Полный текст (1 011 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وكل فتى يوما وإن طال عمره ... سيدعى إلى ما ساءه فيجيب
وقال يرثيه:
لئن أنا لم أدرك من الدمع ثأريا ... ولم أشف قرحا داخلا في فؤاديا
لتخترمنىّ الحادثات وحسرتي ... بأحمد في سوداء قلبي كما هيا
لقد أفسد الدنيا علي فراقه ... وكدر منها كلّ ما كان صافيا
تخلصت الأيام لا درّ درها ... حبال ابن أمي أحمد من حباليا
وباعد ما قد كان بينى وبينه ... من القرب أيام تسوق اللياليا
كأن يمينى يوم فارقت أحمدا ... أخى وشقيقي فارقتها شماليا
وما كانت الأيام بيني وبينه ... ولا فرح اللذات إلّا عواريا
خليليّ لا تستبطئا ما انتظرتما ... فان قريبا كل ما كان آتيا
[ألا تريان الليل يطوي نهاره ... وضوء النهار كيف يطوي الليالى
هما الفتيان المترفان اذا انقضت ... شبيبة يوم عاد آخر ناشيا] «١»
ويمنعني من لذة العيش أنني ... أراك إذا فارقت لهوا ترانيا
وقال فى عيسى بن جعفر:
أنعي فتى كل الفتى ... أنعى أبا موسى الندى
أنعى إلى قمر السما ... ء وشمسها شمس العلى
إن النجوم بكت له ... ولمجده فيمن بكى
وبكى له ما بين من ... خرق الدبور إلى الصبا
أبلى رداء شبابه ... - فى حين جدّته- البلى
стр. 177
ألبستني ثوب الردى ... وسلبتني طيب الكرى
ومحوت من ضوء النها ... ر وزدت فى ظلم الدجى
كادت عليك جوانحي ... تنقدّ من حرّ الأسى
وتنفّس تستله ال ... أحزان من تحت الحشا
شبع الثرى من حسن وج ... هك لا هنا الشبع الثرى!
وقال أيضا:
وغريبة تبكي غريب محلة ... وقفت بجانب قبره تتفجع
وتقول واضر الحياة مضى الذي ... كنا نضرّ به وكنا ننفع
وتقول كيف وجدت مضجعك الذي ... أمسيت [فيه] فقد نبأ بى المضجع
مالي أنيس غير ذكرك ما خلا ... قلبا يئنّ وشأن عين تدمع
وكثيرة العبرات جلّ بكائها ... خطب إليه نفسها تتطلع
وترى شواهدها إذا ما استعبرت ... تصف البكاء وعينها لا تدمع
ثكلى ثلاثا ثم تظهر بعدها ... عين مكحلة وجيد أتلع
ومحاسن تدعو إلى استطرافها ... منها السوالف والأثيث الأفرع
فاذا نظرت الى استجاعة ودها ... أيقنت أن لها هوى لا يشبع
تلك التى ان أخرت لا ترتجى ... أو أقدمت فلمثلها لا يفرع
وقال يرثى أحمد بن يزيد بن أسيد السلمى:
على قبر بجرجان السلام ... وإن بعد الملام فلا ملام
على قبر به أشلاء بدر ... أصيب به من الشرف السنام
أقول لصاحبيّ وخبرانى ... بحيث القبر والملك اللهام
стр. 178
صلاة الله ربكما وربى ... على قبر به تلك العظام
بمصرع أحمد عزّ الأعادى ... وذل الرمح والسيف الحسام
فلم أر مثل أحمد يوم ولى ... حمام نال مهجته الحمام
عليك ولا على جرجان منى ... سلام الله ما بقي السلام
أقمت بغربة فى ظل دار ... يطول بها التغرّب والمقام
وكنا ناظريك بكل فجّ ... كما للغيث ينتظر الغمام
أبعدك تتقى نوب الليالى ... لقد صغرت بك النكب العظام
عزيز بنى سليم أقصدته ... سهام الموت وهي له سهام
وقال يرثى:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب الا له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح
فأصبح في لحذ من الأرض ميتا ... وكان به «١» حيا تضيق الصحاصح
مضى حين مدّ المجد أطناب بيته ... عليه وأمته الأمور الفوادح
وحين استهانت نزح كلّ تنوفة ... إلى جود كفيه الرّقاق النوازح
فان سفحت عينى عليه دموعها ... فقلّ له منها الدموع السوافح
سأبكيك ما فاضت دموعي فان تغض ... فحسبك منى ما تجنّ الجوانح
وما أنا من رزء وان جل جازع ... ولا لاغتباط بعد موتك فارح
[كان لم يمت حيّ سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح] «٢»
لئن حسنت فيك المراثى وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح
стр. 179
قال أبو بكر: وقد قال قبله مطيع بن إياس فى يحيى بن زياد الحارثى:
يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم ومن كان أمس للمدح
وقال أشجع:
جارية تهتزّ أطرافها ... مشبعة الخلخال والقلب
أشكو الذى لا قيت من حبّها ... وبغض مولاها إلى ربى
من بغض مولاها ومن حبها ... بقيت بين البغض والحبّ
فاعتلجا في الصدر حتى استوى ... أمراهما فاقتسما قلبي
فأخذه أحمد بن يوسف فقال:
قلبي يحبّك يامنى ... قلبي ويبغض من يحبك
لأكون فردا فى هوا ... ك فليت شعرى كيف قلبك!
وقد أوضحه أحمد وجاء بالعلة، فقال عبد الصمد وأكثر:
لي حبيب أنا أهوا ... هـ على ما كان فيه
لي موتان بحبّ ... يه وبغضى لأبيه
ليس بغضى لأبيه ... دون بغضي لأخيه
أشتهى موتاهما ... مثل اشتهاي اللثم فيه
وله أيضا، وأنشدنى الجميع أبو ذكوان وأبو خليفة:
لي حبيب أضربى ما ألاقي ... من فتونى به ومقت أبيه
سامنى القرب من أبيه، وبغ ... ضى لأبيه أشد من حبّيه
لي موتان من هوى ذا وبغ ... ضي لهذا، وليس لي من شبيه
стр. 180
وقال هارون بن على:
أنت الفداء لمن عصاني في الهوى ... وغدا لأمرك سامعا ومطيعا
يا أبغض الثّقلين غير مدافع ... وأيا أحبهم إليّ جميعا
على أن أبا الشيص قد قال:
جارية تسحر عيناها ... أسفلها يجذب أعلاها
أصبحت أهواها وأهوى الردى ... لكل من أصبح يهواها
نفسي على أمرين مطبوعة ... حبي لها أو بغض مولاها
قد ملكتني وهي مملوكة ... فصرت أخشاه وأخشاها
آخر أمر أشجع
احمد بن عمرو ويكنى أبا جعفر، أخو أشجع بن عمرو
قال الصولى: هو شاعر قليل المدح للناس، يتغزل في شعره، ويذهب مذهب ابن أبى أمية، وكان أسنّ من أشجع.
حدّثنى الحسين بن اسحاق، قال: حدّثنى أحمد بن الحارث الخراز، قال: قيل لأحمد بن عمرو أخى أشجع: لم لا تمدح الملوك كما يمدحهم أخوك؟ فقال هو «١» فخر لي، وبلاء علي. إذا مدحت إنسانا، قال: أين شعر هذا من شعر أخيه، وهو يثيب على دون شعري [بالكثير] ، ويرضاه فيمنعنى هذا من مدح الناس.
