← Адаб

Адаб · id 10532

الأوراق قسم أخبار الشعراء

الصولي

Полный текст (1 011 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إذ غالبت كفّى الزّمان ... وإذ شربت على الرّقيب بخيول لهو أرسلت ... سحّا به ذيل الغيوب ركضت بنا وشعارها ... لا حكم الّا للحبيب شوق يعرّم فى الحضو ... ر فكيف يفعل فى المغيب وقال وقهوة يترامى ... شعاعها بلهيب جعلتها حظّ نفسى ... عشقا لها ونصيبى بيوم سعد مصفّى ... من الزّمان المشوب فسقّنى تذكارا ... لطاعة المحبوب واعص الرّقيب فإنّى ... أحلّ قتل الرّقيب أبى شبابى إلّا ... عصيّة لمشيبى ما سوّد النّسك منّى ... الّا بياض ذنوبى وقال فى طريق الموصل جدّد البين كروبا ... وكوى الفقد قلوبا باعد المقدار بغدا ... د ضرارا ونكوبا

стр. 492

أوجب البين أناس ... علّموا قلبى الوجيبا لهف نفسى لزمان ... كان لى غضّا رطيبا ربّ خذ لى من حسود ... حجب الظّبى الرّبيبا فلذاك النّوم فى ... عينى قد صار غريبا فلذا أهوى مع ... الرّؤية هجرا ورقيبا يا حبيبىّ وهل ... خلق يرى اليوم حبيبا أعفياني عن ملام ... بالّذى يعفو الذّنوبا وعقار ذوب شمس ... جمعت حسنا وطيبا أضوأ اللّيل سناها ... لمعانا ولهيبا سلبت عقلى ختلا ... وسرت فىّ دبيبا ضحكت بالمزج كرها ... ونفى عنها القطوبا ذرّ من درّ عليها ... حين صافاها جيوبا قد سقانيها غزال ... عالم منّى عيوبا حقّق الرّيبة لحظ ... منه خلّانى مريبا وترى الغصن لعط ... فيه إذا اهتزّ نسيبا

стр. 493

كم تحمّلت حروبا ... وتخطّيت خطوبا ورأى الأعداء بعدى ... لمداراتى قريبا فدعى اللّوم فما ... ربعى لذى اللّوم خصيبا وقال كلّ داع سواى غير مجاب ... وعذاب الهوى أشدّ عذاب كم يكون الخلاف والبعد قل لى ... مع ذلّى وطاعتى واقترابى؟ كلّ يوم يروعنى منك وعد ... مطمع لمعه كلمع السّراب وقال على قافية التاء ومن مليح الذّنوب إن ذكرت ... لثمى فاء ورشف ريقته فى ثوب ليل أبليت جدّته ... وجاد لى سيره بزورته فصرت باللّيل ذا مؤانسة ... أشكر ما عشت فضل نعمته وأعطت الرّاح ما أؤمّله ... قوّة حكمى وضعف قدرته شكرى وقف على المدامة إذ ... ذلّلت الصّعب لى بسكرته وقال يعرض بابن رايق ما بال إحسانى إذا أصحبته ... خلل الرّجال يصير مثل إساءتى

стр. 494

ما إن كففت أذيّة إلّا هوت ... نحوى بكفّ تجاوزى وأناتى فلذاك أصبر صبر عاف عاقل ... وأهتّك المذعور فى وثباتى فاذا غفلت عن الكفور فإنّما ... أهدى إليه الحتف من غفلاتى وقال العيش راح يعاطيها براحته ... منعّم يقتضى عشقا بلحظته كأنّما لونها من لون وجنته ... وطعم ريقتها من طعم ريقته إن أمكن الدّهر من عيش بشهوته ... فانعم بغفلته من قبل فطنته وقال حين اشتدت علته ولمّا رأيت الدّهر يخطب خطبة ... وأيّامه تعدو علىّ بنوبات عصيت زمانا قد تجاسر صرفه ... وأتبعت يوم الهمّ يوم لذاذات وأيقنت أنّى مهجة مستعارة ... تردّ الى ملك المعير بغصّات فياليتنى أمضيت ما كنت عازما ... عليه ليشفى داء صدرى ولو عاتى وقال على قافية الجيم وناظر عن دعج ... محكم فى المهج يدير كأسا فرّجت ... همّ الفتى بالفرج

стр. 495

قد أرعدت لمزجها ... والتهبت كالسّرج أدارها منتطق ... مصوّر من غنج أطلع من طرّته ... أهلّة من سبج تكشّفت ضحكته ... عن برد مفلّج يا مجلسا جعلته ... فى مدّتى أنموذجى كان كلحظ الطّرف ... فى سرعة مرّ ومجى وقال وقد نالته جفوة من أبيه على قافية الحاء هلّا رددت على العدوّ الكاشح ... وقبلت فىّ من الصّديق النّاصح الآن حين ملأت قلبى رغبة ... أعقبتها ظلما بيأس قادح وتكلّفت نفسى اليك بمنية ... ألتذّها مثل الزّلال التّايح أبعدت ظنّى بعد ما قرّبته ... ولسوف تذكر فى فسادى صالحى ما للإمام تنكّرت أخلاقه ... من قول هاج فى مكان مدائحى فى كلّ يوم أرتجى إنصاف من ... يجرى إلى ظلمى بقول الكاشح

стр. 496

جمرى إذا ما شئت طاف خامد ... وإذا تشاء فكالشّهاب اللّائح والنّار قد يخفى عليك ضياؤها ... حتّى تحرّكها بنان القادح وقال على قافية الدال بادر بلهوك ليلة بدريّة ... واقصد بما تهوى برغم الحسّد ومر الغرير يدير بكر سلافة ... لا تسمعنّ لعاذل ومفنّد يهتزّ فى سود الثّياب كأنّه ... بدر تجلّى من غمام أسود ما زلت أسحره بلحظ خاتل ... وأسومه الانجاز قبل الموعد حتّى تورّد خدّه بمدامة ... كالمسك ذات توقّد وتورّد وتبيّن الانعام فى ألحاظه ... متقرّب الألفاظ بعد تبعّد حتّى أنثنى فى الأرض يلثم خدّه ... شوقا إلى فرد الملاحة أوحد يا ليلة كانت لدهرى غرّة ... طلعت علىّ نجومها بالأسعد وقال فى حبس القاهر فقدت الهوى وعدمت الودودا ... وأبلى الجديدان منّى الجديدا وقد كنت دهرا أطيع الهوى ... وأجرى مع اللهو شأوا بعيدا فحرّمت كأسى على لذّتى ... وأزمعت كلّ وصال صدودا

