Полный текст (1 011 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
فقلت ما أخطا الّذى ... سمّاك بل نال المثل
لا تسألن عن شادن ... فاق جمالا وكمل
قال وكان يعمل فيه أشعارا فقال:
يا من غدا أقران شمس الضّحى ... يشهد بالفضل له والقمر
ومن به يظلم قلبى ولو ... تطيعه سلوته لا نتصر
تفهّمن قولى من نظرتى ... فانّما رسلى اليك النّظر
كم لى إلى وجهك من نظرة ... لو نطقت قامت مقام الخبر
وله فى وزن الشعر اللامى فى «لاتسل» وبعض الناس يجعله شعرا واحدا:
عزّ الّذى يهوى وذلّ ... صبّ الفؤاد مختبل
جدّ به الهجر وذا ال ... هجر إذا جدّ قتل
من شادن منتطق ... فاق جمالا وكمل
تناصف الحسن به ... فلا تسل عن لا تسل
стр. 737
أبو عيسى بن الرّشيد
«واسمه أحمد وقيل محمد وأمه بربرية» حدّثنا مشيح بن حاتم العكلى قال حدثنا ابراهيم بن محمد قال انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد، وكان فيهم الامين وأبو عيسى، لم ير الناس أجمل منهما قط. قال وكان أبو عيسى إذا عزم على الركوب جليس له الناس حتى يروه أكثر مما يجلسون للخلفاء حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حدثنا أبو غالب محمد بن سعيد الصغدى قال جلس أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين يتغذيان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى خلا بأصبعه فأرسله إلى عين طاهر، فغضب طاهر وقال: ليس لى إلا عين واحدة يتولع بى فيها! فسكن المأمون منه، وقال إنه يمزح معك مزح الاخوة قال وهو القائل فى الامين لما قتل، وكان الامين يكنى بأبى موسى وبأبى عبد الله جميعا:
يا أبا موسى وعبد ... الله قد غالتك غول
لست أذرى كيف أر ... ثيك ولا كيف أقول
لم تطب نفسى أسمّي ... ك قتيلا يا قتيل
وهو القائل وأنشده الناس له:
أسهرنى ثمّ رقد ... ومارثى لى من كمد
стр. 738
ظبى إذا زدت هوى ... وذلّة تاه وصدّ
وا عطشى إلى فم ... يمجّ خمرا من برد
حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن المهدى قال سمعت هبة بن إبراهيم ابن المهدى يقول سمعت أبى يقول للمأمون: أحب المحاسن كلها لك، حتى لو أمكننى أن أجعل وجه أبى عيسى لك لفعلت.
حدّثنا الغلابى قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال كان طاهر يعادى أبا عيسى بن الرشيد، ولم يكن له حيلة فيه، لمكانته من المأمون، وكان أبو عيسى يهجوه ويفخر عليه، فمن شعر أبى عيسى فيه:
إنّى امرؤ من بنى العبّاس قد علموا ... عمّ النّبىّ الّذى يسقى به المطر
منّا نبىّ الهدى والله فضّله ... ما فى الأنام له عدل ولا خطر
منّا الشّهيد ببطن الجسر قد علموا ... وجعفر وعلىّ الخير إن ذكروا
وما نسيت أبا العبّاس خيرهم ... خير البريّة قد خطّت به الزّبر
واذكر عليّا ولا تنس الشّبيه له ... محمّدا فيه قد شدّت له المرر
ودبّر الأمر ابراهيم متّسعا ... ومدّ فيه يدا ما شانها قصر
وسبعة خلفاء الله بعدهم ... أئمّة لم تشب صفوا لهم كدر
فكيف أجعل كلبا نابحا أثرى ... قد شانه عور الأفعال والعور
من طاهر وحسين جذّ أصلهما ... لولا الامام وأمر جرّه القدر
стр. 739
حدّثنا ابو أيوب سليمان بن داود المهلبى قال حدثنى القاسم بن محمد ابن عباد عن ابيه قال كان المأمون أشد الناس حبا لأخيه أبى عيسى وكان يعده للأمر بعده، ويذاكرنى ذلك كثيرا، وسمعته يوما يقول إنه ليسهّل على أمر الموت وفقد الملك، وما يسهل شىء منهما على أحد، أن يلى الأمر بعدى ابو عيسى لشدة محبتى لذلك.
حدّثنا ابو العيناء محمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن عباد المهلبى قال لما مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت الى المأمون وعلى عمامتى فخلعت عمامتى، ونبذتها ورائى، والخلفاء لا تعزى فى العمائم، ودنوت فقال لى «يا محمد حال القدر، دون الوطر» فقلت يا أمير المؤمنين كل مصيبة اخطأتك شوى، فجعل الله الحزن لك لا عليك.
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال كان ابو عيسى بن الرشيد أدبيا ظريفا، وكان إذا عمل بيتين وثلاثة جودها وملحها، فمن شعره:
لسانى كتوم لأسرارهم ... ودمعى نموم بسرّى مذيع
فلولا دموعى كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لى دموع
حدّثنا ابن فهم قال حدثنا جعفر بن على بن الرشيد ان المأمون أفطر فى يوم شك، وأمر القواد بالافطار، فكتب ابراهيم بن المهدى إلى أبى عيسى وقد حصل له عنده خمسا من حذاق المغنيات:
قد تغدّى الملك ال ... مأمون من قبل الزّوال
ودعا بالرّاح إذ ... صحّ له فقد الهلال
стр. 740
وعلىّ لك خمس ... من مصابيح الضلال فاسع بالله إلى
عمّك من غير مطال
فكتب اليه أبو عيسى:
لست ممّن يمزج ال ... وعد بتكدير المقال
واحتباسى بعد ما ... عرّفتنى عين الضّلال
وخلافى لك يا ع ... مّ من الشّىء المحال
ولقد أقبلت وأغ ... ربت فنون الاعتلال
وعلىّ الله أن ... أتبع قولا بفعال
أنت يا عمّ هلال ... لى إلى وقت الهلال
حدّثنا يعقوب بن بيان قال حدثنا على بن الحسين الاسكافى، قال كنت عند ابى الصقر وعنده عريب، وكانت تجلس على كرسى كالسرير وما كانت تقوم لصلاة، فسألتها عن نفسها، فقالت أنا ابنت جعفر بن يحيى اشترى أمى فى آخر أيامه، فعتبت عليه أمه فى ذلك، فنقلها الى دار امرأة كالظئر للبرامكة، فولدتنى عندها، وماتت أمى وحدث بالبرامكة ما حدث، فباعتنى المرأة التى كنت عندها وأنا صغيرة، وسمعتها تقول «انتهى جمال أولاد الخلفاء من بنى العباس إلى ولد الرشيد: محمد الامين وأبى عيسى، ما رأى الناس مثلهما قط، وكان
стр. 741
المعتز فى طرزهما» .