стр. 181
قال الصولي: وجدت بخط حماد بن اسحاق، قال أشجع السلمى لأخيه أحمد:
أبت غفلات قلبك أن تريحا ... لكأس ما تفارقها صبوحا «١»
فغضّ عن المكارم طرف عين ... إلى اللذات ذا شوق طموحا
كأنك لا ترى حسنا جميلا ... بعينك يا أخى إلّا قبيحا
دعتك إلى محاسنها المعالي ... فلم تجد المعالي فيك روحا
أمجنون فليس عليك عتب ... ولست معاتبا إلا صحيحا
فأجابه أحمد فقال:
أغرك أن قولك لي قبيح ... وأنى لا أقول لك القبيحا
وقد نبئت أنك عبت شعري ... فخذ بيديك هل تسطيع ريحا
ولا والله ما أحسنت شعرا ... هجاء مذ خلقت ولا مديحا
سأعرض عنك إذ أعرضت عنى ... واسكن صدرك القلب القريحا
ومات قبل أشجع فرثاه بمراث كثيرة، وله يقول:
اذا خفت عتبي من سوءة ... سبقت عتابى بالغضبه
وما كنت الا كريش السها ... م ألبسه الريش والقطبه «٢»
أيطلب شأوي وما زال لي ... عتاد المقدّم في الحلبه
وما زلت مذحرّ كتنى الأمو ... ر أرفعكم رتبة رتبه
أقدّم شعرك عند الملو ... ك وأكشف عن وجهك الكربه
стр. 182
فأجابه أخوه:
خطبت ببغضك لي خطبة ... فدونك فاسمع بها خطبه
زعمت بانك لى مفخر ... وأنت- فلا تعل- لي سبه
فليتك عنى بعيد الودا ... د ولم تك مني ذانسبه
وأنى أثكلت من قد ولد ... ت فصار التأهل لى عزبه
اتخضم فى الماء خضم البعير ... وأطعم من مالي الوجبه
ولي منك إن جئت مستعتبا ... وإن عصف الظلم بى غضبه
فدونك فاشرب على بغضتى ... كما قد شربت بها نخبه
ومن شعر أحمد بن عمرو:
يا من له ما عشت صفو ودادي ... واليه من قبل المعاد معادي
وفراقه أغرى بقلبى لوعة ... أغرت لهيب الشوق بالابعاد
لي في السهاد إذا لهجت بذكره ... عوض خليل من لذيذ رقاد
بأبى حبيب إن مرضت يزورنى ... طيف له في هيئة العواد
وقال أيضا:
وعاذل با كرتنى منه لائمة ... لم تبق فى عذل قولا ولم تذر
فقلت لا تنفقن نطقا بلا سبب ... فليس عذلك من همى ولا وطرى
إنى قنعت بما أهواه فانصرفت ... نفسى إلى وصله من سائر البشر
وليس للنفس فى غير الذي هويت ... حظّ ولو ظفرت بالشمس والقمر
стр. 183
وقال أيضا:
وغزال صاغه الر ... حمن من حسن وطيب
ترتعى عيناه بالى ... ألحاظ أثمار القلوب
يا هلالا طالعا ... فوق قضيب وكثيب
حبّذا العلة لو قد ... عادنى منها حبيبي
هو داء من بعيد ... وشفاء من قريب
من رأى مثلي فى ال ... عالم سقمي وطبيبي!
حدّثنى ابراهيم بن المعلى الباهلي، قال: سمعت أبا الحسن الطوسي يقول:
حدّثنى أحمد بن محمد بن جميل قال مدح أحمد بن عمرو أخو أشجع بن عمرو أبى بشعر ودفعه إلى أخيه ليوصله ويتنجز صلته فتوانى في ذلك، فقال يهجوه:
وسائلة لي ما أشجع ... فقلت يضرّ ولا ينفع
قريب من الشرّ واع له ... أصمّ عن الخير لا يسمع
بطيء عن الشيء أحظى به ... الى كل ماساءنى مسرع
شرود الوداد على قربه ... يفرق منه الذي أجمع
أسبّ بأنى شقيق له ... فأنفي بذا أبدا أجدع
قال: وبلغت الأبيات أبى، فأحضر أحمد ووصله، واعتذر لأشجع، وأصلح بينهما ثم مات، فما رأيت أحدا وجد بأحد كوجد أشجع به بعد مماته على جفائه له فى حياته. ولأخيه أشجع فيه مراث كثيرة، قد اخترت منها ما ذكرته فى جملة المختار من شعره فى المراثى.
قال أبو بكر: وههنا أشعار نسبها أقوام الى أحمد، ووجدتها في شعر أشجع
стр. 184
فجئت بها له، اذ كان لسعة شعره وشهرته أولى بها ولست أذكر لاحمد إلا ما أجده بخط أثق به أو رويته حدّثنا الحسين بن اسحاق، قال: حدّثنا أحمد بن الحارث قال: كانت لأشجع جارية يقال لهاريم، وكان يجد بها وجدا شديدا، فكانت تحلف له أنها ان بقيت بعده لم تعرض لغيره فكان يذكر أمرها في شعره، فمن ذلك قوله فى قصيدته [التى] يرثى بها الرشيد:
وليس لأحزان النساء تطاول ... ولكنّ أحزان الرجال تطول
فلا تبخلى بالدمع عنّى فانّ من ... يضنّ بدمع عن هوى لبخيل
ولا كنت ممن يتبع الريح طرفه ... دبورا اذا هبت له وقبول
اذا دار فيء أتبع الفيء شخصه ... يميل مع الأيام حيث تميل
وعمل قصيدة يخاطبها فيها منها:
اذا غمضت فوقي جفون حفيرة ... من الأرض فابكينى بما كنت أصنع
يعزّيك عنى بعد ذلك سلوة ... وأن ليس فيمن وارت الارض مطمع
اذا لم تري شخصي وتغنيك ثروتى ... ولم تسمعي مني ولا منك أسمع
فحينئذ تسلين عنى وإن يكن ... بكاء فاقصى ما تبكين أربع
قليل ورب البيت ياريم ما أرى ... [فتاة بمن ولى به الموت تقنع] «١»
بمن تدفعين الحادثات اذا رمى ... عليك بها عام من الجدب يظلع
فيومئذ تدرين من قد رزئته ... اذا جعلت أركان بيتك تنزع
стр. 185
ومدح فى هذه القصيدة الفضل بن يحيى فسكنه اليها ومدح الفضل بأفضل من مديح أشجع فقال:
ذكرت فراقا والتفرّق يصدع ... وأىّ حياة بعد موتك تنفع
اذا الزمن الغدّار فرّق بيننا ... فما لي في طيب من العيش مطمع
فلا كان يوم يا ابن عمرو وليلة ... يبدد فيها شملنا ويصدّع
ولا كان يوم فيه تثوي رهينة ... فتروى بجسمى الحادثات وتشبع
وألطم وجها كنت فيك أصونه ... [وأخشع] «١» ممالم أكن منه أخشع
ولو أنّنى غيبت في اللحد لم تبل ... ولم يرك الراءون لي تتوجع
وهل رجل أبصرته متوجّعا ... على امرأة أوعينه الدهر تدمع
ولكن اذا ولّت يقول لها اذهبي ... فمثلك أخرى سوف أهوى واتبع
ولو ابصرت عيناك غمّى لأبصرت ... ضبابة حزن غيمها ليس يقشع
الى الفضل فارحل بالمديح فإنه ... منيع الحمى معروفه ليس يمنع
وزره تزر علما وحلما وسؤددا ... وبأسا به أنف الحوادث يجدع
وأبدع اذا ما قلت في الفضل مدحة ... كما الفضل في بذل المواهب يبدع
اذا ما حياض الجود قلت مياهها ... فحوض أبى العباس بالجود مترع
وإن سنة ضنت بخصب عن الورى ... ففى جوده مرعى خصيب ومشرع
وما بعدت أرض بها الفضل نازل ... ولا خاب من في نائل الفضل يطمع
فنعم المنادى الفضل عند ملمة ... لدفع خطوب مثلها ليس يدفع
اليك أبا العباس سارت نجائب ... لها همم تسمو اليك وتنزع
بذكرك نحدوها اذا ما تأخرت ... فتمضي على هول المنى وتسرّع
стр. 186
وما للسان المدح درنك مشرع ... ولا للمطايا دون بابك مقنع
اليك أبا العباس أحمل مدحة ... مطيتها- حتى توافيك- أشجع
فزعت الى جدواك فيها وانما ... الى مفزع الآمال يلجا ويفزع
فأنشدها أشجع الفضل؛ فوصل أخاه أحمد، ووصل جاريته ريم، ووصله.
قال أحمد بن الحارث: هذه القصيدة يرويها من لا يدرى لريم جارية أشجع، وهى لأحمد أخيه.
آخر أخبار أشجع وأخيه أحمد ومختار شعرهما
احمد بن يوسف وزير المامون
«قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: قد صرت من كتاب الخلفاء، وهو كتاب الأوراق إلى ذكر الشعراء الذين أول اسمائهم ألف، فذكرت منهم جماعة، ثم رأيت بعض الأجلّاء يحب أن أقدم له ذكر أحمد بن يوسف الكاتب وآله جميعا، ومن قال الشعر من آبائه وولده، فآثرت مراده واتبعت محبته. أنا أذكر من ذلك ما سهل عليّ طلبه وقرب منى وجوده، وتارك في أخبار كل واحد وأشعاره بياضا لما خرجه السماع ومنتجعه من الأصول إن شاء الله.»
هو أحمد بن يوسف بن صبيح مولى بنى عجل من قرية من قرى الكوفة تعرف بدبا «١» يقال ان ابا صبيح منها مولى اسلام والصحيح ما يجىء بعد.
قال أبو بكر: سمعت الحسين بن على الكاتب يقول كان صبيح عبدا لبعض بني عجل، فلما أعتقه تكنى بأبى القاسم وقال غيره: كان الذى أعتقه بحر بن العلاء العجلى، وكان ابنه عتبة بن بحر على ديوان الغرب أيام أبى العباس، وفي آخر
стр. 187
أيام بنى أمية، فخلفه عتبة بن بحر على ديوان مولاه القاسم بن صبيح، ثم كتب القاسم لعبد الله بن على عم المنصور، وكتب يوسف ابنه، ثم كتب يوسف ليعقوب ابن داود وزير المهدي:
قال أبو بكر: وحدّثنى محمد بن سعيد، قال: حدّثنى ابو هفان، قال: حدّثنى جماعة من الكتاب أن السرىّ بن بشر العجلى اشترى صبيحا فأعتقه، وكان صبيح قبطيا، وهذا هو الصحيح.
