Полный текст (423 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ابن عامر فكتب فيها الى عثمان- رحمة الله عليه- فأجازها وقال: ما كان معونة فى سبيل الله فجائزة، وصارت الجائزة اسم العطية.
قال الكندى:
فداء الأكرمين بنى هلال ... على علّاتهم أهلى ومالى
هم سنوا الجوائز فى معدّ ... فصارت سنّة أخرى اللّيالى
رماحهم تزيد على ثمان ... وعشر عند تركيب النّصال
وقال أهل اللغة: هو من قولهم استجاز الرجل، اذا سأل ان يسقى إبله، وأنشدوا:
عجوز عليها مسحة من ملاحة ... أقاتلتى يا للرّجال عجوز
لو انّ مياه الأرض كانت بكفّها ... لما تركتنا بالمياه نجوز
وابن عامر هو أول من اتخذ ألسنة الموازين من الحديد، وهو أول من لبس الخز، «١» فقال أهل المدينة: قد لبس الامير جلد دب، وهو أول من لبس الطيلسان «٢» من العرب فى الاسلام، وقالوا: أول من لبسه جبير بن مطعم.
أول من صلب رجلا فى الإسلام
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: قال أبو
стр. 282
يعقوب الشروى: أن الوليد بن عقبة دخل مسجد الكوفة، ودعا بساحر يقال له نطروبى، فأراهم فيلا فوق فرس يشتد بهم فى المسجد وأراهم ناقة تشتد على حبل، وحمارا عدا حتى دخل فم نطروبى، ثم خرج من دبره، ومر رجل فضرب عنقه، ووقع رأسه جانبا، ثم قال للسيف: أقمه فأقامه.
وأتى جندب بن كعب الصياقلة، وأخذ من مولى له سيفا، وأتى المسجد فضرب عنق نطروبى، وقال: أحى نفسك. فأراد الوليد قتل جندب، فقام قومه دونه، فحبسه، فلما رأى صاحب السجن صلاته، قال اذهب حيث شئت فقال: أخاف الطاغية عليك، فقال: ما أسعدنى يقتلنى! فانطلق جندب، وبعث الوليد الى صاحب السجن فضرب عنقه وصلبه فى السبخة، «١» فكان أول مصلوب فى الإسلام.
وقالوا: أول من صلب بعد الهجرة رجل بعثته قريش إلى المدينة ليغتال النبى- ﷺ أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن وهب ابن جرير عن أبيه قال: سمعت الحسن يقول: جلس نفر من قريش، فتذاكروا من أصيب منهم ببدر وقالوا: لو وجدنا رجلا يقتل لنا محمدا، ونجعل له ما يريد، فقال رجل أنا جرىء الصدر، جيد الحديد، «٢» جواد الشد «٣» أقتله ثم أهرب فى أحد القيران «٤» أعدو كما يعدو العير فأفلت- والعير الحمار الذكر- فجعل له أربعة رهط كل رجل منهم أوقية، فخرج حتى أتى المدينة، فنزل على ابن عم له، وقال: جئت مسلما، فأطلع الله نبيه على شأنه، فبعث الى الرجل شد ضيفك وثاقا، وائتنى به، فجعل يقول: أهكذا تفعلون بمن تبع دينكم؟ حتى أتى به النبى- ﷺ فقال له: جئت مسلما، فقال: كذبت، وقص عليه قصته
стр. 283
فأنكر، فأمر رسول الله- ﷺ فصلب على جبل بالمدينة، يقال له ذباب، وكان اول مصلوب بالمدينة بعد الهجرة.
أول من وضع الكسور والتوابع على أهل الخراج زياد
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: حكى محمد بن داود بن الجراح عن عبد الله بن سليمان قال: انى لأقف على رأس المهتدى وقد جلس للمظالم، وبحضرته القواد والكتاب، فرفع اليه فى قصة الكسور، فقال لأبى. عرفنى حالها، فقال:
كان عمر- رضى الله عنه- قسط الخراج ورقا «١» وعينا والدراهم تؤدى فيه عددا، ففسد الناس، فكانوا يؤدون الضريبة ووزن الدرهم فيها أربعة دوانق، ويستبدون بالوافى، ووزنه مثقال. «٢»
فلما ولى زياد العراق، طلب بأداء الوافى، فشق ذلك على الناس، وكان يلزم فى حمل المال مؤونة، فألزمها أصحاب الخراج، وزادت فى ذلك عمال بنى أمية زيادة أجحفت بالناس، فلما ملك عبد الملك قرر وزن الدرهم على نصف وخمس مثقال، وترك المثقال على حاله، ثم ألزم الحجاج وعماله الناس الوظائف، وهدايا النوروز والمهرجان، فجرى الرسم به حتى ولى عمر بن عبد العزيز، فأمر باسقاط ذلك كله، واجراء الناس على رسم عبد الملك، فلما ولى يزيد بن عبد الملك بعد عمر، رد الأمر على ما كان عليه، وجرى الامر على ذلك الى أيام المنصور، فخرب السواد، فأزال المنصور الخراج عن الحنطة والشعير، وصيرهما مقاسمة، وترك غيرهما على رسمه.
وحدث بعد ذلك أشياء لزمت عليها مؤنة، فزيدت على المال، فقال المهتدى: معاذ الله ان ألزم الناس ظلما تقدم العمل به وتأخر، وحق ما حمل من
стр. 284
بيت من الاموال أن ينفق عليها منها، وتقدم باسقاط الكسور والتوابع على الناس، فقال الحسن بن مخلد: ان أسقط أمير المؤمنين ذلك، ذهب من مال السلطان عشرة آلاف ألف درهم، ومد بها صوته.
فقال المهتدى: قد عرفت مذهبك فى هذا القول، تريد تحريض الموالى بما انتقص من أموالهم، وما أمتنع ان أقيم حقا لله، وأزيل مظلمة قد تقدمت بها الأيام، وإن كان فى ذلك كل حيف على بيت المال، ولو نظر الموالى فى أمرك وأمر نظرائك، أخذوا ما خوفتهم أن يذهب من مالهم منك، فارتعد الحسن وأبلس، «١» ثم كلم فيه المهدى فوضع له. هذا معنى الحديث.
اول من رسم هدايا النيروز والمهرجان الحجاج، واول من رفع ذلك عمر ابن عبد العزيز، وأول من رسم المقاسمة «٢» المنصور، وأول من رقع الثياب، ولبس الخفاف الساذجة «٣» بالبصرة من الامراء، زياد وهو أول من دعا النقرى، وكانوا يدعون الجفلى، قال أبو هلال: أيده الله- الجفلى أن يدعو الإنسان الى طعامه جميع الحى، والنقرى ان يخص قوما دون قوم قال طرفة:
نحن فى المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
والآدب الذى يدعو الناس الى طعامه، والمأدبة الدعوة. قال الزناد «٤» لعجلان! كيف تدعو الناس؟ قال: على الشرف. ثم على الأسنان، ثم أدعو الذين لا يعبأ الله بهم شيئا قال: ومن هم؟ قال الذين يلبسون ثياب الصيف فى الشتاء، وثياب الشتاء فى الصيف، فقال: هذا هزل ولو تقدمت اليك فيه لأدبتك.
стр. 285
وأما ترقيعه الثياب فقال: ما بال الرجل يأخذ عطاءه ألفين فلا يبلغ الحول حتى يدان أكثر من ذلك؟ فقيل له: ذهب أموال الناس فى الكسوة. فصدر «١» قميصه وجلس فيه، فصدر الناس ثيابهم، وكان الرجل حين ينشق ثوبه يلقيه، فاتخذ الزياديه ولبسها، فلبسها الناس معه، وكان الناس يتكلفون للعيد مراكب يركبونها، فمشى الى العيد ومشى الناس معه، والناس يقتدون برؤسائهم فى أكثر أمورهم، حتى يسمون بأسمائهم، ويكتنون بكناهم، ويفعلون ما يقدرون عليه من أفعالهم.
