← Адаб

Адаб · id 10532

الأوراق قسم أخبار الشعراء

الصولي

Полный текст (1 011 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يد أبى بكر بن الخياط النحوى، فلما قرأه قالا له قد هجاك فى القصيدة فقال ابن الخياط أين الهجاء من هذه القصيدة؟ قالا قوله: ما على الأرض مادح لكم قبلى وحقّى ما بينكم مهضوم وأنت فقد مدحك قبله عبيد الله بن عبد الله، وابن بسام فكيف صار هو أول من مدحك! فقال ابن الخياط انما عنى الرجل ما على الأرض ما بقى أحد مدحكم قبلى، ولم يقل ما تحت الأرض، وأعانه أبو عبد الله أخو الوزير وناظر فيه على حق وصواب، وهو لا يسمع إلا قولهما قال فلم يكن لنا حيلة. وأنا أذكر الشعر وإن كان طويلا لخصال: منها أنه حسن، ومنها أنه ما مدح بمثله، ومنها تكذيب من زعم أنى هجوته فيها وهو: أنا من بين ذا الورى مظلوم ... وإذا ما خصّمتهم مخصوم تتخطّانى الحظوظ فاسى ... ومكانى من علمهم معلوم كم ترى فى الزّمان مثلى حتّى ... لم يرمنى الوزير فيمن يروم قد تعدّانى اختيار كريم ... وهو طبّ بالأختيار عليم وهو أعلى الكفاة مجدا وفضلا ... إنّ ذا ما علمت حظّ جسيم ليس هذا إلّا لتأخير حظّ ... حقّه حين ينصف التّقديم لست أشكو أبا الحسين وحاشا ... هـ له دون ذلك التّعظيم

стр. 422

أنا لو لمته- وقد خصّ غيرى ... بدنوّ من الوزير- مليم أترانى أخللت بالعلم حتّى ... شدّ منّى التّحليل والتّحريم لو رمى بى الزّمان عزّا تليدا ... لم يرضنى الذّكاء والتّعليم كيف نجلى عليه أبكار لفظ ... وله فى الأنام مثلى نديم أتظنّ النّدام ترضى بهذا ... لا ومحيى العظام وهى رميم أين من جالس الخلائف قبلى ... وافر حين تستخفّ الحلوم طائرى ساكن وفكرى عزوف ... عن فضول المنى ولحظى سليم وكلامى قدر الكفاية إلّا ... شرح علم وجانبى مستقيم فأعينوا على الزّمان بعدوى ... إنّ ذنب الزّمان عندى عظيم لى عدات طير التّقاضى عليها ... طلبا للنّجاح منكم تحوم والوزير الصّغير فيها زعيم ... بالّذى أرتجى ونعم الزّعيم هى دين عليه وهو ملىء ... منصف من العدى ودهرى ظلوم لعلّى على الأنام اعتلاء ... حادث من جلاله وقديم ورث المجد من غطارف شمّ ... غرر لا يعدّ فيهم بهيم فهو ينحو الوزير فى كلّ فضل ... ليس ينحو الكريم إلّا كريم

стр. 423

أنفس تعشق المكارم وقفا ... فرّقتها على ائتلاف جسوم فعلىّ محمّد بن علىّ ... طاب فرعا هما وطاب الأروم ذاك بدر لنا وهذا هلال ... ذا هواء لنا وهذا نسيم لم تلد مثله الملوك كمالا ... فهو ثأر من العدوّ منيم منطق يشغل اللّحاظ بحسن ... فهو ثاو عليه ليس يريم تستردّ العيون حسنا اليه ... مثل ما يستردّ دينا غريم ونفاذ يقرى الولىّ سرورا ... ويردّ العدوّ وهو كظيم لو تمنّاه والد ما عداه ... وإليه فى أمره التّحكيم لم يمحّض بمثله مقرب الدّهر ... ولا استام شبهه من يسوم لو يحابى النّجوم فى طالع ال ... مجد لقلنا حابته فيه النّجوم ليس يأتى بمثله الدّهر فضلا ... هو عن ذاك غير شكّ عقيم كلّ رهن فى سؤدد أغلقوه ... فله السّبق فيه والتّسليم أنتم يا بنى علىّ نجوم ... للورى فى الضّياء ليست تغيم خيّمت فيكم محاسن حظّ ... لاح منها للنّاس درّ عظيم قلم جامع بيانا وحسنا ... ما حوى فيه مثلكم إقليم

стр. 424

تتباهى به القراطيس حسنا ... مثل وشى تروق منه الرّقوم وكلام كأنّه زهر الرّو ... ض بدت للنّجوم منه نجوم قد أحاطت به عيون المعانى ... وأضاءت فى جانبيه الظّلوم لكم إن تسقه الجود جود ... واقع دراه وخصب مليم وسحاب من النوال وساع ... ضاق عنه سحابه المركوم مدحكم واجب علىّ كفرض ... ليس فيه لغو ولا تأثيم ليس لى فى تأخّرى عنكم ... ذنب وإنّى من أجله مهموم كلّما جئت حال دونى حجاب ... وتعالت له علىّ الهموم كسرت دونى الحواجب غمزا ... وبدا للعيون لمح ذميم لمعت لى بخلّب الومض منها ... بنواحىّ به لحاظ سقيم فكأنّى لديهم شخص بوّ ... لم تعطّف عليه ظئر رءوم طبعهم ظاهر القساوة فظّ ... ليس فيهم مع البلاء رحيم ليس لى فى الوصول وقت اختصاص ... وكذا فى العموم مالى عموم فأسيم الكروب فى مسرح القلب ... ومرعى الحجاب مرعى وخيم

стр. 425

ما لها مشرب عليه مع الظّم ... ءو ورد الإخماس الّا الحميم والّذى يوجب المديح لشرحى ... جمّه الفاء والنّبات الجميم لا تكرّوا علىّ فيهم ملاما ... فعذاب الحجاب عندى أليم وكذا جاء فى التّلاوة نصّا ... ليس بعد الحجاب الّا الجحيم كلّهم فى أوان إذن عدوّ ... وصديق فى غير إذن حميم ونيام عنهم كنومة أهل الك ... هف لولا وصيدهم والرّقيم لم يلدهم جوار سعد كما قا ... ل جرير وكلّهم مركوم ما أعلّى عليهم اللّوم لكن ... ملزمى فيهم الملام ذميم وعطاياك إنّها فيض بحر ... إنّ شيطان منعهم لرجيم أمن الحقّ أن يجفّ ثرى ... ربعى منكم وغيثهم مسجوم لى من غيثه رذاذ وطلّ ... ولغيرى الأجشّ منه الهزيم نام حظّى فأيقظوه بجود ... إنّه بعد بدئكم تتميم قد تشكّيت ما ألاقى اليكم ... مثل ما يشتكى الوصىّ يتيم كلّ من أخطأته رحمة عطف ... من نداكم وأنسكم مزحوم فى زمان طرّزتموه بجود ... وهو لولا كم زمان لئيم

стр. 426

لى بكم حرمة ثلاثين عاما ... غير أنّى مباعد مرجوم ليس لى منكم اختصاص بأنس ... بل أرى ظاعنا وغيرى مقيم ما على الأرض مادح لكم ... قبلى وحقّى ما بينكم مهضوم حين سيف المديح مدّرع ... الغمد لديكم ما سلّه التّصميم لى منه وخد المسير ونصّ ... ولغيرى خنافه والرّسيم وعيون الآمال تطرف عنكم ... ما لها نحوكم لحاظ تدوم مدحى سبّق وإذنى سكيت ... ما قضى مثل ذا القضاء سذوم مدح ملّكت رقاب المعانى ... عطّلت من حليهنّ الرّسوم شغلتها علاكم من مغان ... سئمت مرّها عليها السّموم فهو زين لمرتجيكم وعزّ ... ونجوم على عداكم رجوم ولآل لكم يضىء سناها ... ونحوس لشانئيكم حسوم حرّم الله أن يكون جنابى ... مجدبا من نداكم والحريم ضامنى الدّهر باجتنابكم قر ... بى ومن ضامه الزّمان مضيم أنصفونى فى نظم ما قلت فيكم ... هل يدانيه لؤلؤ منظوم هو لفظ تحكّم الطّبع فيه ... مثله لا عدمتكم معدوم

