Полный текст (1 011 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
خلف بن طياب قاتلا ابن مقاتل الصغير، المكنى ابا الحسن فقتلاه.
(انقضت سنة ثلاثين وثلاثمائة بأحداثها)
ثم دخلت سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة
اشتد فيها ناصر الدولة على الذعار لعيثهم وإفسادهم فكحل وقتل وعاقب فاستوى البلد قليلا وأنفذ أحمد بن على الكوفى للعمارة والنظر فى مصالحها وليوافيه على المال المفرق على الجند وقدم المرسوم بأنه سابق الحاج لثمان ليال خلون من المحرم وأخبر بأن بنى هلال بن عامر بن صعصعة وقفوا بالحاج، فقتلوهم ونهبوهم.
ودخل الحسن بن بويه الرى، وهزم ابن محتاج صاحب ابن اسماعيل بن احمد.
وفى المحرم من هذه السنة ضرب ناصر الدولة دنانير بعيار اختاره لم يضرب قط مثله إلا السندى بن على وكان الناس يكتبون على الدينار لا إله إلا الله من جانب محمد رسول الله من الجانب الآخر، ويذكرون بعده نعت الخليفة فزاد ناصر الدولة فى السكة- بعد محمد رسول الله- صلى الله عليه، فكانت هذه عندى أجل منقبة لآل حمدان ما كان لهم مثلها تفرد بها ناصر الدولة وبلغه مع ذلك أن الصيارف يربون رباء ظاهرا، فأحضرهم وحذرهم وأحلفهم، فتحسن قبيح أمرهم قليلا
стр. 562
وخلع على أبى عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وولى أرمينية وآذربيجان وعقد له لواء وصاح المسجنون بناصر الدولة واستغاثوا إليه من الضر والجوع والسجن، إلى جانب داره. فتأذى بهم وجلس لهم جاوس غضبان فأطلق وقتل وقطع وكحل؛ وكل هذا من الاجراء عليهم، فأخلى السجون فلم يترك فيها أحدا وخلع فى أول صفر على العباس بن شقيق رسول نصر بن احمد أخى اسماعيل وعقد لصاحبه لواء، فحمله غير منشور، ودفع إليه سيف وخلع سرية لصاحبه، وقد كانت لابن شقيق هذا خطوب من اتهام أبى عبد الله البريدى له وكتابه من واسط إلى أخيه ببغداد، أن يحذره فزعم العباس لما أفلت ورجع أنه أراد قتله، فمنعه وجود الأتراك من ذلك وأنه أخذ أكثر ما كان اشتراه لصاحبه من فاخر الثياب والفرش وغير ذلك، واحتج عليه بالاضاقة والحاجة الى مثل هذا. ثم إن ابن شقيق جد فى الخروج الى صاحبه، وقد كان ورد عليه الخبر بموته فاحتال أن كتب كتبا ونصب نبوخا ببطلان موت صاحبه، خوفا أن يعطف السلطان على ما بقى معه وما استفده بعد فيأخذه، فخرج عن بغداد وتبعه ناس كثيرون، فاله ثلج فى الطريق بقرب همذان، فمات أكثر الناس وذهبت أمتعتهم؛ وكان ابن شقيق أسوأهم حالا.
وورد الخبر بغلبة الروم على أرزن وميافارقين، ومجيئهم إلى دارا
стр. 563
وسبيهم الرجال والنساء، فعظم ذلك على الناس وقصد ناصر الدولة المولدين من المرتزقة فأسقط أرزاقهم، ووفر المال على المقيمين بواسط لحرب البريديين، وأخرج كاتبه النصرانى المعروف بسهلون إلى ابن طغج فى صفر بهدايا كثيرة، وطلب مال للسلطان فخرج إلى هيت وركب البرية إلى دمشق، ومعه خلق عظيم فهلك أكثرهم ونهب ما كان معهم.
وغلب البريديون على نواحى الجامدة، لخلاف وقع بين سيف الدولة، وبين توزون التركى وصار أحمد بن بويه ابو الحسن الديلمى إلى دجلة البصرة، فأقام حيال نهر معقل يحارب البريديين، فوردت كتبهم على ناصر الدولة يسألون الصلح وأن يولوا ويقاطعوا على مال يحملونه، فلم يجابوا.
وورد كتاب الديلمى يسأل مثل ذلك فأجيب اليه وأنفذت الكتب جوابات كتبه، وخلع طمعا فى أن يزيل أمر البريديين، واتصلت الحرب بينهم إلى أن استأمن إلى البريديين قائد للديلمى فحمل البريديون بين يديه مالا عظيما واعطوه من الثياب والطيب وسائر ما يعطاه مثله. ما عظم وشاع ذلك واستعظم إلى أن خاف ابن بويه ان يستأمن رؤساء عسكره، لما اتصل بهم من الخبر بما عمل بالمستأمن، فرحل راجعا إلى الأهواز وتحدث الناس بأن القرمطى الهجرى ولد له مولود فأهدى اليه ابو عبد الله البريدى هدايا عظيمة فاخرة فيها مهد ذهب مرصع بالجواهر
стр. 564
وزوج الخليفة المتقى ابنه ابا منصور بابنة ناصر الدولة فى شهر ربيع الأول. ووقع الإملاك فى يوم سبت، ووكل ناصر الدولة، ابا عبد الله بن أبى موسى العباسى فى قبول ذلك عليه والقيام به عنه وجعل الصداق خمسمائة ألف درهم، وجعل النحلة مائة ألف دينار وصاعد ابن الخليفة بعد الاملاك إلى ناصر الدولة إلى داره بباب خراسان فنثرت عليه بدرتا دنانير التقطها من كان معه وأصحاب ناصر الدولة، وتغدى عنده فى اليوم الثالث جماعة من قواده وتجاره فرأيت الناس كالمجتمعين على أنه كان طعاما ناقصا عن المقدار، مقصر الشرط والكمال والآلة وكثرت المتلصصة ببغداد وكبست دور المياسير، وخرج الناس عن بغداد هاربين إلى كل وجه، على انسداد طرقهم، ولو أمنوا لخرج أضعاف من خرج وراسل أبو الحسين على بن محمد بن مقلة ناصر الدولة، فى أن يستوزره وضمن مالا عظيما، على أن يطلق يده على الناس، وأسمى قوما منهم سلامة أخو نجاح وعبد الله بن على النفرى الكاتب، والقاضى ابن الأشنانى، وأبو العباس الأصبهانى، وابن بلال الدقاق حتى أتت التسمية على سبعين نفسا فيما يقال، فأجيب إلى ذلك مع ما ضمنه من مال أبى إسحاق محمد بن أحمد الاسكافى وأصحابه ثم أخر ناصر الدولة أمر ابن مقلة واستوزر أبا العباس احمد بن عبد الله الأصبهانى، وهذا برأى أحمد بن على الكوفى، فلم يكن له فى
стр. 565
الوزارة إلا التسمية والكوفى ينظر فى الأعمال والأموال، فكان على ذلك إلى أن هرب ناصر الدولة فصرفه المتقى لله صرفا جميلا، وأقره على ما كان فى يده من تدبير أمر ضياع والدته وضياعه، واستوزر أبا الحسين بن مقلة، وخلع عليه فى شهر رمضان بعد خروج ناصر الدولة لولا أن ناصر الدولة لم يخرج، حتى نكب سلامة الحاجب وابن الأشنانى القاضى وابن بلوا المعطى، وعذبه عذابا شديدا ما سمع بمثله وذكر جماعة وسن من الضرائب على الناس ما لم يسمع بمثله وأتى قبل ذلك على التمارين بأخذ أموالهم، فحدثنى جماعة منهم قالوا دخلنا عليه وهو بالقرب من مضربه، فقال لنا ما آخذ ضريبة إلا من التمر وأنتم أعلم وما لكم بعده، فسررنا بذلك قليلا، فالتفت إليه بعض من يدبر أمره، فقال والدبس فقال والدبس، فقال له والبسر فقال والبسر، فأتى بقوله هذا علينا «١» وضيق ناصر الدولة على المتقى لله فى نفقاته، وعلى أهل داره وانتزع ضياعه وضياع والدته فجعلها فى جملته، واقتصر به على أجزاء يسيرة وخاطب أبا الحسن بن أبى عمرو الشرابى فى أمر السكنجبين بخطاب شهره الناس وتحاكوه، وقال إنما يكفى دار الخليفة خماسية سكنجبين فى كل يوم، ولأطالبنك بمال ما كنت تأخذه وتحدث الناس من فعله هذا وصنعه بالخليفة، ما كثر به الشاكى له والداعى عليه، وتمنى الناس بنى البريدى وغيرهم، مع ما نالهم من
стр. 566
الضر والضرائب والغلاء ونكبات الناس، وأخذ أموالهم. وشكى مع ذلك أن أمر الرفض قد علن ببغداد، فنادى مناد فى جانبى بغداد عن السلطان ببراءة الذمة ممن سمع بذكر أحد من الصحابة بسوء وأراد غلام من غلمان ناصر الدولة أن يسمه ففطن له، وزعموا أن سبب ذلك فاتك حاجب ابن رائق كان محبوسا فى دار ناصر الدولة، وكان يعرف هذا الغلام فواطأه على ذلك وضمن له مالا وغلت الأسعار فى جمادى الآخرة غلاء عظيما، ومات الناس جوعا ووقع فيهم الوباء، فكانوا يبقون على الطريق أياما لا يدفنون حتى أكلت الكلاب بعضهم وأنفذ ناصر الدولة حاجبه يرفع مددا لأخيه على سيف الدولة ليمضى إلى الجامدة، وحدر معه أحمد بن على الكوفى واتهم ابن جعفر الخياط بأنه كاتب البريديين فقبض عليه ناصر الدولة وأقطع الخليفة ضياعه فاستبشع أن يكون هو المقطع للخليفة، وأن يدون الكتب بذلك وخرج الناس إلى المصلى يوم الاثنين مع الامام ابن عبد العزيز الهاشمى. فدعوا الله وسألوه أن يكشف البلاء والضر عنهم وفى جمادى هرب جماعة من رؤساء الديلم والبربر من بغداد إلى البريدى، فلم يتبعهم ناصر الدولة بطلب، وقال من اختار المقام معنا وإلا فليمض مضيا ظاهرا فما أحد يتبعه وورد الخبر بقبول على بن بويه خلع السلطان بفارس، ولبسه لها
стр. 567
واحضاره القضاة والعدول ليشهدوا ذلك ويكتبوا به.
