Полный текст (1 011 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فهو الحقيق بها المعان بقوّة ... فيها بحكم فاصل لن يدحضا
ألله أقبل لى بوجه نواله ... فرفضت وجه الدّهر لمّا أعرضا
بدر يضىء دجى الظّلام ولم يزل ... لسواد ما تجنى الخطوب مبيّضا
بكر الزّمان فليس ينتج مثله ... أبدا ولا يلفى به متمخّضا
عالى المحلّ بنى له آباؤه ... شرفا أبت أركانه أن ينقضا
من شام عزّك ذلّ دون مناله ... أو رام ما رفّعت منه تخفّضا
أحسنت حتّى ما نرى متسخّطا ... يشكو الزّمان ولا نرى لك مبغضا
كم مبغض حطّت إليك ركابه ... نال الغنى عجلا فأغنى المبغضا
بعلوّ فخرك فى المفاخر يعتلى ... وبنور هديك فى الدّيانة يستضا
وجليل خطب هاب منك عزيمة ... فأتى إليك بما هويت مفوّضا
ومضت بروق فى العراق فأخلبت ... ورأيت برقك صادقا إذ أومضا
قزع أرذّ فما غذت أخلافه ... غرسا ولا هو بالجمائل روّضا
وتداءبت بذوى الضّلالة هبوة ... أبقت لهم أسفا وخوفا ممرضا
وسيكشف الهبوات ربّك نقمة ... تدع البناء من الضّلال مقوّضا
سترى القيام به قعودا عاجلا ... فزعا ويرجع ساكنا من حرّضا
стр. 457
ويصحّ من غمراته من لم يزل ... فيما قضيت من الأمور ممرّضا
ويعود ساع فى الجهالة عاثرا ... لا يستطيع من النّدامة منهضا
ويرى غوىّ رشده فيشيم ما ... قد كان من نعم الضّلالة ربّضا
ويفلّ غرب جموعهم لك حاسم ... من جيش رأيك كالسّهام المنتضى
ويذيقهم جرع المنايا بجكم ... وكذاك عادة بجكم فيما مضى
سيف الخلافة والمبير عدوّها ... بسديد عزم صائب إن أعرضا
أنحى عليهم بالسّيوف فخلتهم ... لتناثر الأعضاء حصباء الفضا
دلف الرّجال إليهم فكأنّما ... كانوا نساء حين دمّوا حيّضا
فعفوت عن طلب لهم فتبسّطوا ... ثقة وكان نجاؤهم متقيّضا
كيف التّورّط فى ظلام ضلالة ... والصّبح فى سبل الهداية قد أضا
يا واحد الكرم الّذى نلقى به ... وجه الزّمان إذا تسوّد أبيضا
خذها اليك قوافيا قد لبّست ... رقما أبى تحسينه أن يرفضا
كانت مجمّعة الظّهور نوافرا ... فأتتك لينّة المقادة ريّضا
لفظا أليفا للقلوب محبّبا ... لم يلف وقرا فى المسامع مبغضا
من شعر مقصور المدى متكلّف ... إن رام نهجا فى طريق أدحضا
стр. 458
وكأنّه ثقلا فراق أحبّة ... نادى به داعى الشّتات وحضّضا
بل مرسلا طبعا فسيحا ذرعه ... قد شفّ ذا الباع القصير وأرمضا
وإذا أمال اليه سمعا صاعدت ... أنفاسه أسفا عليه وأبغضا
أحذاكه من لا يزال ضميره ... عمّا كرهت من المذاهب معرضا
أفنى الزّمان بخدمة لك آملا ... ما نلته فأنله غايات الرّضا
ومدائح سبقت اليك بأسرها ... يأتيك قائلها بها متعرّضا
ما شرّفته خدمة لك قبلها ... حتّى ملكت فدسّهنّ معّرّضا
وأصاب مرعى فى فنائك ممرعا ... فأخلّ فيه بالحظوظ وأحمضا
إذ سيف عزمك كامن فى جفنه ... أرجو انتضاك له ولمّا ينتضى
هذى سوابق لا يمتّ بمثلها ... من قد أتى خلف السّكيت مركضا
فأفد وعوّض ماد حالك راجيا ... فلأنت أكرم من أقال وعوّضا
فلما أنشدته إياها قال: صدقت يا صولى قد بقيت لك حمات، وهذه الضادية أفحل كلاما من تلك، وتلك أنعم لفظا وكلتاهما فى نهاية الجودة فقلت أنا والله يعلم سيدنا بالشعر أحترس إذا مدحته! فضحك.
وأقمنا أياما بالموصل وبجكم قد كان واقع الحسن بن عبد الله فهزمه ثم رجع بجكم إلى الموضع ووقع بين أصحابه وبين أهل الموصل حرب
стр. 459
فقتل جماعة من التجار ونهبوا، فكان من بجكم وأصحابه أمر قبيح عظيم حتى وجه اليه الراضى فى ذلك فأمر أصحابه أن يكفوا، وطولب على بن خلف بن طياب بالأموال الذى ضمنها فما قدر إلا على الشىء اليسير الوتح فوجه إلى قرى بعيدة فيحمل حنطة وشعيرا ويعز عليه من يشتريه. وكان الطالقانى صاحب بجكم، ويكنى أبا حامد فى يد الحسن بن عبد الله فأطلقه وفارقه [على] أن يصلح الأمر بينه وبين بجكم ففعل ذلك وكان بينهم ما غمض على الراضى فلم يعلم حقيقته، وكلم بجكم الراضى فى الحسن بن عبد الله أن يقبل الضريبة التى عليه ويرحل الى بغداد، فقال له إنى قد اتفقت مذ غرمت على الحركة الى وقتى هذا مائة ألف دينار. وأخذ ابن رايق مثلها من بغداد فلم يزل يسأله إلى أن أجابه. وكان الراضى بالله وصل الجلساء ولم يصلنى، لما فى قلبه على من تكلفى المشورة.
وعزم على الرحيل فمنعته الإضاقة، ثم فورق على مال يسير قدروه لنفقته الى بغداد، على أنه يجئ من عند الحسن بن عبد الله، فرحل عن الموصل وأقام على نحو فرسخين منها ينتظر المال، واستبان الصواب فيما كان أشير عليه به وضاق بمقامه ذرعا. وكان فى حراقة يدخل اليه فيها. فأمر راغبا الخادم أن يدخلنى اليه مفردا قبل وقت مجىء الجلساء، فأوصلنى اليه فقال لى: كأنى بك، وقد قلت فى نفسك إنى خطوت الرأى، وتركت الصواب. فقلت والله ما دار لى هذا بفكر، ولقد شغلنى الغم عن ذلك حتى أرى سيدنا فى دار ملكه مداوما لسروره على عادته، فقال أما كنت حدثتنى أن يحيى بن خالد البرمكى، قال لا أحمد نفسى على رأى ابتدأته
стр. 460
بخطأ فآل إلى صواب، لأنى بالخطأ ابتدأته ولا علم لى بمآله. وكذلك لا أذمها على رأى ابتدأته بصواب فآل إلى خطأ فأنا كذلك ابتدأت أمرى بصواب ولا أعلم المغيب. فقلت يوفق الله أمير المؤمنين ويعوضه ويبقيه، فقال الراغب ادفع الى الصولى ما كان قبضه أصحابه ولم يقبضه، وزده مائة دينار، فأعطانى ألف درهم ومائتى دينار. وكان قبل أن يرحل من الموصل طلبنى وقت الظهر فدخلت اليه، وكان قيد على كتاب بما كان من أمر ابن رايق مع ابنى المأمون وكتب إلى ذكى كتاب مثله. ووردت كتب الناس بذلك.
وكان الرجالة المصافية يطالبون بأرزاقهم فأخروا فغضبوا وصاحوا: قد مضى القرامطة ففازوا بابن رايق، ونمضى نحن فنأخذ بيعة ابن المأمون. إلى أن وجه الحاجب فردهم، وضمن لهم ما أرادوه فقال لى الراضى حين دخلت اليه: هناك يا صولى قد أجلس جارك ابن المأمون خليفة، وميل بين الاثنين فاختاروا الكبير، والله لأطمعن الطير لحمهما، وذكى الحاجب يسمع ذلك وخدم قيام فقلت لا أحيانى الله الى أن أرى مكان سيدنا غيره، وما أبعد هذا يا سيدى فى نفسى، أيصلح للخلافة من خاب سبعين سنة، ومع هذا فو الله ما يحسنان شيئا ولا يفهمانه فلما سمع قولى هذا ضحك منه، فلما ضحك انبسطت فى الكلام فقلت أعداء هؤلاء كثير والتشنيع عليهم عظيم، ولعل هذا شنعه أعداؤهم عليهم. فزمى إلى بفصل من كتاب قد ذكر ما قاله فيه.
