← Адаб

Адаб · id 10532

الأوراق قسم أخبار الشعراء

الصولي

Полный текст (1 011 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أنه ما جلس مجلسا أكرم عشرة منه لعبيده، وأقبلنا عليهما فقلنا: أبقى لكما الآن شىء بعد هذا فقصرا عن كثير فعلهما ذلك مما تركاه فى وقت: ومن كرمه أنه كان كلما أراد الشرب وضعت بين أيدينا صوان فيها خماسيات مطبوخ ومغاسل وكيزان ماء ليشرب كل واحد منا ما يريد، ولم يكن يفعل ذلك الخلفاء إلا خصوصا بالواحد بعد الواحد، وبالجماعة فى وقت من الدهر. وإن كان الخدم الشرابية يجيئون بالأقداح فيناولونها الجلساء فيشربونها ويردونها عليهم، وربما أرادوا من الخدم ماء لأقداحهم فيما كسونهم فيه، وكان يأمر بأن يوضع بين أيدينا الفواكه الرطبة واليابسة فننال منها كما ننال فى بيوتنا، وما كانت الخلفاء تفعل بجلسائها ذلك إلا فى الحين إن فعلوه. وكان كثيرا يقول لكرمه ووفائه ومحبته أن يؤكل طعامه: أمر النبيذ اليكم اشربوا ما شئتم وأمر الأكل إلى لا بد من مطالبتكم به حتى تاكلوا معى، ويمدح من يزيد أكله بين يديه وينفعه ذلك عنده. ولقد تعشينا ليلة بين يديه فجاءونا بخبز سميذ كبار ما راينا أحسن مما خبز فعزل العروضى رغيفا وقال نوبتى فى غد فى بيتى، وقد استحسنت هذا الرغيف وأريد أكله فى غد فاستبنت أنه قد سر لما فعل العروضى. وجاءت جامات فيها بوارد فعزلت جاما وقلت: ما ذقت والله أطيب من هذه الباردة وأنا كالشعبان وأريد أن آكلها فى غد مع العروضى فإنا شريكان وفرغنا من الأكل وجلسنا ورفع الرغيف والجام، ثم وضع بين العروضى الرغيف بعينه وفوقه دراهم قد ملأته ووضع بين يديه

стр. 387

جام فيه دراهم مثل ما فى الرغيف فضج الجلساء لذلك وسألوا أن يفعل بهم مثل ذلك فقال إلا أن هذين استطابا طعامنا فأزلا منه لغد ما يقصر عن كفايتهما فأحببنا أن نتمم أمرهما بما فعلناه ولم يكن لكم سبب فى مثل هذا فنفعل بكم كما فعلناه بهما. فانصرفنا ولم يأخذ أحد شيئا غيرنا وأعطينا الرغيف والجام كما رفعا، فكان فى الجام ألفا درهم وكذلك على الرغيف. ولما ورد قتل ياقوت على الحجرية اضطربوا اضطرابا شديدا واجتمعوا إلى الراضى بالله وقالوا قبضت على ابنه أبى بكر لغير ذنب فحبسته، ثم قبضت على أخيه أبى الفتح ثم كتبت إلى ابن البريدى فى قتله، فجلس لهم وأحضر القاضى، وأحضر معه من العدول أبا الحسن الهاشمى بن أم شيبان، وابن عمه عبد الوهاب، وجلس الراضى لهم ليلا. فدخلوا إليه وهو على كرسى، فلغطوا وكان الصغار اشد كلاما وأبسط ألسنا من كبارهم وقوادهم. فتركهم حتى تكلموا بكل ما أرادوه وأخرجوا ما فى أنفسهم، ثم أقبل عليهم رابط الجأش ذرب اللسان فكلمهم أحسن كلام، وقال: إن كان هذا الأمر قد صح عندكم. فعرفونى من أى وجه صح لأعرفها كمعرفتكم؟ وإن كان ظنا فالظن يخطىء ويصيب، وإنما ظننتم هذا بمجىء أخ البريدى أبى الحسن إلى الدار هذه الأيام، وإنما كان يجىء بكتب أخيه يشكو معاملة ياقوت، ثم أخرج فصولا من كتب، فدفعها إلى القاضى فقرأها عليهم. وفيها جوابات من ياقوت إلى ابن البريدى، وقد أنفذها ابن البريدى إليه ثم قال له

стр. 388

ما قبلت فى ابن البريدى إلا رأى محمد بن ياقوت، والآن فقد وقفتم على الخبر، وأنا أعزلهم وأنفذ الجيوش إليهم، وأخرج معكم إن أردتم ثم كلمهم القاضى وفرقهم. وكنت وهو أمير بعد اعتللت فى يوم نوبتى عنده، فكتبت رقعة أعتذر فيها بالعلة لتخلفى عن خدمته فوقع إلى: وصلت رقعة فأوصلت الوحشة ... لمّا أتت بشكوى الأنيس بدّل القرب بالبعاد فبدّلت ... بيوم السّرور يوم عبوس فكتبت الجواب: وصلت رقعة الأمير الرّئيس ... غرّة الدّهر والخطير النّفيس فأزالت ما كنت أشكو وأهدت ... لى نعيما وأذهبت كلّ بوس وأتى الشّعر مبرئا وشفاء ... وأنيسا يفوق كلّ أنيس حسن اللّفظ مطربا كلّ من ... يسمع إطراب زابدات الكؤوس قد جلاه الطّبع المغاث بحذق ... لعقول الورى جلاء العروس أضحك الله بالأمير زمانى ... ولقد كان قبله ذا عبوس صرت مذ قدّر الاله جلوسى ... معه سيّدا لكلّ جليس ضاق شكر العبيد عن برّ مولى ... مثل ضيق الغفران عن إبليس

стр. 389

وكنا يوما نشرب بين يديه، فرأيت من ذكائه وسرعة خاطره ما جعلت أعجب منه، وذلك أنه سأل عن شعر فقال أحمد بن يحيى هو لدعبل فقلت أنا هو لمحمد بن الحجاج البغداذى فلاحانى. فقلت له: إن أقرب من أنشدناه لمحمد أبوك عن أبى هفان، وكان ذكره فى كتبه فأمسك وضحك الراضى، وقال فأنشدنيه، فأنشدته وهو مقبل على يسمع: زمنى بما طاب سقيت زمانا ... ما كنت إلّا روضة وجنانا أصلحتنى بالجود بل أفسدتنى ... وتركتنى أتسخّط الإحسانا من جاد قبلك كان جودك فوقه ... لم أرض قبلك كائنا من كانا وليس الشعر هكذا، إنما قال: من جاء بعدك كان جودك فوقه ... لم أرض بعدك كائنا من كانا فلم أستحسن أن أنشده بعدك فى أول البيت وبعدك فى آخره فأنشدته كما ذكرت، فقال: محمد بن يحيى الصولى يحيل الشعر إذا أنشده، ما كذا قيل، فقال له فكيف الشعر فأنشده: من جاد بعدك كان جودك فوقه ... لم أرض بعدك كائنا من كانا ففطن أنى قلبت اللفظ عمدا لما فيه، وأن هذا مما لم يفطن له أحمد فقال له: تلك رواية الصولى، وهذه روايتك أنت فقال كذا والله يا سيدى قال الشاعر. وكذا أنشدنى أبى. فقال له: قد علمت كما أنشدك أبوك ايضا لنفسه! إن كنتم قريش فمه! فسكت وانقطع الكلام.