стр. 497

أبعد إمام الهدى أبتغى ... سلوّا وأملأ طرفى هجودا وقد قتلته العدا غرّة ... وما صادفت منه عبدا عتيدا كأن لم يكن قطّ فى جحفل ... يحير الرّدى ويجدّ الجنودا يعزّ عليه وأنّى به ... يرانى لفضلى أسيرا فريدا تباشرنى ضيّقات الحبو ... س وأحسب من غير فقد فقيدا وكنت به مالكا للزّمان ... أسرّ الصّديق وأشجى الحسودا فأفرشت خدّى لوطء العدا ... وأفرش أهلى لأجلى خدودا وعرّفنى فقده النّائبات ... وذلّل منّى صعبا جليدا فيا ليت ركبا الينا نعوه ... نعونا اليه ونال الخلودا وقال أفادنى ودّك بعد كدّ ... دهر نحانى صرفه بقصد يطلب نفسى ثائرا عن عمد ... فصرت إذ أصفيتنى بودّ عذر إساءات الزّمان عندى ... وهى كثيرات تفوت عدّى قد يغلظ الحتر بوقت سعد ... ويقدح القرب بزند البعد فاجى إلى الوصل ثقيل الصّدّ

стр. 498

وغناه يوما عبد الرحمن بن طرخان بشعر لى وهو: ليالى صدودى ليست تضى ... وعمر تجنّيك ما ينقضى وما تألف النّفس يا منيتى ... سوى ما تحبّ وما ترتضى تقاضيت عينى بغنج الّلحا ... ظ دموعا فأعطتك ما تقتضى فأنشدنا من غد ذلك اليوم نيران هجرى ليس تخمد ... وسيوف عينك ليس تغمد والنّفس فيما ساءها ... طلبا لما يرضيك تجهد والجود منك مباعد ... والبخل دان ليس يبعد من ذا يكون مبشّرى ... بالعطف منك علىّ أحمد وقال أثمّ وشمس الحسن حلّت قناعها ... عليك وانّت البدر وافق أسعدا تصدّين إدلالا وما بك قدرة ... على الصّدّ لو أنّى ملكت تجلّدا وقال يذم الموصل ويمدح بغداد على قافية الراء أعذر لفظ المحبّ بالعذر ... واختلط السّرّ منه بالجهر

стр. 499

وبعت أرض العراق بيعة مغ ... بون فجمّت بلابل الصّدر وسائل لا يزال عن خبرى ... إسمع فما بى يجلّ عن قدر فارقت مغنى مذكّرا بهوى ... يلذع قلبى بعارض الذّكر وجئت أرضا تسوء ساكنها ... وتبدل اليسر منه بالعسر يضحى بها ثاكلا للذّته ... مقلّبا قلبه على الجمر عرضة نتن يحفّها جبل ... يقطن فيها الهموم بالقطر يجىء فى غير حينه أبدا ... والسّهل فيها مشاكل الوعر شتاؤها حتف من يقرّ بها ... بثلجها المستدرّ والقرّ وشمسها فى المصيف محرقة ... تقيد نيرانها على الصّخر عجزت يا محصى العيوب بها ... قدك أتحصى عجائب البحر؟ سمّيت الموصل المواصلة ... الحزن لمّا جاءها على خبر إن أذن الله فى الرّحيل فقد ... أعيد طىّ السّرور ذا نشر لأقتضى لذّة مطلت بها ... يعود ربحى فيها إلى خسر وأجتلى الخمر فى غلائلها ... حتّى يفرّى غلالة الفجر وشادن ملكته خالصتى ... إباحة لا تشان بالحظر

стр. 500

تلمع كاساته كبارقة ... فى كفّه أو كذائب التّبر فديت من بعت فى محاسنه ... دينى بالإثم فيه والوزر وليلة ينتج السّؤال بها ... يصغر قدرا عن ليلة القدر سعدت فيها بذى مساعدة ... أقبض بالوصل مهجة الهجر أغترّ بالذّنب غير معتمد ... موّه صحو المراد بالسّكر يا لك من ليلة محسّدة ... تعدّ فى الدّهر غرّة الدّهر أحيى بدهر الشّباب دولته ... فما لدهر المشيب من عذر وقال قضّ بالخمرة الوطر ... واشرب الصّفو لا الكدر صد بها شارد السّرو ... ر ومن صدّ إذ نفر ليلتى لاعدمت مث ... لك يا غلطة القدر حجب الله منك ... فطنة دهر له غير قد تمرّغت فى النّ ... عيم وأسعدت بالظّفر أمرنا نافذ و ... ليلتنا كلّها سحر وقال اشرب غبوقا فالغرب قد نوّر ... وجاء والى الظّلام فى عسكر

стр. 501

ولّى نهار المصيف مشتملا ... غضّا وجاء الظّلام يستبشر فبادر العيش عند فرصته ... انّ زمان السّرور مستقصر قولا لمكتوم أولنى حسنا ... منك وما توله فلن يكفر أىّ عذول يراك كالغصن ال ... نّاعم تمشى بالرّاح لا يعذر وقال وممّا شجانى أنّه حين جاءنى ... يزفّ عقارا فى غلالة نور تحاش باسمى كى يرينى مودّة ... فخادعت نفسى قائلا بسرور وفاضت على خدّيه حمرة خجلة ... ورصّف لفظا من صناعة زور ألم ترنى أرغمت بالفتك عاذلى ... وأسبلت من دون الحياء ستورى وعاقرت ريق الرّيم مروى غلّة ... ورقّصت كاساتى لماء غدير فيا ليت لى كانت من الدّهر خلسة ... أبثّ لها بالرّغم كلّ غيور وقال فى غلام نصرانى يا ربّ زور منعم مزاره ... يلحفه من ليلة إزاره بشّرنى ببذله زبّاره ... وحسن خدّ نصع احمراره يفيت بالحمرة جلنّاره ... يطلع منها قمرا أزراره

стр. 502

عذّر فى عارضه عذاره ... فأعجل المهلة لى بداره جرى جواد لم يخف عثاره ... يؤخذ من بعد بقرب ثاره لا كان جرى لم يثر غباره وقال فديتك ما أظهر ... قليلا لما أضمر ولى بدن ناحل ... على الهجر لا يصبر أحاط بجسمى الهوى ... فحولى له عسكر لسانى له كاتم ... ودمعى له مظهر وقال طربت إلى عمّى وعاودنى ذكرى ... وقسّم شوّال بقدمته فكرى فكم فتكة لى فى ذرى عرصاتها ... أروح على سكر وأغدو على سكر طرقت بها الخمّار والنّجم طالع ... طلوع سنان قاصد ثغرة النّحر فأنكحنى خمرا رضيت نكاحها ... وأغليت بالسّوم المبالغ والمهر وقلت لساقينا أدر لى خمرة ... تنيل المنى وافجر بطلعتها فجرى فقام خلوب الدّلّ يجلو سلافة ... تشبّه فى كاساتها ذائب التّبر