وصحت الأخبار بموت نصر بن أحمد أمير خراسان وأن ابنه نوح ابن نصر قام مقامه بعد أن تنازع هو وأخوه اسماعيل عند الاياس من أبيهما أمر الامرة فأفاق أبوهما، فأمر بقتل ابنه اسماعيل وأن يجدد البيعة لنوح، وأوصى أن يجلس فى الثغور لقتال الأتراك ألف دابة من دوابه، وأعتق ألف غلام وأرجف الناس بأن ابن طغج وافى دمشق لينفذ جيشا لأخذ الموصل فكتب اليه السلطان فى الرجوع إلى مصر فرجع ووقعت منازعة بين الطالبيين والعباسيين فى رجل طالبى زعموا أن أصحاب ابن عبد العزيز قتلوه، فجرت فيه خطوب ثم سكن الأمر وذلك فى رجب وكثر الجراد فى هذا الوقت فصاده الناس، وانتفع الضعفاء بأكله وصيده، وكان نعمة من نعم الله جل وعلا ووافى رسل صاحب خراسان إلى ناصر الدولة فحجبهم أياما، ثم أدخلهم وقال لهم صاحبكم فى يده نصف الدنيا، ينال السلطان ما ناله فلا يسعفه بمال ولا ينجده بجيش، ولم يروا عنده ما يحبون، ثم أجابهم بجواب جميل وصرفهم، وغلت الأسعار وعن كل شىء من سائر الأطمعة والملبوس وقبض على أبى إسحاق القراريطى فى رجب وعلى كاتبه ابن جبرويه وعلى خليفته أبى محمد الحسين بن أحمد المادرانى وتولى مناظرتهم أحمد
стр. 568
ابن على الكوفى وابن مقاتل بميل وحقد، وكان الكوفى عقد على المادرانى كلاما كلمه به قبل هذا بمديدة بحضرة أبى اسحاق قال فيه ما شهره الناس من وضع منه وإزراء عليه، فصح عند ناصر الدولة ان المادرانى ما ظلم أحدا قط فى معاملة، ولا ارتفق من عمل ولا عامل فانصرف إلى بيته موقورا بعد توكيل ومناظرة ومطالبة. وقد ذكرنا أنه خلع على أحمد بن عبد الله الاصبهانى للوزارة برأى الكوفى، لأنه كان مستترا عنده، وأرزق مائتى دينار فى الشهر، وكانت الخلع عليه يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب. وأغرى ابن مقاتل العمال بالناس، فأجروا معهم كل ظلم، وأراد فتح الخراج قبل وقته فضج الناس. فنودى بتأخير الافتتاح إلى النوروز المعتضدى ورفع الجور وإزالة الظلم فتنفس الناس قليلا وما وقع وفاء بذلك وكان ناصر الدولة يحمل فى كل شهرين خمسمائة ألف دينار لاستحقاق من بواسط، وكان يضجره ذلك فيتكلم ويضج، وعقد عليه بما يتكلم به، إلى أن تحدث الناس أن يرصد بحيلة توقع عليه، فياليت ما كان يضر من تبرم رجل يحمل فى كل شهرين هذا المال الجليل، ما الذى أريد منه حتى أوحشوه فخرج؟
وكان من أول ذلك أن المتقى لله ما أحب القبض على وزيره أبى إسحاق ولا أراده، فأرضوه بأن أقاموا مكانه كاتبه على ضياعه أبا العباس الاصبهانى. وأنفذ سيف الدولة من واسط فى هذا الوقت جماعة من الديلم إلى بغداد، كان اتهمهم وخافهم.
стр. 569
وتواترت الأخبار باضطراب الأتراك على سيف الدولة وتزك بعضهم الركوب إليه على فرط إحسانه إليهم، وإعطائه إياهم جميع ما يملكه من مال ودواب وثياب. ولم يناصح الأتراك فى حرب البريديين، ولا أعانوا الديلمى عليهم حين جاء إلى فرات البصرة فأقام حيال نهر معقل وضج الحشم إلى ناصر الدولة بعد القبض على أبى إسحاق القراريطى، وأعلموه أنه لم يطلق لهم شيئا، فقال قد أطلقت لكم ثلث رزق، وأحضر أبا اسحاق واشتد عليه فى القول، فأحضره أبو اسحاق رقاعا بخط المتقى لله بأنه قبض المال منه وأعطى من أراد اليسير منه واستبد بالباقى. فقال ناصر الدولة كيف اصنع انا، أطلق مثل هذه الأموال الجليلة تحمل على نفسى، ومالى وظلم الناس، وهذا يهجنه ويقبح فعلى، ويغرى بى حشمه وجنده ووافق هذا ورود كتاب أخيه عليه بأن البريديين دخلوا الجامدة وأن الأتراك نهبوا جميع ما كان له من ذخيرة وسلاح ودواب، وما كان ذخره منذ أيام أبيه، وأنهم طلبوه فهرب فى نحو مائتين من أصحابه إلى أن تلاحقوا به وأفلت. فغضب من ذلك وأمر من وقته فصوعد بالسفن التى فيها خزائنه. وقال لا أقمت ببغداد، فضج الناس من ذلك واجتمعوا إليه وسألوه ألا يباعد إلى الموصل فيضيع البلد فضمن لهم ألا يصاعد، وقال لحقتنى ضجرة وكان وجه فى شعبان فطلب من الخليفة مالا، وقال إنه يأخذ
стр. 570
مما أطلقه لحشمه وغلمانه، فيجمعه إلى ما يستفضله من نفقاته وغلاته، فما وجه إليه بشىء، فاستوحش كل واحد منهما من صاحبه، وطولب الناس بأداء الخراج فى شعبان، ولم ينتظر بهم النوروز المعتضدى.
وورد على ناصر الدولة دخول عدل حاجب بجكم نصيبين واستيلاؤه على الرحبة وأعمالها، فشغل ذلك قلبه وورد كتاب ياروخ بهزيمته البريديين وإخراجهم عن الجامدة وضج الأشراف العلوية من عاملهم أبى على الحسن بن هارون الهمدانى على الكوفة وخاصة عمر بن يحيى وهو الرجل الفاضل المنتفع به الناس بماله وجاهه والناصب نفسه لهم حتى يحج بهم، ولو لاه ماتم حج فعزل الحسن بن هارون، وولى المعروف بأبى بكر عبد الله بن عبيد الله البرجمالى.
