Полный текст (1 011 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
والغلمان بتحقيق ظنونهم، والتقدم اليهم لقصد مولاهم وقتله ليبلغ لهم ما أملوه.
ودخل ابنا المنجم احمد بن يحيى وعلى بن هارون فأنشدا الراضى فى يوم خميس شعرا يهنيانه بهذا الفتح، وتخلفت أنا لشىء وجدته ثم دخلت إلى الراضى فى يوم السبت بعد الخميس بيومين وأنشدته:
ضحك الدّهر بعد طول عبوس ... طالعا بالسّعود لا بالنّحوس
وأتتنا الأيّام معتذرات ... لابسات نعيمها بعد بوس
بالإمام الرّاضى المطلّ على الآ ... داب شمس الملوك وابن الشّموس
سبعة من خلائف ولدوه ... لم يكن ذا لغيره من رئيس
رضى الرّاضى الإله لملك ... أوضح النّهج منه بعد الدّروس
فهو كالخصب بعد وافد جدب ... رعى الغضّ منه بعد اليبيس
آنس الله بالخليفة ملكا ... موحش الرّبع واهن التّأسيس
فهو يختال فى الجديد من ... اللّبسة والحسن بعد لبس الدّريس
يا نسيم الحياة أضحكت دهرا ... كان لو لاك دائم التّعبيس
انّ أيّامك اللّذاذ كوصل ... الحبّ طيبا ونومة التّعريس
مردواج بسيف حظّك مقتو ... ل فأهون بذاك من مرموس
стр. 352
قصفته رياح أيّامك ... الغرّ فأخمدن منه نار المجوس
ثلّ عرش الّلعين أسرع ممّا ... سلب العرش من يدى بلقيس
وتولّت بمأتم الدّهر أيّا ... م أتتنا تجرّ ذيل العروس
بعد كفر لنعمة وقبيح ... كفر عبد فى نعمة مغموس
وجزى المسلمين تؤخذ قسرا ... بخروج عليهم ومكوس
حابس المال عنهم مستضام ... باتّساع الأذى وضيق الحبوس
وكأنّ العيال إذ فقدوهم ... أنشروا فى البلاد بعد الرّموس
وكأنّى بهم حمايل إقبا ... ل طويلى الإطراق والتّنكيس
حسّهم سيفك الحسام فأضحوا ... همّدا منه مالهم من حسيس
يا حلّى الّزمان يا زينة الأر ... ض ورأس الملوك وابن الرّءوس
إنّ نصحى وصدق ودّى قديم ... لم أشبه بالزّور والتّدليس
قبل أن يأكل الزّمان شبابى ... خالسا غرّتى بشعر خليس
ما أطيل المقال خوفا لإضجا ... ر إمام مؤيّد محروس
وأرى النّاس أظهروا بمديح ... لى منه البكور بالتّغليس
ربّ بذل سقيتنى منه كأسا ... فأعد لى مدار تلك الكئوس
стр. 353
حين شرّفتنى فكنت بنعما ... ك جليسا من قبل كلّ جليس
ثمّ أفردتنى خصوصا ببرّ ... مفرد طاهر من التّدنيس
إنّ بينى وبين دهرى حربا ... جاوزت حرب داحس والبسوس
أنا منه لغير هجر ووصل ... واقف بين لوعة ورسيس
فاعتبر ما شكاه عبدك منه ... ثمّ داو الخناق بالتّنفيس
هو فى مخلب الزّمان فريس ... فارحم الآن نفس هذا الفريس
واسقه من سلاف جودك بذلا ... فاق طيبا سلافة الخندريس
يطلق الشّعر فى أناس وشعرى ... وقف مدح على الإمام حبيس
لم تزل فى القديم تلبس منه ... مستجدّ الطّراز غير لبيس
لا أعلّى به لعلوة فكرا ... فى مشيب لها ولا للعميس «١»
مدح لم يزد عليها زياد ... وهو خاش ردى أبى قابوس
لا ولا حاك مثلهنّ جرير ... عند إيحاش ربعه المأنوس
قام هذا المديح بالعذر منّى ... نائبا عن نشيد يوم الخميس
فالقه بالنّجاح يا أكرم ... الأمّة أعطى به يمين غموس
стр. 354
لى سبق المديح فيك على النّا ... س وفخر بالسّبق فى التّأسيس
هى حال ليس الشّباب وإن فضّل ... خيرا فيها من التّعنيس
يا إماما به أمرّت عرى الحقّ ... وحلّت معاقد التّلبيس
أيّد الله ملكه بوزير ... عالم بالزّمان طبّ رئيس
ضامن بالوفاء منه رضى الله ... بحفظ الرّئيس والمرءوس
ظمىء الملك قبله فسقاه ... ريّه من زلال نصح مسوس
حاصد للعدى بأقلام رأى ... تقطع السيف عند حمى الوطيس
كيده وافد عليهم بيوم ... قمطرير بما يشقّ عبوس
بان فضلا على الكفاة كما با ... ن على ابن اللّبون فضل السّديس
طاب أص وبابنه طاب فرعا ... غرس الملك منه خير عريس
قد أمّر الزّمان طوعا عليه ... فسخا بعد نفرة وشموس
فترى النّاس خاضعين اليه ... من قيام بأمره وجلوس
أمتع الله بالوزير إماما ... خصّ من نصحه بعلق نفيس
وأطال البقاء للملك الرّا ... ضى إله أصفاه ودّ النّفوس
وقد يعلم الله تعالى أن الراضى بالله فى حال إمارته وأخاه هارون لما
стр. 355
أمر نصر الحاجب أن يتقدم إلى بخدمتهما، وان تجعل على نوبة لهما يومين فى كل أسبوع ففعل ذلك دخلت إليهما فرأيتهما ذكبين فطنين عاقلين إلا أنهما خاليان من العلوم، فعاتبت ابن غالب مؤدبهما على ذلك وكان الراضى أذكاهما وأحرصهما على الأدب، فحببت العلم اليهما واشتريت لهما من كتب الفقه والشعر واللغة والأخبار قطعة حسنة فتنافسا فى ذلك وعمل كل واحد منهما خزانة لكتبه وقرآ على الأخبار والأشعار فقلت إن الحديث أولى بكما وانفع لكما من هذه وهو أولى أن يبتدأ به وجئتهما بأعلى من بقى من الزمان إسنادا، وهو أبو القاسم ابن بنت منيع، واختلف اليهما مجالس ونسخت لهما علو حديثه ومشايخه، مثل على بن الجعد وابن عائشة وأبى نصر التمار، وجميع علوه ومختار حديثه، واحتجنا إلى أن نبره بدنانير، فوجه إلى من جهة والدتهما «والله ما عندنا دنانير لهذا المحدث، ولا بنا حاجة إلى مجيئه» فعرفت نصرا الحاجب ذلك فقال «خذله من مالى كل شىء يريده» فأوصل إليه فى مدة شهرين أربعمائة دينار.
