Полный текст (1 011 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
تعفو الكلوم وينبت الشّعر ... ولكلّ وارد منهل صدر
والعار فى أثواب منبطح ... لعبيده ما أورق الشّجر
حدّثنى يحيى بن على قال حدثنى ابى عن إسحاق قال شهدت سليمان بن ابى جعفر ذات ليلة عند محمد الامين- وأراد الانصراف- فقال له أتركب الماء أو الظهر؟ قال الماء ألين على، قال أوقروا له زورقه ذهبا، فأوقروه له.
أبو إسحاق ابراهيم بن المهدىّ
حدّثنا يحيى بن على عن احمد بن يحيى بن جابر قال حدثنى هبة الله بن ابراهيم بن المهدى أن محياة الطائفية ام ولد المنصور كانت بعثت بشكلة أم ابراهيم إلى الطائف فنشأت هناك ففصحت وقالت الشعر وأنشدنى لها شعرا فى أخ كان لها يقال له احمد وهو:
أحمد تفديه شباب فهر ... من كلّ ما ريب وأمر نكر
قد جاء مثل الشّمس غبّ قطر ... فى حسن بدر واعتدال صدر
بنىّ أحشائى وذخر ذخرى ... شدّ إلهى بأبيك ظهرى
وزاده ربّ العلى من عمرى ... وذبّ عنه خائفات الدّهر
وعنك ما أدرى وما لا أدرى
قال وابراهيم شاعر عالم بالغناء مقدم فى الحذق، بايعه اهل بغداد
стр. 667
بعد قتل محمد الامين، فلما ظهر قواد المأمون استخفى فلم يزل كذلك مدة طويلة إلى أن قدم المأمون بغداد، ثم ظهر عليه فعفا عنه فعمل فيه اشعارا وشكلة من سبى دنباوند قتل ابوها شاهمرد وسبيت هى وبخترية أم منصور بن المهدى، فوهبها المنصور لمحياة أم ولد له فوهبتها للمهدى وولد إبراهيم بن المهدى غرة ذى القعدة سنة اثنتين وستين ومائة وتوفى فى أول سنة أربع وعشرين ومائتين، وقيل فى آخر سنة ثلاث وعشرين بسر من رأى.
حدّثنا يموت بن المزرع قال حدثنى الجاحظ قال أرسل إلى ثمامة يوم جلس المأمون لابراهيم بن المهدى، وأمر باحضار الناس على مراتبهم فحضروا، فجىء بابراهيم فى قيد فسلم، فقال له المأمون:
«لا سلم الله عليك، ولا حفظك» فقال: «على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد اصبحت ولى ثأرى، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مد له فى الامل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبى فوق كل ذنب، وعفوك فوق كل عفو، فان تعاقب فبحقك، وإن تغفر فبفضلك» فقال له المأمون إن هذين أشارا على بقتلك- وأومأ الى المعتصم وإلى ابنه العباس- فقال قد أشارا بما يشار بمثله فى مثلى، وما غشاك فى عظم الخلافة ولكن الله عودك من العفو عادة، فانت تجرى عليها دافعا ما تخاف بما ترجو، فقال: أطلقوا عمى، فقد عفوت عنه
стр. 668
فقال بعقب هذا:
وعفوت عمّن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع اليك بشافع
إلّا العلوّ عن العقوبة بعد ما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع
فرحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النّازع
قسما وما أدلى اليك بحجّة ... إلّا التّضرّع من مقرّ خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدّنى ... أسبابها إلّا بنيّة طائع
وهذه قصيدة طويلة أولها:
يا خير من ذملت يمانية به ... بعد الرّسول لآيس أو طامع
وله فى عفوه أشعار كثيرة منها قصيدة أولها:
أعنيك يا خير من تعنى بمؤتلف ... من الثّناء ائتلاف الدّرّ فى النّظم
أثنى عليك بما جدّدت من نعم ... وما شكرتك إن لم أثن بالنّعم
وفيها
رددت مالى ولم تمنن علىّ به ... وقبل ردّك مالى ما حقنت دمى
فنؤت منه وما كافأنها بيد ... هى الحياتان من موت ومن عدم
البرّ لى منك وطء العذر عندك لى ... فيما أتيت فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بى فاحتجّ عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متّهم
стр. 669
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا فقدناك من عاف ومنتقم
حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا عبد الوهاب بن محمد ابن عيسى قال استخفى ابراهيم عند بعض أهله من النساء، فوكلت بخدمته جارية جميلة، وقالت لها: أنت له، فان أرادك لشىء فطاوعيه وأعلميه ذلك حتى يتسع له. فكانت توفيه حقه فى الخدمة والاعظام، ولا تعلمه بما قالت لها، فجل مقدارها فى نفسه، إلى أن قبل يوما يدها فقبلت الارض بين يديه فقال:
يا غزالا لى اليه ... شافع من مقلتيه
والّذى أجللت خدّ ... يه فقبّلت يديه
بأبى وجهك ما ... أكثر حسّادى عليه
أنا ضيف وجزاء ال ... ضّيف إحسان اليه
وعمل بعد ذلك فيه لحنا من طريق الهزج حدّثنى عبد الله بن محمد بن على الكاتب قال حدثنا ابو العيناء قال سمعت إبراهيم بن الحسن بن سهل يقول: لم يكن ابراهيم بن المهدى يصدق أن عفو المأمون عنه يدوم، ويرى أنه سيلحق به جملة، فكان يتعهر ويتهتك ويغنى لكل أحد، ولا يخلى المأمون فى كل وقت من مدح حدّثنا أحمد بن يزيد المهلبى قال حدّثنا أبى قال كتب ابراهيم ابن المهدى الى عمرو بن بانة- حين ظهر ورضى عنه المأمون- يدعوه
стр. 670
فكتب اليه عمرو: أخاف سخط أمير المؤمنين. فكتب اليه ابراهيم:
ليس يخلو أمير المؤمنين من أن يكون راضيا عنى فما يكره أن تسرنى، أو ساخطا فما يكره أن تعرنى، وما تخرج عن هاتين.
حدّثنى الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت هبة الله بن ابراهيم ابن المهدى يقول حين أخذ أبى ابراهيم كتب إلى المأمون رقعة فقرأها قبل أن يراه وهو أول شعر قرأه له:
أيا منعما لم تزل مفضلا ... أدام الضّنى سخطك الدّائم
ظلمت فان قلت لا بل ظلم ... ت فانّى أنا الكاذب الآثم
وأستغفر الله من زلّتى ... فانّى من جرمها واجم
يفزّ الحليم ويكبو الجوا ... د وينبو لدى الضّربة الصّارم
فهأ انا ذا العائذ المستجي ... ر فاحكم بما شئت يا حاكم
عصيت وتبت كما قد عصى ... وتاب إلى ربّه آدم
فقل قول يوسف لا تثرب ... نّ فقد يغفر الغافر الرّاحم
فلست إلى زلّة عائدا ... يد الدّهر ما قعد القائم
قال فحل ذلك أكثر ما كان فى نفسه حدّثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال دخلت يوما الى ابراهيم بن المهدى فتجارينا ذكر الدول فأنشدنى لنفسه:
فلله نفسى إنّ فىّ لعبرة ... وللدّهر نقض للقوى بعد إبرام
стр. 671
غدوت على الدّنيا مليكا مسلّطا ... ورحت وما أحوى بها قبس إبهام
حدّثنا عون قال أنشد ابراهيم بن المهدى المأمون شعرا يعتذر فيه فقال له حين فرغ منه: قد أفرط شكرك، كما أفرط جرمك، والاحسان محاء للاساءة.
