Полный текст (1 011 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
غير تامة، ثم قال وأنا بعد هذا أحسن إلى جماعتكم حتى لا تفقدوا بقاء الراضى فقلت له فما بال العروضى والبربريين وهم فى جملتنا؟
فقال لى إذا قدمت بغداد فأجرى عليهم، وكان معه كتاب قد أمر بكتبه إلى الكوفى بمبلغ أرزاقنا فقلت له قد كرهت أن يكون الجلساء سبعة فاحمل أرزاق أربعة واترك ثلاثة، فدفع الكتاب إلى القاسم بن أبى القاسم الخوارى وكان يكتب بين يديه، وقال له ادفع الكتاب إلى ابن المنجم، فدفعه إليه فكان معه وخرج يوم الأربعاء وقال لى متى تخرج؟ قلت: يوم السبت فمضى إلى باذبين «١» فبات بها ليلة الخميس ودفع أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسى كتابه فى ليلة الجمعة بأنه مقيم وأن الخبر ورد عليه بهزيمة بنى البريدى من المذار وأخذ أسرى من أصحابه، وقال له اعط الكتاب للصولى حتى يقرأه على الناس يوم الجمعة فى مجلسه فدفعه إلى ففعلت ما أمر، واقمت مستمليا لى على شىء عال حتى قرأه؛ فكثر ضجيج الناس بالدعاء له، وظنوا أنه سيرجع ونووا صدقات كثيرة، ثم ورد الخبر بالترحل عن باذبين يوم الجمعة وخرجت أنا من واسط يوم السبت، وقدمت بغداد يوم الجمعة وبكرت يوم السبت لأوصل الرقعة التى معى إلى احمد بن على الكوفى فوجدته مضطر بالطير سقط فى يوم الجمعة يخبر بأن الأمير قتله بعض
стр. 527
الأكراد غرة، فبطل أمرنا فى الرزق وغيره، وقوى الخبر. وكان أحمد ابن على قد ابتدأ فى مطالبة الناس بالخراج فى النيروز الأول، فخرج أمر بجكم بتأخير الافتتاح إلى النوروز المعتضدى.
وكنا بين يدى بجكم حتى ورد الخبر عليه بالقطع على القافلة بطريق خراسان، فامتنع من الطعام غما بذلك واضطرب له، وقال: لو ساغ لى أن أسير أنا فى طلبهم لسرت، وأمر الترجمان بأن يخرج فى طلبهم وقوى أمره فخرج، فما صنع شيئا. ورجع فى النصف من رجب بأديم كان وجد مطروحا وحمير، فقال بجكم لما بلغه: هو رجل جيد لغير الحرب.
وانحدر الترجمان من بغداد الى واسط لعشر بقين من رجب فوافاها وقد شخص الى المذار. وورد الخبر بايقاع صاحب خراسان بأخى مرداويج وهزيمته اياه. وقد كان ورد على بجكم قتل ما كان فاحتجب ثلاثة أيام عنا غما بما ظهر فقلنا له فى ذلك فقال: هو مولاى، كنت أقدر أن يرى ما صرت اليه، ثم أجلسه فى مكانى وأكون معه وما رأيت فارسا مثله قط.
ولما صح قتل بجكم حمل أحمد بن على الكوفى مالا كان قد اجتمع عنده الى المتقى لله، ووجد المتقى فى دار بجكم أموالا كثيرة مدفونة فى مواضع منها، حول البستان فى خوابى ودنان كثيرة، فاستخرجها وحملها اليه. ووجد القاهر- وكان فيما زعم يعذب فى أيام الراضى- فصرفه الى منزله، وصرف ابا جعفر محمد بن يحيى بن
стр. 528
شيرزاد الى منزله، بعد أن أدى مائتى ألف دينار، ولم يبق له شىء إلا باعه وتمحل واقترض.
وظهر سعيد بن عمرو بن سنكلا، وكان كاتب الراضى فصادره أحمد بن على على خمسين ألف دينار وأحسن معاملته وكافأه، لأن ابن سنكلا كان أحسن اليه حين صودر، إلا أنا كنا نسمع بجكم يعجب من هذه المصادرة ويغتاظ إذا ذكرها، ويقول أقوالا لا أحب إعادتها وظهر على بن يعقوب، وكان يكتب لذكى الحاجب فصودر على سبعين ألف دينار وكتب المتقى لله بإحدار تركة بجكم والمصير بها اليه وبالأتراك، وأن تخلى عن الديلم فلا يأتى منهم بأحد، ففعل ذلك. فانحاز الديلم الى عدل الحاجب كان لبجكم وصاروا معه، واحتال تكينك حتى قبض على بعض الخزائن وعلى الترجمان وأقبل نحو بغداد، وورد من قبل الحسن بن عبد الله مال الى بجكم، فحمله الكوفى الى المتقى لله، وأطلق المتقى لله للفرسان الذين بالحضرة رزقة واحدة، وللرجال رزقتين.
وهاج الحنبلية عند موت بجكم فقالوا طهرت السنة، وحاولوا هدم مسجد براثا، والايقاع بالضرابين واهل درب عون. فأخرج توقيع من المتقى لله بأخذ قوم من الحنبلية فأخذوا وضربوا ونودى عليهم وأمر ابن جعفر الخياط بحفظ مسجد براثا، وأن يضرب عنق من تعرض لهدمه وكان الترجمان وجد تكينك مقيدا فى دار بجكم بواسط
стр. 529
فخلاه. فاحتال عليه تكينك حتى أخذه فكتب السلطان الى تكينك فى امره فولى امارة بغداد، ونادى ببراءة الذمة ممن تعرض لأحد من الجند الواردين من واسط، فدخل الجند بغداد فى أول شعبان، ودخل تكينك ومعه مال فى صناديق محمول على خمسة وعشرين جملا. فسلمه إلى السلطان ونزل دار على بن هارون اليهودى الجهبذ على قرن الصراة، بلصق دار المادرانى وابراهيم بن أيوب النصرانى، وخلع على جماعة من قواد الأتراك وأخر تكينك إلى يوم بعد ذلك، وطالب الأتراك ببيعة فقيل لهم ليس إلا رزقة، فقالوا لا نرضى إلا ببيعة ورزقة وخاصم توزون أبا الأسوار قائد الديلم فلما رأى الديلم ذلك اجتمعوا وكثر عددهم، وأمروا عليهم أبا شجاع جورغين بن القاراهى وورد الخبر بدخول أبى الحسين على بن محمد البريدى واسط وخلع على أبى الحسين احمد بن محمد بن ميمون للوزارة لعشر خلون من شعبان وجلس أحمد بن على الكوفى بين يديه، وكان يكتب على رقاعه إليه عنده أحمد بن على ووجه السلطان بمن يقبض على تكينك فى داره، وكان الخبر قد وقع إليه فخرج على الظهر وركب إلى واسط إلى ابن البريدى، وأفلت معه مال كثير.
ووجه بأبى جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد إلى البريديين برسالة وقد وصلوا إلى واسط، ووصل تكينك إلى البريديين بواسط، فأكرموه
стр. 530
وقودوه، ولحق الجند بهم واستفحل أمرهم. وخلع على ابن النصر يوسف بن عمر لقضاء بغداد يوم الاثنين لست بقين من شعبان واشترط أن لا يقبل أصحاب السيوف، ولا يقبل فى حكم شفاعة، ولا يركب إلا إلى دار الخليفة ودار وزيره فقط.
وخرج سلامة الحاجب وقواد الأتراك معه إلى الزعفرانية، لقصد البريديين ومحاربتهم، وذلك يوم الثلاثاء لثمان ليال بقين من شعبان ومعه الترجمان فأحس سلامة منهم بغدر ومكيدة فاستتر، ومضى وجوه الاتراك إلى البريديين بواسط، وبعضهم إلى الحسن بن عبد الله وخلع على أحمد بن اسحاق الخرقى، وولى قضاء مصر والشامات والحرمين، ومر فى الشارع والجيش معه، لاختصاص كان له بالمتقى لله قبل الخلافة ووافى البريديان أبو عبد الله وأبو الحسين، ومعهما أبو جعفر محمد ابن يحيى بن شيرزاد وكاتب الخليفة عنهما بسمعهما وطاعتهما، وأنهما جاءا ليصلح إليه أموره كلها بخدمتهما له، ثم نزلوا الشفيعى يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان، ومعهما جيش عظيم فى الظهر والماء ولقيهما الناس مسلمين وظهر الناس جميعا فلم يستتر إلا محمد بن القاسم الكرخى وسلامة الحاجب وابنه وأحمد بن على الكوفى، وأشار البريديان على المتقى لله أن يستحجب غلامه المعروف بابن خزرى ففعل ذلك وطلب أبو عبد الله البريدى من الخليفة مالا لرجاله فوجه إليه بمائة ألف وخمسين ألف دينار، وسفر بينهما فى ذلك ابن ميمون الوزير،
стр. 531
واحمد بن عبد الله بن اسحاق القاضى، وابو العباس احمد بن عبد الله الاصبهانى، وكان هذا حين نزل أبو عبد الله النجمى ونزل أبو الحسين دار مؤنس المظفر، وما زال يستزيد من الخليفة مالا لرجاله حتى وجه اليه بتتمة أربعمائة ألف دينار. وصرف البريدى عمال الكوفى، وولى عماله. ووكل أبو عبد الله بن البريدى بابن ميمون الوزير فى داره بالنجمى توكيلا جميلا، وأعلمه أن القواد لم يرضوا به وزيرا وأرادوا الفتك به، فمنعهم من ذلك واعتقله اشفاقا عليه.