وكان زياد يرقع ثوبه لئلا يستحى غيره من ترقيع ثوبه، ولا يحمل على نفسه فى استثرائه واستجادته، وكان يعطى الكثير وربما أعطى القليل، لئلا يأنف المسئول عن تقليل العطية عند تعذر الامكان، ولا يقع حجة السائل عن المسئول اذا أعطاه قليلا. وسأله رجل فأعطاه درهما، فقال: أصلح الله الامير- صاحب العراق، وخليفة أمير المؤمنين يعطى درهما؟ فقال: نعم ان من بيده خزائن السموات والارض ربما رزق أخص عبيده، وأقربهم منه وسيلة، التمرة واللقمة فما يكبر عندى أن أصل رجلا من اخوانى ثمانية آلاف درهم، ولا يصغر عندى أن أطعم سائلا رغيفا، اذا كان الجواد الكريم، أرحم الراحمين. يفعل ذلك.
وهو أول من اتخذ الذراع التى تذرع بها الارضون هكذا قالوا:
وأخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائنى عن أبى عمرو العمرى عن أبى عبد الرحمن البعلى عن أبى ليلى عن الحكم عن عمر أنه كتب الى عثمان بن حنيف بمساحة السواد، فمسحها بذراع كانت ذراعا وقبضة، فقام الابهام شيئا يسيرا، فهى بين المنتصب والمنضجع.
وقال جعفر بن مهلهل: جعل عبيد الله بن عبيد الله بن معمر لاهل البصرة
стр. 286
ذراعا يذرعون بها الدور، من أطول ذراع وجدها الرجل وأقصر ذراع وجدها الآخر. اما الذراع التى يذرع بها الارضون، فان زيادا وضعها فلما قدم سليمان بن على زاد فيها وسماها الهاشمية، فبقيت الى اليوم، وكانت تسمى الزيادية، وقيل: ان ذراع أيام عمر كانت ذراعا وقبضة الابهام منتصبة، وقالوا: انه نظر الى ثلاثة نفر من أطول من يعلمه ذراعا وأوسطه وأقصره فجمعها فأخذ ثلثها، فبعث به الى الكوفة، وأمر سعدا حين كوف الكوفة ان يجعل سككها خمسين ذراعا بذلك.
أول من جمع العراقين
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن المدائن، وأخبرناه عن غيره قال: كان زياد على البصرة وأعمالها الى سنة خمسين، فمات المغيرة بن شعبة بالكوفة،- وهو أميرها- فكتب معاوية الى زياد بعهده على الكوفة مع البصرة، فكان اول من جمعتا له، فشخص الى الكوفة، واستخلف سمرة بن جندب، فرجع زياد وقد قتل سمرة ثمانية آلاف رجل.
قالوا: جاء رجل فأعطى زكاة ماله، وصلّى ركعتين، فقتله سمرة، فأتاه أبو بكرة فقال له: ثم قتلت رجلا عند أحسن عمله، قال: أخوك زياد يأمرنى بذلك، قال: أنت وأخى فى النار.
وكان رسول الله- ﷺ قال لسمرة وأبى هريرة وأبى محذورة:
آخركم موتا فى النار، فمات أبو هريرة، وكان سمرة يسأل عن أبى محذورة، وأبو محذورة يسأل عن سمرة، فمات أبو محذورة، ثم أخذ سمرة الزمهرير «١» فمات شر ميتة، وكان سمرة أول من باع خمرا فى الاسلام.
وأول من اتخد الحرس والعسس، ومشى بين يديه بالحراب والعمد، وجلس بين يديه على الكراسى، وأول من اتخذ السقيف على حوانيت السوق
стр. 287
زياد وذلك حين أمر الا تغلق أبواب الحوانيت، وكانت الكلاب تطرق الامتعة، فأمر بمد السقف عليها، وكان يقول: انا والله ما علونا أعوادكم، «١» واستحللنا فيكم الا بذبنا عن حريمكم، «٢» وأيما عقال «٣» أصيب من مقامى هذا الى خراسان، «٤» فأنا ضامن له.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن التبوذكى عن سليمان بن مسلم عن أبيه قال: سمعت زيادا يقول: من سرق له متاع لم نسأله البينة، فليجىء فليأخذه، وكان الناس يغطون أمتعتهم ويذهبون.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن على بن محمد قال:
كان زياد يؤخر العشاء الآخرة، حتى يصليها آخر من يصلى، ثم يأمر رجلا فيقرأ سورة البقرة او مثلها، يرتل ترتيلا، ثم يمهد قدر ما يرى ان انسانا يبلغ آخر بيت ثم يأمر صاحب شرطة بالخروج، فيخرج، فلا يرى انسانا الا قتله، فأخذ ذات ليلة أعرابيا فأتى به زيادا، فقال: هل سمعت النداء؟ قال: لا والله قدمت بحلوبة لى فغشينى الليل فاضطررتها الى موضع، وأقمت لا صبح ولا علم لى بما كان من الامير، قال: أظنك صادقا. ولكن فى قتلك صلاح الأمة، فأمر فضربت عنقه.
وزياد أول من شدد أمر السلطان، ووكد أمر الملك وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، وخاف الناس من سلطانه حتى أمن بعضهم بعضا، فكان الشىء يسقط من الرجل او المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتى صاحبه فيأخذه، وتبيت المرأة فلا تغلق بابها عليها، وأدر العطاء، وبنى دار الارزاق، فقال حارثة بن بدر الغدانى: يذكر سيرته:
стр. 288
ألا من مبلغ عنّى زيادا ... فنعم أخو الخليفة والأمير
لأنت إمام معدلة وقصد ... وحزم حين تحضرك الأمور
أخوك خليفة الله بن حرب ... وأنت وزيره نعم الوزير
نصبت على الهوى منه ومالى ... محبّة ما يجن «١» له الضّمير
بأمر الله منصور معان ... إذا جار البريّة لا يجور
وقال فى آخرها:
تقاسمت الرّجال به هواها ... فما تخفى ضغائنها «٢» الصّدور
وكان زياد يسوى بين طعامه وطعام أصحابه، فوضع يوما على مائدته شهدة، فقال: أعلى كل مائدة مثلها؟ قيل: لا قال: فارفعوها.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن على ابن محمد عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد لمولاه عجلان: قد وليتك حجابتى، وعزلتك عن أربعة: طارق الليل، فشر ما جاء به، لو كان خيرا ما كنت من شأنه، ورسول صاحب الثغر، فانه ان جلس ساعة فسد عمل سنة، والمنادى بالصلاة، وصاحب الطعام، فان الطعام اذا أعيد عليه التسخين فسد، فأبطأ زياد يوما بالغذاء لشىء كان فيه من أمر الدهاقين، فقال شعبة بن المحسن الضبى:
الغذاء- أصلح الله الأمير- فقال رجل من الدهاقين: بأى ذنب أتيناه حتى
стр. 289
ابتلينا بهولاء الكلاب؟ فسمعها زياد، فقال: بجرأتك على الله وشركك به، وكذبك عليه يا ابن المحسر، لا تعودن لمثل هذا، ودعا بالطعام فأكل، وكان أكولا ذميما، فقال له زياد: ما لك من الولد؟ قال: تسع بنات قال: وأين أكلهن من أكلك؟ قال: أنا أجمل منهن، وهن آكل منى، فقال زياد:
ما أحسن ما سألت! ففرض لهن، فقال ابن محسن:
اذا كنت مرتاد السّماحة والنّدى «١» ... فناد زيادا أو أخا لزياد
يجبك امرؤ يعطى على الحمد ماله ... اذا ضنّ بالمعروف كلّ جواد
وما لى لا أثنى عليه وإنّما ... طريفى منهم كلّه وتلادى «٢»
هما اصلحا أمر البريّة بعد ما ... تفانوا وكادوا يصبحون كعاد
أول من عرف العرفاء
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن ابن سلام عن أبى المعتمر قال: زياد اول من عرف العرفاء، «٣» وجعل عليهم المناكب، «٤» وقال:
العرفاء كالايدى، والمناكب فوقها، وقيل لمعاوية: أنت أذكى الناس أم زياد؟
فقال: انه لا يدع الامر يتفرق عليه، وانه يتفرق على ثم أجمعه، وقال له معاوية: أنا أسوس منك. ضبطت سلطانى باللين، وضبطت سلطانك بالشدة.
стр. 290
وخطب زياد فقال: لا أجد ساقطا رد على شريف، أوحدثا رد على ذى شيبة الا أوجعت بطنه وظهره، وكتب زياد الى معاوية: أنى ضبطت العراق بشمالى، ويمينى فارغة يسأله ولاية الحجاز. فكره ابن عمر ذلك فدعا عليه فخرج فى أصبعه طاعونة، فأراد قطعها، فنهاه شريح عن ذلك وقال: تلقى الله أجذم، قد قطعت يدك خوفا من لقائه. فمات فى سنة ثلاث وخمسين، وكانت ولايته العراق خمس سنين.
