← Адаб

Адаб · id 10529

الأوائل للعسكري

أبو هلال العسكري

Полный текст (423 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فكم قد رأينا تارك الغزو باكيا ... تحمّم حنو السّرج حتّى تحنّبا «١» فلما اتصلت الخيل والرجال بالمهلب عجب وقال: لقد ولى العراق رجل ذكى. أخبرنا أبو أحمد عن أبى روق عن الرياش عن الاصمعى عن أبى عمرو قال: خرج عهد عبد الملك الى الحجاج: وليتك المصرين والفوجين وعمان والبحرين، فسر اليها قصير العذار «٢» ، كميش الإزار، «٣» واضغط الكوفة والبصرة، والفوجان سجستان. والحجاج أول من حبس الرجال مع النساء فى قيد واحد، ووثاق قد شد، وأمر السياسة متشبه فيه بزياد، وكان من قتل أكثر ممن قتل زيادا، وهاب الناس زيادا أكثر مما هابوا الحجاج. وذكر أنه قتل أكثر من مائة ألف رجل، أكثرهم لم يستحق القتل، ومات فى حبسه اثنا عشر ألف رجل أكثرهم لم يستحق الحبس، وأخرجوا وأخرج معهم أعرابى ذكر أنه حبس سبع سنين لانه بال فى أصل ربض واسط، «٤» فلما انصرف قال: اذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلّينا بغير حساب أول من ارتشى من عمال العراق ابن هبيرة وكان نصب ظاهر العراق، وهو أعرابى أمى، وقتله المنصور بواسط، فقال أبو عطاء السندى:

стр. 317

ألا انّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجارى دمعها لجمود عشيّة قام النّائحات وشقّقت ... جيوب بأيدى مأتم وخدود أول من ضرب باب القسطنطينية بالسيف عبد الله بن طليب وكان معه مسلمة فأخذه قيصر بعد ذلك، وأراد قتله فقال: ان قتلتنى ما بقيت بيعة فى بلاد الاسلام الا هدمت، ولا نصرانى الا قتل فخلاه. أول من عبر نهر بلخ سعيد بن عثمان بن عفان أخبرنا أبو القاسم باسناده عن أبى الحسن قال: قدم سعيد ابن عثمان- وأمه أم عبد الله بن عمرو بن مخزوم- وافدا على معاوية. فسأله ان يوليه العراق، فأبى، وغضب سعيد ونهض، فلما كان من الغد. صلى الغداة معه، فلما انفتل اخذ بطرف ثوبه وتمثل: ثكلتك أمّك أىّ سيّد معشر ... يضع الكبير ولا يربّى صغيرا فقال معاوية: أما والله لقد أخرجتها شنعاء عظيمة، تتبعها ضحكة لا يعرق لها جبينك، ودخل ودعا سعيدا، فسبقه الى الكلام فقال: أما والله لقد رقاك أبى، واصطنعك حتى بلغت الذى لا تجارى اليها، ولا تسامى فيها، فما شكرت بلاءه، ولا جازيت بآلائه، انك قدمت على هذا- يعنى يزيد- والله لانا خير منه أبا وأما ونفسا! قال معاوية: أما سالف بلاء أبيك فقد يحق على الجزاء به، وقد كان شكرى لذلك أنى طلبت بدمه حتى انكشفت الامور، ولست بلائم لنفسى فى التشمير، واما فضل أبيك على أبيه فلا ينكر، هو والله أفضل منى قدما، واقرب برسول الله- ﷺ قرابة، وأما فضل أمك على أمه فلعمرى لا مرأة من قريش خير من أمرأة من كلب، وأما أنت وهو، فو الله لا

стр. 318

أحب أن الغوطة «١» دحست- أى ملئت- ويقال: ملئت دحاس اذا كان مملوءا ناسا رجالا كلهم مثلك لى به، فقال يزيد: يا أمير المؤمنين ابن أختك، وله حق ورحم، وقد عتب فاعتبه، وسأل أمرا فسوغه «٢» ، فولاه خراسان، فسار حتى قدم نيسابور، «٣» وكان معه مالك بن الريز «٤» فقال: رأيت سنا نار بنيرين «٥» أوقدت ... ورجلى بنيسابوريا بعد منظرى ثم قطع النهر، وأول من قطعه من أصحابه رفيع أبو العالية، فقال سعيد: رفعه وعلا، ثم أتى سمرقند، «٦» وأقام عليها، وحلف لا يبرح حتى يدخلها، ويرمى القهندر، فخرج اليه أهلها ثلاثة أيام، فقاتلوه، فقال بعض أصحابه: فباشر فى الحرب المنايا ولا ترى ... لمن لم يباشرها من الموت مهربا أخو غمرات لا يروّع جاشه «٧» ... اذا الموت ارتدى وتعصّبا ففقئت عين المهلب بالطالقات، ثم لزم العدو المدينة فلم يخرجوا لقتاله، وطال مقامه، فدل على حصن فيه أبناء ملوكهم، فصار اليهم فحاصرهم، فخاف العدو أن ظفر بهم أن يقتلهم، فصالحوه على أن يدخل البلد، ويرمى القهندر، «٨» وأعطوه رهناء، فدخل ورماه بحجر فدخل فى بعض كواته، فتطيروا منه، وقالوا: قد ثبت أمر العرب، ثم قفل حتى أتى

стр. 319

مرو، ومعه الرهناء، وورد عليه سليمان ابن فتة فحجبه ولم يأذن له، وكان سعيد بخيلا، فهدده ابن فتة بالهجاء، فقال سعيد: يهجونى وأنا بن عثمان بن عفان؟ فقال: صدق. ان الناس جميعا ولد آدم، ذهبا وفضة ونحاسا، وهو من نحاس بنى آدم، وقال يهجوه: سألت قريشا عن سعيد فأجمعوا ... عليه وقالوا معدن «١» اللّؤم والبخل فقلت لنفسى حين أخبرت أنّه ... بخيل ألا ليس ابن عثمان من شكلى؟ وقالت لى النّفس اللّجوج طماعة ... أليس ابن عثمان بن عفّان ذا فضل؟ فقلت: بلى كم من كريم مهذّب ... سليل لئيم عاجز خامل الأصل وكم من فتى كنّ اليدين مذمّم ... وكان أبوه عصمة النّاس فى المحل «٢» فأخضعت يأسا حين أيقنت أنّه ... بخيل وقد ألقوا على غاربى حبلى ووجّهت عيسا نحو عمرو فأخمدت ... مواشكة نفرا تهيّا كالفحل مرمّد فى عين الزّمان كأنّها ... خداريّة سفعاء تهرب من وبل «٣»

стр. 320

الى ما جد الخدّين سبط بنانه ... اذا سئل المعروف يهتزّ كالنّصل «١» فألقيت عمرا لا بخيلا بماله ... ولا مغلقا باب السّماحة بالقفل ثم خرج سعيد الى الشام ومعه الرهناء، ثم خرج الى المدينة بهم وأخذ سيوفهم، وما كان عليهم من حرير وديباج، ومناطق الذهب والفضة، وألبسهم الصوف، وكان يستعملهم فى الحرث والبناء، فاجتمعوا عليه فى بيت فقتلوه وقتلوا أنفسهم، فقيل لسعيد: قتيل الصفد، «٢» قال أبو الحسن: قتلوه فى مجلسه، وصاح أهله، فركب أهل المدينة، وأطافوا بالبيت والصفد فى البيت قد أغلقوه، فكشطوا ظهر البيت، فاذا هم قد قتلوه وقتلوا أنفسهم. وقالوا: اول من شرب من نهر بلخ، مولى للحكم بن عمرو. أول من صلى وراء النهر من المسلمين أخبرنا أبو القاسم باسناده عن أبى الحسن قال: قال زياد لحاجبه: ادع لى الحكم، وهو يريد ابن الحكم بن أبى العاص فدعا الحاجب ابن عمرو بن مجدع، فلما رآه تيمن به. وقال له: صحبة من رسول الله- ﷺ ، فاستعمله على خراسان وقال: ما أردتك، ولكن الله أرادك، فسار حتى قدم خراسان، ففرق العمال، وغدا فقطع النهر، وكان أول من شرب منه بعد قطعه مولى له واستسقاه الحكم، فسقاه فى ترسة، «٣» وصلى ركعتين، فكان أول من صلى وراء النهر. ثم قال له المهلب: النجاة أيها الامير، فلا خير فى المقام والعدو مطل عليك، ففعل، وكتب اليه زياد: ان أمير المؤمنين كتب الى

