← Адаб

Адаб · id 10538

البرصان والعرجان والعميان والحولان

الجاحظ

Полный текст (633 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يزيد بن عياض بن جعدبة اللّيثي [١] قال: أراد عبد الله بن جعفر أن يفد إلى عبد الملك، وعلى المدينة أبان بن عثمان، فأرسل إليه بديحا ليستأذنه [٢] ، فقال أبان: فليبعث إليّ بجاريته فلانة. فرجع إليه فأخبره فقال: أمّا الجارية فلا ولا كرامة، وقال له: ارجع إلى بقيع فقل له أما الجارية فلا. فقال أبان: فليبعث إلىّ بغلامه الزّامر. قال عبد الله: نعم، وهو يشبهه. فأذن له فوفد إلى عبد الملك.. ومن البرصان الأشراف من الملوك جذيمة بن مالك صاحب الزّبّاء وقصير [٢] ، وكان يقال له جذيمة الأبرص، فلمّا ملك قالوا على وجه الكناية: «جذيمة الأبرش» ، فلما عظم شأنه قالوا: «جذيمة الوضّاح» . ولم يقولوا: جذيمة الأوضح، لأنّهم يضعون هذا الاسم في موضع الكناية عن الأبرص، وذلك كثير. وليس في الأرض أبرص يقال له الوضّاح غير جذيمة، ومن يقال له الأوضح كثير. والكناية إذا طال استعمالهم لها صارت

стр. 107

كالإفصاح [١] . فمن ذلك أنّهم كنوا عن الفرج فقالوا: كشف علينا متاعه. فصار المتاع والفرج سواء. والفرج والقبل والدّبر كلّه أيضا كنايات: وكذلك الخلا والحشّ والغائط كلّها كنايات. وكذلك البراز [٢] والزّبل والنّجو كنايات، والاسم الخرو، وجمعه خروان [٣] . وقالوا في الكناية: فلان يدعو إلى نفسه، فلما طال ذلك وكثر قام في القبح مقام الأوّل. وقالوا في الكناية عن قولهم: زنت فلانة: قحبت. والقحاب: السّعال. وقال الشاعر في شاة له: وإذا ما قحبت واحدة ... جاوب المبعد منها فخضف [٤] فكأنّهم كانوا في التقدير يضعون سعلت مكان زنت، فلما طال ذلك صار قولهم: قحبت، أقبح من قولهم: زنت.

стр. 108

وربّما قيل للأبرص: أبرش، وأقشر، وأنمش، وأرقط، وأبقع، ومبقّع وبقيع، ومولّع، ومرقّع. وبكلّ ذلك جاء الشعر. قال السّيّد الحميريّ، وكان إذا قضى وطره من الكلام لم يكن يحفل بما وراء ذلك. والسيّد حميريّ، وهو السيّد بن محمد [١] ، ويكني أبا هاشم، ومولده بعمان، ومنشؤه بالبصرة. ومات في خلافة الرشيد. قال في هجائه لأبي بكر، وعمر [٢] ، وعبد الله بن عمر، ولغيرهم من الصحابة: فبعدا وسحقا لتلك الوجوه ... للجبت والعدل والأبرش [٣] [عتيق] وصاحبه الظّالمين ... وعجلهما ذلك الأرقش [٤] فيا نفس حتّى متى تبلطين ... على الخائن الأوّل المرتشى [٥] ثم قال: فهذا ولا قول نعمانهم ... ولا قول سفيان والأعمش أمّا العلماء فلم يقل أحد منهم إن أبا بكر كان أبرش، وكذلك عمر،

стр. 109

ولا قال أحد منهم إنّ عبد الله بن عمر كان أرقش، وهو الذي سمّاه العجل، وكان شديد الأدمة، أتاه ذلك من قبل أخواله آل مظعون [١] . ومن العجب خبر ضبر الأعمش [٢] مع أبي حنيفة وسفيان، وهذان من المرجئة والأعمش من الغالية. وقال ابن عنقاء الفزاريّ [٣] في المرقّع بن ذي الرّأسين [٤] ، وهو أبو شوّال بن المرقّع: فقلت لشوّال توقّ ذبابه ... ولا تحم أنفا أن يخيم مرقّع [٥] وقال أبو عاصم في أيمن بن خريم [٦] فيما أظنّ: فأرغم الله أنفا أنت حامله ... وزاد جلدك في تبقيعه بقعا جلد تسربل ثوب الذّلّ ظاهره ... واستبطن اللّؤم حتّى ضاق فانصدعا