أول من أذن معه فى المقصورة أبان بن عثمان
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: قال الواقدى: أول من أذن معه المؤذنون فى المقصورة أبان بن عثمان ابن عفان، وانما كان يؤذن فيما مضى على المنارة، وكان أبان سجلا «١» أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن العليمى عن المدائنى عن عبد الله بن حفص التميمى ومسلمة بن حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية: أن أعرابيا توجه من الموسم يريد المدينة، فكسر به بعيره، فأقبل برحله يحمله، حتى أتى باب أبان ابن عثمان، وهو على المدينة، فسأله فحرمه فأتى عبد الله ابن جعفر فقال لآذنه: «٢» ان معى هدية فأعلموه، فأعلمه فقال: هدية تحملها او يحملها غيرك؟ قال: أحملها. قال: هات فقال:
(أبا جعفر إنّ الجياد تواكلت ... وأدركها عند الحضار فتور) «٣»
أبا جعفر ضنّ الأمير بماله ... وأنت على ما فى يديك أمير
فقال: قد يكون ذلك. فقال: أجل. فقال:
стр. 291
أبا جعفر يا ابن الشّهيد الّذى له ... جناحان فى اعلى الجنان يطير
أبا جعفر إنّ الحجيج ترحّلوا ... وليس لرحلى فاعلمنّ بعير
قال: أصبته انطلق إلى الابل، فتخير أفضل ناقة أو جمل فخذه، فجاء أعرابيا بصيرا بالابل، فتخير ناقة يعدها لرحله، فمنعه الغلام، فرجع الى عبد الله فأخبره، فوجه معه، فقال: أعطه الناقة التى طلب، والغلام الذى منعه، فجاء الغلام الى عبد الله فقال: جعلت فداك! صحبتى. فقال: لا بأس إنه بنا لصب، أتبيعه؟ قال: نعم. قال: بكم؟ قال: ثلاثمائة. قال: هى لك، ودونك السيف فلا تحد عنه، فانى ابتعته بأربعمائة دينار، وأعتق العبد وزوجه وولده، فقال الاعرابى:
حبانى عبد الله نفسى فداؤه ... بأعيس موّار سباط مشافره
والاعيس الابيض تعلوه حمرة والجمع عيس، والموار السريع السير، والسبوط فى سائر النجائب يستحب.
وأبيض من ماء الحديد كأنّه ... شهاب بدا واللّيل ملق عساكره «١»
سأثنى بما أوليتنى يا ابن جعفر ... وما شاكر عرفا كمن هو كافره
ومما روى عن أبان بن عثمان من الامثال ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن هارون بن معروف عن عبد الله ابن وهب قال: قال
стр. 292
حيان: أخبرنى أبو عثمان أنه سمع أبان بن عثمان يقول: قال رسول الله: ﷺ «المجالس أمانة» وقالوا، أحسنوا مجلس العشيرة، فقال:
الرجل اذا كان فى مجلس العشيرة لم يبال ما قال، واذا كان فى غيره تحفظ فى كلامه.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى قال: حدثنا ابن ذكوان قال: حدثنى التوزى قال: لما ولى أبان بن عثمان المدينة كان يطوف بالبيوت بنفسه ليسمع ما يحدث خوفا من أن يعاب بشىء، فسمع قائلا يقول: اللهم اعزل أبان، فقال أبان:- والمدينى لا يعرفه- وما صنع بك؟ قال: ما صنع بى شيئا، ولكنى استطلت ولايته ومللتها، قال له: ويحك! أنما له ستة أشهر، قال: ففى دون هذا نفع الملك، والله انى لامل كنيتى «١» فأغيرها فى كل جمعة، وانى لأؤذن فاذا توسطته مللت، فجئت بمن يتمه عنى.
أول من رفع يديه فى الخطبة يوم الجمعة
عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وكان أول من حكم فى الوصية برأيه، وكان يقول: من سمى جعلته حيث سمى ومن أوصى به حيث أمر الله جعلناه فى الاقربين، وكان أحد الاجواد المذكورين.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الجوهرى قال: قال أبو زيد: كانت لرجل جارية تعجبه، فاحتاج الى بيعها، فجعل يتصبر حتى اضطر، فقالت الجارية:
انى ارى ما بك، فلو بعتنى فانتفعت بثمنى كان أمثل مما أراك تلقى! قال:
أفعل على كره. فأتى بها عبيد الله بن عبد الله بن معمر، فأعجبته فقال: بكم؟
قال: بمائة ألف درهم، وهى خير من ذلك، فنقده الثمن، فلما نهض قال:
стр. 293
ولولا قعود الدّهر بى عنك لم يكن ... يفرّقنا شىء سوى الموت فاعذرى «١»
أروح بهمّ فى الفؤاد مبرّح ... اناجى به قلبا قليل التّصبّر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل الّا أن يشاء ابن معمر
قال: شاء ابن معمر، خذ بيدها والمال لك.
وقالوا: أتى بها عمر بن عبيد الله بن معمر، فذكر البحترى بعد ذلك عبيد الله فقال: وقد رد عليه الحسن بن سهل غلامه نسيما بعد أن أعطاه ثمنه:
وأعطيت ما أعطيت والبشر شاهد ... على فرح بالبشر منك مبشّر
وكان العطاء الجزل ما لم تحلّه ... ببشرك مثل الرّوض ما لم ينوّر
أطعت لسلطان التّكبّر والّلهى «٢» ... وعاصيت سلطان الهوى والتّكبّر
فو الله ما أدرى سلوت عن الهوى ... فأعطيتنيه او حسدت ابن معمر
اول من رآه الناس يتوضأ (يستنجى) بالماء بالبصرة
عبيد الله بن أبى بكرة فقالوا: أنظروا الى هذا الحبشى يلوط استه بالماء، وكان عبيد الله أحد الصلحاء الاجواد. أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى
стр. 294
زيد عن احمد بن معاوية عن محمد بن داود قال: أتت امرأة الى عبيد الله بن أبى بكرة فقالت: أتيتك من بلدة شاسعة، تخفضنى خافضة وترفعنى رافعة، لملمات برين عظمى، «١» وأذهبن لحمى، فصرت ولهى، «٢» أمشى بالحضيض، «٣» قد ضاق على العريض، فسألت فى أحياء العرب عن المحمود سيبه، «٤» المأمون عيبه، والمرجو نائله «٥» والكريم شمائله، فدللت عليك، وانا امرأة من هوازن قد هلك الوالد، وغاب الوافد، «٦» ومثلك سد الخلة، «٧» وفك الغلة، «٨» فافعل بى احدى ثلاث: اما ان تحسن صفدى، «٩» او تقيم أودى، «١٠» او تزودنى الى بلدى، قال: بل أجمعهن لك.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الاصمعى قال: مر عبيد الله بن أبى بكرة ببنى ضبيعة فسلم فقال رجل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال لمن معه احفظوا لى اسم الرجل، فما برحوا حتى أتاه صله «١١»
أول من ميز العتاق والهجن المنذر بن أبى حمصة
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن معاوية ابن عمرو عن أبى اسحاق الفزارى عن أبى عيينة عن ابراهيم ابن المنتشر عن على بن الاقمر، أن الخيل أغارت بالشام وعلى الناس المنذر بن أبى حمصة الوادعى، وأدركت
стр. 295
الفرات من يومها، وجاءت الكوادن «١» ضحى الغد فقال: لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك، وكتب فى ذلك الى عمر- رضى الله عنه- فقال: لقد هبلت «٢» الوادعى أمه، لقد أذكرته، أمضوا على ما قال وفى رواية أبى احمد قال رجل منهم:
ومنّا الذّى قد سنّ فى الخيل سنّة ... وكانت سواء قبل ذاك سهامها
وقالوا: اول من ميز بينها سليمان بن ربيعة.