وقرآ على من كتب اللغة كتبا كثيرة منها خلق الإنسان للأصمعى فمضى خدم سمعوا ذلك إلى المقتدر وإلى والدته، فقالوا لهما:
«إن الصولى يعلمهما أسماء الفرج والذكر» فدعا المقتدر نصرا الحاجب فعرفه ذلك، ودعانى نصر الحاجب. وكان من أحسن الناس عقلا، فسألنى عن ذلك، فعرفته السبب فيه فقال: جئنى بالكتاب، فجئته وعرفته أن هذا من العلوم التى لابد للفقهاء والقضاة منها، وأنهم
стр. 356
يلجأون إلى أهل اللغة فيها فأخذ الكتاب وأدخله إلى المقتدر وعرفه ما عرفته فأزال كل شىء خفته. ثم قلت للراضى بالله قد أمرت أن تجلس فى غد ليملك بحضرتك ابن الجواليقى بدار السيدة، وقد وعدوا جماعة فيهم الحسين بن اسماعيل المحاملى، وسيبكر إلى هاهنا فى غد فارفع مجلسه وأقبل عليه وانبسط فى مذاكرته، وإنى أحب أن يسمع الناس وصفك والثناء عليك من مثله، ففعل جميع ذلك. ثم حضرت وانقضى أمر الإملاك، فأخذ المحاملى بيد أبى بكر الخرقى، وقال «ما رأيت فى أهل هذا البيت شيخا ولا كهلا ولا حدثا يشبه هذا الفتى يقول حدثنا وأخبرنا وينشد ويعرب، وهذا كله من فعل هذا- وأومأ إلى- فأحب أن تتحمل رسالتى إلى القهرمانة ريدان، وتقول لها ما الذى فعلتم بمن صير هذا الأمير فى هذا الحال، فقلت أنا لأبى بكر الله يعلم ما أفعل هذا الا لله ، لأنى أقول لعلهما أن يليا من أمور المسلمين شيئا فينفعهم الله بهما. وجعلت أقتضى أبا بكر الجواب فدفعنى أياما ثم قال لى أنت فى طرف والقوم فى طرف أديت إلى ريدان قول القاضى فقالت لى «إن هذه المحاسن من هذا الرجل عند السيدة ومن يخدمها مساو [ىء] فقل له عنى يا هذا، ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء، وهذا أبوهم قد رأينا كل ما نحب فيه وليس بعالم. فاعمل على ذلك» فأتيت نصرا الحاجب فأخبرته بذلك فبكى، وقال: كيف نفلح مع قوم هذه نياتهم! فقلت والله ما أعود اليهما بعد هذا. فقال ولا لك حظ فى ذلك. ولكن امض ساعة فى الأيام ثم اقطع
стр. 357
وكان ابن أبى الساج فى هذا الوقت بواسط عازما على لقاء القرامطة؛ وكنت أنفذت اليه رسالة طويلة فى كتاب عملته له أوصيه فيه بالمطاولة، وهى رسالة حسنة- قد سرقها الناس منى- تجمع ضروبا من العلوم، فجاءنى جوابه مع كاتب له يعرف بابن حراشة، وفى آخر الكتاب «وقد بلغنى خبرك وقول من قال لا نريد أن يكون اولادنا علماء وإنا لله على ما بلى الناس به» وأفزعنى ذلك وخفت أن يظن أتى المبدى لهذا، والمتكلم به فصرت إلى نصر الحاجب فعرفته ذلك، فقال إن لابن أبى الساج خدما فى الدار. لا يخفون عنه الأنفاس، وهذا فإنما علمه من جهتهم، فسكنت نفسى إلى ذلك وانقطعت عنهم، وكان لهم بعدى، هنة سر «١» لحجبتهم لها كل أحد، وكان ثم قوم قد نفسوا على موضعى منهم. وكان الراضى وعدنى بفص كنت استحسنته فكتبت اليه بقصيدة أساله فيها التوجيه إلى بالفص، فكتب إلى «إنما أتفرخ بما يرد على من جهتك، فاكتب إلى بشعر صادى قافيته الفص» فعملت القصيدة وكتبت بها اليه وهى:
ألاقل لخير النّاس نفسا ووالدا ... ورهطا وأجدادا مقالة مختصّ
محمّد المأمول والمقتدى به ال ... أمير أبى العبّاس ذى الفضل لا النّقص
ومن جمع الآداب بعد افتراقها ... وثقّفها بالبحث منه وبالفحص
стр. 358
دقيق حواشى الذّهن هذّب طبعه ... ومحّص فى قرب المدى أيّما محص
بعيد القبول من حسود مكاشر ... تخلّف عن أولاه بالتّزغ والفرص
لئن ساغ لى أكلى وشربى فإننّى ... كذى شرق من غيبتى عنه مغتصّ
وقد كنت ذا حظّ لديه وزلفة ... فجاء الّذى حاذرت فيه على غفص
بفسخ الّذى سدّى وألحم باطلا ... وقد وقصاه عاجلا أيّما وقص
من اكلب خوزستان نغل محقّر ... ضئيل خفىّ الشّخص فى صوره الدّرص
وألهب منه الجمر بالنّفخ حابل ... علوق بأذناب الأكاذيب كالشّصّ
بنو معورات الطّرق جاءوا بعورة ... ذوو الآنف الذّكّاء والأعين الرّمص
أولوا بطنة فى باطل وتكذّب ... وصدقهم يأوى إلى أبطن خمص
فما أسندوا قولا إلى ذى تماسك ... ولا شيّدوا زور المقال على إصّ
وبالقصر قوم إن رأونا تبلّغوا ... وحطّوا لنا الأعياق كالرّخم القص
تلاقت بتأليب علينا جفونهم ... وفرّقت الأقوال بالثّلب والغمص
وما قبلوا نصح العروضىّ فى الّذى ... رآه ورصّوا إفكهم أيما رص
وقد هطلته غيبة من سحابهم ... وكالوا له صاعا من النّثّ والقصّ
وهبّ له فى بعده لك قاصف ... من الحزن ينئى صبره عنك بل بقصى
стр. 359
فغصّ بشرب من فراقك آجن ... عصوف بجدواه أمرّ من العفص
وإن أنجز الإمكان يوما بجلسة ... لديك أتاك القول بالشّرح واللّخص
فأدنيت حقّا قد أطيح بشخصه إلى ... نزوان القوم بالزّور والقنص
فأقتبل العيش الغرير بقربكم ... وأسحب فى لذّاته أذيل القمص
بحقّ أفاض القلب فاضل شربة ... من الهمّ حتّى جاءنى الأمر من فصّ
وأطلع شخص الحقّ عندك وجهه ... إلى أن يقود القرب منطق مستقصى
تحيّفنى ريب الزّمان ببعدكم ... تحيّف مقراض المجازف فى القصّ
اليك ترامت بى الأمانى همّة ... على لحق الأقراب ضامرة حصّ
وخوص سقتها الآل كأس هجيره ... فأفنته بالوجد المواشك والرّقص
إلى ابن الّذى أحيا البريّة عدله ... فشبّه بالفاروق فيهم أبى حفص
وقد كان لى وعد عليك بخاتم ... علوق بلحظ العين مستملح الشّخص
شريف إذا ما رفعوه لسيّد ... تعاظم واستعلى به شرف الفصّ
فلا أنا طالعت الأمير بذكره ... بتعريض قول فى الخطاب ولا نصّ
ولا أنجدتنى منه فى ذاك حظوة ... تذكّر إنجازا ولست بذى حرص
وإنّى لأرجو أن يسرّى لبسه ... فيأخذ منه اللّبس أخذة مقتصّ
стр. 360
وإن لم يكن كرع يقاوم غلّتى ... برىّ قنعنا فيه بالرّشف والمصّ
إذا لم يكن كلّ الّذى يشتهى الفتى ... ففى الرّأى أن يرضى ويقنع بالشّقص
ولست كمن يمضى على الظّنّ حكمه ... ويجعل إسناد الرّجال إلى حصّ
وإنّى لأغلى المدح إلّا على الّذى ... يغالى بإعطاء ولست بذى نقص
بذى هام قلب لا بخريدة بها ... يميس بها غصن رطيب على دعص «١»
صليبة عزم القلب كالصّخر قلبها ... على أنّه يكتنّ فى جسد رخص
ولا بشمول لذّة الطّعم قرقف ... مناسبها فى عمر كركين والقفص
فلو كان فى حمص يرجّى شبيهه ... لساق مطاياى الرّجال إلى حمص
أميل إلى شرب الكرام بغلّتى ... ولست لأوشال اللّئام بممتصّ
فقولوا لمن قاس الأمير بغيره ... تأيّد فما الكيل المحصّل كالخرص
تيمّمت زورا فى المقال وباطلا ... لدى خرق ساد الصّخور على رهص
محاسن هذا الخلق منك ابتداؤها ... ويجذبها ذو كلفة منك كاللّصّ
كذا المجد لا بالمال يجمع شمله ... وبالدّور شيدت بالقراميد والجصّ
فلا زلت للدّهر المملّك مالكا ... يطيعك فيما تشتهيه ولا يعصى
وحزت من الأعمار أقصى نهاية ... تفوت مدى الإحصاء فيها يد المحصى
стр. 361
فوجه بخاتم فصه ياقوت سمانجونى ووجه معه بصلة، وكتب إلى «ما أعرف والله مثل هذه الصادية لأحد، وقد بخستك فى القيمة اضطرارا لا اختيارا إلى أن يستقيم الزمان إن شاء الله» وإنما آتى من الأشعار التى قلتها فى الراضى بطرف، للحاجة إلى المعنى الذى قيلت فيه، وإلا فالشعر كثير فيه. وقد أتيت فى عملى أخبار المقتدر بشىء يسير منه، إلا أننى آمل أن لا يستهجن الأدباء ما أورد منه لصلاحه وصفوته، وصعوبة قوافيه، وسلامته مع ذلك من تكلف يهجنه، وسخافة لفظ ترذله إن شاء الله.