стр. 321

يأمرنى ان أستصفى له الصفراء والبيضاء، «١» فقال الحكم: كتاب الله قبل كتاب معاوية، والله لو كانت السموات رتقا «٢» على عبد واتقى الله لجعل له مخرجا، ثم قال للناس: اغدوا على غنائمكم فغدوا، فعزل الخمس وقسم الباقى بينهم، فعظم فى أعين المسلمين، ولم يضره مخالفته زيادا ثم دعا يوما فقال: (اللهم إنى مللتهم وملونى فأرحنى منهم وأرحهم منى) فلم يلبث ان مرض ومات سنة خمسين. أول من أمر الناس بالتناهد «٣» فى الغزو الربيع بن زياد وكان أميرا على خراسان، ولاه أياها زياد سنة احدى وخمسين، فتوجه اليها فى خمسين ألفا، فجاشت الترك والهياطلة، «٤» بناحية قوهستان، «٥» فسار اليهم فكان الناس يتبارون فى النفقات، فتعظم عليهم المؤونة، فأمرهم الربيع أن يتناهدوا، فيخرج كل واحد منهم شيئا معلوما، ويولونه رجلا ثقة عليهم، فاذا نفذ أخرجوا مثله. ثم أوقع بالترك فهزمهم، ونكث أهل بلخ فغزاهم، فعادوا الى الصلح، ودخل صاحبه على رئيسهم وطالبه بالجزية ومنعه، فقال: ما هذا؟ قال: أمرنا ان نستأديكم بالصغار وهذا هو الصغار، وكان الربيع يقول: من أراد النجابة فعليه بجسام النساء وقصارهن كتائب الجماع. وكان زياد معجبا بالربيع يقول: من يلومنى على الربيع؟ ما ناظرته فى أمر الا وجدته قد سبق اليه، ولا أتانى منه كتاب الا فى جر منفعة للناس، او دفع مضرة عنهم ولا سألته عن شىء الا وجدت علمه عنده، ولا أصابت ركبته

стр. 322

ركبتى فى مسيرى، ووجه الربيع عبد الله بن أبى عقيل الى خوارزم، فقتلوه، وأصيب رجال من المسلمين ثم ظهر عليهم، فقال يونس بن سعيد: فجاشت من قصور الرّىّ نفسى ... وطارت من جبال خوارزم وبعث الربيع الى زياد مرزبان مرو، فلما قدم عليه أمر زياد الناس فأظهروا السلاح والعدة، فلما وصل إليه، قال: كيف ترى عدتنا مع قرب عهدنا بالسلطان؟ قال: رأيت هذه العدة لمن كان قبلكم، فما أغنت عنهم حين أدبر أمرهم، وما ضركم اذا لم تكن معكم مع اقبال دولتكم؟ قال: صدقت. ودعا الربيع فقال: اللهم ان كان لى عندك خير، فاقبضنى عاجلا، فقد مللت الحياة، وصلى الجمعة وخرج فسقط فمات سنة ثلاث وخمسين رحمه الله تعالى. أول من حذا الخيل، وأول من اتخذ ركب الحديد المهلب بن أبى صفرة وكانت ركب العرب من الخشب فقال فيه الشاعر: ضربوا الدّراهم فى إمارتهم ... وضربت للحدثان والحرب حلقا ترى فيها مرافقهم ... كمناكب الحمّالة الجرب وذلك ان الفارس يصل الراجل بركابه فيوهن مرفقه، وكان المهلب أفضل رأيا وعزيمة وكرما وشجاعة، ونظرا بالجواب وكان يقاتل الخوارج ببعض النواحى، وقد خندق على عسكره وبقربه أجمة «١» فدخلها يوما، فطافها، فلما عاد، قال لاصحابه: زيدوا فى عرض الخندق ذراعا، فقالوا: لا حاجة الى ذلك قال: لا بد منه، فزيد فيه، فلما كان الغد، رأوا شجرة طويلة

стр. 323

قد طرحت فى الخندق، واذا العدو قد عضدوها «١» من تلك الاجمة، وأرادوا نصبها على الخندق، والعبور عليها. وكان يقول لولده: ما رأيت أحدا قط بين يدى، الا أحببت أن يكون ثنائى عليه، واعلموا يا بنى أن ثيابكم على غيركم احسن منها عليكم، وذكر أبو تمام هذا فى قصيدة يخاطب بها على بن مرو ويستهديه فروا. دنا سفر والدّار تنأى وتصقب ... وينسى سراه من يعافى ويصحب «٢» وأيّامنا خزر العيون عوابس ... اذ لم يخضها الحازم المتلبّب «٣» ولا بدّ من فرو اذا اجتابه امرؤ ... غدا وهو سام فى الصنّابر أغلب «٤» أمين القوى لم تحصص الحرب رأسه ... ولم ينض عمرا وهو أبيض أشيب «٥» قال أبو هلال: يقول. لم يطل لبسه وهو أسود لانه اذا كثر بياضه كان أسرى له. يسرّك بأسا وهو غير معمّر ... ويعتدّ للأيّام حين يجرّب تظلّ البلاد ترتمى بضريبها ... وتشمل من أقطارها وهى تجنب قال أبو هلال: يقول: اذا صارت الريح شمالا ذموا صاحبها فكان الريح

стр. 324

جنوبا. إذا البدن المقرور ألبسه غدا ... له راشح من تحته يتصبّب «١» اذا عدّ ذنبا ثقله منكب امرىء ... يقول الحشا احسانه حين يذنب يراه الشّفيف المرثعنّ فينثنى ... حسيرا وتغشاه الصّبا فتنكّب «٢» اذا اليوم أمسى وهو غضبان لم يكن طويل مبالاة به حين يغضب كأنّ حواشيه العلى وخصوره ... وما انحطّ منه جمرة تتلهّب فهل أنت مهديه لمثل شكيره ... من الشّكر يعلو مصعدا ويصوّب له زئبر يحمى من الذّمّ كلّما ... تجلببه فى محفل متجلبب «٣» فأنت العليم الطّبّ أىّ وصيّة ... بها كان أوصى بالثّياب المهلّب أول من اتخذا سفندرورى فيروز حصين سمعت أبا أحمد- ﵀ يقول: قال الجاحظ: لما حرم الحجاج آنية الذهب والفضة ان يؤكل فيها ويشرب، قال فيروز:- وكان من أشرف أبناء ملوك فارس- فى أى الآنية آكل وأشرب؟ قيل: فى آنية

стр. 325

القوارير. قال: تلك يعمل منها المحاجم، «١» لا أتهنى بأكل وشرب فيها، ثم خلط الذهب والفضة بالنحاس، وسماه سفندرورى، واتخذ منه آنية يأكل فيها ويشرب، وكان فيروز من أجلاء الموالى، وكان له محل فى الفرس، وفضل فى نفسه. أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو اسحاق العبشمى قال: أخبرنا محمد بن يزيد قال: كان فيروز حصين جيد البيت فى العجم، كريم المحتد «٢» مشهور الاباء، فلما أسلم والى حصين ابن أبى حر العنبرى، فنسب اليه، وكان جوادا شجاعا نبيل الصورة، ومن محاسنه، ان الحجاج لما حارب ابن الاشعث نادى منادى الحجاج، من أتانى برأس فيروز فله عشرون ألف درهم، ففصل فيروز من الصف، وصاح، من عرفنى فقد عرفنى ومن لم يعرفنى فأنا فيروز حصين، وقد عرفتم مالى ووفائى فمن أتانى برأس الحجاج فله مائة ألف درهم، فقال الحجاج: فو الله لقد تركنى كثير التلفت وأنا بين خاصتى، ثم أنه أتى به بعد ذلك الى الحجاج، فقال: يا فيروز! بذلت فى رأس أميرك مائة ألف درهم؟ قال: قد فعلت، قال: والله لأمدنك ثم لأسلخنك! أين المال؟ قال: عندى، فهل الى الحياة من سبيل؟ قال: لا. قال: فأخرجنى الى الناس حتى أجمع لك، فلعل قلبك ان يرق على! ففعل الحجاج ذلك، فخرج فأحل الناس من ودائعه، واعتق رقيقه، وتصدق بماله، ثم رد الى الحجاج فقال: الآن اصنع ما شئت، فشد فى العصب الفارسى ثم شرح لحمه، ثم نضح بالخل والملح فما تأوه حتى مات. وقريب من هذا ما أخبرنا به أبو احمد قال: أخبرنا أبو اسحاق قال:

стр. 326

أخبرنا محمد بن يزيد قال: حدثنى مسعود ابن بشر قال: قال محمد بن المنتشر الهمدانى: دفع الى الحجاج أزاد مرد بن الهزير، وأمرنى أن استخرج منه وأغلظ عليه، فقال لى: يا محمد أن لك شرفا ودينا وانى لا أعطى على القوة شيئا، فاستأدنى فى رفق، ففعلت، فأدى الى فى أسبوع خمسمائة ألف درهم فبلغ ذلك الحجاج، فأغضبه وانتزعه من يدى، ودفعه الى رجل كان يتولى له العذاب، فدق يديه ورجليه، ولم يعطهم شيئا، قال محمد: فإنى فى السوق يوما فاذا صائح ينادى بى، يا محمد! فإذا هو معرض على بغل مدفوق اليدين والرجلين، فخفت الحجاج ان آتيه، فدنوت منه وملت اليه، فقال: انك وليت منى ما ولى هذا فأحسنت، وانهم صنعوا بى ما ترى، ولم أعطهم شيئا، ولى عند فلان خمسمائة ألف درهم، فخذها فهى لك، فقلت: ما كنت لآخذ على معروفى شيئا، ولا أرزئك «١» على هذه الحال شيئا، قال: فأما اذا أبيت فاسمع أحدثك. حدثنى بعض أهل دينك، عن نبيك أنه قال: اذا رضى الله عن قوم أمطرهم المطر فى وقته، وجعل المال عند سمحائهم، واستعمل عليهم خيارهم، واذا سخط عليهم استعمل عليهم شرارهم وجعل المال عند بخلائهم، وأمطرهم المطر فى غير حينه، قال: فانصرفت، فما وضعت ثوبى حتى وافانى رسول الحجاج، فدخلت اليه والسيف بيده فقال: ما كان من حديث الخبيث؟ فقلت: أيها الأمير! ما غششتك منذ استصحبتنى، وما كذبتك منذ استخبرتنى، ولا خنتك منذ ائتمنتنى، ثم حدثته الحديث، فلما صرت الى ذكر الرجل الذى عنده المال، أعرض عنى وأومأ إلىّ بيده، وقال: ان للخبيث نفسا وقد سمع الأحاديث.

стр. 327

أول من اتخذ الدفاتر للحساب فى الديوان خالد بن برمك وكان قبل ذلك فى أدراج، وهو أول من رسم ديوان الخيل على ما هو عليه اليوم، وجدت بخط أبى أحمد لما استخلف السفاح، أقر خالد بن برمك على ما كان اليه من أمر الغنائم وقسمها. وضم اليه ديوان الخراج والجند فحسن أثره وكان الديوان صحفا مدرجة، فجعلها دفاتر فخص بأبى العباس وعرض اليه بعد أبى سلمة، وقال الشاعر فى آل برمك: وزارة تشغل عقد العاقد ... ورثتموها عن أبيكم خالد قد أحكمت بالشّد والوطائد ... للولد الغابر بعد الوالد «١» قال ابراهيم السندى: كان خالد بن برمك مع قحطبة وقد نزل قريبا من العدو فى حرب، فنظر خالد الى الصحراء وقال: أيها الأمير! ناد فى الناس بالركوب والاستعداد للحرب قال: وما ذاك؟ ثم طلع سرعان «٢» حبل العدو، فصادفوا منهم هيئة واستعدادا، فدفعوهم، فعجب قحطبة وقال: كيف عرفت ذلك؟ قال: رأيت الوحش مقبلة الينا فعرفت أنها لم تصل الى غير شأنها الا لجيش قد غص «٣» الفضاء، وملأ الصحراء، قال: أمتعنى الله بك، فلولا فطنتك لاصطلمنا «٤» .

стр. 328

وهو أول من سمى سؤال الملوك روادا. وجدت فى خطبة بعض الشيوخ. صار عبد الله بن شريك النميرى فى جملة من أهل البيوتات، الى خالد بن برمك يستميحه «١» فقالوا له: قد حضر سؤالك: فقال: انى والله استقبح لهم هذا الاسم، وقال: رأيت ان أسميهم روادا. فقال عبد الله بن شريك: والله ما ندرى أى يديك عندنا أجل، صلتك أم تسميتنا؟ وقال يزيد بن خالد الكوفى: حذا خالد فى بذله حذو برمك ... فليس له فى الباذلين عديل وكان بنو الآمال «٢» يغزون قبله ... الى اسم على الاعدام فيه دليل يسمّون بالسّؤال فى كلّ موطن ... وان كان فيهم فاضل وجليل فسمّاهم الرّواد سترا عليهم ... كذاك فعال الأنبلين نبيل وكان خالد بن برمك يأمر باجراء الانزال على من يقدم عليه من الزوار، ويتعاهدهم بأنواع التحف، وينزلهم المنازل الواسعة، فاذا تراخت أيام الواحد منهم، أمر له بجارية ناهد «٣» بكر فقدم عليه أبو جيش النمرى وأنشده شعرا منه:

стр. 329

وما أنا إذ زرت الاغرّ ابن برمك ... من النّاهد البيضاء بالمتباعد وزير أمير المؤمنين ومن له ... يد فضلت فى الجود كلّ مجاود فقال: لا تنصرف الا وهى معك، وكان وقت العشاء الآخرة وقال لوكيله: أحضر وصيفة بيضاء ناهدا. قال: من أين لى ذلك فى هذا الوقت؟ قال: لا بد، وكان لا يراجع قال: فجئته بوصيفة كانت لى، فدفعتها اليه واحتسبتها بثمنها لى. وقيل ان المساور بن النعمان- وكان على كورة فارس- أول من سمى السؤال زوارا، وأنشدوا: انّ المساور أعطى اللّائذين به ... مع اللهى أحسن الأسماء للبشر كانوا يسمّون سؤالا فصيّرهم ... دون البريّة زوارا ولم يجر أول من اتخذ الجربانات العراض جعفر بن يحيى وكان طويل العنق، فأراد ان يسترها بعرض الجربان، «١» ومدح أبو نواس يحيى بن خالد فأراد أن يجيزه بجائزة سنية، فمنعه جعفر لميلة كانت الى أبان اللاحقى، وكان أبانا يعادى أبا نواس، فقال أبو نواس يهجوه:

стр. 330

قالوا امتدحت فماذا اعتضت قلت لهم ... خرق النّعال واخلاق السّرابيل قالوا فسمّ لنا الممدوح قلت لهم ... أو وصفه يعدل التّفسير فى القيل ذاك الامير الّذى طالت علاقته ... كأنّه ناظر فى السّيف بالطّول وقال فيه: عجبت لهارون الامام وما الّذى ... يرى ويرجىّ منك يا خلقة السّلق قفا خلف وجه قد أطيل كأنّه ... قفا ملك يقضى الهموم على بثق «١» وأعظم زهوا من ذباب على خرا ... والأم من كلب عقور على عرق «٢» قال أبو هلال: وقد ظلمه قبحه الله! فما كان فى الارض أفضل من برمك وبنيه، ولا أتم آلة فى كل فضيلة منهم، ولكن الشاعر كذبه، وقد قيل: وانّما الشّاعر مجنون كلب «٣» ... أكثر ما يأتى على فيه الكذب ووجدت بخط بعض العلماء قال اسحاق الموصلى: ولد لى مولود فحمل الى عبد الله بن مالك عشرة آلاف درهم وقال: اصرفها فى ثمن ظئر، «٤» فقبضتها ثم جئته يوما فاحتبسنى، وأحضر الطعام والشراب وقال:

стр. 331

لم لم تنبسط عندنا كانبساطك عند غيرنا؟ قلت: كأنك تريد البرامك؟ قال: اياهم أردت، قلت: فاسمع حديثا من أحاديثهم، قال: هات. قلت: كنت فى ابتداء أمرى فى منزل ضيق، ولى حمار ليس له مربط، فكنت أربطه فى دهليز «١» فأتأذى بأقذاره، فوقف يحيى بن خالد على ذلك، فقال: ان لوما بنا ان يكون من نخصه ونوده ليس له منزل يصح ان نزوره فيه عند توانيه، ودعا بوكيل له وقال: ابن لابى محمد دارا تصلح أن نجتمع معه فيها، فأومأت الى عدة دور حوالى فأحضر أربابها، وأوقفهم على أثمانها، وانصرف ليحمل لى المال، فحضرته من الغد ودعاهم فقالوا: جاء البارحة رجل أصفهانى ووفانا وأشهد علينا، وما شككنا أنه رسولك، ونحن فى ذلك إذ حضر الاصفهانى، ومعه الفعلة، وأخذوا فى الهدم، فاغتممت غما لاكفاء له، وقلت للوكيل: تبتاع من الجانب الآخر. وابتعنا دويرتين. «٢» وامتنع بقية جيرانى من بيع دورهم. فجعلت أبنى دارا صغيرة، وجعل الاصفهانى يبنى دارا ليس لها نظير حسنا وسعة ونفاسة، وجعل يسابقنى الى ما أريد، من باب حسن وخشب نادر، وبناء مجيد، ونقاش حاذق، فنغصنى عيشى، فلما تم البناء أعلمت يحيى، فقال للوكيل: اشتر لكل دار من دارى أبى محمد ما يصلح له من الفرش الصيفى والشتوى، وما يحتاج اليه من الآلات والاوانى والخدم والغلمان. والوصفاء والوصائف، ما يومىء اليه، ففعل. ثم قال: لا بد ان تعودنا يوما، قلت: متى شئت، فحمل الى مائة ألف درهم وسمى يوما يحضر فيه، فهيأت جميع ما يصلح لمثله. فحضر هو وولده محمد وجعفر والفضل وجماعة ندمائه وخواصه. فطاف فى الدار، ثم صعد الى السطح، وأشرف على دار الاصفهانى، وقد ارتفع بناؤها وفرشت وزينت

стр. 332

فقال: لمن هذه الدار؛ قلت: لرجل أصفهانى، صبه الله على بنصب وعذاب، وقصصت عليه قصته فنزل وقال: يا غلام؛ الفعلة فأحضروا فقال: انقبوا فى هذا الحائط بابا، فنقبوا، ودخلوا! ودخلت معه، واذا فيها عدد ما أعددته من الجوارى والغلمان والفرش والآلات والاوانى، ومثل ما اتخذت من الطعام والشراب، فأكل وأكلنا وقال: لولده: هديتكم الدار الجديدة. فأحضر كل واحد منهم عشرة آلاف دينار. وقال: خذها وتمتع بهذه الدار، ولا تسب الاصفهانى، فانه كان يعمل ما يعمله لك. فقلت هذا واحد من أحاديثهم، وما صار الى منهم فى دفعة واحدة. فمن فعل مثل فعلهم، فعلت به مثل فعلى بهم، والا فلا، فما أجاب عبد الله جوابا. وذكر أحمد بن حذيفة ان المنصور هم بهدم ايوان كسرى، واستعمال آجره «١» فى بناء يبنيه ببغداد، فقال له خالد بن برمك: لا ينبغى ان تفعل ذلك لان هذا البناء، وان كان فخرا للاعاجم، فان ذكره وفخره قد عاد الى أهل الاسلام وذلك أنهم غلبوا على ملك من كان يفتخر بهذا البناء، والغالب أحق بالفخر، فقال له المنصور: أبيت الانصرة الاعاجم، وأمر بهدمه، فهدم منه ثلمة، «٢» وحمل آجره الى بغداد، فنظر، فاذا كل آجرة تقوم عليه بدرهم، فأضرب عن هدمه. فقال له خالد: أما الآن فينبغى أن تهدمه، لئلا يقال: أنه لم يسعه ان يهدم ما وسع الاكاسرة بناءه، فضاقت نفسه عن النفقة فتركه؟ وقالوا: ان ايوان كسرى يحتاج فى هدمه من النفقة الى مثل ما احتاج اليه فى بنائه، وهذا معدوم فيما سواه من الابنية، الا ما يقال فى هرمى مصر.

стр. 333

أول من سمى وزيرا أحمد بن سليمان الخلال وزر لابى العباس السفاح، وسمى خلالا لانه كان يجلس عند الخلالين، كما سمى واصل بن عطاء الغزال، وما باع غزلا قط، وانما كان يجلس فى بعض حوانيت الغزالين، ومثل هذا كثير. وقد وزر احمد لابى العباس السفاح ستة اشهر، وقيل أربعة أشهر، ثم قتل، وكان حسن البيان، قال يوما لابى العباس وقد هم بالعفو عن جماعة من بنى أمية: العفو مقرب من الله ومباعد من النار اذا قصد طريقه، وأصيب به أهله، فأما هؤلاء الذين تضمر قلوبهم غدرا، ويورى رمادهم جمرا لم تقل ضغائنهم، «١» ولا فنيت بوائقهم، «٢» فالقتل لهم أشفى والراحة منهم أعفى، فقتلهم أبو العباس. وكان توقيعه، آمنت بالله وحده. فخرج لابى اللفائف صلة من أبى العباس، وتأخر توقيع أبى سلمة فيها فأنشده: قل للوزير أراه الإله فى الحقّ رشده ... الباذل النّصح طوعا لآل احمد جهده «٣» يا واحد النّاس وقّع آمنت بالله وحده فوقع فيه، وأجازه بأربعمائة درهم من ماله. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن عمرو بن تركى عن الوليد بن هشام عن القحدمى قال: بلغت أبا سلمة فوارض من أبى العباس، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين! ان أمية بن الأسكر وقف على ابن عم له فأنشده.

стр. 334

نشدتك بالبيت الّذى طاف حوله ... رجال بنوه من لؤىّ بن غالب فإنّك قد جرّبتنى هل وجدتنى ... أعينك فى الجلىّ، وأكفيك جانبى وإن معشر دبّت اليك عداوة ... عقاربهم دبّت اليهم عقاربى قال: اللهم نعم. قال: فما بال سيرك الى دسيسا؟ قال: لا تنكرنى والله بعدها! ومن ضن بالعلق النفيس أشفق من تلونه. «١» والله ما سار فكرى الى مجازاتك عن ابلائك عندنا الا رجع حسيرا عن بلوغ استحقاقك فقال أبو سلمة: كذا الظن بأمير المؤمنين، والأمل فيه والمرجو عنده، ودنا فقبل يده، وكان قتله بعد ذلك بأسبوع. كتب أبو العباس الى أبى مسلم: ان أبا سلمة قد نافق فوجه أبو مسلم عزار بن أنس فى جماعة، فلما خرج أبو سلمة من عند أبى العباس ليلا، وثبوا عليه وأحكموا، ثم ضربوه فقتلوه، فقال الناس: قتله الخوارج، فقال سليمان بن المهاجر: انّ المساءة قد تسرّ وربّما ... كان السّرور بما كرهت جديرا انّ الوزير وزير آل محمّد ... أودى فمن يشنأك «٢» كان وزيرا أول من افتتح المكاتبة فى تهنئة النيروز والمهرجان أحمد بن يوسف الكاتب أهدى الى المأمون سفط «٣» ذهب، فيه قطعة عود هندى فى طوله