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن معاوية عن إسحاق عن أبى رجاء عن موسى بن عثمان بن الاسود قال: بعث عمر سليمان بن ربيعة على جيش، وسار معه عمرو بن معد يكرب وطليحة الاسدى، فلقوا العدو فهزموهم وأصابوا غنائم كثيرة، فلما قفل «٣» قسمها، وأمر أن تعرض عليه الخيل، فكان يسهمها ولا يسهم الا لكل عتيق، «٤» فمر به فرس لعمرو وفيه غلظ فقال سليمان: انه لهجين، «٥» وما أريد أن أسهمه، فغضب عمرو وقال:
أجل ما يعرف الهجين الا الهجين، فقدم اليه الاشتر وكان من رهطه فقال: يا عمرو ما تراك الا سلبت الحال التى تكون عليها بالبادية، أما تعلم ان هذا الاسلام، وأن أمر الجاهلية قد اضمحل؟ أما لو أمرنا بك لاخذناك له فقال عمرو: ما عرفت الذل قبل اليوم. وبلغ أمرهما عمر فكتب الى سليمان: أما بعد: فقد بلغنى صنيعك بعمرو، وأنك لم تحسن بذلك ولم تجمل فيه، واذا كنت بمثل مكانك من دار الحرب، فانظر عمرا وطليحة وقربهما منك.
стр. 296
واسمع منهما فان لهما بالحرب علما وتجربة، واذا وصلت الى دار السلام، فأنزلهما منزلتهما التى أنزلا أنفسهما بها، وقرب أهل الفقه والقرآن.
وكتب الى عمرو: أما بعد فقد بلغنى اقتحامك «١» لاميرك، وشتمك له، وان لك لسيفا تسميه الصمصامة، وان لى سيفا أسميه المصمم، وانى أحلف بالله لو قدر لى ووضعته على هامتك «٢» لا أرفعه حتى أقدك «٣» به. فلما جاءه الكتاب قال: والله ان هم ليفعلن.
أول من مشت الرجال معه وهو راكب الاشعث بن قيس
وكان بنو عمرو بن معاوية ملكوه عليهم وتوجوه، أخبرنا أبو القاسم عن المدائنى باسناده قال: قدم حجاج كندة فيهم بنو وليعة، وهم من عمرو بن معاوية، ورسول الله- ﷺ يعرض نفسه على القبائل، فعرض نفسه عليهم فلم يقبلوه. فلما هاجر- ﷺ جاءه وفد كندة، فيهم بنو وليعة والاشعث، فأطعم رسول الله بنى وليعة طعمة من صدقات حضرموت واستعمل على حضرموت زياد بن لبيد البياضى، وأجراها لهم، ثم حدث أمر أوجب ان يتجافوا عنها سنتهم، فأبوا وأبى زياد أن يعطيهم إياها، واختلفوا فارتدت بنو وليعة، وتوفى رسول الله- ﷺ وهم على ردتهم، فأظهروا الشماتة بموته- ﷺ ، وغنت بناياهم وخضبن أيديهن له، فأقر أبو بكر زيادا على حضرموت، وأمره بأخذ البيعة له على أهلها، واستيفاء صدقاتهم، فبايعوه غير بنى وليعة، ثم خرج يقبض الصدقات من بنى عمرو بن معاوية، فأخذ ناقة لغلام لهم، فهتف بمسروق بن معدى كرب، فقال لزياد أطلقها، فأبى، فقال مسروق:
стр. 297
تطلّقها شيخ بخدّيه شيب ... ملمّعا فيه كتلميع الثّرب «١»
ماض على الرّيب اذا كان الرّيب وقال للغلام: قم فأطلقها، فلما قام أمر زياد بحبسه، فاجتمعوا على حرب زياد، فبيتهم زياد وهم غارون، «٢» فقتل وليعة فى جماعة كثيرة، ونهب وسبى، ولحق من نجا منهم بالأشعث، فاستنصروه على زياد فقال: لا أنصركم حتى تملكونى عليكم، فملكوه وتوجوه، فخرج فى جمع كثيف، فكتب أبو بكر الى المهاجر بن أمية- وهو بصنعاء- أن يسير بمن معه الى زياد، فاستخلف (عكرمة بن أبى جهل على الجيش، وتعجل فى كتيبة سريعة، حتى التقى بجيش زياد وهاجم الاشعث فهزمه) «٣» وقتل مروان، ولجأ الباقون الى حصن نجير، فحاصرهم المسلمون، فصالحوهم على ان ينزلوا على حكم أبى بكر، (فأرسلوا هانىء بن مسروق بن معدى كرب، وزرعة بن قبيسة الى أبى بكر) «٤» ووقتوا لهما وقتا، فكتب معهما أبو بكر الى زياد والمهاجر، اذا أتاكم كتابى، ولم تحدثوا فى القوم شيئا، فخلوا سبيلهم، على أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وأخرج معهما المغيرة بن شعبة، فلقيهما رجل فقال لهما: قد هزم المهاجر، فكتما المغيرة الخبر، وتباطآ، فقال الاشعث لاصحابه: أرى صاحبيكم لا يرجعان بخير، فصالح الاشعث المسلمين على أن يؤمنوا منهم عشرة، وكتب فى ذلك كتابا، فقال له الحفشيش: تكتب نفسك وتدعنى، والله لتمحون اسمك وتثبت اسمى، ففعل خوفا منه، واستنزل القوم، وأخذت أسلحتهم.
وقالوا للأشعث: اعزل العشرة، فتركوهم وقتلوا الباقين، وكانوا
стр. 298
سبعمائة وقيل: ثمانمائة، وقطعوا أيدى النساء اللاتى شمتن بوفاة رسول الله- ﷺ وأرادوا قتل الاشعث فقال: أترون أنى طلبت الامان لغيرى وتركت نفسى؟ قالوا: هو ما ترى، قال: أصيروا حكمى الى أبى بكر، فحمل الى المدينة فى الحديد، فعفا عنه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة، وكانت مكفوفة فولدت محمدا واسماعيل، واسحاق، فخرج الاشعث الى السوق، فما مر ببعير ولا شاة ولا بقرة الا عقرها، فصرخ الناس، وجاءوا الى أبى بكر بخبره، فأنكره، فقال: يا خليفة رسول الله أنا رجل غريب، وقد أولمت بها وأثمانها فى مالى، فدفع أثمانها قالوا: وحج رسول الله- ﷺ ، «١» وكان أسامة «٢» أسود أفطس، فقال أهل اليمن: ألهذا الحبشى جيشنا؟ «٣» فارتدوا بعد وفاة الرسول- ﷺ .
أول من ادعى نصرة أهل البيت أول من نال الرئاسة بالحيلة
المختار بن أبى عبيد الثقفى، وهو أول من نال الرئاسة بالحيلة فى الاسلام.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى أحمد عن عيسى ابن دينار قال: سألنا أبا جعفر عن المختار قال: كان كذابا يكذب على الله ورسوله، ولكنه أول من نصرنا، ومن مليح حيله ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى بكر الهذلى عن الاصمعى قال: أراد محمد ابن الحنفية ان يقدم الكوفة أيام المختار، وكان المختار يدعو اليه ويزعم أنه أمره، فبلغ المختار ذلك فقال: ان فى المهدى علامة أن يضربه رجل فى السوق ضربة بالسيف فلا يضره، فلما بلغ ذلك محمدا أقام، وانما قال ذلك لعلمه أن محمدا
стр. 299
اذا ورد الكوفة لم يكن للمختار فيها معه أمر.
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن رجاله قال: قال المختار: أى عبد بايعنا فهو حر، فسمعها عبد الله بن الزبير فقال: كان يقول:
إنى اعرف كلمة لو قلتها كثر تبعى، وهى هذه الكلمة.
قال أبو هلال- أيده الله- أحب الزنج وبنى أمره على هذا فاستمال العبيد.
وكان المختار لا يقرأ حرفا من القرآن، وكان يصلى بالناس صلاة النهار ولا يصلى بهم صلاة الليل، فاتهموه فكانوا يقرأون خلفه.
أخبرنا باسناده عن أبى زيد عن رجاله عن طفيل بن جعدة ابن هبيره قال:
رأيت لجار لنا زيات كرسيا قد شربه الزيت وركبه وسخ كثير، وكنت قد أعدمت، فأخذته منه وجئت المختار، فقلت: كنت اكتمك شيئا ثم لم أستحل ذلك، معنا كرسى كان جعدة بن هبيرة يجلس عليه يرى أن فيه أثرة من العلم، «١» قال: سبحان الله! أفأخرته الى اليوم؟ ابعث به، فبعثت به وقد غسل فخرج عود نضار «٢» أبيض، فغشاه «٣» وأمر لى باثنى عشر ألف درهم وخطب فقال: لم يكن فى الأمم الخالية أمر الا كان فى هذه الامة، وكان فى بنى اسرائيل التابوت، وفيكم هذا الكرسى، اكشفوا عنه، فكشفوه فكبر الناس، ثم أقبل عبيد الله ابن زياد يريد قتاله، فقال لابراهيم بن الاشتر: أمرنى جبريل أن أوليك حربه.