وكتب ناصر الدولة إلى ابن عمه أبى عبد الله الحسين بن سعيد يأمره بالاحتيال على عدل وقصده، فكبسه وأسره وابناله وأنفذه الى بغداد، فكحل وشهر على جمل فى يوم الخميس لأربع بقين من شعبان، وألبس برنسا وابنه على جمل بين يديه على برنس، وكان فى الموكب خلفه الوزير أبو العباس الأصبهانى والقاضى ابن الخرقى يتسايران وكان يانس غلام البريدى فى يد ناصر الدولة فتكاتبوا فى أن يوجه به إليه، ويوجه البريدى بعيال توزون وابنه، وأن يقوم بذلك أبو على عمر بن يحيى
стр. 571
ووجه ناصر الدولة بأحمد بن على الكوفى إلى واسط. ومعه من الاستحقاق أربعمائة ألف دينار فوجد الأتراك قد شغبوا، فرجع والمال معه، حتى عاد إلى ناصر الدولة، فدخل به بغداد أول يوم من شهر رمضان وصرف أبو اسحاق القراريطى إلى منزله فى آخر شعبان بعد أدائه أكثر ما فورق عليه وضرب لناصر الدولة مضرب بباب الشماسية، واصطنع عيسى جال الديلمى فزاد فى رزقه ألف دينار ووصله بألفى دينار. وزاد الفارس من أصحابه عشرة دنانير فى رزقه، وزاد الراجل دينارا وعزم ناصر الدولة على الرحيل إلى الموصل فوجه إليه الخليفة أن يتوقف عليه ليصاعد معه، فكره ذلك وركب إليه الخليفة فى يوم الخميس، فنزل إليه ناصر الدولة إلى دجلة حتى تلقاه وصعد معه إلى داره وقال له تتوقف يوما على أو يومين فكأنه علق القول وانصرف وأصبح الناس فى يوم الجمعة لأيام خلت من شهر رمضان، وقد صاعد ناصر الدولة وقطع الجسر، وسار من الجانب الغربى، وتبعه جميع من كان فى الجانب الغربى من اصحابه، ونفر ممن كان من اصحابه فى الجانب الشرقى، فمضى بعضهم إلى سرمن رأى، ورجع الترجمان وجماعة من الأتراك مع أخى ابن اسماعيل بن احمد إلى الدار، وأرجف الناس ان الخليفة راسل الترجمان فى القبض على ناصر الدولة والمجىء به الدار، فأمكنه غير مرة فلم يمكنه لأنه جاهل جبان
стр. 572
وصعب على التجار خروج ناصر الدولة عن بغداد، ووافى سيف الدولة إلى المداين، ثم صار إلى بغداد فنزل فى الجانب عند باب قطربل ووجه إليه المتقى لله بثياب وطيب ودراهم لنفقته وطالب الوزير ابن مقلة بأن يحمل إليه مالا فكان يجمع ما قدر عليه فلما اجتمع حمله إليه ليعطى أصحابه واستوحش السلطان منه ثم رحل إلى القفس ولحق به إبراهيم بن أحمد الخراسانى فى نفر من أصحاب أخيه ببغداد وورد الخبر عليه بأن أخاه ناصر الدولة وصل إلى الموصل سالما فلحق به لا يلوى على شىء، فقيل إن جملة ما صار إليه من المال أربعمائة ألف درهم ودخل الأمير يومئذ توزون بغداد فى يوم الخميس لست بقين من شهر رمضان، وتلقاه أهل الدولة فدخل إلى الخليفة فسلم عليه ونزل الدار المعروفة بمؤنس وتأذى الناس بنزول الأتراك عليهم ثم كان شوال يوم الأربعاء فقبض توزون على كاتبه سعيد بن داود المسيحى وعلى أخيه فهد وابن خالته، فطالبهم بالأموال بضرب مبرح، وكان الترجمان حمله على ذلك واستكتب محمد بن القاسم وخلع السلطان فى يوم الاثنين لست خلون من شوال على الأمير توزون وصيره أمير الأمراء وأمر بتكنبته وحرص توزون بالمتقى لله أن يتركه يصالح البريديين على مال يحملونه ويفرغه لابن حمدان فأبى عليه، وكان البريديون قد صاروا
стр. 573
إلى واسط فوجه بخمسمائة غلام فى الظهر والماء إلى واسط وقبض على ابن عبد العزيز الهاشمى وجماعة من التجار والعدول وطولبوا بمال وحدر الامير توزون تكين الشيرزاذى إلى واسط، ووافى أبو دلف سيما الساجى إلى بغداد، وهو صاحب القرمطى الهجرى ليأخذ مال المواقفة التى فورق القرامط عليها وكبس أهل القطيعة فى أول ذى القعدة فأخذ منهم عشرون كرا دقيقا وأحيلوا بثمنه على الترجمان فى أول ذى القعدة، ثم مضى جماعة من أصحاب توزون إلى القطيعة ليأخذوا دقيقا كما كانوا أخذوا، فوثب بهم العامة وقتلوا نفسين وغلا السعر بهذا السبب، ودخل الحاج من خراسان وخرجوا مع ابن حاتم وانحدر الأمير توزون إلى واسط وهرب البريديون، ونودى ببغداد من أراد الخروج إلى واسط فليخرج وقبض المتقى على رجل يعرف بابن المطلب من أهل باب الطاق وحمله إلى داره وقيده وحبسه وقال له أنت رئيس الرافضة، ثم لم يتركه بعض خدمه حتى قتله من غير حجة تقوم عليه، ونفذ ابن أبى موسى الهاشمى فى يوم الاثنين لست بقين من ذى القعدة برسالة السلطان إلى ناصر الدولة، ومعه تكين الماكانى وخادم من خدم الخليفة واتصل قطع رجل يعرف بابن جمدى على السميريات النافذة إلى واسط والمصاعدة منها، وصار اليه من ذلك مال عظيم وأمتعة لها مقدار
стр. 574
وفى ذى القعدة أقبل يوسف بن وجيه صاحب عمان من عمان، ومعه مراكب كثيرة فيها عدة وعديد، لتغليظ البريديين الضرائب على ما يحمل من البحر، فلقى البريدى فى دجلة البصرة بقرب الأبلة، فهزمهم أول يوم ثم احتالوا بنار حملت فى زبازب وجعلت فى زجاج ورموا مراكبهم بها فانهزم وقتل خلق من أصحابه، وأسر بعض وأحرقت له ستة مراكب، وكانت هزيمتهم له فى أول يوم من ذى الحجة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وصرف الكرخى عن كتبة الأمير توزون واستكتب أبو اسحاق القراريطى ابن أبى الترجمان، وظفر بجماعة من أصحاب ابن جمدى فقتلوا وصلبوا. ودخل أخو الأمير توزون إلى تكريت ومعه جيشه فدخلها لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، فنهبها ونهب زواريق كانت بها، فيها أمتعة التجار، وذبحوا بها من البقر والغنم نحو ألفين، ونهب الناس فى سائر طرقهم إلى تكريت. وعزت الفاكهة ببغداد لأنهم أخذوا ظاهرا وباطنا وأجلوا اهل القرى. وركب الخليفة فى يوم السبت، لتسع بقين من ذى الحجة الظهر إلى باب الشماسية ورجع فى الماء فدعا الناس له. ووافى صافى غلام الأمير توزون يوم السبت لليلتين بقيتا من ذى الحجة بغداد من واسط فقبض على أبى إسحق القراريطى، وأخبر أن أبا جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد وافى واسط فى زبازب كثيرة، كالهارب من يد البريديين لما اشتغلوا بمحاربة ابن وجيه، وأسرع السير فوجهوا فى طلبه، فلحق واستكتب للامير توزون، فاشتد ذلك على السلطان فأغروه بالقول فيه، فكاتبه
стр. 575
فى صرفه فلم يقبل. ومن عجيب الأخبار، وما يستدل به على علو همة الأمير توزون أن أبا جعفر اختار له كاتبا، وأبو جعفر إذ ذاك يكتب لبجكم، فكأنه لم يرضه فقال له أبو جعفر أنا كاتبك فقال له وأنت تكتب لى ولكن ليس على هذه الجهة، ولا الآن! وتوفى فى هذه السنة فى غرة ذى القعدة منها سنان بن ثابت المتطبب وكان متقدما في الطب وفى علوم أخر كثيرة
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
كان أول المحرم يوم الاثنين قعد فيه كازاذ كاتب أبى جعفر، وظهر ابو الحسن بن شيرزاد. وخرج أبو بكر محمد بن جعفر النقيب وصيغون المرداويجى فى جماعة من أصحابهما إلى ناصر الدولة إلى الموصل، وانحدر صافى مع جماعة من الأتراك والديلم إلى واسط.
وورد الخلنجى السابق بسلامة الحاج قدام الحج لسبع خلون من المحرم وفى يوم أخذ سبعة من أصحاب ابن جمدى فضربوا وطيف بهم وقتلوا وصلبوا فى الجسر، وقتل أيضا رجل يعرف ببرغوث كان يقطع بناحية المزرفة.