стр. 427

وتخطّى عراصكم بؤس دهر ... وثوتها مسرّة ونعيم كلّكم فى معجّل الدّهر والآ ... جل جمّ العلى معافى سليم وبلغ الراضى أمر القصيدة، فقال اكتبها لى حتى أنظر فيها، فلما قرأها قال لى: أنت والله معهم فى هذا كما قال البحترى: إذا محاسنى اللّائى أدلّ بها ... كانت ذنوبى فقل لى كيف أعتذر علىّ نحت القوافى من معادنها ... وما على لهم أن تفهم البقر فما نفعنى ذلك شيئا بل ضرنى. وإلى وقتى هذا أنا فى خمار كأسهما التى أعدداها لى، فما يقبل على من وليا به عنى وأحمد الله. وفى المحرم أمر رجل يعرف بالحواجبى، على خال ابن سنكلا نصرانى يعرف بأبى عمرو بن شريح بمعروف فشكا ابن سنكلا بعبد الله إلى الراضى فأمر بالقبض على الحواجبى، وأمر بإحضاره الدار، وأن يضرب بالسياط. فما زال إسحاق بن المعتمد وما زلت معه نكلمه فيه ونعلمه أن قتل هذا عظيم وسمع ضجة، فقال لذكى الحاجب: ما هذا؟ قال أهل باب الطاق فى أمر الحواجبى. فقال لئن زادوا لأخرجنه اليهم مصلوبا هذا لم يرض أن وثب على كاتبى حتى تخطى إلى ذكرى فوجهنا وصرفناهم، ولم نزل حتى أمر بحبسه، وأفلت من غير ذلك وبلغ هذا البربهارى فعاتبنى فيه وخاصمنى، وجاءنى أصحاب الحواجبى يشكرونى فقلت اعفونى من هذا فإنى فى بلاء عظيم، وتكلم فيه كل جليل فما نفع. وشاورنى أصحابه فعرفتهم أن الراضى لا يفعل

стр. 428

إلا ما يريده ابن سنكلا، وأشرت بأن يقصدوه فى أمره فكلموه فيه غدوة يوم فأطلق فى عشيته. وخرج الراضى ومعه الوزير متنزها وخرجنا معه فسار من الجانب الشرقى حتى حارتى بزوغى ثم عبر اليها فأقام يومين ورجع. وورد لعشر خلون من المحرم رجل يعرف بالخلنجى كان يحمل الخريطة إلى مكة ويسبق بالأخبار فأخبر بسلامة الناس وتمام الحج. ومات يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم موسى من ولد الرضا، وكان من أسن ولد الحسين ﵇ فى وقته، ونودى فى الطريق بحضور جنازته، وكان من الزهد والطهارة على طريقة سلفه رضى الله عنهم وعنه. وكثر الضجيج من تعنت أصحاب لؤلؤ للناس ووضع الجبايات. عليهم وإغرامهم، فعزل عن شرطة بغداد، ووليها محمد بن بدر الشرابى يوم الإثنين لاثنتى عشرة ليلة بقيت من صفر. ومات شيخ بالكوفة محدث مسند، يعرف بسودانى كان عنده عن أبى كريب وعباد بن يعقوب، ووافى رسول ملك الروم بهدايا كثيرة منها صياغات وثياب ديباج ومقارم وآنية ذهب، طريقة الصياغة، فجلس الراضى يوما فعرضها علينا، ووهب لنا أكثرها، وما كان شىء ألذ عنده من شىء يهبه وطعام يؤكل بين يديه ما بخل بشىء قط، وما سمع بأكمل جود منه وورد الخبر بوقعة كانت لابن رايق إلى دجلة البصرة، ودخل

стр. 429

نهر معقل فوافى البصرة، فعجل بعض أصحابه، فطرح حريقا فى جزيرة حيال البصرة، وكان يبلغ أهل البصرة أنه يريد قتلهم وإحراق بلدهم وخاطب بذلك بعض رؤساء البصرة ممن قصده، فلما رأى ذلك أهل البصرة أعانوا البريديين فهزم ابن رايق وأفلت هو وبجكم من أن يؤخذ ورجع إلى دجلة البصرة فعسكر بموضع يعرف بعسكر أبى جعفر حيال نهر معقل، فلما طال الأمر عليه رحل صاعد إلى واسط. وركب الراضى فى شهر ربيع الأول إلى أجمة بالثريا يطلب فيها خنازير، وركبنا معهم فرأينا فى الموكب فرسانا لا نعرفهم فطاف ساعة، ثم عدنا معه فتغدى وكان النهار قصيرا وصلينا الظهر وركب، فرأينا الفرسان قد زادوا وأنكرهم الحاجب ووافى محمد بن بدر الشرابى فى مائة فارس، فلما رآه الفرسان تفرقوا فلم نر منهم أحدا فصاد خنزيرا وانصرفنا فقال لنا بعد من أى شىء أفلتنا يوم الخنازير؟ وإنا لبين يديه فى الحجرة التى كان يجلس فيها، ونحن أربعة وكذا كانت نوبتنا إذ أدخل رجل مشدود العينين بذراعيه وخف، فلما أقيم بين يديه قال مالنا نحن قرامطة فقال له الراضى يا ابن الفاعلة: لو كنت محتاجا لعذرتك، ولكن من من رشحك لهذا قد أغناك وجعل اليك نقابة، ومولك فك الكلب النابح، فضربوا فكه وهو يقول: بتربة المقتدر ارحمنى وإذا هو أبو عبد الله بن المنتصر والمنتصر جده. ثم قال له الراضى: والله ما طلبت

стр. 430

هذا الأمر فأما إذ دفعت اليه فو الله لا طلبه أحد فى أيامى ساعيا على فعاش. ثم أمر به فنحى وأدخل بيتا حيال بركة السباع فعرفنا من الغد أنه قتل فى ليلته، وأخذ جماعة بسببه فحبسوا منهم المعروف بالزهرى وابن أبى الحناء وإبراهيم وغيرهم. ثم حدثنا الراضى بعد ذلك قال كان الفرسان الذين رأيتموهم بالثريا قد عزموا على الفتك بنا فلما جاء ابن بدر يئسوا فمضوا فقال واحد منهم لبعض من كان ندبه لهذا: لقد مددت يدى إلى سيفى مرات لأضربه به يعنينى فقال فهلا فعلمت لعنك الله وأراد قائل هذا أن يكون وزيرا لابن المنتصر، وهو يريضه لهذا منذ مدة وقد أغناه ثم قرأ علينا رقعة جاءته من أبى على بن مقلة: العجب من اتهام الناس إياى بسبب هذا الأمر، وتعجب الراضى من جهل من اتهمه بهذا الأمر وأقرأنا جوابه اليه يصدقه فى قوله، وبأنه ما سمع ما ذكره ولا وقف عليه إلا من رقعته ويسكّن منه. وأمر بطلب أولئك الفرسان نظفر ببعضهم فآمنهم ووصلهم، وفرق بينهم، وسمع كلام كل واحد منهم مفردا، فحدثنا أنهم عرفوه كيف جرى الأمر من أوله إلى آخره حتى وقف على صحته، وجعل الراضى يورى عن ذكر الفاعل لهذا إذا حضرت جماعتنا، ويصرح به إذا حضر من يثق به منا واتصل هذا الخبر بابن رائق فقدم فى آخر شهر ربيع الأول، وتلقاه ابنا الراضى، وأظهر أنه قلق لما جرى وخاف أن يسعى فى مثله لبعده عن مولاه، وإنما جاء لضيق المال

стр. 431

واستحقاق الجند وأن بجكم اقبل الى واسط فلم يحب الاجتماع معه، ولم يزل يطالب الوزير بالمال وهو يجمعه له، وأخذت فى هذا الوقت من الراضى آنية ذهب وفضة فضربت. وأنفذ ابن رايق الى بجكم من المال ما قدر عليه وزوج لوزير الفضل بن جعفر ابنه بابنة ابن رايق. وزوج أبا بكر بن طغج بابنة له أخرى وكان الوليمة فى ذلك الوقت وخطب القاضى عمر بن محمد بحضرة الخليفة للجميع خطبة واحدة وكان مهر ابى بكر بن طغج ثلاثين ألف دينار ومهر ابن رايق نصفها وعزم الوزير على الخروج إلى الشام واستخلاف أبى بكر عبد الله بن على النّفّرى على العرض وإمضاء الأمور بالحضرة، فخرج لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر وهجم بعقب خروجه على أبى عبد الله بن عبدوس وطولب بمال عظيم. ثم تقرر أمره على خمسة عشر ألف دينار أخذت منه بألوف منها جارية مغنية كانت له وترك له من أجلها الباقى. وقبل هذا بمديدة ما اشترى ابن رايق من ابنة عبد الله ابن حمدون جارية زوجة محمد بن عبد الله ابن حمدون جارية مغنية يقال لها شرين بأربعة عشر ألف دينار، فاستعظم الناس ذلك، وتسلمت الجارية، وحمل المال من عند أبى الحسن البريدى، وحملت هى إلى واسط. وطولب محمد بن يحيى بن شيرزاد بمال فحمل اثنى عشر ألف دينار. وقبض على أبى إسحاق القراريطى واتهم بأنه تضمن أبا عبد الله الكوفى وابنى مقاتل بمال عظيم، فسلم إلى أحمد بن على الكوفى فجرى عليه من المكروه ما لم يجر مثله على أحد، حتى ظن الناس أنه تلف.