وولى أبو عبد الله البريدى الوزارة فأمر بمحاسبة ابن ميمون فوجده قد اختان وضيع فصالحه على خمسين ألف دينار بحساب وموافقه ورخصت الأسعار.
ونبل الترجمان عند البريدى وذاك أنه هو الذى فض عسكر الزعفرانية، وأعمل الحيلة على الحاجب سلامة حتى استتر، وكاتب البريدى بذلك فجعله الترجمان بينه وبين الأتراك والديلم وخص به.
وحدر أبو الحسين احمد بن محمد بن ميمون الى واسط لينظر فى الاعمال وهرب قوم من الأتراك الى الموصل فوظفوا على أهل تكريت مالا عظيما، تجاوز مائة ألف دينار، فلقوا منهم عنتا وأغرقوا زواريق الدقيق وزوج الوزير البريدى ابنته من عبد الواحد أبى منصور بن المتقى لله، وركب اليه الى النجمى فنثر عليه دنانير كثيرة، يقال إنها كانت بدرة وقيل خمسة آلاف دينار ومائة ألف درهم، وأنشدت
стр. 532
للوزير فى عشية ذلك اليوم قل لخير الكفاة أحمد أعلى الخلق جودا وأعظم النّاس قدرا والّذى يعشق المكارم والمجد ويشرى بالمال حمدا وشكرا ما رأى النّاس بالوزير البريدى كذا اليوم حسنا وفخرا
أمطرتنا السّماء فيه بيمن ... وسماح منه لجينا وتبرا
فالدّنانير هاويات تحاكى ... أنجما فى السّماء تنقضّ زهرا
وتليها دراهم مشبهات ... أبردا تملأ الأماكن نثرا
نافعات للحرث لا يذهب الحر ... ث فسادا ولا يصاحب قطرا
غير أنّى انصرفت كاسف بال ... آسفا خاليا من الكلّ صفرا
مضمرا حسرة لذاك وغمّا ... واجدا فى العظام منّى فترا
ساكتا إن سئلت عن قدر حظّى ... لم أجد للسّؤال عندى خبرا
جمع الله ذا علىّ وعيذا ... سالكا بى من التّقلّل وعرا
شاهرا للغنىّ سيفا وقتّا ... لا به رأى يعالج فقرا
فاغننى كيما عهدت عليه ... بعطايا أكرم النّاس طرّا
وتحدث الناس بأن الوزير البريدى عازم على أن يدخل فى يوم
стр. 533
الفطر إلى الخليفة المتقى لله، وتحدثوا بأن الديلم قد عزموا إذا دخل الدار يفتكوا به، فأضرب عن هذا الرأى وتشكك فيه. فخاف الديلم- وقد شاع عنهم هذا- أن يقع عليهم حيلة، فكانت لهم حركة وتجمع فى يوم الأحد بالعشى بالجانب الشرقى، فصاحوا خليفة يا منصور، وشتموا البريدى، وما ظهر فى الشرقى من أصحاب البريدى أحد إلا شلح وأخذ ما معه، وأصبحوا فى يوم الاثنين فملأ واشطوط الجانب الشرقى يشتمون البريديين واستشرفنهم العامة فأعانوهم، وما كانوا يطيقون العبور لأن أصحاب البريديين كانوا يرمونهم من الماء إلى أن عبر أهل فرضة جعفر بسميريات فعبروا فيها، وظهر ما كان ساكنا فى الجانب الغربى، وانضم إليهم وأعانهم العامة وكثروا معهم، وقصد الجميع النجمى فجلس الوزير فى طيار، وانحدر جميع أصحابه فى طياراتهم وزبازبهم، ووقعت الحراقة وتشبث بها قوم من الملاحين فظفروا بمال وطلب أسبابهم ووقع بدر الخرشنى بأيدى العامة بناحية الزياتين فضربته العامة واستخفت به، وجرى عليه ما لم يجر على مثله ولا شبيه له قط، وتخلصه من أيديهم بعض أسباب السلطان وقد قارب الموت وكان انحدارهم فى يوم الاثنين سلخ شهر رمضان وأحضر أبو الحسن على بن عيسى للوزارة فأباها، وتقدم إلى أخيه أبى على عبد الرحمن بأن يكتب عن الخليفة إلى الآفاق بجميع ما أراد، ومنع أبو الحسن أخاه من أن يعرض للوزارة. وقد كان الناس فرحوا بذلك واستبشروا ليخلع عليهما، وجعل الناس يركبون إلى دار الخليفة
стр. 534
وقالوا يكون الأمير ابن الخليفة أبو منصور، ثم لم يتم ذلك. وولى الوزارة أبو إسحاق محمد بن أحمد بن ابراهيم الاسكافى المعروف بالقرامطى وأشار على الخليفة أن ينصب أميرا يكفيه أمر الجيش ويكون معاملتهم معه، فخلع على كورتكين الديلمى ويكنى أبا الفوارس للامارة فى يوم الخميس لثلاث خلون من شوال، ولبس الخلع وسار فى الشوارع إلى أن صار إلى الدر التى يسكنها على دجلة وهى دار نصر الحاجب. وخلع على بدر الخرشنى للحجبة لثلاث بقين من شوال، وأخرج كورتكين ابن اخته اصبهانى إلى، واسط وكان فتى حسن الوجه ومعه جيش فورد الخبر بدخوله إلى واسط وانحدار البريديين عنها.
ووردت قافلة من خراسان إلى حلوان، فولى أبو محمد بن جعفر بن ورقاء طريق خراسان فمضى فتلقى القافلة وأوصلها مسلمة إلى بغداد وقبض على الحسن بن أحمد الشجرى العلوى من الدار التى كان يسكنها وهى دار على بن هارون بن علان اليهودى الجهبذ على قرن الصراة وكان هو وأصحابه قد آذوا الجيران غاية الأذى إلى أن انتقل اكثرهم ونهبت الدار، واجتمع جيرانها فأحرقوها، وقالوا نستريح من أن يسكنها أحد يؤذينا، فبقيت النار فيها أياما وكان ابن الشجرى قد اتهم بأنه قد واطأ جماعة على أن يجلسوا فى الخلافة عبد الله بن الراضى بالله بعد أن يوقعوا حيلة على كورتكين وكان سعيد بن عمرو بن سنكلا «١» النصرانى قد حمل إلى القراريطى ما لا قيل إنه خمسة آلاف دينار
стр. 535
فركب إليه واثقا مع على بن يعقوب كاتب ذكى الحاجب، فلما صار إلى داره قبض عليهما، ووجه بابن سنكلا إلى دار السلطان، وقال له قد ضمنت مال بيعة فهاته فقطع أمره على ثلاثة عشر ألف دينار منها على ابن سنكلا عشرة آلاف دينار وورد رسول القرمطى الهجرى يطالب بضريبته التى رسمت له فى كل سنة لحفظ الحاج فوجه إليه منها بعشرين ألف دينار وخرج الحاج لأيام خلت من ذى الحجة، وقرب محمد بن رايق من بغداد وخرجت مضارب كورتكين إلى الشماسية مع المختار القرمطى فأخذها مع الجمال ونفذ إلى ابن رايق، وطالب كورتكين السلطان بالخروج معه فأخرج مضربه وأنفذ إلى ابن رايق مع خادم من خدمه كتابا فيه خطه يأمره فيه بأن يقيم حيث أحب ولا يقدم، وكان عمارة القرمطى قد خالف على ابن رايق وحاربه فقتل وجىء برأسه إلى ابن رايق، واجتمع من جند بغداد حجرية وساجية وغيرهم نحو ألفين خرجوا إلى ابن البريدى وقبض على الوزير أبى اسحاق محمد بن أحمد الاسكافى لخمس ليال بقين من ذى الحجة وخلع على ابي جعفر محمد بن القاسم الكرخى لأربع بقين منه ووردت كتب الحاج يشكرون أبا على عمر بن يحيى العلوى كل الشكر لما أولاهم فى طريقهم من حفظهم وإعانة ضعيفهم والتوقف عليهم.