ودخل محمد بن حمدون ونحن فى ذاك فأعاد عليه القول فسلك فى
стр. 461
الكلام طريقتى، وما زلنا نكلمه حتى سكن. وخرجت فقال لى ذكى الحاجب أحسن الله جزاءك، هل ورد عليك كتاب بما قاله سيدنا؟ قلت نعم قال وقد ورد على مثله، فأعطانى كتابه ودفعت إليه كتابى فرمى بهما فى دجلة. وجاءت الدراهم التى وعد بها الراضى ففرقها ورحل نحو بغداد لا يلوى على شىء، حتى دخل بغداد لثمان خلون من شهر ربيع الآخر ولقى الناس شدة فى الطريق، وغرق خلق من أصحاب بجكم من باب يعرف بباب الهاشمى. وكان الناس يقولون: نالتهم عقوبة بطلبهم أهل الموصل. وكان دخول الخليفة فى الماء يوم السبت، حتى انتهى إلى داره ونزل بحكم دار مؤنس. وورد من الحسن بن عبد الله مال من مال المفارقة، حمل إلى خزانة بجكم.
وكان فيما خاطبنى به الراضى فى حجته من خروجه أن قال نظرت فاذا الدنيا لا نفى برزق جند بجكم ومؤونتى، وأن هذه المستخلصة التى فى يدى احتاج أن أنمم منها مال أصحابه، فقلت نصير إلى الموصل وهى الناحية العامرة، وأكثرها ضياع آل حمدان فأقبضها كلها وانفرد بأولئك وأجعلها لبجكم وأصحابه وهى كفاية وفاضلة عنهم ويخلص لى مال ضياعى فأوسع على الناس منه وأعطى من حرمت، وأجعل فى بيت المال شيئا يرجع الناس اليه.
فقلت له إن هذه الناحية إنما عمرت بعناية ابن حمدان بها، ونزولهم فيها، ولو قد صارت الى غيرهم لعادت خرابا كما عادت فارس بعد عمرو ابن الليث، وأصبهان ونواحيها بعد أبى دلف. ولما قدم الراضى بغداد
стр. 462
أمر فنودى فى جانبيها ببراءة الذمة من جندى تعدى على عامى، وكذلك إن تعدى عامى على جندى فسكن الناس، وورد كتاب الحسن بن عبد الله على بجكم يخبره بأن ابن طياب كاتبه أخذ من الأموال بالموصل نحو ألف ألف دينار سرا وجهرا، فقبض بجكم على كاتبه على بن خلف وعلى أخيه واستكتب أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد وكانت لبجكم دعوة عظيمة دعى فيها القواد، وأو قد فيها نيرانا عظيمة فى يوم السبت لأيام بقين من شهر ربيع الآخر، وذلك فى الصحراء التى أسفل النجمى على دكة كان بناها هناك وميدان أصلحه، قطع فيه نخل الناس وأخذ أملاكهم وذلك وقت كان الفرس يصنعون فيه مثل هذا لدخول بهمن ماه وهو ذهاب الشتاء.
وخلع على ذكى الحاجب وعلى ابن ورقاء وعلى ابن جعفر الخياط وابن خاقان، ووصلهم وفعل بأصحابه مثل ذلك، وأنفق فيها مالا عظيما وتكلم بجكم فى أمر محمد بن القاسم الكرخى فظهر.
وقطع أبو جعفر بن شيرزاد أمر بنى طياب على ألف ألف درهم.
وقبض بجكم على لؤلؤ وكاتبه ابن سمعون وابن أعجى خليفته، كان على الشرطة، وقال له أتدخل بغداد بأعلام عليها لؤلؤ الرايقى؟ واتخذ بجكم دار ابن رايق ميدانا يقصده فى كل جمعة وثلاثاء. وسفروا فى الصلح مع بنى البريدى على أن ابن شيرزاد يسفر فيه فقدم كاتبه طازاذ الى واسط.
وضبط بشرى الأثرم الشرطة ضبطا حسنا، وماتت أم موسى
стр. 463
الهاشمية فى شهر ربيع الأول ومات جماعة من المحدثين منهم الأدمى المقرىء بحرف حمزة فى جامع المدينة وكان زاهدا. ومنهم على بن العباس الهروى ثم كثر عبث العامة وكبسوا الحمامات، وأخذوا ثياب الناس وكذلك صنعوا بقوم شيعوا جنازة وغلت الأسعار.
وولى أبو الحسين بن ميمون أزمة الدواوين، وأطلق البازعجى فى غرة جمادى الأولى، ففورق عن مال يؤديه عن لؤلؤ ومات أبو محمد يزداذ بن محمد بن يزداد الكاتب- وكان قد حدث عن أبى سعيد الاشج والزبير بن بكار- يوم النصف من جمادى الأولى.
وقبض الراضى على عبد الصمد بن المكتفى، وحمله الى داره واتهمه بمكاتبة ابن رايق فى البيعة له وقت ظهوره ببغداد.
واتصل النداء برضاء السلطان عن البريديين، ووردت الكتب بموت الوزير أبى الفتح الفضل بن جعفر يوم الأحد، لثمان ليال خلون من جمادى الأولى، وأنه دفن فى دار له بالرملة، وخرج القاضى والترجمان الى بنى البريدى فى جمادى الآخرة، ووقع بين يدى الراضى إملاك لابى الحسن بن عبد الله بابنة لبجكم صغيرة، وأنفذ بجكم بعقب هذا هدية عظيمة الخطر فيها خمسون ثوبا من فاخر الفرش والديباج، ومثلها من الخز وعشرة مراكب على عشرة أفراس. وجاءت من الحسن هدية إلى بجكم تزيد على هذا، وعجل بجكم على رجل كان فى داره من وجوه قواده فقتله ليلا، ثم أصبح نادما مغموما وخبثت قلوب
стр. 464
أصحابه لذلك، وورد الخبر بأن البريديين دخلوا الأهواز بحرب الديلم وهزيمة لهم.
وعاد القاضى والترجمان إلى بغداد، ونفذ راغب خادم الراضى بالخلع على أبى عبد الله البريدى للوزارة يوم الثلاثاء، لسبع خلون من رجب على أن يخلفه ببغداد أبو بكر النفرى، وكان الكتاب نفذ إلى ابن أبى الفتح الوزير بأن يدبر ما كان يدبره أبوه بعد اسم الوزراة.
وورد الخبر بأن ابن رايق رجع الى الرقة فقبض على خزائن لابن حنزابة فوصل اليه منها ما قيمته خمسائة ألف دينار. وخلع على الترجمان، لعشر بقين من رجب لولاية الجبل، وخرج الى مضربه بصحراء ثلاثة أبواب وعقد له لواء.
وسمعت راغبا الخادم يقول إن أبا عبد الله البريدى امتنع من الوزارة وقال: لو سست بعض دواب الخليفة لشرفت بذلك، فكيف بكتبته! ولكنى بعيد عنه، ولا يحسن لى أثر عنده، لغلبة من قد غلب على الأمر، وأخاف أن ينسبى إلى وأخاف أن ينسبنى إلى عجز وتقصير. فان أمنت هذا منه فأنا عبده يفعل بى ما شاء. فرجع إلى الراضى فأخبره بهذا من قوله.