стр. 503

كأنّ أباريق اللّجين إذا انحنت ... رقاب غرانيق تطلّع من وكر له مقلة تسبى العقول وفتنة ... تسقّطنى من حيث أدرى ولا أدرى عليم بوحى الطّرف حتّى كأنّما ... يخاطبه فكرى بما ضمّه صدرى فحطّ على حكمى رحال إجابة ... وسار بما أهواه طوعا إلى أمرى فيا ليلة قد أسعفتنى بطيبها ... وقفت عليها الدّهر ألسنة الشّكر وقال داو الخمار بخمره ... وصل الصّبوح بفجره وأطرب لفطر زائر ... أهلا به وبزوره مأسور آب فكّ أ ... يلول لنا عن أسره يأتى كمعشوق محا ... بالوصل أسطر هجره يا ليلتى بالقفص جا ... د لك العذول بعذره لمّا رأى رشأ يذيب ... العقل ذائب تبره متمرّدا فى سكره ... متمايلا فى خطره كالبدر إلّا أنّه ... بدر لسائر شهره فشربت خمرة كأسه ... ورشفت خمرة ثغره

стр. 504

ووشا إلىّ ببذله ... زنّاره فى خصره وقال قد ضاع فيك صبرى ... يا راغبا فى الغدر فليس فيك أدرى ... منفعتى من ضرّى فهل أراك عمرى ... مهاجرا لهجرى وقهوة كالجمر ... تبر ولكن تجرى أدارها فى الفجر ... مقرطق كالبدر يضحك لى عن ثغر ... مثل صغار الدّرّ أصبح فيه سرّى ... مختلطا بالجهر «١» مفتتنا بالخمر ... أظلم فيها وفرى وقال ولعت ببيضاء شابت أسود الشّعر ... أشيبة أم خيال خاله نظرى فقلت هذا اعتداء الدّهر عاجلنى ... لطول مطلك لى فى أقصر العمر لا تأمنى فى زمان السّوء غدرته ... فانّه مولع بالغدر والغير

стр. 505

كونى ولا تثقى منه على حذر ... ومن يفوت صروف الدّهر بالحذر فاستعبرت ثمّ قالت جدّ هزلك بى ... إذ تدّعى غلب الأحزان والفكر ولم يزل حبّها صعبا على أربى ... فيه المنيّة إيرادا بلا صدر وكيف أعطف بالشّكوى ورقّنها ... قلبا أشدّ لدى الشّكوى من الحجر وقال أيا من خان مخبره ... وعزّ الصّبّ منظره ومن أخفى هواى له ... ودمع العين يظهره أنلنى مالكى وصلا ... حقيرا لست أحقره ولا يمنعك قلّته ... أقلّ الوصل أكثره وقال يرثى جارية مغنية، كان لها موقع من قبله على قافية السين وقالوا اصطبر فالصّبر شىء عدمته ... لفقدى صفو العيش من منية النّفس عدمت الكرى لمّا عدمت بدائعا ... جعلن قرى نفسى بحلقك والجسّ لقد كنت إن غنّيت أغنيت لذّتى ... بصوت يعير السّمع ربحا بلا وكس أرقّ من الشّكوى وأحلى من المنى ... وأروح من أمن وألطف من حسّ

стр. 506

لعمرى لئن أصبحت سعدى وفيك لى ... رجاء لقد أمسيت باليأس لى نحسى فلو كان يفدى الميت حىّ فديتها ... بنفسى وفاء غير نقص ولا بخس وقال طلعت شمس عقار ... وسقاة كالشّموس فتلقّوها ببشر ... واغتباط بالأنيس وليدر كأس بدور ... فيه أهواء النّفوس واصل بعد جفاء ... ضاحك بعد عبوس قرّبونى من نعيم ... مبعد عن كلّ بوس أطيب العيش بدور ... تتمشّى بشموس أنجم المحروم هذا ... طالعات بنحوس وقال على قافية الضاد وليل كأنّ الدّجن يجرى ببدره ... عدلت به لهوى بمعتدل غضّ ومشمولة دسّت خوادمها بها ... فأغرت بتوباتى وسائل للنقّض ظباء لها فى النّفس أمر محكّم ... وغمّ جرىّ الجور فى البسط والقبض

стр. 507

وقال يرثى أباه على قافية العين يا ترب ضمّنك الممات مسوّدا ... كادت له نفسى تزول تقطّعا قد كنت آمل أن يقيك الدّهر لى ... صرف الحتوف وأن تكون مفجّعا حتّى رأيت المشفقين تقطّعت ... لما لهم ورأيت يومك مقطعا إن كان غيّر من محاسنك البلى ... ورمى فلم يترك لسهم منزعا فلقد فقدت محاسن الدّنيا به ... وكذا الزّمان مفرّق ما جمّعا وقال على قافية القاف يا من أريح من الفراق ... وفراقه بالهجر باقى أهوى الفراق وإن رأي ... ت الموت فى شخص الفراق لتقارب عند الوداع ... وقبلة عند العناق وكتب إلى أخيه هارون سيّدى أنت ومن لم ... يزل الدّهر يوفّق عندنا أطيب من ي ... ختاره السّمع وأحذق وأرى جامع شملى ... كلّما غبت مفرّق

стр. 508

وقميص الدّهر من بعدك ... قد أودى وأخلق إيتنا قد كسدت ... سوق الّلذاذات لتنفق أركب الكاسات كفّ ... الرّيم بالخمر المعتّق وقال يصف اللينوفر سقانى صفوا من سلاف كريقه ... وحيّا فأحيا قلب لهفان وامق بنيلوفر مثل الكؤوس شممته ... حكت ريحه ريح الحبيب الموافق حكى رقدة المعشوق قبل انفتاحه ... وبعد انفتاح الجفن تسهيد عاشق وقال على قافية الكاف منحتك الودّ منّى ... فجاز بالودّ منكا لو كان قلبى مطيعا ... طمعت فى الصّبر عنكا لكنّه فيك عاص ... يكفّ إن لم يعنكا إن خنت بالغيب عهدى ... فانّنى لم أخنكا وقال وزقّ صريع قطيع اليدين ... قتلناه عمدا ولم نبكه سفكت دما منه لم يؤذه ... وكان لى الحظّ فى سفكه

стр. 509

معى طرب لا يطيع الملام ... وليس يقصّر عن فتكه وقال على قافية اللام ومحجّب نبّهته ... والشّمس تقرب للأفول نظرت إلى أفق الشّرو ... ق تلهّفا نظر العليل والضّوء ينحل جسمه ... وسقامها سبب النّحول ما نغّصته وصلها ... حتّى تردّت بالأصيل فأفاق معقول اللّسا ... ن وما تمتّع بالمقيل يرنو بمقلة جؤذر ... لم يخل يوما من قتيل لحظ الضّياء ظلامه ... من ناظرى فجر ضئيل قلت أهدني سبل اللّذا ... ذة بالرّحيق السّلسبيل وقال يمدح أباه يا ملزمى بالذّنب ما لم أفعل ... وموليا عن وجه ودّ مقبل أو ما نهاك جمال وجهك أن ترى ... متعاليا فى الظّلم غير المجمل عدل الخليفة جعفر فى ملكه ... وعلىّ فى ملك الهوى لم يعدل ملك يسابق وعده إنجازه ... ويجود مبتدئا بما لم يسأل