وكتب كورتكين إلى ابن اخته وهو بواسط بأن يصير إليه لقتال ابن رايق فجاءه وأخلى واسط فصار البريدى إليها، وأمر بأن يخطب بها لابن رايق وكان كورتكين قد ولى لؤلؤا غلام المتهشم واسط فشخص
стр. 536
اليها فلما بلغه موافاة البريدى إليها رجع إلى بغداد فى ذى الحجة، وعيد الناس الاضحى على سكون وسلامة وطالب الديلم التجار بأموال فصار إليهم رجل يعرف بعبدون المتضمن كان لأمر الزواريق المصعدة والمنحدرة من مدينة السلام والبصرة ففتح على الناس أبوابا من البلاء عظاما، فلحقه قوم من غلمان التمارين وغيرهم وهو فى سميرية فقتلوه وأخذوا رأسه، فنصبوه فى التمارين فاضطرب الديلم لذلك وحملوا السلاح وقصدوا التمارين ليحرقوه ويتعدوا ذلك إلى ما يليهم من أسواق الكرخ فمنعهم كورتكين من ذلك، وضبط الديلم ووجه إلى التمارين أن لا يعاودوا مثل هذا الفعل، فعد الناس هذا من أفضل آراء كورنكين وترتب فى قلوب الناس من يعقل منهم، ويفهم مرتبة العقلاء.
ودخل كورتكين إلى المتقى لله ليستبين ما فى نفسه قال إن أمرتنى بحرب هذا الرجل حاربته وإن أمرتنى بطاعته أطعته، وإن أمرتنى بأن انصرف إلى المكان الذى ترسمنى به فقال له بل حاربه، وأنا معك فقد جاء محاربا لأمرى فخرج كورتكين فأقام بنواحى عكبرا بموضع يعرف بالأنابين وجاء جيش ابن رايق فحاربوهم أياما فما أغنوا شيئا، وكان الديلم مستظهرين عليهم وولى لؤلؤ إمارة جانبى بغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى الحجة ولما رأى محمد بن رايق أنه لا حيلة له فى الديلم وأنها قد عزت
стр. 537
عليه وأن القليل منهم يفى بالكثير من أصحابه احتال إلى أن سلك العراض، ودار بالموصل إلى بغداد ووصل إليها من تخلص من أصحابه كالمنهزمين. ووصل ابو بكر بن مقاتل إلى مجلس الشرطة من الجانب الغربى فرأى الجسر مقطوعا فأطلق من وقته دنانير وأقام من أصلحه وكان معه قواد ابن رايق ابن لأبى مسافر محمد بن ديوزان. فلقى ابن مقاتل السلطان واستأذن لابن رايق فأذن له فدخل بغداد بعد يومين والديالم على جملتهم بموقفهم ونادى لؤلؤ صاحب الشرطة فى جانبى مدينة السلام: يا معاشر العامة إن أمير المؤمنين قد أباحكم دماء الديلم وأموالهم فما عرف أحد من شذاذ بغداد وملاحيهم وعياريهم موضع أحد من الديالم إلا نهبوه وقتلوه وأخذوا جميع أملاكه، ثم وافى الديلم ودخل كورتكين من باب الشماسية وذلك فى يوم الخميس لتسع بقين من ذى الحجة فجعل العامة يدعون له وهو يرد عليهم ومنع أصحابه أن يعرضوا لعامى فما زال يسلك الشارع الأعظم من الجانب الشرقى إلى أن وافى دار الخليفة وهو لا يشك أنه معه على ما فارقه عليه فوجد الأبواب مغلقة فجاء من جهة الشط فرمى من التاج بالنشاب فرجع، وخيبه الله حتى صار إلى جزيرة حيال قصر عيسى لا يوصل إليها من الشارع إلا بسلوك دروب ضيقة فأقام بها وجعل سواده وبغاله فى الاصطبل الذى بالمخرم وهذا كله بين يدى وأنا اراه من دارى بقصر عيسى ورمى أصحابه بالنشاب من دجلة، ورأيت ابن رايق قد جاء فى سميرية ومعه غلامان يرميان حتى اعان من كان يرميهم من دجلة. وكثرت
стр. 538
عليهم سميريات العامة يشتمونهم ويلعنونهم وهرب أصحاب ابن رايق حتى وافى بعضهم الأنبار وبعضهم المداين. وجاءنى بعض قواده فى تلك الليلة فرموا اسلحتهم عندى ومضوا مخفين لا يشكون فى أن كورتكين إن صار إلى الشماسية وبات بها ليلة لم يبق من أصحاب ابن رايق أحد.
فما هداهم الله لهذا الرأى وأقاموا بمكانهم حتى أدركهم الليل فولوا يريدون الشارع مبادرين، فصارت هزيمة وضاربهم من فى الدجلة ورموهم ورميت عليهم الستر فى الدروب من فوق السطوح وازدحموا فكان منى الواحد منهم أن يخلص إلى الشارع وظفر قوم من أصحاب ابن رايق ومن العامة بجماعة منهم فى الجزيرة فقتلوهم وأخذوا دوابهم وأسلحتهم وعبر العامة إلى الأسطبل فوجدوا من سوادهم بقية فنهبوها، وفروا هاربين على وجوههم يريدون النهروان، إلا من اغتر منهم واستتر عند جار وعند صديق. وكشف الله عن الناس أمرا عظيما مما أشرفوا عليه وخافوه، وأصبح الناس يطلبونهم ولا يظفرون بأحد إلا قتلوه أوحش قتل، وأمر ابن رايق باتباعهم فوجدوا قد عبروا جسر النهروان وقطعوه. وظفر منهم بنحو ثلاثمائة فحبسوا فى دار الفيل فى ظهر سور الحسنى وأدخل اليهم الرجالة السودان فخبطوهم حتى أتوا عليهم، وكان جماعة منهم فى دار فاتك حاجب ابن رايق فجعل يرمى بهم من الأروقة إلى السطوح، ويقال للعامة خذوهم، فيبادر العامة بقطع آنافهم وآذانهم وأصابعهم وهم قيام احياء، واستفظع الناس هذا الفعل واستعظموه وكرهوه.
стр. 539
وكانوا أودعوا فى ليلة الثلاثاء أقواما أموالا ففازوا بها، وظهر لهم يسار بعد أن كانوا فقراء وجعل العامة لا يلقون أحدا متشبها بالديالم إلا قتلوه، وإن لم يكن منهم، ولا يرون مع أحد منهم دراهم إلا قالوا له أنت كنت مع الديلم، وأنت تدرى أين هم فدلنا عليهم، ويقتلونه فى الطريق بحضرة الناس. وكان ذلك مما لم يعهد فعل مثله أحد، وهذا كله فانما جرى لركاكة مدبرى أمر ابن رايق، وجهل من معه، وأن الخليفة ليس معه من يشير عليه ويعرفه الواجب من غيره، وقد كان يبلغ من هؤلاء الأعداء ما يجب عليها، بقتل أحسن من هذا، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وبنهى العامة بعد أن ظفر بهم أن يتولوا بأيديهم قتل أحد حتى يصيروا بهم إلى سلطانهم. وكان قتل الديالم فى دار الفيل فى يوم الاثنين لخمس بقين من ذى الحجة. واخبر يوسف بن يعقوب البازعجى خليفة لؤلؤ على الشرطة بمكان كورتكين، فركب فاستخرجه من درب سليمان بقرب الجسر من الجانب الغربى، وصار به الى ابن رايق فحمله الى دار السلطان، وقبض على أخته أم أصبهان فطولبا بالاموال فلم يعترفا بشىء فحبسا ونحن نعيد أمره.
وخلع على محمد بن رايق فى يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذى الحجة، وجعل أمير الأمراء، وطوق بطوق عظيم مكلل، بالجوهر وسور بسوارين، وجعل يشكو ثقل الطوق إلى أن نزل فى دار مؤنس المظفر، ولزم الشرب ليله ونهاره أياما متوالية.
وظهر أبو القاسم سلامة الحاجب، وظهر احمد بن على الكوفى
стр. 540
وصار إلى ابن رايق. فأما خبرى أنا فى آخر شهر رمضان وقت انحدار البريديين من النجمى، فان الديالم فى يوم الاثنين صاروا إلى دار ابن ينال الترجمان وهى ملاصقتى بقصر عيسى فنهبوها، وصعدوا سطوحها فوجدوها كالمتصلة بسطوحى، فنزلوا على من فوق سطوحى وأنا غافل ولى مجلس وعندى خلق من أصحاب الحديث وأهل الأدب فوثبنا إليهم وكلمناهم فما نفعنا شيئا، وخرج حرمناها ربات ولم يتركوا لى شيئا من ذخائر وغيرها، إلا أتوا عليها وأخذوا لى نحو مائتى قطعة من الثياب أكثرها من كسى الخلفاء وخلعهم، وأخذوا من الزجاج الفاخر والصينى ما لا يضبطه عددى، ووجدوا قطيعة من دفاترى فنهبوها، وأخذوا كل ذخيرة لعيالى وثوب وجدوه لهم، وجعل من كان عندى يخرج فيلقاه قوم منهم على بابى فيفتشه ويأخذ شيئا إن وجد معه.