فرده اليه بأن يعذره. فلبس الخلع وركب فيها، ووصل راغبا ومن معه بمال عظيم. وقدم راغب فحدث الراضى بما جرى، وهو يدور فى داره ونحن معه، فأقبل الراضى علينا كالآنف من طرحه الوزارة على من يشترط فيها! فقال لنا- وتكلم بأحسن كلام وأصوبه فى معناه-: إن الوزارة قطعة من الخلافة، ووهنها وهن الخلافة، وكنت
стр. 465
استكتبت الفضل بن جعفر، وكان كاتبا من بيت كتبة، وكان نائبا عنى فحسن أثره عندى فى جميع ما فعله، ولم تنله مهنة من أصحاب بجكم تضع من الوزارة ومنه. فلما توفى نظرت إلى من بالحضرة فاذا هم من قد عرفت، وإن علقت هذا الاسم بواحد منهم لما مضى عليه أسبوع حتى يسأل مالا يقدر عليه، ويمتهن كل الإمتهان. فنظرت إلى أرفع من أعلمه فى الزمان ممن يسلم من هذا ويبعد عنه، فلم أجد غير ابن البريدى، فاستكتبته لهذه العلة، وليبقى اسم الوزارة على حال صيانة ورفعة فدعونا له وقلنا: والله يا سيدنا ما سمعنا كلاما أوضح بيانا، ولا أفلج حجة! وتتابعت هدايا الناس إلى الوزير ابن البريدى. ونالت بجكم علة صعبة، ووافت الأخبار بأن الديلمى وافى واسط، فنزل الجانب الشرقى، وأن البريديين عبروا إلى الجانب الغربى. وكتب يستنجد ببجكم، فخرج الراضى وبجكم على علته نحو واسط يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان ولم يخرج بجكم معه أحدا من الديالمة، خوفا من أن يستأمنوا. ورجع الترجمان إلى بغداد، وأقام الراضى بالزعفرانية، ولحق به بجكم وهو عليل. وتعرض الحنبلية لمن قصد الحى للنصف من شعبان، فنودى فيهم: أنهم متى عرضوا لهم عوقبوا أشد معاقبة، فكفوا. وكان ابن إسماعيل بن أحمد قد ولى شرطة بغداد قبل هذا الوقت بشهر وأيام، فركب ووقع بين الحنبلية والضرابين والنخاسين قتال فأعان على الحنبلية. ورجع السلطان إلى بغداد لليلتين بقيتا من شعبان، لما اتصل به أن الديلمى قد رجع إلى
стр. 466
الأهواز. ورجع بجكم وابن شيرزاد إلى بغداد يوم السبت لثمان ليال خلون من شهر رمضان. ومات البخارى خليفة البربهارى فى شهر رمضان. وكبست منازل ولد أبى العباس بن الفرات، لسعاية غلام لهم بأن عندهم خزانة لابن رايق، وكذب، كانت خزائن لهم، فأخذ جميع ما ملكوه. وكبس ابن الصالحى وأخوه، لأنهما اتهما بالسعاية فى كتبة بجكم، فصودرا على مائة ألف درهم وضرب بجكم دنانير وحشة، وحمل عليها حملا كثيرا. وطلب ابن إسماعيل بن أحمد، صاحب شرطة بغداد البربهارى فاستتر. وقطع الاكراد على قافلة جاءت من خراسان فى النصف من شوال، فأخذوا منها مالا عظيما وورد ابن حاتم والحاج من خراسان، فمنعهم بجكم من الحج خوفا عليهم من القرامطة وكثر التخليط فى أمر النقد ودار الضرب. وكان الدلاء صاحب البربهارى قد فر من الحبس فى دار بجكم، فوجد وآل أمره إلى أن قتل. ومات أبو الوليد بن حمدان فى ذى القعدة. ثم احتال الحاج فى أن خرجوا فجاءهم ابن سنين، فوافقهم على أن يخفرهم وأخذ من جمل المتاع خمسة دنانير، ومن كل محمل ثلاثة دنانير، ومن كل زاملة دينارا. وقبض بجكم على سلامة أخى نجاح فى غرة ذى الحجة وقطع أمره على خمسين ألف دينار، أخذ منها بستانه بالبردان. وبنى مسجد براثا. وأفتى بعض الفقهاء بنبش القبور وتحويلها- التى كان البربهارى وأصحابه أخذوا الناس بالدفن فيه- وأنفق عليه مال وصلى بالناس فيه. وروى فيه جعفر الدقاق عن أبى خليفة حديثا ما خلق
стр. 467
الله له أصلا. وكان من أخبار الجلساء بعد رجوع الراضى من الموصل انه أعاد النوبة كما كانت يومين يومين، أربعة وأربعة، وكان بنو المنجم لا يصلون، وكان أحمد بن يحيى المنجم يحضر كل يوم فى نوبتهم فلا يصل، وفى نوبتنا فيصرف، وربما استحيا الراضى منه، فجلس معنا فى نوبتنا ثم امتدح الراضى بشعر وقال: أنا أريد أن أخدم سيدنا كل يوم، إلا يوم الثلاثاء والجمعة بلا نوبة، وقام فسأل هذا وقبل الارض، فكان يجىء فى كل يوم. فطالبنا الراضى بأن نفعل مثل فعله، فعرفناه أن هذا ما كان مثله قط، وأن الاجسام لا تثبت عليه. وخوفنا أحمد بن يحيى منه. وقلنا له لا ترسم رسما يعود ضرره على جماعتنا، فلم يقبل خوفا من أن لا يصل متى تغير هذا، وكنا نحضر فنجلس الى السحر ثم ننصرف فلا يجلس حتى يعود، ويطالب بالأكل والشرب، فما كنا نجلس فى مجلس لكثرة عللنا، وكان ذلك سبب فساد مزاج الراضى ونفس الله عنا بشهر رمضان فى سنة سبع، فلما جاء شوال عدنا إلى ما كنا فيه، فاعتللت أنا أياما كثيرة، ولم يبق منا أحد الا اعتل، واعتل أحمد بن يحيى علة طالت، ووقع البلاء به كما جناه، فتوفى ﵀ فى ذى القعدة. وأمر الراضى بأن يتصدق بألف دينار من الصراة إلى نهر عيسى لعوز الماء من أجل البثق. فقلت أو يفعل سيدنا ما هو خير من هذا؟ قال: وما هو؟ قلت: يضيف إلى الألف ألفا آخر ويعمل البثق قال ويتم الأمر بهذا؟ قلت: نعم إن جرى على يد واحد من الناس.
قال ومن هو؟ قلت أخشى لومه، قال: قل. قلت: راغب الخادم؛ هو
стр. 468
والله أوثق الناس. ويغمه بعده عن الخدمة. فيروج العمل والغمال يرتزقون فيحبون أن يطول الأمر ليأخذوا أرزاقهم، وهذا لا يزيد رزقا.
فدعاه وأمره أن يضم الى الألف الدينار ألفى دينار ويخرج، فأطلق يده على جميع الناس، فعرف راغب أن هذا من جهتى، فقال لى أنت عرضتنى لهذا؟ قلت نعم. رأيت الأستاذ يغزو ويحج على غرر، وهذا أفضل من الغزو والحج والجهاد بعد الفرض، فرضى عنى وكان قد غضب.
وخرج ففرغ من البثق بعد نيف وخمسين يوما، وركب الراضى ونحن معه نتنزه بكرخايا، فأعد له القاضى بالصالحية ضيعته، فاكهة كثيرة، وطعاما واسعا، على أنه يتغدى فيها، فلم يمض اليها، وعاد الى بستان ابن قرابة فتغدى فيه وانصرف من يومه ومعه بجكم، وعمل الجسر الفوقانى بمال أوصى به أبو الوليد من ثلثه، وأوصى بأن يعمل به الجسر.
سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
أنكر بجكم على الترجمان دخوله بلا أمر ورجوع الديلم، فأظهر كتابا عن تكينك يخبره بأن الأمير أمره بذلك، فكان ذلك مما أنكره الأمير على تكينك وما زال الترجمان ملازما بيته الى أن رضى عنه بجكم ووافت الأخبار بمصالحة ابن طغج لابن رايق ووردت الخريطة بتمام الحج، إلا ان الحسنى قطع على قوم منهم، وقد فصلوا من المدينة راجعين. وصلى بالناس عمر بن الحسن بن عبد العزيز. وكان صيغون
стр. 469
قد طرده ابن رايق ولم يرده، فصار الى الحسن بن عبد الله، فلم يرض حاله عنده، فصار الى بغداد يريد بجكم فخرج بجكم الى النجاحى حتى تلقاه وأقدمه معه، وكانت ابنت الوزير ابن البريدى مسماة بابن أبى جعفر الكرخى، فزوجها من بجكم بحضرة الراضى، والخاطب القاضى، وابن شيرزاد الولى، وذلك فى صفر. وكان ابن شنبوذ محبوسا فمات فوجه به الى منزله وقد كانوا حذروه فى وقت ثم ردوه. وقتل العيار المعروف بالمسلمانى وصلب، أخذه رجل يعرف بأبى الحسين التودى فأمسكه وتكاثر العامة عليه. وولى الترجمان الشرطة، فاستخلف أبا بكر النقيب وقبض بجكم على ابن اسماعيل بن أحمد فى شهر ربيع الأول، لأنه واطأ جماعة على الفتك ببجكم بعد أن كان دعاه قبل ذلك إلى منزله حيال قصر عيسى، وجميع قواده، وأنفق مالا عظيما على الطعام والشراب والحملان للقواد والهدايا حملت مع بجكم وأفراس قيدت معه. ومات ابو عبد الله بن العلاء الجوزجانى المحدث لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وكان مسندا يروى عن أبى الأشعث ويوسف القطان وزيد بن أخزم الطائى. وصرف الحسن بن هارون عن الكوفة بأبى بكر البرجمالى. وحول بجكم الحبس السفلانى الى دار دينار ليعقد هناك جسرا، وبنى دكتين ولم يتم ذلك. وأخرج الراضى ابنيه الى داره بالرصافة ليركبا اليه، وبنى لهما طيارين كبيرين. واشتد أمر اللصوص وكبسهم الدور ليلا، بالعدة والعدد، وظفر بجماعة منهم فقتلوا وصلبوا. وصرف لؤلؤ عن طريق الكوفة، وولى مكانه عدل
стр. 470
حاجب بجكم. وكان ابن شيرزاد قد خرج الى واسط فى استحثاث المال فقدم لثمان ليال بقين من ربيع الأول ومعه السكرى صاحب ابى الحسين البريدى بمال وهدايا. واتصلت الأمطار وزادت دجلة زيادة عظيمة لم يعهد مثلها. وأوقد بجكم بالزبيدية نارا عظيمة ليلة وبعض يوم، وشرب ودعا القواد. وتحدث الناس بأن السكرى صار الى دار البريديين التى خربت بسوق يحيى، فحفر موضعا منها فاستخرج خمسة قماقم فيها دنانير فحدرها معه. وكتب أبو القاسم بن أبى حامد رقعة الى بجكم تضمن فيها الخليفة وابن سنكلا وجماعة بخمسة آلاف الف دينار بخطه، فأمر الراضى بضرب عنقه، فشهد له القاضى بفساد العقل، فضرب دررا، وطيف به على جانب بغداد. وأدخل يالبا لعشر بقين من جمادى الأولى على فانج بنقنق لأنه اتهم بمشايعة ابن اسماعيل على الفتك ببجكم، وكان سبب أخذه أنه كتب- وكان يلى الرحبة أن ابن رايق يريده، فكتب إليه: انا موجه اليك بمدد فوجه بعدل فقبض عليه. وكبس الصقر بن محمد الكاتب وطولب بوديعة لبعض القرامطة، فحلف على بطلان ذلك، فسعى رجل بمال له مدفون فى داره فأخذ، وكان عشرة آلاف دينار ذخرا له ولولده، فجرى عليه ظلم رثى له منه عدوه وصديقه. وأحضر بجكم يالبا فوبخه وقتله.
وتوفى أبو سعيد الأصطخرى الفقيه يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، ودفن بمقابر الدير، وكان رأسا فى حفظ مذهب الشافعى وحدث وكان ثقة.
стр. 471
وتوفى بعد يومين أبو الفرج بن جعفر بن حفص الكاتب عن سبعين سنة وكان من أهل بيت كتبة. وأخرج بجكم الترجمان إلى الجبل ومعه جيش عظيم لأربع خلون من رجب. واتصلت مصادرة الناس فصودر ورثة أبى جعفر بن حفص على ثلاثة آلاف دينار ومات أبو الحسين بن المغيرة الجوهرى لتسع بقين من رجب، وقد حدث وكان ثقة. وأدخل جعفر بن ورقاء مائة نفس ونيفا من القرامطة من بنى سعد من طريق خراسان، فطيف بهم على جمال وحبسوا. وقدم رسول القرمطى مع عمر بن يحيى العلوى يطالب بمال عظيم كان أعطاه مثله البريدى فى العام الماضى حتى يحج بالناس، وأن يده لا تنال فى هذا العام ووجه بجكم إلى ابى الحسن الكرخى وأبى عمرو الطبرى فحضرا عنده فى ليلة جمعة فسألهما مسألة فى النبيذ وغير ذلك.
وتوفى القاضى عمر بن محمد ليلة الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان وكانت سنه تسعا وثلاثين سنة، وبلغ فى العلوم مبلغا عظيما مع هذا السن، وكنت أنا كالمربى له، ولا أشك أنه قرأ على من كتب اللغة والأخبار، وكتبى المصنفة ما يقارب عشرة آلاف ورقة، وكانت له أشعار ملاخ وجوابات منى قد افردت لذلك كتابا فيه هذه الأشعار وفيه رسالة عملتها فى وصفه ووصف ابيه، وما تخلف عن جنازته احد من الأجلاء، ووجد الراضى عليه وجدا شديدا، حتى كان يبكى عليه بحضرتنا ويصفه ويقول: كنت أضيق بالشىء ذرعا حتى أراه فيوسعه
стр. 472
لى برأى يسير يشير به. وكنا ليلة بين يديه وستارته تغنى فامرهن بأن يضربن بالعيدان ففعلن وجعل يبكى حتى خفنا عليه، وجعلنا نعزيه ونقول ما يجب ان يقال مثله. فقال والله لا بقيت بعده، وصلى عليه ابنه ابو نصر فى داره وغسله أبو بكر بن عبد العزيز الهاشمى وولى الراضى ابنيه أبا نصر وأبا محمد وخلع عليهما فمرا فى الشارع فجعل إلى أبى نصر قضاء بغداد إلى المداين، وولى أبا محمد القضاء من المداين إلى البصرة وصار أبو نصر إلى مسجد الجانب الشرقى فى يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان فقرأ عهده، وحكم بين نفسين وانصرف وكان فيما كلم به الراضى حين ولاه: قد استوفى سيدنا الانعام وكمله وشيد بآخره أوله، فثبت الله وطأته وأدام دولته. وأريد من ابى نصر مال لبجكم فغرم وباع، ووقف على العدول والأمناء حتى أدى وكان النوروز يقع ليومين من شهر رمضان فقدم الخاصة إشعال النار قبل دحول رمضان، وأشعل العامة وصبوا الماء. وعزل غانم بن رحمة عن الشرقية للنصف من شهر رمضان، وصودر على مال. وقلد رجل يعرف بفضل فاضطرب الناس وعجبوا لذلك فعزل وولى رجل يعرف بالقابوس. وحمل مع رسول القرمطى مال ليحج الناس.
واتصل ببجكم رجوع الديلم وان الترجمان لما بلغه ذلك اقبل يريد حلوان فخرج مبادرا لاحدى عشرة بقيت من شهر رمضان، حتى لحق بالترجمان وقيل له ان بينه وبين الديالمة عقبة إن أخذوا مواضع منها لم يصل اليهم وانه يحتاج أن يأخذ فى طريق بعيد حتى تتم له
стр. 473
الحيلة فوافى بغداد على الجمازات لخمس خلون من شعبان، لأنه اتصل به أن الراضى عليل، وكان اعتل فى هذا الوقت حتى طرح من فيه فى يومين وليلتين من الدم أربعة عشر رطلا، وشاهدنا بعض ذلك. وركب يوم الفطر إلى المصلى تكينك وأبو بكر النقيب، وانقطع الدم عن الراضى وصلح قليلا. وأخرج ابن مقلة ليلة الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من شوال ميتا من دار السلطان فدفن عند باب الفيل فسأل أهله فيه فنبش ليلة الجمعة للنصف من شوال وسلم إلى أهله فدفنوه فى مقابرهم.
وكان الراضى يقول لنا بالموصل أيام ظهور ابن رايق ببغداد: لو كان ذلك الفاعل حيا الساعة لأجلس خليفة، ولأخذ أموال التجار، فالحمد لله الذى حدث هذا وليس هو فى الدنيا- يردد هذا مرات لئلا نعلم أنه حى فى يده، وكذا كان يقول فى أمر القاهر، وحدثنا كيف عذب وكيف مات- حتى وجد حيا بعد وفاته، وكثرت الرفايغ الى بجكم من ظلم أصحابه للناس، فجلس للمظالم يوم الخميس لتسع بقين من شوال وبين يديه ابن شيرزاد فحمد فى جميع ما أمر به ونهى عنه.