стр. 510

سمّاه مقتدرا إله قادر ... وعلا به عزّ العلى والمعتلى طال الملوك بعفوه ونواله ... وكذا يطول لهم بعمر أطول وقال طاب عيشى برغم أنف العذول ... وتمتّعتّ من وصال وصول وأتانا الهواء عن غير وعد ... فرأينا تشرين فى أيلول فاقبل الكأس يا خليلى من سا ... ق مليح دلاله مقبول زاد طيب الأقداح كفّاه طيبا ... وأعار الشّمول طيب الشّمول وقال لحاظه تطمع فى نيله ... وتيهه يؤيس من وصله أفدى الّذى أسرف فى جوده ... فايس العاشق من عذله قلت له والغنج كحل له ... والشّكل منسوب الى شكله تنكر ظلم النّاس عشّاقهم ... وأنت تجرى بى إلى مثله؟ وقال يمدح سر من رأى ويزعم أنه سيسكنها قافية الميم كرّى الملام فباغى اللّوم مخصوم ... والدّهر مذ كان محمود ومذموم

стр. 511

فقال فيها بسرّ من رى بلاد الملك طاب لنا ... معرّس عيشه باللهو منظوم أرض متى اختلست ألحاظها نظرا ... اهتاج ذو طرب وارتاح مهموم والحير والقصر والفاطول جنّتها ... والجعفرى بكفّ الدّهر مزموم منازل آنست دهرا فأوحشها ... ظلم الزّمان فمثلوم ومهدوم عفت وغيّرها وصل الرّياح لها ... والوصل منها بحبل الهجر محتوم أنّى أرى رجعة للدّهر يلحظها ... غنمتها إن وفت والعيش مغنوم وسوف ينزع بى ذكر يشوّقنى ... إلى ذراك فيبدو منه مكتوم وإن أحلّك لا آسى على بلد ... وحبله من جالى فيك مصروم أرجعة الدّهر هل وعد فامله ... أم عطف عدلك مفقود ومعدوم وما شجانى كذكرى خلتها حلما ... كأنّ قلبى لها بالذّكر مكلوم أين الزّمان الّذى أسهرت عاذلنى ... فيه وغودر خصمى وهو مخصوم بين الصّراة وكرخايا تمرّده ... والعيش من نكبات الدّهر معصوم والغصب دين وشرب الرّاح مفترض ... والهتك مستعمل والصّون مثلوم

стр. 512

وقال يفخر من ذا يقيم دعائم الإسلام ... ويعمّ بالإفضال والإنعام فينا النّبوّة والخلافة حكمنا ... ماض كما شئنا على الأيّام لا ينقض الأعداء مبرم أمرنا ... وبنا تمام النّقض والإبرام أمضى من الأجل المعجّل أمرنا ... يأتيك قبل الفكر والأوهام وقال على قافية النون حبيب ليس ينصفنى ... ومولى ليس يرحمنى أمرّ به فيبعدنى ... وأنصفه فيظلمنى ولى أمل يلوذ به ... يعنّينى ويطمعنى يضنّ بوعده فإذا ... أجاب إليه أخلفنى أما ترثى لمكتئب ... أسير فى يد الحزن وقال على قافية الهاء وابأبى من لست أنساه ... ومن على الهجران أهواه إن واصل النّسيان لى فى الهوى ... فانّنى واصلت ذكراه قال الصولى: وشعر الراضى كثير، وقد جئت بالمختار منه وفى بعضه

стр. 513

أغان أجودها وأحسنها ما عمله عبد الواحد بن طرخان. وفاة الراضى وتوفى الراضى ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وغسله أبو الحسن بن عبد الواحد الهاشمى وقد ولى القضاء. فحدثنى أنه ما رأى ميتا أحسن منه ولا أطيب عرضا ولا أنظف جسدا منه، وأنه كان يصب الماء عليه خادم أسود وأن القاضى أبا نصر كان واقفا يعينه على قلبه إذا أراد أن يقلبه لا يعينه من أمره على غير ذلك، وأنه لم يؤت بحنوط من الدار لأن الخزائن كلها أقفل عليها، ووكل بها فوجه القاضى إلى الكرخ إلى المعروف بابن أبى ذكرى العطار، حتى حمل من دكانه حنوط وجميع ما يحتاج إليه، وصلى عليه القاضى أبو نصر وحمل فى طيار فى دجلة إلى بين القصرين. وأخرج ثم حمل مع الخدم إلى الرصافة. فحدثنى من رأى مع الجنازة عشر شمعات بأيدى عشرة من الخدم، ودفن فى ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول. فكان جلوسه فى الخلافة من يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة إلى يوم وفاته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام. وكان مولده فى شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين، فكان عمره إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتوفى والوزير له سليمان بن الحسن، وحاجبه أبو الفهم ذكى غلامه. وقاضيه أبو نصر يوسف بن عمر بن محمد، وصاحب شرطته

стр. 514

الترجمان محمد بن ينال، والأمير على الجيش، والغالب على الأمور بجكم التركى، وكان قبل وفاته مقيما بواسط، وكانت به علل كثيرة، وكان يقول أنا مذ حبسنى القاهر عليل إلى وقتى هذا وتزايدت علته قبل وفاته بسنة وفسد مزاجه، وكان ذلك أصعب علله. وكان يلقى من فمه دما كثيرا، حتى ألقى من فمه فى يومين وليلتين- على ما قال سنان- أربعة عشر رطلا، وكان أكثر ذلك بحضرتنا ولقد أعطاه سنان دواء يأخذه بملعقة فبقيت الملعقة فى يده ساعة، كلما أومأ بها إلى فيه غلبه الدم. حتى أمسك قليلا فرمى بما على الملعقة إلى فيه، ثم عاوده الدم. وكان مع هذا فى جوفه غلظ تزايد فى آخر أيامه، وكان كثير الخلاف على من يطبه، لا يقبل مشورته، ويضمن أن يحتمى ولا يفى بضمانه وكان الجماع والشراب أعظم آفاته مع عشاء يديمه كل يوم على غير حاجة إليه، وهذا ما ذكرت من أخباره أنه لم يكن فيه عيب إلا مسامحته نفسه فيما تشتهيه، وما كان أكله بالكثير ولا شربه، ولكن شهوته زادت على طاقة جسمه وقوته. ومن شعره عند زيادة علته أيا نفس كونى بعد علمك والفحص ... على حذر وارضى من الكلّ بالشّقص ثقى واعلمى أنّ الممات معجّل ... إلى كلّ ذى زهد عزوف وذى حرص ولا تطلبى حال التّمام فانّه ... إذا تمّ أمر المرء آذن بالنّقص