ولقد حدثنى بعض جيراننا أنه رآهم يتجاذبون على بعض الثياب حتى تخرق فيأخذ كل واحد قطعة منها، وأنه رآهم فعلوا هذا بمناديل دبيقية، وظفروا بصندوق فيه طيب قد ذخرته فكسروه فى الأرض فما وصلوا إلا إلى اليسير منه، وكذلك غالية كانت فيه وعنبروند وأخذوا لى سرجين أحدهما ثقيل وحمارا من اصطبلى حتى اشتريته بعد ذلك بعشرة دنانير، وأشد ما بقى على ان بعض ضعفى أصحاب الحديث كان يجيئنى بعد ذلك فيقول كانت معى نفيقة فأخذت فى دارك وأحتاج أن أعوضه من ذلك، فكانت قيمة ما ذهب لى نحو ثلاثة آلاف
стр. 541
دينار كلها لى ولعيالى، ما لأحد فيها شىء الا لأبى الحسين بن القشورى فان صاحبا له يعرف بابن الرايض كان معه سرج له فتركه فى دارى وكان يسكن عندى ليرجع فيأخذه، فنهب فو الله ما اكتسيت ولا عيالى إلى وقتنا هذا. وإنى لفقير مذ ذاك لا رزق لى ولا اتصال بمن يصلنى وينفعنى، أتقوت أثمان دفاترى وثمن بستان لى كان عيشى وجنتى، كل ذلك بشؤم مجاورة الترجمان لى. فسبحان من أفقرنى وأغنى غيرى من جيرانه حتى اعتقد به العقد وبعت عقدتى، وملك أمواله وذهب مالى! وأعجب من هذا كله أنى ظنننه انه سيترثى لى مما جرى على إذا عرف أمرى، فلما عاد إلى داره ناصبنى العداوة، وأراد منى أن يملك ما يجاوره من دورى، ويتسع به وبعشر ثمنه، وأن يشترى بستانى بدوران وقد أعطيت به نحو عشرة آلاف درهم، فراسلنى فى ذلك مرات فقلت لأبى الحسين القشورى- ولم يكن معه من يشبهه دراية وفهما- صاحبك هذا مجنون حين يعطينى هذه العطية. فقال لى: كذا قومه بعض جيرانك له. وزعم أنه أكثر ما أعطى به. قلت فلم لا تصدقه أنت؟ قال: الذى قال له ذاك أخص به منى، وآثر عنده. ولقد استدعى فى أول ما جاورنى مخالطتى وأن أنغمس فى أموره فأبيت ذلك خوفا من العواقب. ولقد كلفنى غير مرة أن أشترى له أشياء وأكتبها باسمى أو اسم من أثق به لئلا يعلم أنه هو المشترى، فأبيت ذلك عليه منذ أيام بجكم، لما فى مثل هذا من عاقبة السوء، ووجد غيرى ممن يريد هذا ويتمناه ويتصنع له.
стр. 542
ولولا خوفى من إطالة الكتاب بما لا يحتاج الناس إليه، ولا يبالون بعلمه لذكرت ما أتفرج به فانى كالمصدور، يستريح إلى النفث وكالاناء ينضح بما فيه. والحمد لله على كل حال وهو حسبى وعليه متكلى، وأقول ما قاله عبد الله بن طالب الكاتب وأنشدنيه لنفسه:
أحلت برزقى على رازقى ... ووكّلت أمرى إلى خالقى
وقد أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقى
وقد أتيت على جميع ما كان من الحوادث فى سنة تسع وعشرين إلى انقضائها. فلم يبق إلا ذكر من توفى فيها من أهل العلم الذين كان الناس ينتفعون بحياتهم، فأما الجهال فلا نبالى بأغنيائهم ولا فقرائهم ومن أهل الشرف والفضل توفى ابن الفدان العلوى يوم الأحد لسبع خلون من شعبان وحمل فدفن بالحير. وقبل موته بأيام مات البربهارى، فسبحان من سر المؤمنين بموته وفجعهم بموت ابن الفدان وهو فى وقته من أكرم الأشراف وأسمحهم كفا.
وتوفى القاضى أبو الأسود بن موسى بن إسحاق الانصارى، وكان قد حدث ومات أبو على بن إدريس الحمال فى آخر يوم من رجب، وكان من قدماء العدول وقد سمع حديثا كثيرا، كنت أراه عند الحارث ابن أبى أسامة وكان يقدمه ويؤثره ومات رجل يعرف بجعفر البارد وكان قد حدث، وسمع الناس
стр. 543
منه، ومات منهم رجل يعرف بالسواق فى شوال.
ومات منهم رجل يعرف بأبى عبد الله الأبلى، ومات المروزى المعروف بحامض رأسه، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وقد سمع الناس منه حديثا كثيرا ومات لأربع بقين من ذى الحجة أبو بكر المعروف بابن بهلول الأزرق، وقد كان حدث وازدحم الناس عليه، وكان عالى السن وله إسناد
ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة
ألزم محمد بن القاسم الكرخى بيته، واستكتب ابن رايق أحمد بن على الكوفى ووافى من البصرة سفن كثيرة من سفن التمر، فرخص حتى بلغ الألف سبعة دنانير وظهر عند إبراهيم بن أحمد بن اسماعيل صاحب خراسان ديلم فأخذوا وأفلت منهم قوم فقتلهم العامة، وظهر على كورتكين لثمان ليال خلون من المحرم فى دور سليمان، فأوصل إلى ابن رايق فوبخه وسلمه إلى دار السلطان، وكاتبت أخته ابن رايق وسألته أن يؤمنها فآمنها، فصارت إلى أخيها كورتكين وطولبا بأموال، وضرب كورتكين، وأخذ منه مال قليل وقال كل شىء كنت أفيده كنت أعطيه الديالم. وقد صدق فى هذا ما كان يدخر شيئا. وانحدر ابن رايق إلى واسط لاحدى عشرة ليلة
стр. 544
خلت من المحرم بعد أن فرق على جلسائه جملة دنانير فكان ممن نادمه فى ذلك الوقت على بن هارون المنجم فأمر له بألف دينار، وصرت أنا إليه لأودعه وهو فى الزبيدية فقال لى ألست معى فى هذا السفر؟ قلت إن أمر الامير، فجذب الدواة ووقع لى بخمسائة دينار بخطه فقلت لأبى عبد الله الكوفى إلى من هذه؟ فقال إلى أبى بكر بن مقاتل. وانحدر من ليلته وبكرت بالرقعة إلى ابن مقاتل فقال هذه مبهمة يعطى خمسمائة دينار مبهمة، ولو كانت إلى لخاطبنى. فأخذتها وانحدرت من وقتى إلى المداين فعرضتها عليه فوقع: يا أبا بكر أطال الله بقاءك ادفع اليه خمسمائة دينار، فدفع إلى مائة وخمسين دينارا، وقال أنا أدفع اليك الباقى بواسط فأضفت إلى ما أعطانى مثله، وتحملت وخرجت إلى واسط فما دفع إلى ابن مقاتل شيئا، وكلما وقع إليه بتوقيع قال أفعل ونحن فى إضاقة إلى أن صالح البريديين وشخص عن واسط، ولزمتنى مؤن أحوجتنى إلى أن بعت شيئا كان لى بالبصرة وأنفقته انتظارا لوعده، فما وفى بشىء، ولا أطلق لى درهما واحدا، فجئت اليه فى اليوم الذى صاعد فيه وقد تقدمه ابن مقاتل إلى بغداد، فقلت أنهضنى أعز الله الأمير إلى بغداد كما أخرجنى أمرك عنها. قال الحقنى بنهر سابس، فعلمت أنه لا يفعل شيئا فجلست مضطرا. ووافى أبو الحسين فصرت إليه فأكرمنى وقربنى، وكذلك ابو يوسف وتكفل بأمرى كله.