وورد الخبر بهزيمة ابن طغج لابن رايق حتى صار الى دمشق. ومات أبو عبد الله المطيعى يوم الأربعاء لأربع بقين من شوال، ومولده سنة ثلاث وثلاثين، وكان مسندا ثقة. ومات أبو العباس الخصيبى لليلة بقيت من شوال فجأة بلا علة. وجلس بجكم للمظالم لليلتين بقيتا من شوال، ونظر فى ثلاثين رقعة، فجرى أمره فيها على سداد. ورجع رسول القرمطى بهدايا لبجكم، فيها فرسان لم ير مثلهما، ووفاه بحكم ما
стр. 474
فى ماله، وأهدى له هدايا. وخرج الحاج فلحقهم عطش، ثم أغاثهم الله بمطر عاشوا به. واستبطأ السلطان ابن البريدى فى حمل المال وعزم بحكم على الانحدار، فقالوا كيف تقاتل من له اسم الوزارة! واستحضر سليمان بن الحسن للوزارة، وخلع عليه يوم السبت لثمان بقين من ذى القعدة، ومر فى الشارع وهنأه الناس. وخرج بجكم يريد واسط، فوجه بأربعة فيهم رفيق يالبا فطرحوا للسباع فى البركة التى بناها بالنجمى وقبض على ابن عبدوس بسبب غلام له يقال له بديع، كان فى جملة البريدى، وعلى أبى الحسن بن سهل لمصاهرته لهم. وكاتب ابن شيرزاد البريدى بالخروج عن واسط، وأشار عليه ألا يحارب ففعل، ودخلها بجكم فخلع على ابن شيرزاد خلعة حسنة، وقلده سيفين وسر أهل واسط ببجكم، وحدر حرمه اليه. ومات أبو بكر بن الأنبارى يوم الاضحى ودفن فى داره. ودخل الترجمان ولؤلؤ غلام المتهشم من طريق الجبل، الى بغداد يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة. وظهر أبو عبد الله الكوفى، وانحدر الى واسط لسبع ليال. بقين من ذى الحجة ووافى واسط من المستأمنة من عسكر البريدى ابن صفراء فقلد يسكن وقطربل، ووافى حجرية، فأنفذوا إلى بغداد وقتل بجكم ابن الشابشتى الكاتب، وجد معه كتاب إلى أبى طاهر القاضى فانحدر أبو طاهر، وحلف أنه لا يعرف للكتاب سببا وتكلم فيه فنجا، وهو أهل ذلك لعلمه وفضله.
واستوحش أبو عبد الله بن أبى موسى الهاشمى من القاضى أبى
стр. 475
نصر، وأشهد على نفسه ثلاثين عدلا أنه لا يشهد عنده أبدا، وكان انحرافه عنه أنه اتهمه بميل إلى أخيه أبى محمد، وأنه يسعى له فى ولاية بغداد. وأخذ ابن أبى موسى خطوط العدول بتقريظه وتعديله، ولعهدى بأبى عبد الله بن أبى موسى وهو مجتهد ليله ونهاره، فى أمر أبى نصر حتى تم له ما أراد. ما أعرته شهادة بذلك، ولكنى عرفته مشاهدة ثم إن أبا نصر أحضر العدول فأخذ خطوطهم بأن ابن أبى موسى غير موضع للشهادة وأسقطه.
وقبض على محمد بن القاسم بن سيما، بسبب أن ابن أخته مع البريديين فتكلم فيه وقيل: والله ما ابن أخته بقائد ولا محارب ولا كاتب، وإنما هو كالمضحك ومثل هذا لا يؤخذ أحد به، فخلى. وانحدر أبو محمد بن عمر بن محمد الى واسط واستحضر بجكم يحيى بن سعيد السوسى فأنفذه إلى السلطان يسأله إسعافه بمائتى ألف دينار فوصل ومعه جماعة من الكتاب فأمرهم الراضى أن يعملوا له عملا من ضياعه المستخلصة بواسط ونواحيها بهذا المقدار ليأخذ ما فيها من غلة، فكان الأمر قريبا فأطلق الراضى ذلك له.
سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
دخل أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد بغداد يوم الأحد لست خلون من المحرم مقبلا من واسط واستكتب أبا عبد الله الكوفى
стр. 476
واستخلفه، ووافى قوم من الموسم فأخبروا بتمام الحج وسلامة الناس.
وخلع على أبى محمد بن ابى الحسن القاضى، لقضاء المدينة لعشر خلون من المحرم، وكان ابن أبى موسى السبب فى ذلك وغرم من ماله أربعة آلاف دينار او نحوها، وهذا والله يدل على علو همته. وانحدر ابن شيرزاد الى واسط، وكان جاء ليشير بانحدار السلطان فوعد بذلك.
ومات زيرك الخصى غلام القاهر فدفن فى دار اشتريت له بالرصافة يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وكان أحسن الناس خدمة للراضى، وكان له موقع عظيم منه، وأقطعه أقطاعا منه البستان المعروف بالشقيعى وأعطاه من المال والطيب والجوهر بمقدار موضعه منه، فاغتم عليه غما عظيما، فصاعد الخليفة إلى باب الشماسية، فسكن دارا اشتراها ابن سنكلا من ورثة اصطفى وركب فطاف كالمتفرج من الغم الذى ناله، وكان يقول: مات فى مائة يوم قاضىّ وصاحب رأيى وخادمى الكافى خدمتى، وأمر فصب فى دجلة أربعمائة دن للشراب العتيق الذى بقى من أيام المعتضد والمكتفى وكان لا يشرب إلا منه فحرص أبو الحسن بن أبى عمرو الشرابى على ألا يفعل ذلك- وكان مكينا عنده قريبا من قلبه، لطيف المحل يحضر فى كل وقت، كنا أو لم نكن وربما شاوره وخلا به، وإنه لموضع لذلك عندى- فما قبل ذلك منه، وندم بعد ذلك على صبها، وما كان والله الراضى ممن يذهب عليه هذا ولكن اضطرب رأيه، وكثر ضجره، لفساد مزاجه، وكثرة علله،
стр. 477
فكان سنان بن ثابت- وكان قد لزمه، حتى جالسه معنا، وأكل وشرب بين يديه فى آخر أيامه- يقول لى إذا رأى أخلاقه متغيرة، ما أحسن قول جالينوس: مزاج الروح، تابع لمزاج البدن، وأنا افرد لهذا بابا إن شاء الله.
وقدم بجكم أبا بكر النقيب الى الراضى ليخبره بما عزم عليه، ويعفيه من الخروج إليه، فقدم فدخل إلى الراضى ليلة الاثنين، وانحدر الراضى يوم الاثنين لتسع بقين من المحرم الى داره وجمع بجكم الكتاب ليعملوا اعمالا للأموال فى النواحى، وكانت حيلة منه فلما اجتمعوا قبض على ابن شيرزاد وعياله، وقبض النقيب يوم الإثنين بحيلة على طازاد وأبى الحسن أخى أبى جعفر واسبابهما وعلى على بن هارون الجهبذ اليهودى، وكان القبض بواسط وبغداد فى وقت واحد ودخل الكوفى بغداد غرة صفر للنظر فى الأموال، وهو كاتب بجكم وصودر ابن شيرزاد عن نفسه وكتابه وعماله على مائة ألف وخمسين ألف دينار فتسلم ابن سنكلا طازاد وضمن ما عليه وهو خمسة آلاف دينار. وصودر ابن المشرف وابن أخيه ثابت على نيف وعشرين ألف دينار وعنى ابن سنكلا وعلى بن يعقوب بطازاد بالبصرانية وعرض هذا على بجكم فكرهه وأثقله، وزاد على ابن شيرزاد مائة ألف دينار وقبض على أبى بكر الصيرفى صاحب الجيش، وعلى أبى أيوب السمسار
стр. 478
وأخذ منهما عشرة آلاف دينار، ولم يؤخذ لابن الصيرفى مال وشهد الناس بثقته فأطلق، وقبض على جعفر بن ورقاء لأيام خلت من صفر فلم يترك له عين ولا ورق ولا دابة ولا مركب ولا فرش ولا آلة إلا بيع فى مصادرته، على أنه يعول مائتى نفس وله معروف وكرم.
وأنكر الترجمان على ابن خشيش المحتسب حيلة على جارية فى دار ابن بنان الخلال حتى أخذ حليا وثيابا، وذاك أنه دس من استعار منهم بيتا وجعل فيه آلات لضرب الدراهم المعمولة، ثم كبسه فضربه وأطافه على جمل من الجانبين، وكانت قصته فيما فعل قبيحة جدا.