فخرج فى اثنى عشر ألفا وقال له: سيكون لاصحابك جولة، فلا تروعنك، فعندها نزول الملائكة لنصرى، ودفع الى مولاه طيورا بيضا وقال:
стр. 300
كن من ورائهم، ولا يعلمن بك أحد، فاذا التقوا وجالوا فأرسلها، ففعل، وخرج ابراهيم، ومعه الكرسى على بغل يمسكه سبعة عن يمينه وسبعة عن يساره، فقتل من أهل الشام مقتلة عظيمة، وازدادت فتنتهم بالكرسى، وقتل إبراهيم عبيد الله ابن زياد وهو لا يعرفه.
فلما أصبحوا رأوه فاحتزوا رأسه، وحمله إبراهيم الى المختار، فوضعه بين يديه وهو يتغدى، فقال: الحمد لله، وكان قد وضع رأس الحسين ﵇ بين يدى بن زياد، وهو يتغدى ثم بعث به المختار الى ابن الحنفية، فأرسله ابن الحنفية الى على بن الحسين، فوصل اليه وهو يتغدى فقال: الحمد لله! دخلت على ابن زياد، وبين يديه رأس أبى وهو يتغدى، وأتى ابن الزبير بالرأس، ووضع بين يديه، فخرجت حية من تحت الاستار فأخذت بأنفه، فأمر به والقى فى بعض شعاب مكة، ثم سار مصعب من البصرة يريد قتال المختار، فأخرج اليه جيشا فهزمهم مصعب، وجاء فخرج اليه المختار، فقاتله وانهزم وتمثل:
كلّ بؤس ونعيم زائل ... وبنات الدّهر يلعبن بكل
والعطيّات شتات بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل
ودخل القصر، ومعه خمسة آلاف من أصحابه، فحاصرهم مصعب فتمثل المختار بشعر غيلان بن سلمة:
فلو رآنى أبو غيلان اذ حسرت ... عنّى الأمور الى أمر له طبق «١»
لقال رغب ورهب أنت بينهما ... حب الحياة وهول النّفس والشّفق «٢»
стр. 301
إما مسيف على مجد ومكرمة ... او أسوة لك فيمن تهلك الورق «١»
ثم قال لاصحابه: أخرجوا فقاتلوا، فاما أن تظفروا أو تموتوا كراما خير لكم من أن يخرج غدا كل رجل منكم فتضرب عنقه وأنتم تنظرون، فأبوا، فقال: وانى لا أعطى بيدى وخرج فى نفر يسير، فقاتل حتى قتل، والمختار اول من لبس الدراريع «٢» السود بالعراق.
أول من رفع صوته بالتهليل بعد الصلاة مصعب بن الزبير
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن معاوية عن عمرو وعن زائدة عن عطاء بن السائب عن أبى البخترى قال: مر عبيدة بالمسجد فسمع مصعبا حين فرغ من الصلاة يقول: «لا اله الا الله وحده لا شريك له» يرفع صوته بها فقال: ما له؟ قاتله الله! انه لغار بالبدع، ثم صار هذا سنة فى العامة يفعلونها، الا أنهم يقولون فى آخر الصلاة: يا رب يا رب!
أول من مشى خلف الجنازة بلا رداء بالعراق مصعب بن الزبير
مشى كذلك خلف جنازة الاحنف، وقالوا: قدامها، أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن يحيى بن كثير عن قرة بن خالد عن أبى الضحاك قال: رأيت مصعب بن الزبير يمشى قدام جنازة الاحنف فى قميص واحد، وهو أمير العراق، وكان الاحنف مكينا منه، قال أبو زيد: كان ابن عصيفير محبوسا بمائة ألف، فبلغه أن مصعبا يريد الكوفة، فأمر رجلا ان يقسم الا نزل الاحنف فى طريقه، وينزله داره اذا قدم، ففعل، فكلم الاحنف فيه مصعبا، فقال: عليه مائة ألف، فقال: مثلك أيها الامير يسألها؟ ومثلى سألها ومثله
стр. 302
تركت له، فقال: هى لك ومثلها، فلما أحرزها الاحنف جعلها لابن عصيفير.
وكلم الاحنف مصعبا فى عبد الله بن الحر، وكان محبوسا، فأطلقه، فقال ابن الحر: ما أدرى بم أكافئك؟ الا أنى أقتلك فتدخل الجنة وأدخل النار، فقال: لا حاجة لى فى مكافأتك، وكان مصعب من أحسن الناس وجها وأسخاهم كفا وأشجعهم قلبا، وكان أحب عمال العراق الى الناس للينه فى موضع اللين وشدته فى موضع الشدة، وكان أمر أخيه عبد الله مستقيما حتى قتل، فاضطرب أمره وانحل نظامه والذى أنكر على مصعب، وهجن «١» أمره، أنه أمن أصحاب المختار، وهم خمسة آلاف، فلما خرجوا اليه قتلهم، فقال له عبد الله بن عمر: لو أن رجلا أتى غنما للزبير فذبح فى غداة واحدة خمسة آلاف، أكنت تراه مسرفا؟ قال: نعم. واستحيى وقتل عمرة بن النعمان بن بشير زوجة المختار فقال عمر بن أبى ربيعة:
انّ من أعجب العجائب عندى ... قتل بيضاء حرّة عطبول «٢»
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جرّ الذّيول
وبقى مصعب أميرا على العراق حتى صار اليه عبد الملك فقاتله، فاسلمه أهل العراق، وتفرقوا عنه، فبقى فى سبعة، فأمنه عبد الملك، وضمن له أن يوليه العراق فقال: ان مثل هذا الامر لا ينكشف عن مثلى الا وهو غالب او مقتول، فأمن أهل الشام ابنه عيسى، فقال له مصعب: صر اليهم فقد أمنوك فقال: لا تتحدث نساء قريش أنى قد أسلمتك، قال: فتقدم احتسبك، فتقدم فقتل بين يديه، وشد على مصعب عبد الله بن زياد بن ظبيان، وشد عليه مصعب، فضربه فهشم رأسه، فرجع وعالجه، وجاء وشد عليه وزرقه زائده فصرع، ونزل ديلمى- مولى عبد الله بن زياد بن ظبيان- واحتز رأسه، وحمله عبد الله بن زياد الى عبد الملك فلما رآه سجد، فقال عبد الله: ندمت
стр. 303
ألا أكون ضربت رأس عبد الملك حين سجد، فأكون قد قتلت ملكى العراق وتركتها تضطرب، فقال الأقيشر يرثى مصعبا:
والله ما حدّثت قائد جحفل ... عند الوغى متقلّب الأزوال «١»
أمضى وأكرم مشهدا من مصعب ... لولا تقارب مدّة الآجال
وكان لمصعب يوم قتل نيف وثلاثون سنة.
أول من أطاف الناس حول الكعبة للصلاة الحجاج بن يوسف
أخبرنا أبو أحمد عن أبى زيد عن خالد بن عبد العزيز قال: سمعت أبا محمد يقول: ان رجلا من أهل مكة يذكر ان الحجاج أول من أطاف الناس حول الكعبة للصلاة، وكانوا يصلون صفا فقال طاووس: كأنا كنا عن هذا عميا.
أول من اتخذ المحامل
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن معاوية وعن المدائنى وأخبرنا عن غير هؤلاء قال: أول من ركب المحامل الحجاج، وكان المحمل صغيرا مثل محمل اللبن، فرآها رجل يقال له ضب فقال:
كيف نراها بالفجاج تنهض ... بالغيد ليلا والحداة تقبض «٢»
стр. 304
حرض عليهنّ السّقيف النغّض ... والخشب الماسور والمعرّض «١»
فيها علوج كالحمير ربّض ... ذاك وان قيل الفداء أعرضوا «٢»
وقال الشاعر:
أخزى مليك النّاس خزيا عاجلا ... أوّل عبد أحدث المحاملا
عبد ثقيف كان أزلا آزلا وكان مكحول يقول: ان فى المحامل نعمة.