стр. 432

وغضب الراضى على جليسه محمد بن عبد الله بن حمدون أبى جعفر واتهمه بكلام بعض خدمه، وما كان لذلك أصل كما ظنه. وأمر ألا يوصل إليه فاختلت نوبتنا وكنا أربعة به فبقى إسحاق بن المعتمد والعروضى وأنا. ثم حدثنا بأنه فعل به ذلك لاتهامه إياه بتعريف ابن رايق ما يجرى فى مجلسه بسبب الجارية المشتراة منهم، وأنها سبب الوصلة بينهم، وكان يبلغه أن ابن حمدون يعاشر ابن رايق إذا خرجت نوبته. وكان انحراف الراضى عن ابن رايق فى هذا الوقت يتبين فى طرفه وقوالب لفظه، ثم صرح بذلك لى وللعروضى من بين الناس، فكنا نعتذر لابن حمدون من أمر الخادم الذى كان هو أعلم ببطلانه ثم نحلف له أنه مثلنا فى جميع أموره مأمون السر والعلانية، إلى أن وثق بذلك، وتقرر عنده. وكان ابن رايق قد كلم الراضى فى الرضا عنه فلم يجبه، وكتب ابن حمدون إلى الراضى بأبيات يعتذر فيها وهى: أطار الكرى عن مقلتّى التّعتّب ... وجمجمت ما ألقاه والحزن يعزب وحمّلت ما بين الجوانح والحشا ... جوى غير ما يدعى له المتطبّب ويوشك أن يدعو بيوم منيّتى ... سريعا إلى الأعداء ناع مطرّب وقد علم الله:- الّذى دون علمه ... علوم العباد فهو أعلى وأغلب -

стр. 433

برائى ممّا ظنّ إنّى اقترفته ... وهل يغمر الإحسان حرّا فيذنب فقلت كما قال المقدّم قوله ... لننقم والأمثال تجرى وتضرب «أتانى أبيت الّلعن انّك لمتنى ... وتلك التّى أهتمّ منها وأنصب فإن أك مظلوما فغبد ظلمته ... وإن تك ذا عتب فمثلك يعتب» وقررت أنا والعروضى فى نفس الراضى عند وصول هذه الأبيات أن ابن رايق ليس بالصافى النية لابن حمدون، وعرفناه سبب ذلك فرضى وقال: «قولوا له يسأل ابن رايق أن يكلمنى فى أمره أو يكاتبنى فإنه يقبح أن أرضى عنه بغير مسئلته بعد أن كلمنى فى ذلك فأبيت عليه» فكاتبه ابن رايق فأجابه وعاد إلى أمره. وظن الراضى أن ابن رايق قد اتهمه بتغير، له فدعاه إلى الزبيدية فأكل بين يديه مع ابنيه على مائدة كانت عن يمنة الراضى، وأكلنا نحن على مائدة أخرى، عن يساره وجعل يبره بالشىء يرفع من بين يديه. ثم جالسه على النبيذ ومد له بشارته حتى سمع وشرب. وخلع عليه وقت الظهر خلعة وشىء مثقلة بالذهب ومعممة كذلك، فجلس فيها ساعة. ثم خلع عليه عند العصر وقت انصرافه خلعة أخرى انصرف فيها بعد أن شرب نبيذا كثيرا. واستكتب بجكم بواسط على بن خلف فى جمادى الأولى. وزاد أمر البربهارى وأصحابه، فكتب اليه ابن رايق رقعة يحذره فيها وينذره فأظهر القبول وتضمن ترك المعاودة.

стр. 434

ورد رسول ملك الروم مع الوزير وقت خروجه بهدايا، وأجيب إلى الفداء وأمر الوزير أن يتم أمره من مال الشام، وحضر الناس الفداء وأخرج الراضى خادمه راغبا لحضور ذلك وتحرك بعض عيارى المخرم فى أمر السعر، وكلم بقال فى سوق الثلاثاء بعض أصحاب ابن رايق فى شئ تجاذبا له فغضب ابن رايق من ذلك وأمر أصحابه فأحرقوا حوانيت كثيرة فى سوق الثلاثاء إلى ناحية المخرم، وفعل فعلا استقبحه الناس وكرهه الراضى وحقده عليه، وكان هذا فى شعبان. وصودر شفيع المقتدرى على أربعة آلاف دينار مصادرة ثانية. وتوفى أبو القاسم الحسن بن روح النوبختى يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شعبان. وكان الراضى ربما ذكره بأن الإمامية يحملون إليه الأموال، فنرد عنه ونكذب، فيقول لنا: وما فى هذا؟ والله لوددت أن مثله ألفا تحمل الإمامية أموالها إليه فيفقرهم الله ولا أكره غنى هؤلاء من أموالهم. ومات رجل يعرف بالطبرى بدار كعب وخلف مالا عظيما، وكان له أخ بطبرستان وابن أخ ببغداد فوجه ابن رايق فحمل من داره وحوانيته مالا ومتاعا كثيرا. فتكلم الناس فى ذلك، ودخل العروضى وهو يلى المواريث ولاه الراضى إياها. وكان مرضيا ثقة فيها فعرفه أمر الرجل فأنكر الراضى ما فعله ابن رايق وأنفذ إليه بما أقلقه فأمره برد جميع ما أخذ إلى موضعه. وظفر بالدلا فحبس فى دار ابن رايق ثم

стр. 435

أفلت وظفر به بعد مدة وقتل. وتحدث الناس فى شوال بأن رقعة ابن مقلة جاءت إلى الراضى يتضمن فيها ابن رايق وابنى مقاتل بألفى ألف دينار، وأنه يقبض عليهم بحيلة قريبة إذا امر بغير كلفة، فوجه إليه الراضى: مثل هذا الأمر العظيم، والوقوف على ما يدبر فيه لا يجىء بالرقاع فصر إلى حتى تعرفنى الوجه فيه، ويتفق الرأى على ما يعمل به. فصار إلى ذكى الحاجب ليلا سرا فأعلم الراضى بأمره، فأمر الراضى بحبسه، وفى نفسه عليه أمر ابن المنتصر، وأنه الذى ريضه للخلافة. وكتب الخصيبى من وقته رقعة إلى ابن رايق يعلمه أن ابن مقلة عند الراضى، وأنه قد تضمن به وبان مقاتل وأنه يستوزره، فركب ابن رايق مع قواده وجيشه إلى الدار، وقال: لا أبرح إلا بتسليم ابن مقلة إلى. فأخرج فقطعت يده اليمنى، وانصرف ورد إلى محبسه بعد أن ناشده الله ألا يفعل ذلك، وأن ينفيه إلى حيث رأى فأبى إلا الفعل القبيح، الذى لم يأت أحد مثله. ونودى فى جانبى بغداد بأن السلطان قد رضى عن بنى البريدى وأسبابهم وأطلق ابن رايق لبناء دورهم. وبلغ ابن رايق أن بجكم يصعد إلى بغداد لطلب أرزاق أصحابه وكان قدم قبله الترجمان فى المطالبة بالمال، فلم يرجع بما أحب فخرج مصاعدا. فخرق ابن رايق نهر ديالى، وفعل أفعالا كانت

