة شرحبيل بن حسنة فى سبعة آلاف. ثم وجه أبا عبيدة بن الجراح فى مثلهم أميرا عليهم جميعا، وبعث عمرو بن العاص فى قوم من مسلمة الفتح وغيرهم، فقال عمرو: ألست أميرا على جماعة الناس بالشام؟ قال: لا، أنت أحد الامراء، فاذا اجتمعتم لحرب، فأميركم أبو عبيدة.
وقال عمرو: لا أرى أن يقدم الذين حادوا الله ورسوله، على من قاتل عن دين الله، فغضب سهيل بن عمرو ورجال من قريش، فظنوا أنه عرض بهم. ثم قال
стр. 271
سهيل لهم: اغضبوا على أنفسكم، دعوا ودعيتم، «١» فأسرعوا وأبطأتم، والله لا أدع موقفا وقفته مع المشركين الا وقفته مع المسلمين، فسار عمرو فنزل بغمر الغربان من أرض فلسطين، وأتى يزيد بن أبى سفيان البلقاء «٢» وشرحبيل الأردن، وأبو عبيدة باب، «٣» فصالحه أهلها، فكان أول ما صولح عليه من الشام وكان هرقل بفلسطين، فقال لأصحابه: إنكم قد غيرتم وبدلتم وأفسدتم، فسلط الله عليكم أضعف الأمم عندكم، وان مدينة من مدائنكم لتعدل أضعافهم، فقاتلوا عن أنفسكم وحرمكم، واستخلف أخاه، وخرج الى انطاكية، «٤» فقال أبو بكر- رضى الله عنه- تحوله أول نقصه وهزيمته.
ثم خرج خالد بن سعيد بن العاص فى جماعة الى مرج الصفر «٥» فبلغ أهل بصرى. «٦» فخرجوا فى أربعة آلاف، فأتوهم وهم غارون. فقتلوا خالدا «٧» وجماعة من المسلمين، وانهزم الباقون، فعزم أبو بكر على تولية خالد بن الوليد الشام، وهو بالحيرة، «٨» فكتب اليه بذلك، فاستخلف المثنى بن حارثة، وخرج فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة فى ثمانمائة، فقال محصن بن الحارث الأسدى:
اذا رأيت خالدا مخفّفا ... وكان بين الأعجمين أنصفا
فى فيلق بالنّقع قد تلحّفا ... وهبّت الرّيح شمالا جرحفا «٩»
стр. 272
فى حومة الموت اذا الموت هفا «١» ... لودّ بعض القوم لو تخلّفا
ليس أخو الإسلام إلّا من وفا فجاء حتى وصل طرف المفازة، «٢» فالتمس دليلا، فجىء برافع بن عمير الطائى، فقال له: لا يسلك هذه المفازة الا مغرور، فقال: لا بد من سلوكها، قال: فمن استطاع أن يصر أذن بعيره على ماء فليفعل، فحملوا ما قدروا عليه من الماء، وساروا حتى فنى ماؤهم، وشارفوا الهلاك.
فقال رافع: اطلبوا شجرة عوسج، «٣» فطلبوا فلم يروا شيئا، وكان رافع قد رمد فلم يقدر على الطلب، فقال: هلكت وهلكتم، اطلبوا، فذهبوا يمينا وشمالا، فوجدوا منها جذما، «٤» فقال: احفروا، فحفروا، فاستطلبوا الماء، فارتووا وحملوا، وارتحل خالد، وطرقوا هنوا «٥» من ليلتهم- وهو ماء لكلب- ووافقهم ناس من بهراء «٦» فانحازوا اليهم، فدخل المسيب بن نجبة بيتا فسمع غناء بن النعمان البهرانى يقول:
الا علّلانى قبل جيش أبى بكر ... لعلّ منايانا قريب ولا ندرى
أرينى سلاحى يا سمىّ فإنّنى ... أخاف بيات القوم مطّلع الفجر
стр. 273
فهل لكم فى السّلم قبل لقائهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر «١»
فضربه المسيب فرمى برأسه فى جفنة «٢» كان يشرب منها، وساق أهله وماله.