وتمزق الأمر بين محمد بن ياقوت ومحمد بن على بن مقلة. واستبد ابن ياقوت بالأمر دونه، ولم يمض أمرا إلا بتوقيعه. ونظر فى الأموال، ورمى بأكثر أمره إلى كاتبه محمد بن أحمد القراريطى، إلى أن أظهر الوزير إطباق دواته، وترك النظر فى شىء البتة، فإذا اضطر أن يوقع فى أعمال أو ينظر فى أمر مال عرضت توقيعاته على ابن ياقوت، فما أراد أمضاءه رضيه وقع فيه بامضائه وما لم يرده لم يوقع فيه فبطل، ولم يلتفت إلى توقيع غيره. فما زال الوزير يعمل فى أمره حتى قبض عليه وأنا أذكر ذلك فى حوادث السنين إن شاء الله.
وكنا ليلة نشرب مع الراضى، فوصلنا وجىء برغيف كبير بحرف وافر قد عمل من ند فرمى به الينا. وقال انتهبوه فبدرونى، فاستلبوه دونى وسخفوا وتبذلوا حتى تكشف واحد منهم، وكل ذلك بعينه فسألته العوض فقال «صف أمرك معهم وصف الزبيدية فإنك»
стр. 362
مشغوف بها، وأنا على العبور عليها حتى أعوضك» وانصرفت فعلمت فى ذلك قصيدة زائية هى من خير زائية قيلت قط، فلذلك أذكرها وكان ذلك فى أيام النيروز وهى:- بارك الله للأمير أبى العبّاس خير الملوك فى النّيروز
وأراه أولاده الغرّ أجدا ... دا بملك نام وعزّ عزيز
فهو أولى به وبالجود فيه ... من ابرويز ومن فيروز
لهم فى الهلال هرمز روز ... ولنا الدّهر فيك هرمز روز
فاقتبل جدّة الزّمان بعام ... بارز باللّجين والإبريز
ضاحكات أيّامه طائعات ... طاعة الحبّ بعد طول النّشوز
واقض حقّ النّيروز فيه بكأس ... مزعج سقيها بكأس وكوز
فيه نقش ملوّن من يدى من ... لم تشبه معايب التّلويز
طلعت شمس وجهه تحت داجى ... الشّعر الجعد صبغة الشّيروز
من عقار ترى الفتيّة منها ... عجزت عن كمال حسن العجوز
يشتكى كرمها الأوام لدى ... القطف وما زال كارعا فى البزوز
وعلى مقبل من السّعد محجو ... ب عن النّحس والأذى محجوز
بالزّبيديّة المشهّرة الحسن ... وحوز اللّذاذة الماحوز
стр. 363
وصنوف من الجواهر تبدو ... كلّ يوم من كنزها المكنوز
ياسمين حكى قراضة تبر ... فتقوا طيبه بمرماحوز
يضحك الورد عنده بين نسرين ... وبستان لعنهم آيروز «١»
ورياح من الرّياحين ادّت ... نشر مسك بعنبر معروز
وبها من حماحم هام رنج ... مشرفات الطّلى على سينين
ومياه يشكو الجداول أبسا ... لم تمزّقه حادثات النّزوز
وبنارنجها المحمّل تبرا ... ومياه من آسها المجزور
ونخيل ترفّع النّوع منها ... عن حوار الأنقال والشّهريز
وبها الطّلع مثل بيض أكفّ ... برزت من مخصّرات القزوز
وتجافت عنها الجفوف ... فشّبهن كماما مفتّقات الدّروز
كم زمان مضى بها مستلذّ ... ليلنا فيه مثل ليل الحزيز
قبل أن ترحل البوارح عنّا ... وتحطّ الرّحال من تمّوز
رضى الرّاضى الإله لملك ... عزّز الدّين أيّما تعزيز «٢»
فهو بالله فى محلّ أمان ... تحت حرز من القضاء حريز
стр. 364
أيّد الله ملكه بنصيح ... راز منه الزّمان أذكى مروز
بوزير مؤيّد الرّأى قدحا ... ز بيمن التّدبير خير محوز
فكنوز الآباء ثابتة منه ... كلّ يوم مجدّد بكنوز
قلم يملك الورى فهو أمضى ... من حسام على الأعادى جروز
ومن السّهم حين يستلب العمر ... اختطافا وعامل مجلوز
حتف الله مردواج بحدّ ... منه فى أنفس الورى مركوز
كم عدوّ أباده غير مقبو ... ن بمردى الرّدى ولا مجنوز
وكذا يستمرّ فى كلّ عاص ... ونبيط لهم عتاة وخوز
عرزوا كالجراد نسل فساد ... محق الله ذاك من تغريز
فهو كالشّهد للنّصيح الموالى ... وكسيف على العدا مهزوز
لم يضق بالأمور صدرا ولا ... أصبح فيها كحائر ملهوز
وعلىّ كذاك غير ظنين ... فى مراعاته ولا ملموز
بل ينادى الأعداء منه برأى ... غير مستنقص ولا مغموز
فرداء الشّباب ضاف عليه ... وهو ذو حنكة ورأى مريز
كم عدوّ يبيت منه على ص ... حّة جسم بليلة المنكوز
стр. 365
يا أجلّ الملوك عقلا وعلما ... مفرد السبق غير ما ملزوز
لك عبد كساك فاخر مدح ... رائق لبسه لباس الخزوز
لم يشنه ذكر السّباسب والوص ... ف لعيس تحت الرّحال جموز
من قواف على سواه صعاب ... سبّق الجرى ظاهرات البروز
خطرت نحوك القوافى بمدح ... غير مستهجن ولا مكزوز
بين صاد وبين ضاد وسين ... ثمّ زاى مبينة التّبريز
سائل الطّبع مشرق اللّفظ سهل ... ما تغشّيه ظلمة التّكزيز
فائض ماؤه يجىء مطيعا ... غير مستجلب ولا منحوز
يرجع الشّعر عنه حين يسامي ... هـ بأنف مجدّع محزوز
من يرم نسج مثله تختطفه ... لا معات من ذلك التّطريز
قصّر المخلف المعلّم عن ... فيض صيود معاود التّكريز
وكذا لا يقاس بين خسيف ... فائض عدّها ببئر نكوز
جزت فيه ميدان قوم أراهم ... شعراء بالخطّ والتّجويز
يستميزون لفظ غيرهم ... فيه غلابا كغارة التّكليز
بقواف مدوسة ومعان ... مخلقات ومنطق مرموز
стр. 366
وكزوه ليلحقوه فآبوا ... بقصير عن المذى موكوز
حرموا الطّبع صاغرين فساروا ... من طريق إليه غير مجوز
عجب والقضاء يقعد ذا ... القوّة عن خطوة الضّعيف العجيز
كيف يحوى التّجويد صاحب قلب ... موجع من تأسّف موخوز
لا أرى كارعا لهم فى إناء ... لا ولا فى بحارهم ذا نهوز
ليس لى غلّة تحصّل ممّا ... فى موازينهم ولا فى قفيز
لا ولا لى فى أرضهم قيد شبر ... فى وهاد لهم ولا فى نشوز
درّة الغزر هاميات عليهم ... ولنا درّة القطوع العزوز
غرّزوا أرجل الطّماعة فى رك ... ب أخسّت مقدارهم وغروز
لو يكون التّجويد دار ثواء ... لم يجوزوا منها مدى الدّهليز
قلت إذ جوّزت بغير انتقاب ... لك حظّ القناع فينا فجوزى «١»