стр. 436

سببا لبثق النهروان الذى خربت به الدنيا، وافتقر الناس وغلت الأسعار إلى وقتنا هذا، وصار إلى الدار فضرب خيمة فى الحلبة وأسكنها قواده. ووافى بحكم نهر ديالى «١» يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة. وحاربه ابن رايق فاحتال بجكم إلى أن عبّر بعض أصحابه، وانهزم ابن رايق وأصحابه وجاء إلى السلطان ليدخل اليه فغلقت الأبواب دونه. فصار إلى داره فحمل ما قدر عليه وخرج ومعه بدر الخرشنى، وصاح الناس: هذا عقاب من الله لك، لاستكتابك الكوفى وتسليطك إياه على الناس. وكان قد استكتبه، وعزل به الحسين بن على بن العباس النوبختى بعد أن بلغه المنزلة التى بلغها برأيه وتدبيره وهو الذى احتال على الساجية ودبر أمر الحجرية فصار ابن رايق إلى أوانا ثم خفى أثره. وكاتب السلطان بدرا الخرشنى فرجع. واستتر الكوفى وابنا مقاتل ببغداد. ووصل بجكم إلى الراضى يوم الثلاثاء وخلع عليه يوم الخميس سبع خلع وقال له: قد جعلتك أميرا وعقد له لواء له فقال: يا مولاى ما أريد إلا أن تزاح علتى فى أرزاق أصحابى وقت استحقاقهم، ونزل فى دار مؤنس. وأخذ لابن رايق ابن صغير فجر به إلى بجكم فبكى حين رآه وأجرى عليه جراية واسعة، ونودى إن من دل على الكوفى وابنى مقاتل فله عشرة آلاف درهم، ومن وجد واحد منهم عنده فقد حل دمه وماله. وعقد لبجكم على المشرق وأشير على الراصى أن

стр. 437

يضم إلى حاجبه جيشا من جيش الحضرة وقوادهم، وأن يفرد مالهم عن مال أصحاب بجكم وأن يوجهوا بكتاب الجيش ليحصوا أصحاب بجكم، ويحصلوا مبلغ مالهم ويعرفوا الراضى حتى يثبته عنده ولا يزيد أحد فيه شيئا إلا بأذن منه فما قبل الراضى ذلك إلا فى أمر حاجبه ولا فى جيش بجكم، فما مضّى لبجكم شهران «١» حتى زاد أصحابه وزاد فيهم من أثبت بعشرين ألف دينار فى السنة وأكثر، وجرى امره على ذاك إلى أن قتل. وكان هذا مما عتب على الراضى إغفاله وظفر بالكوفى فحمل إلى الدار، حمله غلام لذكى الحاجب يقال له خير، فرجمته العامة وأرادوا قتله فدفع خير عنه، وقال: تذهبون بمال السلطان فوصل به إلى الدار بعد تعب شديد، وصودر على مال وشملته عناية ابن سنكلا. وما رأيت أحدا قط ملك من حسن رأى صاحبه ما ملكه ابن سنكلا من الراضى وقد علم الله أنى ما قصرت فى تقريظ الكوفى عند الراضى وتعريفه كفايته وأمانته، وأنه بخلاف ما عليه العمال من التصون والاجتزاء بالقليل، مما رأيته فى ولايته، بعد أن كان محسنا إلى معنيا بى، عرف لى ذلك على طول الجوار وقديم المودة. وأخذ بجكم من مضحك كان لابن رايق يعرف بأبى الخير خمسة عشر ألف دينار. ووصل أصحاب البريديين إلى واسط، وقرب القرامطة منهم على وفاق وأمر عقدوه بينهم، ومات أبو طالب الكاتب وكان محدثا يروى عن أبى موسى الراضى، وأحمد بن يحيى

стр. 438

السوسى، وتوفى يوم الجمعة للنصف من ذى الحجة ومولده سنة سبع وثلاثين ومائتين. ووجدت أم ابن رايق فصودرت على عشرة آلاف دينار. وكان ابن القشورى احمد بواسط حين زال عنها إقبال فورد كتابه يزعم أن البريديين يريدون واسط فوجه اليه بأنى نصر الترجمان فى جماعة. ووجد يهودى مع مسلمة وكان غلاما لجهبذ يهودى لابن خلف فضربه صاحب الشرطة بحضرة اليهودى فى يوم جمعة، فافتتن البلد لذلك وكان الأمر قبيحا سنة سبع وعشرين وثلاثمائة خرج الراضى بالله فى سحر يوم الثلاثاء لثلاث خلون من المحرم يريد سر من رأى ليشخص منها إلى الموصل لمحاربة الحسن بن عبد الله وخرج بجكم فى هذا اليوم وخرجنا مع الراضى فكان بجكم ينزل بين يديه بقليل وتعبث أهل عسكره بالناس وتأذى الراضى بذلك، وكان قبل خروجه يذكر أمره ونهوضه ويقول: لا بدلى منه. فنشير عليه ألا يفعل ذاك، وكان ممن يوافقنى على الرأى فى تركه الخروج عمر بن محمد القاضى فلم يلتفت إلى قول أحد ولا أظهر ما أراده وما عزم عليه. وأمر الراضى أن يكون عبد الله بن على البغوى خليفة الوزير الفضل بن جعفر خارجا معه وأن يكون عبيد الله بن محمد الكلوذانى خليفة الوزير على الأعمال والأموال مقيما ببغداد. وأخرج أحمد بن على الكوفى إلى تربة أم المقتدر ليؤدى ما فورق

стр. 439

عليه. وكرهت العامة خروج السلطان إلى الموصل لمحبتهم للحسن بن عبد الله وعنايته بانفاذ الدقيق إليهم ولبره بالأشراف وما يتصدق على الضعفى بسر من رأى وبغداد، ولكفاية أخيه على الناس أمر الثغور والغزو، وعنايته بغزو الصايفة وغيرها. وخرج القاضى عمر بن محمد مع الراضى واستخلف ابنه يوسف ابن عمر على بغداد مكانه. فركب إلى جامع الشرقى فقضى وقرأ السجلات وركب معه جميع العدول وحضر محمد بن بدر الشرابى صاحب الشرطة مجلسه ونثر عليه دراهم ودنانير فى غير موضع، فوصل الراضى إلى سر من رأى وأنفق فى أصحاب بجكم نفائس منيفة كان أعدها لنفسه ولهوه، وظن الناس أنه سيقيم بسر من رأى وينفذ بحكم إلى الموصل فان احتاج إليه لحق به وإلا أقام بمكانه، وجعل كل من يصل إليه يشير عليه بذلك. وورد عليه الخبر بتحرك أمر ابن رايق وأنه يكاتب الناس للوثوب ببغداد فظننا مع ذلك أنه لا يبرح وانطلقت الألسن لأجل ذلك بالمشورة عليه ألا يبرح من سر من رأى وكان أشد الناس كراهة لخروجه ورحيله القاضى عمر بن محمد وذكى الحاجب، فكنا نجتمع على ما نقوله. وورد كتب الحسن بن عبد الله وإلى الراضى وإلى بجكم يتضمن لهما أكثر مما ظن أنه يبذله له وكتبه بذلك متصلة إلى القاضى وهو يتولى إيصالها عنه وينفذ الجواب، وكان يقرئنى كل شىء يرد فأقام الراضى أياما بسر من رأى وطمعنه فى رجوعه، واتفقت مع القاضى على أن يكلم

стр. 440

الراضى كل واحد منا إذا خلا به ورأى وجها للكلام، فوصلت إليه بسر من رأى يوما وحدى قبل أن يحضر أهل نوبتى فقلت يا أمير المؤمنين إن العبد المتفق لا يملك كتمان ما بقلبه لمولاه، ولا يدخره النصح. وما على المولى شىء من أن يسمع قول عبده، فان كان صوابا أمضاه، وإن كان خطأ جعله بمنزلة ما لم يسمعه. فضحك وقال: هات ما عندك، فقلت: إن الناس يتحدثون بأن العسكر الذى قد رحلت لتزيله أشبه بعساكر الاسلام من العسكر الذى تقصده به من قوم لا يرون طاعتك، وأشبه بعساكر آبائك. وقد تحدثوا بأن الحسن قد بذل أكثر مما أريد منه فان رأى سيدنا أن يقبل هذا ويرجع إلى دار ملكه ويزول ما يخافه من وثوب ابن رايق فانه غير مأمون. - وكان الراضى قد أمر بأن ينادى على ابن رايق، ويطلب فكبست مواضع كثيرة- ومع هذا فان الحسن بن عبد الله قد نظر إلى أقرب الناس من قلبك وهو قاضيك فجعله السفير له، والضامن عنه وإنه يلقاه فيتصرف بجميع ما يريده. وهاهنا أيضا أمر آخر، قال: وما هو؟ قلت: إذا يئس الحسن من قبول سيدنا لما بذل لم نأمن أن يصرف أمره إلى غيره، ويلقى نفسه عليه ويتقرب اليه، ويحظيه ببعض ما بذله، فيجعله صنيعة له ومادة لدهره وعدة لجدته ويكلم من يلقى نفسه عليه سيدنا فى أمره ويسأله له ما يريده فيقبل قوله ويهب له أمره، فيحظى بما أردنا أن نحظى به- أعرض ببجكم- فما رأيته أطال الفكر عند شئ سمعه أكثر مما أطاله بعقب