وأنشدنى عون له بعقب هذا وكان يستجيده:
ونهيت نومى عن جفونى فانتهى ... وأمرت ليلى أن يطول فطالا
نظر العيون على العيون هو الّذى ... جعل العيون على العيون وبالا
حدّثنا محمد بن يحيى بن أبى عباد قال حدثنى أبى قال كان إبراهيم ابن المهدى قد ترك الغناء فى آخر أيامه، وذاك أنه غنى المعتصم صوتا بشعر له فى طريقة الثقيل الثانى فى الاصبع الوسطى نوحيا على عمد:
ذهبت من الدّنيا وقد ذهبت منّى ... هوى الشّيب بى عنها وولّى بها عنّى
فان أبك نفسى أبك نفسا نفيسة ... وإن أحتسبها أحتسبها على ضن
وجعل يغنى ويبكى، فقال له المعتصم: ما هذا يا عم؟
قال: حلفت بين يدى الرشيد أنى إذا بلغت الستين لم أشرب ولم أغن، قال ومن يشهد بهذا؟ قال جماعة قد بقى منهم مسرور الخادم، فسأله عن ذلك فشهد له، فأعفاه عن الغناء الشرب والغناء فما عاد لذلك إلى أن مات.
حدّثنى الحسين بن يحيى قال سمعت عبد الله بن العباس بن
стр. 672
الفضل بن الربيع يقول بلغ ابراهيم بن المهدى من حسن الغناء والعلم إلى نهاية ما بعدها، حتى انه كان يجاذب اسحاق الموصلى ... «١»
صنعة حسنة شبه بها صنعة الاوائل، منها أنه غنى فى شعر مروان ابى حفصة من طريقة الثقيل الاول:
طرقتك زائرة فحىّ خيالها ... حسناء تخلط بالجمال دلالها
حدّثنا يحيى بن على عن ابيه عن ابراهيم بن على بن هشام ان اسحاق كتب إلى ابراهيم بن المهدى بجنس صوت صنعه مجزأ واجزاء لحنه فغناه ابراهيم من غير أن يسمعه والصوت:
حيّيا أمّ يعمر ... قبل شحط من النّوى
فقلت لا تعجلوا ال ... رّواح فقالوا ألا بلى
وهذا مما لم يسمع بمثله من فعلهما، والذى فعله ابراهيم بن المهدى اشد واعجب، واللحن الذى عمله اسحاق فى هذا الشعر من الثقيل الثانى وللهذلى فيه لحن فى طريقة خفيف الثقيل الاول.
وكان ابراهيم بن المهدى ينسب الثقيل الاول الذى عليه الناس جميعا إلى الثقيل الثانى، وينسب الثقيل الثانى إلى الثقيل الاول، وتابعه على ذلك عمرو بن بانة، وكان احد غلمانه «ومن شعر ابراهيم»
الشّيب شين والخضاب عذاب ... ولكلّ حىّ مهجة ستصاب
стр. 673
قالت أمامة شبت يا ابن محمّد ... شيبا وشاب أمامة الأتراب
وهذا معنى مليح، يقول وقد شبت أنت أيضا، ومثله لكعب بن زهير وهو أوضح من هذا:
ألا بكرت عرسى تلوم وتعذل ... وغير الّذى قالت أعفّ وأجمل
أريت من الشّيب العجيب الّذى رأت ... فهل أنت منّى ويب عيرك أمثل
كلانا علته كبرة فكأنّما ... رمته سهام فى المفارق نصّل
يقول نحن وإن شبنا على أمرنا فى اللهو والبطالة، فكان سهام الشيب نصل لا زجاج عليها، حين اصابتنا فلم تغن شيئا. فأخذها ابو نواس فقال وخلط:
خلق الشّباب وشرّتى لم تخلق ... ورميت من عوض الشّباب بأفوق
وليس من ذاك لانه يقول رميت بسهم فى اللهو مكسور الفوق لأنى شيخ. يقال خلق [الثوب] يخلق وأخلق يخلق ومن مليح ما يشبه هذا ما حدثنى به الحسن البلعى عن أبى حاتم السجستانى قال قرأت على الاصمعى شعر حسان ومرت قصيدته:
منع النّوم بالعشاء الهموم
إلى ان بلغت:
لم تفقها شمس النّهار بشىء ... غير أنّ الشّباب ليس يدوم
فقال الاصمعى: آه، أخبر والله أنها كبيرة!
стр. 674
حدّثنا ميمون بن هارون قال سمعت الفضل بن مروان يقول كان ابراهيم بن المهدى أصح الناس رأيا لغيره وأفسدهم رأيا لنفسه.
فقيل له فى ذلك فقال أنا أنظر فى أمر غيرى برأى سليم من الهوى ويغلب على رأيى فى أمر نفسى ما أهواه حدّثنا يحيى بن على قال أخبرنى أبى عن يوسف بن ابراهيم وهو ابن خالة إبراهيم بن المهدى قال حضرت ابراهيم بن المهدى واسحاق بن ابراهيم الموصلى يتلاحيان فى التجزئة والقسمة فى الغناء، فقلت لهما أراكما توجبان لهما له معنيين ومعناهما واحد، فقال لى ابراهيم لا لوم عليك فيما أنكرت من باب التجزئة والقسمة، لأن المنطق يوجب ما قلت، ولكن أصحاب صناعة اللحون إذا أرادوا وضع صوت حزؤا شعره على اجزاء معلومة ثم قسموا اللحن على تلك الاجزاء فالتجزئة عندهم تجزئة الشعر، والقسمة قسمة اللحن على الاجزاء.
قال ولم يكن أحد بعد اسحق أعلم بالغناء من ابراهيم حدّثنى يحيى بن على قال حدثنى أبو العبيس بن حمدون عن عمرو بن بانة قال رأيت ابراهيم بن المهدى يناظر اسحق فى الغناء، فتكلما فيه بما فهماه ولم أفهم منه شيئا، فقلت لهما لئن كان ما أنتما فيه من الغناء فما نحن منه فى قليل ولا كثير.
حدّثنى محمد بن سعيد قال حدثنى أبو أمامة الباهلى عن الحسين ابن الضحاك وحدثناه المغيرة بن محمد المهلى أن الحسين بن الضحاك شرب عند ابراهيم بن المهدى يوما فجرت بينهما ملاحاة فى الدين
стр. 675
والمذهب، فدعا له ابراهيم بنطع وسيف وقد أخذ الشراب منه وانصرف الحسين غضبان فكتب ابراهيم يعتذر اليه ويسأله أن يحيبه «١» فقال الحسين:
نديمى غير منسوب ... إلى شىء من الحيف
سقانى مثل ما يشر ... ب فعل الضّيف بالضّيف
فلمّا دارت الكأس ... دعا بالنّطع والسّيف
كذا من يشرب الخمر ... مع التّنّين فى الصّيف «٢»
فلم يعد لمنادمته مدة، ثم إن ابراهيم تحمل عليه ووصله، فعاد لمنادمته.