وقال بعض الطائيين:
لله درّ رافع أنّى اهتدى ... فوّز من قراقر الى سرا «٣»
خمسا اذا سارها الجبس «٤» بكى ... ما سارها قبلك من إنس يرى
وقال رجل من طىء أيضا:
ونحن جلبنا الخيل يوم يراعة ... نطاعن عنها والأسنّه تقطر «٥»
بدوّيّة مرّت كأنّ سراتها ... بأرجائها القصوى ملاء منشّر «٦»
فكان خالد على الشام حتى قام عمر فعزله.
стр. 274
أول من سلم عليه بالإمرة
قيل له السلام عليك أيها الأمير، وكانوا قبل ذلك يقولون للأمراء اذا دخلوا ﵈ عليكم، كما يقولون لغيرهم، وأظن ذلك قيل للمغيرة بن شعبة أيام ولايته على الكوفة لمعاوية.
أول أمير أخذ ما جبى وهرب
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: جبى ابن عباس- وهو وال لعلى (رضى الله عنهما) على البصرة- مالا كثيرا، فقال له أبو الاسود: ان أعطيت من قبلك حقوقهم، وحملت الباقى إلى أمير المؤمنين ليستعين به على أمور المسلمين، فقال: لو كنت يا أبا الاسود من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيا ما بلغت به المرعى، وما أحسنت مهنته فى المساء، فكتب أبو الاسود الى على- ﵇ بذلك، فوجه على مولاه سعدا الى ابن عباس يأمره بحمل المال اليه، فشتمه ابن عباس وتهدده، فخرج حتى أتى عليا، فأخبره فكتب اليه يلومه ويعنفه، وكتب هو يعذر نفسه، ويلزم الذنب سعدا، ثم عمد الى المال، وكان أربعمائة ألف، وقيل سبعة آلاف ألف، «١» واحتمله وخرج، وخرج معه عشرون رجلا من قيس، فجعل يعطى فى طريقه كل من يسأله، حتى أتى مكة فأعطى ما كان معه، واحتجز الباقى.
وكتب اليه على- ﵇ إنى أشركتك فى أمانتى، ولم يكن أحد من أهل بيتى أوثق عندى ولا أرجى لمواساتى منك، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، «٢» والعدو قد حرب، «٣» والأمة فتنت، قلبت ظهر المجن، «٤» وخذلتنى
стр. 275
فلا إمامك آسيت، «١» ولا للامانة أديت، كأنك لم ترد بعملك الله، وكأنك كنت تكيد «٢» الأمه عن دنياها، فلما أمكنتك الفرصة، عاجلتهم الشدة، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب دانية المعزى، «٣» رحيب الصدر تحملها غير متحرج عن أخذها، كأنك حزت تراثك «٤» من أبيك وأمك، واتخذت مكة دارا تشترى بها مولدات الطائف، تختارهن على دينك، تعطى فيهن مال غيرك، سبحان الله! أما تؤمن بيوم الحساب؟ او ما تخاف الميعاد؟ او ما يعظم عندك ان تشترى الاماء، وتنكح النساء، بمال اليتيم والأرملة «٥» والمسكين؟
فأقسم بالله! ما أحب ان ما أصبت كان لى حلالا أنفقه فى سبيل الله لا أحاسب به يوم القيامة، فلا غرو «٦» لأكلك له حراما، فاردد ما أخذت، فو الله لو لم تردده ثم أمكننى الله منك لأعذرن الله فيك، فلو أن حسنا أو حسينا أتيا مثل الذى أتيت، ما كان لهما عندى هوادة «٧» ولا ظفرا فيه منى برخصة، انتهى.