حدّثنا يعقوب بن بيان الكاتب قال سمعت على بن الحسين يقول سمعت عريب تقول: وقد غنى أبو العبيس «فى غنائك شبابة من غناء أبى عيسى بن الرشيد، وما سمعت قط أحسن غناء منه، ولا رأيت أحسن وجها» .
حدّثنى احمد بن يزيد بن محمد قال حدثنى أبو عبد الله الهاشمى قال من غناء أبى عيسى بن الرشيد فى شعره:
رقدت عنك سلوتى ... والهوى ليس يرقد
وأطال السّهاد نو ... مى فنومى مشرّد
أنت بالحسن مفرد ... احسر الوجه نسعد
وفؤادى بحسن وج ... هك يشقى ويكمد
قال ومن غنائه فى شعر غيره فى طريقة الثقيل:
إذا سلكت عير ذى كندة ... مع الصّبح قصدا لها الفرقد «١»
هنالك إمّا تسلّى الهوى ... وإمّا على إثرهم تكمد
ومن غنائه فى شعر جرير فى طريقة الرمل الثانى:
حىّ الهدملة من ذات المواعيس ... فالحنو أصبح قفرا غير مأنوس
стр. 742
وغنى فى شعر الاخطل فى طريقة الثقيل الأول:
إذا ما نديمى علّنى ثمّ علّنى ... ثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذّيل منّى كأنّنى ... عليك أمير المؤمنين أمير
حدّثنا الغلابى قال حدثنا يعقوب بن جعفر قال قال الرشيد لأبى عيسى ابنه وهو صبى «ليت جمالك لعبد الله» يغنى المأمون، فقال له وهو صغير «على أن حظه منك لى» فعجب من جوابه على صباه وضمه اليه وقبله.
حدّثنا الحسين بن فهم، قال لما قال أبو عيسى بن الرشيد:
دهانى شهر الصّوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدّهر
ولو كان يعدينى الامام بقدره ... على الشّهر لاستعديت جهدى على الشّهر
فناله بعقب هذا صرع، فكان يصرع فى اليوم مرات إلى أن مات ولم يبلغ شهرا مثله.
حدّثنى عبد الله بن المعتز قال كان سبب موت أبى عيسى بن الرشيد أنه كان يحب صيد الخنازير، فوقع من دابته، فلم يسلم دماغه، فكان يختبط فى اليوم مرات إلى أن مات.
стр. 743
حدّثنا عون بن محمد قال سمعت هبة الله يقول مات أبو عيسى ابن الرشيد سنة تسع ومائتين، وصلى عليه المأمون، ونزل فى قبره وامتنع من الطعام أياما حتى خاف أن يضر ذلك به.
أبو أيوب محمّد بن الرّشيد
«وأمه أم ولد يقال لها خلوب من مولدات الكوفة «١» » حدّثنا عبد الله بن الحسين القطربلى قال حدثنا عمرو بن شبة قال وجد المأمون على أخيه أبى أيوب فجفاه، ثم كلم فيه فرضى عنه، ولم يدع به، فعمل شعرا وصاغ فيه لحنا فى طريقة خفيف ثقيل الأول، وطرحه على من غنى به المأمون:
لمّا غضبت حرمتنى وجفوتنى ... فقرعت سنّى عند ذاك ندامة
وزعمت أنّك قدر ضيت فسيّدى ... أرنى على الرّضوان منك علامة
فلما غنى به المأمون سأل عن الشعر فأخبر فأعجبه، وأحضر أبا أيوب ورضى عنه.
«ومن شعره فى المأمون»
يا إمام العدل طالت غيبتى ... عنك فالحاسد مبسوط اللّسان
عاقب المذنب إن شئت ولا ... تلقه بالهجر فى بحر هوان
стр. 744
ارنى وجه رضى جدت به ... أك من سوء ظنونى فى أمان
حدّثنا جبلة بن محمد الكوفى قال أقام ابو السرايا مقام ابن طباطبا العلوى محمد بن محمد بن زيد بن على وكان شجاعا فصيحا إلا أنه كان لين الكلام، فقال ابو أيوب بن الرشيد يهجوه:
أأنت يا نبت أبى طالب ... فى الفتنة الصّمّا ركضت
وقمت فى النّاس على منبر ... حضضت فى الحرب وحرّضت
قد قلت لمّا سست أجنادهم ... ضاعت أمور الجند إذ سست
صرت على ما بك من خنثة ... إبنا وما إن زلت كالبنت
وغنى فى هذا الشعر، والشعر لعيسى بن ربيب.
إن لم تكن لى سكنا ... فلا سعت بى قدمى
يا سقمى فى صحّتى ... وصحّتى فى سقمى
اسمع لشكوى عاشق ... مذ سنة لم ينم
فانّ حبّى لك قد ... مازج لحمى ودمى
وهو القائل:
وشادن حمّلنى حبّه ... من ثقل الصّبوة ما لا أطبق
لحاظ عينيه بأخذ الّذى ... يريده من كلّ قلب دفيق
стр. 745
إنّى عليه من ضنى جفنه ... ومرض اللّحظ لصبّ شفيق
يفيق أهل السّقم من سقمهم ... وعينيه من سقمها ما تفيق
وقال:
وساحر الألحاظ والطّرف ... صوّر من حسن ومن ظرف
يعطفنى الحسن عليه وما ... يعرف من برّ ولا عطف
بى وإله النّاس من حبّه ... ما جاز عن حدّ وعن وصف
هذا على أنّى خوف العدى ... أظهر منه دون ما أخفى
وجدت بخط الشاهينى أبى إسحاق أن أبا أيوب بن الرشيد كان يعمل الاشعار فى خادم لبعض إخوته، قال وفيه يقول:
مررت بزاه على بابه ... فسلّمت راجى إيجابه
فما دار من صلف طرفه ... إلىّ لكثرة إعجابه
فأورثنى لوعة أسلمت ... فؤادى إلى يد أوصابه
فقلت مقال امرىء خيّبت ... وسائله عند أحبابه
إذا ما تكدّر عيش الفتى ... فانّ المنيّة أولى به
وفيه يقول:
ضاق بى للصّدود واسع أرضى ... بين طول منها فسيح وعرض
стр. 746
ومشى السّقم بين أحشاى حتّى ... صار بعضى للسّقم يرحم بعضى
قلت والغمض قد تمنّع واللّي ... ل مقيم ما إن يهمّ بنهض
أىّ ذنب أذنبت يا ربّ حتّى ... حلّ غمض الورى وحرّم غمضى
وقال، وفيه لحن طريقته فى الهزج:
زهيت فى حسنك يا زاهى ... فحبل وصلى خلق واهى
أنت إذا أقبلت فى موكب ... شغل لأبصار وأفواه
سهوت عنّى حين أذكرتنى ... حبّك ما الذّاكر كالسّاهى
بليت من حينى بذى قسوة ... مستصعب الجانب تيّاه