стр. 110

قالوا: ومن البرصان ثم من بني ضبّة عامر الأبرش [١] وأجمعوا على أنّه كان أبرص وأنّ الأبرش كان كناية.. ومن سمّي الأبرش ولم يكن أبرص الأبرش الكلبي وهو سعيد بن الوليد [٢] ، وكنيته أبو مجاشع، وكان أخصّ الناس بهشام وأغلبهم عليه. وقد كان به برش، وكانت فيه عفّة. ولم يقل أحد من أجل أنّه كان يدعى الأبرش أنّه كان أبرص. ومنهم: البرشاء، أم قيس بن ثعلبة [٣] وأخته تسمّى الجذماء [٤] ، فزعم بعض الناس أنّها كانت برصاء، ولم يأت على ذلك دليل.

стр. 111

وذكر سحيم بن حفص أنّ الجذماء كانت ضرّة البرشاء، وأنّها رمت البرشاء بجمر كان في يدها فبرش جلدها من النار [١] . وقال بعضهم: بل إنّما قيل ذلك لها من مخافة العين عليها، كما يسمّون الرجل الجميل شيطان [٢] ، والغراب النافذ البصر: الأعور، والأرض السّباريت [٣] : المفازة، والنّهيش: السليم، والفرس العتيق إذا كان أنثى: شوهاء [٤] . وكذلك سمّوا بنت صبّة: العوراء، وكانت عند تميم. وكذلك العوراء بنت أبي جهل [٥] ، وكذلك الجرباء بنت عقيل [٦] ، وكذلك بني العوجاء في همدان، وعلى ذلك سمّوا بناتهم بكلفاء [٧] ، وسوداء، ودلماء [٨] ،

стр. 112

ودهماء [١] ، وعرّاء [٢] ، وحبناء [٣] ، وخنساء [٤] . وزعم أبو عثمان البقطريّ أنّ. أمّ سراقة [٥] بن مالك بن جعشم المدلجيّ [٦] كانت برصاء وأنشد قول أميّة بن الأسكر [٧] : قد جرّت البرشاء أمّ سراقة ... رمته بها البغضاء بين الحواجب [٨]

стр. 113

وقد نيل شطر اللّيل حتى تغضّنت ... مشافره كالقنفذ المتحارب [١] إذا غمزته الكفّ قال ألاله ... وخشيته، لو أنّه غير شائب [٢] فهو لعمري شعر أميّة بن الأسكر. وليس في ذكر البرش دليل على البرص. والذي هجا به أميّة بن الأسكر نفسه في هذا الشعر السّخيف السفيه أسمج وأشنع مما هجا به سراقة. وهذا المثل يرغب بمثله عنه. وسمعت شيخا من مزينة يقول: لولا الذي كان من زهير من الفحش في هجاء بني أسد [٣] لما كان في الأرض أتمّ في مروءة شعره [٤] ، ولا

стр. 114

أقصد، ولا أقلّ تزيّدا من زهير، لأنّه وصف الملوك والسّوقة، والفرسان والسّادة بالذي يكون فيهم. ويقول أهل العلم: ثلاثة رجال سادوا في الجاهلية والإسلام أحدهم سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجيّ [١] ، والآخر الجارود بني المعلّى العبدي [٢] ، والثالث جرير بن عبد الله البجليّ [٣] . وقالوا في المولّع [٤] ، قال أبو عبيدة: كان ثمامة بن عبد الله بن

стр. 115

أنس [١] أسلع بن أسلع بن أسلع [٢] . ولذلك قال خليفة الأقطع، أبو خلف ابن خليفة الشاعر [٣] : وكنّا قبل مستقضى بلال ... من الشّيخ المولّع في عناء [٤] تقيّل شيخه وأبا أبيه ... كما قدّ الحذاء على الحذاء [٥] ويقال إن ولد أنس بن مالك لا ينفكّون في كلّ زمان أن يكون فيهم رؤساء إمّا في الفقه، وإمّا في الزّهد، وإمّا في الخطابة. ولم يكن بالبصرة