فكتب اليه ابن عباس: بلغنى كتابك تعظم فيه ما أخذت من المال، ولعمرى لحقى فيه أكثر مما أخذت.
فقال على- ﵇ العجب ممن يرى أن له من مال المسلمين أكثر مما لرجل منهم، قد أفلحت ان كان يمينك الباطل، وادعاؤك مالا يكون لك يخرجك
стр. 276
من الاثم، ويحل لك الحرام، عمرك «١» الله إنك اذا لانت السعيد.
وبإسناده قال: ولى على- ﵇ عبد الله بن سوار ابن همام العبدى، البحرين، فجبى مالا وهرب، وكتب اليه على يتهدده، فكتب اليه ابن سوار بشعر، قاله بكير بن وائل الطامى من الازد:
ما إن نبالى اذا ما كنت جنّتنا ... ان نشرط المال شرط الماء بالعسل «٢»
وأنت بحر على قوم تخافهم ... وصخرة فى الأدانى ماؤها وشل «٣»
أول من عرف بالبصرة
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن خلاد بن يزيد عن ناهض ابن سالم عن أبى بكر الهزلى قال: أرسلنى النصر بن عمرو الى الحسن أسأله عن التعريف «٤» هاهنا قال: وما هذا وذاك؟ قلت: إنه لمن خيرهم. قال: أجل فأخبره ان أول من عرف بالبصرة عبد الله بن العباس، قال للناس: هذا يوم عرفة، فهلموا نجتمع فيه، فندعوا الله، لعل دعاءنا يوافق دعاءهم، فتنزل الاجابة فنشركهم فيها، فصعد المنبر، فقرأ سورة البقرة، ففسرها حرفا حرفا وكان متجه نجد غربا.
ومن أول أفعاله ما أخبرنا به أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الحجاج بن نصر عن قرة عن خالد قال: سئل الحسن عن صلاة الكسوف، فقال: صل كما تصلّى، تركع وتسجد، قال رجل: إنهم يقولون: تركع ثم ترفع رأسك ثم تقرأ ثم تركع. قال الحسن: أول من فعل هذا ابن عباس بالبصرة. «٥»
стр. 277
أول رأس ثقف فى الاسلام
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن أبى الحسن قال: عقد على لقيس بن سعد بن عبادة على مصر، فبايعه أهلها إلا أهل قريات كانوا شيعة لعثمان، قالوا له: نعطيك الخراج، ولا نبايع عليا، حتى يجتمع الناس على إمام، فأعطاهم قيس ذلك، فطمع فيه معاوية، فكتب اليه يدعوه الى مبايعته فأبى، فقال لعمرو بن العاص: ان قياس شديد الرأى، شديد البأس، وله نية فى قتالنا، وإن اجتمع علينا أهل العراق، وأهل مصر لم نقم لهم، فما الرأى؟ قال:
نكتب كتابا على لسانه بالمبايعة لك، فإن عيون على يكتبون اليه بذلك فيعزله، «١» فكتب معاوية: من قيس بن سعد، أما بعد: فان قتل عثمان كان حدثا فى الاسلام عظيما، وإنى نظرت لنفسى فلن يسعنى فى دينى مبايعة أهل البغى، وقد ألقيت اليك التسليم، وأجبتك الى قتال عدوك والسلام. وقرأه معاوية على الناس، فكتب عيون على اليه به.
فقال عبد الله بن جعفر: إن قيسا قد داهن، فاكتب اليه بمناجزة «٢» من لم يبايعك، فان فعل، والا فاعزله، فكتب اليه بذلك، فكتب قيس: العجب منك يا أمير المؤمنين! تأمرنى بقتال قوم كافين، ومتى قاتلتهم ظاهروا عليك، فاستجاشوا «٣» عليك بأعدائك، فلم تكن لنا بهم طاقة، فاكفف عنهم، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فكتب اليه على- ﵇ أنا الشاهد، وأنت الغائب، ان عملت برأيى، وإلا فاعتزل.