حدّثنى أحمد بن يزيد، قال: حدّثنا إسحاق الموصلى أبو الفضل، قال: سمعت ابن كناسة الأسدى يقول: خرّجت الكوفة وسوادها جماعة من الكتاب فما رأيت فيهم بيتا أجلّ ولا أبرع أدبا من بيت أبى صالح، وكان من يفد على هشام ابن عبد الملك يمدح القاسم بن صبيح لأنه كان جليلا نبيلا، يلى أعمالا كثيرة لهشام، فممن مدحه يزيد بن ضبة الثقفى وأبو النجم العجلي.
حدّثنا يموت بن المزرّع، قال: حدّثنى أبو الأسود النوشجانى، قال:
حدّثنى ابن دعلج عن أبيه عن جده، قال: دخلنا إلى هشام فى حوائج لنا فرأينا القاسم بن صبيح مولى بني عجل منبسطا في داره، فقام بأمورنا وما رأينا أطلق منه وجها ولا أكثر أدبا ولا أسمح كفا، وكان أبو النجم الشاعر نازلا عليه، وفيه يقول أبو النجم:
أقسم لولا قاسم وبرّه ... وأنه حرّ كريم نجره
يطيب منه خبره وذكره ... ما كان لي بيت يكنّ ستره
دون هشام وهو عال أمره ... لو لم يسعنى حلمه وكثره
عن الدنيات التى تعرّه ... لغال نفسي بالسعاة «١» شره
стр. 188
وفيه يقول أبو النجم:
شكرت للقاسم إحسانه ... شكر أياد غير منّان
لو لم يكن حرّا لما نالنى ... منه بمعروف واحسان
لكنّ عجلا لهم رتبة ... تقضي على أيام مروان
حدّثنا أبو بكر أحمد بن زهير سنة ست وسبعين ومائتين، قال: حدّثنا سليمان بن أبى شيخ، قال: حدّثنى من سمع محمد بن أنس يقول للقاسم بن صبيح:
مازلنا فى سامر نصل فصوله بتشوقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر. فقال القاسم: مثلك من ذكر صديقه فأطراه، وحرّكه الشوق اليه وأغراه. ولو آذنتمونى باجتماعكم، لكنت مسرعا كأحدكم، مسرورا بما سررتم، مفيضا فيما فيه أفضتم.
قال أبو بكر: أنشدنى محمد بن العباس، قال: انشدنى محمد بن عبد الله ابن أحمد بن يوسف لجده ابى محمد القاسم بن صبيح:
حرق لا تزال بين الصّفاق ... أقرحت بالدّموع مني المآقي
كلما زيّن التصبر لى قو ... م من أهل الوداد والإشفاق
فألحوّا به فرمت اصطبارا ... أخذت لوعة الهوى بالتراقي
فيكون الجواب لا تظلمونى ... أي صبر يكون للعشاق؟
قال وأنشدنى له:
بهجر الحبيب تكون الكروب ... وتجري الدّموع وتشجى القلوب
فأما الفراق فما لا يطاق ... وأما السلوّ فما لا يجيب
وأما الضّلوع ففيها ندوب ... يساعدها دمع عين سكوب
стр. 189
وأعظم من ذاك قلب قريح ... ووجد شديد وجسم يذوب
وقال أيضا، وجدته بخط عبد الله بن أحمد:
لم يصف واصف الفراق فأحصى ... بعض ما يستحقّ اسم الفراق
كذب الواصفون، فرقة من ته ... وى ممات إلى حياة التلاقي
قال أبو بكر، وهو القائل ايضا:
ضمير وجد بقلب صبّ ... ترجمه دمعه فشاعا
فصار دمعي لسان وجدي ... ضيع سرّي به فضاعا
لولا افتضاحي بفرط دمعي ... لم يك سرّي كذا مضاعا
قال أبو بكر، ووجدت بخطه: أن القاسم دخل إلي صديق له عليل- وقد أبل من علته- فقال: جئتك وأنا مثقل من الهم، فلما رأيتك تجلت ظلل الغمّ، لإقبال العافية اليك، وظهور تباشيرها إليك «١» حدّثنى عون بن محمد الكندي، قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن يوسف يقول: من كلام أبى محمد القاسم بن صبيح. اصحب من غيبته كحاضره، وباطن ودّه كظاهره، تكثر مسرته، وتؤمن معرّته.
ومن شعره فى هذا المعنى:
لبئس صديقا من أراك مودة ... ويغمز في سرّ عليك ويهمز
فلا تنكحن الودّ من ليس أهله ... فما ميز الخطاب إلا مميز
أمر أبى القاسم يوسف بن القاسم
قال أبو بكر: حدّثنى عون بن محمد الكندى، قال: حدّثنى أحمد
стр. 190
ابن يوسف عن أبيه، قال: لما قدم أبى بغداد قصده اخوانه وداعوه، فلزم الشراب معهم والسماع، فقالت له أمه: يا بني قد ترى كثرتنا وما يلزمك من نفقتنا، وان أدمت الشراب أضعتنا وأفقرتنا مع شينه لك فى دنياك، وتزويده لك الوزر الى أخراك. فقال: حسبك! والله لا ولج لى رأسا أبدا، فما شرب حتى مات.
حدّثنا عون، قال: حدّثنى أبو دعامة القيسيّ، قال: كان يوسف بن القاسم مع خاله بشر بن سليمان على ديوان الكوفة أيام بنى أمية، ثم كتب لعبد الله بن على ابن عبد الله بن العباس فى أول الدولة العباسية، بعد أن كان أبوه القاسم يكتب له، ولم يزل معه الى أن هزمه أبو مسلم أيام المنصور، واستقل «١» عبد الله عن أخيه سليمان بن عبد الله بالبصرة، وهو الذي كتب الى أبى العباس السفاح عن عبد الله بن على يعزيه عن ابن له توفي:
أما بعد فان أحق الناس بالرضا والتسليم لأمر الله جل وعز، من كان اماما لخلق الله وخليفة لرسول الله ﷺ . فتعزّ أمير المؤمنين بفهمك، وارجع في وعد الله جل وعز- من الصابرين- الى علمك.
حدّثنى الحسن بن عليّ الكاتب، قال: حدّثنى صالح بن معاوية بن صالح القيسي- مولى لهم عن أبيه، وكان انقطاع أبيه الى موسى بن يحيى بن خالد، وكان يخلفه أيام ولايته السند- قال: حدّثنى يوسف بن القاسم، قال كنت مع عبد الله بن على، وكان يبرّنى كثيرا، ويوجه بره مبتدئا في رأس كل شهر، فغفل عنى شهرين فكتبت اليه:
مالبرّ الأمير قصّر عنى ... بعد أن لم أكن أرى تقصيرا
стр. 191
إن يكن ناسيا فعندي إذكا ... ر له دائما عتيدا كثيرا
أو يكن عن إضاقة فله العذ ... ر متى شاء أن يرى معذورا
لأرى خادما بانفاق وفري ... وأرى ماله له موفورا
إن برّ الأمير عندى وان كا ... ن يراه لديه نزرا يسيرا
لكثير عندى ولم يك عهدى ... أن أرى الرزق عنده محظورا
فوقع في رقعتي: لم يكن تأخير برّنا عنك لبخل وضنّ ولا إهمال وتناس، لكنها غفلة من موجب لحقك عارف. شغله عنك ما يقسّم قلبه متكلا على معرفتك به، وبسط عذرك له. على أنى ظننت أنّ ما كنت عليه أوّلا قد زال فيما بيننا وبينك، إذ كنا قد أحللناك على محلّ الشريك، وخلطناك بأنفسنا خلط النّسيب، لتنفق من نفقتنا وتقرن أمرك بأمرنا. وقد أمرت لك بألفي درهم رزقك لشهرين، فاقبضهما ولا تنظرنّ لى أمرا بعدهما في مثلهما عند وجوبها، وأمرت لك بألفى درهم تصلح بها حالك، وقد أطلقت بعد هذا يدك في المال لتأخذ منه كفايتك، وفضلا يكون عدّة لك لما لا يؤمن من عثرات الدهور وحوادث الأمور. فانك لم تصحبنا إلا بقلب وامق، وودّ صادق. وإنا لنحب أن يتبين عليك لنا أثر محمود تغتبط به وتغبط عليه، فاعمل على ذلك إن شاء الله.
قال أبو بكر: ولأبي القاسم «١» يوسف بن القاسم أشعار ومكاتبات وأخبار أنا أستقصيها بعون الله ههنا، إذ كانت مما لا يعرفه كثير من الناس، وأختصر ما أعلم أنهم يساهموننى فى العلم به ان شاء الله.