فاز منهم جماعة بأناس ... واتّكالى عليك فى التّفويز
لست أرجو سواك بعد إلهى ... عند تقصيدهم ولا التّرجين
ووزيرين جهّزانى بجود ... تعّشانى بذلك التّجهين
стр. 367
حين عىّ الزّمان عن ذكر حظّى ... جبرا فاقتى بجود وجيز
أنت أدرى بالشّعر من قائليه ... فاقض فيه بالحزم والتّعجيز
وكذا العلم بالمحرّك والسّا ... كن فى نحوهم وبالمهموز
ليس إلّا الّذى يضمّهم ... المجلس للانتحال والتّمييز
فهم فوق من يرى قول حقّ ... غير مستنكر ولا منهوّز
فأجزنى بقدر علمك بال ... أشعار يا خير منعم ومجيز
بدنانير لا أحال على الج ... هبذ فيها ولا على كتب روز
ورغيف النّدّ الّذى غصبونيه ... وأكرم بذاك من مجنوز
غلبتنى عليه أيدى نهاب ... نهزته بحظّها المنهوز
سبقتنى اليه سبق ذئاب ... خاطفات بهزّة وأزيز
كان ختلا منهم كختل الحوارىّ ... سيف الله ذى الرّدى جرموز
لو خشينا البدار منهم لعثنا ... فيهم كاللّيّوث فى الأمعوز
ثمّ آبوا بجانب طيّب النّشر ... وأبنا بجانب مخبوز
لهف نفسى عليه ملقى كترس ... وافر الحرف مشرف التّفريز
فدموعى من التّأسّف تجرى ... جرى وفراء وافيات الخروز
стр. 368
جمزتنى فوايت الحظّ منه ... وابلائى من حظّى المجموز
قد رأى سيّدى وقوفى حيرا ... ن كمصمى الرّمية المتروز
فابق يا سيّدى بقاء ثبير ... غير ما مزعج ولا محقوز
وتملّ السّرور سائر ملك ... غير مستنقص ولا مبزوز
تتخطّى مداس كلّ إمام ... قاهر العزّ غير ما معزوز
فلما أنشدته إياها استحسنها وقال «ما أعرف زائية مثلها بل لا أعرف زائية إلا للشماخ، وتلك عجوز وهذه شابة» ثم عوضنى أحسن تعويض بصلة وند وعنبر.
ولما جاء بحكم وهزم ابن رائق قال لنا ما أحسن هذه الأبيات، فى المعنى الذى نحن فيه وأنشدنا
إذا قلت يبرا بعض داء عشيرتى ... تلاقت غواة واستجّد نشور
كما نشرت مخشيّة العرّ بعد ما ... علا اللّون برء ظاهر وطرور
ومولى عصانى واستبدّ برأيه ... كما لم يطع بالبقّتين قصير
فلمّا رأى أن شتّ أمرى وأمره ... وولّت بأعجاز الأمور صدور
تمنّى حبيش أن يكون أطاعنى ... وقد حدثت بعد الأمور أمور
كذا أنشدنى تمنى خبيش ثم قال أتعرف مثله؟ قلت لا ولكن نحوه
стр. 369
لطارق بن ديسق اليربوعى:
إذا أنت جاوزت أمرأ السّوء لم تزل ... غوائله تأتيك من حيث لا تدرى
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاعن ... كما طرّ أوبار الجراب على النّشر
ثم قلت إن سيدنا أطال الله بقاه نشأ فى حجر الصواب، فمن أين له تمنى حبيش؟ فقال لى من حيث لا يطيف براويه عيب، فقلت لو أن أبا عمرو بن العلاء روى هذا لكان أخطأناسه «١» فقال: إن الطبرى يقول هذا فى كتاب تاريخه «٢» فقلت له: الطبرى ليس فى الغريب مثله فى غيره روى الأصمعى وأبو عبيدة وابن الأعرابى وأبو عمرو الشيبانى
تمنى نئيشا أن يكون أطاعنى
ومعناه أنه تمنى شيئا «٣» بعد مافاته يقال رأى هذا نييشا إذا رآه فى آخرة وقد فات، قال بلال بن جرير:
كم ناصح قد قال لى وما وشا ... إنّك لم تنأش لوصل منأشا
يقول لم تطلبه فى أوله وأنشدته:
تناءت عنكم عدس بن زيد ... فلم يعرفكم إلّا نييشا
يريد إلا اخيرا فقال لى فلعل الوراق أخطأ عليه قلت لا ولكن الطبرى رأى نبيشا فى كتاب ولم يدر ما هو فظنه حبيشا اسم رجل وهذا الشعر لنهشل بن جزى «٤» النهشلى وهو فى الخزانة فوجه فطلبه فلم يجده
стр. 370
فقلت له وهذا ايضا عجب، يتحدث الناس بأن سيدنا مع جلالة علمه وعلو نعمته عمل خزانة كتب كما عمل متقدمو الخلفاء، طلب فيها شعر هذا الشاعر المشهور فلم يوجد! قال فما الحيلة وقد شغلنا بغيرها عنها؟ قلت كتب عبيدك لك فتبتدىء فى عمل الأشعار من الخزانة، تبدأ بمضر ثم ربيعة ثم اليمن، فما لم يكن فيها حمله عبيدك من كتبهم، وما كان سماعا لعبيدك أو شيئا لا يعتاضون منه، نسخه وراقوك الذين تجرى عليهم.
وجلده مجلد والخزانة فسكت كالمفكر. فقلت له إن الذى قلته ليس لشىء أجتلبه إنما هو حيف على كتبى، ولكنى آنف أن يتحدث الناس بشىء يفعله سيدنا لا يكون فى نهاية الجلالة. فقال ويحك فاذا جاء ما يشغل كيف نصنع؟ قلت يجعل سيدنا هذه الخزانة للأميرين، ويقتصر على ما يريد النظر فيه، قال أما هذا فنعم فأمر بإخراج الكتب اليه يوما يوما، وأجلسنا فميزناها وقسمها بين يديه، بين ابنيه واقتصر على ما أراد ووهب لنا الباقى فاقتسمناه. وكان أكثره ما يباع وزنا.
تفسير الابيات
النشر: أن يجرب البعير فيبرأ غير برء تام، وتبقى بقية من جربه أى قليل فينبت وبره عليه فيكون ظاهره برء وباطنه سقم، يريد الشاعر وكذلك نحن ظاهرنا جميل وصلح، وباطننا شر وحقد ونحوه:
وقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزارات النّفوس كماهيا
وهو النشر بفتح الشين، وإنما يسكنها الشاعر لضرورة الشعر.
стр. 371
ثم لم يرض حتى سأل القاضى عن هذا، فقال رواه الطبرى على خطأ والصولى كثير السماع فمن هذا لا يحكى إلا صوابا. حدثنى القاضى بذلك وقال لنا الراضى بالله كأنى بالناس يقولون أرضى هذا الخليفة بأن يدبر أمره عبد تركى، حتى يتحكم فى المال ويتفرد بالتدبير؟ ولا يدرون أن هذا الأمر أفسد قبلى، وأدخلنى فيه قوم بغير شهوتى، فسلمت إلى ساجية وحجرية يتسحبون على ويجلسون فى اليوم مرات، ويقصدوننى ليلا.
ويريد كل واحد منهم أن أخصه دون صاحبه، وأن يكون له بيت مال وكنت أتوقى الذماء فى تركى الحيلة عليهم، إلى أن كفانى الله أمرهم.