стр. 441

قولى هذا، وذكى واقف وحده يسمع بعض ما يجرى. ثم قلت: أما النثر فقد قضيت الحق فيه، وقد نظمت قصيدة إن أذن سيدنا أنشدته إياها، وهى فى هذا المعنى فقال هات فأنشدته- وكان يقول إنى سأسكن سرمن رأى وأترك بغداد، وجعل يصور بيده ما يكتبه- فذكرت أيضا مدح بغداد وأنشدته. متيّم متلفه تلدّده ... بان لبين الهوى تجلّده طال عليه مدى الصّدود فما ... يبصره من ضناه عوّده قد كتب الحبّ بالسّقام له ... نظّمه بمن أتى يفنّده أورده الحتف مارد غنج ... زاد على حسنه تمرّده يكاد من لينه ورقّته ... تحلّه لحظتى وتعقده قد ارتدت بالجمال جملته ... كما ارتدى بالنّدى محمّده خليفة أكملت فضائله ... ففرعه طيّب ومحتده تعبّد المجد فهو يملكه ... طارفه عنده ومتلده قد رضى الرّاضى الإله ... لإصلاح زمان سواه مفسده فهو بتفويضه الأمور إلى ... الله بحسن التّوفيق يعضده أما ترى ما كفاه من خطر ... غائره معجز ومنجده

стр. 442

لا يبلغ الفكر كشف غمّته ... يعوم فى حيرة تردّده وهو عليه فى ذاك متّكل ... يشكر إحسانه ويحمده ولن يضيع الإله ملتجئا ... إليه فى الخطب بل مؤيّده يسلّ رأيا كالسّيف وقفته ... ويحتوى سيفه ويغمده تمسّكا فيه بالوفاء وما ... تقصر عمّا يريده يده كفاية الله تستطيف به ... تنحس أعداءه وتسعده أوحده الله فى فضائله ... فهو من بدء الكمال أوجده جرى على الصّنع والسّعادة ... واليمن له سيره ومقصده جيوشه حوله كما حدقت ... بالبدر بدر التّمام أسعده يسوسهم بالسّداد حاجبه ... وهو بآرائه يسدّده كأنّه منه ليس يبعد أن ... يشبه مولى فى العزّ أعبده لكنّه فايت بهمّته ... كما يفوت الهلال فرقده وأين من زاخر العباب صرى ... يحفى إذا جاش فيه مزبده أرى ذكيّا ذكت خواطره ... فلم يخن فهمه متلّده سيف على من عصاك متّقد ... تطفى به طغيانه وتغمده

стр. 443

يا خير من لاذ ذو الرّجاء به ... وخير من بالنّوال يرفده ومن يفوت المنى تطوّله ... ويقتضيه الانجاز موعده أمواله نحونا موجّهة ... بنائل لا تحثّ ورّده يعلى لنا الحال والمحلّ به ... فلا سؤال له نردّده لو جاز أن يعبد العباد ... سوى الخالق كنّا للبرّ نعبده عبدك من قد عرفت نيّته ... لم ينتقص ساعة تودّده يسأل أن يستبين سيده ... الرّأى بفكر له يحدّده ومؤثر الحقن للدّماء فقد ... تاقت إليه للعيث شرّده مستيقنا نعمة المطيع له ... يحمل ما فى الضّمان يعقده يقبل فيه ضمان موعده ... فليس يخشى منه تزيّده إن قال قولا وفّى به عجلا ... يهديه للرّأى فيه أرشده فكلّ وقت له شريطته ... يصدر هذا ما ذاك يورده قد يسمح اليوم بالمراد ولا ... يشبهه فى سماحه غده فى كلّ صقع من البلاد لظى ... مسعّر والغواة توقده فان نجا بعضها بمقصده ... هدّ من البعض ما يشيّده

стр. 444

وكلّهم إن أقام فى يده ... خطامه صاغرا ومقوده يطلب هذا ما ذاك يطلبه ... بشافع عنده يؤكّده قد يستحيل الولىّ ذا عنت ... تقدح بالغشّ منه أزنده ويصبح المخلق الولاء له ... من طاعة ثابت تجدّده بغداد حصن الملوك تؤمنهم ... من كلّ باغ يخشى تورّده وأهلها فى الخطوب جيشهم ... بغير رزق للجيش ينقده فأين لا أين مثلها بلد ... بحافظ ملكه يؤكّده فلا ترد غيرها بها بلدا ... أسلم سير المغذّ أحمده والأمر من بعد ذا وذاك إلى ... معوّد للصّواب يوجده فانّه أعلم الملوك بما ... يفعل والله فيه يرشده فقال نعم أنظر فى هذا إن شاء الله. واستؤذن للقاضى فخرجت فلقيته وحدثته بما جرى وقال أنا أؤكد لهذا، فدخل فأطال ثم خرج فقال ما فى هذا الرجل حيلة استمع منى كما قلت فى نحو معناك فلما خرجت الساعة تقدم إلى ذكى بأن تقدم النوبة ليرحل نحو تكريت. ورحل من غد يومنا ذلك وصرنا فى مرحلتين إلى تكريت، فنزل دور بنى جابر النصرانى وأقام أياما، والأخبار واردة من بغداد بقوة أمر ابن رايق وكتب الحسن بن عبد الله متواترة بإزاحة العلة

стр. 445

فى جميع ما يراد منه. فحدثنا الراضى بالله أنه سمع الديالم فى المنزل الذى رحل منه إلى تكريت- وقد مرقوم منهم خلف مضربه فصاح بهم الخدم- يتكلمون بكلام قبيح، وقال أما لهؤلاء دين ولا عليهم طاعة وجرى ذكر ابن رايق وقوة أمره فغمزنى ذكى الحاجب فى كلامه وظننت أنه بما سمع من الديالمة قد فش عزمه، فقلت: يا أمير المؤمنين، بغداد دار المملكة ووطن الخلافة وفتقها لا يتلافى، فقال إنما كانت بغداد كذا حيث كان فى بيت المال بها عشرة آلاف ألف دينار فى أيام المعتضد وضعف لها فى أيام المكتفى، فأما ولا مال بها فهى كسائر البلدان، فقلت فيها ما هو أجل من المال، الأميران بلغ الله سيدنا ما يأمله فى نفسه وفيهما، وفيها حرم الخلافة وذخائرهن. وأعاننى العروضى بكلمة فصاح عليه فسكت، ثم أقبل على فقال يا هذا كم تنصحنى فى هذا الأمر وما استنصحتك، وتشير على وما استشرتك! فقلت خطأ والله من عبدك وفرط إشفاق، لا أعود لشىء من هذا أبدا. وقمت إلى ذكى فقلت له أو مأت إلى بالقول فنالنى ما رأيت، فقال لى ما بالصواب أن يعيد أحد فى هذا شيئا. وكانت نوبتنا هى النوبة التى تصل اليه ونأنس بها ويديم إعطاءها والاحسان اليها، ونوبة بنى المنجم مجفوة لا يصلون اليه إلا فى المدة البعيدة، فلما سار فى الماء يريد تكريت سرنا نحن على الظهر وطلبنا فلم يجدنا، وسار بنو المنجم فى الماء وتعرضوا له فجلسوا معه، فكايدنا بهم وساواهم بنا وقال: السفر

стр. 446

لا نوبة فيه لقوم دون قوم، وجعلوا إذا خلوا يشعثون حال من قدروا على ذكره منا عنده وهو يطلع بعض ذلك لنا، حضرنا وغابوا، يغرى بعضنا ببعض ووصلهم سرا ولم يصلنا، فأجمع أصحابنا على أن أعمل شعرا فى ذلك، فأوصلت اليه رقعة فيها- وكان أعطاهم خمسة دنانير لكل واحد فى كل دينار عشرة دنانير-: يا مذيقى غصّة الكمد ... مشعلا للنّار فى كبدى ألذنب كان هجرك لى ... أو دلال الغنج والغيد حين أزمعت الرّحيل ضحى ... أزمعت روحى عن الجسد ما أبالى ما يفوت إذا ... ظفرت بالوصل منك يدى قل لخير النّاس كلّهم ... لا أحاشى فيه من أحد الّذى يرضى الإله به ... مذهبا للغىّ بالرّشد حاسدى فى حسن فعلك بى ... غير معذول على الحسد قد دهتنى الآن داهية ... وسمها باق على الأبد أنت يا أعلى الملوك يدا ... عدتى فيها ومعتمدى نوبتى قد ذلّ جانبها ... بيع منها النّوم بالسّهد ضعّف لحرمان قوّتها ... بعد حسن الأيد والجلد