وهو اول من أجرى فى البحر السفن المقيرة، «٣» غير المحذورة- المدهونة- والمسطحة- غير ذات المناحى- وهو اول من نقش على يد كل رجل اسم قريته، ورده اليها وأخرج الموالى «٤» من بين العرب فقال الراجز:
جارية لم تدر ما سوق الابل ... أخرجها الحجاج من كنّ وظل «٥»
لو كان بدر حاضرا وابن جمل ... ما نقشت كفّاك فى جلد حمل
стр. 305
وقال آخر لنوح بن دراج حين استقضى على الكوفة.
يأيّها النّاس قد قامت قيامتكم ... اذ صار قاضيكم نوح بن درّاج
لو كان حيّا له الحجّاج ما سلمت ... كفّاه ناجية من نقش حجّاج
وكان الذى دعاه الى ذلك ان أكثر القراء والفقهاء كانوا من الموالى، وكانوا جل من خرج عليه مع ابن الاشعث، فاراد أن يزيلهم من موضع الفصاحة والادب، ويخلطهم بأهل القرى فيخمل ذكرهم، وكان سعيد بن جبير منهم- كان عبد رجل من بنى أسد اشتراه من ابن العاص فأعتقه- فلما أتى به الحجاج قال: يا شقى بن كسير، «١» أما قدمت الكوفة، وليس بها عربى؟ واستقضيت أبا بردة بن موسى، وامرته ألا يقطع أمرا دونك؟ وجعلتك فى سمارى «٢» وكلهم من رؤوس العرب؟ وأعطيتك ألف ألف درهم تفرقها فى أهل الحاجة لم أسألك عن شىء منها؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك على؟
قال: بيعة لابن الاشعث كانت فى عنقى. فغضب وقال: أفما كانت بيعة أمير المؤمنين فى عنقك من قبل؟ والله لاقتلنك! قال: انى اذا كما سميت سعيد، دعنى أصلى ركعتين، قال: ولوه الى قبلة النصارى، قال سعيد: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
«٣» ثم بطح على الارض، فقال: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ
«٤» ومدت عنقه فضربت، فاختلط عقل الحجاج فى الحال، فقال: قيدونا، فظنوا أنه يريد القيود التى فى رجل سعيد، فقطعوا ساقيه، وأخرجوا القيود، وما زال الحجاج مختلط العقل
стр. 306
حتى مات بعد أيام قلائل، وما قتل بعده أحدا، وقالوا عناه جرير بقوله:
يا ربّ ناكث بيعتين تركته ... وخضاب لحيته دمّ الأوداج «١»
وكان الحجاج اذا نام رأى سعيدا متعلقا بثوبه، ويقول له:
يا عدو الله، فينتبه، ويقول ... مالى ولسعيد بن جبير
وكان لسعيد يوم قتل، سبع وأربعون سنة، وقيل خمس وأربعون.
والحجاج أول من حمل الثلج، وأول من أطعم على ألف مائدة على كل مائدة عشرة رجال. وعليها جنب شواء وثريدة «٢» وسمكة وبرنية «٣» فيها عسل، وكان يقول للناس رسولى اليكم الشمس فاذا زالت فاغدوا لغدائكم، واذا جنحت «٤» فروحوا لعشائكم وكان لا يطعم الا شاميا، وهو أول من أجاز بألف ألف درهم، أجاز الجحاف السلمى فيما حمل من دماء بنى تغلب، وهو أول من قعد على سرير فى حرب، وروى أن مصعبا كان يقاتل أهل الشام ومعه سبعة، وكان يكر عليهم فينفرجون عنه. فيجلس على مرفقة «٥» فيروحون اليه. فيعود اليهم فيتفرقون عنه، فيجىء ويجلس على المرفقة، فما زال ذلك دأبه حتى زرقه زائدة فصرع.
ومن كلام الحجاج وهو من أوائل المعانى، ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن معاوية عن محمد بن حرب عن الشعبى قال: صعد الحجاج المنبر، فتكلم بكلام لم أسمعه من أحد قبله ولا بعده، قال: أيها الناس كتب الله على الدنيا الفناء، فلا بقاء لما كتب الله عليه الفناء،
стр. 307
وكتب على الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب الله عليه البقاء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، وأقصروا الأمل لقصر الاجل، وقال: رأيت الصبر عن محارم الله، أيسر من الصبر على عذاب الله، وقال يوما: لولا اهوال يوم القيامة لكان يوما نزها «١»
أول من قتل الحجاج بالعراق عمرو بن ضابى البرجمى
أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى عاصم عن عوف عن أبى رجاء عن أبى بكر الانبارى عن أبيه عن أحمد بن أبى عبيد عن محمد بن زياد بن ريان الكلبى عن عبد الملك بن عمير قالوا: كان عمر وعثمان يعاقبان على الهجاء فاستعار ضابى من قوم كلبا يقال له: فرحان، فأرادوا أخذه منه فقال:
تجشّم نحوى وفد فرحان خطّة ... تظلّ بها الوجناء وهى حسير «٢»
فراحوا بكلب مردفيه كأنّما ... حباهم بتاج المرزبان أمير «٣»
فأمّكم لا تتركوها وكلبكم ... فإنّ عقوق الوالدين كبير
اذا غبرت من آخر الّليل دخنة ... يظلّ لها فوق الفراش هرير «٤»
стр. 308
فاستعدوا عليه عثمان بن عفان، فقال له: ويلك! رميت أم قوم بكلبهم، لو كنت فى عهد رسول الله- ﷺ لنزل فيك قرآن، فضربه وحبسه، ثم عرض عليه، فوجد عنده خنجرا أراد أن يغتال به عثمان، فرده الى الحبس فقال:
هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله «١»
وما الفتك ما أمّرت فيه ولا الّذى ... تحدّث من لاقيت أنّك فاعله
وما الفتك الّا لامرىء ذى حفيظة ... اذا همّ لم ترعد عليه خصائله «٢»
فمات ضابى فى الحبس، فلما قتل عثمان جاء عمير بن ضابى البرجمى «٣» فوطئه، وقالوا: لطمه.
قال عبد الملك بن عمير: فلما اشتدت شوكة أهل العراق وطال توثبهم بالولاة، خطب عبد الملك الناس فقال: ان العراق قد علا لهبها، وسطع وميضها، «٤» وعظم الخطب بها، فجمرها زكى، «٥» وشهابها ورى، «٦» فهل من رجل ذى سلاح عتيد، «٧» وقلب شديد، فينتدب لهم؟ فيخمد نيرانها ويبيد شبابها، فسكت الناس، فوثب الحجاج فقال: أنا يا أمير المؤمنين للعراق،
стр. 309
فقال: ومن أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف الثقفى ابن أبى الحكم بن عقيل بن مسعود صاحب رسول الله- ﷺ وعظيم القريتين، فقال: اجلس فلست هناك، وأطرق عبد الملك مليا، «١» ثم رفع رأسه فقال: من للعراق؟ فسكت الناس، ووثب الحجاج، وقال: انا يا أمير المؤمنين. قال: ومن أنت؟ قال:
من قوم رغبت فى مناكحتهم قريش، ولم يتأبوا منهم، واعادة الكلام مما ينسب صاحبه الى العى، «٢» ولولا ذلك لاعدت الكلام الاول، فقال:
اجلس، فلست هناك، وأطرق ثم رفع رأسه وقال: من للعراق؟ فسكت الناس، فقال: مالى ارى الليوث قد أطرقت ولا ارى اسدا يزأر نحو فريسته، فسكتوا، ووثب الحجاج فقال: أنا للعراق يا أمير المؤمنين. قال: وما الذى أعددت لأهلها؟ قال: ألبس لهم جلد النمر، ثم اخوض الغمرات، «٣» واقتحم الهلكات، فمن نازعنى طلبته، ومن لحقته قتلته بعجلة وريث، «٤» وابتسام وازورار، «٥» وطلاقة واكفهرار، «٦» وشدة ورفق، وصلة وحرمان، فان استقاموا كنت لهم وليا حفيا، «٧» وان خالفوا لم أبق منهم طوديا، «٨» ولا عليك ان تجربنى، فان وجدتنى، للطلى «٩» قطاعا، وللارواح نزاعا، وللأموال جماعا، والا فاستبدل بى، فان الرجال كثير، فقال عبد الملك. أنت لها،
стр. 310
وقال لكاتبه: اكتب له عهده ولا تؤخره، وأعطه من الرجال والكراع «١» والأموال ما سأل، قال عبد الملك بن عمير: بينا نحن جلوس فى المسجد الاعظم بالكوفة اذا أتانا آت فقال: هذا الحجاج بن يوسف، قد قدم أميرا على العراق فاشرأب «٢» نحوه الناس، وأفرجوا له إفراجة عن صحن المسجد، فاذا نحن به يتبهنس «٣» فى مشيته، عليه عمامة خز حمراء، منتكبا «٤» قوسا عربية، يؤم المنبر، فما زلت أرمقه «٥» ببصرى حتى صعد المنبر، فجلس عليه، وما يحدر «٦» اللثام عن وجهه، وأهل الكوفة حينئذ لهم حال حسنة، وهيئة جميلة، وعز ومنعة، يدخل الرجل منهم المسجد ومعه عشرة أو عشرون من مواليه، عليهم الخزوز والقوهية، «٧» وفى المسجد رجل يقال له: عمير بن ضابى البرجمى، فقال: لمحمد بن عمير التميمى، هل لك أن أحصبه؟ قال لا حتى أسمع كلامه، فقال:
لعن الله بنى أمية! يستعملون علينا مثل هذا، ولقد ضيع العراق حين يكون مثل هذا أميرا عليه، والله لو كان هذا كله كلاما ما كان شيئا، والحجاج ينظر يمنة ويسرة، حتى غص المسجد بأهله، فقال: يا أهل العراق! انى لا أعرف قدر اجتماعكم الا اجتمعتم، قال رجل: نعم- أصلحك الله- فسكت هنيهه لا يتكلم، فقالوا: ما يمنعه من الكلام الا العى والحصر، فقام فحدر لثامه، وقال: يا أهل العراق! أنا الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل ابن مسعود.