стр. 335

وعرضه، وكتب معها: هذا يوم جرت فيه العادة بألطاف العيد والسعادة، وقد قلت: على العبد حقّ فهو لا بدّ فاعله ... وان عظم المولى وجلت فضائله الم ترنا نهدى الى الله ماله ... وان كان عنه ذا غنى فهو قابله ولو كان يهدى للجليل بقدره ... لقصّر علّ البحر عنه وناهله «١» ولكنّنا نهدى الى من نجلّه ... وان لم يكن فى وسعنا ما يشاكله يقول سعيد بن حميد: على مثل هذا المنظوم والمنثور، فكتب الى أبى صالح بن يزداد، وكان خلفه على ديوان الرسائل: النفس لك، والمال منك، والرجاء موقوف عليك، والأمل مصروف اليك، فما عسانا ان نهدى لك فى هذا اليوم، وهو يوم قد شملت فيه عادة الاتباع الاولياء باهدائهم السادة العظماء، وكرهنا أن نخليه من سنة، فنكون من المقصرين، او ندعى أن فى وسعنا ما يفى بحقك علينا فنكون من الكاذبين، فاقتصرنا على هدية تقضى بعض الحق، وتقوم عندك مقام أجمل البر، وجمعنا فيها ما تحب من الرفق بنا وسلوك طريق أوليتنا، وهو الثناء الجميل، والدعاء الحسن فقلت: لا زلت أيها السيد الكريم- دائم السرور والغبطة- فى أتم العافية، وأعلى منازل الكرامة، تمر بك الاعياد الصالحة، والايام المفرحة، فتخلقها وأنت جديد. قال أحمد بن طاهر: أخذ صدر هذا الكلام من المعلى ابن أبى أيوب

стр. 336

للمعتصم،- وقد طلب منه مالا ليضمن لامير المؤمنين- والمال منه، وليس فيما أوجبه الحق نقيصة ولا على أحد منا غضاضة «١» وباقية من كلام احمد بن يوسف وغيره، حتى لو ألحق كل كلام بصاحبه لعرى منه سعيد، فلم يكن له الا بالثقة. أول من وزر لثلاثة من ولد العباس محمد بن عبد الملك الزيات وزر للمعتصم والواثق والمتوكل، وكان سبب وزارته ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولى عن الطيب بن محمد الباهلى عن أحمد بن سعيد بن مسلم قال: ورد كتاب من الجبل على المعتصم، يوصف فيه خصب السنة وكثرة الكلأ، فقال لأحمد بن عمارة: ما الكلأ؟ فلم يعرفه فدعا محمد بن عبد الملك فسأله عنه فقال: ما رطب من النبات فاذا جف فهو حشيش، ويسمى أول ما نبت الرطب والبقل، فقال لأحمد: أنت انظر فى الامور والدواوين والأعمال، وهذا يعرض عليه، فعرض عليه أياما، ثم استوزره، وعزل أحمد. وكان محمد قبل ذلك يلى أمور المطبخ والفرش وكان كثير الادب جيد الشعر، فمن شعره فى جاريته شكرانه أم ابنه عمرو- وقد ماتت- وهو أجود شعر علمته فى معناه. تقول لى الخلّان لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟ على حين لم أحدث فأجهل قدرها ... ولم أبلغ السّن الّتى معها الصّبر وكان أبوه زياتا الا أنه كان كثير المال.

стр. 337

وأما أحمد بن عمارة فكان أبوه طحانا من أهل المدائن، أتى البصرة فاتخذ بها ضياعا فكثر ماله. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن احمد بن محمد بن اسحاق عن محمد بن على كاتب على بن صالح الثعلبى قال: جلس أحمد بن عمارة للمظالم أيام وزارته، فتقدم اليه رجل فقال: ان كاتب عجيف وجه غلمانه فنهبوا منزلى، وأخذوا منه قيمة ثلاثين ألف دينار، فأنكر كاتب عجيف ذلك، وقال: من أين كان لك هذا المال؟ قال: أنى أقيم البينة على صحة ما أقول، فقال أحمد: لعمرى ان هذا مال جليل، ولكل شىء دليل، فمن أبوك حتى نستدل على صحة قولك؟ قال: كان أبى طحانا من أهل المذار، انتقل الى البصرة، فاتخذ بها ضياعا، ففتح الله عليه، وعلى من بعده، حتى ملكت هذا المال، وأكثر منه، فتغامز أهل المجلس، فقال: ما علينا من أبيك هات بينتك، فقال الرجل: نعم، كان عمى زياتا كثير المال، ولا ولد له فمات، فورثته، فبلغ الخبر المعتصم، فضحك وأمر أن ينصف من كاتب عجيف، وتحدث الناس بما كان من أمر الرجل، وعجبوا من جدله وفطنته. وكان عبد الملك الزيات يلوم ابنه محمدا على شغله بالادب وتركه للتجارة، فقال له يوما: ما أرى ما أنت فيه ينفعك، فقال: لتعلمن أنه ينفعنى، وخرج الى الحسن بن سهل، فمدحه بقصيدة أولها: كأنّها حين تناءى خطوها ... أخنس موشىّ الشّوى يرعى القلل «١» فأعطاه عشرة آلاف درهم فقال له أبوه: لا ألومك بعدها على شغلك بالادب. وأخذ عليه فى هذا البيت مأخذان: أحدهما قوله: كأنها حين تناءى خطوها، فابتدأ بمضمر ووصف شيئا لم يذكره، والآخر قوله: أخنس موشى

стр. 338

الشوى يرعى القلل، ذكر أن الثور يرعى قمم الجبال، وهذا خطأ فاحش، وانما الثور يرعى فى السهل، والاوعال تكون فى رؤس الجبال، وله فى الأول حجة، وليس له فى هذا حجة. وقال فى هذه القصيدة: الى الوزير الحسن استجلبتها ... أىّ مناخ ومراح ومحل سيف أمير المؤمنين المنتضى «١» ... وحصن ذى الرّياستين المعتقل أنتم يد الملك الّذى صال بها ... خليفة الله على حين وهل «٢» وهضبة الدّين وأنصار الهدى ... وعصمة الحقّ وفرسان النّقل فأين لا أين وأنّى مثلكم ... وأنتم الاملاك والنّاس خول «٣» فدخل يوما الحسن بن سهل على الواثق ومحمد وزيره، والواثق عليل فجعل الحسن يصف له العلل والاغذية، فقال محمد: إنى لك يا أبا محمد الطب؟ قال: قد خدمنا من كل علم رؤساء أهله. فقال محمد: متى كان ذاك؟ - واراد الوضع منه- فقال الحسن: كان ذاك أيام. فأين لا أين وأنّى مثلكم ... وأنتم الاملاك والنّاس خول فانخزل محمد وخجل، ولم يرد جوابا. ومن جيد شعر محمد قوله:

стр. 339

مازال يقصر كلّ حسن دونه ... حتّى تطاول عن صفات النّاعت وقوله: كأنّ مجال الطّرف من كلّ ناظر ... على حركات العاشقين رقيب ومثل خبره هذا مع الحسن بن سهل خبره مع اسحاق ابن الجنيد. قال لاسحاق: يا لوطى! فقال اسحاق: انما حقق على اللواط عندك قولى قبل اللّوم والعذل ... وتخلّى عن الغزل فاستحيى محمد وخجل. وهذا الشعر لمحمد ويصف فيه الغلمان ومنه: وأرى البيض قد قطعن ... من الحبل ما وصل فابتغ وصل كلّ ذى ... هيف مشرف الكفل «١» لا يبالى من شاب من ... عاشقيه او اكتهل كلّما قلت سيّدى ... جدّد الوصل قد فعل وبعد هذا أبيات سخيفة تركتها لسخفها. وكان محمد يقول: ما رحمت شيئا قط، وانما الرحمة خور فى الطبيعة، وضعف فى البنية، «٢» ومت «٣» اليه رجل بجوار كان بينه وبين آبائه فقال: وما الجوار؟ انما الجوار قرابة بين الحيطان. فلما أراد المتوكل قتله أحضر تنورا حديدا- كان محمد اتخذه ليعذب فيه ابن اسباط المصرى- فأجلس فيه فقال: ارحمونى يا هؤلاء، قالوا: هل الرحمة إلا خور فى الطبيعة، وضعف فى البنية؟ أجرينا فيك حكمك فى الناس.