стр. 447

لا تطع فينا الوشاة فقد ... جعلونا ضحكة البلد حين فازوا دوننا بيد ... منك واستولوا على الأمد ورأيناها معاينة ... إنّ هذا منتهى الكمد بعد أن كنّا بفضلك فى ... طيب عيش دونهم رغد فأنلنا ما أنلتهم ... خمسة توفى على العدد أو فزدنا مثل عادتنا ... ليس غمر الجود كالثّمد عندنا من فعلهم ترة ... فأزلها اليوم بالقود لم تزل بالبذل تبدأنا ... فاجعلنها الآن دون غد وليكن إن شئت مكتتما ... إنّنا منهم على رصد وأزل نحسا برؤيتهم ... طالعا منهم بمفتقد وعليهم لا عليك بهم ... دابرات السّوء والنّكد فما عوضنا بشىء وأقام على كياده لنا، وأقام أياما بتكريت، ثم رحل منها يريد الموصل، فنزل منزلا على أربعة فراسخ. واستهل هلال صفر ودخل بجكم قبل ذلك إلى الموصل، ووافى الخبر بظهور ابن رايق يوم الأربعاء لليلتين أو لثلاث خلون من صفر وأنه دخل إلى بغداد كأنه لم يكن بها من ناحية باب قطربل ومعه ألف من القرامطة فيهم رافع

стр. 448

كانوا فى عسكر الراضى، فاستحقوا فلم يعطوا وأبطىء فى أمرهم، وكان بجكم لا يحب كونهم مع الخليفة فى جملة حاجبه، فانصرفوا إلى بغداد فكانوا سبب ظهور ابن رايق، وتصد داره فلم يصل اليها فخرج إلى المصلى وكان مستترا فى دار كاتبه السرمن رآى «١» ونادى مناديه أنه قد زاد الفرسان اللاحقين به خمسة دنانير كل واحد منهم، وأنه يطلق لهم عاجلا رزقة كاملة ويزيد الرجالة دينارا دينارا ويطلق لهم نوبتين معجلتين ويكون ذلك بلا نقصان ولا مصارفة. ووافى جعفر بن ورقاء فنزل فى الحلبة فى دار الخليفة ونزل معه أحمد بن خاقان وضبط أحمد ابن بدر الشرابى البلد جهده وكانت اليه الشرطة، وأعطت أم الراضى مالا أنفق فى رجاله وفرسانه وقصد اصحاب ابن رايق دار بجكم على دجلة فمنع عنها أصحاب كان لهم فيها ثم انهزموا وخرجوا هاربين يريدون سرمن رأى وسلموا الدار فنهبت وأحرقت، وتحدث الناس بان ابن مقاتل حمل إلى ابن رايق مالا فأعطى الفرسان كل واحد منهم خمسة دنانير صلة وهى الزيادة وأعطى الرجالة دينارا دينارا، وجاء إلى دار السلطان فقوتل عنها وقتل من الفريقين جماعة وانصرف ابن رايق إلى المصلى واستأمن قوم من البجكمية فيهم يارخ وصيغون فأحسن اليهما وتبع أصحاب ابن رايق من كان فى دار بجكم ورئيسهم تكينك فأخذوا منهم دواب وتفرقوا، وجاء خبر محمد بن ينال الترجمان ومعه جماعة كانوا بواسط بأن يقصد بغداد فوافاها

стр. 449

واجتمع مع ابن بدر الشرابى وحاربهم ابن رايق وأصابت ابن بدر ضربات وحمل إلى منزله وذلك لثمان ليال خلت من صفر فمات فى منزله بعد ثلاث. وملك ابن رايق بغداد، وظهر ابن مقاتل وحمل إلى ابن رايق مالا فأعطى القرامطة رزقة كاملة بزيادة خمسة دنانير لكل واحد منهم ودخل إلى داره المعروفة بدار مؤنس فأقام فيها ووجه إلى دار الخليفة وإلى أم الراضى فسكن منهم، وقال لهم كونوا على أمركم، ونهبت دار على بن خلف بن طياب فى الجانب الغربى بقرب الجسر ودار أخ له وأخذ منها مال ومتاع ووجد لبجكم مال فأخذ وانحاز ابن ورقاء وقصد الموصل بعد أن قاتل أشد قتال وما أبلى أحد بلاءه وبلاء ابن بدر الشرابى ونادى ابن رايق بأمان البجكمية وولى شرطة بغداد ابن يزداد قائدا من قواده. وفرض قوما من العيارين فأعطاهم دينارا دينارا وجاءه ساجية وحجرية فقبلهم ووعدهم ما أحبوا، ووجه إلى أبى القاسم الكلوذانى فأخذ منه مالا كان قد جمعه للسلطان وملك العيارون البلد. وكتب لابن رايق فى هذه الحال أبو غالب كاتب صافى الخازن وعلى جيشه ابن القلانسى. وطلب أبا العباس الاصبهانى فاستتر وكان ابنه ظاهرا بين يدى ابن رايق، وخلع على صيغون ويارج وركبا فى شارع الجانب الشرقى حتى رآهم الناس وبين أيديهم بدور دراهم على أكتاف الرجال. ووجه إلى دار السلطان فأخذ ما وجد من الخزاين. ووصل محمد بن ينال الترجمان إلى النهروان ومعه أحمد بن نصر القشورى وسياتنكول

стр. 450

وابراهيم بن خلف بن طياب وعبد الله الشيرازى ومؤنس غلام هنكر فى خلق عظيم فتوجه اليهم ابن رايق فواقعهم يوم السبت لأحدى عشرة ليلة بقيت من صفر ثم حجز الليل بينهم وحاربهم يوم الأثنين لتسع بقين منه، فظفر بهم وغنم هو وأصحابه غنيمة عظيمة من الدواب والحلى والمال والأمتعة وكان ابن رايق قد رأى كثرتهم فزال طمعه فى مقاومتهم فدس اليهم جماعة من القرامطة وواطأهم على أن يستأمنوا اليهم فأذا واقعهم صيحوا بهم من عسكرهم فكان هذا سبب الهزيمة وقتل سياتنكول وأصابت أحمد بن القشورى ضربة فى وجهه وجىء به أسيرا إلى ابن رايق فمن عليه. وأسر مؤنس الهنكرى فهجنه ابن رايق وشتمه فعدا عليه بعض القرامطة فقتله وهرب الترجمان فلم يعرف له خبر حتى وافى الموصل على حالة قبيحة وكان بجكم يظن أنه قتل فوجه إليه بما لبس وبدواب حتى دخل الموصل، ونادى ابن رايق بعد الوقعة ببراءة الذمة ممن آوى الترجمان، أو ابن خلف بن طياب أو عبد الله الشيرازى. ودخل البريدى إلى واسط فى هذا الوقت، وعظم أمر العيارين ببغداد وأخذوا ثياب الناس من المساجد والطرقات إلى أن ركب ابن يزداد وأخذ جماعة منهم فضربهم بالسياط. ووجد لبجكم عشر بدر دنانير فى درب الزعفران فأخذت ووافى فاتك صاحب ابن رايق فى جيش فدخل من باب الأنبار فى تعبئة حسنة، وذلك فى يوم الخميس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ودخل معه لؤلؤ غلام المتهشم، وعلى أعلامه لؤلؤ الرائقى