ووجه الترجمان وهو محمد بن ينال، وكان يلى الشرطة ببغداد والأمر كله له إلى الحسين العلوى الديلمى، فقبض عليه لأنه بلغه أنه يريد الفرار إلى ناصر الدولة
стр. 576
ووافى اسكورج الديلمى بغداد يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم وهو أكبر قوادهم، وقلده الأمير عمل سرمن رأى وعكبرى وأمره أن يكون بسرمن رأى، فان جاء أحد من ناحية ابن حمدان حاربه، والأمير توزون مقيم على أرز بالجامدة ليستنطقه ووافى من عسكر البريديين إلى الأمير توزون فى الامان أبو المهدى البربرى فأنفذه إلى بغداد، وأغارت خيل الروم على نواحى نصيبين، واستغاثوا بناصر الدولة فلم يغثهم، لأنه كان قد جرب خيانته مع ابن عمه أبى عبد الله ليصيروا إلى بغداد ليخرج الخليفة معهم ووافى أبو جعفر محمد بن يحيى ابن شيرزاد بغداد لأربع بقين من المحرم فجلس فى داره وجاءه الناس، وهو كاتب الأمير توزون فاستأمن بعض أصحاب اسكورج وصافى إلى واسط وأبو المهدى، وأبو طالب أخو المظفر بن حمدان الميدمان، وإبراهيم أخو الأمير توزون واستتر أصحاب أبى جعفر بن شيرزاد، ووافى الحسين بن أبى العلاء بن حمدان فى صفر، فنزل حيال الشماسية ومع أبى العلاء هذا عيسى جال الديلمى وأبو وائل ويروخ الناصرى، فوجه إليه المتقى لله أن يدخل بغداد ليخرج معه فقال لم أومر بهذا، واستوحش وقال إن خرج إلىّ أمير المؤمنين اليوم وإلا رجعت. وأشير على المتقى ألا يخرج عن بغداد فما تركه الترجمان، وكان قد استوحش من الأمير توزون لأشياء اختانها وتعدى فيها
стр. 577
ولقد حدثنى بعض الخدم أن بعض الرؤساء قال المتقى لله يا سيدى خروجك إلى ابن حمدان أشد على توزون من ضرب عنقه، وفى خروجك انحلال أمره وأعظم المكيدة له ولا والله ما نصحوه وإنما خافوا على أنفسهم من توزون، فخوفوا الخليفة منه ولو كان معه من ذوى نصحه من كان يعرف حقيقة الرأى ما تركه يخرج. وذلك أن توزون ما خالفه فى شئ أراده، وما زال ساعيا فى مراده ومحبوبه، كان أمره جاريا مع البريدى ببغداد على أفضل إرادته فلأجل الخليفة ما احتال فى أخذ البريدى، فلم يمكنه ذلك لخذلان قوم كانوا وعدوه أن يكونوا معه، فحارب ليله ونهاره ثم صار إلى سرمن رأى وكتب إلى الموصل يشير بالانحدار إليه وأنه يتضمن حرب القوم فما فعلوا، حتى خرج إليهم فحشرهم وأنهضهم، وقد كان أشار بمصالحة البريدى، وأخذ أموال منه، ثم يكون بعد ذلك على رأس أمره، فأبى الخليفة عليه، فاتبع أمره وانحدر وكان كاتبه فى الحيلة على بنى حمدان، فأخرج سيف الدولة عن واسط فما الذى أوجب أن يستوحش منه؟
ولقد صرت إلى القاضى أبى الحسين، فقلت له إن هذا الخليفة ما يجالسنا، وزعم أنه لا يريد جليسا، يخالف الناس جميعا فى هذا إلى عصره، وليس له رزق على، ولكن نصحه واجب، وهو يقبل رأيك فاتق الله ولا تدعه يخرج، فانه إن خرج لم يعد وخربت بغداد، وأضر بالعامة، فتضمن لى ذلك. وما ظننت أن أحدا فعل هذا معه غيرى.
стр. 578
حتى حدثنى القاضى أبو عبد الله محمد بن عيسى أنه صار اليه فأشار عليه بمثل مشورتى فأبى الله إلا ما أراد ولقد حدثنى بعض الخدم ممن أثق به أن المتقى لله اضطرب من الخروج، فقال له الترجمان ومساعدوه على هذا الرأى: إنا قد تحدثنا بالقبض عليك فامتنعنا من ذلك، وأشرنا بالخروج عليك، وقد كشفنا الأمر لك.
فلما سمع هذا خرج غداة يوم الخميس وركب على الظهر، ووافى الشماسية، وخرج معه وزيره على بن محمد بن مقلة والحاجب أحمد بن خاقان ولؤلؤ صاحب الشرطة وأبو جعفر الخياط، وتبعه حاشية الدار وجماعة من وجوه البلد وجلس المتقى لله فى الخراقة، وتلاحق به من بقى من حاشيته وخرج معه قاضيه وأسبابه، وجاء ابن أبى العلاء وجميع من معه فقبلوا يده وعرفوه سرور ناصر الدولة بمصيره اليه.
وركب الترجمان يوم الجمعة من الجانب الغربى بمطارد مذهبة ومعه أصحابه، وأودع جميع ما كان له قبل خروجه أياما متوالية، حتى أودع أصناف النبيذ فوجد بعد ذلك فما بقى الله منه شيئا.
وصلى صاحب الصلاة بالناس فى المعسكر يوم الجمعة لثلاث خلون من صفر، ومدت خراقات الخليفة بعد الصلاة ودخل الناس معه، وخلت بغداد واستوحش أهلها وكتب الخليفة إلى صاحب الشرقية أحمد بن جعفر الزطى بكتاب
стр. 579
يأمره أن ينادى بما فيه فنادى «أمر أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بالنداء ببراءة الذمة ممن فتح من العمال والمتصرفين شيئا من الدواوين، أو نظر فى الأعمال أو طالب بخراج أو تصرف فى عمل من الأعمال السلطانية بعد شخوص أمير المؤمنين، فقد أحل بنفسه العقوبة الموجعة وهجم داره وإباحة ماله، فقد أحب أمير المؤمنين ترقية رعيته، والاحتياط لهم، وترك إعناتهم فليحذر المخالفون لذلك، وليلحق بأمير المؤمنين سائر عماله وأوليائه، ولا يتأخروا عن معسكره، وليبلغ سامع هذا النداء الغائب عنه» فنودى من جانبى بغداد ولم يدع المتقى لله بعض خدمه حتى ضرب يوم الجمعة قبل الصلاة عنق ابن المطلب، المتهم بالرفض، وكان ناصر الدولة وأسبابه يعنون به ورمى بجسمه فى أزقة الشماسية فبكر الناس يوم السبت، فأخذوه وغسلوه وكفنوه بعد أن صلى عليه بمسجد براثا ودفن هناك.
وضبط صاحب الشرقية عمله ضبطا حسنا، وكذلك العروضى وهو إبراهيم بن شيخون وكان إليه الجانب الشرقى ووافى من عسكر توزون بغداد جماعة فلحقوا بالخليفة، ووافى بغداد يوم الثلاثاء بشرى حاجب توزون واسكورج، وصاروا إلى دار أبى جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد، وظهر فى داره فأمر ونهى وولى، وما التفت الناس إلى شىء مما أمر الخليفة بالنداء به.