стр. 340

فأجلس فيه الى أن مات بعد ثلاث فدفن فلم يعمق قبره، فنبشته الكلاب فأكلته. وكان الجاحظ منقطعا اليه، فخاف ان يؤخذ مع أسبابه، فلم يتعرضوا له لعلمه، وتقدمه.

стр. 341

الباب السابع فى ذكر القضاة والعلماء والأدباء والقصاص وأصحاب المذاهب ومصنفى الكتب.

стр. 342

أول قاض فى الإسلام عمر بن الخطاب أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال أيوب بن محمد الرقى عن أبى المعافى عن مسعر عن محارب ابن دينار قال: لما ولى أبو بكر قال: أعينونى، فولى عمر القضاء، وأبا عبيدة بيت المال، فمكث عمر سنة لا يأتيه أحد فى قضية، وهذا خلاف ما روى ان أبا بكر لم يتخذ بيت مال، قال: وأول من اتخذه عمر. أول قاض بالمدينة عبد الله بن نوفل أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: حدث مصعب بن الزبير عن محمد بن الضحاك عن عثمان عن أبيه قال: اول قاض بالمدينة عبد الله بن نوفل، استقضاه مروان، وكان أول ما قضى به حقا على آل مروان، فزاده ذلك عند مروان خيرا. أول قاض بالكوفة جبير بن القشعم أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: أول من قضى بين أهل الكوفة جبير بن القشعم بالقادسية، ثم قضى بينهم سليمان بن ربيعة. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الحسن ابن عثمان عن أبى زيادة عن الحجاج عن القاسم ابن عبد الرحمن قال: ضرب رجل دابة فنفحت «١» رجلا فقطعت أذنه، فاختصموا الى سليمان بن ربيعة، وهو على

стр. 343

القضاء بالقادسية، فقضى أن الضمان على الراكب فبلغ ذلك ابن مسعود فقال: الضمان على الضارب لانه انما أصابته النفحة من ضربته. وقالوا: أول من قضى بين أهل الكوفة أبو قرة الكندى. أول قاض بالبصرة أبو مريم الحنفى واسمه أياس بن صبيح بن محرس. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن الحسن ابن عثمان عن أبى عبيدة قال: أول من قضى بين أهل البصرة أبو مريم الحنفى لعتبة بن غزوان، عند قدومه البصرة سنة أربع عشرة، فلم يزل قاضيا حتى مات عتبة فى سنة خمس عشرة، وولى المغيرة بن شعبة فأقره، حتى عزل، فلم يقض بعده الا يسيرا، حتى شكى الى عمر ضعفه فعزله. وكان أبو مريم قتل زيد بن الخطاب أخا عمر، وكان لعمر شدة عليه. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أبى عاصم عن أبى عون عن محمد قال: خرج عمر من الخلاء وهو يذكر شيئا من القرآن، فقال له أبو مريم: انك خرجت من الخلاء، قال عمر: أمن فتيا مسيلمة هذا؟ «١» وكانوا يقولون ان فى عمر شدة عليه لانه قتل أخاه زيدا يوم اليمامة، فلما كان بعد جعل يقول: ان الله أكرم زيدا بيدى، ولم يهنى بيده، «٢» قال له عمر. أقتلته؟ لا أحبك حتى تحب الارض الدم، قال: او يمنعنى ذلك حقى عندك؟ قال: لا. قال: لاضير اذا «٣» وقالوا أول من قضى بالبصرة لعمر سليمان ابن ربيعة وقتل بلنجر من أرض الترك. فى خلافة عثمان (رضى الله عنه) وعظامه عند أهلها يستسقون بها.

стр. 344

قال ابن حمانة: وانّ لنا قبرين قبرا بلنجر ... وقبرا بأعلى الصّين يا لك من قبر فهذا الّذى بالصّين عمّت فتوحه ... وهذا الّذى بالتّرك يسقى به القطر أراد بالذى فى الصين قبر قتيبة بن مسلم، قيل بفرغانه «١» فجعله فى الصين. وقالوا: أول من قضى بالبصرة كعب بن سور؟ أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى قال: حدثنا الحسن بن عثمان عن اسماعيل بن ابراهيم عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبى ان كعب بن سور كان جالسا عند عمر، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجى، انه يبيت ليله قائما، ويظل نهاره صائما فى اليوم الحار وما يفطر، فاستغفر الله لها، وأثنى عليها، وقال: مثلك أنثى الخير، فاستحيت المرأة وقامت راجعة. فقال كعب: يا أمير المؤمنين! هلا أعديت «٢» المرأة على زوجها إذ جاءتك تستعديك؟ قال: أو ذاك أرادت؟ قال: نعم. قال: ردوا على المرأة، فردت، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، هذا زعم انما جئت تشكين زوجك أنه تجنب فراشك، قالت: أجل، أى امرأة لا تبتغى ما يبتغى النساء؟ فأرسل إلى زوجها فجاء فقال لكعب: اقض بينهما، قال أمير المؤمنين أحق بالقضاء بينهما، قال: انك فهمت من أمرهما ما لم أفهم، قال: فانى أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هذه رابعتهن، فأقضى له ثلاثة أيام ولياليهن يتعبد

стр. 345

فيهن، ولها يوم وليلة، فقال عمر- رضى الله عنه- والله ما رأيك الاول أعجب «١» الى من الآخر! اذهب فأنت قاض على البصرة، فقتل يوم الجمل مع عائشة رضى الله عنها. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد، وذكر عبيدة ولم يسنده: أن صاحب عين هجر «٢» أتى عمر وعنده كعب بن سور فقال: يا أمير المؤمنين! ان لى عينا فاجعل لى خراج ما تسقى، فقال: هو لك، فقال كعب: يا أمير المؤمنين! ليس ذلك له، قال: ولم؟ قال: لانه يفيض ماء عن أرضه فيسيح فى أرض الناس، ولو حبس ماؤه فى أرضه لغرقت، فلم ينتفع بمائه ولا بأرضه، فمره فليحبس ماءه ان كان صادقا، قال عمر: أتستطيع أن تحبس ماءك؟ قال: لا. فكانت هذه لكعب مع الأولى وبمثل هذه القصة استقضى عمر شريحا على الكوفة. أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى يزيد عن الحسن ابن عثمان عن اسماعيل بن ابراهيم عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبى: ان عمر اشترى من رجل فرسا أن رضيه فحمل عليه رجلا فعيب الفرس، فجاء به صاحبه، فقال: لا أقبله، دفعته اليك صحيحا وتدفعه الى كسير؛ فقال عمر: اجعل بينى وبينك شريحا، قال: لا أعرفه، ثم أتاه فقص عليه القصة، فقال: ان كنت حملت عليه بأمره فاردده عليه، والا فقد ضمنته حتى تدفعه اليه كما دفعه اليك، فقال عمر: ما الحق الا هذا، اذهب فأنت قاض على الكوفة، هذا معنى الحديث. وقال له حين استقضاه: لاتشار ولا تضار، ولا تشتر ولا تبتع، ولا ترتش، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين! ان القضاة اذا توخوا عدلا،

стр. 346

وزحزحوا بالعلم عنهم جهلا، كانوا كغيث قد أصاب محلا. أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن أحمد بن معاوية عن ابن الكلبى عن الشرقى قال: كانت عند شريح امرأة قد ولدت له، وله وصيفة يحبها، فانصرف فى يوم حار فوجد امرأته نائمة، فأمر الوصيفة فصارت الى بيت فخلعت قرقلها، «١» وخلع قميصه، ودنا منها، وانتبهت المرأة فاقتفت أثره، وأحس بها فذهب عقله، فلبس القرقل، ولبست الجارية القميص، وأكب على البساط يشير، فقالت، ما تصنع؟ قال: زعمت الجارية ان طوله كذا، وزعمت أنه كذا، قالت: فقرقلها: عليك، قال: من هذا أعجب أنا أيضا، فذهبت تلومه، فقال: هى حرة. وبعضهم ذهب الى ان عمر لم يكن ليولى شريحا الكوفة وفيها المهاجرون والانصار، وليست له صحبة. وقيل ان شريحا قضى سبعا وخمسين سنة- الى فتنة ابن الزبير- وتوفى فى سنة ثمانين، وهو ابن مائة وثمانى سنين. أول قاض جار فى القضاء بلال بن أبى بردة أخبرنا أبو احمد باسناده أن رجلا قدم الى بلال رجلا فى دين له عليه، فأقر الرجل به،- وكان بلال يعنى بالرجل- فقال المدعى: يعطينى حقى أو تحبسه باقراره، قال القاضى: انه مفلس، قال: لم يذكر افلاسه، قال: وما حاجته الى ذكره، وأنا عارف به؟ فان شئت أحبسه فالتزم نفقة عياله، قال: فانصرف الرجل وترك خصمه وكان بلال معروفا بالجور. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن أيوب عن عقيل عن أبى عمرو الضرير قال: أمر بلال داود بن هند أن يحضره عند تقدم الخصوم اليه، فان حكم بخطأ رمى بحصاة فيرجع بلال قال: فتقدم اليه مولى له ينازع