والله ما أصغيت ضنّابه ... لآمر فيه ولا ناه
عبد الله بن محمّد الأمين
ظريف أديب، ويكنى أبا محمد، قليل الشعر جدا، لم يمر فيمن ذكرناه أقل شعرا منه، وكان ينادم الواثق، وكانت له ضيعة تعرف بالعمرية، فأقام بها أياما، فكتب اليه أبو نهشل بن حميد، وكان صديقه:
سقى الله بالعمريّة الغيث منزلا ... حللت به يا مؤنسى وأميرى
فأنت الّذى لا يخلق الدّهر ذكره ... وأنت أخى حقّا وأنت سرورى «١»
стр. 747
فكتب اليه عبد الله:
لئن كنت بالعمريّة اليوم لاهيا ... فانّ هواكم حيث كنت ضميرى
فلا تحسبنّى فى هواك مقصرا ... وكن شافعى من سخطكم ومجيرى
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال من شعر عبد الله بن [محمد] الامين يقوله للمعتمد:
رأيت الهلال على وجهكا ... فما زلت أدعو إلهى لكا
فلا زلت تحيا وأحيا معا ... وآمننى الله من فقدكا
وأنشدنا له:
ألا يا دير حنظلة المفدّى ... لقد أورثتنى تعبا وكدّا «١»
أزفّ من الفرات اليك زقّا ... وأجعل فوقه الورد المندّا «٢»
[وأبدأ بالصّبوح أمام صحبى ... ومن ينشط لها فهو المفدّى
ألا يا دير جادتك الغوادى ... سحابا حمّلت برقا ورعدا
يزيد بناءك النّامى نماء ... ويكسو الرّوض حسنا مستجدّا «٣» ]
حدّثنا عبد الله بن المعتز، قال كانت كتلة «٤» مولاة عبد الله بن [محمد] الامين أعطتى وأنا حدث أوراقا صالحة من شعر عبد الله، فضاعت
стр. 748
منى بالحداثة، ولم أحفظ منها إلا ما أنشدت ومن شعره:
تطاول اللّيل حتّى ... ما إن يهمّ بفجر
ومسعدى من دجاه ... دمع على الخدّ يجرى
من منصفى من ظلوم ... اليه منه مفرّى
وهو القائل:
يا من به كلّ خلق ... يراه صبّ متيّم
ومن يخالك حسنا ... فما تراه يكلّم
لا شىء أعجب عندى ... ممّن يراك فيسلم
وسمعت من يذكر أن فيه غناء فى طريقة الرمل الثانى وقال:
قد كوى القلب بنيران ... فصرت منها إلف أحزان
طرفى ما تنفكّ آماقه ... من مطر سحّ وتهتان
يسعد فى الدّمع فان سمته ... يوما بردّ النّفس عاصانى
وقال:
جار على وجنته مدمعه ... وزال عمّا قد رجا مطمعه
من حبّ ظبى لك فى وجهه ... إذا تجلّى قمرا يطلعه
стр. 749
أعطى رقّ الحسن ملكا فما ... أصبح عنه أحد يدفعه
فى خدّه من صدغه عقرب ... تلسع من شاء ولا تلسعه
حدّثنى عون بن محمد الكندى قال كانت بين عبد الله بن محمد الامين وبين أبى نهشل بن حميد مودة، فاعترض عبد الله جارية مغنية من بعض نساء بنى هاشم، وأعطى بها مالا عظيما، فعرفت منه رغبة فيها فزادوا عليه فى السوم، فتركها ليكسرهم.
فجاء أخ لابى نهشل فاشتراها وزاد، فتتبعتها نفس عبد الله فسأل أبا نهشل أن يسأل أخاه النزول عنها، فسأله ذلك فوعده ثم تأخر ذلك، فكتب عبد الله إلى أبى نهشل
يا ابن حميد يا أبا نهشل ... مفتاح باب الحدث المقفل
يا أكرم النّاس ودادا ويا ... أرعاهم لحقّ ضائع مهمل
أحسنت فى ذاك وأجملت بل ... جزت فعال المحسن المجمل
بيتك فى ذى يمن شامخ ... تقصر عنه قنّتا يذبل
خلّفت فينا حاتما ذا النّدى ... وجدت جود العارض المسبل
أى أخ أنت لدى وجده ... تركته بالعرّ فى جحفل
نجوم حظّى منك مسعودة ... فيما أرجّى ليس بالأفّل
فصدّق الظّنّ بما قلته ... وسهّل الأمر به يسهل
стр. 750
لا تحرّمنى، ولديك المنى ... ظبية صيد الرّشأ الأكحل
رميت منه بسهام الهوى ... وما درى بالرّمى فى مقتلى «١»
أدنيتنى بالوعد فى صيده ... إدناء عطشان من المنهل
ثمّ تناسيت وسلّمتنى ... إلى مطال موحش المنزل
تركتنى فى لجّة عائما ... لا أعرف المدبر من مقبل
صرّح بأمر واضح بيّن ... لا خير فى ذى لبس مشكل
وهو القائل
جارية قد شفّنى هواها ... ترسل سهم الحتف مقلتاها
سبحان من فى حسنها براها ... قد حجبت عنّى فما ألقاها
ولست إلّا نائما أراها ... أذكرها دهرى فلا أنساها
بغّضها الله إلى مولاها
هارون بن المعتصم
وقيل اسمه محمد باسم أبيه فغيره هو، وقال لا أتسمى باسم أبى أو أخى فحصل على هارون، أنشدنا عبد الله بن المعتز لهرون بن المعتصم وحدثنى بعض أصحابنا قال قالها بحضرتى:
حمدى لربّى وشكرى ... عاب الهدادىّ شعرى
стр. 751
وليس يدرى المسي ... كين أنّه ليس يدرى
وأنشدنا عبد الله بن المعتزله أيضا:
إذا ما خاننى يوما جوادى ... جعلت الأرض لى فرسا وثيقا
وجالت راحتى بالسّيف حتّى ... ترى فى الهام من ضربى طريقا
وأنشدنا عبد الله بن المعتز، قال أنشدنى بعض أصحابنا له:
فرد الملاحة ماله شبه ... فلكلّه من كلّه نزه
جعل الفتور للحظه كحلا ... فجفونه حسن بها المزه «١»
وأنشدنى له عبد الله بن عبد الملك أبو محمد الهدادى:
وشادن يفضح بدر الدّجى ... والبدر فى ليلته يزهر
يجحد أنّى مستهام به ... فهو لقولى أبدا منكر
وقد كسانى سقمى حلّة ... تظهر من وجدى الّذى أستر
يكفيك منّى شاهدا أنّنى ... إليك من بين الورى أنظر
حدّثنى الهدادى قال عبث هارون يوما بغلام لحمزة بن المعتز، فقال له دعنا فقال له:
أخرج السّحر من جفونك عنّا ... ثمّ إن لم ندعك نحن فدعنا
стр. 752
ثم قال لى أريد أن أزيد على هذا فقال:
وغزال إذا تمنّيت يوما ... فهو لا غيره الّذى أتمنىّ
يتجنّى فان نطقت بعذرى ... ردّه ظالما له وتظنّى
أيّها اللّائم العيون إذا ... أبصرت من وجهه جمالا وحسنا
أخرج السّحر من جفونك عنّا ... ثمّ ان لم ندعك نحن فدعنا
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال حدثنى جيران هارون بن المعتصم أن الهدادى غلب على أشعار له وانتحلها، لأن شعره مما لم بدر بين الناس. وأنشدنى [عبد الله بن المعتز] بعقب هذا الحديث له:
زارنى طيفه هبوب المنادى ... فتناجى فؤاده وفؤادى
قال شخصى لشخصه سيّدى زر ... ت كأنّا كنّا على ميعاد
وقال:
وشادن ان قست بدر الدّجى ... بوجهه كنت مبين المحال
تحسده شمس الضّحى وجهه ... والغصن الغضّ على الاعتدال
وصاحب النّقصان من شأنه ... أن يحسد الكامل فضل الكمال
وقد سمعت بعض الطنبوريين يتغنى فى هذه الابيات
стр. 753
ومما أنشده له ابن المعتز بيت واحد؛ ولم أسمع له منه غيره:
سيّدى أنت أحسن البريّة وجها ... فلتكن أحسن العباد فعالا
وكان عبد الله بن المعتز يزعم أن شعر هذا كثير، ولكنه كان لا يظهره، ووجدت من شعره:
وغزال أعطاه مليك القلوب ... لحظ عين تحلّ كسب الذّنوب
أنا منه مروّع كلّ يوم ... بوعيد أو هجرة أو مغيب
يا دوائى إذا تطاول دائى ... وطبيبى إذا فقدت طبيبى
أنت أجريت دمع عينى بال ... هجر وعلّمتنى لحاظ المريب
أبو عيسى محمّد بن المتوكّل
كان أبو عيسى من أفضل أولاد المتوكل نفسا وعلما وعقلا وديانة، وكان له درس معروف من القرآن فى كل يوم وليلة، لا يخليه ولا يشتغل عنه، وكان يعنى بصلاة القيام، حتى يقال إنها ما فاتته قط.
حدّثنا ابراهيم بن عبيد الله قال لما أوقع بالمهتدى وجعل فى دار سمع ضجة الناس وتكاثرهم، فقال ما هذا؟ قالوا بايع الناس أحمد بن المتوكل، قال ابن فتيان؟ قالوا نعم، قال ويل لهم فهلا أبا عيسى، فانه كان أقوم بحق الله. وكان أبو عيسى قد سمع حديثا كثيرا، وعرف شيئا من الفقه، وكان يلزمه جماعة من العلماء لا يفارقونه، وله شعر قليل أكثره فى الزهد.
стр. 754
أنشدنى محمد بن يحيى لابى عيسى:
فارقت ألّا فى وخلّانى ... أبكاهم الدّهر وأبكانى
لم يضع الدّهر لهم واحدا ... إلّا ولى من ذاكم اثنان
حدّثنا أحمد بن يزيد قال لما عزم المعتمد على الخروج إلى الشام والموفق إذ ذاك يحارب الخائن بالبصرة، والدنيا مضطربة، أشار عليه أبو عيسى أخوه ألا يفعل، وحرص به، فأبى عليه، فقال أبو عيسى وعمل لحنا فيه:
أقول له عند توداعه ... وكلّ لعبرته مبلس
لئن قعدت عنك أجسادنا ... لقد رحلت معك الأنفس
ومن شعره:
إلى الله أشكو ما أرى من زماننا ... وكثرة ما فيه من الجور والظّلم
وأنّ الموالى قد علاهم عبيدهم ... كما قد تعالى الجهل فيهم على العلم
حدّثنى محمد بن يحيى بن أبى عباد قال كان أبو عيسى بن المتوكل يؤثرنى ويقدمنى، وكنت أحب الاتصال به لفضله ودينه. وكان ربما قال الشعر كالمتفرج لقوله وكان قد كتب الحديث وحفظ العلم، وكانت تأتيه من المعتضد بالله فرائض، فكتب إلى كتابا يقول فيه- وقد اتهم بعض جلساء المعتضد بالسعاية به، ممن كانت لأبى عيسى عنده أياد واصطناع- وأنا
стр. 755
وهو كما قال أبو قال أبو الذوائب مولى بنى قيس «١» .
إذا ما وضعت العرف فى غير أهله ... رزئت ولم تحمد ولم تتّخذ يدا
وأنشدنى محمد بن يحيى لابى عيسى بن المتوكل:
أنظر إلى الدّهر فى تصريف حالته ... فانّه ما وفى غدرا لانسان
فلا تمايله مغترّا بطاعته ... فسوف يعقبها منه بعصيان
ولا يغرّنك سلطان ظفرت به ... نسبت فيه إلى ظلم وعدوان
وجاز إحسان من أولاك عارفة ... بالشّكر عمّا أتى منه وإحسان
قال لى محمد بن يحيى: وأظنه كان يعرض بالموفق فى هذا القول وشبهه، ويحضه على ابن المعتمد وتوفيته حقه- ومن شعره
أذكر الله باللّسان وبالقل ... ب على شدّة وعند الرّخاء
واعتمد شكره على كلّ حال ... لا تكوننّ كافر النّعماء
حدّثنى أبو الحسن أحمد بن محمد الاسدى قال حدثنى من سمع أبا عيسى يقول وقد أمر بالركوب ليحدر من سر من رأى:
سيكون الّذى قضى ... سخط العبد أم رضى
ليس هذا بدائم ... كلّ هذا سينقضى
وهذان البيتان لابى العتاهية من أبيات
стр. 756
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبو العبّاس عبد الله بن المعتزّ بالله
شاعر مفلق محسن حسن الطبع، واسع الفكر كثيرا الحفظ والعلم يحسن فى النظم والنثر، من شعراء بنى هاشم المتقدمين وعلمائهم، ومن نشأ فى الرواية والسماعة، يكثر فى مجلسه من حدثنا وأخبرنا سمع من صعود صاحب الفراء، وأخذ عنه اللغة والغريب، وعن أعراب فصحاء كانوا يقدمون سر من رأى، وسمع عن أحمد بن أبى فنن، وعن الحسن بن عليل العنزى. وما رأيت عباسيا قط أجمع منه ولا أقرب لسانا كان من قلب، وكان يقدم أهل العلم ويؤثرهم وكان أبو العباس محمد بن يزيد المبرد يجيئه كثيرا ويقيم عنده، وكان ذلك سائغا لمحمد بن يزيد لكثرة مجيئه إلى إسماعيل بن إسحاق القاضى، وقرب القاضى من منزل ابن المعتز.