وكان الأمير وجه من واسط بالميدمان بن حمدان البريدى فى جيش كثيف إلى ناحية المذار، فهزمه أصحاب البريدى، فوافى نحو
стр. 580
واسط منهزما، وصلى الناس بسر من رأى يوم الجمعة فى معسكره ووافى بغداد ينال البكرانى وتكيز الشيرزادى وأخو الأمير توزون، وجماعة من القواد فنزلوا باب الشماسية ومعهم طياراتهم وزبازبهم ونزل السلطان تكريت ونفذ الترجمان ولؤلؤ وابن الخياط إلى الموصل على طريق البرية، لأخذ أرزاقهم وحدره إلى تكريت لمحاربة توزون، وكثرت الكبسات ببغداد فى الليل دور المياسر ووافى عكبرى ابن بلال من قواد ابن حمدان فكبس عكبرى وبها أصحاب اسكورج فقتل جماعة منهم وانهزموا وأقاموا بنواحى عكبرى فوجه اسكورج بخيل فهزمت ابن بلال وملكوا عكبرى وظهر ابن جمدى العيار، وكان حمالا بنواحى سوق الحديد باب درب الشوك بحضرة المزملة ثم صار لصا ببغداد، فولاه أبو جعفر بن شيرزاد طريق واسط، وخلع عليه، وطالب أبو جعفر بن شيرزاد التجار بأموال فاستتر أكثرهم وورد الحاج فى النصف من صفر شاكرين لأبى على محمد بن يحيى العلوى لحفظه لهم ورفقه بهم، وكانوا حجوا والوقت ضيق عليهم فمات أكثرهم فى الطريق، ولولا أن الله أغاثهم فى مصعدهم بسحابة أرسلها، فمطرت حتى عاشوا بها وعاشت جمالهم ما بقى منهم أحد وكان رسول ابن طغج قد وافى بهدايا إلى ناحية الانبار، فلما علم بأمر السلطان صار إلى تكريت، فأوصل الهدايا إلى المتقى لله
стр. 581
وكبس الروم رأس عين، فأخذوا جميع ما كان فيها ونهبوها ووجدوا فيها قوافل مصعدة ومنحدرة، فيها أمتعة لا يدرى قيمتها فأخذت كلها، ونال المسلمين ما لم ينلهم مثله قط، فلما أراد العدو الرحيل أحرق البلد، وفتحت الحوالى لسنة اثنتين فى شهر ربيع الاول، فلحق أهل الذمة خبط عظيم وظلم قبيح ووافى توزون بغداد فقدم جماعة من أصحابه إلى سرمن رأى ووافى ملهم بن دينار الأسود المستأمن، وكان حاجب رافع القرمطى وانضم إلى ابن حمدان إلى حيال باب الشماسية فجعل يشتم توزون هو وأصحابه، فأمر توزون حينئذ بأن يصير اليه عسكر بخيمهم ومضاربهم إلى الجانب الغربى، ورجع ملهم إلى تكريت، ووافى الخبر لخمس بقين من شهر ربيع الأول بدخول البريدى واسط ووقع على التجار ببغداد ظلم عظيم وخبط شديد، وتهارب الناس وخرج عن بغداد جماعة من مياسير اليهود والمجوس إلى الشام وكاتب توزون البريدى ووافقه على مال بعينه فوجه اليه البريدى بمال، ووافى جميع من كان من جيش توزون فى طريق واسط إلى معسكره بباب الشماسية، وفر بعض غلمان توزون إلى تكريت فركب فلحق بعضهم فقتل من كان قبض رزقه وفر، ومنّ على من لم يقبض رزقه وانحدرت من عسكره زبازب إلى البريدى فى الأمان من الديلم، وغلت الأسعار ببغداد وإمارة بغداد، من قبل أن يقدم توزون إلى هذا الوقت
стр. 582
وأمر صافى غلامه وحاجبه، فوظف على أصحاب الشرطة أموالا وأخذها ووجه ابن فتان بمائة جمل إلى تكريت عليها هدايا أكثرها فاكهة للسلطان ورحل توزون من معسكره إلى عكبرى يوم الثلاثاء لأيام بقين من شهر ربيع الآخر، وخلف بباب الشماسية أخاه وكيغلغ وارتمش فى ثلاثمائة من الأتراك، ونودى ببغداد براءة الذمة ممن تخلف من الجند عن الأمير توزون، وأطلق دعلج العدل وهو من أجل الشهود لعشر بقين من شهر ربيع الآخر، بعد أن أدى مائة ألف درهم، وولى اسكورج إمارة بغداد ووافع القرامطة أصحاب ناصر الدولة بجماعة من الأتراك، كانوا طلائع لتوزون بنواحى سرمن رأى، وقتلوا قائدا لهم فحمل فى تابوت إلى بغداد ودفن فيها وعبر الأمير توزون من سرمن رأى إلى جانب الغربى، ليكون مع ناصر الدولة على أرض واحدة، وكان ناصر الدولة لما وافى تكريت أعطى الناس أرزاقهم فى شهر ربيع الآخر، وكان بتكريت نحو مائة وخمسين زورقا فيها دقيق وحنطة وشعير وسقط وشحم وعسل وثياب وغير ذلك فأمنوا بناصر الدولة ولما قبض الناس أرزاقهم تقدم سيف الدولة فعسكر أسفل تكريت على الاسحاق وأنفذ ناصر الدولة أبا منصور عبد الواحد بن المتقى لله
стр. 583
وحرمه إلى للوصل قبل الوقعة، وأراد إنفاذ المتقى معهم فكره ذلك واختار المقام مع ناصر الدولة، فأشفق عليه فقدمه إلى موضع يعرف بالأعمى فوق تكريت بستة فراسخ، وأقام ناصر الدولة فوق تكريت قليلا بازاء الدير ووجه بقواده كلهم مع أخيه سيف الدولة منهم يروخ وعيسى جال والترجمان ولؤلؤ وأرسلان وابراهيم بن أحمد بن أمير خراسان فواقع سيف الدولة توزون، يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر ربيع الآخر، ثم تحاجزوا، وقد وقعت بأسكورج ضربات. ولم يشك سيف الدولة أنه ظافر لأنه قاتل فى يومه ذلك أشد قتال، فبكر على القتال يوم الخميس لأربع بقين من الشهر. وكان سيف الدولة كمن بين قشير ونمير، ليخرجوا إذا احتدت الحرب على أصحاب توزون، فلما علق بعض القوم ببعض عطفت قشير ونمير على سواد سيف الدولة فنهبوه، تعصبا زعموا للمضرية على الربعية، فظن سيف الدولة أن توزون كاده بذلك، وكمن كمينا خلفه ليتبعه إلى تكريت، فرجع إليهم فوجد أعرابه وكمينه قد نهبوا سواده، فأوقع بهم فطاروا بين يديه وكان غلام سيف الدولة يمك التركى مما يلى دجلة فى عدة، فمال عليهم توزون فهزمهم واقتطع نحو خمسائة ديلمى، كانوا فى الميسرة فاستأمنوا وأمرهم بطرح السلاح وكان شغل سيف الدولة بالأعراب سبب الهزيمة، وتقطر بيمك التركى غلام سيف الدولة فرسه فأسر
стр. 584
ووجه توزون بالديالم إلى بغداد فى زواريق، بعد أن قيد جماعة منهم وصار سيف الدولة إلى أعالى تكريت فوجد أخاه ناصر الدولة قد رحل وتلاحق به العسكر، فملك توزون تكريت ونزل بالدير الأعلى فى المكان الذى كان فيه ناصر الدولة، ونهب أصحاب توزون تكريت حتى منعهم بنفسه ونهبوا زواريق شعير كانت لسيف الدولة وزواريق للتجار وحاز توزون أكثرها، وزواريق دقيق ففرقها على أصحابه وجمعهم، فقال لهم: أنا واحد منكم، وهذا الأمر أريده لكم وامتنع أبو جعفر ابن شيرزاد من الجلوس للناس قبل الوقعة بيومين. فلما جاءه الخبر جلس، وأمر بالنداء بما فتح الله على الأمير، وأنه ورد كتابه يجتهد فى أن يرخص الأسعار بمدينة السلام ولما رحل ناصر الدولة إلى المنزل المعروف بالأعمى وجد الخليفة المتقى لله به، فرحله معه وأقام بالسن يوما حتى تلاحق به أصحابه، ورحل إلى الجونية وقدم الخليفة قبله إلى الموصل، ثم لحق به وترك بالجونية بعض غلمانه وبالسن طلائع له من القرامطة ولحق سيف الدولة بنمير وقشير فقتل منهم مقتلة عظيمة واسترجع بعض ما كان أخذوه، ولما اجتمع الناس بالموصل أعطاهم ناصر الدولة رزقة كاملة وأمر المعطين، ألا يحتسبوا بها عليهم. وصار إليه جماعة من عسكر توزون فقبلهم، وخلع عليهم ونزلهم بما أرادوا ولما عاث أصحاب توزون بتكريت ركب بنفسه فأخرجهم منها،
стр. 585
فكثر شكرهم له ثم رجع عليهم الأموال. فكثر دعاؤهم عليه، فكان كما قال مسلم بن الوليد
ولا غرو لم تدركك منّى ملامة ... أسأت بنا عودا وأحسنت باديا
وكما قال رجل فى صديق له كان أحسن الناس فعلا مبتدءا، وأقبحهم آخرا، فقال فيه
أوّله يرضى ولكنّه ... لا يتبع الأوّل بالآخر
سبحان الله ما أعجب أمر البركة والحظوظ؟ هذا أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد ما كتب لأحد قط إلا بلغ أعلى المراتب وأجل المنازل ما زال جد ابن الخال يعلو ما دام يكتب له، فلما تركه أدبر وانحل أمره، وكتب لبجكم فبلغه ما لم يبلغ أمير من المال والهيبة، وأصلح له قلوب أصحابه. وكتب لتوزون فبلغ به ما لم يظن الناس أن توزون يبلغه أبدا.
ووافى اسكورج بغداد يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادى الأولى وهو أمير الشرطة.
ووافى قبله خمسمائة من الديالم الأسرى فى زواريق، فكان توزون قد رد أمرهم إليه. فحبس بعضا وبقى بعضا وأطلق بعضا ووافى إقبال الشيرزاذى مع زواريق دقيق إلى بغداد، وبزواريق سقط فقيل هذا لابن حمدان وأخذ مستهلكا وغمز بخزانة لأبى الحسين على بن محمد بن مقلة بناحية سوق العطش فوجه أبو جعفر بن شيرزاد بابن جمدى، فأخذ جميع ما فيها ونزل ابن
стр. 586
جمدى داره بمربعة أبى عبد الله، وأخذ جميع ما كان فيها، وسفر فى الصلح بين توزون وناصر الدولة على أن يرجع الخليفة إلى داره ويحمل ابن حمدان إليه فضلا مما كان يحمله على أن الامارة تكون لعبد الواحد ابن المتقى لله، فكان ناصر الدولة أسرع الناس إجابة وأشباهم لتمامه.