стр. 515

ومن شعره كلّ صفو إلى كدر ... كلّ أمر إلى حذر ومصير الشّباب ل ... لموت فيه أو كبر درّ درّ المشيب من ... واعظ ينذر البشر أيّها الآمل الّذى ... تاه فى لّجة الغرر أين من كان قبلنا ... ذهب الشّخص والأثر سيردّ المعار من ... عمر كلّه خطر ربّ إنّى ذخرت ... عندك أرجوك مدّخر إنّنى مؤمن بما ... بيّن الوحى والسّور واعترافى بترك ... نفعى وإيثارى الضّرر ربّ فاغفر لى الخطّ ... ية يا خير من غفر تمت أخبار الراضى بالله، يتلوه أخبار المتقى

стр. 516

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أخبار المتقى لله قال ابو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولى قد فرغنا من عمل اخبار الراضى بالله وذكر وفاته، وكانت ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ودفن فى التربة ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت منه وفى هذه الليلة دخل أحمد بن على الكوفى من واسط إلى بغداد. وهو كاتب الأمير أبى الحسين بجكم ومدبر أمر الدولة. وكان محمد بن ينال الترجمان قد عاد من الأنبار، فولى أبو القاسم سلامة أمر الدار ورسم بحجبة من يستخلف وتقدم إليه بحفظ الدار، فولى ذلك أبو الحسين القشورى فضبط أحسن ضبط، ختم على دواوين المستخلصة وعلى جميع الخزائن، ووكل بذكى حاجب الراضى وبراغب خادمه أحسن توكيل أراهما أنه يريدهما لمعاونته، وكان معهما فى مكان واحد إلى أن تسلم منه الأمر. وذكر للخلافة جماعة فزعموا أن بعضهم أبى والتدبير إلى غيره وكان أبو الحسين أحمد بن محمد بن ميمون بن هارون الأنبارى يكتب للأمير أبى إسحاق ابراهيم بن المقتدر بالله، وأمه أم ولد. فسعى له فى الأمر، وتضمن عنه «١» كلما يراد منه ووصفه بتوق وصلاح، وأنه

стр. 517

لا يشرب النبيذ، وشاع له هذا فى الناس، وكتب به إلى بجكم فكتب أن يعقد الأمر له، بعد أن يجمع مشايخ بنى هاشم من ولد على والعباس صلوات الله عليهما، ومشايخ الكتاب ووجوه العدول والتجار، ليقع إجماعهم عليه. ولا يكون هو المنفرد بهذا الرأى، ولا المختار له دونهم. فوقف الأمر بهذا السبب أياما إلى يوم الأربعاء لعشر ليال بقين من شهر ربيع الأول فقال لى البرجمالى فى عشية الثلاثاء اختر للخليفة اسما فكتبت له رقعة فيها ثلاثون اسما وكتبت مثلها ودفعت واحدة إليه وأنفذت الأخرى إلى أحمد بن محمد بن ميمون، وضمنا لى إخراج حق التسمية، وما وفيا لى من ذلك بقليل ولا كثير، ولا عوضانى ولا شفعا لى ولا أذكرانى واجتمع الناس فى يوم الاربعاء لعشر ليال بقين منه فى دار الأمير بجكم، وحضر أبو الحسن على بن عيسى تاج الدولة وجمالها، وشيخ الإسلام، وحضر الكرخى محمد بن القاسم، وأبو بكر عثمان بن سعيد الصيرفى صاحب ديوان الجيش، وتخلى احمد بن على الكوفى فى حجرة فى الدار مملوءة بوجوه الناس، فوجه إلى جماعة من الأشراف فوصلوا إليه مع على بن عيسى فخوطبوا، فكان أول من تكلم وتبع الناس قوله أبو الحسن على بن عيسى، فأنه قال: الله مطلع على النيات، عالم بالخفيات وليس لنا إلا الظاهر، ليس فيمن أسمى أحد يبلغنا عنه ما يبلغنا عن أبى اسحاق ابراهيم بن المقتدر بالله؛ فان كنتم عازمين عليه فاستخيروا الله جل وعز، وأمضوا أمره. فقال له أحمد بن على الكوفى: إن الأمير أعزه

стр. 518

الله أمر أن يسمع منك، وان يقبل رأيك، ونحن نعمل على هذا. فقال جميع من حضر مثل قوله. فمضى ابن ميمون والترجمان ليحدراه من داره التى بحضرة دار البطيخ فدخلا إليه وهنآه وأخرجاه فسار فى الماء الى الحسنى دار الخلافة، والناس حوله يدعون له إلى أن صعد. وقد نظر فى رقعة الأسامى فاختار منها المتقى لله، وصعد إلى رواق الخورنق فصلى ركعتين على الأرض، ثم جلس على السرير، وبايعه الناس باقى يومه وأياما بعد ذلك. وكل من بايعه أحلف على طاعته ونصيحته، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه. ودخلت من الغد أنا وجماعة من المرسومين بالمجلسة فبايعناه، وحجبه أبو القاسم سلامة أخو نجاح الطولونى، فوقف موضع الوزير عند ابن ميمون، فاستأذنته فى الإنشاد فأذن فأنشدته: شهيداه إن لم تظلميه نحول ... ودمع له فى وجنتيه همول وهى قصيدة كنت مدحت بها المكتفى بالله، فلما دخلت قال لى ابن ميمون أما عملت شعرا؟ وما كنت عملت- فقلت أعمل الساعة فقلبت مواضع القصيدة وكتبتها. أيرضيك أن تضنى فدام لك الرّضا ... سيقصر عنه حاسد وعذول تقول وقد أفنى هواها تصبّرى ... فوجدى على طول الّزّمان يطول تجاوزت فى شكوى الهوى كنه قدره ... وما هو إلّا زفرة وغليل

стр. 519

وما أرقت عين لها فيه ليلة ... فخف عليها الحبّ وهو ثقيل وجدت إلى قتلى سبيلا وليس لى ... إلى الصّبر والسّلوان عنك سبيل فدونك نفسى فاجعلى تحفة الرّدى ... حشاشتها إذ حان منك رحيل ويكبر من يلقى إليك بودّه ... وإنّ هوانى فيكم لفليل وما ازداد إلّا صحّة بعدك الهوى ... ولكنّ قلبى ما نأيت عليل لعمرك لا أتبعت ما فات بالأسى ... ورأى أمير المؤمنين جميل هو الدّين والدّنيا فليس لطالب ... ولا راغب عمّا لديه مميل سمّى خليل الله لازلت مقبلا ... عليك بنعمى ذى الجلال قبول وقاك الّذى سمّاك متّقيا له ... فأنت عماد الدّين ليس يزول أديل بك الإسلام فازداد عزّة ... فأنت من الدّهر الغشوم تديل مطيعك أنّى حلّ فالعزّ جاره ... وعاصيك لو نال النّجوم ذليل مددت على الاسلام أكناف نعمة ... لأعطافها ظلّ عليه ظليل فأضحت عيون العدل تسموا بلحظها ... وأصبح طرف الجور وهو كليل أضاءت بك الدّنيا فأشرق نورها ... وأنت الّذى يذكى سناه أفول فكلّ علاء إن سموت مقصّر ... وكلّ فخار إن فخرت ضئيل