حدّثنا أحمد بن محمد أبو اسحاق الطالقانى قال حدثنى عبيد الله ابن محمد بن عبد الملك الزيات قال لما وثب ابراهيم بن المهدى على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا فأخذ من عبد الملك جدى عشرة آلاف دينار، وقال أرادها إذا جاءنى مال، ولم يتم أمره واستخفى.
ثم ظهر فطولب بالاموال، فقال انما أخذتها للمسلمين وأردت أن اقضيها من أموالهم، والامر إلى غيرى. فعمل أبى محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها المأمون ومضى بها الى ابراهيم بن المهدى فأقرأه اياها وقال: والله لئن لم تعطنى المال الذى اقترضته من أبى
стр. 676
لأوصلن هذه القصيدة الى المأمون، فهاب ابراهيم أن يقرأ المأمون مثلها، وقال خذمنى بعض المال ونجم بعضه ففعل أبى ذلك وأحلفه أنه لا يظهر القصيدة فى حياة المأمون ووفى له بباقى المال، والقصيدة
ألم تر أنّ الشّىء للشّىء علّة ... تكون له كالنّار تقدح بالزّند
كذلك جرّبنا الأمور وانّما ... يدلّك ما قد كان قبل على البعد
وظنّى بابراهيم أنّ مكانه ... سيبعث يوما مثل أيّامه النّكد
رأيت حسينا حين صار محمّد ... بغير أمان فى يديه ولا عقد
فلو كان أمضى السّيف فيه بضربة ... يصيّره بالقاع منعفر الخدّ
إذا لم يكن للجند فيه بقيّة ... فقد كان ما بلّغت من خبر الجند
هم قتلوه بعد أن قتلوا له ... ثلاثين ألفا من كهول ومن مرد
وما نصروه عن يد سلفت له ... ولا قتلوه يوم ذلك عن حقد
ولكنّه الغدر الصّراح وخفّة ال ... حلوم وبعد الرّأى عن سنن القصد
فذلك يوما كان للنّاس عبرة ... سيبقى بقاء الوحى فى الحجر الصّلد
يعنى بهذا الحسين بن على بن عيسى بن ماهان أخرج محمد الامين على رؤوس الناس حاسرا حتى حبسه فى مدينة ابى جعفر فى الخضراء فلما كان الغد قال له الجند: كن فى حيلة أرزاقنا. فدفعهم الحسين يومين ثم هرب فى اليوم الثالث فتبعه تميم مولى أبى جعفر وغالب فى جماعة
стр. 677
فقتلوا وجاؤا برأسه الى محمد وأخرجوا محمدا وهو عطشان قد كاد يتلف فردوه الى الخلافة
وما يوم إبراهيم إن طال عمره ... بأبعد فى المكروه من يومه عندى
تذكّر أمير المؤمنين قيامه ... وأيمانه فى الهزل منه وفى الجدّ
أما والّذى أمسيت عبدا خليفة ... له شرّ أيمان الخليفة والعبد
إذا هزّ أعواد المنابر باسته ... تغنّى بليلى أو بميّة أو هند
ووالله ما من توبة نزعت به ... لديك ولا ميل اليك ولا ودّ
ولكنّ إخلاص الضّمير مقرّب ... الى الله زلفى لا تخيب ولا تكدى
أتاك بها طوعا اليك بأنفه ... على رغمه واستأثر الله بالحمد
فلا تتركن للنّاس موضع شبهة ... فانّك مجزىّ بمثل الّذى تسدى
فقد غلطوا للنّاس فى نصب مثله ... ومن ليس للمنصور بابن ولا المهدى
فكيف بمن قد بايع النّاس والتقت ... ببيعته الرّكبان غورا إلى نجد
ومن صكّ تسليم الخلافة سمعه ... ينادى بها بين السّماطين من بعد
وأىّ امرىء يسمى بها قطّ نفسه ... ففارقها حتّى يغيّب فى اللّحد
وتزعم هذا النّابتيّة أنّه ... إمام لها فيما يجنّ وما يبدى
стр. 678
يقولون سنّىّ فأيّة سنّة ... تقوم بحون؟؟ اللّون ثغل القفا جعد
وقد جعلوا رخص الطّعام بعهده ... زعيما له باليمن والكوكب السّعد
إذا ما رأوا يوما غلاء رأيتهم ... يحنّون تحنانا إلى ذلك العهد
وأقبل يوم العيد يرجف حوله ... رجيف الجياد واصطكاك القنا الجرد
ورجّالة يمشون بالبيض قبله ... وقد تبعوه بالقضيب وباليرد
فان قلت قد زان الخلافة غيره ... فلم يؤت فيما كان حاول من جدّ
فلم أجزه إذ خيّب الله سعيه ... على خطإ إن كان منه ولا عمد
ولم أرض بعد العهد حتّى رفدته ... وللعمّ أولى بالتّغمّد والرّفد
فليس سواء خارجىّ رمى به ... اليك سفاه الرّأى والرّأى قد يردى
تعاوت له من كلّ أوب عصابة ... متى يوردوا لا يصدروه عن الورد
ومن هو فى بيت الخلافة يلتقى ... به وبك الآباء فى ذروة المجد
فمولاك مولاه وجندك جنده ... وهل يجمع القين الحسامين فى غمد
وقد رابنى من أهل بيتك أنّنى ... رأيت لهم وجدا به أيّما وجد
يقولون لا تبعد من ابن ملمّة ... صبور عليها النّفس ذى مرّة جلد
فدانا فهانت نفسه دون ملكنا ... عليه على الحال الّتى قلّ من يفدى
стр. 679
على حين أعطى النّاس صفق أكفّهم ... علىّ بن موسى بالولاية والعهد
فما كان فينا من أبى الضّيم غيره ... كريم كفى باقى القبول وفى الرّدّ
وجرّر إبراهيم للموت نفسه ... وأبدى سلاحا فوق ذى منعة نهد
فأبلى ومن يبلغ من الأمر جهده ... فليس بمذموم وإن كان لم يجدى
فهذى أمور قد يخاف ذوو النّهى ... مغبّتها والله يهديك للرّشد
حدّثنا يحيى بن على قال حدثنى أبو أيوب المدينى قال حدثنى ابراهيم بن على قال قال ابراهيم بن المهدى «ثلاثة أشياء من الغناء إن لم يكن لصاحبها طبع لم يمكنه معرفتها، منها. المعرفة بالغناء، فلو أدركها إنسان بفهم وعقل وادب لأدركها احمد بن يوسف، وهو اجهل الناس بالغناء. ودخول الحلق فى الوتر لو بلغه احد بغير طبع لبلغه اسحق مع تقدمه فى هذا الشأن وعلمه به، وما دخل حلقة فى وتر قط. وغناء الصوت على مثال واحد [لو بلغه أحد] بغير طبع لقدر عليه علّوية فى حذقه وإحسانه، ولكنه يحبس موضعا ويحث موضعا، ومثل من كان كذا مثل الصبى الذى يعوج سطوره. فلا ينفع فيه التعليم حدّثنا أحمد بن يزيد المهلى قال حدثنى أبى عن اسحق قال طهرت بعض ولدى فكتب الى ابراهيم بن المهدى لولا أن البضاعة قصرت عن الهوى لأتعبت السابقين إلى برك، وحسبك ان تطوى
стр. 680
صحيفة البر وليس لى فيها برة، وقد بعثت اليك ما المبتدأ به ليمنه والمختوم به لطيبه ورائحته، جراب ملح، وجراب أشنان.