стр. 311
أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفونى «١»
صليب العود من سلفى نزار ... كنصل السّيف وضّاح الجبين «٢»
وماذا تزدرى الشّعراء منّى ... وقد جاوزت سنّ الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدّى ... ونجّذنى مداورة الشئون
وانّى لا يعود الىّ قرنى ... غداة الغبّ الّا فى قرينى
والله يا أهل العراق إنى لارى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإنى لصاحبها، والله لكأنى أنظر الى الدماء بين العمائم واللحى.
هذا أوان الحرب فاشتدّى زيم ... قد لفّها اللّيل بسوّاق حطم «٣»
ليس براعى إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم «٤»
وقال:
قد لفّها الّليل بعصلبىّ ... وشمّرت عن ساق شمّرىّ «٥»
стр. 312
أروع خرّاج من الدّوىّ ... مهاجر ليس باعرابىّ «١»
وقال:
ما علّتى وأنا شيخ إدّ ... والقوس فيها وتر عردّ
مثل جران العود أو أشدّ ويروى مثل جران البكر أو أشد «٢» ثم قال:
والله يا أهل العراق، ما يغمز جانبى كنغماز التين ولا يقعقع لى بالشنان، «٣» ولقد فرزت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وجريت مع الغاية، وان أمير المؤمنين عبد الملك نثل كنانته «٤» بين يديه، فعجم عيدانها «٥» عودا عودا، فوجدنى أمرها عودا، وأشدها مكسا، فوجهنى اليكم، ورماكم بى، يا أهل الكوفة، يا أهل النفاق والشقاق ومساوىء الاخلاق، انكم طالما أوضعتم فى الفتنة، وأضطجعتم فى مناخ الضلال، وسننتم سنن الغى، وايم الله لالحونكم لحو العود، «٦» ولأقرعنكم قرع المروة، «٧» ولا عصبنكم عصب السلمة
стр. 313
ولاضربنكم ضرب غرائب الابل، «١» أنى والله لا أحلق الا فريت، «٢» ولا أعد الا وفيت إياى وهذه الزرافات، وقال وما يقول، وكان وما يكون، وما أنتم وذاك؟ «٣» يا أهل العراق! انما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرتم بأنعم الله، فأتاها وعيد القرى من ربها فاستوسقوا «٤» واعتدلوا، ولا تميلوا، واسمعوا وأطيعوا، وشايعوا وبايعوا واعلموا أنه ليس منى الاكثار والابذار والاهذار، «٥» ولا مع ذلك النفار والفرار، انما هو انتضاء هذا السيف، ثم لا يغمد فى الشتاء والصيف، حتى يذل الله لامير المؤمنين صعبكم، ويقيم له أودكم، وصعركم «٦» .
ثم انى وجدت الصدق من البر، ووجدت البر فى الجنة، ووجدت الكذب من الفجور، ووجدت الفجور فى النار، وان أمير المؤمنين أمرنى باعطائكم أعطياتكم واشخاصكم لمجاهدة عدوكم وعدو أمير المؤمنين، وقد أمرت لكم بذلك، وأجلتكم ثلاثة أيام، وأعطيت الله عهدا يؤاخذنى به، ويستوفيه منى، لئن تخلف منكم بعد قبض عطائه احد لاضربن عنقه، وأنهبن ماله، ثم التفت الى أهل الشام فقال: يا أهل الشام! أنتم البطانة والعشيرة، والله لريحكم أطيب من ريح المسك الأذفر، وانما أنتم كما قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ
«٧» والتفت الى أهل العراق فقال:
لريحكم أنتن من ريح الابخر وانما أنتم كما قال الله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ
стр. 314
كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ
«١» .
اقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام: فقال القارىء: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين الى من بالعراق من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإنى أحمد اليكم الله، فسكتوا فقال الحجاج من فوق المنبر: اسكت يا غلام، فسكت، فقال: يا أهل الشقاق، ويا أهل النفاق ومساوىء الاخلاق.
يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون ﵇؟ هذا أدب ابن أبيه؟؟ «٢» والله لئن بقيت لكم لاؤدبنكم أدبا سوى أدب ابن أبيه، ولتستقيمن لى أو لاجعلن لكل امرىء منكم فى جسده وفى نفسه شغلا.
اقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فلما بلغ الى موضع السلام صاحوا وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته، ودخل قصر الامارة، وحجب الناس ثلاثة أيام، وأذن فى اليوم الرابع، فدخل عليه عمير بن ضابى، فقال:- أصلح الله الامير- إنى شيخ كبير وقد خرج اسمى فى هذا البعث، «٣» ولى ابن هو على الحرب والاسفار أقوى وأشجع عند اللقاء، فان رأى الامير ان يجعله مكانى فعل، فقال: انصرف أيها الشيخ راشدا، وابعث ابنك بديلا، فلما ولى، قال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الامير! أتعرف هذا؟ قال: لا والله! قال: هو عمير بن ضابى، الذى أراد أبوه ان يفتك بعثمان، فلم يزل محبوسا عنده حتى أصابته الدببلة «٤» فمات. ثم جاء هذا فوطىء أمير المؤمنين عثمان- رضى الله عنه- وهو مقتول. فكسر ضلعا من أضلاعه، وأبوه الذى يقول:
هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله
стр. 315
فقال على بالشيخ، فلما أتى به قال له: أما يوم الدار «١» فتشهده بنفسك، وأما فى قتال الخوارج فتبعث بديلا، ان فى قتلك لصلاحا لاهل المصرين. «٢» يا حرسى! «٣» اضرب عنقه. فضربت عنقه فصاح البراجم على الباب فقال، ارموا اليهم برأسه، فرمى به فولوا هاربين.
وكان ابن عم «٤» لعبد الله بن الزّبير الاسدى، قد سأله ليشفع له الى الحجاج ليأذن له فى التخلف، فلما قتل عمير بن ضابى خرج ولم ينتظر الاذن.
فقال عبد الله بن الزبير:
أقول لإبراهيم لمّا لقيته ... أرى الأمر أمسى مقطعا متصعّبا
تجهّز فإمّا ان تزور ابن ضابىء ... عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثّلج أشهبا «٥»
والّا فما الحجّاج مغمد سيفه ... مدى الدهر حتّى يترك الطّفل أشيبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السّوق أو هى أقربا
стр. 316
فكم قد رأينا تارك الغزو باكيا ... تحمّم حنو السّرج حتّى تحنّبا «١»
فلما اتصلت الخيل والرجال بالمهلب عجب وقال: لقد ولى العراق رجل ذكى.