وكان قد لقى أبا العباس أحمد بن يحيى مرات، وكان يبعث اليه فيسأله عن الشىء بعد الشىء.
وكان أحمد بن سعيد الدمشقى مؤدبه لا يفارقه، وكانت داره مغاثا لاهل الادب، وكان يجالسه منهم جماعة وكان رأيه مخالفا لرأى العامة إلا أنه كان يسلم عليه أصحاب رسول الله ﷺ لا يذكر له أحد منهم إلا عدد فضائله وناضل عنه ونصره، إلا أنه كان
стр. 757
يقدم بنى هاشم ويفضلهم، وما سمعته فى حال من الاحوال ينقص أحدا ولا عرض بذلك ولا أومأ إليه. ثم حدث له فى آخر أيامه شعر فيه مفاخرة لأهله وبنى عمه الطالبيين، وكان يرى أنهم يناقضونه الشعر فكان قوله يمضى على ذلك، وتمر له أبيات يتأول فيها شيئا فيتأول أعداؤه غير ذلك، ويحتمل الشعر المعنيين. حتى اجتمع اليه جماعة من الطالبيين منهم أبو الحسين محمد بن الحسن المعروف بابن البصرى وكان يجالسه على قديم الايام. ومنهم القاسم بن إسماعيل فحلفوا له أنه ما يقول هذه الاشعار أحد منهم، فتندم على ما كان من قوله على أنى وجدت عنه أشعارا يتكذب فيها على العباس رضى الله عنه وعلى أفاضل ولده وعلى الخلفاء رحمة الله عليهم أكثرها لم يظهر.
وكان يقول من عذيرى من الناس تأتينى مثل هذه الاشعار فأجيب بتعريض عن مائة كلمة قد صرح بها كلمة، فأنسب إلى ما أنسب اليه. ثم عمل أشعارا يعتذر فيها ويمدح أمير المؤمنين عليا وولده ﵈، وأعطى الله عهدا ليقولن باقى عمره فى هذا الفن.
ولو كان عندى ما يظنه قوم من أعدائه وينسبونه إلى أنه كان يعتقده ولم يظهر منه ندم منه وتوبة على ما كان يتأول عليه فيه، لما استجزت أن تجرى له ذكر فضيلة على لسانى أبدا وليس بمسلم عندى ولا عاقل ولا ذى مروءة من علم أن
стр. 758
رجلا فارق الدنيا وفيه ميل على أمير المؤمنين على بن ابى طالب ﵇ أو أحد من ولده ثم أعتقد ودا له أو ميلا اليه أو ثناء عليه وليس بمسلم ولا عاقل عندى من علم هذا من أب فانتسب اليه أو من ابن فأقر به. وأنا مبتدىء بما هو أجدى على ابن المعتز من فضيلة الشعر بالشواهد على بطلان ما اعتقده قوم فيه أو أنه فارق الدنيا وهو عليه ان شاء الله.
حدّثنى أبو القاسم الحسن بن محمد بن على بن محمد بن يحيى بن الحسين ابن زيد بن بنت على بن محمد الحمانى قال حدثنى ابو الحسين محمد بن الحسن العلوى المعروف بابن البصرى قال كنت أجالس عبد الله ابن المعتز وكان يحلف لى بالله لئن ملك من هذا الامر شيئا ليجعلن البطنين بطنا واحدا، وليزوجن هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء، وقال لا أدع طالبيا يتزوج بغير عباسية، ولا عباسى بغير طالبية، حتى يصيروا شيئا واحدا، وأجرى على كل رجل منهم عشرة دنانير فى الشهر، وعلى كل امرأة خمسة دنانير، واجعل لهم من الدنيا ناحية تفى بذلك ومن أشعاره التى كانت من آخر قوله فى آخر أيامه ما أنشدنيه لنفسه:
رثيت الحجيج فقال العدا ... ة سبّ عليّا وبنت النّبى
أآكل لحمى وأحسو دمى ... فيا قوم للعجب الأعجب
стр. 759
علىّ يظنّون بى بغضه ... فهلّا سوى الكفر ظنّوه بى
إذا لا سقتنى غدا كفّه ... من الحوض والمشرب الأعذب
بلى قرمطيّين متّوا إلي ... هـ بالّنسب الأفجر الأكذب
سببت فمن لامنى فيهم ... فلست بموصى ولا معتب
مجلّى الكروب وليث الحرو ... ب فى الرّهج السّاطع الأصهب
وبحر العلوم وغيظ الخصوم ... متى يصطرع وهم يغلب
يقلّب فى فمه مقولا ... كشقشقة الجمل المصعب
وأوّل من ظلّ فى موقف ... يصلّى مع الطّاهر الأطيب
وكان أخا لنبىّ الهدى ... وخصّ بذاك فلا يكذب
وكفء لخير نساء العبا ... د ما بين شرق إلى مغرب
وأقضى القضاة بفصل الخطا ... ب والمنطق الأعدل الأصوب
وفى ليلة الغار وقّى النّبىّ ... عشاء الى الفلق الأشهب
وبات دريّته فى الفرا ... ش موطّن نفس على الأصعب
وعمرو بن عبد وأصحابه ... سقاهم حسا الموت فى يثرب
فسل عنه خيبر ذات الحصو ... ن تخبّرك عنه وعن مرحب
стр. 760
وسبطاه جدّهما أحمد ... فبخ بخ لجدّهما والأب
فيا أسدا ظلّ بين الكلا ... ب ينهشنه دامى المخلب
ولا عجب غير قتل الحسي ... ن ظمآن يقصى عن المشرب
لئن كان روّعنا فقده ... وفاجاه من حيث لم يحسب
فكم قد بكينا عليه دما ... بسمر مثقّفة الأكعب
وبيض صوارم مصقولة ... متى يمتحن وقعها يرسب
وكم من شعار لنا باسمه ... يجدّد غيظا على المذنب
وكم من سواد حددنا به ... وتطويل شعر على المنكب
ونوح عليه لنا بالصّهيل ... وصلصلة اللّجم فى مقنب
وذاك قليل له من بنى ... أبيه ومنصبه الأقرب
وأنشدنا عبد الله بن المعتز لنفسه:
قيل إنّى لعلىّ مبغض ... مصّ من يزعم هذا ودخل
لعنة الله على مبغضه ... كلّما صلّى مصلّ وابتهل
والّذى زوّر قولا كاذبا ... أثبت الله له قرن وعل
وهو عندى فرخ سوء حملت ... أمّه لا شكّ من ذاك العمل
стр. 761
وله بعد هذا اعتذار كثير فى قصائد الا أنه خلط الاعتذار ببعض الاحتجاج فلم أذكره، والذى ذكرته عنه هو آخر ما قاله وعليه فارق الدنيا.