حدّثنا عون بن محمد قال حدثنى هبة الله بن ابراهيم بن المهدى مرات وكان ابن خالته يوسف بن ابراهيم الخراسانى أصدق الناس، قال كان الرشيد يحب أن يسمع إلى ابراهيم فخلا به مرات الى ان سمعه ثم حضر معه سليمان بن ابى جعفر فقال لابراهيم: عمك سيد ولد المنصور بعد أبيك، وهو يحب أن يسمعك، فلم يتركه حتى غنى بين يديه شعر الاحوص
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصيه ... وإذ أجرّ اليكم سادرا رسنى
قال فأمر له بألف درهم- ثم قال له ليلة، ولم يبق فى المجلس عنده غير جعفر بن يحيى: أنا أحب أن أشرف جعفرا بأن تغنيه صوتا فغناه فى صوت صنعه فى طريقة الرمل والشعر للدارمى:
كأنّ صورتها فى الوصف إذ وصفت ... دينار عين من المصريّة العتق
فأمر له الرشيد بمائة ألف دينار.
حدّثنى عون بن محمد قال كان ابراهيم بن المهدى يشنأ محمد بن عبد الملك الزيات فلما ولى وزارة المعتصم قال ابراهيم:
يا بؤس يوم كاسف ... إن لم يغيّر فى غده
لأمّة وزيرها ... عاصر زيت بيده
يظهر نصحا وجهه ... وغشّه فى كبده
стр. 681
حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا محمد بن صالح قال كان ابراهيم بن المهدى مع احسان المأمون يشنؤه ويعيب افعاله، وله فى ذلك أشعار منها:
صدّ عن توبة وعن إخبات ... ولها بالمجون والقينات
ليس ينفكّ مازجا فى يديه ... خمر قطربّل بماء الفرات
ما يبالى إذا خلا بأبى عي ... سى وشرب من بدّن عطرات
أن يغصّ المظلوم فى حومة الجو ... ر بداء بين الحشا واللهاة
حدّثنى عون بن محمد الكندى كاتب حجر بن احمد الحويمى بفارس- وما رأيت قط شيخا أكمل منه من نظرائه، ولا أسند ولا أصدق، رأى الناس قديما فكان يروى الحرفين والثلاثة، ولوادعى كل شىء جازله، وكانت معه اصول ابيه بخط عون فلو انكر أنها أصوله لصدق- قال حدثنا اسحاق الموصلى قال كان إبراهيم بن المهدى لا يزال ينازعنى فى الغناء، فقلت له يوما يا سيدى انت ابن الخلفاء واخو الخلفاء وإذا بلغت ما تريد من الغناء فانت أنت فيه، واذا قصرت قلت كسلت ولم أنشط، وتفعل ما تريد. وأنا أغنى على كل حال وفى كل وقت فقال: صدقت فى هذا ونقصت من الاستحقاق. فقلت فى نفسى والله لأبغضنه ما قلت، فقلت يا سيدى قد غنيت لنفسك أصواتا كثيرة، فهل قمت على حق صوت منها حتى استوفيته كله؟ فقال أعطيتنى برك هاريق، وعقوقك جملة «١»
стр. 682
حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حدثنى الحسين بن الضحاك- سنة عشرين ومائتين- وابراهيم بن المهدى حى، قال دخل ابراهيم إلى المأمون فقال: يا امير المؤمنين ان الله فضلك فى نفسك على، وألهمك الرأفنو العفو عنى، والنسب واحد، وقد هجانى دعبل فانتقم لى منه، فقال وما قال لك، لعله قوله:
نفر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا اليه كلّ أطيش مائق
إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحنّ وراثة للمارق
أنّى يكون وليس ذاك بكائن ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق
فقال هذا من هجائه، وقد هجانى بأقبح منه، فقال لك فى أسوة لأنه هجانى فاحتملته فقال فى
إنّى من القوم الّذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرّفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال ابراهيم زادك الله يا أمير المؤمنين حلما وعلما، فما تنطق العلماء إلا عن فضل علمك، ولا يحلمون إلا اتباعا لحلمك.
وأنشدنى عبد الله بن المعتز لابراهيم بن المهدى
من قال فى النّاس قالوا فيه ما فيه ... وحسبه ذاك من خزى ويكفيه
стр. 683
من نمّ فى النّاس لم تؤمن عقاربه ... عن الصّديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسّيل يجرى ولا يدرى به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه
لو فرّ من رزقه عبد إلى جبل ... دون السّماء لألفى رزقه فيه
حدّثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال رأيت احمد بن يوسف الكاتب يناظر إبراهيم بن المهدى فى دار المأمون فى أمر بنى هاشم وتقديم بعضهم على بعض، فعلاه إبراهيم فصاحة وحجة، فسر من ذلك، وقلت لابراهيم: قد رأيت هذا الذى لا يطاق منحطا فى يدك فقال إبراهيم: والله لو رأيتنى فى يد جعفر بن يحيى لرأيت دون هذا فى يدى، وما رأيت أكمل من جعفر قط.
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال حدثنى إبراهيم بن إسحاق قال أنشدنى ابو يعقوب اسحاق بن سليمان بن المنصور لابراهيم بن المهدى
أنا أفدى على الهجران زينا ... وإن كنّا على عمد كنينا
وما زينا بتفدية أردنا ... ولكنّا عنينا من عنينا
أقول وقد رأيت لهاسماء ... من الهجران مقبلة الينا
وقد سحّت عزاليها بصدّ ... حوالينا الصّدود ولا علينا
قلت انا: واظنه كنى عن زينب ولعلية فى الكناية أخبار نحيىء بها بعد فراغنا من أخبار ابراهيم وابنه هبة الله إن شاء الله.
حدّثنى عبد الله بن المعتز قال كتب ابراهيم بن المهدى إلى بعض
стр. 684
اصحابه فى يوم غيم:
إن كنت تنشط للصّبوح فانّه ... يوم أغرّ محجّل الأطراف
وأرى الغمامة كالعقاب محلّقا ... مسودّة الأوساط والأكناف
طورا تبلّك بالرّذاذ وتارة ... تهمى عليك بدلوها الغرّاف
فانعم صباحا وائتنا متفضّلا ... ودع الخلاف فليس يوم خلاف
حدّثنا عبد الله قال كتب ابراهيم الى طاهر كتابا منه: زادك الله للحق قضاء، وللشكر أداء. أبلغنى رسولى عنك ما لم أزل أعرفه منك، والله يمتعنى بك، ويحسن فى ذلك عنى جزاءك، ومع ذلك فانى اظن أنى علمتك الشوق لأنى ذكرته لك، فهيجته منك والسلام.
«وفصل منه الى منصور بن المهدى» وما الحق إلا حق الله، فمن أداه فلنفسه، ومن قصر عنه فعليها، نسأل الله أن يعمرنا بالحق، ويصلحنا بالتوفيق ويحصننا بالتقوى.