ووصلنى سرا وعلانية أبو القاسم عبد الله بن أبى عبد الله الوزير، وأما الوزير أبو عبد الله فانى لم أجده كما عهدت، على أنى نكبت بعده، إلا أنى
стр. 545
أرجع منه إلى عشرة ثم إن أبا الحسين لم يدعه حتى وصلنى وأضاف إلى ذلك صلة منه، ووصلنى أبو يوسف وأمرنى بملازمته ووصفنى وقال قد سألنى أهل البصرة أن أقدمك عليهم، وزعموا أن علومهم مجتمعة عندك، فتضمنت له ذلك وتغير الوزير لى وجعل يثلبنى قوم عنده يختصون به، لست منهم فى شىء، وخاصة لما شخص أبو الحسين يريد بغداد فانه كان يكلمه فى أمرى ويقوم بنصرتى إلى أن حجبنى أياما، ثم أذن لى وأراد أن يمنعنى من الجلوس فى الجامع للناس، وتقدم بذلك إلى المعتمدى فقيل له إن الخلق كثير، وليس المنع من حديث رسول الله صلى الله عليه يحسن عند الناس. فأضرب عن ذلك وكنت أتأخر فيعتب على وأحضر فيعنتنى فان سأل عن شىء فأصبت فيه خالفنى، وأعانته العصبة التى حوله فقال لى يوما- ولولا أن ما أحكيه داخل فى باب العلم والافادة ما حكيته-: كم بالبصرة من قبيلة ليست بالكوفة، وكم بالكوفة من قبيلة ليست بالبصرة؟
فقلت بالبصرة المهالبة، والمسامعة، والجاروديون، وباهلة وبالكوفة بنو أسد عدة مواضع وليس بالبصرة إلا مكان زعموا أنه سمى بغيرهم، وبها الاشاعثة. وبها المقيثون. فقال ذهب عليك الأعظم وبنو حمان بالكوفة وليس هم بالبصرة! فقلت بلى هم بالبصرة فقال كذبت، فقلت والله الذى لا إله إلا هو ما كذبت منذ عرفت قبيح الكذب، فقال يا يانس هات مائتى دينار فجاء بها فى صرة، فقال إن
стр. 546
كان بالبصرة بنو حمان فهى لك وإلا غرمتك نصفها ووهبته، فقلت الوزير أعزه الله يتفضل على ويهب لى أضعاف هذه وما كنت لآخذ على هذه الجهة شيئا ولو كانت ألفى دينار ولكنى أحدث الوزير أعزه الله بشىء يتفضل باستماعه ثم يأمر بما شاء، قال هات. قلت رميت وأنا صبى فى سنة خمس وسبعين بالبصرة مع إنسان يعرف بابن طاهر الهاشمى وهو يعيش، فكان رمينا: خرجه عندى فأجذبه إلى العتيك وخرجه عنده فيجذبنى إلى هدف بنى حمان، ويحضرنا ألوف من الناس ولقد أنشدنى ابن ذكرويه لنفسه
حزب العلاء نضلتهم فترحّلوا ... طاب الرّحيل إلى بنى حمّان
هذا أبو ساسان قد أشجاكم ... ماذا لقيتم من أبى ساسان
وهؤلاء بنو المثنى وبنو عبد السلام، فأن شاء الوزير أن يستعلم هذا منهم فليفعل فما رد جوابا وأمر بدفع الدنانير وقال لى يوما من الذى أكل تمرا وهو رمد من إحدى عينيه فنهاه النبى صلى الله عليه، فقال إنما آكل من شق عينى الصحيحة؟ فقلت هذا صهيب، فقال أخطأت والله هذا عامر بن فهيرة. فقال له بعض من كان عنده وهو اليوم ببغداد: هذا مشهور عن عامر، فقلت أعز الله الوزير لا تلتفت إلى قول من لا يدرى حدّثنى عون بن محمد الكندى قال حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن عبد الحميد بن صفى عن أبيه عن جده عن
стр. 547
صهيب قال قدمت على النبى صلى الله عليه وبين يديه خبز وتمر وقد رمدت إحدى عينى، فقال ادن فكل فجعلت آكل التمر فقال يا صهيب أتأكل التمر وبك رمد؟ فقلت إنى أمضغ من الناحية الأخرى! فتبسم صلى الله عليه.
وحدّثنى عون قال حدثنا يعقوب بن محمد قال حدثنا عاصم بن سويد عن ابن اسماعيل بن مجمع عن عبد الحميد بن زياد بن صهيب عن صهيب قال جئت والنبى صلى الله عليه فى بيت كلثوم بن هرم بعد ما قدم من قباء بثلاث وبين أيديهم تمر أو رطب قد كاد يتمر وإحدى عينى شاكية فأكلت منه فقال لى رسول الله صلى الله عليه أتأكل التمر وبعينك ما بها؟ فقلت إنما آكل من شق عينى الصحيحة؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه حتى بدت نواجذه. فقال أرنى هذا فى كتاب، فقلت ما معى أصل ثم قلت لمن يجيئنى من أصحاب الحديث انظروا من عنده مسند فليجئنى بمسند صهيب، فجاءوا به فحملته اليه. فقال له صاحب الكلام فلعله قد قال هذا لعامر أيضا! فقلت هذا مسند عامر وهو كله ثلاثة أحاديث- وكنت قد استظهرت بأخذه- فنظر فلم يجد فيه شيئا فذهب المعترض يتكلم فقال له حسبك، الكلام فى هذا بعد ما وقفنا عليه قلة حياء وقحة، إلى غير هذا من أشباهه ولما أراد أبو يوسف الرجوع من واسط إلى البصرة جذبنى إليها ووعدنى وتضمن لى ما يرغب فى بعضه، فأعلمته أنه لا أصل معى من أصول الحديث ولا غيره وأنى ألم ببغداد وأحمل ذلك معى وأقصد البصرة. فقال لى فلا
стр. 548
تقيمن بعدى بواسط ساعة واحدة. فعرفت أن تحت هذا الكلام ما هو أعرف به وأعلم، وأنه قد نصح لى فشيعته ثم صاعدت من وقتى إلى بغداد فوجدت أبا الحسين بها والخليفة خارج عنها فاستأذنت عليه فلم يأذن لى، واذا كتاب الوزير قد ورد عليه: لا يدخلن الصولى اليك. فكنت مجفوا محجوبا، فلما شخص الى بغداد احتجب إذ أستتر يوما أو يومين لمعرفة الناس بكونى عندهم وثنائى عليهم، فكنت عند السيد الشريف أبى عبد الله الموسانى ثم خرجت لتلقى سيف الدولة لأنه كان فى حداثته يلزمنى وقد قرأ على علما كثيرا. فجمع بعض جيرانى بقصر عيسى جماعة من العيارين ووهب لهم دراهم وكان له سكان فى مثل حمام ودكان وبثهم فى نواحى بغداد يصيحون ألا إن الصولى قد خرج مع البريدى وكان هو مع ابن قرابة آفة الناس معه ووجه بهم إلى بستانى الذى بحضرة بستان حميد فكسروا دواليبه وجمروا نخله وهدموا أبنية أنفقت عليها ألفى دينار ولم يدعوا سقفا ولا خزانة الا نهبوه، وفعلوا مثل ذلك ببستان بدوران، وهو الذى كان لغج بن جاخ، وقد أنفق على أبنيته ألوف دنانير وما ترك فيه شىء، ورجعت من عكبرا فرأيت ذلك، وعلم به سيف الدولة، فقال ضع يدك على من شئت، فكرهت أن أصدقه عن الحال فى فعل جارى، وجاءنى أهل الناحية فعينوا لى جماعة فذكرتهم له، فأمر بقطع أيديهم فنظرت فإذا ما مضى لا يعود وما أفعله بهم يحقد على أمثالهم، فى زمان يتصنع كل قوم بألوان ويحدث فى الشهر منه دول، فأطلقت عنهم. فيا عجبا لقوم
стр. 549
حجبت عنهم وكان رئيسهم لى على هذه الحال، أتهم فيهم بهذه التهمة، ويفعل بى مثل هذا الفعل، ثم يضرنى ذلك عند بعضهم إلى الآن!.