وكتب الكوفى على ابن شيرزاد صكاكا بأملاكه لبجكم، فتسلم ما كان بالقرب منها. وأخذ من على بن هارون اليهودى بعد عذاب عظيم مائة ألف وعشرة آلاف دينار، ثم قتله بجكم بعد ذلك بمديدة، واجتمع للكوفى مال فأنفذه الى واسط مع الترجمان من المصادرة وغيرها، قيل إنه أربعمائة ألف دينار. وجاءت بنو تميم لكبس الأنبار، فرجع الترجمان إليهم من واسط ففارقهم على أن يثبتهم لمحاربة البريدى. وقلد لؤلؤ طريق خراسان مكان ابن ورقاء وخلع عليه لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، وطالب الكوفى الحسن ابن عبد العزيز بنحو مائتى كر بلغه أنه نقلها قبل مواقفة العامل وباعها، فقاطعه عنها على خمسة آلاف دينار وعزله عن الصلاة وولى مكانه أحمد ابن الفضل بن عبد الملك، وكان حقد عليه أنه أسمعه فى أيام ابن رايق وقال له أنت ابن ذكرويه
стр. 479
انقضت الحوادث إلى غرة ربيع الآخرة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
وفيه توفى الراضى بالله وأنا أذكر وفاته بعد إتمامى وأذكر مختار شعره. كان الراضى فى آخر أيامه قد تغيرت أخلاقه وأفعاله التى ما كان أحد على مثلها فى فضله وعقله وكرمه وأدبه، وما اتهم فى ذلك إلا ما قاله لى سنان من علته، وكان قد تغير لجميع الجلساء حتى ساوى بنا من لم يكن يساوينا عنده، وزاد الأمر حتى فضلهم علينا. وخص عبثه باسحاق بن المعتمد وبى إلا أن إسحاق لثقل سمعه كان لا يسمع أكثر ما يمر، وكنت أنا أسمع ويكثر الخطاب لى وكنت أحتمل ضرورة، ولما أوجبه الله على وربما أطلعت حجة تغيظه إذا زاد الأمر على فيغضى عنها لكرمه لولا أنه كان أحسن الناس وفاء وأتمهم حلما وكرما، لظننت أنه سيمنعى من الوصول اليه، وكان يمدحنى إذا غبت ولا يفعل ذلك اذا حضرت ولقد حدثنى بعض الخدم أن أحمد بن يحيى المنجم ثلنى يوما عنده فقال له أمسك عن هذا ولا تنظر الى ما أفعله فانى أريد بما أجرى إليه إصلاحه لى كما أريد، فقال له فلو قومه سيدى بحجبته عنه أياما. فقال قد هممت بذلك فخفت أن ينسبنى الناس الى قلة وفاء لقدر خدمته لى، ولأنه حبب الى الأدب وسنى لى قول الشعر وعرفنى نقده وتعب معى فيه.
ومع ذلك فيقال إذا حجب مثل الصولى فماله رغبة فى الأدب، حدثنى بذلك بعض الخدم قال فما سمعناه يعيد ذكرك عنده. وكان يقول لى أبو الحسن بن أبى عمرو الشرابى لا يغمنك ما يجرى فلا والله ما هو عن كراهة ولا بغض، ولكنه من عبث الملوك بمن يحبون من عبيدهم
стр. 480
وخدمهم، وكان أبو الحسن البريدى يقول لى مثل هذا ويقول لى العروضى، ومابان لى أن أحدا كان آثر عنده منه. وكان اذا أراد عرض كتاب يسره أو غير ذلك أدخلنا جميعا حتى يفرغ مما يريد ثم يدخل الباقين، على أنه ما سلم أحد منهم فى عبثته، غير أنى كنت مخصوصا بذلك فى حضورى، ولقد ذكر يوما بعض مشايخ أهل البيت من ولد الحسن ﵇ فشتمه فنظر بعض أصحابنا إلى بعض ثم ضحكوا وقمنا، فرجعت فقلت يا سيدى يمسى ما لا يمس أحد مثله، وهؤلاء إن ضحكوا بين يديك فإنهم يضمرون ويحكون، ويحفظون الذى ذكره سيدنا أمه فلانة بنت فلان، وأبوه فلان بن فلان فقال استغفر الله وقد أحسنت.
وكان أول تغيره أنه كان يعيب غناء ابن طرخان ويحكيه ويذمه ويحلف أنه لا يحسن شيئا وأن ذودة الزطى الطنبورى أحسن غناء منه ويدخل ذودة بحضرتنا وغير حضرتنا ويصله، فلم يزل به إلى أن أحضر ابن طرخان وغلب عليه واستحسن عناءه، حتى صار يجلسه بين ايدينا ويصله بصلات ويخصه بها ويلقى على ستارته الأصوات التى يستحسنها ثم زاد الأمر حتى وصل الجلساء ليلة الفطر ولم يصلنى ولا وصل اسحاق فأما اسحاق فألقى نفسه على راغب وبكى، حتى أمر له بنصف ما أمر لكل واحد ممن وصله، وأما أنا فأمسكت، وشرب بعد ذلك فوهب لجميعهم معرقة معرقة إلا لى وللبريدين، وكان يجفوهما كثيرا.
ووهب لهم قدحا قدحا من البلور ولم يهب لى مثلهم. ووعدنى ان
стр. 481
أنسخ له أشياء ويصلنى لها كعادته، وكان لا يعجبه أن لا ينظر فى شىء إلا بخطى فلما تغيبت وفرغت منه لم يعطنى شيئا، فعملت شعرا ودخلت فى صبيحة الليلة التى أمر لهم فيها بما أمر مع الغداة فأنشدته:
قل للخليفة ترب العلم والأدب ... وأفضل النّاس من عجم ومن عرب
ومن أجلّ إله النّاس رتبته ... حتّى علا وهوى الأملاك فى صبب
قد كان لى موعد فى النّسخ لم أره ... وفاتنى القدح المحفوف بالطّرب
وحاز صحبى دونى طيب معرقة ... لباسها أفخر الأنساب والحسب
وليلة الفطر أبقت لى حزازتها ... نارا ترامى على الأحشاء باللهب
فجازنى برّ مولى كان يبدأنى ... كأنّنى ناقص فى رتبة الأدب
ألمّ بى طيف حرمان فأرّقنى ... فبتّ معتقا للهمّ والكرب
هذا على خدمة ما ذمّ سالفها ... ودولة لى فيها أوكد السّبب
وأنّنا نقباء شاع نصرهم ... نلقى أعاديكم فى الحرب بالحرب
ويوم مروان أفردنا بمشهده ... والفخر فيه بنصر السّادة النّجب
مقالة تورد الأخبار صحّتها ... موجودة فى روايات وفى كتب
إن كان ذلك مزحا من إمام هدى ... فحبّذا هو من مزح ومن لعب
стр. 482
وسوف يأتى سريعا منه لى عوض ... كما أتاهم بلا كدّ ولا تعب
فالعيش إن كان هذا عن خبىّ رضا ... والموت إن كان كلّ الموت عن غضب
رأيت وجه الرّضا أعلى لطالبه ... من الصّلات إذا توبعن والرّتب
لا تجعلنّى نهبا للهموم فقد ... تردّد الظّنّ بين الرّغب والرّهب
أقول قول امرىء صحّت قريحته ... ما زال فى الدّهر ذا كدح وذا دأب
سبحان من جعل الآداب فى عصب ... حظّا وصيّرها غيظا على عصب
ومثل شكوى حكيم عضّه زمن ... كما اشتكى غارب من عضّة القتب
أفضل عنانك لا تجمح به طلبا ... فلا وعيشك ما الأرزاق بالطّلب
قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم الرّزق من لم يؤت من تعب
ما أصعب الفقد للعادات من ملك ... تقديمه فى العطايا أشرف الرّتب
لو كنت أملك صبرا عن محاسنه ... ونشرها فى الورى أمعنت فى الهرب
ما لى إذا لم أفز منه بمنزلة ... وعوده بالرّضا فى العيش من أرب
إنّى لآمل منه حسن عطفته ... فالحظّ مقتسم والدّهر ذو عقب
حتّى يبيّض وجهى مذهبا حزنى ... بالبذل للفضّة البيضاء والذّهب
كعادة الدّهر فى تقديمه أبدا ... رضعت منه بدر طيّب الحلب
стр. 483
فقد سبقت بمدح فيه فزت به ... صدق إذا مدح الأملاك بالكذب
فاسمع لمدح يلذّ السّمع منشده ... لا تجعل الرّأس فى الأشعار كالذّنب
مشبّه لفظه فى حسن مذهبه ... بلفظ شعر بنار الحسن ملتهب
يا من يحمّل ذنب الرّاح شاربها ... أقبل بوجه الرّضا فى ساعة الغضب
لا والّذى أنت منه نعمة ملأت ... عرض البلاد وحلّت حبوة النّوب
ما فى عبيدك إن فتّشت أمرهم ... أقلّ منّى فى رزقى وفى نشبى
يا من يحمل ذنب الراح، هو بيت له من أبيات كانت تعجبه، فضمنت أنا هذا البيت ومدحته على وزن الأبيات وقافيتها.