стр. 390

وكان إذا ذكر أبيات يحيى بن على هذه يشتد غيظه ويقول أقوالا يسمعها سائر الجلساء، لا أحب ذكرها، ويسرنى منه بأن يقول قد شفى القلوب ابن المعتز بجوابه وأنشدنى يوما العروضى جوابا ليحيى فى غير شعر عمله أحسن والله فى بعضه. ولكنى لا أذكره للطعن الذى فيه. واعتللت وهو أمير فتأخرت عن خدمته، والنوبة التى كانت على فكتب إلى رقعة فيها: يا عليلا جعل السّا ... عة إذ غاب شهورا ولقد كان به ... الدّهر إذ جاء قصيرا لعلوم لا أرى ... الدّهر له فيها نظيرا صرف الله الأذى ... عنك ولقّاك سرورا فكتبت الجواب: يا أميرا ما رأينا ... مثله فضلا أميرا يا أبا العبّاس يا شمسا ... ويا بدرا منيرا يا كبير العقل وال ... آداب مذ كان صغيرا والّذى نكذب إن ... قسنابه يوما نظيرا قد أتى عبدك شعر ... منك خلّاه حسيرا

стр. 391

بعد سبق من خطار ... الشّعر من كان خطيرا حسن اللّفظ يحاكى ... رصفه الدّرّ النّثيرا ملأ الجسم شفاء ... وحشا القلب سرورا كان من عارض شك ... واى ومن دهرى مجيرا ليس ما يذخره عن ... دى من الشّكر يسيرا سوف أهدى منه روضا ... جاورت منك غديرا كم عسير عادلى من ... حسن نعماك يسيرا قد يرى العبد وإن ... قلّ بمولاه كثيرا سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة مات فى المحرم منها ابراهيم بن خفيف، صاحب ديوان النفقات وتقلد موضعه محمد بن يحيى بن شيرزاد، وتقلد الزمام عليه سعيد بن عمرو بن سنكلا. وفى هذا الشهر ظهر ابن خزابة بعد استتار، وصودر على مال كثير، وضج الناس من غلاء السعر، وكان الخبز قد صار إلى أربعة أرطال بدرهم، وأظهر قوم من بنى هاشم المصاحف وشكوا الجوع. ومات إبراهيم بن حماد لسبع خلون من صفر، ودفن إلى جانب قبر إسماعيل بن إسحاق. واحتبس القطر فنادى السلطان بخروج الناس للاستسقاء، فخرج

стр. 392

أهل الجانبين فى يوم الأحد لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول، وخرج الأئمة فصلوا بالناس ودعوا وانصرفوا. ووافى كتاب قاضى اصبهان لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الأول بقتل مرداويج. وكان السبب فيه أنه جعل عسكره صنفين صنف منهم جيل وديلم وهم خواصه وأهل بلده الذين فتح بهم الرى ونواحيها، ومنهم صنف أتراك وأهل خراسان، ثم استخص نفرا من الأتراك فوجد الديلم من ذلك وعاتبوه عليه، فقال إنما اتخذت الأتراك لأقيكم بهم، وأقدمهم يحاربون بين أيديكم، وأنتم خاصتى وأنا بكم ولكم. فبلغ ذلك الأتراك فأجمع رأيهم على قتله، فأوصوا الغلمان الصغار الذين فى خدمته ووكدوا عليهم بالتركية أن يفتكوا به، فقتلوه فى حمام. وجاءهم الذين واطأوهم على ذلك وأخرجوهم من الدار، وركبوا دوابه وساروا فاضطربوا فقالوا نجعل علينا رئيسا فرضوا ببجكم وأخذوا من داره مالا عظيما وآنية فضة وذهب، وكان قد تكبر وتجبر ووضع التاج على رأسه مكللا بأحسن الحب والياقوت وجلس على سرير فضة حواليه ذهب، وكان مرصعا بجوهر وقال أنا أرد دولة العجم وأبطل دولة العرب، وصار بجكم والغلمان الذين معه الى ابن رايق فقبله أحسن قبول، وغمره بالإحسان وخلع على غلام الراشدى بحمص وأعمالها. وقبض السلطان على ابن شنبوذ لما رفع عليه من قراءته بما لا يجوز، وشهد عليه بشهادات فأحضر دار ابن مقلة وحضر ابن مجاهد

стр. 393

وجماعة من القضاة والفقهاء، فنوظر فتاب ورجع عن رأيه فكتبت رقعة نسختها: «يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ إنى كنت أقرأ حروفا تخالف ما فى المصحف المنسوب إلى عثمان ﵀، الذى اتفق عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى تلاوته، ثم بان لى أن ذلك خطأ فأنا منه تائب وعنه مقلع وإلى الله منه برىء، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذى لا يجوز خلافه» وكتب بخطه فى أسفل هذه الرقعة: «يقول محمد بن أحمد بن أيوب ما فى هذه الرقعة صحيح وهو قولى واعتقادى، أشهد الله على ذلك ومن حضر، وقد كتبت هذا بخطى فمتى خالفت ذلك أو بان منى غيره، فأمير المؤمنين أطال الله بقاه فى حل وتبرئة من دمى» وكتب يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر فى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وذلك كله فى مجلس الوزير أبى على. ودعا الأئمة فى يوم الجمعة بالجانب الشرقى والغربى بعد دعائهم للراضى لابن ياقوت وقرظوه، فبلغ ذلك الراضى فأنكره وأمر بأن يقلد مكان أبى عمر حمزة بن القاسم من ولد العباس بن محمد على الصلاة بجامع الجانب الغربى أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن جعفر بن المنصور ويعرف بابن بريه، وأن يقلد مكان أبى الحسن أحمد بن الفضل بن عبد الملك من ولد العباس بن محمد أبو بكر

стр. 394

محمد بن الحسن بن عبد العزيز على الصلاة بالجامع الشرقى، وأن يقلد أخوه الصلاة بجامع السلطان. وشغب المؤنسية فى طلب الأرفاق وقطعت الجسور وأرجف الناس بابن ياقوت أنه قتل فركب فى الجانبين وأزال الإرجاف بركوبه وسكن الناس. وتوفى أحمد بن عبد العزيز الجوهرى صاحب عمر بن شبة بالبصرة لخمس بقين من شهر ربيع الآخر. وقبض على محمد بن ياقوت يوم الإثنين لست خلون من جمادى الأولى، وعلى كاتبه أبى إسحاق القراريطى وعلى نجاح كاتبه على الجيش فقبض من ابن ياقوت على رجل كامل فى عقل وعلم وشجاعة وصيانة وعفاف. واجتمع الحجرية والساجية فقالوا: لا نرضى بأن يكون بدر الخرشنى واليا شرطة بغداد فسفر بينهم وبين بدر ورفق بهم حتى رضوا به وبلغ السلطان أن أبا الفتح بن ياقوت يضرب الحجرية والساجية على الراضى، ليفتكوا به وتوقع البيعة لبعض إخوته فقبض عليه وهو بين يديه يخاطبه ووكل بدوره فلم تنهب وحمل ما فيها ليلا إلى دار السلطان. وخلع الراضى على غلامه ذكى للحجبة يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الأولى وغضب صغار الحجرية لابن ياقوت، وقالوا يناظر بحضرتنا فإن وجب عليه شىء وإلا أطلق فداروهم حتى سكتوا وأمر بقبض ضياع ابنى ياقوت، وحمل القراريطى إلى دار الوزير وأخذ خطه

стр. 395

بمال قيل إنه ثلاثة ألف ألف درهم أو أقل. ومات ابن المبشع الشيعى، وكان يروى عن عمر بن شبة لليلتين بقيتا من جمادى الاولى. وفى جمادى الاولى خلع على أبى الحسين على بن محمد لخلافه أبيه. وزاد أمر الحنبلية فى هذا الوقت ونهبوا دكاكين بباب الشام لأن البربهارى مضى بعود أمر عبد الله بن أحمد بن حنبل وعاثوا فى مربعة شبيب فأنكر السلطان ذلك وأمر بطلب الدلاء وابن رمضان فلم يوجدا. وكان النوروز لثمان خلون من رجب، ووجه الراضى إلى أخيه العباس وأحضره الدار مع طائفة منهم أبو القاسم كاتب نازوك ثم أخرج العباس بين الظهر والعصر. وحضر الوزير والقاضى عمر ابن محمد وحضرنا، فكتب القاضى كتابا بيده ولم يكتبه الوزير. وقال للقاضى فى هذا شروط أنت بها أحذق وعليها أقوم. فكتب كتابا حسنا عن حلف العباس ومن معه، أنه ما نكث ولا خرج عن طاعة. وفى آخر جمادى ولى أبو العلاء سعيد بن حمدان أعمال ابن أخيه الحسن بن عبد الله فنفذ فى خف من الجيش فأنزله دارا له لما صار إلى الموصل وأطمعه فى التسليم اليه، ثم قبض عليه وقتله غلمان الحسن وعظم ذلك على الوزير، وأصلح آلة للخروج، وحلف أنه لا بد له من أن يوقع به أو يصير إلى الحضرة، ويؤدى عشرة ألف ألف دينار. وقبض على على بن عيسى يوم الاربعاء لأربع بقين من رجب. جاء راغب الخادم فحمله إلى دار السلطان، ثم صاعد به إلى دار الوزير،