فكره أخوه وأصحابه ذلك، وكرهه الخليفة. فقال لهم ناصر الدولة أنتم تهربون ولا تقفون، وما لكم عندى رزق إن عزمتم على القتال إلا بعد أن أعرف أمركم، وإلا فانصرفوا الى حيث شئتم، فحلفوا له أنهم يجتهدون ولا يقصرون.
وورد الخبر على توزون أن ناصر الدولة، على أن يواقعه وقعة ثانية وكان توزون فى وقت هرب الترجمان قد قبض على ختنه المعروف بحبة التركى وحبسه وكان شجاعا، فتكلموا فيه وضمنه أبو عمران موسى بن سليمان اصبهسلان؛ فأخرجه وخلع عليه ووصله وحمله على دواب كثيرة ووهب له بغالا، وسفر أبو عبد الله محمد بن أبى موسى فى الصلح وأحبه واجتهد فيه، وهو من رجال الزمان ومن أهل الخير مع ذلك وكثرة الصدقة واصطناع المعروف، فتردد فى الصلح وقرب الأمر على يده، ثم عارضه قوم فأفسدوا الأمر وصح عزم الخليفة وناصر الدولة على محاربة توزون ثانية فصار سيف الدولة فى الجيش كله إلى تكريت، لأيام خلت من رجب وبلغ توزون خبرهم، فشخص إليهم فى عدته، فلما صافتهم الحرب استأمن ارتمش التركى، وهو من أجل قواده، وكان غلاما لسيف الدولة
стр. 587
إلى سيف الدولة فى جماعة من الاتراك فاضطرب عسكر توزون لذلك فخاف أن يهزم، فحمل عليهم فى نحو ثلاثمائة غلام وحقق وحققوا معه، فما هابوا سيفا ولا رمحا حتى أزالوهم وهزموهم، فولوا هاربين وتبعهم ولم يوغل ولا أبعد، خوفا على اضطراب باقى عسكره وسواده وقد كان ناصر الدولة قال لأصحابه: إن انهزمتم فلا يرينى أحد منكم وجهه فما قبلوا ذلك، وصاروا إلى الموصل وأصحابهم معهم وظهر أبو جعفر، بعد أن كان استتر يوما، وهنأه الناس بالفتح.
ورأى توزون أن يمضى إلى الموصل، وكاتب الخليفة بأنه عبده ولا خلاف عليه منه، فما قبل ذلك فرحل الأمير توزون إلى الموصل لا يلوى على شىء، وبلغ الخليفة وابن حمدان ذلك، فرحل إلى نصيبين، وحوى توزون الموصل وما فيها من الأطعمة وعسكر خارجها على أن يقصد نصيبين ويوقع بمن فيها، وكتب إلى ابن حمدان فى إنفاذ الخليفة اليه فكره الخليفة أن يصير إليه بعد ما فعله فأسرع من نصيبين إلى الرقة فى أصحابه الذين خرجوا من بغداد معه، ومعه من الكتاب وزيره على بن محمد بن مقلة وأبو إسحاق القراريطى وأحمد بن عبد الله الأصبهانى والحسن بن هارون وأبو محمد الحسن بن احمد المادرانى وعبد الجبار بن الحسن النفرى كاتب دار السلطان مستنجدا بابن طغج وكتب بذلك اليه وكتب الأمير توزون إلى أبى جعفر بن شيرزاد فى اللحاق به فلحق به إلى الموصل واعتمد فى خلافته ببغداد على أبى عبيد الله أحمد بن محمد
стр. 588
ابن عبد الوهاب، وعلى طازاذ بن عيسى النصرانى، وكان رأى ناصر الدولة أن يرجع الخليفة إلى بغداد، ويفارق هو الأمير توزون على مال يحمله ويصرفه إلى بغداد، فخالفه المتقى لله، وخرج من أعماله معتمدا على ابن طغج أبى بكر الاخشيد وكاتب ناصر الدولة الأمير توزون فى الصلح، وعلم توزون أنه أشار على المتقى لله بما أراده توزون فلم يقبل المتقى منه ولا تركه بعض من كان معه يقبل ذلك وسفر بين ناصر الدولة وبين توزون أبو عبد الله بن أبى موسى الهاشمى وأبو زكريا يحيى بن سعيد السوسى، ولما صار أبو جعفر إلى الموصل رأى أن الأموال الذى يحملها ابن حمدان أوفى مما يؤخذ من الموصل مع التغرب وانتشار الأعراب وكان خروج أبى جعفر من بغداد فى شعبان، فتم أمر الصلح بين توزون وبين ناصر الدولة برأى أبى جعفر، وما زالت السفارة بينهما طول شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وتم الصلح فى أول شوال ورجع توزون إلى بغداد وأبو جعفر معه، فكان دخوله إليها لاحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وكان حرص أبى جعفر على الصلح لما بلغه من موافاة ابن بويه الديلمى إلى واسط، وأخذ الضرائب والخراج، وأن ابن بويه دخلها فى شهر رمضان واتهم المتقى لله بمكاتبة ابن بويه بأن يصير إلى الحضرة، وصلحت سيرة ابن بويه بواسط، وخفف عنهم كاتبه محمد بن احمد الصيمرى
стр. 589
المكنى أبا جعفر من الضرائب، وعدل عليهم فى الخراج وكان أمير بغداد أبو العباس اسكورج قد اصطنع ابن جمدى وأمل أن يرتدع ويقصر ويعرف به جميع المتلصصة، فكان يرسل أصحابه على الناس، فلهم فى كل يوم حادثة عظيمة، وكبس وإغارة على الأموال.
ووقف اسكورج على أنه أصل ذلك كله، وقيل للامير توزون فيه غير مرة، وعرف أبو جعفر الأمير حقيقة خبره، فأمر به فضرب وسطه فى دار الأمير توزون، وحمل إلى الجسر على جمل، ونودى عليه هذا ابن جمدى اللص فاعرفوه وظفر بجماعة من أصحابه فقتلوا وصلبوا، فسر الناس بذلك وقالوا ما أمنا على أنفسنا وأموالنا إلا الآن، بقتل ابن جمدى وأصحابه، وكثر الدعاء للامير توزون، وكان قتله برأى أبى جعفر بن يحيى بن شيرزاد الكاتب
وفاة البريدى
قد ذكرنا وثوب أبى عبد الله البريدى بأخيه يعقوب أبى يوسف وقتله له حين منعه، وكان ذلك فى النصف من صفر سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ووافى الخبر إلى بغداد أول يوم من ذى القعدة، سنة اثنتين بأن أبا عبد الله أحمد بن محمد بن يعقوب البريدى توفى لأيام بقيت من شوال سنة اثنتين بقولنج عرض له، وقام بالأمر أخوه أبو الحسين على
стр. 590
ابن محمد أياما، ثم أحس بأن جماعة من الغلمان والقواد قد عزموا على الفتك به، فهرب فى الليل مع غلام له حتى خرج من سور البصرة من ناحية سيحان، ثم لحق بالقرامطة المقيمين بالجعفرية على فرسخ من البصرة فعرفهم نفسه وما جرى عليه، فحمل إلى البحرين ثم رد باختياره إلى البصرة، وكان أبو القاسم عبد الله بن أخيه قد ملك الأمر بعده، فلما وافى البصرة تكلم قوم فى أمره بفنون فأبى أبو القاسم إلا أن يخيره ما يريد، فاختار الخروج من البصرة، فخرج ووافى بغداد، وذلك كله أو أكثره فى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
ذكر قتل الترجمان
جملة أمره أنه كان جبانا مضربا منتقلا، بخيلا قصير الرأى ردىء الاختيار، وكان سيف الدولة يتهمه بأنه هو الذى ضرب الأمير توزون عليه، حتى كان منه إليه بواسط ما كان، وأنه أطمع المتقى لله فى الاحتيال على ناصر الدولة وراسله فى ذلك، يحصله فى داره فيطالبه بالأموال، وأن الرسل بينهما اختلفت بذلك.