стр. 520

وكلّ سناء من طريف وتالد ... إليك مشير بل عليك دليل ولولا بنو العبّاس عمّ محمّد ... لأصبح نور الحقّ فيه خمول لكم جبلا الله اللّذان اصطفاهما ... يقومان بالأسلام حين يميل نبوّته ثمّ الخلافة بعدها ... وما لهما حتّى اللّقاء حويل أتتك اختيارا لا احتلابا خلافة ... لك الله فيها حافظ ووكيل حباك بها من صانها لك إنّه ... باتمام نعماه عليك كفيل ولو حدت عنها قادها بزمامها ... إليك اصطفاء الله وهى نزيل ثوت حيث أثواها المليك بحكمه ... وليس لما أثوى المليك حويل ولا زال موصولا إليك حنينها ... كما حنّ فى إثر الخليل خليل ليهنيك يا خير البريّة ناصح ... له خطر فى العالمين جليل لقد شدّ أزر الدّين مولاك بجكم ... به يتسامى ملككم ويطول هو الحتف مصبوبا على كلّ ناكث ... يظلّ به أيدى الشّقاء نحول فما لكم فى المنعمين معاند ... وليس له فى النّاصحين عديل فلا زلت محروسا لك الملك دائما ... بقاؤك ما واصى الغدوّ أصيل لعبدك إذ سمّاك رسم مشهّر ... به يتسامى فى الورى ويصول

стр. 521

ومثلك أعطى رسمه متنوّلا ... فما زلت تعطى منعما وتنيل فجعلت إذكارى له تسميتى آخر القصيدة ليفهمه، فو الله ما وصل إلى منه عاجل ولا آجل شيئا، حتى انقضت أيام ولايته. وليس هذا الشعر كجودة أشعارى فى الراضى بالله، لأن ذلك كان أعلم الناس بالشعر فكنت أتنخل له الألفاظ، وأختار علوى الكلام وولى الخلافة المتقى لله وجعل صاحبه سلامة، وكان سليمان بن الحسن المرسوم بالوزارة. وأمره المتقى لله أن يركب إليه فركب مرات، ثم إنه ارتعد يوما وهو واقف بين يديه ونالته خطرة من رطوبة فخرج يهادى بين اثنين ولزم منزله. وعقد المتقى لله لبجكم لواء وجعله أمير الأمراء ونفذ به سعيد بن خفيف الحاجب إلى واسط، وخرج أمر بجكم أن يلى أبو عبد الله محمد بن أبى موسى قضاء الشرقية والجانب الشرقى من مدينة السلام، وكانا إلى أبى نصر يوسف بن عمر وإلى أخيه. ثم وجه السلطان إلى أبى نصر قد أقررتك على عملك، فحكم فى آخر شهر ربيع الآخر وعرف منه سداد ورشد، ووقع فى القضاء تخليط بسبب أبى عبد الله ابن أبى موسى الهاشمى وشهادة العدول له ثم عليه شهادتين متضادتين، فسفر فى إبطال أمر أبى نصر فعزل، وولى أبو عبد الله محمد بن عيسى الضرير قضاء الجانب الشرقى والشرقية، وولى أبو طاهر بن نصر قضاء المدينة وخلع عليهما يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الآخرة وجلسا وقرآ عهدهما وحكما، وصرف ابن بريه عن الصلاة بالجامع الغربى، وولى ذلك حمزة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر

стр. 522

وقرىء كتاب عن الخليفة يأمر الناس بالاستسقاء، فخرج الناس يوم الاثنين لست بقين من شهر ربيع الآخر أهل الجانب الشرقى إلى المصلى، وأهل الجانب الغربى إلى ميدان الأشنان ومعهم حمزة الإمام وحكى أن المتقى لله ما زال يصلى فى داره على الأرض، ويلصق خده بالتراب ويدعو. وخرج الأمر بأن يصلى أحمد بن الفضل بمسجد براثا، وجعل فيه منبر مكتوب عليه «مما أمر به الرشيد سنة اثنتين وتسعين ومائة، على يد الفضل بن الربيع» وجعلت الصلاة بالجانب الشرقى إلى أحمد بن الفضل أيضا، وكان يصلى هو بالناس فيه ويصلى ابنه بمسجد براثا، ثم صرف أحمد بن الفضل بن عبد الملك عن مسجد الرصافة بأبى الحسن بن عبد العزيز. وكان من أول الحوادث أنه قطع على القافلة الخارجة من مدينة السلام إلى خراسان فى جمادى الأولى، قطع عليها أكراد الشادنجان، وكان لؤلؤ يحميها ومعه جماعة من الأتراك فكثر عليه الاكراد ودام المطر فلم تعمل قسى الاتراك شيئا وإنما هى عدتهم فتمكن الاكراد منهم بالسيوف والرماح فملكوها كلها، وكان فيها من العين والورق ما مبلغه ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الأمتعة ما قيمتها نحو ذلك، وكان أكثر المال لأصحاب بجكم أنفذوه إلى بلدانهم بخراسان ولقد حدثنى بعض من يخبر الأمر، وهو المعروف بعدل حاجب بحكم أنه كان له وحده ثلاثون ألف دينار، ولسائر قواده أموال جليلة

стр. 523

وحدثنى من أثق به من التجار أن تاجرا من قطيعة الربيع حمل أمتعة فى هذه القافلة لزمه لكرى أحماله نحو ألفى دينار، فما ظنك بمتاع هذا مبلغ كرائه! وكم تظن أن قيمته تبلغ؟ وإنما كثر المال فيها والمتاع لأن قوما من مياسير التجار خرجوا بجميع أملاكهم هربا من جور تكينك التركى صاحب أمر بجكم كله، فانه أفرط فى ذلك وأسرف وبجكم لا يعلم بما يفعله بالناس، فلما صح ذلك عنده وجه بأبى حامد الطالقانى من واسط حتى قبض عليه، فلما وصل إليه حبسه وأخذ منه مالا وكان بجكم يزعم أنه قد فقد مما كان عنده أموالا جليلة. ولما رأيت أنا أن المتقى لله لا يريد جليسا، وما سمع بخليفة قط قال: لا أريد جليسا، أنا أجالس المصحف أفتراه ظن أن مجالسة المصحف خص به دون آبائه وأعمامه الخلفاء. وكان وحده دونهم، أو أن هذا الرأى غمض عليهم وفطن هو وحده له؟ فاستأذنت فى الخروج فأذن لى. ولقد كنا وقوفا بين يدى المتقى فقال لنا بعض الخدم: ليس هذا مثل الراضى هذا لا يريد الجلساء، فقلت لهم لئن كان هذا الامر كما زعمتم فانه ردىء لنا وردىء لكم، وأعظم الأمر أنه ردىء على الخليفة وعائد بخلاف ما يهواه ويقدره، فما زال بعض الخدم يقصدنى ويقول لى كان الأمر كما قلت لنا. ولما وصلت الى واسط دخلت الى بجكم فأكرمنى وقربنى وأمر