стр. 116

أنظر من ثمامة [١] ، ومن موسى بن حمزة [٢] . وولد لأنس عشرون ومائة من صلبه. وقد كان رسول الله ﷺ دعا له بكثرة الولد والسعة في الرّزق [٣] . ويستدلّ على مصداق ذلك بكثرة قطائعه. قالوا: ولم يكن يعتريهم عطاش [٤] مذ صار فيهم قدح رسول الله ﷺ . وزعم أصحاب المسند أنّه ليس في جميع المسند أكثر منها فوائد [٥] من مسنداته. وإمامة مسجد الجامع بالبصرة مقصورة [٦] على الأنصار، لما فيهم من الصلاح والحال الجميلة. وليس لأحد من أهل البصرة من الموالي مثل ما لهم. فمن مواليهم: الحسن، وابن سيرين [٧] . ولم يتلطّخوا بشيء من

стр. 117

الفتن في طول ما حاربت الأزد بالبصرة لتميم. هذا وهم فرسان الأزد. وزعموا أن بني نمير برص [١] . واستشهدوا قول كعب بن سعد الغنوي [٢] : ما إن في الحريش ولا عقيل ... ولا أولاد جعدة من كريم [٣] ولا البرص الفقاح بني نمير ... ولا العجلان زائدة الظّليم [٤] أولئك معشر كبنات نعش ... رواكد لا تسير مع النّجوم [٥]

стр. 118

قال: وهذا هو معنى قول جرير: ولو وضعت فقاح بني نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا [١] قالوا:. ومن البرصان الأبرص الكلبيّ قال المختار بن أبي عبيد [٢] حين أيقن بالقتل: إن يقتلوني يجدوا لي جزرا [٣] ... محمّدا قتلته وعمرا [٤] والأبرص الكلبيّ لما أدبرا قال: ومن البرصان: شمر بن ذي الجوشن الضّبابي [٥] قال الحسين بن على بن أبي طالب رحمة الله عليه قبل أن يقتله بليلة: «إنّي

стр. 119

رأيت في المنام كأنّ كلبا أبقع يلغ في دمائنا، فعبّرته هذا الأبرص الضّبابي [١] » . يعني شمر بن ذي الجوشن. كان الرئيس في قتل الحسين ابن علي، والملك يزيد بن معاوية، وكان أمير العراق الذي جهز الجيش وعقد اللواء عبيد الله بن زياد [٢] ، وكان صاحب الجيش وأمير الجماعة عمر بن سعد [٣] ، وكان قائده الأكبر شمر بن ذي الجوشن، وكان الذي تولّى قتله يزيد بن خوليّ [٤] ، والذي حفظ ظهر يزيد حتّى نزل إليه وحزّ رأسه سنان بن أنس. وسألت مشيخة بني صبير [٥] عن برص. البهلول بن سليمان بن عبيد ابن علّاق بن شمّاس الصّبيري وكان البهلول فتى بني يربوع وشيخها فقالوا: إنّ أمّ عيسى، يعنون أمّ ولد سليمان بن عبيد، كانت برصاء، لم تلد قطّ إلّا أبرص أو برصاء، إلّا أنّه في بعضهم أخفى، وفي بعضهم أظهر.

стр. 120

ومن البرصان: بنو عبد الأعلي الشّيباني [١] الشعراء الخطباء: عبد الله [٢] ، وعبد الصّمد [٣] ، وأخوهما. وكان هشام بن عبد الملك بعث بهم إلى يوسف بن عمر، وكانوا أصحاب الوليد بن يزيد وخاصّته. والوليد يومئذ القائم بعد هشام، فدفعهم يوسف بن عمر إلى محمّد بن نباتة [٤] ، فطّين عليهم إلّا بمقدار ما يدخل عليهم منه الطّعام، فأطعمهم ولم يسقهم، فلمّا أجهدهم العطش صاحوا: يا سميّ رسول الله، إنّا مسلمون. ألا ترى أنّ اسم أبينا «عبد الأعلى» وأسماؤنا عبد الله، وعبد الصّمد؟! فلم يمسوا حتّى اسودّوا ثم اسودّوا، ثم برصوا، ثم سلخوا. وإنّما قالوا ذلك لأنّ هشاما بعث بهم إلى يوسف على أنّهم زنادقة، وأراد بذلك التّشنيع على الوليد. وهجا بعض أولادهم شاعر فقال:

стр. 121

وجدّك أبيض القرنين داج ... أسير الذّلّ والعطش الطّويل وعبد الله بن عبد الأعلى هو الذي يقول: من هنا لي من صديق فليعد ... ليعدني إنّني اليوم كمد من هموم تركتني قلقا ... قلق المحور بالقبّ المسد [١] ليت شعري ولليت نبوة ... أين صار الرّوح مذ بان الجسد [٢] بينما المرء شهاب ثاقب ... ضرب الدهر سناه فخمد ولبيب أيّد ذي حنكة ... مستوي المرّة مأمون العقد [٣] غاله الدّهر وغطى حزمه ... وانتضاه من عديد وولد [٤] وهو الذي يقول: يا ويح هذي الأرض ما تصنع ... لكل حيّ فوقها مصرع تزرعهم حتّى إذا ما أنوا ... عادت لهم تحصد ما تزرع [٥]

стр. 122

ويزعم كثير من الرواة أنّ القصيدة التى تضاف إلى لقيط الإيادي [١] إنّا هي لعبد الله. ومن البرصان [٢] سعد المطر وهو الذي يقول: ليتني كنت مغربا ... منتن الرّيح أجربا [٣] أو غرابا مطرّدا ... يرقب الذّيب أخنبا [٤] ذهب إلى قول رؤبة: يشقى بى الغيران حتّى أحسبا [٥] ... سيدا مغيرا أو لياحا مغربا [٦]

стр. 123

يقول: ليتني كنت شيئا يهرب الناس منه، أو غرابا يرقب ذيبا على جيفة فإذا تنحّى الذئب أكل الغراب. وإنّما قيل له سعد المطر لأنّه كان يقول في شعره: دع المواعيد لا تعرض لوجهتها ... إنّ المواعيد مقرون بها المطر [١] إنّ المواعيد والأعياد قد منيا ... منه بأنكر مما يمنى به بشر [٢] أمّا الثّياب فلا يغررك إن غسلت ... صحو يدوم ولا شمس ولا قمر [٣] وفي الشّخوص له نور وبارقة ... فإن بليت فذاك الفالج الذّكر [٤] . ومن البرصان والعميان الشّعراء على بن جبلة [٥] وكان يكني أبا

стр. 124

الحسن، وكان مع عماه [١] وشنعة برصه يتعشّق جارية ويتعشّقها شاعرة ظريفة أديبة، وكان أنشد حميد بن عبد الحميد شعرا [٢] فوهب له مائتي دينار، فانصرف من دار حميد إلى منزل المعشوقة فصبّ الدنانير في حجرها ثم مضى إلى منزله وليس فيه درهم ولا شيء قيمته درهم. وكان أحسن خلق الله إنشادا [٣] ، ما رأيت مثله بدويّا ولا حضريّا، وهو القائل: ودم أهرقت من رشأ ... لم يرد عقلا على هدره [٤] إنّما الدّنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومحتضره [٥]

стр. 125

فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدّنيا على أثره وهو الذي قال في حميد: دجلة تسقى، وأبو غانم ... يطعم من تسقي من النّاس [١] . ومن البرصان ثم من بني قشير بن كعب عبد [٢] الأبرص بن هبيرة بن زفر بن عبد الله بن الأعور بن قشير.. ومن البرصان عمرو بن بانة [٣] وهو عمرو بن محمد بن سليمان

стр. 126

بن راشد. وكان ذا قدر، وولى ولايات جسيمة. ويقولون: مولى أمير المؤمنين. وثقيف تدّعيه. وأمّه بانة بنت روح كاتب سلمة. وكنيته أبو الفضل، وهو شريف الأبوين، وإنّما أضيف إلى أمّه كما قيل لمحمد بن حفص: ابن عائشة [١] ، وكما قيل: حفص بن بانة. وعلى ذلك المعنى أضافوا بني سلول إلى أمّهاتهم [٢] ، وباهلة إلى أمّهم [٣] . وكذلك مزينة [٤] . وكذلك يصنعون إذا كانت للأمّ نباهة. وعمرو أروى الناس للغناء وأعلمهم به، وأجودهم له صنعة، وله سخاء على الطعام ومروّة في نفسه. وهجاه بعض البغداديين [٥] فقال:

стр. 127

أقول وقد مرّ عمرو بنا ... فسلّم تسليمه جافية [١] لئن تاه عمرو بحسن العناء ... لقد فضّل الله بالعافيه [٢] بئس ما قال، لأنه ذهب مذهب التعيير، فعيّر بشيء لعلّه ينزل به. ومن البرصان: أبو عبد العزيز الأسلع وكان صاحب أخبار، وقد روى لنا الهيثم عنه. أبو الحسن [٣] عن عوانة [٤] قال: قدم على سليمان بن عبد الملك وفد من المدينة وحضر طعامه، فدعاهم إليه فدنوا، فقال رجل منهم وجاءت

стр. 128

ثردة [١] : ما هذه الرّمكاء [٢] يا أمير المؤمنين؟ فقال له سليمان: ما هذا الأنس قبل الخلطة. ثم حسر الرجل عن ذراعه وعن يده فإذا في ذراعه وضح، فقال يا أمير المؤمنين وهذا أيضا. قال: فلمّا أمر لهم بجوائزهم قال: زيدوا الرجل مائة دينار لما كلّمناه به. قال أبو الحسن: وكان أيمن بن خريم أبرص، وكان خاصّا ببشر ابن مروان ثم غضب عليه ومضى إلى عبد العزيز وهو على مصر، فوهب له قيمة ألف ألف درهم، ثمّ جرى بينه بعد ذلك وبين بشر كلام فقال أيمن: لا والله، ولكنّك ملول مستطرف [٣] . فقال له بشر أنا ملول مستطرف، وأنا أوكلك منذ كذا وكذا!!. ومن البرصان بشر بن المعتمر [٤] وهو معلّم أبي موسى المردار [٥] ، وبشر القلانسيّ، وأبي عمران الرّقاشيّ، وروح العبدي،

стр. 129

وأبي عبيد الله الأفوه، وهاشم بن ناصح، وكان متكلّما رصينا، شاعرا مغلقا، وراوية ناسبا، ولم يقو أحد على المخمّس والمزدوج على مثل ما قوي عليه بشر، حتّى كان في ذلك أكثر من أبان بن عبد الحميد اللاحقي [١] ، لأنّ أبانا أنّما نقل كتاب «كليلة ودمنه» وبعض كتاب «المنطق» ، مخمّسا ومزدوجا فقط. وبشر أصحّ في أصناف الكلام ودقائق المعاني بالمخمّس، فلم يستكره قافية واحدة. وهجاه معمّر بن عبّاد [٢] ومولى بني سليم ورئيس أصحاب المعاني وكان يكني بأبي عمرو وأبي المعتمر، بشعر فضح فيه المتكلّمين [٣] ، وهو أوّل شعر قال وآخره، وذلك أنّه قال: وأبرص فياض ... لوجهه رياض يرى السعاية فينا ... وقلبه ممراض

стр. 130

ومن البرصان: أبو حمّاد المروزيّ [١] صاحب لواء أبي مسلم صاحب الدعوة. ومن البرصان: مسمع بن مالك بن مسمع [٢] ولي شرطة سليمان [٣] ابن عليّ. قال: وكان فاحش البرص. ومن البرصان: الصّفريّ صاحب السّيفين [٤] قتله ابن رعول أيّام العصبيّة، ولا أظنه كان متسلّحا. وقد رأيته، وكان ضخما أقشر أرقط مغربا [٥] . وكان ذلك لونه. ولا يقال لمن كان لون جسده كلّه لون البرص أبرص، إذا كان ذلك اللّون ليس بحادث. قالوا:. ومن البرصان ثم من الرّواة والنّسّابين وأصحاب الأخبار الحكماء، ومن الصّحابة عبد الله بن عيّاش الهمدانيّ المنتوف [٦]