ولقد أمكنه ذلك من ناصر الدولة مرات، خاصة عند قرب خروجه من بغداد فما اضطلع بذلك، ولا كانت له نفس تفى به، إلى أن خرج ناصر الدولة، وهو أوثق الناس به وعنده أنه فى جملته ثم غدر به. فرجع وكان بالرقة قد تمكن من المتقى لله، يصل إليه متى أراد ويأكل معه ويسمع منه، وكان يثلب سيف الدولة. وكاتب
стр. 591
الاخشيد ابن طغج فى إنفاذ جيش إلى الرقة لأخذ الخليفة من يد سيف الدولة فركب يوما إلى سيف الدولة، وقال له قد ضرب الجند على، فان كان فى نفسك شىء على، فأنا بين يديك، وتغضب وزاد فى الكلام، فنصحه سيف الدولة وقال له: لا يركب معك غيرى، حتى يؤديك إلى منزلك، فركب وخرج من بابه وأغلق غلمان سيف الدولة بابا خلف سيف الدولة، وضربوا الترجمان- وكان خلفه- بالسيوف واحتزوا رأسه، وبلغ أمره الخليفة فغضب وتكلم، وقال: ابن رايق بالأمس، والترجمان اليوم! وأشير إليه ألا يعيد فى هذا شيئا وأن يرى سيف الدولة أن الذى حكاه حق، ويستصيب رأى الغمان فيما فعلوه وفاز جميع من كانت له عنده ودائع مال فهو فى أيديهم، واعتل الامير توزون فى ذى القعدة علة صعبة شديدة من قولنج وغير ذلك، ثم أقاله الله ووهب له العافية فاستحجب فتاه صافيا، وخلع عليه خلعا، ركب فيها حتى رآه الناس ثم اتصل بتوزون أن الديلمى الذى بواسط يريد بغداد، فقدم مقدمته إلى المداين، وخرج فى أثرهم وذلك فى ذى القعدة لاحدى عشرة ليلة بقيت منه ووقع فى هذا الشهر بالكرخ حريق عظيم من حد طاق التكك إلى السماكين، وعطف على أصحاب الكاغد وأصحاب النعال، وذهبت النيران بأمتعة البزازين وأموال خطيرة، وكان وقوع الحريق ليلا
стр. 592
فبادر الناس ليخلصوا أمتعتهم فكان كل من أخرج شيئا نهبه الخرابون ومن يعينهم من العيارين، فما وصل الناس إلى شىء من أمتعتهم وسار أحمد بن بويه الديلمى يريد بغداد، وحدر أبو جعفر إقبالا غلامه فى الماء ومعه الطيارات والزبازب، ليمنع الديلمى من الماء، وكان ذلك من أجل الآراء وكان ذلك سبب الفتح وهزيمة الديلمى، ووقعت الحرب فى الجانب الغربى من حدود قباب حميد أياما متوالية والامير توزون يرى أن يستجرهم إلى قرب بغداد، لتقرب عليه الميرة إلى أن عبر بهم نهر ديالى، فصيره بينه وبينهم. وذلك برأى أبى جعفر بن شيرزاد، وجاء الديلمى حتى نزل حياله وهو بلا زاد، وقد ذبح جماله وجاع أصحابه ومنع مع ذلك من الماء، وكان المعروف بابن أبى على اللص قد صار فى جملة الديلمى وجمع أبو جعفر أموالا فحملها إلى الأمير توزون فقويت بها نفوس أصحابه، وأثبت جماعة من العيارين فأنفذهم فى الماء، ليرموا بالمقاليع، فكانوا يعطعطون بالديلم ويمنعونهم مع إقبال من الماء حتى هلكوا جوعا وعطشا، وعلم الأمير بما هم فيه من ذلك وأمر أبا الدفين الاعرابى أن يعبر إليهم، وعبر جماعة من الاكراد ومتسرعة من قواد الأمير توزون وغلمانه، فولى الديالم هاربين فى الساعة الخامسة من يوم الأحد لأربع خلون من ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة واستأمن إلى الأمير جماعة من وجوه الديلم وقوادهم، وظفر
стр. 593
بجماعة منهم، وأخذ فيمن أخذ ابن قرابة العطار، فأمر الأمير توزون فيه بأمر عظيم، فتكلم فيه الحر الجليل أبو جعفر حتى تخلصه، وكان تخلص ابنه قبل ذلك، لأنهم ذكروا أنه وجد له كتاب إلى أبيه، فيه ما لا يجوز فأمر الامير بقتله حتى استنقذه أبو جعفر ولما اشتد أمر الديالم وظن الناس أن الأمر أهم، انتدب جماعة وعزموا على الفتك بأبى جعفر فى داره والوثوب ببغداد، ليبادر جيش الأمير إلى منازلهم فيكون هزيمة ويركبهم الديالم واتصل خبرهم بأبى جعفر، فوجه بمن قبض على من وجد منهم وأحضر أبو العباس بن عبد الرحمن بن جعفر الخياط، والمعروف بابن أبى الردينى وطلب يمن البرى فلم يوجد وهرب جماعة ذكروا فى هذا الامر، فوبخ أبو جعفر ابن الخياط وذكره إحسانه إليه وأنكر أنه فعل ذلك، فأمر بحبسهم بعد أن صح عنده أمرهم؛ فحلم ولم يسلمهم فيقتلوا، وكان هذا من فضله وتوقيه وكان ظفره بهؤلاء علامة للاقبال، لأنه أخذهم لليلتين خلتا من ذى الحجة، وهزم الديلمى بعد يومين ولقد اجتمعت على أبى جعفر فى هذا الوقت أمور، لو اجتمعت على أوسع الناس صدرا وأشدهم بأسا وأكملهم شجاعة لبعل بها، ولم يتسع للفكر فيها، وكان يلجأ إلى هرب واستتار، فصبر على ذلك كله واضطلع به، حتى بلغه الله ما أراده وأظفره ببغيته منها مجيىء الديلم إلى قرب بغداد فى الجيش الذى لا يقام لمثله ومعه
стр. 594
كتب يقرأها على الناس بمكاتبة المتقى لله له يأمره بقصد بغداد، وذلك ما لا يكذب به أحد ممن سمعه لهرب الخليفة، وما أظهره من عداوته للامير.
فمنها علة الأمير توزون، التى اشتدت فى هذا الوقت، فما خرج عن بغداد إلا وهو عليل رقيد ومنها قلة المال وأنه لا يرجع إلى شىء معد ولا يقدر على استسلاف من التجار على شىء يرد، ولا مطالبة للمستظهرين منهم، بقرض، لئلا تنفر عامة البلد مع حاجته إلى تسكينهم وإلى الرفق بهم ومنها مجىء القرامطة إلى الكوفة يطالبون بمائة وخمسين ألف دينار، وورد المكنى بأبى دلف بغداد مستحثا لذلك ومنها شذوذ الخليفة وتباعده إلى الرقة، يورى الناس أن توزون قد عصاه، وأراد إتلافه فهرب منه، وأن الترجمان يهتف بذلك ويجاهر به ويكاتب الناس من أهل الشرق والغرب بمعونة الخليفة وإغاثته واستنقاذه ومنها أن ناحية ناصر الدولة التى كانت مغوثة بالأموال الموكفة والأقوات الواردة قد أفسدها الخليفة ومن معه، فانقطعت مواردها وغلت الأسعار بها ويئس الجند منها؛ إلى أشياء بعد هذا لعله لا يجوز ذكرها. فصبر أبو جعفر على هذا كله، حتى كشفه الله لمناصحته، ويمن تدبيره ومن أعجب العجب أن قوما يظنون أنهم يقومون مقامه ويغنون
стр. 595
غناءه، وأن أعداءه يرجفون به ويتالون المعايب له. وقد نسوا ما كان منه وما كان يعانيه ويقاسيه فى هذا الوقت من [الأ] مور الملابس بها. والله الذى لا إله إلا هو إنه بالرحمة له منها أولى من الاغتباط بها له ولا تعمل إلا على أن واحدا قام مقامه وفعل فعله، من أين يملك مثل طبعه حتى يجلس سائر نهاره وأكثر ليله، لا يأكل ولا يشرب ولا يتشاغل بشىء من جميع الملاذ التى لا يصبر الناس عن شىء واحد منها، ولا يحجب واحد عنه، ولا ينصرف ذو حاجة أتاه إلا راضيا إما بقضائها وإما بوعد فيها يقنع به، وإما بولاية يرى نفعها على ما أمله من حاجته وملتمسه، أو تعويض له من ماله، بصدر رحب ووجه طلق وخلق واسع، لا يقدر المتخلق على مثله وسل أين من كتب لبجكم وهو فى أدنى أمره فبلغ به أعلاه فربى الصغير بمعرفته، وتكهل الشاب بخدمته، وشاخ الكهل ولا يعرف غيره. فهو لجماعتهم كالوالد الحدب وكلهم له هايب طائع ومن أين يوجد رجل ما كتب لأحد قط واتصل به إلا علت مرتبته، وزادت حالته وطغى يساره، ثم يكون مفارقته له فيه سبب حتفه وسقوط حاله هذا ابن الخال هارون، مازالت حالته متوسطة إلى أن كتب له فبلغ به أقصى ما يبلغه مثله، إلى أن تغير له وفارقه فساق نفسه الى حينه ولقد حدثنى بعض أسبابه أن كتاب أبى جعفر نفذ اليه مطلقا بالرأى عليه بأن يقبل ما كاتبه به الراضى بالله ويرجع ويتركه حتى
стр. 596
يسعى له فما يريد على رفق وتأيد فخالف وبادر وهذا الأمير بجكم، مازال وهو يكتب له مصحح البدن بآمن الحال موفر الأصحاب، ما قتل أحدا من أتباعه ولا أنكر شيئا من أمره، حتى قبض عليه وصادره، واستكتب غيره. ففسدت عليه حاشيته، وقتل جماعة منهم، وتندم على ذلك، وحالفه سقم فى جسمه؛ فو الله ما قتل إلا وهو مستسقم فاسد المزاج ولقد كنت أقول لسنان بن ثابت ما ترى لون الأمير واستحالته والغلظ الذى يشكوه فى جوفه؟ فيقول لى لعله يصلح إذا احتمى، قول آيس منه، فما كان عمره بعد مفارقته له مع تنغص عيشه إلا مديدة وهذا الأمير المظفر أبو الوفاء توزون، ما كان أصحابه قبل أن يكتب له يفى عدتهم بثلثى عدتهم فى هذا الوقت، ولا نفقاته تفى بنصف بعضه فى هذا الوقت، فهو بركة عليه فى نفسه وجيشه واتساع نفقاته والله يعلم أنى ما تحريت بقولى هذا إلا الحق والمناصحة ولا يرانى الله- فى شىء مما أرويه وأؤلفه- أريد صديقا لصداقته، ولا رئيسا لإحسانه، ولا أتزيد على عدو لعداوته، ولما أعتقده من بغضه، ومن لزم الحق سلم فى عاجله وآجله، وكان الله ولى توفيقه
стр. 597
ذكر رجوع الامير أبى الوفاء توزون
(إلى داره، بعد هزيمة الديلمى وركوبه الظهر ورجوعه فى الماء) ولما فتح الله على الأمير المظفر أبى الوفاء توزون، وأظفره بالديلم وأقام فى عسكره أياما، وأنفذ فى طلب المنهزمة من يقتل ويأسر، ولم يعجل برحيل ليتبين آخر أمر عدوه، وما زال هذا من فعل الحزمة ذى الرأى المصيب، والعزم الصحيح.