ثم دبر الأمر ابن رائق فدبره أشد تسحبا فى باب المال منهم، وانفرد بشربه ولهوه. ولو بلغه وبلغ الذين قبله أن على فرسخ منهم فرسانا قد أخذوا الأموال واجتاحوا الناس فقيل لهم اخرجوا إليهم فرسخا لطلبوا المال وطالبوا بالاستحقاق، وربما أخذوه ولم يبرحوا ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية، بل على أسبابى وآمر فيه بأمر فلا يمتثل ولا ينفذ ولا يستعمل، وأكثر ما فيه أن يسألنى فيه كلب من كلابهم فلا أملك رده، وإن رددته غضبوا وتجمعوا وتكلموا فلما جاء هذا الغلام جاء من لا يقول لى صنعتك أو أجلستك كما كانوا يقولون بل اجترأنا عليه بالاصطناع، ووجدته إن تعدى أحد من أصحابه لم يرض إلا بقتله والمبالغة فى عقوبته. وإن بلغه أن عدوا قد تحول فى ناحية نهض اليه فسبق خبره من غير اعتساف لى بطلب مال ولا تلبث لوفاء استحقاق، فرضيت ضرورة به وكان أوفق لى وأحب إلى ممن قبله، وكان
стр. 372
الاجود أن يكون الأمر كله لى كما كان لمن مضى قبلى، ولكن لم يجر القضاء بهذا لى! وكان دعا بجكم مرات ما منها مرة إلا وهو ينفق عليه فى خلعه.
وما يحمله معه عشرين ألف دينار وزيادة عليها من صوانى ذهب وفضة وعنبر وندومسك وكافور وبلور.
وعلم أن عادته فى داره وحشمه ألا يشرب الماء إذا جاءه حتى يذوقه بين يديه الذى جاء به يصب منه فى إناء معه فيشربه ثم يناوله إياه فكان يستعمل الراضى معه هذا إذا حمل اليه لون وضع بين يدى الراضى أولا فأكل منه ثم وضع بين يدى بجكم وكذلك النبيذ وجميع ما يوضع بين يديه، وكان يستعفيه من هذا فلا يعفيه.
ولقد قبل فى آخر دعوة دعاه فخذه ويده فضمه الراضى اليه وأخرج من أصبعه خاتمين فوضعهما فى أصبعه أحدهما يشبه الجبل فى حمرته وكبره، فنظر ابن حمدون إلى ونظرت اليه واغتممنا أن يكون الجبل فى يد غيره ففطن لنا، فلما انصرف بجكم قال لنا قد رأيت نظر كما وقت الخاتم وأحسبكما ظننتماه الجبل ليس به ولكنه أقرب فص فى الدنيا شبها به.
ولقد قال لى بجكم بعد موت الراضى، وأنا معه بواسط، وعلى رأسه من خدم الراضى جماعة: إن هؤلاء حدثونى أن الراضى أراد أن يقبض على فى بعض دعواته، أفكان كذا؟ فقلت له: الأمير يعلم أن الراضى لا يرجى فى هذا الوقت ولا يخاف، وبالله ما استبنا منه ذلك فى حال
стр. 373
صحوه ولا سكره ولا جده ولا هزله. وما كان إلا محبا للأمير مغتبطا به، ولقد كان يتصنع فى مدح ابن رائق حين كرهه ويقرظه ويصفه فما كان يخفى علينا ضميره فيه هذا من قبل ان يظهر لنا ما فى نفسه عليه فقال لى صدقت والله وكذب هؤلاء، وما يدريهم؟ كان الأمر عندى كما قلت ثم حدثته بما قد ذكرته من قول الراضى «أنا أعلم أن الناس يقولون» . فضحك وقال ما كان إلا نهاية فى عقله ودهائه وملقه،- يريد بجكم هذا وإن لم يلفظ بهذا اللفظ- ولكنى أعتب عليه بانه كان شديد الجبن يؤثر لذته وشهوته على رأيه. فعجبت والله من عقل بجكم، جاء والله بعيبيه اللذين ما كان فيه غيرهما ثم حدثته أنا كنا نقف على مكاتبته الأمير سرا ليأذن له فى المصير إلى بغداد ويشكو إليه ما كان يجرى عليه من ابن رائق فيكتب اليه «عليك بالوفاء لمن اصطعنك، وأحسن اليك» إلى أن كتب اليه الامير «أعوذ بالله أن يكون مولاى يريد قتلى كما يريده ابن رائق لأنه أعطانى جيشا بمال معلوم ثم لم يوفنى استحقاقهم، وهذا يبقى على دمى» وأنه لما ورد عليه كتاب الأمير بهذا كتب اليه: «والله ما أحب أن يتأذى بشىء أقل جندك وأتباعك لموضعك عندى، وما يستحقه شجاعتك ومناصحتك فكيف أحب ما ذكرته فيك وإذ صار الامر إلى هذا، وجعلت وصيتى لك بالتمسك بالوفاء وحسن العهد سببا لزوال أمرك فما أحب هذا، افعل ما يصلحك» فلما قرأ الأمير هذا الكتاب أقبل إلى بغداد. فقال كان كذا والله
стр. 374
ما جئت حتى جاءنى هذا الكتاب. قلت ثم وقفنا فى وقت من الأوقات أن الأمير اتهمه بأنه كاتب فى أمره بعض من يصلح للمكاتبة فى مثله وأن ذلك اتصل به فوجه إلى الأمير «قد علمت الحال التى كنت عليها لابن رائق فى كراهتى له فى آخر أيامه وما أجرى اليه مما يستوجب به إزالة أمره ومكاتبتك لى فيه بما كاتبت. فان كنت مع تلك الحال أذنت لك فى مكروهه، أو تغير عليه مع سخطى وغضبى فإنى سأكاتب فيك على بعد ما بينكما، وأنا فى هذا الوقت مغتبط بك راض بجميع فعلك وأمرك» فضحك بجكم فقال كذا كان وأزال هذا جميع ما بقلبى مما توهمته وعلمت أنه صادق فيه.
قال الصولى: وما رأيت الراضى يقرظ أحدا تقريظه الأمير أبى بكر محمد بن طغج فإنه كان يصفه ويرضى جميع ما هو عليه، وإذا جاءته هدية من قبله استحسن جميعها وفرق علينا منها. وكان يقول إذا ذكره «رجل كبير العقل حسن الطاعة، يشبه أجلاء الموالى الماضين وما أدرى بما أكافئه» ثم أمر فكتبت عنه كتب بأنه قد سماه الأخشاذ وأمره أن يسميه به جميع الناس.
ولما جاءته هديته فى آخر أيامه التى كان فيها الخدم الذين يغنون ويرقصون قال «لقد خصنى بما لم يملك مثله خليفة قط- وكان ربما قال بغير حضرة من لا يثق به- لو كان مثله عندى وكان جيشه مكان هذا الجيش! فانه أشبه بجيش آبائى، وأشد تمسكا بطاعتى» ولقد ذكره يوما فقرظه ووصفه وكان قد تغير لابن رائق تغيرا أبداه
стр. 375
لى وللعروضى حتى يقرئنا رقاعا له اليه وجواباته له، وربما أقرأنا أهاجى قد هجاه بها فقال بعقب وصفه للأمير الأخشاذ وذمه لمن ذم كيف كنت حدثتنى عن عمارة بن عقيل مع خالد بن يزيد الشيبانى، وتميم بن خزيمة بن خازم التميمى؟ فقلت له:
حدّثنى القاسم بن اسمعيل أن عمارة حدثه أنه أضاق فصار إلى تميم بن خزيمة وهو تميمى من رهطه، فسأله فاعتل عليه فجاء إلى خالد ابن يزيد الشيبانى وهو من ربيعة بعيد النسب منه فسأله فأعطاه وأكرمه واعتذر اليه فقال عمارة يفضل خالدا عليه:
أأترك إن قلّت دراهم خالد ... زيارته إنّى إذا لمليم
فليت بثوبيه لنا كان خالد ... وكان لبكر بالثّراء تميم
فيصبح فى قومى أغرّ محجّل ... ويصبح فى بكر أغمّ بهيم
ولعمارة أهاج فى تميم ومدح لخالدين يزيد كثير.