стр. 131

وكنيته أبو الجرّاح. وهو الذي لا نعلم أحدا [١] أكثر عنه إلّا الهيثم بن عديّ. قال أبو عبيدة، والهيثم: عبث [٢] شبّة بن عقال [٣] بعبد الله بن عيّاش على باب الخليفة، وكان على كفّ عبد الله وضح فقال: ما هذا على ظهر كفّك يا ابن عيّاش؟ قال: سلح النّعامة! قال: وكان شبّة يلقّب بسلح النّعامة. وأنشدوا: فضح المنابر يوم يخطب قائما ... سلح النّعامة شبّة بن عقال [٤] وليس هكذا روى النّاس الشّعر، بل إنّما قال الشاعر: فضح المنابر يوم يخطب قائما ... ظلّ النّعامة شبّة بن عقال [٥]

стр. 132

لأنّه كان مفرط الطول، وإنّما ذلك على معني قول الشاعر: لعمري لئن طال الفصيل بن ديسم ... مع الظّلّ ما إن رأيه بطويل [١] وقال جرير: إذ ظلّ يحسب كلّ شخص فارسا ... ويرى النّعامة ظلّه فيحول [٢] وأنشد البطين [٣] :

стр. 133

قيل للبطين: أكان ذو الرمة شاعرا متقدما؟ فقال: أجمع العلماء بالشعر على أن وطول حديث كظلّ الشّروق ... تقضّى الدّهور وما ينقضي لأنّهم يزعمون أنّ ظل الشخص مع طلوع الشمس ليس له غاية [١] ينتهي البصر إليه [٢] . وقال أبو زيد النحوي، واسمه سعيد بن أوس، من ولد القارىء الأنصاري [٣] : يقال سامّ أبرص، وسامّا أبرص، وسوامّ أبرص، وبإسقاط

стр. 134

سامّ من سامّ أبرص [١] يقولون: أبرص، وأبارص [٢] . وأنشد: والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنت عبدا يأكل الأبارصا [٣] وقال عبيد الله بن عمر بن الخطاب حين هجاهم بعض القرشيّين بمحالفة عديّ [٤] لبني بكير بن عبد ياليل [٥] ، وكانوا أربعة إخوة قد شهدوا بدرا. وكانوا برصا، فقال عبيد الله:

стр. 135

أبالأبارص تهجوهم وتثلبهم ... وكلّكم قرح الوجعاء مثفار [١] وأمّكم كلّ مئناث مجدّرة ... وأمّ غيركم مقّاء مذكار [٢] سائل بشيخك والرّوميّ يفطؤه ... كأنّما أيره في الكفّ طومار [٣] قال: ومن البرص [ما [٤]] يعرض لخصى الخيل وغراميلها. وهذا غير الباب الأوّل. فإذا لم يعرض ذلك لها فإنّ خصاها وغراميلها هي المثل المضروب في شدّة السواد. وكذلك الحمير في هذا المعني. قالت ليلى بنت المحلّق [٥] : لحا الإله أبا ليلى بفرّته ... يوم النّسار وقنب العير جوّابا [٦]

стр. 136

والقنب [١] هو الخصية. هجته بشدّة السّواد. وكذلك قال الربيع بن زياد الكامل ليزيد [٢] بن عمرو بن خويلد الصّعق [٣] ، وفخر بنفسه وإخوته عمارة وأنس، على يزيد وزرعة وعلس [٤] : عمارة الوهّاب خير من علس ... وزرعة الفسّاء شرّ من أنس وأنا خير منك يا قنب الفرس وكان يزيد شديد السّواد، وكذلك جوّاب، وجوّاب هو الذي ذكره لبيد فقال:

стр. 137

حتّى يحاكمهم إلى جوّاب [١] . ومن البرصان عمرو الثقفي الذي كان يلقب جزره [٢] ، وكان يكنى أبا عثمان، وكان سليطا ذا شهامة وعارضة.. ومن البرصان من ثقيف الحكم بن صخر [٣] يكنى أبا عثمان. وتزعم ثقيف أنّ الحكم قد بان بشيء لم يكن لأحد قبله. قالوا: لم يبغض أحدا قطّ ولا أبغضه أحد قطّ.

стр. 138

ومن البرصان ثم من بني الأعرج الأسلع [١] وقد صحب النبيّ. وكان قد رحل له [٢] وأراد النبي ﷺ أن يرحل له يوما، فقال إنّي جنب، وليس عندي ما أغتسل به فأنزل الله آية الصّعيد [٣] .