وقال من أبيات:
زعمت بأنّى يا مبغّض مبغض ... عليّا فما فخرى إذا فى المحافل
أآكل من لحمى وأشرب من دمى ... كذبت لحاك الله يا شرّ واغل
علىّ وعبّاس يدان كلاهما ... يمين سواء فى العلى والفضائل
فهذا أبو هذا وهذا كم ابن ذا ... فهل بين هذين اتّساع لداخل
ستسمع ما يخزيك فى كلّ محفل ... وتمسح رأس العارف المتغافل
وقال فى قصيدة أولها:
أبعد البين صبر أم هجود ... أبى ذاك التّذكّر والسّهود
وفيها:
أليس محمّد منّا فحسبى ... به فخرا وما فيه مزيد
به طلعت نجوم الحقّ سعدا ... وبيّنت الشّرائع والحدود
وفارسنا علىّ ذو المعالى ... هناك الفضل والأمر الرّشيد
وأوّل مؤمن وأخو نبىّ ... وميمون نقيبته سعيد
стр. 762
وقال
قل لقريش دعى الاسراف واقتصدى ... إنّ عليّا وعبّاسا يدى ويدى
إن تسخطوهم تروا أسيافنا معهم ... إنّا وإيّاهم روحان فى جسد
وقال
بنى عمّنا عودوا نعد لمودّة ... فانّا إلى الحسنى سراع التّعطف
وإلّا فانّى لا أزال عليكم ... محالف أحزان كثير التلهّف
لقد بلغ الشّيطان من آل هاشم ... مبالغه من قبل فى آل يوسف
ومنزلة عبد الله فى الشعر منزلة شريفة، وقد وقع من قوم إفراط فى أمره وتقديمه وكان أبو العباس أحمد بن يحيى يقدمه، ويقول «هو أشعر أهل زمانه» وكان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يقول «هو أشعر قريش، لأنه ليس فيهم من له مثل فنونه «لأنه قال فى الخمر، والطرد، والغزل، والمديح، والهجاء، والمذكر، والمؤنث، والمعاتبات والزهد، والاوصاف، والمراثى.... فأحسن فى جميعها، وهو حسن التشبيه، مليح الألفاظ، واسع الفكر.
وكان أحمد بن اسماعيل الكاتب نطاحة يقول «هو أشعر بنى هاشم» وآل وهب كلهم يقدمونه، ويقولون فيه مثل هذا القول وهو يأخذ كثيرا من الناس، ويستعين فيحسن، وكثيرا ما يتكىء
стр. 763
على نفسه، وهو يفضل أشباهه بألفاظ له ملوكية.
وسمعت بعض العلماء بالشعر يقول «أول الشعراء المنقدمين فى صفة الخمر الأعشى ثم الأخطل ثم أبو نواس ثم الحسين بن الضحاك ثم عبد الله بن المعتز، فقلت أنا هو أيضا عندى متقدم فى الغزل لأن الشعراء الذين أحسنوا فى الغزل حتى تفردوا به وكان الغزل قطعة من شعرهم معروفة قليلون، وخاصة من عمل فى المذكر والمؤنث وهو «١» أول من حصل هذا، وجعله فنين وأضاف اليه فنا ثالثا سماه مجونا وكثره حتى تقدم فيه من سبقه وتبعه الناس.
أخبار لعبد الله بن المعتزّ
كان عبد الله بن المعتز يحب لقاء أبى العباس احمد بن يحيى
ويعلمه ذلك، وكان أبو العباس احمد بن يحيى يعتذر اليه فى تخلفه عنه بأنه ضعف عن أن يمضى إلى أحد.
فكتب اليه عبد الله يعرفه شوقه اليه، ويصف مقداره فى العلم. ويعتذر من ترك إتيانه، لأن الركوب ليس بسائغ له:
ما وجد صاد فى الحبال موثق ... بماء مزن بارد مصفق «٢»
بالرّيح لم يطرق ولم يرنّق ... جادت به أخلاف دجن مطبق
стр. 764
بصخرة إن تر شمسا تبرق ... فهو عليها كالزّجاج الأزرق
صريح غيث خالص لم يمذق ... إلّا كوجدى بك لكن أتّقى «١»
يا فاتحا لكلّ علم مغلق ... وصيرفيّا ناقدا للمنطق
إن قال هذا بهرج لم ينفق ... إنّا على البعاد والتّفرّق
لنلتقى بالذّكر إن لم نلتق
فكتب اليه أبو العباس يشكره عن قوله، ويقول له أول أبياتك تشبه قول جميل:
فما صاديات حمن يوما وليلة ... على الماء يغشين العصىّ حوانى
لوائب لم يصدرن عنه لوجهة ... ولا هنّ من برد الحياض دوانى
يرين حباب الماء والموت دونه ... فهنّ لأصوات السّقاة روانى
بأوجد منّى عيل صبر ولوعة ... عليك ولكنّ العدوّ عدانى
وآخر الأبيات يشبه قول رؤبة:
إنّى وإن لم ترنى فانّنى ... أراك بالغيب وإن لم ترنى
أخوك والرّاعى لما استرعيتنى
وحدّثنى بعض أصحابنا قال كنت عند أبى العباس أحمد بن يحيى
стр. 765
وحوله جماعة فجاء ابن المعتز يسلم عليه، فقام اليه وأجلسه مكانه، فداس قلما فكسره، فقال على البديهة:
لكفىّ وتر عند رجلى لأنّها ... أبادت قتيلا ما لأعظمه جبر
وكنا يوما نتغدى مع عبد الله بن المعتز وغلام يذب عنا، فأصابت المذبة رأس رجل على المائدة بالسهو من الغلام، فقال عبد الله من وقته:
قل لمن ذبّ ذبّ نفسك عنّا ... حسبنا منك أو فحسبك منّا
ودخلت يوما على عبد الله بن المعتز وقد هدم أكثر داره وهو ينظر إلى الضناع وكيف يبنون قبة له، فكأنى أشفقت من الغرم مع قلة الدخل، فأومأت بالقول إلى ذلك، فأنشدنى مساعد الى:
ألا من لنفس وأشجانها ... ودار تداعت بحيطانها
أظلّ نهارى فى شمسها ... شقيّا لقيّا ببنيانها
تسوّد وجهى بتبييضها ... وتخرب مالى بعمرانها
وكنا يوما عنده فقرأ شعرا رديئا لمتوج بن محمود بن مروان الاصغر بن أبى الجنوب بن مروان الا كبر، وكان شعرا رديئا جدا. فقال أشبه لكم شعر آل أبى حفصة وتناقضه حالا بعد حال؟
فقلنا إن شاء الأمير.