قد قضيت وطرا من ذكرى حالى وإعلامى من يعلم حقيقتها، وما جرت عليه، تفرجا بذلك واستراحة إلى شكواه إلى الناس. وأنا أعود إلى شرح الحوادث وما جرى إن شاء الله ولما انقضى أمر الديالم وخلع على ابن رايق للامارة ظهر أحمد بن على الكوفى من استتاره فاستكتبه ابن رايق لنفسه والخليفة، وأراد أن يخلع عليه للوزارة فامتنع من قبول اسم الوزارة، وعمل ما كان يعمله الوزراء، ودبر أمر الناس كله أبو بكر محمد بن على بن مقاتل، وصرف أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخى إلى منزله فكانت وزارته للمتقى اثنين وثلاثين يوما وشخص ابن رايق الى واسط فدخلها، وانحدر البريديون إلى البصرة، وكانت لابن رايق بواسط أمور عظام من تشاغله بالنبيذ ليله ونهاره، حتى أن رؤساء أصحابه لا يرونه إلا لحظة فى كل مدة وحضرت له دعوة عظيمة فى يوم صادفه فيه بعض الأتراك الى غير هذا مما يترك ذكره، ثم راسل البريديين وواقفهم على حمل، ورحل عن واسط الى بغداد وتجدد لهم رأى فى رد الوزارة الى أبى عبد الله البريدى فعقد ذلك له فى يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الآخر، فى هذه السنة، وهى سنة ثلاثين وثلاثمائة. واستخلف له بالحضرة على خدمة السلطان وتدبير الطساسيج أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، وحملت
стр. 550
الخلع الى واسط، فلبسها الوزير، وركب فيها بين يدى داره وكنت أنا بواسط فقال لى: أعملت شيئا فى أمرنا هذا؟ فأنشدته شعرا والله ما مدح أحد منهم قط بمثله فيه وهو
هنيئا للوزير قضاء دين ... به أضحى الزّمان قرير عين
وعود وزارة سيقت اليه ... كعودة قرب حبّ بعد بين
أبى عبد الاله أجلّ كاف ... تسمّح بالنّضار وباللّجين
ويهنى ذاك يعقوبا أخاه ... وصنوهما الكريم أبا الحسين
هما قمرا الزّمان وغرّتاه ... مريحا الملك من عار وشين
أحلّا منه نصحا وافتقادا ... مصالحه محلّ النّاظرين
وما كان الفساد وقد تعلّى ... ليخفضه سوى إصلاح ذين
ويهنى ذاك عبد الله فيه ... فتاه فهو إحدى الحسنيين
هلال لم تبدّده اللّيالى ... فينقصه مرور الفرقدين
ترادفه السّيادة غير وان ... ويشبهه تشابه قرّتين
كما أودعت سطرا من كتاب ... ولم تنقطه غينا بعد عين
وزير مقبل الأيّام عال ... على أعدائه طلق اليدين
يهين المال بالافضال جودا ... ومرقى الجود صعب غير هين
стр. 551
سيقضيه الزّمان بطول عمر ... وتمليك الرّياسة كلّ دين
غدت خلع عليه تائهات ... بعالى النّفس عالى الذّروتين
جلت بسوادها ظلم اللّيالى ... كما تجلو سواد المقلتين
بمنطقه يلوح الحلى فيها ... كما لاحت نجوم الشّعريين
تباط معالق منها رقاق ... بمصقول رقيق الشّفرتين
كرأى منه يفعل فى اللّيالى ... وفى الأيّام فعل النّيّرين
فأعلى الله سادتنا جميعا ... وأبقاهم بقاء الفرقدين
وقلّم عنهم ظفر المنايا ... بقرب مناهم وببعد حين
وملك للورى وصفاء دهر ... يرين على عداهم أىّ رين
فكم عذلوا على إفراط برّ ... فما أصغوا لعذل العاذلين
أقول بما علمت مقال صدق ... بعيد الشّأو من كذب وشين
لقد صانوا الوزارة بعد هتك ... وزانوها وكانت غير زين
برأى مستنير للموالى ... وصعب للمعادى غير لين
وأقلام تحكّم فى الأعادى ... كحكم السّيف والرّمح الرّدينى
ويغنى الرّمح فيها عن ثقاف ... ويغنى السّيف عن إصلاح قين
стр. 552
وتخفق بالّذى نهواه كتب ... تكون بها صلاح الخافقين
ترى الأقدار مصعدة اليه ... تسحّب بين تسجية وطين
ثوابكم على إصلاح ملك ... ثواب شهود أحد أو حنين
فرعتم فى بنى الأحرار طورا ... يطول الرّعن فيه ذا رعين
وزادكم محمّدكم علوّا ... ويعقوب شريف الجانبين
ورثتم عنهما كرما وفضلا ... كذاك يجىء نجل الفاضلين
لقد أصلحتم ما بين دهرى ... على رغم العدى كرما وبينى
سأقضى فى مديحكم حقوقا ... كما يقضى حقوق الوالدين
فوصلنى الجماعة على هذا وشكرونى سوى الوزير، فانه كان عنده بمنزلة أردإ الشعر وأوضع المدح ثم رأى السلطان وابن رايق أن يحلوا ما عقدوه من أمر البريدى وينقضوا ما أبرموه، فخلع على أبى إسحاق محمد بن أحمد الاسكافى للوزارة، يوم الاثنين لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى، وصرف به أبو جعفر بن شيرزاد إلى منزله وصح عند السلطان عزم البريدى على قصد الحضرة فى جميع رجاله، وذلك لمهانة ابن رايق ومطالبة ألف من الأتراك البجكمية له بأرزاقهم فلم يحسن أن يتلافاهم وترفق بهم، حتى شذوا عنه ومضوا إلى البريدى
стр. 553
إلى واسط، وكان الترجمان يزعم أنه هو الذى أصلحهم له وأفسدهم على السلطان، فقووا نفسه وزينوا له ورود الحضرة، فركب المتقى لله الظهر فى يوم الثلاثاء، ثانى اليوم الذى خلع على القراريطى فيه للوزارة وأمر بالنداء فى العامة بلعن البريديين، وتحريضهم على قتالهم. وبين يديه مصاحف منشورة فسار من داره إلى الجسر وركب الماء وعاد إلى قصره وأمر باصلاح العرادات والمنجنيقات حوالى داره، وحفر خندق والحاجب فى الوقت سلامة واستدعى ابن رايق العيارين، فكان ذلك خطأ من رأيه عظيما وخرج أبو الحسن على بن محمد البريدى من واسط يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الآخرة ولما قرب من بغداد بلغ الخبز فى عسكره رطلا بدرهم ثم لم يوجد وفتح العيارون السجون، وكان هذا من فعل ابن رايق توطئة لما يريد البريدى، لكثرة العيث من العامة وغلبتهم على التجار واهل البيوتات. وعبر أصحاب البريدى نهر ديالى، فحاربهم القرامطة وبدر الخرشنى ساعة ثم انهزموا وفى الوقت الذى ركب الخليفة الماء من الجسر ورجع إلى قصره انقطع الجسر وانخلع الكرسى وهو مملوء بالنظارة، فغرق خلق كثير من رجال ونساء وصبيان وفى يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة انهزم جيش ابن رايق والعامة، وغرق من العامة بين يدى النجمى خلق كثير لا يضبطهم
стр. 554
العدد، وخرج الخليفة وابن رايق إلى باب الشماسية وتبعهم الناس فباتوا بالبردان. وغرق أبو محمد بن سلامة الحاجب وكان فتى نفيسا قد تأدب وسمع حديثا كثيرا وملك البريدى الدار، ووجه بابن أبى داود الأوانى إلى الخليفة يحلف له أنه لا يريد إلا خدمته والانتهاء إلى ما يريده ويأمره به، فلم يلتفت إلى ذلك ورحل إلى سر من رأى، ولحقه الحسين بن سعيد بن حمدان فى عسكره.
ونزل أبو الحسين البريدى دار مؤنس الخادم، ووجه إلى خدم الدار فأحضرهم. وأمرهم بحفظ الحرم، ووعدهم أنه يجرى عليهم جراية واسعة، وضبط أبو عبد الله الأعمال كلها ولقى الناس من الديالم وتنزلهم عليهم بلاء عظيما، وقال بعض من عاين الأمر فى ذلك الوقت: أى شىء كان أحسن من أن يوجه بألف فارس، ويضمن لهم مال حتى يردوا الخليفة وابن رايق فيجلس الخليفة فى داره ويوسع عليه، وعلى حرمه وحشمه فى النفقات، ويخلع على ابن رايق ويخرج إلى الشام على أجمل الحال، فيكون الظفر القبيح أحسن ظفر، وتحسن الأحدوثة.
وركب السكرى حاجب أبى الحسين البريدى ونادى ألا ينزل أحد من الجند على الحد فكف البلاء قليلا.