стр. 451

ولما ظفر ابن رايق وجاءه فاتك وصار إليه مال بجكم الذى ذكرناه أفكر فى الأموال العظام وكاتب فى أمر الخلافة جماعة، ووجه إلى الحسن والحسين ابنى الفضل بن المأمون فأخذهما إلى داره وقدر مال البيعة فاذا هو على التقليل ثمانمائة ألف دينار فقال له ابن مقاتل: نحن لا نملك عدد هذه دراهم، فكيف نحتالها دنانير افرد ابنى المأمون إلى منازلهما وأضرب عن هذا الرأى. ووجه محمد بن يحيى بن شيرزاد إلى الموصل فى أشياء أرادها فوصل إلى الراضى بالله وإلى بجكم ووجه الراضى بالله القاضى عمر بن محمد برسالة إلى ابن رايق ولزمه وكان يخلو به وبابن مقاتل، وربما حضر ابن سنكلا وألزم ابن مقاتل الأمر وقال إن السلطان يعلم أن هذا يتصرف برأيك ومتى أعنتنى على أمر الصلح وقع لك ذلك أجمل موقع، فاتفق الرأى على خروج ابن رايق إلى الشام واليا عليها. فاقتصر على من أراد من أصحابه وأخرج مضربه، وكل من استغنى عنه ابن رايق لحق بالبريدى مثل جنى الحمدانى وجماعة قواد وفرسان وخرج ابن رايق عن بغداد يوم الأحد لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر، وركب بشرى الأثرم غلام الراضى بالله، وكان أنفذه الراضى معه لشرطة بغداد إذا رحل ابن رايق عنها، فنادى فى الذعار وأخذ جماعة من العيارين وطاف فى الجانبين فسكن البلد بعد افتتان عظيم وأظهر القاضى كتابا ورد عليه من السلطان وأمر بأن يقرأه عدوله فى مجالسهم بأن السلطان لم يؤاخذ أحدا من أهل بغداد بشىء مما جرى،

стр. 452

وأنه إذا ورد أحسن إليهم كل الإحسان ولم يطلق يد بجكم عليهم وأمر أن لا يتبع أحد ولا يعنت فسكن الناس إلى ذلك وسروا به (رجعنا إلى أمر الراضى بالله ورحيله، من تكريت ونزوله على أربعة فراسخ) ووافى الخبر بظهور ابن رايق وقصده الدار، وكان الراضى فى طيار وقد طلبنا وما وصلنا إليه بعد ورود هذا الخبر، فجاء القاضى وابتدأ يكلمه ويشير عليه بالتوقف والنظر فى الرجوع فأسبل غشاء الطيار بينه وبينه، وأمره بالأنصراف، فانصرف. ودعا بذكى حاجبه وقال: أنا أعبر إلى الجانب الغربى الساعة فاعبر بدوابى ودوابك ومن تبعك من الغلمان فانى أركب البرحتى ألحق بالموصل، وليسر الناس فى الماء ويكون الذى يسير بهم ويحفظهم سعيد بن حفيف السمرقندى ويشاور القاضى فى جميع ما يفعله وعبر من وقته وعبر ذكى وجماعة من الغلمان والفرسان، فحدثنا هو لما وصلنا إليه إلى الموصل أنهم كانوا كلهم نحو خمسين ومائة وأن الهيبة حرسته بعد حفظ الله من أن يتخطف وأنه جاع فى الطريق ولم يجد ما يأكل وأن خيرا غلام ذكى الحاجب كان ربما طبخ له القدر والقدرين فيأكلها إلى أن وافى الموصل فى أربعة أيام وقد ماتث الدواب وهلك أكثر من كان معه، فنزل دار الحسن ابن عبد الله، وسار سعيد بن حفيف بالناس وحفظهم أحسن حفظ، على أنه ليس معه أحد ولا له معين، وكان بنفسه وغلمانه وغلمان من معه فى الزواريق بمنع الاعراب والزواقيل ويحرس الناس بنفسه ولا ينام

стр. 453

الليل، ويأمر بأيقاد النار وضرب الدبادب إلى أن يصبح. وكنا نسير فى سفننا لصعوبة الطريق الفرسخين فى اليوم وأقل وأكثر، وكنت أنا مع ابن حمدون فى زورق وكان معه طيار ومعى سميرية بأربعة مجاذيف فغلط أصحاب السميريات ليلا، فربطوا على بعد من العسكر وكبسهم القياقنة وأخذوا جميع ما كان فى السميريات ولم يبق لى شىء كان فى سميريتى إلا ذهب، ثم دخل بعد ذلك الماء إلى زورقنا حتى كاد يغوص وسقطنا إلى الماء، فمن الله علينا بأن رجالة كانوا معنا فى الزورق وحملونى وحملوا ابن حمدون حتى صرنا إلى الشط وانتظرنا الطيار حتى جاءوا به وأخذ ما فى الزورق ومد إلى الشط حتى أصلح وكان قد انتقب فى عدة مواضع. ووافى راغب خادم الراضى بالله من الثغر، وكان قد شهد الفداء إلى الموصل فوجه به الراضى فلقينا بين الحديثة والسن فسلمنا عليه وكانت معه دواب فحمل القاضى عليها لأن الراضى أمره بذلك وأراد أن يتقدم وصوله وتبعه من كان له مركوب، وبقينا نحن أياما كثيرة إلى أن وصلنا إلى الموصل، ودخلنا إلى الراضى بعد عشرين يوما من مفارقتنا إياه وكان فى نفسى ما قاله الراضى حين أنشدته قصيدتى الضادية وقت جلوسه: هذه حمتك رميت بها. وأردت أن أعمل قصيدة أشكو فيها غرقنا وما نالنا فقلت والله لأجعلنها ضادية ليعلم أن تلك لم تكن حمتى، وأنه قد بقيت لى قصيدة وأنا فى الزورق مع ابن حمدون، نحو تلك القصيدة فى الطول وهى:

стр. 454

أبغضته من بعد ما بذل الرّضا؟ ... هذا تجنّ من حبيب يرتضى لا تجزعن للبعد توعده غدا ... فالله يصرفه بما فيه قضا ظلم الحبيب فأظلم البيت الّذى ... أمّت مطاياه به ذات الأضا قد قال بشّار وكان مسدّدا ... يحوى المعانى إن رمى أو أنبضا قد ذقت ألفته وذقت فراقه ... فوجدت ذا عسلا وذا جمر الغضا خذ من زمانك ما صفا لك قلّما ... يغنيك غمّك بالتّكدّر إذ مضا واصبر على غرق بنعمى نلتها ... إنّ الزّمان لمقتض ما أقرضا فهويت فى لجّ علاك عبابه ... لا بدّ أن تلقى الّذى لك قيّضا إن قمت فيه لم تطله لغزره ... ورأيت تحت الرّجل منه مدحضا وتسرّعت منه اليك حجارة ... تذر الصّحيح من العظام مرضّضا وكساك من يده ولم تستكسه ... عشرا يؤلّفه المدود وعرمضا نجّاك من نجّا بلطف يونسا ... منه وكان لقبض روحك معرضا هذا وقد ثلم الزّواقل جانبى ... فأفضت دمعا عند ذاك مغيّضا أبكى كساء كان أوثق عدّتى ... إن أخصر البرد العظام ونقضّا ومخدّة قد كان يألف لينها ... خدّى فأضحى الجسم منها ممرضا

стр. 455

ونفيس فرش كالرّياض نقوشه ... ما كان من دون الرّياش مرحّضا ومجمّعا قد كنت أجمع آلة ... فيه وكان من البلاء مفضّضا والصّفر أبكى كالنّضار وشمعة ... زانت يد الماشى بها والمقبضا صرّحت بالشّكوى إليك تأنّسا ... بندى يديك إذا غريب عرّضا فلأنت أعلى فى الملوك محلّة ... وأجلّ من راش العبيد وأنهضا من بعد ما غال المشيب شبيبتى ... ونضا لباس تجمّلى فيما نضا وأحارنى مرضا وأوهن قوّتى ... فغدوت منه وقد صححت ممرّضا وإذا دنت سبعون من متأمّل ... دانى ولم يرفى اللّذاذة مركضا وجفاه نوم كان يألف جفنه ... قدما وأضحى للحتوف معرّضا وإذا بلغت إلى الامام مسلّما ... ورأيته زال التّخوّف وانقضى ونسيت روعات لارجاف فشا ... ما زلت للاشفاق فيه مرمضا ذادت موارده الكرى عن مقلتى ... وأبى علىّ حذاره أن أغمضا فعلىّ نذر إن رأيتك سالما ... صوم وعتق عاجل لا يقتضى بمحمّد رضى الاله خليفة ... فى الأرض فهو بذاك راض مرتضى جاءته طوعا لم يسيّر لفظه ... فيها ولا أضحى لها متعرّضا