فمن شعره ما وجدته بخط اليوسفىّ محمد بن عبد الله بن أحمد:
الى الله من عودتى «٢» توبتى ... أتوب اليه واستغفره
стр. 192
وأثنى عليه بآلائه ... ثناء الشكور ولا أكفره
وأخلع من دونه من دعا ... إلها سواه ومن يفجره
وأشهد أن لا إلها سواه ... وأن الثواب لما «١» يذكره
وأعلم أنك ربّ العبا ... د وتعلم منى الذى أضمره
واستغفر الله مما جني ... ت وما قد نسيت وما أذكره
ومما أحاط به علمه ... واتقنه كاتب يسطره
لألقى الآله ولا ذنب لي ... أساءل «٢» عنه ولا أحذره
*** «٣» وعف وكف عن المؤثمات ... أجزاه من عمل أيسره
اذا كان يأتى الذى لا يري ... ب ويترك منه الذى يفجره
كذاك روينا عن المصطفى ... وأصحابه في الذي نأثره
ومن تبع الحقّ كان السعي ... د على حقه أبدا مظهره
ومن حاد عن سنن الراسخ ... ين كان الخسار الذى يخسره
فلا تلف إلا وتقوى إلا ل ... هـ زادك للحشر تستشعره
فمن طلب الحقّ بالمنكرا ... ت عاد على حقه منكره
إذا أنت أبصرت ذا نخوة ... فلا يغرينك «٤» ما تبصره
ولا تحقرنّ حسير الزمان ... واحذر عواقب من تحقره
فان الزمان له دولة ... يعاقب مقبله مدبره
ومن أمن الدهر فى صرفه ... أتاه من الأمن ما يحذره
وكن بعلومك مستظهرا ... فأنفع علمك مستظهره
стр. 193
وما كان في الكتب مستودعا ... كما لم تعان ولم تخبره
سوى علقات تعين الفتى ... إذا وردت جملة تبهره
وإعرابك اللفظ لا تنسه ... فزين عرابك ما تعبره
فخير الكلام الذي تصطفي ... هـ وشر الكلام الذي تهدره
وكن للصّديق وأهل الودا ... د ممن يزينهم محضره
فمن لا يقدمه أصغرا ... هـ يؤخره فى الملا أكبره
ومن كان ذا أدب فالأمو ... ر تصغر عنه ولا تكبره
إذا ما اتاك أخو عذرة ... فكن قبل عذرته تعذره
فإن ما اطلعت على صالح ... فكن أنت أول من يظهره
وكن منه في أمره كلّه ... إلى كلّ مكرمة تبدره
ولا تك ممن إذا دولة ... أتاه الثراء بها تبطره
وبادر بصالح ما ترتجي ... به الفوز من عمل تدخره
بذاك يسود الفتى الأبعدي ... ن ويحسن ذكرا له معشره
فانك في الناس أحدوثة ... فكن منه أفضل ما تؤثره
قال أبو بكر: حدثنا الحسين بن على قال: حدثنى ابى قال: لما استخفى عبد الله بن عليّ خاف أبو القاسم يوسف على نفسه قبل أن يصير إلى باب أبى جعفر المنصور، فورد له كتاب على [يد] صديق له يقول فيه: ما قولك فى رجل خافه «١» السلطان فأجمه الإخوان، وأساء صحبته الزمان، فتفرقته البلدان؟ قال: ثم علم أنه لا وزر له يحرزه من أبى جعفر. قال فصرت الى اصحابنا في الديوان، فكنت أعمل معهم فجاءنى يوما خادم، فقال لى: أمير المؤمنين يطلبك، فقمت معه موطنا نفسي على الهلاك فأدخلني وأنا أرعد، فلما صرت عند باب الإيوان قال لي الربيع:
стр. 194
سلم على أمير المؤمنين فسلمت فقال: ادن فدنوت، فأمرنى بالجلوس ثم طرح الي قرطاسا من ربع وقال: أخرج دواتك فكأنى بك قد قلت: أنا بالأمس فى ديوان بنى أمية ثم مع عبد الله بن على، وإنما كنت في ديوان المسلمين. وأما كونك مع عبد الله بن على فذاك عمى. ثم قال اكتب وقارب بين الخط وفرّج بين السطور، وأقبل يملي علىّ، فلما فرغت من الكتاب خزمته فقال: كل العنوان الى يا أبا يوسف قد صحت عندي براءتك بان لم تختف، وبادرت من سلطاننا الى عملك، ولو كان منك غير ذلك لدخلت خلفك جحرة النمل حتى أخرجك كم رزقك؟ قلت عشرة دراهم كل يوم قال قد زادك أمير المؤمنين خمسة قم راشدا وروى معاوية بن صالح القيسىّ قال: كان يوسف بن القاسم فى أيام أبى عبيد الله وزير المهدى كالمتقي لناحيته، وكان محمد بن زياد بن عبيد الله الحارثى له صديقا فتولى محمد بن زياد شيا، وحضر مجلس ابى عبيد الله، فبلغ يوسف بن القاسم أن ذاكرا ذكره هناك بحضرة محمد بن زياد، فلم يرد عليه وكتب إليه:
أبا أخى دون كلّ ذى ثقة ... يا باسق الفرع في ذرى يمن
مالي اذا حرّكتك نائبة ... يرمضنى مرّها وتمرضني
أو تنجلى عنك لا أرى غبنا ... ذاك ولا الثّقل منه يكربنى
وكنت أيضا خرقا تقابلني ... بمثل فعلي تجرى على سنن
حتى اذا نلت دولة صرفت ... وجهك صرف الحقود ذي الاحن
مستمعا فيّ قول ذي ابن ... يصلق بى عينه ويثلبنى
يطلق ما قال غير ممتعض ... كأن شتمى من واجب السنن
من غير حق أضعت واجبه ... من حسن قول ومنظر حسن
أحصرا منك أم عيبت به ... كيف، وأنت الخطيب ذو اللّسن
стр. 195
إنى أرى ذاك عند قدرك في ... نفسي وعينىّ ضربا من الغبن
أهكذا كان فى الوفاء أبو ال ... حارث كعب أو كان ذو يزن
أمنت من أن تعود عائدة ... من الليالي تردّ لي زمنى
ثم أكون الذى يجازى بما ... أولى أو ينطوى على دخن
فنلتقي والقلوب منكرة ... والودّ كالغيب غير مؤتمن
كأنّ ما كان فارطا فمضى ... من ودّنا في القديم لم يكن
ثم كان يوسف بن القاسم أقوم الناس بحوائج محمد بن زياد عند يحيى بن خالد أيام الرشيد، وأمر يحيى يدور عليه.
قال أبو بكر: وكتب يوسف بن القاسم الى محمد بن زياد: حفظك الله وحاطك، رأيتك أكرمك الله فى خرجتك هذه، رغبت عن مواصلتنا بكتبك وابلاغنا خبرك، وقطعتنا قطع ذي السلوة، أو أخي الملة، حتى كأنك كنت إلى مفارقتنا مشتاقا، وإلى البعد منا تواقا. فوقع بعدك بحيث تحبّ من جهتين:
احداهما حلاوة الولاية، والأخرى لذة الراحة منا، فان يكن ذلك كما رجوناه «١» قاطعناك مجملين، أو لبسناك على يقين. وان لم يكن إدلالا بهدية أعددتها لنا من ناحية عملك، فليس قدر الهدايا وان كثرت، ولا الفوائد وان جلّت؟ احتمال لوم الإخوان، اذ كانت الهدايا تراد لهم، والفوائد انما تنال بهم، والمباهاة بأعراض الدنيا يراد لخلطتهم. وما أدرى ما أقول في اختيارك ترك الكتب المحدّثة عن العتب بالاسرار المفهومة، حتى كأنها محادثة الحضور على تنائى الدور، والقلوب بها مشاهدة، وان كانت الابدان متباعدة، ولئن كذب فيك الرجاء لقديما عزّ الوفاء، وقد أصبتك من مرارة العتاب بما لا تقيم بعده على قطيعة ولا جفاء،
стр. 196
ولا تتوهمن أنى أردت إعناتك بإعتابى، ولا أرزأ عليك بكتابى، فان وصلت فمشكور، وان قطعت فمعذور، والسلام.
قال أبو بكر: حدّثنى عون بن محمد الكندى، قال حدّثنى أبو دعامة عن عيّاش مولى أبى الوفاء كاتب الديوان، قال: اختلت حال يوسف بن القاسم فأخطب إلى أبى الوفاء ابنته حمّادة فزوجها منه، وكتب الى يعقوب بن داود:
قال عياش فقرأت رقعة له الى يعقوب بن داود:
يا أيها المرجوّ للدّهر ... يا واحد البادين والحضر
إنى فزعت اليك من زمن ... ما زال يزري بالفتي الحر
ما أتلفت مالى مشعشعة ... في كأسها كتوقّد الجمر
كلّا ولا زير ومسمعة ... تزهو ببهجتها على البدر
لكننى أتلفته طلبا ... للمكرمات وصالح الذكر
أتلفته وأفدت مكرمة ... موقوفة للحمد والشكر
فوصله بصلة نفيسة.