стр. 347

رجلا، فحكم لمولاه ظلما، فرمى داود بحصاة فلم يرجع، ثم بأخرى فقال له بلال: ليس هذا مما يرمى له الحصاة، هذا مولاى. وكان بخيلا على الطعام، أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن على عن محمد قال: كان أبو موسى استرضع لابنه أبى برده فى بنى فقيم فى آل العرق فلما قدم بلال البصرة قيل له: لو وليت أبا العجوز ابن أبى شيخ بن العرق، قال: انى رأيت منه خلالا ثلاثا رأيته يحتجم فى بيوت اخوانه، ورأيته جالسا فى الظل وعليه مظلة، ورأيته يتأذن بنص القيلة، «١» قال: وكان أصابه داء فوصف له السمن يجلس فيه، فكان يجلس فيه، ثم يأمر ببيعه، قال: فترك أهل البصرة أكل السمن، وكان يحيى بن نوفل يمدحه، ثم بدا له فجعل يهجوه، فمما قاله يمدحه فيه قوله: وكلّ زمان الفتى قد لبست ... خيرا وشرّا وعدما ومالا فما الفقر كنت له ضارعا ... ولا المال أظهر منه اختيالا وقد طفت للمال شرق البلاد ... ومغربها وبلوت الرّجالا وزرت الملوك وأهل النّدى ... أنول الى ظلّهم حيث مالا «٢» ولو كنت ممتدحا للنّوال ... فتى لامتدحت عليه بلالا

стр. 348

ولكنّنى لست ممّن يريد ... بمدح الملوك لديهم سؤالا ومما هجاه به على روى هذه القصيدة ووزنها قوله: وأمّا بلال فبئس البلال ... أرانى به الله داء عضالا وامّا بلال فذاك الّذى ... يميل به الشّرب حيث استمالا «١» فيصبح مضطربا ناعسا ... تخال من السّكر فيه احولالا ويمشى بزيف كمشى النّزيف ... كأنّ به حين يمشى شكالا «٢» وقال: أقول لمن يسائل عن بلال ... وعبد الله عند ثنا الرّجال بلال كان الأم من رأينا ... وعبد الله الأم من بلال هما أخوان أمّاذا فجون ... وأمّاذا فأصهب ذو سبال «٣»

стр. 349

فجونهما يشبّه نسل حام ... وأصهبهم يشبّه بالموالى «١» وكان أبوهما فيمن رأينا ... أسيل الوجه مكتسى الجمال «٢» فقد فضحا أبا موسى وشانا ... بنيه بالتّهوّر والضّلال وكان بلال محتالا خبيثا. أخبرنا أبو احمد عن الجوهرى عن أبى زيد قال: ولى يوسف بن عمر صالح بن كريز او كروم على العنب فبقى عليه ثلاثون ألفا، فحبس بها، وبلال محبوس فقال له بلال: ان على العذاب سالما، ويلقب بزنبيل، فإياك أن تقوله: وجعل يكرر زنبيل حتى علقها، فعذبه سالم، فنسى اسمه وكنيته، وجعل يقول: اتق الله يا زنبيل! فيقول: أقبل، فلما خلى سبيله قال له: ألم أنهك عن زنبيل؟ فقال: وهل القانى فى الزنبيل غيرك؟ أنا لم أعرف ما زنبيل لولاك، وما تدع شرك فى سراء ولا ضراء. وكان بلال يقول: ربما تقدم الى الخصمان، فأجد أحدهما أخف على قلبى من الآخر فأحكم له. أول ما ظهرت الخارجية حين حكم الحكمان أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى قال: التقى على- ﵇ ومعاوية بصفين فى ذى الحجة سنة سبع وثلاثين، وقيل فى محرم «٣» ، وعلى فى مائة ألف، وقيل سبعين ألفا، ومعاوية فى سبعين ألفا من أهل الشام، فقتل من الفريقين سبعون ألفا، خمسة وأربعون ألفا من أهل

стр. 350

الشام، وخمسة وعشرون ألفا من أهل العراق. فلما كان اليوم الثالث اقتتلوا نهارا، ووصلوه بليلتهم، وهى ليلة الهرير، فقال معاوية لعمرو لئن أصبح الناس على ما هم عليه انه لفناء العرب، أو ظهور ابن أبى طالب، فهل من رأى؟ قال: نعم. تأمر اذا أصبحت برفع المصاحف، بيننا وبينكم كتاب الله. وقيل: ان معاوية هو الذى استخرج هذا الرأى وقال: والله لا رمينهم غدا فليعلقه برأى لم يشهد ابن أمه، «١» فلما أصبح نادى من كان عنده مصحف فليعلقه فى رمحه او عنق دابته، فأصبحوا وقد علقوا مائتى مصحف «٢» ، بالرماح وأعناق الخيل، وأمر ابن لهيعة، او ابن لبينة، فأوفى على شرف، ونادى: يا أهل العراق اذا قتلنا وقتلتم فمن يدفع الترك والروم عن حريمنا وحريمكم؟ بيننا وبينكم كتاب الله، فقال أهل العراق أجبنا، وأمسكوا عن القتال، فلم يقاتل أحد إلا الأشتر، وقال على للناس: أمضوا على أمركم، فانما رفعوا المصاحف ضجرا من الحرب، وان عمرا ومعاوية والضحاك وابن أبى سرح ليسوا بأهل دين ولا قرآن، قد عرفتهم صغارا وكبارا فلم أعرفهم بخير. قالوا: لا يحل لنا قتالهم وقد دعونا الى كتاب الله، لنجيبنهم أو لننابذنك «٣» قالوا: وبعث الى الاشتر فكفه عن القتال، فلما رجع الاشتر قال لهم: شاهت الوجوه، أحين علوتم ظفرا، وظنوا أنكم قاهرون، رفعوا المصاحف وهنا وضجرا، فرهبتم كتاب الله يريدونه وقد تركوا سنة من أنزل عليه؟ أخبرونى، متى كنتم محقين؟ أحين تقاتلون من حين أمسكتم؟ فقتلاكم الذين لا تشكون فى فضلهم عليكم إذا فى النار؟ والله لكنتم خدعتم فانخدعتم يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن صلاتكم زهادة فى الدنيا، وشوقا

стр. 351

الى لقاء الله، فلا أراكم تفرون الا الى الدنيا من الموت، ما أنتم براملين، بعد هذا اليوم غدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. فأتى الاشعث بن قيس معاوية فقال: ما أردت برفع المصاحف؟ قال: أردت أن نرجع نحن وأنتم الى كتاب الله، فتبعثون رجلا منكم، ونبعث رجلا منا، فيختارا لهذا الامر رجلا تصلح عليه الامة، قال: أنصفت، فرجع وأخبر الناس بقوله، فاختلفوا، فكان رأى الجمهور، وقد أنكره آخرون وهم عبادهم، وأهل البصائر منهم، وأرادوا معاودة الحرب، فأبى الناس وفارقوا عليا، وهم أربعة آلاف، وأراد الباقون عليا للتحكيم، فقال: أحكم ابن عباس، فقال: الاشتر أو الاحنف، فأبى أصحابه، وقالوا: ان لم تحكم أبا موسى لم نرم معك بسهم، فحكمه على كره منه له وللتحكيم. وحكم معاوية عمرو بن العاص، فكتبوا بينهم كتابا فى ذلك، ورجع على- رضى الله عنه- الى الكوفة، فأقام والناس مختلفون، منهم من يرى التحكيم خطأ، ومنهم من يراه صوابا، ومعاوية بدمشق لا ينكر عليه أحد شيئا ثم اجتمع الحكمان، «١» فخلع أبو موسى عليا- ﵇ وأقر عمرو معاوية، فقال الذين فارقوا عليا وأنكروا التحكيم «٢» قالوا لعلى: حكمت فى دين الله فتب، فقال: ما أذنبت فأتوب، وانما غلبنى الناس، فأتيت ما أتيت من ذلك كرها، ولو أردت الحرب لكان أصحابى أشد على من أهل الشام، ففارقوه وقالوا: لا حكم الا لله. وأول من قالها بصفين عروة بن جديم، «٣» وقيل يزيد بن عاصم