«والى العباس بن موسى» عبد الرحمن بن عبد الله، من لا أحتاج إلى وصف حاله لك، ولعلى عرفتها بعدك، غير أنى أحب مسرته بقضاء حقه، وواجب حرمته فى مودته وموالاته. وقد جعلك ممن يحافظ على ذلك ومثله، أراك الله ما تحب أن تحفظنى ونفسك فيه، وتوليه ما جعلك الله أهله وجعله حقيقا به.
стр. 685
وفى كتاب له:
لو عرفت فضل الحسن لتجنبت القبيح، وأنا وإياك كما قال زهير
وذى خطل فى القول يحسب أنّه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمى وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وإن من إحسان الله إلينا وإساءتك إلى نفسك، أنا صفحنا عما أمكننا، وتناولت ما أعجزك، فله الحمد كما هو أهله.
وفصل له:
لم يبق لنا بعد هذا الجنس شىء نمد أعيننا اليه إلا الله الذى هو الرجاء قبله ومعه وبعده.
فصل له:
أما الصبر فمصير كل ذى مصيبة، غير الحازم يقدم ذلك عند اللوعة طلبا للمثوبة، والعاجز يؤخر ذلك الى السلوة. فيكون مغبونا نصيب الصابرين. ولو أن الثواب الذى جعل الله لنا على الصبر كان على الجزع لكان ذلك اثقل علينا، لأن جزع الانسان قليل وصبره طويل، والصبر فى أوانه أيسر مؤونة من الجزع بعد السلوة. ومع هذا فان سبيلنا من أنفسنا على ما ملكنا الله منها ان لا نقول ولا نفعل ما كان لله مسخطا، فأما ما يملكه الله من حسن عزاء النفس، فلا نملكه من أنفسنا.
стр. 686
وفصل له:
وصل كتابك السار المؤنس، فكان سر طالع إلى وأحسنه موقعا منى، إذ كنت أستعلى بعلوك وأرى نعمتك تنحط الى، ويتصل بى ما يتصل بالادنين من لحمتك، وحملة شكرك، ومظان معروفك والمفيمين على تأميلك. فلا أعدمنى الله ما استجنى «١» ولا.
أزال عنى ظلك ولا أفقدنى شخصك.
وله:
كتبت اليك ونحن فى عافية مجددة، والحمد لله المتطول بالنعمة المرجو للمزيد، ولست وإن باعدتك الدار منى، ونأى بك الزمن عنا بمقصى القلب عن برك بالذكر، والعناية، ولا اللسان بالدعاء والمسئلة: ولا النية فى الاخلاص والمحبة لاحياء العهد بالمكاتبة، وتجديد الوصلة بالمراسلة فان النبى ﷺ قال التواصل بين الناس فى الحضر التزاور وفى السفر التكاتب.
قلت أنا: وأنشدنى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه فى معنى التزاور والتكاتب:
حقّ التّنائى بين أهل الهوى ... تكاتب يسخن عين النّوى
وفى التّدانى لا انقضى عمره ... تزاور يشفى غليل الجوى
стр. 687
وأنشدنى عبد الله بن المعتز لابراهيم بن المهدى:
قليت الصّبى وهجرت الغوانى ... وسلّمت معترفا للزّمان
وأعنقت منطلقا فى القيا ... د بعد الجماح وجذب العنان
كذاك الفتى وصروف الّزما ... ن يحدثن شأنا له بعد شان
رأيت الحياة ولذّاتها ... معلّقة بليال فوان
رأيت الحياة ولذّاتها ... معلّقة بليال فوان
وإنّى صبور لما نابنى ... سريع إلى كلّ حقّ عرانى
وليس يرى خائفا من أجر ... ت ولا خائبا سعيه من رجانى
نداى «١» يمدّحنى مادحى ... ويبكى علىّ به من رثانى
أحبّ الوفاء إذا ما وعد ... ت وألّا يعاب بمطل ضمانى
كذلك عوّدنى والداى ... فعوّدت نفسى الّذى عوّدانى
وقال:
وإنّى وواهى ملككم مثل سائق ... طليحا يزجّيها على الأين راكب
إذا صدقتنى النّفس عنكم تقول لى ... أتدرى هداك الله من ذا تعاتب
فوالله ما أدرى إذا ما ذكرتكم ... أأعفو لكم عن ذنبكم أم أعاقب
بلى ليس لى إلّا تغمّد ذنبكم ... وإن لم يكن فيكم من الذّنب تائب
стр. 688
وإنّى وأمّى أمّكم وأبى لكم ... أب عنكم لى لو أردت مذاهب
وقال:
وقد تلين ببعض القول تبذله ... والوصل فى جبل صعب مراقيه
كالخيزران منيعا منك مكسره ... وقد يرى ليّنا فى كفّ لاويه
فتلك همّ فؤاد أنت صاحبه ... لو أنّها مرّة كانت تجازيه
وإنّ فى طول ما ضنّت عليه لما ... يسليه لو أنّ شيئا كان يسليه
وقال:
أطعت الهوى وعصيت الرّشد ... ولم تملك الصّبر عمّن تودّ
وفيها يقول:
إذا اللّيل أسبل سرباله ... على الأرض واسوّد وجه البلد
رعيت الكواكب حتّى الصّبا ... ح ودمعى كاللؤّلؤ المنسرد
فمن ظالعات ومن غائرات ... وآخر فى حيرة قد رقد
ومن ضاجعات بأفق المغيب ... يراقبها كارتقاب الرّصد
وما النّاس إلّا عدوّ الشّقىّ ... وإلّا صديق أمرىء قد سعد
إذا ما الزّمان بأخلافه ... طواك كطىّ الثّياب الجدد
يفيض عليك قداح الرّدى ... لتأخذ منها بقدح نكد
стр. 689
فما أنت إلّا أسير له ... وإن أمكن الحيد عنه فحد
هب الدّهر لم يتحامل على ... سواك فهل لك منه القود
وإن يسقك اليوم من آجن ... صرى لا يذاق ولا يزدرد
فقد كان يسقيك من صفوه ... نطاف الغوادى بذوب الشّهد
كذاك تجىء صروف الزّما ... ن على ما أردت وما لم ترد
وقد يسبق الفوت وشك العجو ... ل ويدرك حاجته المتّئد
وإن خلّط الدّهر فاصبر على ... تلوّنه فمع اليوم غدّ
عذارى الغداة من الأطيبين ... أهل القباب الطّوال العمد