وقال عبد الله بن جعفر لعلى: ينبغى أن توليها محمد ابن أبى بكر- وكان
стр. 278
محمد أخاه لامه، أمهما أسماء بنت عميس- فولاه اياها، فخرج حتى قدم على قيس، فقال قيس: ان صاحبك وان كان قويا فى بدنه، فإنه ليس بذى علم فى الحرب، فان أردت ان تبقى لك مصر، فاعمل فيها عملى، وودعه وخرج الى المدينة، فخير محمد الذين وادعهم قيس بين البيعة لعلى أو القتال أو الجلاء، فتحايشوا «١» عليه، وكانوا اثنى عشر ألفا، فاضطرب أمره، فلما انقضى امر الحكمين، ازدادوا عليه قوة، واختل أمر مصر.
فقال على: ليس لمصر الا قيس أو الاشتر، فكتب معاوية الى جانستان وهو بالقلزم: «٢» اذا مر بك الاشتر فاحتل عليه حتى تقتله، فلما حصل عنده سقاه شربة عسل فمات، واشتد أهل مصر على محمد، (فاستمد عليا،) «٣» فندب الناس إليه فتثاقلوا، وخرج عمرو بن العاص الى مصر، فى أربعة آلاف، واستعد لهم محمد، فقاتلهم فغلبهم مرارا، ثم كسروه فتفرق عنه أصحابه، وأخذه معاوية ابن خديج، فقال له: أسألك بحق أبى عليك الا خليت عنى! فقال معاوية:
أنا أسأل نفسى بحق الله الا أخلى عنك، وأنت قتلت عثمان، وقدمه فضرب عنقه، وثقف رأسه، «٤» وحمله الى معاوية، وأدخله جيفة حمار واحرقها، فما أكلت عائشة شواء حتى ماتت.
وقالوا: أول رأس حمل فى الاسلام رأس عمرو بن الحمق، قالوا: لما قتل على- ﵇ بعث معاوية فى طلب عمرو بن الحمق، ففاته فأخذ امرأته فحبسها، ثم ظفر عبد الرحمن بن الحكم بعمرو فقتله، وبعث رأسه الى معاوية، فكان أو رأس حمل فى الاسلام، قال أبو هلال: أيده الله (فان كان حمل رأس ابن أبى بكر صحيحا فهو الاول.) «٥»
стр. 279
أول أمير مات بالبصرة
أخبرنا أبو أحمد باسناد بعد علىّ إخراجه قال: قال الحسن: قدم علينا بشر بن مروان بالبصرة- وهو أبيض بض- «١» أخو الخليفة، وابن الخليفة، ووالى العراق، فأتيته مسلما عليه، فقال الحاجب: من أنت؟ قلت: الحسن البصرى. قال: الفقيه؟ قلت: نعم. قال: ادخل الى الامير، واياك أن تديم النظر اليه، وإن سألك عن شىء فاحذف الجواب حذفا، «٢» ولا يكون كلامك الا جوابا، وتجوز فى المجلس ما استطعت، الا أن يجلسك، فدخلت وهو على سرير، وعليه فرش قد كاد يغوص فيها، ورجل قائم متكىء على سيفه، فسلمت فقال: من أنت أعرفك؟ قلت: الحسن البصرى، قال: فقيه هذه المدرة؟
قلت: نعم. قال: ما تقول فى زكاة أموالنا؟ أندفعها الى الفقراء أم السلطان؟
قلت: أى ذلك فعلت جزا عنك قال: فرفع رأسه الى الرجل وقال: لشىء ما يسود من يسود، ثم أومأ الى بالجلوس، فجلست، فجعل يخالسنى «٣» النظر، اذا رميته بطرفى أمال بصره عنى، فاذا خفضت عنه أبرز فى بصره، فتجوزت فى المجلس وقمت، ثم عدت بالعشى، فاذا هو فى صحن مجلسه، والاطباء حواليه، وقالوا: الامير محموم، ثم عدت فى الغد، فاذا الناعية «٤» تنعى والدواب قد جزت نواصيها، فحمل ودفن جانب الصحراء وجاء الفرزدق فقال:
أعينىّ أمّا تسعدانى بالبكا ... فما بعد بشر من عزاء ولا صبر
ألم تر أنّ الأرض دكّت جبالها ... وأنّ نجوم اللّيل بعدك لا تسرى
стр. 280
سيأتى أمير المؤمنين مصيبة ... وتنمى الى عبد العزيز «١» الى مصر
فإنّ أبا مروان بشرا أخاكما ... ثوى «٢» غير متبوع بذم ولا غدر
وقد كان حيّات العراق يخفنه ... وحيّات ما بين المدينة والنّهر «٣»
فما بقى احد كان على القبر إلا خر باكيا، وانصرفت وصليت الى جانب الصحراء ما قدر لى، ورجعت الى القبر، وقد أتى بعبد أسود يحمله أربعة، فدفن الى جانب قبره، فو الله ما فصلت بين القبرين حتى قلت: أيهما قبر بشر؟ وقال الشاعر:
والعطيّات سباب «٤» بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل
أول أمير مات بالكوفة المغيرة بن شعبة أول ما سميت العطيات جوائز فى سلطان ابن عامر
سمعت أصحابنا يتحدثون ان عبد الله بن عامر بن كريز- وكان على العراق من قبل عثمان- بعث جيشا مع قطن ابن عمرو الهلالى الى كرمان، «٥» فى أربعة آلاف، فجرى الوادى بسيل مفرط، فخيف الغرق على من عبر، والعدو على من لم يعبر، فقال قطن: من عبر فله ألف درهم. فعبر رجل وآخر، حتى عبروا كلهم، فأعطاهم عمرو ذلك، وكان أربعة آلاف الف درهم، فاستكثرها
стр. 281
ابن عامر فكتب فيها الى عثمان- رحمة الله عليه- فأجازها وقال: ما كان معونة فى سبيل الله فجائزة، وصارت الجائزة اسم العطية.
قال الكندى:
فداء الأكرمين بنى هلال ... على علّاتهم أهلى ومالى
هم سنوا الجوائز فى معدّ ... فصارت سنّة أخرى اللّيالى
رماحهم تزيد على ثمان ... وعشر عند تركيب النّصال
وقال أهل اللغة: هو من قولهم استجاز الرجل، اذا سأل ان يسقى إبله، وأنشدوا:
عجوز عليها مسحة من ملاحة ... أقاتلتى يا للرّجال عجوز
لو انّ مياه الأرض كانت بكفّها ... لما تركتنا بالمياه نجوز
وابن عامر هو أول من اتخذ ألسنة الموازين من الحديد، وهو أول من لبس الخز، «١» فقال أهل المدينة: قد لبس الامير جلد دب، وهو أول من لبس الطيلسان «٢» من العرب فى الاسلام، وقالوا: أول من لبسه جبير بن مطعم.
أول من صلب رجلا فى الإسلام
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: قال أبو
стр. 282
يعقوب الشروى: أن الوليد بن عقبة دخل مسجد الكوفة، ودعا بساحر يقال له نطروبى، فأراهم فيلا فوق فرس يشتد بهم فى المسجد وأراهم ناقة تشتد على حبل، وحمارا عدا حتى دخل فم نطروبى، ثم خرج من دبره، ومر رجل فضرب عنقه، ووقع رأسه جانبا، ثم قال للسيف: أقمه فأقامه.