وأمر أصحابه بالرجوع إلى منازلهم، مسرورين بما صار إليهم من سلب الديالمة وسوادهم، بعد أن كثر عند الأمير على بعضهم، فما نفس بذلك عليهم، ولا سأل عنه، ولا عرض به ثم رحل إلى بغداد وركب على الظهر فى يوم الاربعاء لسبع خلون من ذى الحجة، فمضى فى شارع المخرم إلى الجسر، ودعا الناس له، ثم انصرف فى الماء إلى داره، وكانت ركبته هذه ركبة ما ركب أحد مثلها قط إلا خليفة، لأنه كان بين يديه مائة جنيبة ودابة وبغل بالسروج المذهبة والمفضضة، وبين يديه وخلفه من الغلمان الأتراك، بألوان الثياب وأحسن السيوف والمناطق وأفره الدواب، وهم عدة، ما اجتمع لأحد منذ مدة طويلة مثلهم. وما من قائد من قواده بعد هذا إلا وهو مساو بعدته وعدته قربه لأجل أمراء النواحى وأصحاب الاطراف الممتنعين بها ووافى فى ذى الحجة أبو على الحسن بن هارون بغداد برسالة
стр. 598
الخليفة المتقى لله وكتابه إلى الأمير أبى الوفاء المظفر وهذا رجل من رؤساء كتاب الزمان ممن خدم الأمراء السادة، وهو حدث لم يتكهل فحسن خبره، وحمد أثره. كتب ليوسف بن ديوذاذ أبى الساج، وهو الامير الذى لا تدفع شجاعته ولا يجهل قديمه ورياسته ولا يشك فى عقله وأدبه ونفاذه فى جميع الأمور، فبلغ به ومعه الغاية التى لا تبلغها الآمال وهو مع كتبته رابط الجأش قوى الشجاعة حسن الفروسية، شهد مع يوسف بن أبى الساج وقعة القرمطى بالكوفة، فما زال ضاربا بالسيف إلى أن علم بأمر صاحبه فحمى نفسه بإقدامه وغلمانه، حتى أفلت جريحا وكتب لعلى بن يلبق وهو هنى لا يعد، فجعل إليه بتلطفه أمر المغرب كله وشرطة بغداد وحجبة الخليفة، إلى أن خلط عليه فتركه، فآل أمره إلى ما آل اليه، وإنما ذكرت أمر ابن يلبق معه لشىء أجىء به بعد سمعت الراضى يقول فى خلافته: إنما كتب الحسن بن هارون لابن يلبق رحمة من الله لنا لنبقى، ولو لاه لقتلنا القاهر كلنا! ولكنه كان يمنع منا ويحمل ابن يلبق على المناضلة عنا والدفع عن أنفسنا، وكان يصفه كثيرا.
ولقد غنت ستارته يوما بشعر مليح، فقال أتعرف هذا اللحن؟
قلت لا، قال فالشعر؟ قلت لا، قال هذا الشعر كتب به الى الحسن بن هارون وعمل هذا اللحن فيه، وكان عنده بمنزلة لطيفة. فلما قدم برسالة الخليفة وكتابه لطف للأمير ابن المظفر إلى أن جمع الناس عنده
стр. 599
فى يوم الاثنين لاحدى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، وفيهم خليفة القاضى أحمد بن إسحاق سهل بن ابراهيم والعدول، وأحضر من العدول من يحسن أن يتكلم بالفارسية، حتى أخذوا على الأمير مارضى به من القول. وحضر الهاشميون ووقع الصلح، وانصرف الناس مسرورين، وأنفذ الحسن بن هارون كتاب الأمير إلى الخليفة. ومعه كتابه بما جرى، وانتظر الناس ورود الجواب وخلع الأمير على ينال المحتاجى يوم الاثنين لثلاث بقين من ذى الحجة، وولاه طريق خراسان، فخرج مبادرا فى عدة واستظهار، واتصل به وهو يعبر نسا أن الأعراب قطعوا على قافلة فخرج مبادرا ولم ينتظر أصحابه استهانة بالأعراب، وكان قد أطلق لصا يقال ابو الفرج بن مياح بعشرة آلاف درهم أخذها، وكان من حقه أن يقتل لقطعه الطريق فنظر اليه ابن مياح هذا، وهو فى خف فطمع فيه وحرض عليه إلى أن انبرى له، فطعنه فقتله فسلط الله عليه اللص الذى أطلقه ظالما لنفسه، عاصيا لله فى إطلاقه حتى قتله، فورثه الأمير ابو الوفاء وأخذ غلمانه ودوابه وأثاثه وضياعه وولى مكانه الفتح اللشكرى فطلب الأعراب فهربوا منه ولم يقفوا له.
وورد ابن الغمر صاحب القرمطى الذى كان أدخل أيام القاهر مشهورا ببرنس مع الشريف أبى على عمر بن يحيى العلوى بغداد مطالبا بمال المفارقة، فكتب له أبو جعفر بن شيرزاد على عمال الكوفة كل ذلك، ليأمن على الحاج وهو يعلم ما عليه فى ذلك
стр. 600
وكان أبو بكر النقيب قد هرب من بغداد إلى ناصر الدولة، قبل شخوص الخليفة عن بغداد فقبله أحسن قبول وخلع عليه وعلى ولده، وبلغ برزقه ألفى دينار، ومثلها لولده وغلمانه، ثم خرج مع الخليفة إلى الرقة، ثم رجع إلى ناصر الدولة فأقام يأخذ رزقه، ثم كاتب أبا جعفر فى مصيره إلى الحضرة واحتال حتى قدم وكان أبو جعفر قد وجد على أسكروز الديلمى عامل الشرطة ببغداد فى أشياء أنكرها عليه من أخذ الدراهم، وقبالة ثقيلة يلزمها ولاة الشرطة فكاتب الأمير فيه فعزله، وولى مكانه أبا بكر النقيب، وهذا فى المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ولما رجع الامير أبو الوفاء من نهر ديالى ظافرا أنشد شعرا فى وصف ما كان منه ومن أبى جعفر فى العزم والرأى، فما وقع عند من حضر الموقع المرضى. فنطقوا بأجمعهم وقالوا لى: مثل هذا الخطب العظيم والفتح الجليل، لا يكون له مدح يشهره الناس ويرويه؟ فقلت فى ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
نعم الورى بسوابغ النّعماء ... ونجوا من البأساء والضّرّاء
عضد الآلهّ أبا الوفاء بنصره ... عضد الخلافة سيّد الأمراء
فأريح قلبى من جوى البرحاء ... ولهيب نار الوجد والأدواء
عاد الزّمان إلى نضارة عيشه ... وأزيلت البأساء بالسّرّاء
قد واصل النّصر للتابع سيفه ... كوصال حبّ كاره لجفاء
следующие страницы →