стр. 524

أن يؤخذ لى منزل بقربه، وأدخلنى فى جملة ندمائه وذوى أنسه، ووصلنى سرا وعلانية، وكان ربما وجه الى بالعشيات اذا خلا، فأدخلنى أنا وقاضى واسط المعروف بالعسكرى، فربما شاورنا فى الشىء. وأنا أجمل وصفه ووصف حسن أخلاقه وجميل عشرته وعلو همته ومحبته، لأن تبقى آثاره بعده، كما بقيت آثار أجلاء الملوك. فجملة أمره أن كان عقله أكثر شىء فيه، فسأله جماعة من أهل واسط أن يأمرنى بالجلوس لهم فى المسجد الجامع يوم الجمعة، فتقدم إلى بذلك، فقلت له قد جعلت لهم مجلسين فى مسجد على بابى فى كل أسبوع، وأنا ما جلست ببغداد وهى بلدى ومولدى بعد فى المسجد الجامع! فقال لى إنى أحب أهل واسط وقد أحبونى وأنا حريص على عمران بلدهم وتبليغهم جميع ما يحبونه، فاجلس لهم فى الجامع ففعلت. وكان ربما شغلونى عن خدمته والأوقات التى يريدنى فيها لمواكلته ومجالسته، وكنا نخدمه فى كل يوم بلا نوبة، فجعل لنا من أجل مجلس الجمعة يومين فى الأسبوع الثلاثاء والجمعة نجلس فيهما فى بيوتنا فكنت مباركا فى ذلك على الجماعة المجالسين له ولقد قال يوما وكان يفهم العربية كلها اذا خوطب، ويحسن الجواب، ولكنه كان يقول أخاف أن أتكلم بالعربية فأخطئ فى لفظى، والخطأ من الرئيس قبيح، فلذلك أدع الكلام. فقال لى يوما أتدرى ما كتب به الى بعض أصحاب الأخبار- وما رأيتهم قط مع أحد اكثر منهم معه- ففزعت والله وقلت وما هو أيد الله الأمير؟

стр. 525

قال: طلبتك فلما قمت من المسجد قالوا بعدك أعجله الأمير ولم يتم مجلسنا، أفتراه يقرأ عليه شعرا أو نحوا ويسمع من الحديث! وقد ذهب عليهم أمرى أنا إنسان وإن كنت لا أحسن العلوم والآداب أحب أن لا يكون فى الأرض أديب ولا عالم ولا رأس فى صناعة إلا كان فى جنبتى وتحت اصطناعى، وبين يدى لا يفارقنى، كلاما يشبه هذا أو هذا معناه. فما زلنا فى أرغد عيش وأحسن حال حتى قدم واسط بعض الجلساء طالبا خدمته، فكرهت ذلك من جهات. فوصل إليه وأهدى إليه أشياء يتقرب بها، وكانت كراهتى له أن يجتمع الجلساء فيقال له فى ذلك، ووافق قدومه قدوم احمد بن على الكوفى واسط بعده بمال اجتمع له، فقال له ما أحب أن يكون جلساء الخلافة عندك، الصواب أن يكونوا على بابه. فدعانى عشية، وقال لى قد أجريت عليك ألفى درهم فى أيامكم وهى خمسة وأربعون يوما، وكذلك على اسحاق بن المعتمد وابن حمدون وعلى بن هارون- وهو الذى كان قدم عليه- وقد حضر خروجى إلى المذار «١» وقد أمرت لكم بمائة دينار مائة دينار. وهذه رقعة لك بألفى درهم صلة إذا وصلت إلى بيتك إلى بغداد فأوصلها إلى أبى عبد الله وخذها من وقتك، فانه لا يعطيكم الرزق إلا بعد مضى أيامكم، ولا تقم أكثر من شهر، أو حتى تقبض رزقك حتى تعود إلى، وجئنى بخطبة أمير المؤمنين معك، وكان القاضى العسكرى قرأها عليه منتخبة

стр. 526

غير تامة، ثم قال وأنا بعد هذا أحسن إلى جماعتكم حتى لا تفقدوا بقاء الراضى فقلت له فما بال العروضى والبربريين وهم فى جملتنا؟ فقال لى إذا قدمت بغداد فأجرى عليهم، وكان معه كتاب قد أمر بكتبه إلى الكوفى بمبلغ أرزاقنا فقلت له قد كرهت أن يكون الجلساء سبعة فاحمل أرزاق أربعة واترك ثلاثة، فدفع الكتاب إلى القاسم بن أبى القاسم الخوارى وكان يكتب بين يديه، وقال له ادفع الكتاب إلى ابن المنجم، فدفعه إليه فكان معه وخرج يوم الأربعاء وقال لى متى تخرج؟ قلت: يوم السبت فمضى إلى باذبين «١» فبات بها ليلة الخميس ودفع أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسى كتابه فى ليلة الجمعة بأنه مقيم وأن الخبر ورد عليه بهزيمة بنى البريدى من المذار وأخذ أسرى من أصحابه، وقال له اعط الكتاب للصولى حتى يقرأه على الناس يوم الجمعة فى مجلسه فدفعه إلى ففعلت ما أمر، واقمت مستمليا لى على شىء عال حتى قرأه؛ فكثر ضجيج الناس بالدعاء له، وظنوا أنه سيرجع ونووا صدقات كثيرة، ثم ورد الخبر بالترحل عن باذبين يوم الجمعة وخرجت أنا من واسط يوم السبت، وقدمت بغداد يوم الجمعة وبكرت يوم السبت لأوصل الرقعة التى معى إلى احمد بن على الكوفى فوجدته مضطر بالطير سقط فى يوم الجمعة يخبر بأن الأمير قتله بعض