من آل أبى الفضل عمّ الّنبىّ ... وجدّى فأكرم بعمّ وجدّ
وقال:
إذا سال وادى الشّيب فى مفرق الفتى ... وقنّع منه عمّة المتلثّم
فيا قبح ما تحكى المراة لعينه ... ويا بعده من كلّ عيش ومنعم
وقال:
أبا قاسم إنّى أراك صبابة ... كأنّك من لحمى خلقت ومن دمى
وإنّى لأهوى أن أربّ صنيعة ... اليك بالاء كرام وأنعم
стр. 690
أيادى كريم طيّب النّفس بعدها ... إذا ما الأيادى أتبعت بالتّندّم
وقال أيضا وله لحن فيه
مضى اللّيل إلّا أنّ ليلى لا يمضى ... وأنّ جفونى لم تروّ من الغمض
إذا صدّ عنك الدّهر يوما بوجهه ... تقاضاك من إحسانه سالف القرض
وقال
تحامانى الصّديق وغاب عنّى ... ثقات صنائعى وهم حضور
وقلّوا فى البلاد وكان عهدى ... بهم زمن الرّخاء وهم كثير
فلم يك فى يدى منهم وممّا ... ذخرتهم له إلّا الغرور
أيا عجبا أما فى النّاس ممّن ... تقلّد نعمتى رجل شكور
وقال
ألم تعلمى يا آل فهر بن مالك ... رميت بنفسى دونكم فى المهالك
بلى فاعلمى يا آل فهر بأنّنى ... أخوك الّذى أعطاك حقّ إخائك
أخوك الّذى يقرى عدوّك صارما ... حساما ويقرى درّه فى شفائك
أجود بمالى دون مالك تارة ... وطورا أقيم الغرّ تحت لوائك
стр. 691
وقال:
وقد يصدق السّيف يوم الوغا ... أخاه وإن كان رثّ القراب
كأنّ سنا بارق مستطير ... بين ذؤابته والذّباب
كذاك الرّجال يكون الفتى ... صليبا وذو الشّيب صلب النّصاب
وقال من قصيدة:
بكلّ جلالة عيساء حرف ... علنداة وأعنس عجرفىّ
إذا شدّت بها الأنساع أصغت ... كما أصغى النّجىّ إلى النّجىّ
وراغية ثنتك عن التّصابى ... كما ثنت الضّعيف يد القوىّ
هناك شكوت ما تلقى إليها ... كما يشكو الفقير إلى الغنىّ
تساقط وهى فاترة المآقى ... تساقط مهجة الظّبى الرّمىّ
وتجرى الخمر بعد النّوم منها ... على سمطين من درّ نقىّ
شكت إشراف قيّمها عليها ... كما يشكو اليتيم من الوصىّ
أرتك محاسنا منها اختلاسا ... تضىء إضاءة البرق الخفىّ
كتخليل الألوّة ثمّ زالت ... زوال الفىء فى ظلّ العشىّ
ويلذع مهجتى ذو العذل فيها ... كلذع السّوط خاصرة البطىّ
стр. 692
كأنّ اللّيل زيد اليه ليل ... مقيم فاستمرّ على الشّجىّ
وقال من أبيات
فلا حيّى الوجه الّذى جئتنا به ... إذا حيّت الوجه الكريم المجالس
يشيم بنى كعب وما أنت منهم ... كما شامت الغبراء قيسا وداحس
وقال
هو الحرّ أخلاقا وبرّا وشيمة ... وعقلا وخير القوم من أوتى العقلا
تراه طليقا وجهه متهلّلا ... كأنّ صقيلا من عوارضه يجلى
وقال
يا أيّها المتشاوس المتغاضب ... المعرض الجانى العبوس القاطب
لا أنت لى سلم فتنصرنى ولا ... حرب إذا نصب العدوّ مناصب
قلب الزّمان هواك عن منهاجه ... إنّ الزّمان لكلّ حال قالب
وقال
يا عائبى عند أعدائى ليرضيهم ... وبائعى بيسير ماله خطر
أظهرت أنّك لا أنت العدوّ ولا ... أنت الولىّ الّذى يصفى ويدّخر
فما تحوّل من سلمى ولا أجإ ... ركن ولا خسفت شمس ولا قمر
стр. 693
وقال
أراه فى فعله عدوّا ... وكنت أعتدّه صديقا
صيّر عذب الشّراب مرّا ... وزاد ضيق الحياة ضيقا
وقال
هيف الخصور قواصد النّبل ... قتّلننا بنواظر نجل
كحل الجمال جفون أعينها ... فغنين عن كحل بلا كحل
وقال يرثى ابنه احمد وهو اكبر ولده
نأى آخر الأيّام عنك حبيب ... فللعين سحّ دائم وغروب
يؤوب إلى أوطانه كلّ غائب ... وأحمد فى الغيّاب ليس يؤوب
تبدّل دارا غير دارى وجيرة ... سواى وأحداث الزّمان تنوب
أقام بها مستوطنا غير أنّه ... على طول أيّام المقام غريب
وكان نصيب العين من كلّ لذّة ... فأمسى وما للعين فيه نصيب
كأن لم يكن كالغصن فى ميعة الضّحى ... زهاه النّدى فاهتزّ وهو رطيب
كأن لم يكن كالصّقر أوفى بشامخ ال ... ذّرى وهو يقظان الفؤاد طلوب
كأن لم يكن كالرّمح يعدل صدره ... غداة الطّعان لهذم وكعوب
стр. 694
يفضّ الحديد المحكم النّسج حدّه ... ويبدو وراء الفرن وهو خضيب
وريحان قلبى كان حين أشمّه ... ومؤنس قصرى كان حين أغيب
كأنّى منه كنت فى نوم حالم ... نفى لذّة الأحلام عنه هبوب
جمعت أطبّاء العراق فلم يصب ... دواءك منهم فى البلاد طبيب
ولم يملك الآسون نفعا لمهجة ... عليها لأشراك المنون رقيب
وإنّى وإن قدّمت قبلى لعالم ... بأنّى وإن أخّرت منك قريب
وإنّ صباحا نلتقى فى مسائه ... صباح إلى قلبى الغداة حبيب
حدّثنا يموت بن المزرع قال قال المأمون: ما هجى ابراهيم بن المهدى فيما ادعاه على كثرة هجائه بأشد من قول الجاحظ فيه «هو خليفة، إذا خطب رأى آخر عمله» «١» حدّثنى أحمد بن يزيد المهلبى قال حدثنا حماد بن اسحاق قال قال جعفر بن يحيى لابراهيم بن المهدى- وكان يسميه خليلى وكانا متصافيين جدا- يا خليلى ان هذا الرجل يعنى الرشيد قد تغير لنا، وبان ذلك لى، وأنا أحب أن أستظهر برأيك، فتفقد ذلك اليوم.
وكانا قد اجتمعا عند الرشيد للشرب.