стр. 396

وأخذ خطه بخمسين ألف دينار وكان الاصل فى هذا أن الراضى زعم أن ابن حمدان الحسن وجه اليه بخمسة آلاف دينار على يد ابن طليب الهاشمى، ليوصلها الى الراضى، فلم يفعل ذلك. فكان الراضى بعد نكبة على بن عيسى يحلف أن عليا اختان الخمسة الألف، فكنت أقول له لو تأمل سيدنا هذا من أين وقع وأن عليا لا يمد عينه إلى خمسة آلاف دينار، وهو أبعد الناس من هذا، وكنت أحدثه عنه بما أقدر إزالة ما وقع بقلبه، فلا يقبل إلى أن ضرنى ذلك عنده وسعى بى قوم من الجلساء إلى الوزير فانحرف عنى بعد ميل، وحرمنى بعد إعطاء. وكثر ضجيج بنى هاشم فى شكوى الضر وسودوا وجوههم ومنعوا الإمام يوم الجمعة بالجانب الغربى من الصلاة، فصلى بعد جهد مخففا للخطبة وتوفى فى آخر رجب أبو عبيدة القاسم بن إسماعيل المحاملى المحدث ودفن بمقابر الدير. ووجه الوزير إلى منازل أبى الفرج بن حفص وولده فكبسهم فيها، وطلبهم فلم يوجدوا فهدم دورهم وجمر نخيلهم، ونقل ما وجد لهم من الأثاث. وكان ذلك لرقعة زعموا وجدت فيها تضمن ابن حفص للوزير وجماعة معه بمال خطير وخرج الوزير مصاعدا إلى الحسن بن عبد الله لخمس خلون من شعبان، ومعه خلق من الحجرية والقواد، واستخلف على الحضرة ابنه أبا الحسين. وأطلق على بن عيسى إلى منزله بعد أدائه المال، وانحدر

стр. 397

إلى ضيعته بالصافية لأيام خلت من شعبان، وانتقل والده إلى الصافية جمال بغداد، ومن لا يرى الناس مثله. ومات نسيم البشرانى الخادم للنصف من شعبان فأمر الراضى أن يرد ما كان اليه إلى كاتبه أبى عمرو فأبى أن يقبل ذلك إلا برئيس من الخدم يكون الاسم له، وحشم الشراب ومن يخدم فيه مضمومون اليه، وهو يكفى أمر الخدمة فجعل الراضى ذلك إلى زيرك الخادم القاهرى وفى هذا الشهر خرج مفلح الأسود إلى بيت المقدس أشير عليه بذلك لكراهة الراضى مقامه بالحضرة، ولعهدى به وقد دخل ليودعه وهو يبكى ويضطرب، ويقبل الأرض. ويشكو أن فراقه لمولاه كفراقه لحياته. والراضى يقول هذا وجه كنت تحبه، وحيث ما كنت قأنت لى وقريب متى وعنايتى تلحقك. ثم خرج على كره منه وورد الخبر بدخول الوزير إلى الموصل أول يوم من شهر رمضان على اختيار عمل له. ومات أبو عبد الله بن المهتدى لليلتين خلتا من شهر رمضان، وكان قد حدث وكان فقيها مشهورا، له حلقة يجتمع اليه الناس، وفى هذا الشهر قطعت يد رجل فى ناحية بشرى المؤنسى وطيف به فى الجانبين، ونودى عليه هذا جزاء من يسعى فى الأرض فسادا لأنه اتهم بأن جماعة من الحجرية كانوا يجتمعون فى دار له بدرب النهر لبيعة يوقعونها، فقرر وضرب فقال نا مقتول، فلم أوقع غيرى فمنى ووعد العفو فابتدأ يقر، فذكر جليلا من الحجرية، وأراد أن يذكر غيره، فأمر الراضى بترك سؤاله وقال: ما حاجتى أن أفسد

стр. 398

نيات قوم إذا عرفتهم لم أجد من ينصرنى عليهم ويعاوننى لعلهم بوقوفى على أمرهم فقيل له لا يذكر أحدا وهذا من جيد رأى الراضى، وكان قد حفظ عنى أن المأمون لما قتل ابن عائشة وجد فى منزله قماطر فيها مكاتبات بعض الجند له، فجلس وأحضرها وجمع الناس، وقال: أنا أعلم أن فيكم المستزيد والعاتب، وإن نظرت فى هذه الكتب فسدت عليكم وفسدتم على، وقد وهبت مسيئكم لمحسنكم. وأمر فأحرقت القماطر وأسفرت وجوه القوم واستصيب رأيه ووقع بالكرخ حريق عظيم فى شوال أحرق العطارين والصيادلة وأصحاب المدهون والخزازين والجوهريين، وكان عظما. وقبل ذلك بقليل وقع حريق دونه فى أصحاب الحناء والاشنان فآثاره باقية إلى وقتنا هذا، مارد الى حالته لما يتزايد من خراب البلد وانصرف الوزير من الموصل ولم يبلغ ما أراد فأقام بالبردان لثلاث بقين من شوال لينقضى كسوف الشمس، وكان لليلتين بقيتا من شوال ثم دخل فى أول ذى الحجة وخلف بالموصل على بن خلف بن طياب على الخراج، ويانسا المؤنسى على الحرب ووافى فى هذا الوقت جميع من كان مع محمد بن خلف زوج أخت ابن الحوارى بالخيل مفلولين هزمهم الديلم، فيهم ابن عمرويه وابن الفارقى وولى لؤلؤ طريق مكة، وكان غلاما للمتهشم فخرج بالناس فلقيهم الفرامطة يوم الاربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة،

стр. 399

بطيزنا باذ فقاتلهم أشد قتال، إلى أن خذله أصحابه وأصابته ضربات فطرح نفسه مع القتلى ثم دب ليلة الخميس إلى أن صار إلى الكوفة فاستتر. وكان من انقضاض الكواكب فى ليلة الاربعاء التى قطع على الحاج فى صبيحتها، فلم يفلت منهم أحد ما لم يعهد مثله بالكوفة وطيزنا باذ موضع الوقعة، وكان عندنا ببغداد من ذلك ما لم نر مثله ولا سمعنا به قط واستؤسر ابن حاتم، وكان قد تقدم فى قافلة الخوارزمية فقتلوا كلهم وصار إلى القرامطة ألفا جمل عليها أصناف البز والأمتعة وأفلت القراريطى من حبس الوزير وتحدث الناس أنه أطعم الموكلين طعاما فيه بنج. وأحضر الراضى جعفر بن المكتفى فحبسه لشىء بلغه عنه ثم أخرجه الينا مرات نسائله ونخاطبه، وأرسلت إلى والدته تسألنى الكلام عنه فما بقيت غاية أنا والجلساء فى ذلك حتى أطلقه، وذلك لما أوجب الله على من حق المكتفى، واصطناعه إياى وإحسانه إلى، وكثر الضجيج ببغداد لما نال الحاج ووثب العامة بأصحاب المعاوز فى الطرق والمساجد. ونال الراضى من ذلك أمر عظيم، وصام أياما، وكان يقول: لو كان لى مال كمال المكتفى حين فعل ذكرويه بالحاج ما فعل، فطلبه بالجيش والأموال حتى قتله لما رضيت والله إلا أن أخرج بنفسى إلى البحرين. ولكن ما حيلتى فى جند مستحثين، قد ملكوا الأمر دونى وعوز مال، وانخراق هيبة إلى الله أشتكى وبه أستنصر. والحجرية والساجية يعيبونه كل يوم حتى يجلس لهم مرات بالليل