ومن ذلك ما ظهر منه فى آخر أيامه عند موت زيرك القاهرى، ثم عرف حالة ما خلف، فقال ارفعوه إلى فلان يتصدق به، فلما رأى فلان ذلك هاله واستعظمه، فوجه إليه ما أحسن أن أمس شيئا من هذا دون أن تراه، فوجه إليه أنا أعلم به منك فبعه وتصدق بثمنه. فوجه إليه:
هذا ليس لمثله مشتر إلا أمير المؤمنين أو الملوك من عبيده، فقال بعه وتصدق بثمنه عنه ولا تراجعنى. فقال لى بعض الجلساء- وقد حدثنا الخدم بهذا- أتراه يأمل اجتماعا معه فى الآخرة حتى يخدمه! فقلت له حسبك من الكلام فى هذا، فقال والله ما تكلمت حتى أبلغ منى وزعم الخدم أنه خلف عينا وورقا وطيبا وجواهر وبلورا وثيابا ودواب وسروجا ومناطق بقيمة مائة وخمسين ألف دينار فما أخذ منه إلا العين والورق وكانا أقله.
стр. 484
أشعار الراضى بالله التى قرر النسخة عليها فى آخر عمره فى كل فن
كان رضى الله عنه جمع شعره وأملاه على، فكتبته بحضرة الجلساء فى يوم وليلة، لا أقوم عنه إلا إلى صلاة فوصلنى على ذلك. ونسخ الجلساء هذه النسخة وهى عندهم فنظرت فيها فإذا فيها أشياء فقلت له من حيث لا يسمعنى أحد:
يا سيدى هذا شعر يبقى على الأبد، وقد بقيت فيه حروف تحتاج إلى أن نغيرها فقد غير ابن المعتز شعره مرات وإن أمرتنى نسخته نسخة أخرى وعرضته على سيدنا ويأمر بأمره. فقال افعل وأنا أصلك للنسخ وغيره فعملت نسخة كتبتها وعرضتها عليه، وكان هذا فى آخر أيامه، فسربها وقال تأخذ نسخ أصحابنا منهم وتقرر النسخة على هذا، فطالبته بالصلة للنسخ الثانى فوعدنى به، ولم يعطينيه، فهو قولى له فى أبياتى البائية:
قد كان لى موعد فى النسخ لم أره ... وفاتنى القدح المحفوف بالطرب
فمن شعره على قافية الباء
لو أنّ ذا حسب نال السّماء به ... نلت السّماء بلا كدّ ولا تعب
منّا النّبىّ رسول الله ليس له ... شبه يقاس به فى العجم والعرب
فان صدقتم فأعلى الخلق نحن وإن ... ملتم عن الصّدق اعنقتم إلى الكذب
وقال فى الغزل
ضحك الزّمان إلىّ عن إعتاب ... وأعارنى سمعا لبثّ عتاب
стр. 485
رمد بعينى صرفه عن لحظتى ... إذ كان بى فى شرّتي وشبابى
سابق بلذّتك الشّباب فانّنى ... أصبحت فيه مجرّرا أثوابى
وعلمت أنّ الدّهر حرب شبيبتى ... فخلست فى غفلاته آرابى
وقال
ألذّ وأشفى لنا من طرب ... وأطيب من رشف ماء العنب
تبذّل ساق أدار العقار ... يكفيك بالبذل ذلّ الطّلب
أدار لنا ذات ياقوتة ... وألبسها خلعا من ذهب
وعدّل سائر سوراتها ... وذرّ عليها جيوب الحبب
ومعتدل الحسن لكنّه ... يخطّى الذّنوب وحبّ الرّيب
تألّف من خدع كلّه ... بسحر اللّسان وظرف الأدب
لهونا بها ونعمنا به ... فكانا جميعا عنان الطّرب
فلمّا ترنّح من سكره ... وجرّعته فضل ما قد شرب
تنشّرت من نشره مسكة ... وناجيت فتكى بسرّ عجب
وكم من ليال لنا أسعفت ... مطالبنا بسرور الغلب
وقال
يلومنى فى لحاظ الطّرف غيركم ... والذّنب ذنبك إذ أغريت سقيك بى
стр. 486
يا من يحمّل ذنب الرّاح شاربها ... أقبل بوجه الرّضا فى ساعة الغضب
وقال فى قصيدة أولها
أأن قال لى صحبى تسلّ بغيرها ... سلوت وهل عنها أصادف مذهبا
فقال فيها
وليل أضاع الخلو عرفان طوله ... ترى النّجم فيه لا يروم تغيّبا
وعقربه فى الغرب تهوى كأنّها ... تشكّل فى حقّ التّشابه عقربا
قطعت مداه بالأمانى أكرّها ... اذا قلت ولّى الهمّ عاد فأنصبا
وأزرق خفّاق تلوح كأنّما ... تجلّد درعا أو بسلخ تجبّبا
نأت عنه أذيال السّحائب فأختلى ... وسرّب للتّرب القذى فتسرّبا
ويلمحه لمح الرّياح بطيبه ... فيرّعد منه الجسم لمحا محبّبا
وإنّى لذو صبر على رغم حاسدى ... أفلّق هام النّائبات تعقّبا
وأغضى على بعض الأذى فتثيرنى ... عواصف ذنب الحلم شرقا ومغربا
وكم من عدوّ قد رعت لهواته ... منابت عرضى فاستجاب مكذّبا
وثبت اليه ذا اعتزام وسطوتى ... على الظّلم لا يزداد الّا توثّبا
وأوطأته ذلّا يباقيه وسمه ... وأنشب كيدى فيه نابا ومخلبا
стр. 487
وإنّى امرؤ تصفو موارد رأفتى ... وتحرب سطواتى العدوّ المحرّبا
إذا عدّت الأبيات أبصرت بيتنا ... كأن الثّريّا بالبنىّ مطنّبا
رويدك إنّ النّار تظهر تارة ... ويكمن فى الأحجار منها تغيّبا
وقال يهجو ابن رايق وأحسن
أيطلب كيدى من يهون كياده ... فيوقد نارا مثل نار الحباحب
لقد رام صعبا لم يرمه شبيهه ... وراض شموسا لا يذلّ لراكب
صغرت عن الأمر الّذى رمت فعله ... فطالعتنى بالضّغن من كلّ جانب
وأظهرت لى حبّا يطيف به قلى ... كخائب برق فى عراض سحائب
أتعقد لى كيد النّساء بمرصد ... وإنّي فتىّ السّنّ شيخ التّجارب
ألا ربّما عزّت على الحازم الّذى ... تراها بكفيّه فريسة طالب
تكشّف لى الأيّام منك معايبا ... وقد جرّيت لا شكّ أخزى المعايب
فأصبحت مقهورا وعادتك نكبة ... تشكّى إليك الشّوق شكوى الحبايب
وكنت إذا عات تعبّث جهله ... عبثت له بالمرهفات القواضب
وكم من جليد رام مارمت فانثنى ... وقد لسبته متلفات العقارب
وقال يفخر
سقى الله أطلالا رعيت بها الصّبا ... سحابة غيث لا يكفّ سكوبها
стр. 488
زمان مغانى اللهو مأنوسة الحمى ... وحوز الغوانى غصنها وكتيبها
وعود الصّبا لم يذو غضّ نباته ... وشرخ الشّباب إلفها وقرينها
يقولون كفّ النّفس عن ظبياتها ... وقد مردت عشقا وحارت ذنوبها
ظعنت وقد خلّفتنى نهبة الأسى ... لعلّة وجد لا يصاب طبيبها
لتهنك لو عات تردّد فى الحشا ... وعصيان عين ما تطيع غروبها
وتضييع رأى فى اصطناع معاشر ... يسوّد وجه الإصطناع عيوبها
أنا ابن الألى من هاشم زنت هاشما ... كما زانها العبّاس قبلى نسيبها
سلى تخبرى من كان طفلا ويافعا ... فعزّت به الدّنيا وذلّ خطوبها
ألم أطل الآمال علما وسؤددا ... وتفخر بى شبّان فهر وشيبها
لأنّى إن ضلّ الغريم غريمها ... وإن فحم الخطّاب منها خطيبها