حدّثنا الحسن بن على الرازي قال: حدّثنا أحمد بن أبى فنن، قال: أمر يعقوب بن داود للشعراء بمال، ووقع إلى يوسف بن القاسم بدفعه اليهم- وهو يخلف أباه- فعجله لهم، وكانوا يصارفون فيه فلم يصارفهم، فركب يعقوب يوما ويوسف بن القاسم يسايره، فاعترضه الشعراء شاكرين له، وفيهم ابن؟؟؟ «١» والمستهلّ بن الكميت، وغيرهم فأنشده المستهل:
يا سالكا قصد الطريق الواضح ... لا تخلط الجدّ بقول المازح
ولا ترى تنفذ بالصحاصح ... والمرويات القفر والأباطح
стр. 197
نعتا ولا في بازل وقارح ... وراكب في رحله كالجانح
ولا ببعث سابح أو رائح ... ولا بد في الدّار غير بارح
ولا بوصف رائح وسانح ... ونازح شاق فؤاد نازح
وامدح فتى تزين مدح المادح ... نفس له ليست من الشحائح
وليس عود نبعة بقادح ... يلقى العفاة منه غير كالح
ذا نائل يملأ دلو الماتح ... فاز فأضحى وهو عين الرابح
بيوسف بن القاسم المنافح ... حتف شباه كلّ جلس طامح
فهو الفتى يضمر فى الجوانح ... ودا ونصحا لك غير رائح
ويا مرجى لحلول الفادح ... قد فسح الرحمن خير فاسح
فكن لمن يرجوك خير نافح
قال أبو بكر: حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنى سليمان بن أبى شيخ قال لما كانت الليلة التى توفى فيها موسى أخرج هرثمة بن أعين هارون الرشيد فأجلسه للخلافة فدعى هارون بيحيى بن خالد [بن برمك] وكانا محبوسين فى حجرة معا في الرّواق، وكان موسى قد عزم على [قتله وقتل هرون الرشيد] «١» في صبيحة تلك الليلة ليصفو الأمر لابنيه، فوجه يحيى بن خالد إلى يوسف بن القاسم، وكان صديقه يخلف أباه في كل شيء فأمر بانشاء الكتب بخلافة الرشيد فكتب فى ذلك بأحسن كتب، ثم أمر الناس فى غد، فأشفق يحيى أن يتكلم الرشيد فيقصر، فقال ليوسف: قم فكلم الناس، فقال: إن الله بمنه ولطفه من عليكم معاشر أهل [بيت نبيه بيت] الخلافة ومعدن الرسالة، واياكم أهل الطاعة من أنصار الدولة، وأعوان الدعوة فى نعمه التى لا تحصى بالعدد، ولا تنقضي أمد
стр. 198
الأبد، وأياديه التامة بان جمع ألفتكم وأعلى أمركم، وشدّ عضدكم، وأو هن عدوكم وأظهر كلمة الحق، وكنتم أولى بها وأهلها، فأعزكم الله وكان الله قويا عزيزا، وكنتم أنصار [رسول] الله «١» المرتضى، والذابين بسيفه «٢» المنتضى، عن أهل بيت النبي المصطفى صلى الله عليه وعليهم وسلم. حتى استخرجها الله من أيدي الظلمة «٣» اللاعنين لأئمة الحق والعدل فأحاق الله بهم كيدهم، وان الله استأثر بخليفته موسى الهادي [الامام] وقبضه إليه طاهرا نقيا، وولّا كم بعده رشيدا مرضيا، أمير المؤمنين بكم رءوفا رحيما، من محسنكم قبولا، وعلى مسيئكم بالعطف عطوفا، وهو أمتعه الله بالنعمة، وحاط عليه ما استرعاه من أمر الأمة، وتولّاه مما تولى أولياءه، وأهل طاعته يعدكم من نفسه الرأفة بكم، والرحمة لكم، وقسم أعطياتكم فيكم عند استحقاقها، ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما فى بيوت الأموال ما يغوب عن رزق كذا وكذا شهرا. غير مقاصّ لكم بذلك فيما تستأنفون من أعطياتكم وحامل [باقى] ذلك عنهم لما كان أعد له من الذب عن حريمكم، ودفع مالعله «٤» أن يحدث بالنواحي والاقطار من العصاة والمارقين إلى بيوت الأموال من عطائه الذي قسمه الله جل وعزله من هذا المال، وحقه من الخمس الذى أفاء الله على رسوله، حتى تعود الأموال إلى جمامها وكثرتها، والحالة التى كانت عليها، فجدّد والله حمدا وشكرا يوجبان لكم المزيد من إحسانه إليكم بما جدد لكم [من] رأى أمير المؤمنين وتفضل به عليكم فيه أيده الله بطاعته، وارغبوا إلى الله فى البقاء و [لكم به في] ادامة النعماء [لعلكم ترحمون وأعطوا صفقة أيمانكم وقوموا الى بيعتكم] وكونوا كما وصفكم حاطكم الله وحاط بكم،
стр. 199
وأصلح بكم وأعلى أيديكم، وتولاكم بولاية عباده الصالحين. فأخذ البيعة وتفرق الناس، ولم يسمعوا غير كلامه.
قال أبو بكر: وجدت بخط محمد بن عبد الله اليوسفى أن يوسف بن القاسم كان يخلف يحيى بن خالد على التوقيع في داره ودار أمير المؤمنين ويخلفه علي دواوين الازمة «١» فأمره يحيى بن خالد يوما بأمر، فقال بكّر به، فقال إن الكتاب لهم حوائج يقضونها، ثم يصيرون إلى الدار بعد أن يتغدون في منازلهم، ولا يبرحون الى الليل، فقال يحيى: اتخذ لهم مطبخا، وليكن غداؤهم فى دارى. ففعل ذلك وكان خدم يحيى ربما أخرجوا الكتب مختومة فلا يدفعونها إلى أصحابها إلّا بشيء يأخذونه، فشكا ذلك أبو القاسم إلى يحيى، فجعل الختم اليه فكان لا يلزم أحدا مؤنة. وليحيى يقول أبو القاسم بن يوسف:
رفع الله بالخليفة يحيى ... وبيحيى كسا الخلافة نورا
رجل ناصح أمين علي الملك ... يجيد التمييز والتدبيرا
بسط الله بالعطايا يديه ... فحبا معدما وأغنى فقيرا
ليس يبقى على الزمان سوى الذك ... ر فلا زلت بالندى مذكورا
نصح الله والخليفة يحيى ... وبرفق منه يمشي الأمورا
قال أبو بكر: حدّثنى الحسين بن يحيى الكاتب، قال: حدّثنى صالح بن معاوية عن أبيه، قال: زوّج يوسف بن القاسم ابنه احمد بابنة الحسن ابن سليمان ويعرف بالشيعى، وكان من كتاب البرامكة، فكتب إلى يحيى بن خالد: عرضت حاجة فكرهت أن أعدل بها عن الوزير فاحسه؟؟؟ «٢» مع معرفتى بمحبته لربّ نعمته، والزيادة في صنيعته حظا، ولزمنى حقّ لا يمكن دفعه ولا تأخير
стр. 200
وهو نقد مهر عن أحمد إلي ابنة الحسن بن سليمان، فإن رأى الوزير أن يوقّع مع ما استحققته من أرزاقى بشهرين سلفا لشهرين فعل، فإنى أرجو أن أبلغ بذلك لعبده أحمد محبته، وأنال بغيته إن شاء الله.
فوقع يحيى إليه: هذه فضيلة فى أوليائنا وحقوق في ضيافتنا، فنحن بالقيام منهما دونك حريون، وبحظ نقلها عن مالك جديرون، وقد أمرت لأحمد ما سألت من المال بمسئلتك فيه، وزيادة الضعف استظهارا منى له ومؤكدا وأمرت باستحقاقك لشهرين من مال السلطان أعزه الله ومثله صلة من مالي، وأنفذت اليك بذلك كله رقاعا بخطى إلى من يقبض ذلك منه، فأما السلف من مال السلطان فلا سبيل إليه، ولا أعرف جعفرا بتارك أحمد إليك ولا الينا كما لم يترك الفضل قاسما إن شاء الله، وفي أسفل الرقعة من شعر يحيى:
عندي لمثلك احسان وتكرمة ... فثق بذلك منّى وابسط الأملا
اعمل على ثقة إنى أنا رجل ... لا أمنع المرء موجودا إذا سألا
وإن عندى لك الحسنى ونافلة ... بنصح غيبك اذ لم تبغ بى بدلا
فكتب اليه يوسف بن القاسم:
فهمت ما قلت فى برّي ومنزلتى ... ونصح غيبي وبسطي نحوك الأملا
ولم أزل منك من أمرى على ثقة ... لا ابتغي بك ممن قد ترى بدلا
بصدق وعدك اذ أسلفت عارفة ... وحسن عفوك عمن زاغ أو جهلا
فبي وبابني وسم فى محبتكم ... كما تفرقت من نيرانها الإبلا
فقد بسطتم لنا جاها بجاهكم ... وقد كفيتم ببذل العرف من بخلا
لولاءكم كان جود الناس مشتبها ... لكن برعتم فأضحى جودكم مثلا
стр. 201
قال معاوية بن صالح: فلقينى من الغد القاسم منصرفا من عند الفضل بن يحيى فأعلمته ما كان بين أبيه، فقال: قد أمر لى الفضل لما بلغه خبر أبى وأحمد أخى بثلاثين ألف درهم، قلت: فما عزمت أن تعمل فيها؟ وأنا أقدّر أن يقول أشترى بها ضيعة فقال: أرفد بها أخى أحمد في عرسه، قلت: وان أخذها كلها قال:
وإن أخذها كلها، قال: فلا بأس.