وخطب الخاطب يوم الجمعة فدعا للمتقى لله، ونودى إن وجد مع عامى سلاح قتل
стр. 555
ووافت من ابن طغج هدية سرية للخليفة إلى الانبار فلما علم بما جرى ردها إلى هيت، ورخصت الأسعار بمدينة السلام وسر الناس بذلك، وحصل السلطان بالموصل فى رجب، وقد كان العباس بن شقيق صاحب أمير خراسان وافى فأقام بالنهروان حتى يؤذن له فى الدخول فأذن له ووصل وجاء معه برأس ما كان الديلمى، وشهر فى دجلة فى غرة شهر ربيع الأول، وكان ركوب الخليفة إلى بثق النهروان يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول فصلى عليه، فما انصرف جنده «١» حتى تهور السكر وعاد البثق إلى حاله ولما ملك جيش البريدى الدار نهبوا جميع ما وجدوا فيها، وداروا فى صحونها، وفعلوا ما لم يفعله أحد قبلهم، فقد كان الخلفاء يقتلون بسر من رأى ودورهم محفوظة مصونة، ولما دخل الحاج بغداد فى أول صفر سالمين دخل معهم أبو العباس احمد بن سعيد بن عقبة الكوفى وكان أحفظ الناس للحديث وأكثرهم كتابا له، فوعد الناس لجلوسه فجلس يوم السبت لست خلون، فى مسجد الشرقية فأملى وقرىء عليه وجلس بعد ذلك فى الجامعين الشرقى والغربى، وحدث وجلس فى براثا مجلسين، وأملى فضائل كثيرة وعز الدقيق بمدينة السلام فلم يوجد فبعث المتقى لله بأبى الفرج المالكى القاضى إلى الحسن بن عبد الله يأمره بإدرار حمل الدقيق، وقد كان الملوك بلغ ستة دراهم، فجاء الدقيق فى شهر ربيع الآخر فصلح
стр. 556
السعر. وأخذ رجل يعرف بالكرخى يقطع فى طريق واسط حتى انقطع الطريق من أجله فقتل. وصرف القضاء من الجانبين ببغداد وتقلد القضاء بهما أبو الحسن أحمد بن اسحاق الخرقى لأيام بقين من شهر ربيع الآخر. وخلع عليه فى يوم الخميس، فنزل فى جامع الرصافة وقرأ عهده وقيل للحسن بن عبد الله إن ابن رايق قد عزم على قتلك، فبادره ففتك به وقد عبر إليه. ووافى بغداد الخبر بقتله لأربع بقين من رجب وأن السلطان زاد الفارس عشرة دنانير، وزاد الراجل دينارا، وقبضوا أرزاقهم على ذلك وتسحب الديالم على أبى الحسين البريدى، فلما رأى ذلك أمرهم باللحاق بواسط، وأن الوزير يريدهم فخرج أكثر رؤسائهم. وأخبر أبو الحسين البريدى أن جماعة من الأتراك قد عزموا على الفتك به. وأن الأمير أبا الوفاء توزون التركى رأس ذلك وصاحب التدبير فيه، وعلم توزون بأن الخبر قد فشا فبادر فكبس دار مؤنس ليلا. ونقب فيها نقوبا كثيرة فلم يصل إلى ما أراد وحاربه الديلم وأصبح فكثر الجيش عليه، ولم يخرج إليه من كان وعده ان يكون معه فصار إلى البردان ثم صار إلى عكبرا وقبض على العمال وأخذهم بجباية المال، فقصده جماعة من القواد فناوشهم فلما رأى كثرتهم صار إلى سر من رأى، وتأخرت أرزاق الديلم أياما فصاروا إلى الشماسية وصاحوا: خليفة يا منصور، فوجه إليهم فأرضاهم وعادوا
стр. 557
وولى ناصر الديلمى شرطة الجانب الشرقى مكان توزون فالتزم وأنصف.
وتواترت الاخبار بأقبال السلطان إلى بغداد، وأن الأمير أبا الوفاء حركهم وقال كلوا الأمر إلى وكونوا من ورائى فأخرج البريدى المضارب إلى الشماسية ليقاتلهم، وعيد السلطان بحبة من طريق ووافى، الموصل تكريت وأخرج البريدى الأتراك والديلم إلى المضارب بباب الشماسية وأنفذ أبا طاهر القاضى، برسالة إلى السلطان، بأن يجىء إلى داره، وينصرف هو والجيش عنه فعاد بجواب لم يحبه البريدى وهرب قائدان من قواد الديالمة فى أربعمائة نفس إلى السلطان.
ووجه البريدى بالترجمان من واسط فى عدة ورجال، مددا لأخيه أبى الحسين، فدخل بغداد يوم الثلاثاء لاحدى عشرة ليلة خلت من شوال واتهم ابن شقيق صاحب أمير خراسان بأنه يضرب الجيش فأنفذه إلى واسط بعد أن أراد حبسه وتقييده، فمنعه الاتراك من ذلك عصبية له وخاف أبو الحسين البريدى أصحابه ولم يثق بهم فأرى الناس أنه مصاعد لقتال السلطان، ثم انحدر هو وأصحابه ليلا ورمى بعضهم العامة ووافى الحسن بن عبد الله بغداد ومعه مال أعده لعمارة بغداد وضياع السواد، وذهب لتوزون مال عظيم فعوضه الحسن من ذلك رزق عشرة آلاف دينار كل شهرين برسم المماليك، وضج الناس بالدعاء وضربت مائة قبة ودخل الخليفة بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، وكان خروجه عنها يوم السبت، لسبع ليال بقين من جمادى
стр. 558
الآخرة فكانت غيبته ثلاثة أشهر وعشرين يوما وحمل البريدى عماله. معه حين انحدر وصادر بعضهم وقلد الأمير توزون جانبى بغداد، وخلع على أبى إسحاق القراريطى للوزارة فى فى يوم الإثنين، لست بقين من شوال وقال الحسن بن عبد الله: مادة البريديين ضرائب التمر فتقدم بالنداء ألا يحمل أحد من التجار مالا إلى اسفل فغلا الثمن وبلغ ما لم يبلغ مثله قط ونزل الحسن وأخوه عند الشفيعى لينحدروا وغلت الأسعار فتشاءم «١» الناس بتلك الأيام، وقالوا: كان الرخص مع البريدى وخلع على الحسن ابن عبد الله وطوق وسور بسوارين وسمى ناصر الدولة وخلع على أخيه أبي الحسن وعمل به مثل ذلك، ولقب سيف الدولة وقرئت الكتب وأنشئت بذلك وصرف الحسن بدرا الخرشنى وولى أبا بكر احمد بن خاقان الحجبة وقد ذكرنا ذلك، وخرج أبو الحسين البريدى يريد بغداد، وخرج توزون فى مقدمة السلطان ووقعت الحرب لليلة خلت من ذى الحجة بموضع يعرف بالجال أسفل المدائن، فانكشف جيش البريدى وكان سبب ذلك انهزام الترجمان وأسر جماعة أحدهم يانس وقد ذكرنا هذا وشهر ناصر الدولة أسر البريديين فى الجانب الغربى يوم
стр. 559
الجمعة، وصلى بجامع المدينة. وجرت بينه وبين الصيارف بمدينة السلام خطوب كثيرة فى عيار الدنانير، حتى عمل عيار كالسندى أو مقاربا له، وزاد فى سكة الدينار- عند ذكره محمد رسول الله- صلى الله عليه، كأنه زاد صلى الله عليه، والوفاء زيادة حسنة جميلة وفضيلة له فى الدنيا والآخرة وولى ناصر الدولة عيسى جال وكان فى المستأمنة ميفارقين.
ووافى سيف الدولة واسط، فأراد قوم من الديالمة أن يفتكوا به فظفر بهم فوجههم إلى بغداد فى زورقين، فقتل بعضهم ممن أقر وحبس من لم يقر وسقطت خضراء مدينة المنصور فى جمادى الآخرة فاغتم لذلك ولد العباس، وحدّثنى جماعة من التمارين أن ناصر الدولة خاطبهم فقال ما أعوض للضريبة على شىء سوى التمر، وبارك الله لكم فى كل شىء غيره يعنى ضريبة ما حصل ببغداد قالوا فقال له رجل إلى جانبه ونحن نسمع: والدبس فقال والدبس، فقال له والبسر فقال والبسر وقال الذى أو مأوا إليه أشرت بثلاثة ألوان فما قبلت منى: أشرت بأن يبادر الخليفة عند موت بجكم إلى واسط، وينفذ الجيوش إلى البصرة فلم يقبل، وأشرت بالقبض على تكنيك وأخذ ماله وهو جم تام فلم يفعل. وأشرت بأن لا يوجه بابن شيرزاد إلى البريديين فان ذهابه ينفعهم ويضرنا فلم يفعل، فجعلت على نفسى ألا أشير بشىء بعد هذا
стр. 560
ولما استوزر محمد بن أحمد الاسكافى فى المرة الأولى استخلف الحسن ابن أحمد الماوردى على النظر فى أمر العمال وعلى سائر الأعمال، وفلد أحمد ابن نصر البازيان أبا على الرقام إلى ما كان قلده إياه أحمد بن على الكوفى من ديوان المغرب، وأقر الباقين على حالهم، إلا أبا عبيد الله بن عبد الوهاب فإنه فلده الدواوين التى كانت إلى جماعة من خواصه لاستئثاره عنده، ثم قلدها الأوارجى كاتب محمد بن على بن مقاتل هذا جميع ما كان من الحوادث فى سنة ثلاثين وثلاثمائة ونذكر الآن من مات فيها. مات ابو عبد الله الحسين بن اسماعيل المحاملى القاضى يوم الخميس لثمان ليال بقين من شهر ربيع الآخر ونودى على حضور جنازته فى جانبى بغداد، وما كان بقى على الأرض محدث أسند منه، مع صدقه وثقته وستره ﵀. ومات فى صفر جعفر الدقاق لسبع خلون منه وكان حافظا للحديث فسبحان من بعد فى الستر والصدق بين الاثنين. وتوفى العباس بن المقتدر بالله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة.