وسيفى على أعدائها سيف نقمة ... جرىء على الأعمار فيما يوبها
وقال
يوم أتى بديمة هطّالة ... تبرز من نبت الرّياض ما احتجب
وقد كست يد النّدى وجه الثّرى ... ثياب زهر من لجين وذهب
ونهر شقّ الرّياض جريه ... منفجر يحكى لنا شقّ الطّرب
стр. 489
تراه ينساب كأفعى كارها ... خوف طلوب مدرك لما طلب
وزادنى فى طربى منعم ... دانى الرّضا منّى ناء بالغضب
يدير راحا لمعت فى كأسه ... وألبست فى مزجه تاج ذهب
كلّ سرور فيه من تمامه ... وكلّ حسن فإليه ينتسب
يركض سعيى إن قصدت فتكة ... وإن قصدت النّسك فالسّير خبب
وقال
تأوّبنى طارق الهمّ نصبا ... وأبدل سلمى للدّهر حربا
فقال فيها
ونار على شرف أوقدت ... فشاهدت موقدها حين شبّا
فلله ما خبّأ الدّهر لى ... أفى كلّ قطر عدوّ مخبّا
وثوب ظلام تدرّعته ... أهبّ له يقظا حين هبّا
فأنبت مزعى على دمنة ... أراقب من عطفة الدّهر وثبا
وقالوا حليم ولم أستطع ... لراية سطو على الذّنب نصبا
أأشهر سيفى على نابح ... وأفرس للثّأر قردا وكلبا
إذا لا رتوى من دم خدّه ... ولا سار بالعدل شرقا وغربا
стр. 490
وكم قد وطئت على فتنة ... وثرت بأخرى فقضّيت نحبا
أخال إذا دهمتنى الخطوب ... وفى كلّ عضو بجسمى قلبا
ومن حادث دست أمثاله ... وأتبعت نكب معانيه نكبا
أرى مستكينا لأقرانه ... إذا لا أسغت من الماء عذبا
وقال يعذر نفسه فى خروجه إلى الموصل
أمغنية مع الظّلم الخطو ... فيغفر ما جنته من الذّنوب
عجبت لصرف دهر صافيات ... مكارهه وعيش لى مشوب
كأنّ الدّهر يطلبنى بذحل ... فحظّى منه إضراء الخطوب
وهوّن بعض ما ألقاه أنّى ... نقىّ الجيب من دنس العيوب
إذا لم أوت من رأى مصيب ... فما علمى باضمار الغيوب
وكم ريب لصرف الدهر هاب ... جلاه النّصر من ربّ مهوب
وقال وزعم أنه قصد بها اتباع على بن محمد العلوى على هذا الوزن
سقيا للذّات وطيب ... بين الشّباب الى المشيب
ولنظرة مهتوكة ... تدنى البرىء من المريب
معقولة بيد الهوى ... مربوبة بيد الرّبيب
стр. 491
إذ غالبت كفّى الزّمان ... وإذ شربت على الرّقيب
بخيول لهو أرسلت ... سحّا به ذيل الغيوب
ركضت بنا وشعارها ... لا حكم الّا للحبيب
شوق يعرّم فى الحضو ... ر فكيف يفعل فى المغيب
وقال
وقهوة يترامى ... شعاعها بلهيب
جعلتها حظّ نفسى ... عشقا لها ونصيبى
بيوم سعد مصفّى ... من الزّمان المشوب
فسقّنى تذكارا ... لطاعة المحبوب
واعص الرّقيب فإنّى ... أحلّ قتل الرّقيب
أبى شبابى إلّا ... عصيّة لمشيبى
ما سوّد النّسك منّى ... الّا بياض ذنوبى
وقال فى طريق الموصل
جدّد البين كروبا ... وكوى الفقد قلوبا
باعد المقدار بغدا ... د ضرارا ونكوبا
стр. 492
أوجب البين أناس ... علّموا قلبى الوجيبا
لهف نفسى لزمان ... كان لى غضّا رطيبا
ربّ خذ لى من حسود ... حجب الظّبى الرّبيبا
فلذاك النّوم فى ... عينى قد صار غريبا
فلذا أهوى مع ... الرّؤية هجرا ورقيبا
يا حبيبىّ وهل ... خلق يرى اليوم حبيبا
أعفياني عن ملام ... بالّذى يعفو الذّنوبا
وعقار ذوب شمس ... جمعت حسنا وطيبا
أضوأ اللّيل سناها ... لمعانا ولهيبا
سلبت عقلى ختلا ... وسرت فىّ دبيبا
ضحكت بالمزج كرها ... ونفى عنها القطوبا
ذرّ من درّ عليها ... حين صافاها جيوبا
قد سقانيها غزال ... عالم منّى عيوبا
حقّق الرّيبة لحظ ... منه خلّانى مريبا
وترى الغصن لعط ... فيه إذا اهتزّ نسيبا
стр. 493
كم تحمّلت حروبا ... وتخطّيت خطوبا
ورأى الأعداء بعدى ... لمداراتى قريبا
فدعى اللّوم فما ... ربعى لذى اللّوم خصيبا
وقال
كلّ داع سواى غير مجاب ... وعذاب الهوى أشدّ عذاب
كم يكون الخلاف والبعد قل لى ... مع ذلّى وطاعتى واقترابى؟
كلّ يوم يروعنى منك وعد ... مطمع لمعه كلمع السّراب
وقال على قافية التاء
ومن مليح الذّنوب إن ذكرت ... لثمى فاء ورشف ريقته
فى ثوب ليل أبليت جدّته ... وجاد لى سيره بزورته
فصرت باللّيل ذا مؤانسة ... أشكر ما عشت فضل نعمته
وأعطت الرّاح ما أؤمّله ... قوّة حكمى وضعف قدرته
شكرى وقف على المدامة إذ ... ذلّلت الصّعب لى بسكرته
وقال يعرض بابن رايق
ما بال إحسانى إذا أصحبته ... خلل الرّجال يصير مثل إساءتى
стр. 494
ما إن كففت أذيّة إلّا هوت ... نحوى بكفّ تجاوزى وأناتى
فلذاك أصبر صبر عاف عاقل ... وأهتّك المذعور فى وثباتى
فاذا غفلت عن الكفور فإنّما ... أهدى إليه الحتف من غفلاتى
وقال
العيش راح يعاطيها براحته ... منعّم يقتضى عشقا بلحظته
كأنّما لونها من لون وجنته ... وطعم ريقتها من طعم ريقته
إن أمكن الدّهر من عيش بشهوته ... فانعم بغفلته من قبل فطنته
وقال حين اشتدت علته
ولمّا رأيت الدّهر يخطب خطبة ... وأيّامه تعدو علىّ بنوبات
عصيت زمانا قد تجاسر صرفه ... وأتبعت يوم الهمّ يوم لذاذات
وأيقنت أنّى مهجة مستعارة ... تردّ الى ملك المعير بغصّات
فياليتنى أمضيت ما كنت عازما ... عليه ليشفى داء صدرى ولو عاتى
وقال على قافية الجيم
وناظر عن دعج ... محكم فى المهج
يدير كأسا فرّجت ... همّ الفتى بالفرج
стр. 495
قد أرعدت لمزجها ... والتهبت كالسّرج
أدارها منتطق ... مصوّر من غنج
أطلع من طرّته ... أهلّة من سبج
تكشّفت ضحكته ... عن برد مفلّج
يا مجلسا جعلته ... فى مدّتى أنموذجى
كان كلحظ الطّرف ... فى سرعة مرّ ومجى
وقال وقد نالته جفوة من أبيه
على قافية الحاء
هلّا رددت على العدوّ الكاشح ... وقبلت فىّ من الصّديق النّاصح
الآن حين ملأت قلبى رغبة ... أعقبتها ظلما بيأس قادح
وتكلّفت نفسى اليك بمنية ... ألتذّها مثل الزّلال التّايح
أبعدت ظنّى بعد ما قرّبته ... ولسوف تذكر فى فسادى صالحى
ما للإمام تنكّرت أخلاقه ... من قول هاج فى مكان مدائحى
فى كلّ يوم أرتجى إنصاف من ... يجرى إلى ظلمى بقول الكاشح
следующие страницы →