стр. 456

فهو الحقيق بها المعان بقوّة ... فيها بحكم فاصل لن يدحضا ألله أقبل لى بوجه نواله ... فرفضت وجه الدّهر لمّا أعرضا بدر يضىء دجى الظّلام ولم يزل ... لسواد ما تجنى الخطوب مبيّضا بكر الزّمان فليس ينتج مثله ... أبدا ولا يلفى به متمخّضا عالى المحلّ بنى له آباؤه ... شرفا أبت أركانه أن ينقضا من شام عزّك ذلّ دون مناله ... أو رام ما رفّعت منه تخفّضا أحسنت حتّى ما نرى متسخّطا ... يشكو الزّمان ولا نرى لك مبغضا كم مبغض حطّت إليك ركابه ... نال الغنى عجلا فأغنى المبغضا بعلوّ فخرك فى المفاخر يعتلى ... وبنور هديك فى الدّيانة يستضا وجليل خطب هاب منك عزيمة ... فأتى إليك بما هويت مفوّضا ومضت بروق فى العراق فأخلبت ... ورأيت برقك صادقا إذ أومضا قزع أرذّ فما غذت أخلافه ... غرسا ولا هو بالجمائل روّضا وتداءبت بذوى الضّلالة هبوة ... أبقت لهم أسفا وخوفا ممرضا وسيكشف الهبوات ربّك نقمة ... تدع البناء من الضّلال مقوّضا سترى القيام به قعودا عاجلا ... فزعا ويرجع ساكنا من حرّضا

стр. 457

ويصحّ من غمراته من لم يزل ... فيما قضيت من الأمور ممرّضا ويعود ساع فى الجهالة عاثرا ... لا يستطيع من النّدامة منهضا ويرى غوىّ رشده فيشيم ما ... قد كان من نعم الضّلالة ربّضا ويفلّ غرب جموعهم لك حاسم ... من جيش رأيك كالسّهام المنتضى ويذيقهم جرع المنايا بجكم ... وكذاك عادة بجكم فيما مضى سيف الخلافة والمبير عدوّها ... بسديد عزم صائب إن أعرضا أنحى عليهم بالسّيوف فخلتهم ... لتناثر الأعضاء حصباء الفضا دلف الرّجال إليهم فكأنّما ... كانوا نساء حين دمّوا حيّضا فعفوت عن طلب لهم فتبسّطوا ... ثقة وكان نجاؤهم متقيّضا كيف التّورّط فى ظلام ضلالة ... والصّبح فى سبل الهداية قد أضا يا واحد الكرم الّذى نلقى به ... وجه الزّمان إذا تسوّد أبيضا خذها اليك قوافيا قد لبّست ... رقما أبى تحسينه أن يرفضا كانت مجمّعة الظّهور نوافرا ... فأتتك لينّة المقادة ريّضا لفظا أليفا للقلوب محبّبا ... لم يلف وقرا فى المسامع مبغضا من شعر مقصور المدى متكلّف ... إن رام نهجا فى طريق أدحضا

стр. 458

وكأنّه ثقلا فراق أحبّة ... نادى به داعى الشّتات وحضّضا بل مرسلا طبعا فسيحا ذرعه ... قد شفّ ذا الباع القصير وأرمضا وإذا أمال اليه سمعا صاعدت ... أنفاسه أسفا عليه وأبغضا أحذاكه من لا يزال ضميره ... عمّا كرهت من المذاهب معرضا أفنى الزّمان بخدمة لك آملا ... ما نلته فأنله غايات الرّضا ومدائح سبقت اليك بأسرها ... يأتيك قائلها بها متعرّضا ما شرّفته خدمة لك قبلها ... حتّى ملكت فدسّهنّ معّرّضا وأصاب مرعى فى فنائك ممرعا ... فأخلّ فيه بالحظوظ وأحمضا إذ سيف عزمك كامن فى جفنه ... أرجو انتضاك له ولمّا ينتضى هذى سوابق لا يمتّ بمثلها ... من قد أتى خلف السّكيت مركضا فأفد وعوّض ماد حالك راجيا ... فلأنت أكرم من أقال وعوّضا فلما أنشدته إياها قال: صدقت يا صولى قد بقيت لك حمات، وهذه الضادية أفحل كلاما من تلك، وتلك أنعم لفظا وكلتاهما فى نهاية الجودة فقلت أنا والله يعلم سيدنا بالشعر أحترس إذا مدحته! فضحك. وأقمنا أياما بالموصل وبجكم قد كان واقع الحسن بن عبد الله فهزمه ثم رجع بجكم إلى الموضع ووقع بين أصحابه وبين أهل الموصل حرب

стр. 459

فقتل جماعة من التجار ونهبوا، فكان من بجكم وأصحابه أمر قبيح عظيم حتى وجه اليه الراضى فى ذلك فأمر أصحابه أن يكفوا، وطولب على بن خلف بن طياب بالأموال الذى ضمنها فما قدر إلا على الشىء اليسير الوتح فوجه إلى قرى بعيدة فيحمل حنطة وشعيرا ويعز عليه من يشتريه. وكان الطالقانى صاحب بجكم، ويكنى أبا حامد فى يد الحسن بن عبد الله فأطلقه وفارقه [على] أن يصلح الأمر بينه وبين بجكم ففعل ذلك وكان بينهم ما غمض على الراضى فلم يعلم حقيقته، وكلم بجكم الراضى فى الحسن بن عبد الله أن يقبل الضريبة التى عليه ويرحل الى بغداد، فقال له إنى قد اتفقت مذ غرمت على الحركة الى وقتى هذا مائة ألف دينار. وأخذ ابن رايق مثلها من بغداد فلم يزل يسأله إلى أن أجابه. وكان الراضى بالله وصل الجلساء ولم يصلنى، لما فى قلبه على من تكلفى المشورة. وعزم على الرحيل فمنعته الإضاقة، ثم فورق على مال يسير قدروه لنفقته الى بغداد، على أنه يجئ من عند الحسن بن عبد الله، فرحل عن الموصل وأقام على نحو فرسخين منها ينتظر المال، واستبان الصواب فيما كان أشير عليه به وضاق بمقامه ذرعا. وكان فى حراقة يدخل اليه فيها. فأمر راغبا الخادم أن يدخلنى اليه مفردا قبل وقت مجىء الجلساء، فأوصلنى اليه فقال لى: كأنى بك، وقد قلت فى نفسك إنى خطوت الرأى، وتركت الصواب. فقلت والله ما دار لى هذا بفكر، ولقد شغلنى الغم عن ذلك حتى أرى سيدنا فى دار ملكه مداوما لسروره على عادته، فقال أما كنت حدثتنى أن يحيى بن خالد البرمكى، قال لا أحمد نفسى على رأى ابتدأته

стр. 460

بخطأ فآل إلى صواب، لأنى بالخطأ ابتدأته ولا علم لى بمآله. وكذلك لا أذمها على رأى ابتدأته بصواب فآل إلى خطأ فأنا كذلك ابتدأت أمرى بصواب ولا أعلم المغيب. فقلت يوفق الله أمير المؤمنين ويعوضه ويبقيه، فقال الراغب ادفع الى الصولى ما كان قبضه أصحابه ولم يقبضه، وزده مائة دينار، فأعطانى ألف درهم ومائتى دينار. وكان قبل أن يرحل من الموصل طلبنى وقت الظهر فدخلت اليه، وكان قيد على كتاب بما كان من أمر ابن رايق مع ابنى المأمون وكتب إلى ذكى كتاب مثله. ووردت كتب الناس بذلك. وكان الرجالة المصافية يطالبون بأرزاقهم فأخروا فغضبوا وصاحوا: قد مضى القرامطة ففازوا بابن رايق، ونمضى نحن فنأخذ بيعة ابن المأمون. إلى أن وجه الحاجب فردهم، وضمن لهم ما أرادوه فقال لى الراضى حين دخلت اليه: هناك يا صولى قد أجلس جارك ابن المأمون خليفة، وميل بين الاثنين فاختاروا الكبير، والله لأطمعن الطير لحمهما، وذكى الحاجب يسمع ذلك وخدم قيام فقلت لا أحيانى الله الى أن أرى مكان سيدنا غيره، وما أبعد هذا يا سيدى فى نفسى، أيصلح للخلافة من خاب سبعين سنة، ومع هذا فو الله ما يحسنان شيئا ولا يفهمانه فلما سمع قولى هذا ضحك منه، فلما ضحك انبسطت فى الكلام فقلت أعداء هؤلاء كثير والتشنيع عليهم عظيم، ولعل هذا شنعه أعداؤهم عليهم. فزمى إلى بفصل من كتاب قد ذكر ما قاله فيه. ودخل محمد بن حمدون ونحن فى ذاك فأعاد عليه القول فسلك فى
следующие страницы →