стр. 400

والنهار لا يريده أحد منهم فيحتجب عنه. وصودر أبو يوسف كاتب أم جعفر المقتدر بالله، على أحد وعشرين ألف دينار. وحمل الحسن ابن هارون مالا، وحمل جماعة منهم مصانعة عن أنفسهم. ووافى الحسن بن عبد الله من الموضع الذى كان صار اليه فولى نقيطا المؤنسى نصيبين وقلد الديلمى القائد الذى كان معه بلد لأن من كان بالموصل لم يتجاوزها. وأحضر فى يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذى الحجة القاضى عمر بن محمد ومعه أبو أيوب السمسار فنظرا إلى ابن ياقوت ميتا لا أثر فيه، وأنه مات حتف أنفه وصلى عليه أبو أيوب ودفن فى مقبرة لهم فى الشارع الأعظم فوق سوق السلاح. ومات أحمد بن محمد البستانبان المحدث وكان ينزل عند دار ابن الحوارى، وولد سنة أربعين ومائتين وكان حافظا للحديث فى ذى الحجة وفى ذى الحجة طولب أبو الحسين على بن محمد البريدى بمال فصودر على مائة ألف دينار عن جماعتهم نصفها معجل ونصفها مؤجل. وأرجف الناس بأنه يسعى للخصيبى بالوزارة فطلب وكبست مواضع بسببه وجرد كاتبه ابن رمكة ليضرب من أجله فحلف أنه لا يعرف مكانه. سنة اربع وعشرين وثلاثمائة كان لبنى هاشم وثوب فى المحرم بإمام الجامع الغربى فخاتلهم حتى صلى

стр. 401

ركعتين خفيفتين قرأ فى الثانية الحمد وقل هو الله أحد وخطب بكلمات يسيرة. وصاروا من غد إلى الجامع الشرقى فوثبوا بالقاضى وما تركوه يخطب، فانصرف مفلتا من أيديهم، وأمر الوزير أن يفتتح الخراج فى هذا الشهر فضج الناس من ذلك. ومات فى هذا الشهر أبو منصور ابن جبر النصرانى، وما اصطفى بن يعقوب النصرانى صاحب بيت مال الخاصة من قبل مؤنس الخادم، وورد تابوت ابن دولة الحسن بن على ابن محمد بن الفرات الى بغداد من الشام، وذكرت عنه فى ولايات تولاها أمور قبيحة من الظلم. وغرق القاضى ابن كاس فأخرج وبقى أياما ومات. وشغب العامة لغلاء السعر فى مسجد الرصافة ودخل الجند فى طلبهم إلى الصحن فصعدوا الى السطوح وغتوا الفرسان بالحجارة حتى هربوا وحارب الجند العامة يوم السبت بباب الطاق فأخذ السلطان جماعة فضربهم بالسياط وأدارهم. وأشار الوزير بأن يسعر المكوك من الدقيق بثلاثة دراهم فما نفع ذلك. ونادى بأن يتعامل الناس بالغليظ من الدراهم والممسوح طلبا للرفق بهم. ووقع بين الحجرية والساجية فى صفر خلاف فمشى بينهم قوم فاصطلحوا. وقلد فى هذا الشهر الحسن بن عبد الله من تكريت إلى آمد، وفورق على مال واستقام أمره، وأزيل عنه من بالموصل. ومات فى يوم الخميس للنصف من ربيع الأول هارون بن المقتدر بالله أبو عبد الله وكان كاملا فى عقله وأدبه وأظهر الراضى حزنا شديدا عليه، وقال لنا هذا على أنه كان يسعى على هذا الأمر ويكاتبه فيه جماعة منهم ابن ياقوت

стр. 402

وقال لى: كنت أعرف محلك منه أفرثيته بشىء؟ فقلت نعم وإنما انتظرت الاستئذان فى إنشاده فقال جئنى به فى غد وأنشدنيه مفردا، ثم أمر بإدخالى إليه من غد وكنت بكرت قبل حضور أهل نوبتى فأدخلنى فأنشدته: تعزّ يا خير الورى عن أخ ... لم يشب الإخلاص بالّلبس كان صديقا وافرا ودّه ... صداقة الأنفس والجنس تعزّ عنه بنبىّ الهدى ... محمّد أدخل فى الرّمس وهو حبيب الله فى أرضه ... مؤيّدا بالوحى والقدس سمّاك بالرّاضى لترضى بما ... تسلف من أمر وما تنسى قد أنذر الدّهر تصاريفه ... بألسن ناطقة خرس يخبرنا عن موته كونه ... بغير إذكار ولا حدس كان نسيبا لإمام الهدى ... بالودّ والألفة والأنس ونسبة الجسم شتات إذا ... لم تتآلف نسبة النّفس وكان فرعا ذاكيا غصنه ... مهذّبا من خير ما غرس وكان فى السّودد ذا همّة ... وكان فى النّعمة ذا غمس أرسى عليه دهره مثل ما ... أرسى على ساكنة الرّسّ

стр. 403

إن صرف الدّهر إلى ما مضى ... عاد سرور النّاس ذا عكس حوادث الأيّام شقّاقة ... تقرّب المأتم بالعرس يعتقب المرء بها حاله ... بوطئه الحزن إلى الوعس من عزّ بالدّنيا هفا قلبه ... وعاد منه النّور ذا طمس وزال فى تلوينها عقله ... وغاله طيف من الّلقس منيّة إن لم تفاج الفتى ... كانت له بالسّقم ذات مسّ لهفى عليه وقليل له ... لهفى وهل يرجع لى أمس ى لهفى على منتخب حلمه ... أرجح من رضوى ومن قدس وأين الأولى كانوا شموس الورى ... ليوث حرب غير ما شمس جرى على السّودد منهم كما ... شيّد بنيان على أسّ فافرس له صبرا يزيل الأذى ... فالدّهر للإنسان ذو فرس ينعم منه جسمه تارة ... ثمّ تراه جاسى الجسّ فلم تزل فوق الملوك الأولى ... من عرب سادوا ومن فرس من لا يرى حبّك فرضا فما ... أدّى فروض الله فى الخمس فداؤك النّاس جميعا على ... رغم عدوّ لحز شكس

стр. 404

فالخلق من وارد رفه إلى ... الموت وذى عشر وذى خمس أوّلهم منتظر آخرا ... فهو عليه الدّهر ذو حبس حتّى يجيؤا وكفات لهم ... ولا يرى للقوم من حسّ وبعثهم من بعد ذا كلّه ... لخابل الجنّة والإنس تخشع أصواتهم خيفة ... فلا تناجى بسوى الهمس داعى المنايا خاطب كفوه ... كخطبة المعتام للعرس يسمو إلى الأنفس فى قدرة ... منكّبا عن ساقط جلس تلعب بالمرء اللّيالى كما ... قد تلعب الأقلام بالنّقس ترضع بالانعام ذا عزّة ... يفطم بالبؤس وبالتّعس تتبع نعماها ببأسائها ... ويعقب الصّحّة بالنّكس فالحرّ فيها أبدا حائر ... من سومها الغالى على مكس يتعب فيها أبدا جسمه ... وإنّما الرّاحة كالخلس يخدع فيها بالمنى نفسه ... ووافد الموت به مرسى ينسى الّذى يأتى به صرفها ... والآمل الغرّار قد ينسى تلبسه من طمع غفلة ... بالمطعم الملذوذ واللّبس

стр. 405

فأسلم الله إمام الهدى ... فما عطاء الدّهر بالنّحس كلّ الورى أنت وكلّ يرى ... عبدك من عال ومن نكس بقاؤك الفوز لنا والغنى ... نصبح فيه مثل ما نمسى شوى صروف الدّهر ما لم تصب ... فى الرّطب إن عاثت وفى اليبس من تاجر الدّهر بلا صرفه ... فصار من ربح إلى وكس فأسلم الكلّ فلا بأس أن ... يرزأ فى السّدس وفى الخمس إن غيّب البدر كسوف فقد ... لاحت بسعد غرّة الشّمس ما طالع الأمّة يا سيّدى ... إذا خطاك الخطب بالبخس فما فرغت من الإنشاد حتى بكا بكاء شديدا، ثم قال لى أنت كنت حدثتنى ان المأمون قال لمحمد بن عباد المهلبى لما مات أخوه أبو عيسى، وكان أحب الناس إليه: يا محمد حال القدردون الوطر. قلت له قد كان ذاك، فقال والله ما كان المأمون لأبى عيسى بأشد حبا منى لهارون ولا أصح نية فيما ورى عنه. ودفن هارون فى داره بقرب الجسر، وحضره طول يومه الوزير والقواد، وكل نزع سيفه ومنطقته إلى أن دفن بعد العصر وانصرفوا فقال بعد ذلك: لولا أنى لا أدرك ثأرى لقتلت بختيشوع الطبيب، سقى أخى هارون درهم سقمونيا حتى قتله ورمى بكل ما فى جوفه! وإن كان المشئوم ما تعمد ذلك، ولكنه أعمى القلب،