قال وكان ابراهيم أجود الناس رأيا لغيره وأضعفهم رأيا
стр. 695
لنفسه، وستل عن ذلك فقال: أنظر لغيرى بجوارح سليمة من الهوى، وأميل فى رأى نفسى إلى ما أشتهى. قال فتفقد ابراهيم ذلك، فانصرف قبل جعفر، فوقف له خلف حائط فى طريق جعفر ومعه غلام واحد، وصرف سائر غلمانه وأمر باطفاء شموعه، فانصرف جعفر، فلما صار بذلك الموضع عدا وحده وصاح يا خليلى، فأجابه ابراهيم وقال: من أين علمت أنى هاهنا. وانّما قدرت أن أؤذنك بموقفى؟ فقال له جعفر علمت أنك لا تنصرف إلى منزل حتى تعرفنى ما أردت وليس فى طريقك مكان يخفى فيه أثرك غير هذا الموضع فعلمت أنك فيه، كيف رأيت الرجل؟ قال رأيته يجد إذا هزلت، ويهزل إذا جددت، وهذه نهاية التغيير فقال صدقت والله يا خليلى، ونحن نستكفى الله بوادره حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حضرت مع أبى وعمى دار بعض ولد العباس بن محمد لنعزيه على ميت لهم، فجاء ابراهيم بن المهدى فتشوفه الناس وقاموا له- وذلك قبل العشرين ومائتين- قال ولم أكن رأيته قط، فاذا أنا برجل سمين آدم غليظ الشفة، حسن العين، حسن الانف، فتكلم فى التعزية فأحسن وحفظ الناس كلامه ولم أسمع أنا ما قال جين جاء، ثم نهض فقال «تابع الله النعم لديكم، وأحسن العوض لكم، وأخلف عليكم، ولقى الله فلانا أزكى عمله، وقبل حسنته، وغفر قبيحه» حدّثنا الحسن بن اسحق قال سمعت حماد بن اسحاق يقول:
стр. 696
كانت يد ابراهيم بن المهدى فى يد أبى العتاهية بمكة وهو ينشد
عجبا عجبت لغفلة الانسان ... قطع الحياة بغرّة وتوانى
فكّرت فى الدّنيا فكانت منزلا ... عندى كبعض منازل الرّكبان
مجرى جميع الخلق فيها واحد ... وكثيرها وقليلها سيّان
أبغى الكثير إلى الكثير مضاعفا ... ولو اقتصرت على القليل كفانى
لله درّ الوارثين كأنّنى ... بأخصّهم متبرّما بمكانى
قلقا لتجهيزى إلى دار البلا ... متحرّيا لكرامتى بهوانى
متبرّما منّى، إذا نشر الثّرى ... فوقى طوى كشحا على هجرانى
فقال له قائل لو قرأتما كان أنفع لكما، فقال له ابراهيم هذه اخلاق حث على مثلها القرآن حدّثنا الحسين بن فهم قال حدثنى محمد بن أحمد بن هارون قال لما لبس ابو العتاهية الصوف كتب اليه ابراهيم بن المهدى:
إنّ المنيّة أمهلتك عتاهى ... والموت لا يسهو وقلبك ساهى
يا ويح ذا البشر الضّعيف أما له ... عن غيّه قبل الممات تناهى
وكّلت بالدّنيا تبكّيها وتن ... دبها وأنت عن القيامة لاهى
العيش حلو والمنون مريرة ... والدّار دار تفاخر وتباه
стр. 697
فاجعل لنفسك دونها شغلا ولا ... تتجاهلنّ لها فانّك داهى
لا يعجبنّك أن يقال مفوّه ... حسن البلاغة أو عريض الجاه
أصلح فسادا من سريرتك الّتى ... تلهو بها وارهب مقام الله
ما الزّهد من رجل ألدّ مكذّب ... بالبعث غير ضلالة وسفاه
وأرى المفالة غير صالحة وإن ... أظهرت غير مقالة الأوّاه
إنّى رأيتك مظهرا لزهادة ... نحتاج منك لها إلى أشباه
إن كان لبس الصّوف حجّتك الّتى ... تدعو النّجاة فانّنى لك ناهى
ما فى يديك من اللّباس إذا غوت ... منك السّريرة غير حبل واهى
لا شىء يقبل منك إلّا ما به ... حكمت عليك نواطق الأفواه
والأمر بعد عليك ويحك واسع ... ما لم تسوّ إلهنا باله
فقال أبو العتاهية: أنا عيى بجواب مثله، وماله عندى إلا ما يحب.
حدّثنا احمد بن محمد بن اسحق قال حدثنا على بن محمد النوفلى قال اعتل ابراهيم بن المهدى فى سنة اربع وعشرين ومائتين وأوصى وصية شهد بها لجماعة من بنى العباس رحمة الله عليه ثم أوصى لولد أبى بكر وعمر وعثمان وطلحة وسائر ولد العشيرة رحمة الله عليهم ولأولاد الأنصار ولم يوص لولد على عليه السلام
стр. 698
بشىء، فقال الواثق: قبح الله فعله، ترك أهله وخالف رسول الله ﷺ فى قوله «أدانيك أدانيك» والله لا أمضاها أمير المؤمنين على هذه الصفة، فلما توفى أمر المعتصم بالله أن يجعل لولد على ﵇ من الوصية كما لولد العباس ﵇، وأمضاها على ذلك.
قال واشتدت علة إبراهيم بن المهدى فى شهر رمضان من سنة أربع وعشرين ومائتين، وجعل يشرب الماء فلا يروى، ووجه إلى المعتصم يطلب ثلجا، وكان قد عز وجوده فى ذلك الوقت، فأمر أن تصرف وظائف الثلج كلها اليه، فلما مات ركب المعتصم وصلى عليه، وكبر خمسا، وانصرف قبل أن يدلى فى قبره، وتقدم إلى هارون الواثق أن يتولى ذلك، ويقف إلى أن يجن، ففعل كارها وانصرف.
وكان الواثق ينعى عليه ما فعله فى أمر وصيته فى هذا الوقت وبعد ذلك لما أن ولى الخلافة، وهجاه قوم لسبب وصيته [بأهاج] ترك ذكرها لموضعه من النسب والخلافة.
«تمت أشعار ابراهيم بن المهدى- يتلوه ابنه هبة الله بن ابراهيم»
стр. 699
«بسم الله الرّحمن الرّحيم»
أبو القاسم هبة الله بن ابراهيم بن المهدىّ
وهذا وإن لم يكن ابن خليفة يعد فى الخلفاء، فانا جئنا به بعقب ذكر أبيه. كما شرطنا فى الرسالة التى فى صدر هذا الكتاب، أنا إذا ذكرنا شاعرا فكان فى أهله شعراء ذكرنا هم جميعا بعقب ذكره ليكون أمرهم أقرب على ملتمسه، فأجرينا هذا على ذلك.