وأتى جندب بن كعب الصياقلة، وأخذ من مولى له سيفا، وأتى المسجد فضرب عنق نطروبى، وقال: أحى نفسك. فأراد الوليد قتل جندب، فقام قومه دونه، فحبسه، فلما رأى صاحب السجن صلاته، قال اذهب حيث شئت فقال: أخاف الطاغية عليك، فقال: ما أسعدنى يقتلنى! فانطلق جندب، وبعث الوليد الى صاحب السجن فضرب عنقه وصلبه فى السبخة، «١» فكان أول مصلوب فى الإسلام.
وقالوا: أول من صلب بعد الهجرة رجل بعثته قريش إلى المدينة ليغتال النبى- ﷺ أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن وهب ابن جرير عن أبيه قال: سمعت الحسن يقول: جلس نفر من قريش، فتذاكروا من أصيب منهم ببدر وقالوا: لو وجدنا رجلا يقتل لنا محمدا، ونجعل له ما يريد، فقال رجل أنا جرىء الصدر، جيد الحديد، «٢» جواد الشد «٣» أقتله ثم أهرب فى أحد القيران «٤» أعدو كما يعدو العير فأفلت- والعير الحمار الذكر- فجعل له أربعة رهط كل رجل منهم أوقية، فخرج حتى أتى المدينة، فنزل على ابن عم له، وقال: جئت مسلما، فأطلع الله نبيه على شأنه، فبعث الى الرجل شد ضيفك وثاقا، وائتنى به، فجعل يقول: أهكذا تفعلون بمن تبع دينكم؟ حتى أتى به النبى- ﷺ فقال له: جئت مسلما، فقال: كذبت، وقص عليه قصته
стр. 283
فأنكر، فأمر رسول الله- ﷺ فصلب على جبل بالمدينة، يقال له ذباب، وكان اول مصلوب بالمدينة بعد الهجرة.
أول من وضع الكسور والتوابع على أهل الخراج زياد
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: حكى محمد بن داود بن الجراح عن عبد الله بن سليمان قال: انى لأقف على رأس المهتدى وقد جلس للمظالم، وبحضرته القواد والكتاب، فرفع اليه فى قصة الكسور، فقال لأبى. عرفنى حالها، فقال:
كان عمر- رضى الله عنه- قسط الخراج ورقا «١» وعينا والدراهم تؤدى فيه عددا، ففسد الناس، فكانوا يؤدون الضريبة ووزن الدرهم فيها أربعة دوانق، ويستبدون بالوافى، ووزنه مثقال. «٢»
فلما ولى زياد العراق، طلب بأداء الوافى، فشق ذلك على الناس، وكان يلزم فى حمل المال مؤونة، فألزمها أصحاب الخراج، وزادت فى ذلك عمال بنى أمية زيادة أجحفت بالناس، فلما ملك عبد الملك قرر وزن الدرهم على نصف وخمس مثقال، وترك المثقال على حاله، ثم ألزم الحجاج وعماله الناس الوظائف، وهدايا النوروز والمهرجان، فجرى الرسم به حتى ولى عمر بن عبد العزيز، فأمر باسقاط ذلك كله، واجراء الناس على رسم عبد الملك، فلما ولى يزيد بن عبد الملك بعد عمر، رد الأمر على ما كان عليه، وجرى الامر على ذلك الى أيام المنصور، فخرب السواد، فأزال المنصور الخراج عن الحنطة والشعير، وصيرهما مقاسمة، وترك غيرهما على رسمه.
وحدث بعد ذلك أشياء لزمت عليها مؤنة، فزيدت على المال، فقال المهتدى: معاذ الله ان ألزم الناس ظلما تقدم العمل به وتأخر، وحق ما حمل من
стр. 284
بيت من الاموال أن ينفق عليها منها، وتقدم باسقاط الكسور والتوابع على الناس، فقال الحسن بن مخلد: ان أسقط أمير المؤمنين ذلك، ذهب من مال السلطان عشرة آلاف ألف درهم، ومد بها صوته.