стр. 406

قصير العلم بليد الفكر، مرزوق فى أيامه، محظوظ. وأشاع الناس بأن ابن رايق يريد الصعود من واسط إلى بغداد ولحقه الناس من بغداد، فظن الساجية والحجرية أن ذلك بمكاتبة الراضى. فتكلموا فى ذلك فكتب إليه لا تجىء ووجه بما كرد وينال وعبد الله بن على كاتب نسيم؛ يناشدونه فى مقامه وقدموا من عنده يوم الخميس لست خلون من شهر ربيع الآخر. ومات فى هذا الوقت على بن العباس النوبختى وقد قارب ثمانين سنة وكان حسن الأدب والشعر وكان ابنه الحسين يكتب لابن رايق ويدبره أمره. وقدم شيخ هاشمى من سر من رأى يقال له إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى فحدث واجتمع إليه، وذكروا أنه ولد سنة أربع وعشرين ومائتين. وكان عنده علو إسناد مفقود فى وقته، الموطأ عن مالك عن أبى مصعب الزبيرى وروى عن أبى سعيد الأشج وعبد الجبار بن العلاء العطار. فتكلم الناس فى سماعه والتهبت له سوق ثم طفئت ورجع إلى سر من رأى. واستحق الساجية والحجرية، فطالب الوزير مياسير التجار بأموال يعجلونها ويكتب لهم بها سفاتج فاستتروا. وضرب ابن جبير الدقاق، وأخذ منه مال وأمر من كان ينزل بسور المدينة أن ينتقل لتباع المنازل ووجه الحسن بن عبد الله بمائة كر دقيقا، يفرق بسر من رأى وبغداد على الأشراف والضعفى، ففرح به الناس وحدرت زواريق كثيرة للتجار فصلح السعر. وبلغ الحجرية والساجية أن بدرا الخرشنى

стр. 407

والمؤنسية والرجالة قد عزموا على حربهم بأمر السلطان، فتنكروا لهم فخرج بدر ومن معه إلى الصحراء يوم الثلاثاء، لثلاث خلون من جمادى الأولى وقالوا كيف صار الساجية والحجرية يأخذون المال وقت استحقاقهم ونحن نؤخر بقسم المال بيننا! وصار الحجرية والساجية إلى الحلبة وأقاموا بها واستظهر السلطان بعض الاستظهار ببعض اليلبقية «١» والهارونية وغلمان أم المقتدر. ثم إن الحجرية والساجية أخرجوهم عن الدار، وصار الخرشنى إلى مسجد الجامع بالرصافة فضرب خيمة هناك وتبعه جعفر بن ورقاء ولؤلؤ وغيرهم وكان الراضى قد اختص جعفرا وشاوره فحسن أثره فى رأيه وفضله. وقال الساجية والحجرية للراضى: قد أشاع الناس أنا محاصروك فاخرج فصل الجمعة بالناس ليزول ذلك. فخرج فصلى بالناس فى مسجد الدار، وما علم به الناس. وقال للحجرية وللساجية أنتم خاصتى وثفاتى. وسفر جعفر بن ورقاء بين الناس فأصلح الأمر. ووعد الناس بأن الخليفة يصلى بهم فى الجمعة الثانية فما تخلف أحد، وما كنت أنا علمت بصلاته أول جمعة فحضرت فى الثانية ووجدت إسحاق بن المعتمد حاضرا فدخلنا المقصورة وخرج الراضى فعلا المنبر ووقعت عينه علينا فخطب فأوجز ونزل وصلى بالناس فقرأ سورة الجمعة فى أول ركعة وفى الثانية سبح اسم ربك الأعلى أتم قراءة وأحسنها ودخل وانصرفنا. فابتدأت أعمل شعرا أصف فيه

стр. 408

خطبته، فوافتنى رقعة بخطه وفيها: أبقاك الله يا محمد قد لحظك طرفى وأنا أخطب وأنت إلى جانب إسحاق قريب منى، غير بعيد عنى فعرفنى على تحرى الصدق واتباع الحق كيف ما سمعت وهل تهجن الكلام بزيادة فيه أو اختل بنقص منه أو وقع ذلك فى لفظه أو إحالة فى معناه جاريا فيه على عادتك فى حال الإمرة غير مقصر عنها للخلافة إن شاء الله فكتبت إليه جواب الرقعة بعد أن أتممت القصيدة أمير المؤمنين أدام الله دولته وأطال فى الملك مدته أجل خطرا وقدرا، وأسنى مجدا وفخرا. وأوسع خاطرا وفكرا من أن يبلغ خاطب خطابته أو يروم بليغ بلاغته أو يدرك فيها واصف صفته إلا بما تناله طاقته وتبلغه غايته ولما وصل إلى عبده سؤاله عن حسن ما وعاه وسمعه وجليل ما حفظه ولقنه من كلامه فى خطبته وتصرفه فى حسنه عجز عن بلوغ كنهه لسانه ولم يؤده شرحه وبيانه ففزع فى وصف ذلك إلى قول من كان أقوم بوصف مثله وأشد استقلالا به وأحسن أداء له وهو حسان ابن ثابت فى وصف كلام جده عبد الله بن عباس نضر الله وجهه وصلى على روحه فانه قال فيه: إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتظمات لا نرى بينها فصلا كفى وشفى ما فى النّفوس فلم يدع ... لذى إربة فى القول جدّا ولا هزلا يقول مقالا لا يقولون مثله ... كنحت الصّفا لم يبق من غاية فضلا

стр. 409

وقد عمل عبد أمير المؤمنين أبياتا فى وصف ذلك جعل أمام مدحه تشبيبا لم يخله من تشبيه مبتدع ومعنى منتزع، إذ كان الأمر قد تقدم إليه أن يجعل ذلك فى صدور قصائده، وأوائل مدائحه وهو يأمل أن يقع من استحسان سيده بحسب تفضله عليه، واصطناعه أياه والأبيات: أسرّك يا مناى ولا أسوك ... وأنفى بالهوى عرض الشّكوك وأحميك الّذى تخشين منه ... كما يحميك من عار أخوك لقد بلّغت فيك مدى المنايا ... وما بلغت مدى عشر سنوك ارى الهجران منك يحيل صبحى ... وما أذنبت ليلا ذا حلوك ودهر الوصل يحكى لى ربيعا ... يشابه نبته خلى الهلوك رياض نمرج الألحاظ فيها ... منوّرة الأعالى والسّموك بهار قد حكى العشّاق لونا ... على قضب حكتهم فى النّهوك وورد مثل خدّ منك راض ... جوار فم تبسّم عن مسوك ويضحك أقحوان فيه يحكى ... لنا ثغرا تكشّف عنه فوك تطلّع بين ذاك وبين هذا ... شقائق مثل أعراف الدّيوك مداهن من عقيق نظّمتها ... يدا خرقاء واهية السّلوك حلفت بغرّة الرّاضى فإنّى ... أراه حقيقة فوق الملوك

стр. 410

بأخّاذ لما يرجى ألوف ... وعيّاف لما يخشى تروك عبوس فى انتهاك الملك فظّ ... وطلق فى مذاهبه ضحوك نهوض بالخطوب إذا اعترته ... فراها هبّة السّيف البتوك عشيق الملك جاء بلا كتاب ... يرجّى الوصل منه ولا ألوك فمن للبخل يمسك ما حواه ... فما هو بالبخيل ولا المسوك أجلّ النّاس آراء وعلما ... مقال ليس يقرن بالأفوك وما أحياه من سنن تعفّت ... فدار صلاحها دور الدّموك ركوب للمنابر سار قصدا ... إليها وهى حائرة السّلوك فذّكرنا مقال منه فصل ... مقال المصطفى بحرى تبوك فأطلع منه شمس الملك سعدا ... وكانت نحسة بشفا الدّلوك لأعتمدنّ سير المدح فيه ... بإرقال يبرّ على الرّتوك أحوك من القصائد وشى مدح ... تفضّله على الوشى المحوك لقد فتك الزّمان بسوء حالى ... فأنقذنى من الزّمن الفتوك فتأخر الجواب عنى يومين، ثم وافت رقعة يقول فيها قد استحسنت الشعر غاية الاستحسان، ورأيتك تكلفت فيه ما لا يجب عليك من لزوم الواو فى أرداف القافية ورأيت المدح مليحا قد وقع كله فى