حدّثنى أحمد بن يزيد بن محمد أبو جعفر المهلبى، قال كان لهبة الله بن ابراهيم غلام يقال له بدر، قد رمى بأمره كله عليه، فتركه ومضى إلى غلام ليؤنس بن بغا، فأقام عنده، فقال هبة الله فيه شعرا، وأنشدنيه لنفسه:
لا يفى دهرك هذا لأحد ... وجميع النّاس فيه قد فسد
كلّ من تبصر من جارية ... وغلام فهو مسترخى القود
ما من النّاس جميعا أحد ... مستحقّا فى الهوى أن يعتقد
فدع المرد ودع ذكرهم ... وارم بالعشق إلى أقصى بلد
وتغنّ اليوم إن باكرتها ... قهوة صفراء ترمى بالزّبد
استجر بالرّاح من حدّ الأحد ... لا تؤخّر لذّة اليوم لغد
стр. 700
«ومن شعره»
ألا يا طالبا يفدي ... هـ منّى الجسم والرّوح
فؤاد الهائم المسكي ... ن بالهجران مجروح
وقلب الصّبّ بالصّدّ ... الّذى أظهرت مقروح
فألا كان ذا الصّدّ ... وباب الصّبر مفتوح
وأنشدنى أحمد بن يزيد لهبة الله بن إبراهيم:
يا جليلا فى العيون ... ومليحا فى المجون
والّذى يمطلنى ال ... وعد ولا يقضى ديونى
أنت باعدت بهجر ... بين نومى وجفونى
سوف يدعونى إن لم ... ترث لى داعى المنون
وقال أيضا
إن كنت أذنبت بحبّى لكم ... فلست من ذا الذّنب التّائب
رضيت أقصى العيب فى حبّكم ... فما عسى يبلغ بى عائبى
غلبت فى فخر وفى سؤدد ... لكن هواكم أبدا غالبى
يعلم ربّى أنّنى مدنف ... وشاهدى فى النّاس كالغائب
стр. 701
حدّثنى الحسن بن يحيى قال كان هبة الله بن ابراهيم يجالس الخلفاء وآخر من جالس المعتمد على الله، وكان أحسن الناس علما بالغناء وكانت صنعته له ضعيفة، قال فوقعت لأبى شبل البرجمى الشاعر اليه حاجة فهجاه فقال:
صلف تندقّ منه الرّقبه ... ومخاز لم تطقها الكتبه
كلّما بادره بدر بما ... يشتهيه منه نادى يا أبه
ليته كان النّوى الفرح به ... لم يزد فى هاشم هذا الهبه
وقال هبة الله
عذّبنى الحبّ وأبلانى ... ما أعنف الحبّ بالانسان
ما أطيب الوصل على عاشق ... إن لم ينغّصه بهجران
من أول شعر عمله هبة الله، وشهر به قوله:
أصابك الظّبى إذ رماكا ... وعن ظباء النّقا حواكا
فلو تمنّيت لم تجزه ... ولو تمنّى لما عداكا
يا ظالما نفسه بظلمى ... لا تبك ممّا جنت يداكا
أنت الّذى إن كفرت ودّى ... صرفت قلبى إلى سواكا
فعمل أبوه ابراهيم بن المهدى فى هذا الشعر لحنا فى الثقيل الاول
стр. 702
عنده، وفى الثقيل الثانى عند اسحق وعند الناس، وعمل فيه علوية لحنا فى الرمل، حدثنى بذلك الحسين بن يحيى الكاتب، وقال هبة الله أيضا
أنكرت من هجرك ما أعرف ... وجرت فى الحبّ فما تنصف
لو كنت مثلى عارفا فى الهوى ... عاملتنى فيه بما تعرف
لكن تجاوزت طريق الهوى ... وضلّ فيه الهائم المدنف
وجدت بخط إبراهيم بن شاهين، أنشدنى العباس بن محمد لهبة الله ابن ابراهيم يرثى اباه:
الحمد لله على ما أرى ... أفقدنى الموت لذيذ الكرى
أصبح أعلى النّاس فى قدره ... منخفضا يعلو عليه الثّرى
قد وتر الموت الورى كلّهم ... بموت إبراهيم خير الورى
وقال وأحسبه فى غلامه
يا من أردت لنفسى ... فصار غدرا لغيرى
ومن ذخرت لنفسى ... فعاد ذخرا لضيرى
شقيت منك بشرّ ... وما سعدت بخير
стр. 703
جرى لى الفأل يوم ال ... نّوى بأشأم طير ومن شعره
ومهفهف فضحت رشا ... قة قدّه الغصن الرّطيبا
وإذا بدا إشراقه ... للشّمس أسرعت المغيبا
يا قاسيا أدعو بعط ... فه فيأبى أن يجيبا
لو كان فعلك مثل وج ... هك لم أكن صبّا كئيبا
ومات هبة الله بن ابراهيم بن المهدى فى شهر ربيع الاول من سنة خمس وسبعين ومائتين، عن توبة حسنة ووصية جميلة، بعد أن فرق فى حياته مالا عظيما.
وحدّثنى محمد بن يحيى بن ثابت قال: لما اشتدت علة هبة الله بن ابراهيم جعل يقول:
إلى المهيمن ربّى ... أتوب من كلّ ذنب
رجوته عند موتى ... لدفع همّى وكربى
يا ربّ فاغفر ذنوبى ... فأنت غوثى وحسبى
стр. 704
اشعار عليّة بنت المهدىّ وأخبارها
وإنما ذكرت علية هاهنا لأنى لا أعرف لخلفاء بنى العباس بنتا مثلها، فلما كانت منفردة ذكرت أمرها مع أولاد الخلفاء، على أن لها شعرا حسنا، وصنعة فى الغناء حسنة كثيرة.
وكانت علية من أكمل النساء عقلا، وأحسنهن دينا وصيانة ونزاهة، وكانت أكثر أيام طهرها مشغولة بالصلاة، ودرس القرآن، ولزوم المحراب، فاذا لم تصل اشتغلت بلهوها.
وكان الرشيد يعظمها، ويجلسها معه على سريره، وكانت تأبى ذلك وتوفيه حقه، وكان ابراهيم بن المهدى يأخذ الغناء عنها.
حدّثنى عون بن محمد الكندى قال سمعت عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع يقول: ما اجتمع فى الاسلام قط أخ وأخت أحسن غناء من ابراهيم بن المهدى وأخته علية، وكانت تقدم عليه.
حدّثنى احمد بن محمد بن اسحاق، قال حدثنى عبيد الله بن محمد بن عبد الملك قال حدثنى مسرور الخادم قال خرج الجلساء والمغنون من عند الرشيد، فقال لى قد تشوقت أختى علية فامض فجئنى بها، وقل لها بحياتى عليك إلا طيبت عيشى بحضورك، فجاءت فأومأ اليها أن تجلس على السرير معه، فأبت وحلفت ثم ثنت طرف نخّ «١» كان بين يديه، وجلست على ظهره، فقال لها لم فعلت هذا يا حياتى؟
стр. 705
وكان كثيرا ما يدعوها بذلك، فقالت يا أمير المؤمنين: إنها مجالس آنفا، فلم أحب أن أقعد مقعدهم.
حدّثنا الحسين بن فهم قال حدثنا حماد بن إسحاق قال سمعت إبراهيم بن اسماعيل الكاتب يقول قالت علية بنت المهدى «ما حرم الله شيئا إلا وقد جعل فيما حلل عوضا منه، فبأى شىء يحتج عاصيه، والمنتهك لحرماته» حدّثنا محمد بن موسى مولى بنى هاشم بالبصرة سنة ثمان وسبعين ومائتين، قال سمعت أبا أحمد بن الرشيد يقول كانت عمتى علية تقول «اللهم لا تغفر لى حراما أتيته، ولا عزما على حرام إن كنت عزمته، وما استغرقنى لهو قط إلا ذكرت سببى من رسول الله ﷺ فقصرت عنه، وإن الله ليعلم أنى ما كذبت قط، ولا وعدت وعدا فأخلفته»
أخبار عليّة بنت المهدىّ مع أخيها الرّشيد
حدّثنا عون بن محمد، قال حدثنا سعيد بن هريم، قال: كانت علية تحب أن تراسل بالأشعار من تختصه، فاختصت خادما يقال له طلّ من خدم الرشيد تراسله بالشعر، فلم تره أياما، فمشت على ميزاب حتى رأته وحدثته، فقالت فى ذلك:
قد كان ما كلّفته زمنا ... يا طلّ من وجد بهم يكفى
حتّى أتيتك زائرا عجلا ... أمشى على حتفى إلى حتفى
следующие страницы →