فقال المهتدى: قد عرفت مذهبك فى هذا القول، تريد تحريض الموالى بما انتقص من أموالهم، وما أمتنع ان أقيم حقا لله، وأزيل مظلمة قد تقدمت بها الأيام، وإن كان فى ذلك كل حيف على بيت المال، ولو نظر الموالى فى أمرك وأمر نظرائك، أخذوا ما خوفتهم أن يذهب من مالهم منك، فارتعد الحسن وأبلس، «١» ثم كلم فيه المهدى فوضع له. هذا معنى الحديث.
اول من رسم هدايا النيروز والمهرجان الحجاج، واول من رفع ذلك عمر ابن عبد العزيز، وأول من رسم المقاسمة «٢» المنصور، وأول من رقع الثياب، ولبس الخفاف الساذجة «٣» بالبصرة من الامراء، زياد وهو أول من دعا النقرى، وكانوا يدعون الجفلى، قال أبو هلال: أيده الله- الجفلى أن يدعو الإنسان الى طعامه جميع الحى، والنقرى ان يخص قوما دون قوم قال طرفة:
نحن فى المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
والآدب الذى يدعو الناس الى طعامه، والمأدبة الدعوة. قال الزناد «٤» لعجلان! كيف تدعو الناس؟ قال: على الشرف. ثم على الأسنان، ثم أدعو الذين لا يعبأ الله بهم شيئا قال: ومن هم؟ قال الذين يلبسون ثياب الصيف فى الشتاء، وثياب الشتاء فى الصيف، فقال: هذا هزل ولو تقدمت اليك فيه لأدبتك.
стр. 285
وأما ترقيعه الثياب فقال: ما بال الرجل يأخذ عطاءه ألفين فلا يبلغ الحول حتى يدان أكثر من ذلك؟ فقيل له: ذهب أموال الناس فى الكسوة. فصدر «١» قميصه وجلس فيه، فصدر الناس ثيابهم، وكان الرجل حين ينشق ثوبه يلقيه، فاتخذ الزياديه ولبسها، فلبسها الناس معه، وكان الناس يتكلفون للعيد مراكب يركبونها، فمشى الى العيد ومشى الناس معه، والناس يقتدون برؤسائهم فى أكثر أمورهم، حتى يسمون بأسمائهم، ويكتنون بكناهم، ويفعلون ما يقدرون عليه من أفعالهم.
وكان زياد يرقع ثوبه لئلا يستحى غيره من ترقيع ثوبه، ولا يحمل على نفسه فى استثرائه واستجادته، وكان يعطى الكثير وربما أعطى القليل، لئلا يأنف المسئول عن تقليل العطية عند تعذر الامكان، ولا يقع حجة السائل عن المسئول اذا أعطاه قليلا. وسأله رجل فأعطاه درهما، فقال: أصلح الله الامير- صاحب العراق، وخليفة أمير المؤمنين يعطى درهما؟ فقال: نعم ان من بيده خزائن السموات والارض ربما رزق أخص عبيده، وأقربهم منه وسيلة، التمرة واللقمة فما يكبر عندى أن أصل رجلا من اخوانى ثمانية آلاف درهم، ولا يصغر عندى أن أطعم سائلا رغيفا، اذا كان الجواد الكريم، أرحم الراحمين. يفعل ذلك.
وهو أول من اتخذ الذراع التى تذرع بها الارضون هكذا قالوا:
وأخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن أبى عمرو العمرى عن أبى عبد الرحمن البعلى عن أبى ليلى عن الحكم عن عمر أنه كتب الى عثمان بن حنيف بمساحة السواد، فمسحها بذراع كانت ذراعا وقبضة، فقام الابهام شيئا يسيرا، فهى بين المنتصب والمنضجع.
وقال جعفر بن مهلهل: جعل عبيد الله بن عبيد الله بن معمر لاهل البصرة
следующие страницы →