стр. 411

القسم «١» ورأيت الأوصاف فى صدر الأبيات فى نهاية الحسن، تقدمت فيها كل من وصف ما وصفت، وخاصة بيت البهار لتشبيه شيئين فيه. وقد تأملت البيت الأخير وأنفذت إليك فى هذا الوقت ما تبنى به المنهدم من حالك، إلى أن تنجلى الهبوة التى نحن فيها إن شاء الله. ومع الرقعة صرة ديباج مختومة بخاتم راغب الخادم، فيها ثلاثمائة دينار. وتنكر الساجية والحجرية للوزير، بعد أن صالحوا الخرشنى، ورجع الجميع إلى منازلهم. وانحدر الوزير إلى دار السلطان بأرزاقهم، فعرفهم أن لا مال عنده، فوثبوا به وقبضوا عليه، والسلطان يراهم. فوثب ودخل وأمر راغبا أن يتسلم الوزير ويكون فى يده، وأن لا تجرى جناية عليه. ونهب الناس داره ودار ابنه الملاصقة لداره، وطرحوا فيها النار، ونهب جماعة من كتابه. وأحضر أبو على عبد الرحمن بن عيسى فى هذا اليوم، فولى الوزارة وهو يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى بعد أن عرض السلطان الوزارة على على بن عيسى واستعفاه فأعفاه وكان من العجائب المشهورة أن دار ابن مقلة أحرقت فى مثل اليوم الذى أمر فيه بإحراق دار سليمان بن الحسن بباب محول، وفى مثل ذلك الشهر بينهما حول كامل، وظهر فى عشية هذا اليوم سليمان ابن الحسن والخصيبى.

стр. 412

واستوحش الخرشنى لما فعله الساجية والحجرية. وتحول فنزل دار الحسن بن هارون، وشغل عن العامة فعاثوا، ثم صار اليه جماعة من الحجرية فحلفوا له أنه واحد منهم فرضى ورجع إلى داره وكتب على حيطان ابن مقلة: أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتى به القدر وسالمتك اللّيالى فاغتررت بها ... وحين تصفو اللّيالى يحدث الكدر وتحته «صنع بدارك مثل ما صنعت بدار سليمان» . وحول ابن مقلة إلى دار الوزير أبى عبد الرحمن، فأحسن اليه وسلمه إلى هنكر وما كرد ليكون فى أيديهما، ويناظره سليمان فى الأموال بحضرتهما فى يوم الأحد لثمان ليال بقين من جمادى الأولى فى دار النوشرى بقرب الحبس. واتصل بالسلطان أن أبا الفتح بن ياقوت قد حبب جماعة من الأولياء وحملهم على الفتك بالخليفة والبيعة لأخيه عبد الواحد، فقبض عليه بين يدى الخليفة؛ وثب به الخدم وحبسوه فى حجرة لأربع ليال بقين من جمادى الأولى. وصرف الخرشنى عن شرطة بغداد لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، وولوا كاجو الجانب الغربى، وجعل الجانب الشرقى إلى أبى الفتح تتج الحجرى وأخيه أبى الفوارس سخر باس شركة بينهما. وناظر سليمان ابن مقلة وانفرد له ابن الحارث فلقى ابن مقلة منه

стр. 413

عنتا وأعطى خطه بمال يقال إنه ألف ألف دينار، عنه وعن جميع أسبابه، أربعمائة ألف دينار منها معجلة ثم لم يحمل شيئا فحرك السلطان على بن عيسى واخاه الوزير فى ضمان ابن مقلة، فوجها اليه بالخصيبى فقرر الأمر على نحو الأول، على أن تقوم ضياعه وتؤخذ، وينجم الباقى فى سنتين. وعز الخبز والدقيق فلم يوجد أياما ببغداد، ووقع فى الناس طاعون عظيم فتفانوا ببغداد وما سواها. وضرب الخصيبى ابن مقلة ضربا مبرحا، وأحاله على جماعة منهم ابن المغلس الفقيه فاعترف بخمسة آلاف دينار عنده لابنه أبى الحسين وأمر بحملها فحملها، ومات فى تلك الليلة من سكتة عرضت له، وكان فقيها على مذهب داود جدلا موسرا، وذلك لأربع خلون من جمادى الآخرة. وفى هذا الشهر رخصت الأسعار، وبلغت الساجية والحجرية أن السلطان على الخروج إلى الموصل. فقالوا هذه حيلة علينا، وقالوا لجعفر بن ورقاء هذا عملك ثم بطل ذلك. وتوفى يوم السبت لأربع خلوق من رجب أبو محمد العلوى الرملى ﵀، ولو قلت إنى ما رأيت أفضل منه فى دينه وزهده وكرمه، لما خفت إثما. ودفن ببراثا وكان من لم يلحق الصلاة عليه يصلى على قبره أياما. وطلب سعيد بن عمرو بن سنكلا- عند ابى الحسن على بن عيسى وعند أخيه أبى على- ما كان يجده عند غير هما فعز ذلك عليه ولم يستحلا

стр. 414

أن يمدا أيديهما إلى أموال الناس. فحمل الراضى على عزلهما، فقض على عبد الرحمن يوم الإثنين لست خلون من رجب. وخلع على ابى جعفر محمد بن القاسم الكرخى وولى الوزارة، وكانت مدة أيام عبد الرحمن خمسين يوما، وسلم ابن مقلة إليه ليناظره، ووجدت له خزانة فى دار ريطة فيها ذهب وفضة ومتاع يساوى نحو مائتى ألف دينار وقبض على أبى عبد الله بن عبدوس وصودر على مائتى ألف دينار، فتكلم سعيد بن عمرو فى حطيطته والوزير يخالفه حتى شرق الأمر بينهما، فكان ذلك سبب زوال الكرخى وأدى ثمانين ألف، دينار وأطاق وصودر على بن عيسى وأخوه، وصرفا إلى منازلهما من دار الوزير. ومات أبو بكر بن مجاهد القارىء يوم الجمعة للنصف من شعبان، ولم ير مثله ولا رأى هو مثل نفسه فى علمه، وخلف مالا صالحا وورد تابوت جحظة من واسط، وكان شخص إلى ابن رايق. فيا بعد ما بين الإثنين! على أن جحظة كان أحذق الناس بصناعته، وكان له شعر صالح، وكان يروى أخبارا عمن رأى، ومات أيضا قريض المغنى، غلام محمد بن داود فى هذا الوقت. وقبض على عبد الله بن يونس، وعلى ابن شبيب وطولبا بأموال فلم يوجد عندهما ما ظنه من يسعى بهما، فأخذ من الساعى بابن يونس مال وكان كالشريك له. وصودرا على شىء يسير وأطلقا. وصودر ابن مقلة فى شهر رمضان على مائة ألف دينار فإذا أداها أطلق، وضمن المال عنه ابن قرابة وحوله إلى داره. وتحقق ابن قرابة بأمر الوزير

стр. 415

الكرخى وغلب عليه، وورد الخبر فى شهر رمضان بقتل ياقوت قتله علمان اللوش البربرى فاضطرب الحجرية فوجه الراضى يحلف أن ذلك قد ساءه، وما كان له إذن. وضج الحنبلية فيه من أمر ابن شنبوذ، فحمل إلى دار السلطان ونوظر، والسلطان يسمع من وراء حجاب وتاب وحبس. واستتر الوزير الكرخى يوم الإثنين لثمان خلون من شوال وأحضر سليمان بن الحسن فخلع عليه للوزارة وانصرف إلى منزله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال. وفى هذا الشهر مات المعروف بزنجى الكاتب، وكان مقدما فى الكتبة مذ أيام أحمد بن محمد بن الفرات وهو الذى اصطنعه. وكان كاجو وينال انحدرا إلى ابن رايق، فوصلهما ورجعا ثم انحدر كاجو وماكرد وتكنجور وصافى قواد الساجية، وانحدر معهم أبو جعفر بن شيرزاد والحسن بن هارون وأبو بكر بن الصير فى انحدروا بخلع السلطان على ابن رايق ليكون أمير الأمراء، فوافت الأخبار إلى بغداد يوم الجمعة لسبع خلون من ذى الحجة بأن ابن رايق قبض على قواد الساجية فحبسهم وحبس معهم الحسن بن هارون، وتقطع أصحابهم وفروا وسلبوا ونهبوا. وورد كتاب ابن رايق يعتد على السلطان بقتله أعداءه المارقة الطغاة قرىء على المنابر. ووافى بغداد لؤلؤ غلام المتهشم واليا الشرطة من قبل ابن رايق، فتسلم البلد يوم الخميس لثمان بقين من ذى الحجة، وبث خلفاءه فيه وعزل تتج وسخرباس، ودخل ابن رايق بغداد يوم السبت