وكتب يوسف بن القاسم عن الفضل بن يحيى في حاجة لرجل: فلان قد استغنى باصطناعك اياه عن تحريكي لك فأمره «١» ولأن الصنيعة حرمة المصطنع ووسيلته الى مصطنعه، سيما عند من يحسن الصنيعة ويستتمها، مستثبتا للشكر عليها والثناء الجميل بها، بسط الله بالخير يديك، ووصل به أسبابك، وأعانك عليه وجعلك من أهله.
وشكى الى يوسف بن القاسم: أن رجلا من العلماء تكلم بكلمة جبريّة. وأن الرشيد انكرها فحضر في محفة وقال: يا أمير المؤمنين ان للعلم طغيانا كطغيان المال والملك. ولولا أن صاحبه يردع بما فيه من مدح العلم والتواضع لكان أشد سطوة به من ذى الملك ثم قال:
انك إن تعثر بك الرجل تتقى ... وإن التى لا تتقى عثرة الفم
فقال له الرشيد: يا يوسف، أتحضر الدار على هذه الحال. فقال يا أمير المؤمنين هذا محل منك يحامي عليه، وأمر من مدبر أمرك يسارع اليه.
وقال يوما يوسف بن القاسم ليحيى بن خالد- فى شىء كان بينه وبين جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعى-: أعز الله الوزير ان الأريب يتجرع الغصة حتى ينال الفرصة، ويقرّ للصغار حتى يملك الانتصار. ووقع الى عامل: ان كنت منصفا من نفسك فلم تظلم لغيرك؟ وان ظلمت لغيرك فكيف تنتصف من نفسك؟!
стр. 202
ومن شعره:
توسطت من قومك الا كرمي ... ن توسط عود حواه لحاء
وصاروا بجمعهم من ندا ... ك كأرض غذتها بنوء سماء
قال أبو بكر: وجدت بخط ابراهيم بن شاهين. حدّثنى صالح بن محمد، قال.
سأل يوسف بن القاسم القاضي أبا يوسف حاجة فتأخرت فكتب إليه.
أيا قاضي قضاة الأرض طرّا ... ومن أضحى لأمتنا ربيعا
أمن عدل وانصاف تراه ... فأقبل ما قضيت به جميعا
بأن ابغى عليك شفيع ود ... وقد صيرت قصدك لي شفيعا
فقضى حاجته ولم يؤخرها.
وحدّثنى عون، قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن يوسف يقول: نالت جدى يوسف إضاقة فكتب الى الفضل بن يحيى:
ابا العباس دعوة مستميح ... لجودك فاز بالبيع الربيح
وأنت كلاك ربك من أناس ... بجودهم علت أيدى المديح
وقد قصدتك بى ثقة وودّ ... أحالانى على الأمل النجيح
فوجّه اليه بثلاثين ألف درهم؛ كلّ بيت عشرة آلاف درهم، وكتب اليه: لو زدت في المقال لزدنا فى المال.
حدّثنى الحسين بن يحيى قال: حدّثنا صالح بن معاوية بن صالح عن أبيه، قال: رأيت محمد بن زياد الحارثى يقتضى أبا القاسم حوائج له سأله عرضه لها على الرشيد، فقال له: انى أنتظر بها وقتا أرجو لك فيه رجوعها بمسرتك دون مساءتك، ثم كتب محمد بن زياد اليه في ذلك وكان صديقا [له] مدلّا عليه، فكان في كتابه: ولولا أنك وسمت حاجتي بالتأخير لجرت مجرى غيرها إما
стр. 203
بنجاح واما بسراح. فوقّع فى كتابه يوسف بن القاسم: صدقت وتعدّيت، فأما صدقك ففي تأخيري، وأما تعديك ففي عذلي عليه، وانما طلبت وقتا أصادف منه فيه طيب نفس، وطلاقة وجه فيمكننى القول قبل عرض الحاجة في تقريظك بما لعله ان يميل إليك قلبه، وظننت أنى أخّرتها توانيا فتعديت، وكتب بعدها:
إنى إذا ما صاحبي تعدّى ... في اللّوم والعذل علي جدّا
لم أوله بالعذل عذلا قصدا ... ولم أبقّ فى احتمال جهدا
فإن أبى الا التعدى عمدا ... أوسعته بالحلم منى صدا
حتّى يرى وجه اختيارى سدا ... ويرجع الذمّ الى حمدا
ثم قضى حوائجه، وكتب إليه: قد حقق الله رجاءنا فيما املنا، وأنجح طلبنا فيما ابتغينا، وخرج التوقيع بما أحببنا، والحمد لله على ذلك. وفي أسفل الرقعة:
الرفق يمن وبعض الناس يحسبه ... عجزا وما العجز إلا الخرق والعجل
والخرق يورث ريثا لانجاح له ... والرفق يحيابه للآمل الأمل
وكتب الى ابنه احمد بن يوسف، وقد تأخر عنه أياما بسبب عرسه:
فداك أبوك قد طال اشتياقى ... اليك فهل لنا يوما تلاقى
أناجي الفكر فيك إذا خلونا ... بذكرك كي ينفس من خناقى
وأبو القاسم يوسف بن القاسم يقول فى جاريته عتب:
عبثت بذكر جارية ... فاغرانى بها العبث
فتاة رخصة الاطرا ... ف منها العذل والخنث
ولم أر قبل أن ملكت ... بهذا الشأن أكترث
فصرت الآن مكتهلا ... أصبّ كأننى حدث
قال أبو بكر: حدّثنا محمد بن موسى البربري، قال: حدّثنى سليمان بن أبى
стр. 204
شيخ، قال: حدّثنا المشرف الكاتب، قال: اتخذ يوسف بن القاسم جارية فشغف بها، فليم على ذلك، فقال:
زانها منظر وحسن حديث ... وغناء يلذّ فى الأسماع
طفلة من نساء قيصر لم ... تغذ ببؤس ولم تزل فى ارتباع
لم أزل مذ ملكتها طوع ما ... قالت وما كنت قبل بالمطواع
ومن شعره فى عتب هذه:
أضحى السّهاد له إلفا وما ظلما ... وأعربت أدمع كانت له عجما
عن وجده بالذى قد كان يستره ... والحبّ ليس بخاف ما وإن كتما
واستعبدته فتاة بعد كبرته ... بحبه فثوى عبدا وإن رغما
فظلّ يبدي ويخفي من تحسره ... على الذي فات من ايامه ندما
وعدّها مغنما لما أتاه بها ... جاري القضاء فألفى حربها سلما
إن عدّ بالشكر للرّحمن أنعمه ... يعدّ نعمته فيها له نعما
ووقع في رقعة رجل قد استماحه: قد أمرنا لك بشىء دون قدرك على الاجتهاد، وفوق كفايتك مع الاقتصاد ولما ولى الرشيد علىّ بن عيسي بن ماهان خراسان سأل الرشيد أشياء ثقلت عليه، فقال ليوسف: عرّفه مقدار ما فعلت به فإنى أظنه جهله، فوقع إليه: قد كفيناك بما وليناك، وخراسان تسعك ما وسعك عمر ووقع إلى بعض ولده: إذا لم يكن معروفك إلا عند من تعرف لم يجز معروفك رواق بيتك ووقع: من جور الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحق، إما أن تزيده وإما أن تنقصه
стр. 205
ووقع الى بعض ولده: اياك وصحبة فلان، وإن كان قريب النسب منك، فإنه بعيد الشبه بك، فقد يفسد على الإنسان بعض جسده فيقطعه، وهو اولى به وأقرب.
وكتب في فصل آخر: حاصله ومؤخره وغير محتسبه، فأبقى الله لك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترجوه، وتفضل عليك بما لم تحتسب.
ووقع: إنّ إساءة المحسن أن يكفّ عنك إحسانه، وإحسان المسيء أن يكفّ عنك إساءته، وابعد ما بينهما! ووقع الى رجل كذّبه في شيء: لو صوّر الصدق لكان أسدا، ولو صوّر الكذب لكان ثعلبا، وما صاحباهما ببعيدين من هاتين الصورتين.