стр. 139

باب ذكر البرص من الآباء والأمهات [طائفة من أسماء البرصان المعلومين] فمنهم: البرصاء أمّ شبيب بن البرصاء وهو شبيب بن يزيد بن حمزة [١] بن عوف بن أبي حارثة بن نشبة [٢] بن غيظ بن مرّة [٣] بن سعد ابن ذبيان [٤] . وهذه البرصاء [٥] بنت الحارث بن عوف الحمّال [٦] وكنيته أبو أسماء. وزعموا أن النبى ﷺ خطبها إليه فقال: بها سوء- يعنى برصا- فقال النبى: «ليكن كذاك» . فيرجع النبيّ وقد برصت [٧] وهذا

стр. 140

لا يكون إلّا أن يكون قد شاركت أباها في كراهة النبي ﵇ بمعنى استحقّت به ذلك. ومن هؤلاء البرص: أبو عبيد بن الأبرص الشّاعر ربّما غلب هذا الاسم الأوّل [١] : كما غلب على يربوع بن حنظلة [٢] . ولذلك قال أوس ابن حجر [٣] . كانوا بنو الأبرص أقرانكم ... فأدركوا الأحدث والأقدما والدليل على ذلك أنه لم يقرّع ببني يربوع عامر بن مالك [٤] إلّا وهو راض عنهم [٥] . ومنهم: البرصاء أم سليمان بن البرصاء وقد روى وسمع الناس منه.

стр. 141

ومنهم: الأبرص أبو حارث بن الأبرص [١] والحارث الذي يقول: أتعجب من شواري بنت عمرو ... وما أنا في تآسيهم بغمر [٢]

стр. 142

فكم من فارس لم ترزئيه ... أخي الفتيان في عرف ونكر [١] لقد آمرته فعصى إماري ... بأمر حزامة في قتل عمرو [٢] أمرت به لتخمش حنّتاه ... فضيّع أمره قيس وأمري [٣] . ومنهم البرصاء: أمّ خالد بن البرصاء [٤] ذكر ابن عياض بن جعدبة [٥] قال: استعمل النبيّ ﵇ علي النّفل [٦] في بعض الأيام،

стр. 143

أبا الجهم بن حذيفة [١] فجاء خالد بن البرصاء فتناول زماما من شعر، فمنعه أبو الجهم، فقال خالد: نصيبي أكثر من هذا. فعلاه أبو الجهم بعصا فشجّه منقّلة [٢] ، فأتى النّبي ﵇ فأخبره فقال: «خذ خمسين شاة» [٣] . فما زال يزيد ويأبي حتّى قال له النبي ﵇: «لا أقصّك من عامل عليك» [٤] . وعلى ذلك المعنى قال أبو بكر الصديق: «لا أقصّ [من] وزعة الله» [٥] . قال: وكان خارجة بن سنان [٦] بقيرا، والبقير الذي يبقر عن أمّه

стр. 144

فيستخرج لتمام. قالوا: ماتت أمّه وهي تطلق به [١] ، فاستخرج من بطنها، فسمّي خارجة. ويزعمون أنّ البقير من النّاس والخيل يعرف ذلك في لون جلده. قالوا: وكان مسلمة بن عبد الملك أصفر الجلد كأنّه جرادة صفراء، وكان يلقّب جرادة [٢] ، ويقال له «جرادة مروان» . وكان بشر بن مروان مصفّرا. وكان عمر بن عبيد الله بن معمر [٣] أحمر غليظا، يحتجم في كلّ سبعة أيّام مرّة، ولذلك كان يقال «أفرس النّاس أحمر بني تيم، وحمار بني تميم» ، يريدون عبّاد بن الحصين [٤] .

стр. 145

ولذلك قال عمر بن عبيد الله في خطبته لعائشة بنت طلحة: تخرجون من عبد أصفر [مبسور] [١] إلى أحمر مشهور! وأما قولهم في الأصفر القحاني [٢] ، فإنّا لا ندري أيّ المعاني أرادوا الصّفرة التي ينسب إليها؟ الألوان، أم اصفرار الجلدة كجلد جرادة مروان. وقد خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث [٣] ويزيد بن المهلّب، على تحقيق الرّواية في الأصفر القحطاني [٤] . ولم يكن بين ألوانهما وبين
следующие страницы →