стр. 416

لست بقين من ذى الحجة، وخلع عليه ونزل فى الحلبة فى دار السلطان وطالبه بالخروج إلى واسط ليتم تدبيره ويريحه من الحجرية. وورد خبر الطير من فاتك بأن صغار الساجية قصدوا داره لكبسها واستخراج قوادهم منها، وأنه رمى إليهم برءوسهم واستبقى الحسن بن هارون وصافيا وكان ابن رايق أنفذ محمد بن يحيى بن شيرزاد وقت قبضه على الساجية إلى بنى البريدى فى أشياء بينه وبينهم. سنة خمس وعشرين وثلاثمائة خرج الراضى إلى واسط لليلتين خلتا من المحرم، فوصل إلى واسط يوم الأربعاء لخمس خلون من المحرم، وابتدأ ابن رايق فى عرض الحجرية فلم يصبروا على ذلك، واجتمعوا فحاربوه لأيام بقين من المحرم، وكانوا مستظهرين عليه حتى خرج بجكم كمينا عليهم، فوضع السيف فيهم فولوا منهزمين وأسر من رؤسائهم جماعة فيهم خمار جور أسر وبه ثلاث عشرة ضربة وسلحجور ويمن القروانى وبه ضربة قد ذهبت باحدى عينيه وفارس بن ينال، وغرق خلق منهم وتقطعوا فى الصحارى وسلبهم أهل القرى وقتلوهم. وكتب إلى لؤلؤ بالقبض على من ببغداد منهم وإحراق منازلهم وغنم بجكم وأصحابه غنيمة عظيمة من دوابهم وسلاحهم وأموالهم، وكان أبو الحسين على بن محمد البريدى قد وافى واسط فأوصله ابن رايق إلى الراضى حتى خاطبه، وولاهم الأهواز والبصرة، وخلع عليه ابن رايق الخلع التى كان الراضى خلعها عليه

стр. 417

حين ظفر بالحجرية وركب معه، ورجع السلطان إلى بغداد فدخلها يوم الإثنين لثمان خلون من صفر وقدم ابن رايق معه فنزل دار مؤنس ونزل بجكم دار محمد بن خلف النيرمانى بشريعة سوق الدواب، ونزل القرامطة فى البصلية وتفرق باقى أصحابه. وكان الحجرية ببغداد قد حاربوا لؤلؤا قبل قدوم الخليفة فحاربهم فى رحبة العامة من بعد العصر إلى المغرب فظفر بهم وتفرقوا وكان ابنا الصلحى قد نظرا فى الأمور لكتبتهما لابن رايق، فلما قدم فسد أمرهما ودار أمر ابن رايق على الحسين بن على النوبختى، وهو الذى دبر له جميع ما مضى وبلغه هذه الحال. ومات الجريرى المحدث أبو أحمد لسبع خلون من المحرم. ومات القاضى ابن أبى الشوارب يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من المحرم. ومات بسر من رأى إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمى المحدث الذى كان قدم بغداد وخلع على بجكم ليوم الإثنين لسبع خلون من شهر ربيع الآخر، وولى إمارة بغداد وعقد له لواء لولاية المشرق إلى خراسان. وخلع على لؤلؤ لإمارة الكوفة، وخلع على عمر بن محمد لقضاء القضاة. وصلح أمر أبى على بن مقلة لأنه طرح نفسه على ابن روح النوبختى فكلم له الحسين بن على بن العباس كاتب ابن رايق فأصلح أمره، وأوصله إلى الأمير فأمره بفتح بابه. ومات ابن نزار فى النصف من شهر ربيع الأول، وفيه تقلد الخصيبى أزمة جميع الدواوين وخلع على ينال وولى الجبل وجرد

стр. 418

جماعة من الحجرية مع هنكر للجبل واستحلفوا وأطلقت أرزاقهم فخرجوا إلى الدسكرة وهم نحو خمسمائة، فأوقعوا بأكراد وأعراب فغنموا غنيمة عظيمة ثم مضوا إلى بنى البريدى فغلظ ذلك على السلطان وأمر بالنداء أنه إن وجد أحد من الحجرية بعد ثلاث قتل. ولحق من كان بقى من الساجية ببغداد بالموصل بأصحابهم فإن من كان منهم ببغداد فى وقت الحادثة على قوادهم لحق بالحسين بن عبد الله بالموصل وأحسن إليهم وأرزقهم وصرفهم، فلحق بهم من كان ببغداد، وكان من رؤسائهم بالموصل شفيع الخف. ومات فى شهر ربيع الآخر أبو بكر بن أبى الأزهر، وزعم أن مولده سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكذبه أصحاب الحديث لادعائه السماع من أبى كريب وسفيان بن وكيع وإسحاق بن الضيف ونظرائهم. ووافى القرمطى الكوفة فى آخر شهر ربيع الآخر فخرج ابن رايق لثلاث خلون من جمادى الأولى إلى مضربه بالياسرية فى أحسن عدة وأكمل زى ومعه بجكم وأحمد بن نصر القشورى وجماعة من القواد ونفذ بجكم فى المقدمة الى القصر فوجدوا لؤلؤا ولحقهم ابن رايق ومعه بجكم إلى النعمانية، ثم رحلوا الى واسط ليزيلوا أمر ابن البريدى. ومات ابن ميسر المحدث بواسط وكان سيدا. ومات أبو يوسف كاتب أم المقتدر يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة.

стр. 419

وأمر بلعن البريديين ببغداد، وأشهد الراضى القضاة والعدول على نفسه أن قد رد أمر البريديين فى حربهم أو تركهم أو لعنهم أو مقاطعتهم الى ابن رايق وأنه يرضى كل شىء يعمله فى أمرهم وطلب أسبابهم ببغداد وكتب على أملاكهم صوافى. وقلد لؤلؤ بغداد يوم السبت لست خلون من رجب وخلع عليه. وصار إليه من عمل الكوفة إلى بغداد، ومن الأنبار إلى بغداد، ومن النعمانية إلى بغداد. ومات ابرهيم الجاثليق يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان وقبض أبو عبد الله الكوفى على ابن شيرزاد لتسع بقين من شعبان وظفر بفتنة جارية البريدى فعذبها ابن مقاتل، فقالت له وهو يعذبها «يا ابن مقاتل من الرفش إلى العرش!» وصار ابن رايق إلى دجلة البصرة فواقعه أصحاب البريدى فهزموهم وصارت البصرة لهم خاصة. وقطع أمر ابن شيرزاد على تسعين ألف دينار بخمسة وعشرين ألف دينار منها ضياع، وما بقى فبعضه معجل وبعضه مؤجل وأطلق إلى منزله لست بقين من رمضان وتألف لؤلؤ العيارين وأصحاب العصبية وأثبت بعض العيارين. ووصل أبو الفتح الفضل بن جعفر بن فرات إلى بغداد فى شوال. ووصل إلى الخليفة، واستوزر يوم الخميس لسبع خلون منه. وكان بجكم قد هزم البريديين وملك الأهواز فصاروا إلى البصيرة والأبلة وأقاموا بها ومعهم قوادهم وأكثر رجالهم قبل هذا الوقت