قال أبو بكر: وجدت بخط محمد بن عبد الله اليوسفى أن عباسا غلام أبى الوفاء جنى جناية خاف أبا القاسم يوسف فيها خوفا شديدا فتحمل عليه با بنيه القاسم وأحمد، وكتب في أمرهما «١» رقعة الى أبيهما القاسم فوقع في رقعتهما:
لولا رعاية عباس وحرمته ... وقولكم لفجعناه بصحته
وما انبرى بائعا بالجور بسطته ... ولم يخف سطو رب فوق سطوته
قال الصولى: بائعا يعنى فاتحا يديه، كأنه يبوع ثوبا أو حبلا يقيسه بباعه
وقد وهبنا لكم عدوى جريرته ... ان لم يعد بعدها فى مثل فعلته
ومن يجز باغترار حدّ قدرته ... يكن صريعا وشيكا تحت غرته
قال أبو بكر: حدّثنا محمد بن الفضل بن الأسود، قال: حدّثنا على بن محمد النوفلى قال: كان ليوسف أبى أحمد بن يوسف غلام أسود متأدب نشأ فى الأعراب، فتولع بجارية لبعض أهلنا، فشكاه اليه، فضربه وحبسه، وحلف ألا يطلقه إلا بعد شفاعة من شكاه فيه، فترك ذكر الجارية فقيل له: ويحك أتحبك الجارية
стр. 206
كما تحبها فقال:
كلانا سواء في الهوى غير أنها ... تجلد أحيانا ومابى تجلد
تخاف وعيد الكاشحين وإنما ... جنونى عليها حين أنهى وأبعد
فبلغ أبا القاسم يوسف شعره، فقال: وإن فيه لهذا الفضل! فركب من وقته إلى الرجل الذى شكاه- وكان قرشيا- فقال له: أسألك أن تبيعنى الجارية بأىّ ثمن شئت، فقال: ما أفعل حتى أعرف السبب في ذلك، فعرّفه خبره، وأنشده البيتين. فقال: أشهدك أنى قد وهبت الجارية له بشفاعتك وطلبتك، وأنا أعطي الله عهدا إن أخذت لها ثمنا أبدا، ووجه بالجارية معه.
حدّثنى عون بن محمد، قال: حدّثنى عبد الله بن احمد بن يوسف عن أبيه، قال دعا يحيى بن خالد أبى فى مرضه الذى مات فيه فلما جلس عنده قال له: إنى لأرى من علة حالك أكثر من علة جسمك، ثم انصرف فحمل إليه أربعمائة ألف درهم، وكتب يذكر أنه لم يجد فى بيت ماله غيرها قال ومات أبى في مرضه ذلك، فما اقتسمنا في ميراثه عينا ولا ورقا غير هذه التى وصله بها يحيى.
ومن شعر يوسف بن القاسم:
هجرتك لما لم أجد فيك مسكة ... وصادفت منك الودّ غير قريب
وما كنت أدري أنّ مثلك ينثنى ... على جنب خوّان الصديق مريب
فراق أخ يعطي المودة حقّها ... أضرّ وانكي من فراق حبيب
أخبار أبى محمد القاسم بن يوسف وشعره
قال أبو بكر: وإنما بدأت به لأنه أسنّ من أبى جعفر احمد بن يوسف،
стр. 207
وأكثر شعرا منه، وافصح فى شعره، وأشعر فى فنه الذي أعجبه من مراثى البهائم من جميع المحدثين، حتى إنه لرأس فيه متقدم جميع من نحاه، وما ينبغى أن يسقط شيء من شعره، لأنه كله مختار، وللناس فيه فائدة، ولا يوجد مجموعا كما نورده، وأنا أذكره على القوافى، وقال يرثى عنزا له سوداء:
[على قافية الالف]
عين بكىّ لعنزنا السوداء ... كالعروس الأدماء يوم الجلاء
ذات لون كالعنبر الورد قد ع ... ل بما فاق «١» لون الطّلاء
ذات روقين أملسين رقيقي ... ن وضرعين كالدّلاء الملاء
ذات جيد ومقتلين كوح ... شية قفر من جاريات الظباء
أذن سبطة وخدّ أسيل ... وابتسام عن واضحات نقاء
ولبان رحب وذو فقر ... ركب فى جرم بكرة كوماء
وثوان موثقات شداد ... فى اعتدال من خلقها واستواء
فخمة عبلة مع العنف والر ... قة زينت ببهجة وبهاء
فإذا شئت قلت ربة بيت ... ذات طفلين من خيار النساء
وإذا شئت قلت ربة خدر ... فى حجور الحضّان والرّقباء
أين لا أين. مثلها مصطفاة ... من صفايا الملوك والوزراء؟
أين لا أين مثلها مقتناة ... عند حالين شدة أو رخاء؟
أين لا أين مثلها لجميع ... أغنياء فى الناس أو فقراء؟
غذيت بالنّوى وبالكسب وال ... فت وخبز النّقى والحلواء
ترفت بالماء المبرّد فى الصي ... ف وفى البرد أدفئت بالصّلاء
وضربنا لها الحجال وو ... كلنا بها من حرائر وإماء
стр. 208
كلهم مشفق يفدّي من ال ... رقّة بالأمهات والآباء
ربّ بعل زفت اليه من ال ... ليل تهادى فودا مع الوصفاء
وهى لولا القياد عنه نفار «١» ... لعفاف أو عزة أو حياء
لو يخلى عنها لصدّت عن ال ... بعل صدود الفتية العذراء
قلّدت بالعهون والودع خوفا ... وحذارا من أعين الأعداء
ثم لم ينجنا الحذار عليها ... إذ دهانا فيها حلول القضاء!
أصبحت في الثرى رهينة رمس ... وثناها «٢» حيّ لدى الأحياء!
لست أنسى محاسن السوداء ما ... سقى الأرض صوب ماء السماء
بوركت حفرة تضمنت السّو ... داء بل ضمّنت من السوداء
كيف لى بالعزاء لا، كيف عنها ... سلبتنى السّوداء حسن العزاء
من بنات العراب في الحسب الم ... حض وإحدى عقائل الخلفاء
نعم أمّ العيال فى الحرّ وال ... قرّ إذا أعصفت رياح الشّتاء
لا تشكّى جوعا وأن مسّها ال ... جوع وتدعو ذات المرآء بماء
تحلب الدّرّة الغزيرة بال ... جرة مري الأكفّ غير عناء
تملأ المحلبين طورين فى ال ... يوم صباحا طورا وجنح العشاء
وتخال الشّحوب وقع الشآبي ... ب إذا ماقر عن قعر الإناء
ولها صرّة درور كما ... درّ سحاب بديمة هطلاء
كم صبوح وكم غبوق وقيل «٣» ... قد سقتنا السوداء ملء الإناء
كم شربنا محضا لها وضياحا «٤» ... وحقينا «٥» مخمّرا في السّقاء
стр. 209
ربّ جبن منها وزبد طرىّ ... قد جمعنا طريه لسلاء
فاكلناه بالشّفاء «١» من ال ... نحل وبالنّرسيان «٢» بعد الغداء
ربّ جدى «٣» قد اطعمتنا السويدا ... ء قديرا «٤» وأعقبت لشواء
وعناق «٥» سمينة حمراء فى ... رضاع رىّ «٦» وحسن غذاء
وأصبنا من السويداء ما يق ... صر عنه تعداد ذي الإحصاء
كم وكم أطعمت واروت سغابا ... وظماء فى طاعمين رواء «٧»
كنت غيثا حيا وكنت ربيعا ... لك طيب النّثا وحسن الثناء
لو فدى الحيّ ميّتا لفدينا ... ك رخيصا إن كان أو بغلاء
حبّذا أنت يا سويداء لو ت ... مت لنا فيك مطمعات الرّجاء
أىّ حي يبقى فتبقى لنا ال ... سوداء هيهات مالنا من بقاء
كيف يرجو البقاء سكان دار ... خلق الله أهلها للفناء
ولهم بعدها معاد إلى دا ... ر خلود إقامة وجزاء
قال أبو بكر: حدثنى ذكوان قال: ذكر شعر الكتّاب بحضرة ابراهيم بن العباس، فقال: أشعرهم عندي الذي مزحه أفصح وأحسن من جدّ الناس، القاسم بن يوسف. وكان جدّى عبد الله بن العباس يقول وبه تأدب إبراهيم وعنه اخذ، وكان أسنّ منه بنحو عشرين سنة-: اقتسم أبناء يوسف نثر الكلام ونظمه فتقدما الكتّاب فيهما يعني أحمد بن يوسف في النثر وأخاه القاسم في النظم.