فقال كأنه ماء سخن لقليل «١» فى قدح، ثم استغنى عنه فكان أيام
стр. 766
شعر مروان الأكبر على حرارته، ثم انتهى إلى عبد الله بن السبط وقد برد قليلا، ثم إلى ادريس بن ادريس وقد زاد برده، والى أبى الجنوب كذلك، الى مروان الأصغر وقد اشتد برده، والى ابى هذا متوج وقد ثخن لبرده، والى متوج هذا وقد جمد، فلم يبق بعد الجمود شىء.
ودخلنا اليه نهنئه ببرء من علته فأنشدنا لنفسه:
اتانى برء لم أكن فيه طامعا ... كحلّ أسير شدّ بعد وثاقه
فان كنت لم أجرع من الموت حسوة ... فانّى مججت الموت بعد مذاقه
وكنا نشرب بين يديه فتثاءب بعضنا فقال:
إذا فتح القوم أفواههم ... لغير كلام ولا مطعم
فلا خير فيهم لشرب النّبي ... ذ ودعهم يناموا مع النّوّم
ومن مختار شعر عبد الله فى المديح
، على أنه قد مر فى المعتمد والمعتضد والمكتفى أشعار جياد، لا حاجة بنا إلى إعادتها:
فكّ حرّ الوجد قيد البكاء ... فاعذرينى أو [لا] فموتى بدائى «١»
[لو أطعنا للصّبر عند الرّزايا ... ما عرفناه شدّة من رخاء
стр. 767
أسرع الشّيب مغريا لى بهمّ ... كان يدعوه من أحبّ الدّعاء
ما لهذا المساء لا يتجلّى ... حياء منه سراج السّماء] «١»
قرّبا منّى عقال المطايا ... واحللا عنها عقال الثّواء «٢»
حرّة يسترعف المرء من ... ها منسما مشعلا بالنّجاء
طعنت بالسّير أحشاء خر ... ق لم تمتّع معه بالبقاء
[أنفذت فى ليل التّمام وحنّت ... كحنين للصّبّ يوم التّنائى
والدّجى قد ينهض الصّبح فيه ... قائما ينشرنّ ثوب الضّياء
من لهمّ قد بات يشجى فؤادى ... ما له حال دمعتى من خفاء
إخوة لى قد فرّقتهم خطوب ... علّمت مقلتى طويل البكاء
إن أهاجو بآل أحمد حربا ... ببنيكم لا تحلبوا فى إنائى
وتحلّوا عقد التّملّك منكم ... بأكفّ قد خضّبت بالدّماء]
وخليل قد كان مرعى الأمانى ... ورضى النّفس وحسب الاخاء
غير أنّا من النّوى «٣» فى افتراق ... وبلقيا ذكرنا فى التقاء
يعرف المعروف طبعا ويثنى ... بيد الجود عنان الثّناء
стр. 768
ربّ يوم عامر الكأس ظلنا ... نقرع القهوة فيه بماء
ودجى ليل بطىء الحواشى ... مدنف الرّيح قصير البقاء
أسقط الأمطار حتّى تثنىّ ال ... نّور وابتلّ جناح الهواء
زمن مرّ بنا فى نعيم ... وصباح غافل ومساء
وقال فى المعتضد بالله «١» «٢»
سقيا لمنزلة الحمى وكثيبها ... إذ لا أرى زمنا كأزمانى بها
إذ لمّتى ريّا السّواد أثيثة ... صرف ولم تمزج باون مشيبها
لمّا رأيت الملك شظّى عوده ... وهوت كواكب سعده لغروبها
حرّكت تدبيرا عليه سكينة ... وخلطت ضحكة حازم بقطوبها
كم فتنة بادرت منها فرصة ... فحسمتها ووثبت قبل وثوبها
راعيت جانبها بلحظة حازم ... فطن بعقرب غلّها ودبيبها
كم قائل والهام تنظم فى القنا ... لا يصلح الخرزات غير ثقوبها
لعزائم أغمدتها فى صمته ... لا تكشف الأوهام ستر غيوبها
стр. 769
ولربّ سمع قد قرعت بحجّة ... هذّبتها من شكّها وعيوبها
أثنى عليها بالسّداد حسودها ... وقضى عليها خصمها بوجوبها
وقال
يا ربّ إخوان صحبتهم ... لا يملكون لساوة قلبا
لو تستطيع نفوسهم فقدت ... أجسادهم وتعانقت حبّا
وقال
ربّ أستبقيك نفس ابن وهب ... وسميعا قد دعوت مجيبا
ربّ ليل نمته وابن وهب ... ساهر يطرد عنّى الخطوبا
وقال
وحلو الدّلال مليح الغضب ... يشوب مواعيده بالكذب
[قصير الوفاء لأصحابه ... فهم من تلوّنه فى تعب]
سقانى وقد سلّ سيف الصّبا ... ح واللّيل من خوفه قد ذهب
عقارا إذا ما جلتها السّقا ... ة ألبسها الماء تاج الحبب
وأصلح بينى وبين الزّما ... ن وأبدلنى بالهموم الطّرب
[وما العيش إلّا لمستهتر ... تظلّ عواذله فى شغب
стр. 770
يهيم إلى كلّ ما يشتهى ... وإن ردّه العذل لم ينجذب
ويسخو بما قد حوت كفّه ... ولا يتبع المنّ ما قد وهب
فكم فضّة فضّها فى سرو ... ر يوم وكم ذهب قد ذهب]
ولا صيد الّا بوثّابة ... تطير على أربع كالعذب «١»
[وإن أطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطّلب
فزوبعة من بنات الرّيا ... ح تريك على الأرض شدّا عجب]
تضمّ الطّريد إلى نحرها ... كضمّ المحبّة من لا يحبّ «٢»
[ألا ربّ يوم لها لا يذ ... مّ أراقت دما وأغابت سغب]
إذا ما رأى عدوها خلفه ... تناجت ضمائره بالعطب
لها مجلس فى مكان الرّدي ... ف كتركيّة سبيها للعرب
ومقلتها سائل كحلها ... وقد جلّيت سبجا فى ذهب
وظلّت لحوم ظباء الفلا ... على الجمر معجلة تلتهب
وطافت سعاتهم يمزجو ... ن بماء الغدير بنات العنب
[وحثّوا النّدامى بمشمولة ... إذا شارب عبّ فيها قطب]
стр. 771