فقال لى الراضى لما سمع هذا «فليت!» يريد فليت لى الأخشاذ بابن رائق، وهذا ظريف مما كان يقوله ولكنه ينبىء عن جميعه، وكذلك صنعت فى أشياء اختصرتها لئلا يطول الكتاب بها ولم يزل الراضى ذكيا عاقلا مذكان صبيا قرأ يوما أبياتا من الشعر فى الغزل، فقال لى اعمل فى نحوها فعملت:
يا مليح الدّلال رفقا بصبّ ... يشتكى منك جفوة وملالا
стр. 376
نطق السّقم بالذّى كان يخفى ... فسل الجسم إن أردت سؤالا
قد أتاه فى النّوم منك خيال ... فرآه كما اشتهيت خيالا
يتحاماه للضّنى ألسن العذ ... ل فأضحى لا يعرف العذّالا
فقال لى سأعمل فى نحوها فتنحى وأخذ دواة وعمل بحضرتى:
قلبى لا يقبل المحالا ... وأنت لا تبذل الوصالا
ضللت فى حبّكم فحسبى ... حتّى متى أتبع الضّلالا
قد زارنى منكم خيال ... فزدت إذ زارنى خبالا
رأى خيالا على فراشى ... وما أراه رأى خيالا
فلحن هذا الشعر بعض الطنبوريين، وغنى فيه فحدثه يوما مضحك كان يدخل اليه، أنه حضر مجلسا غنى فيه بهذا الشعر فقال هو هذا لسيدنا الأمير. فقال كاتب كان فى المجلس هو لفظ الصولى وشعره فحلفت على ذلك فأقام على قوله. فقال له «عرفنى هذا الكاتب» فظن أنه يريد سوءا فيه. فقال «لعلك توهمت أنى غضبت من قوله لا والله، ولكنى استحسنت علمه بالشعر لأن الصولى علمنى الشعر وأنا أتبع ألفاظه وأنحو مذهبه فلما قال هذا ما قال وهو لا يعرف حقيقة أمرى، علمت أنه لم يقل هذا إلا عن علم بالشعر، فأحببت بذلك أن أحسن اليه، إذ كانت فيه هذه الفضيلة» فعجبت من حسن عقله وتمييزه.
стр. 377
وكنا يوما بين يدى الراضى، وهو يشرب فلغط الجلساء فجذب الدواة والدرج وكتب فيه شيئا وناولنيه فإذا فيه:-
لما برمت براحى وانقضى الأدب ... قرنتها بأناس شانهم إرب
تراهم الدّهر لا يروون من لغط ... على المدام فلا التذّوا ولا شربوا
ولم يزل الراضى نحو سنتين من خلافته، لا يشرب النبيذ ونشربه نحن بين يديه. وربما شرب الجلاب وأنا مصوب له ذلك مساعد عليه حتى أغواه أصحابنا فقال «إنى أعطيت الله عهدا أن لا أشربه أبدا» وكتب رقعة بلفظه بيمينه وعرضها على الفقهاء، فوجد رخصة فوجه بألف دينار إلى لأتصدق بها عنه وشرب:
وقال لى يوما أنشدنى تشبيب قصيدتك البائية فى ابن فرات فانه عندى أحسن تشبيب سمعته قط فأنشدته
سيّدى أنت إنّنى بك صبّ ... بين أيدى الهموم والشّوق نهب
وشفيعى إليك أنّى محب ... وقديما أحبّ من لا يحبّ
بعث الحبّ لى سقاما فأعدى ... بى حزنا مداوما ما يغبّ
ليس لى نيّة أسلّى بها ال ... نّفس لما قد رأى ولا لى قلب
ضاع صبرى وأخلفتنى ظنون ... كاذبات يلذّها من يصبّ
غير أنّى أرحت من قول لاح ... هو همّ على الفؤاد وكرب
стр. 378
عذل العاذلون فيك وقالوا ... ما على من أحبّ مثلك عتب
لك خدّ مورّد الّلون سهل ... وفم طيّب المجاجة عذب
وجبين تلألأ الحسن فيه ... كهلال تكشّفت عنه حجب
وجفون مفتّرات مراض ... وحديث المؤنّث اللّفظ رطب
وقوام للرّيح فيه احتكار ... يتثنّى تثنّى الغصن شطب
أخصب الحسن فى جميعك إلّا ... أنّ حظّى من كلّ ذلك جدب
لهف نفسى عليك لو أنصف ... الحب لذلّ الغداة لى منك صعب
لا أسمّيك خيفة بل أعدّى ... عنك طرفا دموعه فيك سكب
وعددت الهوى علىّ ذنوبا ... إن يكن ذا فحسن وجهك ذنب
ايمر الزمان صفحا علينا ... لم ينل طائل ولم يقض نحب
ظلمتنى كظلمك السّنّ حتّى ... شاب رأسى ودعوة الشّيب سبّ
سلبتنى ثوب الشّباب الثّلاثو ... ن وللشّيب بعد ذلك سلب
وأحالت دهما على الرّأس شهبا ... ليس يجزى بخيله اللهو شهب
إن يكن سار عامدا لدمشق ... وطوانى كما طوى الشّمس غرب
فهو للقلب حيث ما مال ذكر ... وهو للطّرف حيث ما دار نصب
стр. 379
حسن رأى الوزير عوّض فيه ... فهو للجود والمكارم ربّ
وهى طويلة. فجلس طويلا، ثم أنشدنى ما عمل ولم يقطعه بعد فإذا هو
أشهد الله أنّنى بك صبّ ... لفؤادى من شدّة الوجد وجب
حار فى الجسم يوم ودّعت دمع ... فاض منه مع التّستّر غرب
يا عليلا فدته منّى نفس ... بين أيدى الإشفاق والشّوق نهب
سلب القلب والمنى وافد ... السّنّ وقد كان قبله لى قلب
إن أمته فى هواك فالموت دائى ... أنت فى البعد للّواحظ نصب
فوقتك الرّدى حشاشة نفس ... لم يجرها من التّباعد قرب
ثم قال لى قد أغرت عليك، فقلت له إن رأى سيدى أن ينعم على ويقطع عمله لهذه الأبيات، ففعل. ثم قال لى بعد عرفنى بما أردت بقطعى الأبيات؟ قلت إن أبياتى جهدت نفسى حتى جاء تشبيهها كما وصفه سيدنا وترتجل أبياتا فينشدها الناس معها فيرون أبياتى أجود، وما أحب أن يرى الناس لعبد شيئا أفضل مما يملكه مولاه من أشباهه.
وحدثنى الراضى قال لما قتل القاهر مؤنسا وبليق وابن بليق أنفذ رءوسهم إلى مع الخدم يهددونى بذلك وأنا فى حبسه لأنى كنت فى حجر مؤنس، ففطنت لما أراد وقلت ليس الا مغالطته، فسجدت شكر الله وأظهرت للخدم من السرور ما حملهم على أن جعلوا التهدد بشارة
стр. 380
وجعلت أشكره وأدعو له فرجعوا بذلك وكتبت اليه:
بقيت أمير المؤمنين على الدّهر ... برغم الأعادى نافذ النّهى والأمر
شفيت غليلا كان لولاك قاتلا ... وخفّفت همّا ضاق عن حمله صدرى
وقمت بحقّ الله فى قتل معشر ... سعوا فى البلاد بالفساد وبالكفر
وثأر أخ ساد الأنام ولم تكن ... لتغفل عن ثأر عراك ولا دثر
ولست بليث أفلتته فريسة ... وقد علقت بالنّاب منه وبالظّفر
ولا حيّة ينجو بنفث لديغها ... ولا صارم يهوى لضرب ولا يبرى «١»
فعشت لدين الله تجبر وهنه ... وبلّغت أقصى ما هويت من العمر
ويا ليتنى أسعدت فيك بنظرة ... أوفّى بها حقّ المحامد والشّكر
فلما قرأها دعانى فقال ما شفيتك فأظهرت السرور وأكثرت الدعاء فنفعنى والله ذلك عنده، وحال عما أراده بى إلى غيره.