أخبرنا أبو أحمد عن أبى روق عن الرياش عن الاصمعى عن أبى عمرو قال: خرج عهد عبد الملك الى الحجاج: وليتك المصرين والفوجين وعمان والبحرين، فسر اليها قصير العذار «٢» ، كميش الإزار، «٣» واضغط الكوفة والبصرة، والفوجان سجستان.
والحجاج أول من حبس الرجال مع النساء فى قيد واحد، ووثاق قد شد، وأمر السياسة متشبه فيه بزياد، وكان من قتل أكثر ممن قتل زيادا، وهاب الناس زيادا أكثر مما هابوا الحجاج. وذكر أنه قتل أكثر من مائة ألف رجل، أكثرهم لم يستحق القتل، ومات فى حبسه اثنا عشر ألف رجل أكثرهم لم يستحق الحبس، وأخرجوا وأخرج معهم أعرابى ذكر أنه حبس سبع سنين لانه بال فى أصل ربض واسط، «٤» فلما انصرف قال:
اذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلّينا بغير حساب
أول من ارتشى من عمال العراق ابن هبيرة
وكان نصب ظاهر العراق، وهو أعرابى أمى، وقتله المنصور بواسط، فقال أبو عطاء السندى:
стр. 317
ألا انّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجارى دمعها لجمود
عشيّة قام النّائحات وشقّقت ... جيوب بأيدى مأتم وخدود
أول من ضرب باب القسطنطينية بالسيف عبد الله بن طليب
وكان معه مسلمة فأخذه قيصر بعد ذلك، وأراد قتله فقال: ان قتلتنى ما بقيت بيعة فى بلاد الاسلام الا هدمت، ولا نصرانى الا قتل فخلاه.
أول من عبر نهر بلخ سعيد بن عثمان بن عفان
أخبرنا أبو القاسم باسناده عن أبى الحسن قال: قدم سعيد ابن عثمان- وأمه أم عبد الله بن عمرو بن مخزوم- وافدا على معاوية. فسأله ان يوليه العراق، فأبى، وغضب سعيد ونهض، فلما كان من الغد. صلى الغداة معه، فلما انفتل اخذ بطرف ثوبه وتمثل:
ثكلتك أمّك أىّ سيّد معشر ... يضع الكبير ولا يربّى صغيرا
فقال معاوية: أما والله لقد أخرجتها شنعاء عظيمة، تتبعها ضحكة لا يعرق لها جبينك، ودخل ودعا سعيدا، فسبقه الى الكلام فقال: أما والله لقد رقاك أبى، واصطنعك حتى بلغت الذى لا تجارى اليها، ولا تسامى فيها، فما شكرت بلاءه، ولا جازيت بآلائه، انك قدمت على هذا- يعنى يزيد- والله لانا خير منه أبا وأما ونفسا! قال معاوية: أما سالف بلاء أبيك فقد يحق على الجزاء به، وقد كان شكرى لذلك أنى طلبت بدمه حتى انكشفت الامور، ولست بلائم لنفسى فى التشمير، واما فضل أبيك على أبيه فلا ينكر، هو والله أفضل منى قدما، واقرب برسول الله- ﷺ قرابة، وأما فضل أمك على أمه فلعمرى لا مرأة من قريش خير من أمرأة من كلب، وأما أنت وهو، فو الله لا
стр. 318
أحب أن الغوطة «١» دحست- أى ملئت- ويقال: ملئت دحاس اذا كان مملوءا ناسا رجالا كلهم مثلك لى به، فقال يزيد: يا أمير المؤمنين ابن أختك، وله حق ورحم، وقد عتب فاعتبه، وسأل أمرا فسوغه «٢» ، فولاه خراسان، فسار حتى قدم نيسابور، «٣» وكان معه مالك بن الريز «٤» فقال:
رأيت سنا نار بنيرين «٥» أوقدت ... ورجلى بنيسابوريا بعد منظرى
ثم قطع النهر، وأول من قطعه من أصحابه رفيع أبو العالية، فقال سعيد:
رفعه وعلا، ثم أتى سمرقند، «٦» وأقام عليها، وحلف لا يبرح حتى يدخلها، ويرمى القهندر، فخرج اليه أهلها ثلاثة أيام، فقاتلوه، فقال بعض أصحابه:
فباشر فى الحرب المنايا ولا ترى ... لمن لم يباشرها من الموت مهربا
أخو غمرات لا يروّع جاشه «٧» ... اذا الموت ارتدى وتعصّبا
ففقئت عين المهلب بالطالقات، ثم لزم العدو المدينة فلم يخرجوا لقتاله، وطال مقامه، فدل على حصن فيه أبناء ملوكهم، فصار اليهم فحاصرهم، فخاف العدو أن ظفر بهم أن يقتلهم، فصالحوه على أن يدخل البلد، ويرمى القهندر، «٨» وأعطوه رهناء، فدخل ورماه بحجر فدخل فى بعض كواته، فتطيروا منه، وقالوا: قد ثبت أمر العرب، ثم قفل حتى أتى
стр. 319
مرو، ومعه الرهناء، وورد عليه سليمان ابن فتة فحجبه ولم يأذن له، وكان سعيد بخيلا، فهدده ابن فتة بالهجاء، فقال سعيد: يهجونى وأنا بن عثمان بن عفان؟ فقال: صدق. ان الناس جميعا ولد آدم، ذهبا وفضة ونحاسا، وهو من نحاس بنى آدم، وقال يهجوه:
سألت قريشا عن سعيد فأجمعوا ... عليه وقالوا معدن «١» اللّؤم والبخل
فقلت لنفسى حين أخبرت أنّه ... بخيل ألا ليس ابن عثمان من شكلى؟
وقالت لى النّفس اللّجوج طماعة ... أليس ابن عثمان بن عفّان ذا فضل؟
فقلت: بلى كم من كريم مهذّب ... سليل لئيم عاجز خامل الأصل
وكم من فتى كنّ اليدين مذمّم ... وكان أبوه عصمة النّاس فى المحل «٢»
فأخضعت يأسا حين أيقنت أنّه ... بخيل وقد ألقوا على غاربى حبلى
ووجّهت عيسا نحو عمرو فأخمدت ... مواشكة نفرا تهيّا كالفحل
مرمّد فى عين الزّمان كأنّها ... خداريّة سفعاء تهرب من وبل «٣»
стр. 320
الى ما جد الخدّين سبط بنانه ... اذا سئل المعروف يهتزّ كالنّصل «١»
فألقيت عمرا لا بخيلا بماله ... ولا مغلقا باب السّماحة بالقفل
ثم خرج سعيد الى الشام ومعه الرهناء، ثم خرج الى المدينة بهم وأخذ سيوفهم، وما كان عليهم من حرير وديباج، ومناطق الذهب والفضة، وألبسهم الصوف، وكان يستعملهم فى الحرث والبناء، فاجتمعوا عليه فى بيت فقتلوه وقتلوا أنفسهم، فقيل لسعيد: قتيل الصفد، «٢» قال أبو الحسن: قتلوه فى مجلسه، وصاح أهله، فركب أهل المدينة، وأطافوا بالبيت والصفد فى البيت قد أغلقوه، فكشطوا ظهر البيت، فاذا هم قد قتلوه وقتلوا أنفسهم.
وقالوا: اول من شرب من نهر بلخ، مولى للحكم بن عمرو.
أول من صلى وراء النهر من المسلمين
أخبرنا أبو القاسم باسناده عن أبى الحسن قال: قال زياد لحاجبه: ادع لى الحكم، وهو يريد ابن الحكم بن أبى العاص فدعا الحاجب ابن عمرو بن مجدع، فلما رآه تيمن به. وقال له: صحبة من رسول الله- ﷺ ، فاستعمله على خراسان وقال: ما أردتك، ولكن الله أرادك، فسار حتى قدم خراسان، ففرق العمال، وغدا فقطع النهر، وكان أول من شرب منه بعد قطعه مولى له واستسقاه الحكم، فسقاه فى ترسة، «٣» وصلى ركعتين، فكان أول من صلى وراء النهر. ثم قال له المهلب: النجاة أيها الامير، فلا خير فى المقام والعدو مطل عليك، ففعل، وكتب اليه زياد: ان أمير المؤمنين كتب الى
следующие страницы →