فراحوا نشاوى بأيدى المدا ... م وقد نشطوا من عقال التّعب
إلى مجلس أرضه نرجس ... وأزيار عيدانه تصطخب
وحيطانه خرط كافورة ... وأعلاه من ذهب يلتهب
فيا حسنه بامام الهدى ... وخير الخلائف نفسا وأبّ
له راحة مالها راحة ... ترى جدّ نائلها كاللّعب
وأهيب ما كان عند الرّضا ... وأرحم ما كان عند الغضب
[وكم قد عفا وأقرّ الحيا ... ة فى آيس قلبه يضطرب
على طرف العيس قد حدّقت ... اليه المنايا وكادت تثب
وما زال مذ كان فى مهده ... مليّا خليقا بأعلا الرّتب
كأنّا نرى الغيب فى أمره ... بأعين ظنّ لنا لم تخب
ونسترزق الله تمليكه ... ونستعجل الدّهر فيما نحبّ
ويبدو لنا فى المنام الخيا ... ل بما نشتهيه فتنفى الكرب
بشارة ربّ لنا بلّغت ... وكانت لتعجيل شكر سبب
إلى أن دعته إلى بيعة ... فكم عتق رقّ ونذر وجب
ورثت الخلافة عن والد ... فأحرزت ميراثه عن كثب
стр. 772
ولم تحوها دون مستوجب ... ولا صادها لك سهم غرب
فلا زلت تبقى وتوقى لنا ... خطوب الزّمان وصرف النّوب]
وقال فى المعتضد بالله
عرف الدّار فحيّا وناحا ... بعد ما كان صحا واستراحا
ظلّ يلحاه العذول ويابى ... فى عنان العذل إلّا جماحا
علّمونى كيف أسلو وإلّا ... فخذوا عن مقلتىّ الملاحا «١»
من رأى برقا يضىء التماحا ... ثقب اللّيل سناه فلاحا
وكأنّ البرق مصحف قارى ... فانطباقا مرّة وانفتاحا
[فى ركام ضاق بالماء ذرعا ... حيثما مالت به الرّيح ساحا]
لم يزل يلمع باللّيل حتّى ... خلته نبّه فيه صباحا
وكأنّ الرّعد فحل لقاح ... كلّما يعجبه البرق صاحا
[لم يدع أرضا من المحل إلّا ... جاد أو مدّ عليها جناحا
وسقى أطلال هند فأضحت ... يمرح القطر عليها مراحا
ديما فى كلّ يوم ووبلا ... واغتباقا للنّدى واصطباحا
стр. 773
كلّ من ينأى من النّاس عنها ... فهو يرتاح إليها ارتياحا
لا أرى مثلك ما عشت دارا ... ربوة مخضرّة أو بطاحا
لو حللنا وسط جنّة عدن ... لاقترحناك عليها اقتراحا
وإذا ما ذرّت الشمس فيها ... فتّحت أعين روض ملاحا
فى ثرى كالمسك شيب براح ... كلّما أنبته القطر لاحا]
جمّع الحقّ لنا فى إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا
إن عفا لم يلغ لله حقّا ... أوسطا لم نخش منه جناحا
ألف الهيجاء طفلا وكهلا ... نحسب السيف عليه وشاحا
[وله من رأيه عزمات ... وصل الله ضمنهنّ نجاحا
يجعل الجيش إدا صار ذيلا ... جرأة فيه وبأسا صراحا
فرح الأعداء بالسّلم منه ... وهو فى السّلم يعدّ السّلاحا
فرّقت أيديهم المال كرها ... ولقد كانوا عليها شحاحا
خاط أفواههم وقديما ... مزّقوها ضحكا ومزاحا
ووعوا شكوى اليه وكانوا ... ملأوا دور الملوك نباحا
أيقنوا منه بحرب عوان ... ورجال يخضّبون الرّماحا
стр. 774
وبخيل تأكل الأرض شدّا ... ملجمات يبتدرن الصّياحا
قاصدات كلّ شرق وغرب ... ناطقات بالصّهيل فصاحا
حملت أسدا من النّاس غلبا ... وكباشا لا تملّ النّطاحا
إن أغب عنك فما غاب شكر ... دعوة جاهدة وامتداحا
يا أمين الله أيّدت ملكا ... كان من قبلك نهبا مباحا]
وقال فى الموفق بالله
وفارس أغمد فى جنّة ... يقطّع السّيف إذا ما ورد
كأنّما ماء عليها جرى ... حتّى إذا ما غاب فيه جمد «١»
فى كفّه عضب اذا ما هزّه ... حسبته من خوفه يرتعد
وقال لعبد الله بن سليمان
عليم بأعقاب الأمور كأنّه ... بمختلسات الظّنّ يسمع أو يرى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا
وقال
أيا موصل النّعمى على كلّ حالة ... إلىّ قريبا كنت أو نازح الدّار
كما يلحق الغيث البلاد بسيله ... وإن جاد فى أرض سواها بأمطار
стр. 775
ويا مقبلا والدّهر عنّى معرض ... يقسّم لحمى بين ناب وأظمار
ويا من يرانى حيث كنت بذكره ... وكم من أناس لا يرونى بأبصار
لقد رمت بى أمال نفسى كلّها ... فيا لهف نفسى لو أعنت بمقدار
وكم نعمة لله فى صرف نعمة ... ترجّى ومكروه حلا بعد إمرار
وما كلّ ما يهوى النّفوس بنافع ... ولا كلّ ما يخشى النّفوس بضرّار
لقد عمر الله الوزارة باسمه ... وردّ اليها أهلها بعد إقفار
وكانت زمانا لا يقرّ قرارها ... فلاقت نصابا ثابتا غير خوّار
وقال من قصيدة
اسلم أمير المؤمنين ودم ... فى غبطة وليهنك النّصر
فلربّ حادثة نهضت لها ... متقدّما فتأخّر الدّهر
ليث فرائسه اللّيوث فما ... يبيضّ من دمها له ظفر
سحب الجيوش فكم بها فتحت ... بعد التّمنّع بلدة نكر
ما ردّ عن متحصّن يده ... إلّا وقلعته له قبر
وقال فى القاسم بن عبيد الله من أبيات ... ألا سقّنيها أمّ دهر تقادمت
فلم يبق منها غير ريح ومنظر
следующие страницы →