وكان الراضى وعدنى وهو امير أن يشرب ليلة، وأنا أحتال فى المصير إليه سرا، فصرت إلى داره بالمخرم ليلا فلم أصل، واشتغل بزائر زاره فلم يشرب، وكتب إلى من الغد:
وليلة من سيّئات الدّهر ... توقّد الشّوق بها فى صدرى
توقّد النّار بذاكى الجمر ... أنسيت ما أشربه لذكرى
стр. 381
مغرى بنسيانى وطول هجرى ... ذا سطوة ونخوة وكبر
وقدرة يجهل فيها قدرى ... ثمّ أتى مزورة بالعذر
أفديه من واف ومن ذى غدر ... يبخل عنّى بقليل نزر
فاعذر فهذا خبرى وأمرى ... متى أرى سرّى يحثّ جهرى
بوصل بدر فاضح للبدر ... يسكرنى باللّحظ قبل سكرى
يا طالبا قتلى لغير وتر ... يهنيك هجر منك يفنى عمرى
ولما هزم بجكم لابن رائق خرج إلى الشام، وصار أميرا مكانه دعانى الراضى فأنشدنى:
أبعد ما قد حلبت الدّهر أشطره ... محاربا لخطوب حكمها جارى
وفلّقت حيلى هام الرّجال أرى ... والغيب يخمد ما أذكيت من نار
صممت عن صبوات يستجيب لها ... ناس بأوتار لهو ثأر أوتار
وفلّ لذّات لهوى جيش عارفتى ... وقلّم العزم منى نقر أوتارى
حتّى رحضت بتحريضى العدوّ على ... قتل العدوّ ثياب الذّلّ والعار
كذاك من تنهض السّادات همّته ... لا يغمض العين مغلوبا على ثار
وربّ خطب دجا ذلّ الجبان له ... وقد فراه بأنياب وأظفار
لم يحتنك ليله حتّى صدعت له ... صبحا من الرّأى لا يعشى به السّارى
стр. 382
فقل لمن يلهب الإهمال غرّته ... استغن عن صدق إيقاع بإنذار
ولا تمرّنّ حبلا للخلاف فقد ... رأيت نقضى وإحكامى لإمرارى
لا تبسطّن رماحا لازجاج لها ... إلى سيوف مطيحات بأعمار
فإنّها حين تدنيها لملحمة ... تبرى بكلّ رقيق الحدّ بتّار
وعش بنيّة صدق تستدرّ بها ... رسل الحياة بعرف لا بإنكار
أو فاسحبنّ ذيول الذّلّ مقتسرا ... وانظر بطرف خفى الّلحظ غدّار
لا يخرم المرء فى ورد يحاوله ... حتّى يوجّه فيه وجه إصدار
ثم قال لى كيف تراه؟ فحلفت أنه ما قال فى جودته خليفة قط ولكن فيه شىء يغيره، قال وما هو قلت قولك:
حتى رحضت بتحريضى العدو على ... قتل العدو.........
اجعله بتحريضى الولى على قتل العدو، فقال صدقت والله خرج الكلام على ما فى نفسى فغيره فقال إنما عنيت ذهاب الساجية والحجرية بابن رائق، قلت أخاف أن يتأول أنه لبجكم وابن رائق لأنك عملته بعقب أمرهما قال صدقت وكنت عملت أبياتا على قافية الشين:
غشيتنى من الهموم غواش ... لعذول يلوم فيك وواش
لو يلاقوا الّذى لقيت من ... الوجد لشوق بين الجوانح ناش
ثمّ بالسّرّ عندهم دمع عينى ... إنّ سرّ المحبّ بالدّمع فاشى
стр. 383
من عذيرى لظالم أنا منه ... فى زمان الوصال للهجر خاشى
أخذ القدّ من قضيب رطيب ... وحكى أعين الظّباء العطاش
فأنشدتها الراضى فى إمارته، فعمل فى قافيتها ومعناها:
نحول الجسم من واش ... ودمعى للهوى فاشى
لأنّىّ فى زمان ال ... وصل من هجرك لى خاشى
لإصغارك للشّكوى ... وإصغائك للواشى
فأوحشت بإدناء ... وآنست بإيحاش
عرانى سقم ناش ... بهجر منكم ناشى
وعملت أيضا:
حبّ لأحمد قد فشا ... بين الجوانح والحشا
يهتزّ فى حركاته ... مثل القضيب إذا مشا
خدّاه من برد الدّجا ... والمقلتان من الرّشا
لمّا ظفرت بوصله ... وملكت منه ما أشا
أحلى البرّية أو على ... عين الّذى يهوى غشا
وتناومت عين الرّقيب ... لحثّ أقداح الوشا
стр. 384
وفشا الحديث بحبّنا ... والحبّ يحسن إن فشا
عبث الوشاة بوصلنا ... حسدا فقبّح من وشا
فعمل هو:
أقرح القلب والحشا ... مفتن لحظه رشا
ملك الجسم حبّه ... فبراه كما يشا
لا يجازى على الوصا ... ل ولا يقبل الرّشا
شئت أن يرحم الم ... حبّ وهيهات ما أشا
يا هلالا إذا بدا ... وقضيبا إذا مشى
افش وصلا فإنّ ... هجرك لا كان قد فشا
وكان الراضى بالله وصلنا وهو فى الزبيدية، وأقام بها أياما وعملت له فيه قرية كما يعمل للملوك، أنفق عليها مال، ثم فرقها علينا ووهب لنا ثيابا. فلما عبر بلغه أن الناس تكلموا فى إعطائه لنا وإسرافه فى أمرنا فقال:
لا تعذلى كرمى على الإسراف ... ربح المحامد متجر الأشراف
أجرى كآبائى الخلائف سابقا ... وأشيد ما قد أسّست أسلافى
إنّى من القوم الّذين أكفّهم ... معتادة الإخلاف والإتلاف
ولما ملك بجكم واسط فى آخر خروجه إليها وفعل بابن رايق ما
стр. 385
فعل وقتل، أنشدنى الراضى:
يا عمدة السّلطان ... وليث هذا الزّمان
ومشترى الحمد منّى ... بأوفر الأثمان
فككت أسرى من ... كفّ طارق الحدثان
فصرت أسبق جريا ... وقد ملكت عانى
فأنت حرب عدوّى ... وسلم من والانى
والسّيف مثل لسانى ... إذا تعايا لسانى
تسرّنى كلّ وقت ... فى غيبة وعيان
فشكرك الدّهر لا شكر ... غيرك شانى
ومن كرم الراضى وشريف أخلاقه أن ابن حمدون كان يبارى على بن هارون المنجم فى الشرب بين يديه، وإذا شرب أحدهما خماسية قبل صاحبه رفعها ليراها الراضى ففعل ذلك مرارا كثيرة، إلى أن ضجر الراضى فقال كأنها قوارير بول ترفع بين يدى طبيب وهو مع ذلك لحلمه وكرمه يضحك لما يفعلانه ويثيب عليه إلى أن فعلا ذلك يوما فقال لهما وقد تلاحيا: لا عليكما الأمر عندى سواء فى فعل جميعكم من زاد فى شربه فإنما فعل ذلك سرورا بنا ونشاطا لمجلسنا وإنما بقى على نفسه لخدمتنا وأحب به مطاولتنا فقبلنا الأرض بين يديه وحلفنا
стр. 386
أنه ما جلس مجلسا أكرم عشرة منه لعبيده، وأقبلنا عليهما فقلنا: أبقى لكما الآن شىء بعد هذا فقصرا عن كثير فعلهما ذلك مما تركاه فى وقت:
ومن كرمه أنه كان كلما أراد الشرب وضعت بين أيدينا صوان فيها خماسيات مطبوخ ومغاسل وكيزان ماء ليشرب كل واحد منا ما يريد، ولم يكن يفعل ذلك الخلفاء إلا خصوصا بالواحد بعد الواحد، وبالجماعة فى وقت من الدهر. وإن كان الخدم الشرابية يجيئون بالأقداح فيناولونها الجلساء فيشربونها ويردونها عليهم، وربما أرادوا من الخدم ماء لأقداحهم فيما كسونهم فيه، وكان يأمر بأن يوضع بين أيدينا الفواكه الرطبة واليابسة فننال منها كما ننال فى بيوتنا، وما كانت الخلفاء تفعل بجلسائها ذلك إلا فى الحين إن فعلوه.