стр. 527

الأكراد غرة، فبطل أمرنا فى الرزق وغيره، وقوى الخبر. وكان أحمد ابن على قد ابتدأ فى مطالبة الناس بالخراج فى النيروز الأول، فخرج أمر بجكم بتأخير الافتتاح إلى النوروز المعتضدى. وكنا بين يدى بجكم حتى ورد الخبر عليه بالقطع على القافلة بطريق خراسان، فامتنع من الطعام غما بذلك واضطرب له، وقال: لو ساغ لى أن أسير أنا فى طلبهم لسرت، وأمر الترجمان بأن يخرج فى طلبهم وقوى أمره فخرج، فما صنع شيئا. ورجع فى النصف من رجب بأديم كان وجد مطروحا وحمير، فقال بجكم لما بلغه: هو رجل جيد لغير الحرب. وانحدر الترجمان من بغداد الى واسط لعشر بقين من رجب فوافاها وقد شخص الى المذار. وورد الخبر بايقاع صاحب خراسان بأخى مرداويج وهزيمته اياه. وقد كان ورد على بجكم قتل ما كان فاحتجب ثلاثة أيام عنا غما بما ظهر فقلنا له فى ذلك فقال: هو مولاى، كنت أقدر أن يرى ما صرت اليه، ثم أجلسه فى مكانى وأكون معه وما رأيت فارسا مثله قط. ولما صح قتل بجكم حمل أحمد بن على الكوفى مالا كان قد اجتمع عنده الى المتقى لله، ووجد المتقى فى دار بجكم أموالا كثيرة مدفونة فى مواضع منها، حول البستان فى خوابى ودنان كثيرة، فاستخرجها وحملها اليه. ووجد القاهر- وكان فيما زعم يعذب فى أيام الراضى- فصرفه الى منزله، وصرف ابا جعفر محمد بن يحيى بن

стр. 528

شيرزاد الى منزله، بعد أن أدى مائتى ألف دينار، ولم يبق له شىء إلا باعه وتمحل واقترض. وظهر سعيد بن عمرو بن سنكلا، وكان كاتب الراضى فصادره أحمد بن على على خمسين ألف دينار وأحسن معاملته وكافأه، لأن ابن سنكلا كان أحسن اليه حين صودر، إلا أنا كنا نسمع بجكم يعجب من هذه المصادرة ويغتاظ إذا ذكرها، ويقول أقوالا لا أحب إعادتها وظهر على بن يعقوب، وكان يكتب لذكى الحاجب فصودر على سبعين ألف دينار وكتب المتقى لله بإحدار تركة بجكم والمصير بها اليه وبالأتراك، وأن تخلى عن الديلم فلا يأتى منهم بأحد، ففعل ذلك. فانحاز الديلم الى عدل الحاجب كان لبجكم وصاروا معه، واحتال تكينك حتى قبض على بعض الخزائن وعلى الترجمان وأقبل نحو بغداد، وورد من قبل الحسن بن عبد الله مال الى بجكم، فحمله الكوفى الى المتقى لله، وأطلق المتقى لله للفرسان الذين بالحضرة رزقة واحدة، وللرجال رزقتين. وهاج الحنبلية عند موت بجكم فقالوا طهرت السنة، وحاولوا هدم مسجد براثا، والايقاع بالضرابين واهل درب عون. فأخرج توقيع من المتقى لله بأخذ قوم من الحنبلية فأخذوا وضربوا ونودى عليهم وأمر ابن جعفر الخياط بحفظ مسجد براثا، وأن يضرب عنق من تعرض لهدمه وكان الترجمان وجد تكينك مقيدا فى دار بجكم بواسط

стр. 529

فخلاه. فاحتال عليه تكينك حتى أخذه فكتب السلطان الى تكينك فى امره فولى امارة بغداد، ونادى ببراءة الذمة ممن تعرض لأحد من الجند الواردين من واسط، فدخل الجند بغداد فى أول شعبان، ودخل تكينك ومعه مال فى صناديق محمول على خمسة وعشرين جملا. فسلمه إلى السلطان ونزل دار على بن هارون اليهودى الجهبذ على قرن الصراة، بلصق دار المادرانى وابراهيم بن أيوب النصرانى، وخلع على جماعة من قواد الأتراك وأخر تكينك إلى يوم بعد ذلك، وطالب الأتراك ببيعة فقيل لهم ليس إلا رزقة، فقالوا لا نرضى إلا ببيعة ورزقة وخاصم توزون أبا الأسوار قائد الديلم فلما رأى الديلم ذلك اجتمعوا وكثر عددهم، وأمروا عليهم أبا شجاع جورغين بن القاراهى وورد الخبر بدخول أبى الحسين على بن محمد البريدى واسط وخلع على أبى الحسين احمد بن محمد بن ميمون للوزارة لعشر خلون من شعبان وجلس أحمد بن على الكوفى بين يديه، وكان يكتب على رقاعه إليه عنده أحمد بن على ووجه السلطان بمن يقبض على تكينك فى داره، وكان الخبر قد وقع إليه فخرج على الظهر وركب إلى واسط إلى ابن البريدى، وأفلت معه مال كثير. ووجه بأبى جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد إلى البريديين برسالة وقد وصلوا إلى واسط، ووصل تكينك إلى البريديين بواسط، فأكرموه

стр. 530

وقودوه، ولحق الجند بهم واستفحل أمرهم. وخلع على ابن النصر يوسف بن عمر لقضاء بغداد يوم الاثنين لست بقين من شعبان واشترط أن لا يقبل أصحاب السيوف، ولا يقبل فى حكم شفاعة، ولا يركب إلا إلى دار الخليفة ودار وزيره فقط. وخرج سلامة الحاجب وقواد الأتراك معه إلى الزعفرانية، لقصد البريديين ومحاربتهم، وذلك يوم الثلاثاء لثمان ليال بقين من شعبان ومعه الترجمان فأحس سلامة منهم بغدر ومكيدة فاستتر، ومضى وجوه الاتراك إلى البريديين بواسط، وبعضهم إلى الحسن بن عبد الله وخلع على أحمد بن اسحاق الخرقى، وولى قضاء مصر والشامات والحرمين، ومر فى الشارع والجيش معه، لاختصاص كان له بالمتقى لله قبل الخلافة ووافى البريديان أبو عبد الله وأبو الحسين، ومعهما أبو جعفر محمد ابن يحيى بن شيرزاد وكاتب الخليفة عنهما بسمعهما وطاعتهما، وأنهما جاءا ليصلح إليه أموره كلها بخدمتهما له، ثم نزلوا الشفيعى يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان، ومعهما جيش عظيم فى الظهر والماء ولقيهما الناس مسلمين وظهر الناس جميعا فلم يستتر إلا محمد بن القاسم الكرخى وسلامة الحاجب وابنه وأحمد بن على الكوفى، وأشار البريديان على المتقى لله أن يستحجب غلامه المعروف بابن خزرى ففعل ذلك وطلب أبو عبد الله البريدى من الخليفة مالا لرجاله فوجه إليه بمائة ألف وخمسين ألف دينار، وسفر بينهما فى ذلك ابن ميمون الوزير،
следующие страницы →