стр. 352

المحاربى، ثم قاتلهم على- ﵇ على النهر فهزمهم، «١» وكان أميرهم أول ما اعتزلوا ابن الكواء، ثم بايعوا لعبد الله ابن وهب الراسبى، وكان أحد الخطباء الاجواد، فقال لهم عند بيعتهم إياه: إياكم والرأى الفطير، والكلام القصير، دعوا الرأى يغب، «٢» فان غبوبه يكشف للمرء عن حقيقته، وكان يقول: ان ازدحام الجواب مضلة للصواب، وليس الرأى بالارتجال، ولا الحزم بالاقتضاب، فلا تدعونكم السلامة من خطأ موبق، وغنيمة تليها من غير صواب الى معاودته، «٣» والتماس الريح من جهته، ان الرأى ليس ينتهى، «٤» ولا هو ما أعطتك البديهة وانتزاع الخاطر، وخمير الرأى خير من فطيره، «٥» ورب شىء غابه خير من طريه، وتأخيره خير من تقديمه وانما ذم الناس البديهة لان الهوى يقابلها، ومدحوا الفكر لان الرأى استيقظ له، فإذا كان الرأى هو المشاورة، فحق لما نتج ان يكون حكمة لا تخطىء، وصوابا لا يفل، وحقا لا ينازع، وكان الخوارج يذهبون الى ان كل ذنب صغير أو كبير كفر، ويرون قتل الجمهور من التابعين. ثم تأول نافع بن الازرق- وهو الذى نسب اليه الأزارقة- قول الله تعالى رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً تأول هذه الآية على ان قتل الأطفال، وبقر النساء عن الاجنة حلال «٦» ، فلما أظهر ذلك، فارقه طائفة من أصحابه ثم قتل

стр. 353

برستقباد «١» فولى عبد الله بن بشير فانحاز بهم الى دولاب «٢» . وكان الخوارج أشد الناس جلدا ومصابرة للأقران وكلبا اذا رأوا فرصة، فما زالوا يظهرون على كورة كورة ويليهم منهم أمير بعد أمير حتى صار الامر الى قطرى بن الفجاءة، ثم اختلفوا عليه وهو بجيرفت، «٣» فارتحل بمن معه الى طبرستان وأقام طائفة منهم مع عبد ربه الصغير بجيرفت، فصار اليهم المهلب، فارتحلوا يريدون سجستان، واتبعهم فلحقهم فى بعض الطريق بعد قتال شديد، «٤» وأمر فى الناس والنجدة عجيب، وخرجت طائفة منهم مع عمرو الصبا، حتى دخلوا قوس، «٥» فبعث اليهم الحجاج سفيان بن الابرد فحاصرهم، (حتى جعلوا يأكلون خيولهم، ثم خرجوا اليه بأسيافهم، فقاتلوهم حتى قتلوا) «٦» والتقى سورة بن الجرد مع قطرى وهو شيخ كبير، فوقعت أبهام قطرى فى فم سورة، فما زال يلوكها حتى أثخنه، وصاحت جاريته، واأمير المؤمنيناه! فعرف أنه قطرى فأقبل باذان مولى الاشاعرة، فأعان سورة عليه فقتلاه، واختلفا فى حمل رأسه، فقال رجل من الجند: ضعا رأسه على يدى حتى تتفقا، فوضعاه على يده فطار بالرأس الى سفيان بن الابرد، فأوفده الى الحجاج، فأعطاه عشرة آلاف درهم (ثم قدم باذان على الحجاج فصدقه، وأعطاه أربعة آلاف درهم) «٧» وأمر لسورة بعشرة آلاف درهم، وذلك فى سنة تسع وتسعين، وروى ان معاوية أول من زعم ان الله يريد أفعال العباد كلها، وانه اول من ترك القنوت فى صلاة الغداة.

стр. 354

أول من أظهر الرفض «١» ابن سبأ وذلك أنه أظهر الطعن على السلف، وبلغ من ذلك مبلغا أنكره عليه على- ﵇ فنفاه من الكوفة، فلما قتل على رجع اليها ودعا الناس الى مقالته، فأجابه بعضهم وثبتت الى اليوم. أول ما اختلف الناس فى خلق القرآن أيام أبى حنيفة فسئل عن ذلك أبو يوسف، فأبى ان يقول انه مخلوق، وسئل عنه أبو حنيفة فقال: انه مخلوق، «٢» لان من قال، والقرآن لا أفعل كذا فقد حلف بغير الله، وكل ما هو غير الله فهو مخلوق، فأخرجها من طريقته فى الفقه، وأجاب عليها على مذهبه. أول من زعم أن الله لم يزل متكلما جهم بن صفوان ومما تفرد به فيما ذكره أبو القاسم البلخى قوله: إن الجنة والنار تفنيان، وان الايمان هو المعرفة فقط دون الاقرار وسائر الطاعات، وهو من أهل ترمذ- بلدة على شاطىء نهر بلخ- وخرج مع الحارث بن شريح ينتحل الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فقتل بمرو، قتله سالم الجون فى آخر ملك بنى أمية. أول من قص فى مسجد رسول الله ﷺ تميم الدارى أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن مسلم التيمى عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب قال: اول من قص فى

стр. 355

مسجد رسول الله- ﷺ تميم الدارى، استأذن عمر أن يذكر بالله فأبى، ثم استأذن أخرى فأبى، حتى كان آخر ولايته فاذن له ان يذكر يوم الجمعة، قبل أن يخرج عمر للصلاة، فكان عمر يمر به فيشير الى حلقة هذا الذبيح، ثم توفى عمر. فاستأذن عثمان بن عفان، فأذن له ان يذكر يومين فى الاسبوع، فكان يفعل ذلك، وقد روى غير ذلك. أخبرنا أبو أحمد عن الجوهرى عن أبى زيد عن احمد بن حباب عن عيسى بن يونس عن أبى بكر بن أبى مريم عن حبيب ابن عبيد عن عصيف بن الحارث الثمالى ان عبد الملك بن مروان سأله عن القصص ورفع الايدى على المنابر فقال: انه لمن أمثل ما أحدثتم، واما أنا فلا أجيبك اليهما، انى حدثت عن النبى- ﷺ أنه قال «ما من أمة تحدث فى دينها بدعة الا أضاعت مثلها من السنة» والتمسك بالسنة أحب الى من إحداث بدعة. وقالوا: اول من قص عبيد بن عمير الليثى بمكة ويقال: أول من قص الأسود بن سريع التميمى صحابى وكان يقول فى قصصه: فإن تنج منها تنج من ذى عظيمة ... والّافانىّ لا أخالك ناجيا وسمع أبو نواس أن القصص بدعة فسار الى مسجد بعض القصاص ليعبث به، ومعه أصحاب له، فجلس وأخرج يده من ذيله ينتف أبطه فقال له القاص- ما هذا موضع ذا، فصاح به أبو نواس ويلك! وقال: أترد على وأنا فى سنة وأنت فى بدعة، فضحكوا منه. أول من حكم فى نتف اللحية مسروق نتف كوسج لحية الالحى فرفع الى مسروق فدعا بالميزان فنتف لحية الكوسج ووزنها فنقص عما نتف من لحية الألحى، فتممه من رأس الكوسج حتى استوى الميزان.
следующие страницы →