وكان كثيرا يقول لكرمه ووفائه ومحبته أن يؤكل طعامه: أمر النبيذ اليكم اشربوا ما شئتم وأمر الأكل إلى لا بد من مطالبتكم به حتى تاكلوا معى، ويمدح من يزيد أكله بين يديه وينفعه ذلك عنده.
ولقد تعشينا ليلة بين يديه فجاءونا بخبز سميذ كبار ما راينا أحسن مما خبز فعزل العروضى رغيفا وقال نوبتى فى غد فى بيتى، وقد استحسنت هذا الرغيف وأريد أكله فى غد فاستبنت أنه قد سر لما فعل العروضى.
وجاءت جامات فيها بوارد فعزلت جاما وقلت: ما ذقت والله أطيب من هذه الباردة وأنا كالشعبان وأريد أن آكلها فى غد مع العروضى فإنا شريكان وفرغنا من الأكل وجلسنا ورفع الرغيف والجام، ثم وضع بين العروضى الرغيف بعينه وفوقه دراهم قد ملأته ووضع بين يديه
стр. 387
جام فيه دراهم مثل ما فى الرغيف فضج الجلساء لذلك وسألوا أن يفعل بهم مثل ذلك فقال إلا أن هذين استطابا طعامنا فأزلا منه لغد ما يقصر عن كفايتهما فأحببنا أن نتمم أمرهما بما فعلناه ولم يكن لكم سبب فى مثل هذا فنفعل بكم كما فعلناه بهما. فانصرفنا ولم يأخذ أحد شيئا غيرنا وأعطينا الرغيف والجام كما رفعا، فكان فى الجام ألفا درهم وكذلك على الرغيف.
ولما ورد قتل ياقوت على الحجرية اضطربوا اضطرابا شديدا واجتمعوا إلى الراضى بالله وقالوا قبضت على ابنه أبى بكر لغير ذنب فحبسته، ثم قبضت على أخيه أبى الفتح ثم كتبت إلى ابن البريدى فى قتله، فجلس لهم وأحضر القاضى، وأحضر معه من العدول أبا الحسن الهاشمى بن أم شيبان، وابن عمه عبد الوهاب، وجلس الراضى لهم ليلا. فدخلوا إليه وهو على كرسى، فلغطوا وكان الصغار اشد كلاما وأبسط ألسنا من كبارهم وقوادهم. فتركهم حتى تكلموا بكل ما أرادوه وأخرجوا ما فى أنفسهم، ثم أقبل عليهم رابط الجأش ذرب اللسان فكلمهم أحسن كلام، وقال: إن كان هذا الأمر قد صح عندكم. فعرفونى من أى وجه صح لأعرفها كمعرفتكم؟ وإن كان ظنا فالظن يخطىء ويصيب، وإنما ظننتم هذا بمجىء أخ البريدى أبى الحسن إلى الدار هذه الأيام، وإنما كان يجىء بكتب أخيه يشكو معاملة ياقوت، ثم أخرج فصولا من كتب، فدفعها إلى القاضى فقرأها عليهم. وفيها جوابات من ياقوت إلى ابن البريدى، وقد أنفذها ابن البريدى إليه ثم قال له
стр. 388
ما قبلت فى ابن البريدى إلا رأى محمد بن ياقوت، والآن فقد وقفتم على الخبر، وأنا أعزلهم وأنفذ الجيوش إليهم، وأخرج معكم إن أردتم ثم كلمهم القاضى وفرقهم.
وكنت وهو أمير بعد اعتللت فى يوم نوبتى عنده، فكتبت رقعة أعتذر فيها بالعلة لتخلفى عن خدمته فوقع إلى:
وصلت رقعة فأوصلت الوحشة ... لمّا أتت بشكوى الأنيس
بدّل القرب بالبعاد فبدّلت ... بيوم السّرور يوم عبوس
فكتبت الجواب:
وصلت رقعة الأمير الرّئيس ... غرّة الدّهر والخطير النّفيس
فأزالت ما كنت أشكو وأهدت ... لى نعيما وأذهبت كلّ بوس
وأتى الشّعر مبرئا وشفاء ... وأنيسا يفوق كلّ أنيس
حسن اللّفظ مطربا كلّ من ... يسمع إطراب زابدات الكؤوس
قد جلاه الطّبع المغاث بحذق ... لعقول الورى جلاء العروس
أضحك الله بالأمير زمانى ... ولقد كان قبله ذا عبوس
صرت مذ قدّر الاله جلوسى ... معه سيّدا لكلّ جليس
ضاق شكر العبيد عن برّ مولى ... مثل ضيق الغفران عن إبليس
стр. 389
وكنا يوما نشرب بين يديه، فرأيت من ذكائه وسرعة خاطره ما جعلت أعجب منه، وذلك أنه سأل عن شعر فقال أحمد بن يحيى هو لدعبل فقلت أنا هو لمحمد بن الحجاج البغداذى فلاحانى. فقلت له:
إن أقرب من أنشدناه لمحمد أبوك عن أبى هفان، وكان ذكره فى كتبه فأمسك وضحك الراضى، وقال فأنشدنيه، فأنشدته وهو مقبل على يسمع:
زمنى بما طاب سقيت زمانا ... ما كنت إلّا روضة وجنانا
أصلحتنى بالجود بل أفسدتنى ... وتركتنى أتسخّط الإحسانا
من جاد قبلك كان جودك فوقه ... لم أرض قبلك كائنا من كانا
وليس الشعر هكذا، إنما قال:
من جاء بعدك كان جودك فوقه ... لم أرض بعدك كائنا من كانا
فلم أستحسن أن أنشده بعدك فى أول البيت وبعدك فى آخره فأنشدته كما ذكرت، فقال: محمد بن يحيى الصولى يحيل الشعر إذا أنشده، ما كذا قيل، فقال له فكيف الشعر فأنشده:
من جاد بعدك كان جودك فوقه ... لم أرض بعدك كائنا من كانا
ففطن أنى قلبت اللفظ عمدا لما فيه، وأن هذا مما لم يفطن له أحمد فقال له: تلك رواية الصولى، وهذه روايتك أنت فقال كذا والله يا سيدى قال الشاعر. وكذا أنشدنى أبى. فقال له: قد علمت كما أنشدك أبوك ايضا لنفسه! إن كنتم قريش فمه! فسكت وانقطع الكلام.
стр. 390
وكان إذا ذكر أبيات يحيى بن على هذه يشتد غيظه ويقول أقوالا يسمعها سائر الجلساء، لا أحب ذكرها، ويسرنى منه بأن يقول قد شفى القلوب ابن المعتز بجوابه وأنشدنى يوما العروضى جوابا ليحيى فى غير شعر عمله أحسن والله فى بعضه. ولكنى لا أذكره للطعن الذى فيه.
واعتللت وهو أمير فتأخرت عن خدمته، والنوبة التى كانت على فكتب إلى رقعة فيها:
يا عليلا جعل السّا ... عة إذ غاب شهورا
ولقد كان به ... الدّهر إذ جاء قصيرا
لعلوم لا أرى ... الدّهر له فيها نظيرا
صرف الله الأذى ... عنك ولقّاك سرورا
فكتبت الجواب:
يا أميرا ما رأينا ... مثله فضلا أميرا
يا أبا العبّاس يا شمسا ... ويا بدرا منيرا
يا كبير العقل وال ... آداب مذ كان صغيرا
والّذى نكذب إن ... قسنابه يوما نظيرا
قد أتى عبدك شعر ... منك خلّاه حسيرا
следующие страницы →