стр. 210
وقال على قافية الباء
حلفت بربّ الورى المعتلي ... على خلقه الطالب الغالب
لأحمد خير بني غالب ... ومن بعده ابن أبى طالب
فهذا النبيّ وهذا الوصىّ ... ويعتزل الناس فى جانب
وقال ايضا في هذا المعنى- وكان جميل المذهب- أحد متكلمى الشيعة:
أدرك الدّهر الذي طلبا ... واستردّ الدهر ما وهبا
فكساك الدهر بهجته ... ثم حال الدهر فانقلبا
وطوى الشيب الشباب فلم ... يبق من أسبابه سببا
حنّكت سنّ وتجربة ... فهجرت اللهو واللّعبا
وجفوت الغانيات فقد ... رثّ حبل الوصل وانقضبا
ودّع اللّذّات والطربا ... قد أتاك الموت أو كربا
أصبا بعد المشيب ولا ... عذر إمّا ذو المشيب صبا
فامدح الهادي أبا حسن ... طالبا للأجر محتسبا
لا يخاف المادحون له ... أن يقولوا الزّور والكذبا
خير من صلى وصام ومن ... مسح الأركان والحجبا
ووصيّ المصطفى وأخ ... دون ذى القربى وإن قربا
وأمير المؤمنين به ... نأثر الأخبار والكتبا
لا كقوم رتّبوا رتبا ... جعلوها بينهم عقبا
أوجبوا حقا لأنفسهم ... وله الحقّ الذى وجبا
стр. 211
إنّ مولاكم أبا حسن ... أحرز الغايات والقصبا
فتسمّيتم بإمرته ... فعل عاد جاذب سلبا
وحلبتم درّ غيركم ... لا تهنّوا ذلك الحلبا
ويل أم الظالمين غدا ... يوم يجزى المرء ما اكتسبا
لعليّ في العلى درج ... رفعته فوقكم رتبا
أوّل في الدين ذوقدم ... وله عز إذا انتسبا
لم تخوّنه العروق ولا ... عبد الأوثان والنّصبا
كم له من منقب حسن ... كان فيه الرّأس لا الذّنبا
كم وكم خاض الغمار إلى ال ... موت حتى نفّس الكربا
تابعا للحق منشعبا ... معه من حيث ما انشعبا
خصّه ربى فصيّره ... لبني بنت النبىّ أبا
وقال فى الشيب والزهد:
ودّع شبابك قد علاك مشيب ... وكذاك كلّ معمّر سيشيب
جازت سنوك الأربعين فأزعجت ... بله الشباب تجارب وخطوب
ودعاك داع للرّشاد أجبته ... والى نداء الغى ليس تجيب
فابك الشباب وما خلا من عهده ... أيام أنت إلى الحسان طروب
يسبين لبك بالدّلال وتستبى ... ألبابهنّ فسالب وسليب
طورا يسامحن الهوى ويطعنه ... ويصبن قلبك بالجوى وتصيب
يخلطن معصية بحسن إجابة ... فلهنّ عندك أنعم وذنوب
حتّام توضع فى البطالة والصبا ... عار بمثلك صبوة ومشيب
رحل الشباب وحلّ شيب بعده ... فمضت لذاذات وصدّ حبيب
стр. 212
لهفي على عذر الشباب فانه ... يكفيك إذ غصن الشباب رطيب
قد كان يجمع غدرة ولذاذة ... إذ ثوبه ضاف عليك قشيب
فرمته داهية الزمان بأسهم ... ونضت شروق لبسه وغروب
ما شئت فاحي بمدحه لا بدّ من ... غم ونائبة عليك تنوب
ما بعد شيبك غير لومك فاتخذ ... زادا لنفسك فالرحيل قريب
ما هذه الدّنيا بدار إقامة ... لا توطننّ بها وأنت غريب
خلت القرون فما يحسّ قريب ... منهم وقصد سبيلهم مركوب
أين الألى أهل السيادة والنهى ... والمطعمون وما تدرّ حلوب؟
أنحى الزّمان عليهم بشعاره ... وسقتهم كأس المنون شعوب
وغدا جزاء سعادة أو شقوة ... أفلا ينيب الى الرشاد منيب؟!
والمرء....... «١» موفى سعيه ... صكّ عليه بفعله مكتوب
طال العمى والجهل اذ غلب الهوى ... ان الهوى لذوي الحجا لغلوب
والموت يغتال النفوس ولم يزل ... للموت راع للنفوس طلوب
ما نحن إلا كالبهائم رتعا ... حتى يتاح لها الرّدى المجلوب
[وقال أيضا] «٢»
كلّ امرىء.. «٣» .. يرقبه ... لا شيء عن ميتته يحجبه
وكلنا وارد حوض الردى ... يذوقه الذائق لو يشربه
قد ورد الأوّل منها ول ... لآخر فينا سائق ينعبه
أيّ امرىء أعجز من هارب ... حيران فى قبضة من يطلبه
أو مذنب مستيقن أبه ... محاسب يوما بما يذنبه
стр. 213
ينسى مدى الذنب على علمه ... أن عليه حافظا يكتبه
همّته فى نائل قلما ... يمتعه أو قلّما يصحبه
تكذبه النفس أحاديثها ... وحادثات الدهر لا تكذبه
كم خطر الدّهر على معشر ... يجرّ ذيل الشرّ أو يسحبه
من بعد ما أغمرهم نعمة ... عاد على عامرهم يخربه
يريش قوما ثمّ يبريهم ... والعاتب الساخط لا يعتبه
نذمّ دنيانا وقد أفصحت ... بمنطق عن نفسها تعربه
ما تهب الدّنيا لأبنائها ... من ملبس فهى غدا تسلبه
والحمد والأجر معا خير ما ... يدخر الانسان أو يكسبه
فأنفق المال على حبّه ... للغرض الأقصى الّذى تطلبه
قد يبخل المرء على نفسه ... ويجمع المال لمن ينهبه
فتب الى الله متاب امرىء ... اليه مما قد جني مهربه
فإنما الواصل سبل الهدى ... من يهجر الذّنب ولا يقربه
ما من يرى في ذنبه عائدا ... كأنه في لعب يلعبه
فاجدد فإن الأمر جدّ ولا ... تنه عن الذّنب الّذي تركبه
جدّ الفتى يعقبه راحة ... والعجز يوما ندم «١» يعقبه
والزّاهد العالم من لم يكن ... تخدعه الدّنيا ولا تخلبه
والحلم أن يغضي عن شاتم ... حتى كأنّ الشتم لا يغضبه
والصبر ألّا يشتكى جائحا ... يجوحه أو ناكبا ينكبه
حسبك من إبلاغ ذى منطق ... فى حاجة مقدار ما يحسبه «٢»
стр. 214
وإنما المرء بأخلاقه لم ... يغن عنه عندهم منصبه
فاحسن الخلق ولا تحمل ال ... ناس على مستصعب مركبه
وقال يشكو البق والبراغيث والقرقس: «١»
قد منينا بهنات ... هنّ من شرّ الهنات
نافرات آمرات ... قلقات مقلقات
سافكات لدماء ال ... نّاس منها شاربات
معنا في الفرش وال ... قمص علينا واثبات
بين محتكّ وفال ... ثوبه في الفاليات
وجوار محرّكات ... لمتاع نافضات
باسطات باحثات ... صائدات قاتلات
تخضب الإصبع وال ... ثوب دما من داميات
ثمّ لا يخرجه ال ... غسل بماء الرّاحضات
ومنينا بهنات ... واقعات طائرات
جارحات داخلات ... مسهرات ساهرات
زامرات لك بال ... تسهيد فى وقت السّبات
من لحوم فى دماء ... واردات شارعات
بخراطيم مد ... لّاة طوال جارحات
ظعنها أنفذ فى ال ... أبدان من طعن الكماة
كم لها في الجسم من ... آثار سوء فاحشات
وكلوم مؤلمات ... وندوب قرحات
ولديغ لاطم ... وجها طلوب للترّات
стр. 215
فنصيب الفذّ منها ... بعد ألف فائتات
نازلات صاعدات ... باديات عاريات
ومنينا بصغار ... لابسات آثرات
بجلود لاصقات ... عن قلوب ثاقبات «١»
بالغات حيث لا ... تبلغ أيدي اللّامسات
لا ولا يدركها لح ... ظ عيون الناظرات
وقال يرثى هرة
ألا قل لمخة «٢» أو مارده ... تعزّوا عن الهرة الصائده
عسى أن تدور صروف الزما ... ن بحسن الخلافة والفائده
وإن رحلت عنكم نعمة ... ففى غدكم نعمة وافده
يقولون كانت لنا هرّة ... مرببة عندنا تالده
لها قنص كاقتناص الفهو ... د واثبة فيه أو لابده
ترى الفار من خوفها خشعا ... جواحر وهي لهم راصده
فإن أطلعت رأسها فأرة ... فليست إلي جحرها عائده
كأنّ المنية في كفها ... إذا أقبلت نحوها قاصده
ورقطاء تمشى على بطنها ... وسوداء شامذة عاقده «٣»
ودبّابة من ذوات القرو ... ن حسراء مفسدة فاسده
تقبضهن يد ثقفة ... ولست ترى عندها جاسده
وحارسة الدار كرارة ... عن القرن مطرودة طارده
следующие страницы →