стр. 420

وصار فاتك حاجب ابن رايق إلى دجلة البصرة ليأخذ البصرة فلقيه بالمفتح إقبال فهزمه ورده إلى الجامدة. ومات شيخ مسند يعرف بالزعفرانى، نزل دار عمارة وانحدر الوزير والقاضى عمر بن محمد والكوفى فى ذى القعدة إلى واسط، إلى ابن رايق. ومات أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى فى ذى الحجة. وكان عنده إسناد ليس بالرفيع. ورجع الوزير إلى بغداد ولم يلق ابن رايق لأنه خاف أن يطالبه بمال. ودخل الكوفى بغداد لاثنتى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة، خليفة لابن رايق فجمع مالا وخرج إليه لثلاث بقين من ذى الحجة. سنة ست وعشرين وثلاثمائة رجع القاضى عمر بن محمد إلى بغداد لليلتين خلتا من المحرم. ونزل الوزير داره التى على دجلة بين القصرين، ووجه إلى يأمرنى أن أحمل إليه كتاب الكتاب الذى ألفته فاستحسنه، وكان جميع من يدخل إليه ممن يأنس به ويعلم أنه يفهم يقول له: لقد سرنى أنه بقى فى الزمان من يحسن أن يؤلف مثل هذا! ووصلنى بثلاثمائة دينار وأعطى الحشم رزقه وألحق اسمى بهم وأطلق رزقى وزاده فى جملة المال وكان ابن مقلة قد أخرجنى من جملتهم وأفردنى لما جالسه ابنا المنجم وشعثانى عنده فكاتبته بأشعار يغفر بها الكبائر من الذنوب فما عطف على! منها أنى مدحته بقصيدة ما مدح بمثلها قط، فما استمع الشعر منى، فأنفذته على

стр. 421

يد أبى بكر بن الخياط النحوى، فلما قرأه قالا له قد هجاك فى القصيدة فقال ابن الخياط أين الهجاء من هذه القصيدة؟ قالا قوله: ما على الأرض مادح لكم قبلى وحقّى ما بينكم مهضوم وأنت فقد مدحك قبله عبيد الله بن عبد الله، وابن بسام فكيف صار هو أول من مدحك! فقال ابن الخياط انما عنى الرجل ما على الأرض ما بقى أحد مدحكم قبلى، ولم يقل ما تحت الأرض، وأعانه أبو عبد الله أخو الوزير وناظر فيه على حق وصواب، وهو لا يسمع إلا قولهما قال فلم يكن لنا حيلة. وأنا أذكر الشعر وإن كان طويلا لخصال: منها أنه حسن، ومنها أنه ما مدح بمثله، ومنها تكذيب من زعم أنى هجوته فيها وهو: أنا من بين ذا الورى مظلوم ... وإذا ما خصّمتهم مخصوم تتخطّانى الحظوظ فاسى ... ومكانى من علمهم معلوم كم ترى فى الزّمان مثلى حتّى ... لم يرمنى الوزير فيمن يروم قد تعدّانى اختيار كريم ... وهو طبّ بالأختيار عليم وهو أعلى الكفاة مجدا وفضلا ... إنّ ذا ما علمت حظّ جسيم ليس هذا إلّا لتأخير حظّ ... حقّه حين ينصف التّقديم لست أشكو أبا الحسين وحاشا ... هـ له دون ذلك التّعظيم

стр. 422

أنا لو لمته- وقد خصّ غيرى ... بدنوّ من الوزير- مليم أترانى أخللت بالعلم حتّى ... شدّ منّى التّحليل والتّحريم لو رمى بى الزّمان عزّا تليدا ... لم يرضنى الذّكاء والتّعليم كيف نجلى عليه أبكار لفظ ... وله فى الأنام مثلى نديم أتظنّ النّدام ترضى بهذا ... لا ومحيى العظام وهى رميم أين من جالس الخلائف قبلى ... وافر حين تستخفّ الحلوم طائرى ساكن وفكرى عزوف ... عن فضول المنى ولحظى سليم وكلامى قدر الكفاية إلّا ... شرح علم وجانبى مستقيم فأعينوا على الزّمان بعدوى ... إنّ ذنب الزّمان عندى عظيم لى عدات طير التّقاضى عليها ... طلبا للنّجاح منكم تحوم والوزير الصّغير فيها زعيم ... بالّذى أرتجى ونعم الزّعيم هى دين عليه وهو ملىء ... منصف من العدى ودهرى ظلوم لعلّى على الأنام اعتلاء ... حادث من جلاله وقديم ورث المجد من غطارف شمّ ... غرر لا يعدّ فيهم بهيم فهو ينحو الوزير فى كلّ فضل ... ليس ينحو الكريم إلّا كريم

стр. 423

أنفس تعشق المكارم وقفا ... فرّقتها على ائتلاف جسوم فعلىّ محمّد بن علىّ ... طاب فرعا هما وطاب الأروم ذاك بدر لنا وهذا هلال ... ذا هواء لنا وهذا نسيم لم تلد مثله الملوك كمالا ... فهو ثأر من العدوّ منيم منطق يشغل اللّحاظ بحسن ... فهو ثاو عليه ليس يريم تستردّ العيون حسنا اليه ... مثل ما يستردّ دينا غريم ونفاذ يقرى الولىّ سرورا ... ويردّ العدوّ وهو كظيم لو تمنّاه والد ما عداه ... وإليه فى أمره التّحكيم لم يمحّض بمثله مقرب الدّهر ... ولا استام شبهه من يسوم لو يحابى النّجوم فى طالع ال ... مجد لقلنا حابته فيه النّجوم ليس يأتى بمثله الدّهر فضلا ... هو عن ذاك غير شكّ عقيم كلّ رهن فى سؤدد أغلقوه ... فله السّبق فيه والتّسليم أنتم يا بنى علىّ نجوم ... للورى فى الضّياء ليست تغيم خيّمت فيكم محاسن حظّ ... لاح منها للنّاس درّ عظيم قلم جامع بيانا وحسنا ... ما حوى فيه مثلكم إقليم

стр. 424

تتباهى به القراطيس حسنا ... مثل وشى تروق منه الرّقوم وكلام كأنّه زهر الرّو ... ض بدت للنّجوم منه نجوم قد أحاطت به عيون المعانى ... وأضاءت فى جانبيه الظّلوم لكم إن تسقه الجود جود ... واقع دراه وخصب مليم وسحاب من النوال وساع ... ضاق عنه سحابه المركوم مدحكم واجب علىّ كفرض ... ليس فيه لغو ولا تأثيم ليس لى فى تأخّرى عنكم ... ذنب وإنّى من أجله مهموم كلّما جئت حال دونى حجاب ... وتعالت له علىّ الهموم كسرت دونى الحواجب غمزا ... وبدا للعيون لمح ذميم لمعت لى بخلّب الومض منها ... بنواحىّ به لحاظ سقيم فكأنّى لديهم شخص بوّ ... لم تعطّف عليه ظئر رءوم طبعهم ظاهر القساوة فظّ ... ليس فيهم مع البلاء رحيم ليس لى فى الوصول وقت اختصاص ... وكذا فى العموم مالى عموم فأسيم الكروب فى مسرح القلب ... ومرعى الحجاب مرعى وخيم

стр. 425

ما لها مشرب عليه مع الظّم ... ءو ورد الإخماس الّا الحميم والّذى يوجب المديح لشرحى ... جمّه الفاء والنّبات الجميم لا تكرّوا علىّ فيهم ملاما ... فعذاب الحجاب عندى أليم وكذا جاء فى التّلاوة نصّا ... ليس بعد الحجاب الّا الجحيم كلّهم فى أوان إذن عدوّ ... وصديق فى غير إذن حميم ونيام عنهم كنومة أهل الك ... هف لولا وصيدهم والرّقيم لم يلدهم جوار سعد كما قا ... ل جرير وكلّهم مركوم ما أعلّى عليهم اللّوم لكن ... ملزمى فيهم الملام ذميم وعطاياك إنّها فيض بحر ... إنّ شيطان منعهم لرجيم أمن الحقّ أن يجفّ ثرى ... ربعى منكم وغيثهم مسجوم لى من غيثه رذاذ وطلّ ... ولغيرى الأجشّ منه الهزيم نام حظّى فأيقظوه بجود ... إنّه بعد بدئكم تتميم قد تشكّيت ما ألاقى اليكم ... مثل ما يشتكى الوصىّ يتيم كلّ من أخطأته رحمة عطف ... من نداكم وأنسكم مزحوم فى زمان طرّزتموه بجود ... وهو لولا كم زمان لئيم
следующие страницы →