ومات أبو بكر الشافعى الفقيه صاحب على بن عيسى يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ومات على بن محمد بن عبيد الله الحافظ لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال، وكان قد سمع حديثا كثيرا، وكان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائتين وقد ذكرنا قتل ابن رايق، وورد الخبر بأن يانسا المؤنسى وعلى بن
стр. 561
خلف بن طياب قاتلا ابن مقاتل الصغير، المكنى ابا الحسن فقتلاه.
(انقضت سنة ثلاثين وثلاثمائة بأحداثها)
ثم دخلت سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة
اشتد فيها ناصر الدولة على الذعار لعيثهم وإفسادهم فكحل وقتل وعاقب فاستوى البلد قليلا وأنفذ أحمد بن على الكوفى للعمارة والنظر فى مصالحها وليوافيه على المال المفرق على الجند وقدم المرسوم بأنه سابق الحاج لثمان ليال خلون من المحرم وأخبر بأن بنى هلال بن عامر بن صعصعة وقفوا بالحاج، فقتلوهم ونهبوهم.
ودخل الحسن بن بويه الرى، وهزم ابن محتاج صاحب ابن اسماعيل بن احمد.
وفى المحرم من هذه السنة ضرب ناصر الدولة دنانير بعيار اختاره لم يضرب قط مثله إلا السندى بن على وكان الناس يكتبون على الدينار لا إله إلا الله من جانب محمد رسول الله من الجانب الآخر، ويذكرون بعده نعت الخليفة فزاد ناصر الدولة فى السكة- بعد محمد رسول الله- صلى الله عليه، فكانت هذه عندى أجل منقبة لآل حمدان ما كان لهم مثلها تفرد بها ناصر الدولة وبلغه مع ذلك أن الصيارف يربون رباء ظاهرا، فأحضرهم وحذرهم وأحلفهم، فتحسن قبيح أمرهم قليلا
стр. 562
وخلع على أبى عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وولى أرمينية وآذربيجان وعقد له لواء وصاح المسجنون بناصر الدولة واستغاثوا إليه من الضر والجوع والسجن، إلى جانب داره. فتأذى بهم وجلس لهم جاوس غضبان فأطلق وقتل وقطع وكحل؛ وكل هذا من الاجراء عليهم، فأخلى السجون فلم يترك فيها أحدا وخلع فى أول صفر على العباس بن شقيق رسول نصر بن احمد أخى اسماعيل وعقد لصاحبه لواء، فحمله غير منشور، ودفع إليه سيف وخلع سرية لصاحبه، وقد كانت لابن شقيق هذا خطوب من اتهام أبى عبد الله البريدى له وكتابه من واسط إلى أخيه ببغداد، أن يحذره فزعم العباس لما أفلت ورجع أنه أراد قتله، فمنعه وجود الأتراك من ذلك وأنه أخذ أكثر ما كان اشتراه لصاحبه من فاخر الثياب والفرش وغير ذلك، واحتج عليه بالاضاقة والحاجة الى مثل هذا. ثم إن ابن شقيق جد فى الخروج الى صاحبه، وقد كان ورد عليه الخبر بموته فاحتال أن كتب كتبا ونصب نبوخا ببطلان موت صاحبه، خوفا أن يعطف السلطان على ما بقى معه وما استفده بعد فيأخذه، فخرج عن بغداد وتبعه ناس كثيرون، فاله ثلج فى الطريق بقرب همذان، فمات أكثر الناس وذهبت أمتعتهم؛ وكان ابن شقيق أسوأهم حالا.
وورد الخبر بغلبة الروم على أرزن وميافارقين، ومجيئهم إلى دارا
стр. 563
وسبيهم الرجال والنساء، فعظم ذلك على الناس وقصد ناصر الدولة المولدين من المرتزقة فأسقط أرزاقهم، ووفر المال على المقيمين بواسط لحرب البريديين، وأخرج كاتبه النصرانى المعروف بسهلون إلى ابن طغج فى صفر بهدايا كثيرة، وطلب مال للسلطان فخرج إلى هيت وركب البرية إلى دمشق، ومعه خلق عظيم فهلك أكثرهم ونهب ما كان معهم.
وغلب البريديون على نواحى الجامدة، لخلاف وقع بين سيف الدولة، وبين توزون التركى وصار أحمد بن بويه ابو الحسن الديلمى إلى دجلة البصرة، فأقام حيال نهر معقل يحارب البريديين، فوردت كتبهم على ناصر الدولة يسألون الصلح وأن يولوا ويقاطعوا على مال يحملونه، فلم يجابوا.
وورد كتاب الديلمى يسأل مثل ذلك فأجيب اليه وأنفذت الكتب جوابات كتبه، وخلع طمعا فى أن يزيل أمر البريديين، واتصلت الحرب بينهم إلى أن استأمن إلى البريديين قائد للديلمى فحمل البريديون بين يديه مالا عظيما واعطوه من الثياب والطيب وسائر ما يعطاه مثله. ما عظم وشاع ذلك واستعظم إلى أن خاف ابن بويه ان يستأمن رؤساء عسكره، لما اتصل بهم من الخبر بما عمل بالمستأمن، فرحل راجعا إلى الأهواز وتحدث الناس بأن القرمطى الهجرى ولد له مولود فأهدى اليه ابو عبد الله البريدى هدايا عظيمة فاخرة فيها مهد ذهب مرصع بالجواهر
стр. 564
وزوج الخليفة المتقى ابنه ابا منصور بابنة ناصر الدولة فى شهر ربيع الأول. ووقع الإملاك فى يوم سبت، ووكل ناصر الدولة، ابا عبد الله بن أبى موسى العباسى فى قبول ذلك عليه والقيام به عنه وجعل الصداق خمسمائة ألف درهم، وجعل النحلة مائة ألف دينار وصاعد ابن الخليفة بعد الاملاك إلى ناصر الدولة إلى داره بباب خراسان فنثرت عليه بدرتا دنانير التقطها من كان معه وأصحاب ناصر الدولة، وتغدى عنده فى اليوم الثالث جماعة من قواده وتجاره فرأيت الناس كالمجتمعين على أنه كان طعاما ناقصا عن المقدار، مقصر الشرط والكمال والآلة وكثرت المتلصصة ببغداد وكبست دور المياسير، وخرج الناس عن بغداد هاربين إلى كل وجه، على انسداد طرقهم، ولو أمنوا لخرج أضعاف من خرج وراسل أبو الحسين على بن محمد بن مقلة ناصر الدولة، فى أن يستوزره وضمن مالا عظيما، على أن يطلق يده على الناس، وأسمى قوما منهم سلامة أخو نجاح وعبد الله بن على النفرى الكاتب، والقاضى ابن الأشنانى، وأبو العباس الأصبهانى، وابن بلال الدقاق حتى أتت التسمية على سبعين نفسا فيما يقال، فأجيب إلى ذلك مع ما ضمنه من مال أبى إسحاق محمد بن أحمد الاسكافى وأصحابه ثم أخر ناصر الدولة أمر ابن مقلة واستوزر أبا العباس احمد بن عبد الله الأصبهانى، وهذا برأى أحمد بن على الكوفى، فلم يكن له فى
стр. 565
الوزارة إلا التسمية والكوفى ينظر فى الأعمال والأموال، فكان على ذلك إلى أن هرب ناصر الدولة فصرفه المتقى لله صرفا جميلا، وأقره على ما كان فى يده من تدبير أمر ضياع والدته وضياعه، واستوزر أبا الحسين بن مقلة، وخلع عليه فى شهر رمضان بعد خروج ناصر الدولة لولا أن ناصر الدولة لم يخرج، حتى نكب سلامة الحاجب وابن الأشنانى القاضى وابن بلوا المعطى، وعذبه عذابا شديدا ما سمع بمثله وذكر جماعة وسن من الضرائب على الناس ما لم يسمع بمثله وأتى قبل ذلك على التمارين بأخذ أموالهم، فحدثنى جماعة منهم قالوا دخلنا عليه وهو بالقرب من مضربه، فقال لنا ما آخذ ضريبة إلا من التمر وأنتم أعلم وما لكم بعده، فسررنا بذلك قليلا، فالتفت إليه بعض من يدبر أمره، فقال والدبس فقال والدبس، فقال له والبسر فقال والبسر، فأتى بقوله هذا علينا «١» وضيق ناصر الدولة على المتقى لله فى نفقاته، وعلى أهل داره وانتزع ضياعه وضياع والدته فجعلها فى جملته، واقتصر به على أجزاء يسيرة وخاطب أبا الحسن بن أبى عمرو الشرابى فى أمر السكنجبين بخطاب شهره الناس وتحاكوه، وقال إنما يكفى دار الخليفة خماسية سكنجبين فى كل يوم، ولأطالبنك بمال ما كنت تأخذه وتحدث الناس من فعله هذا وصنعه بالخليفة، ما كثر به الشاكى له والداعى عليه، وتمنى الناس بنى البريدى وغيرهم، مع ما نالهم من
следующие страницы →