يا أقرع الرّأس من القذال [١] ... وأعرج الرّجل من الشّمال
وسنذكر الأقرع في موضع ذكرنا للقرعان في آخر الكتاب إن شاء الله.
ومن العرجان
هميم بن صعصعة بن ناجية بن عقال
وهو عمّ الفرزدق [٢] ، وبه سمّي الفرزدق همّاما. [٣] وكان غالب بن صعصعة يسمّى الفرزدق هميما [٤] ، وهميم بن صعصعة هو الذي يقول:
لعمر أبيك فلا تكذبن ... فقد ذهب الخير إلّا قليلا
وقد فتن النّاس في دينهم ... وخلّى ابن عفّان حزنا طويلا
وهو الذي قال في عرجه، وعرج وهو شابّ:
стр. 177
أعوذ بالرحمن من سوء العرج ... ومن خماع وظلاع وعرج [١]
إنّ القناة بالفتى جدّ سمج [٢] ... وكنت كالظّبي إذا الظّبي معج [٣] .
و من العرجان الأشراف
أبو الأسود الدّيلي
ظالم بن عمرو بن سفيان، وهو يعدّ في العرجان، وفي مفاليج الأشراف، وفي رجال الشّيعة، وهو رأس النّحويّين، وبنوه بعده، وكان شاعرا داهيا، ويعدّ في البخر [٤] وفي البخلاء. وهو الذي قال له ابن عبّاس لمّا مرّ به وهو يعرج: لو كنت جملا كنت ثفالا [٥] .
وقال مسلمة بن محارب [٦] :.
من العرجان
بنو الأدرم [٧]
وأصابهم
стр. 178
ذلك في حرب كانت.
وقال الشاعر:
وتيم غداة الكوم أدبر مقبلا ... وأقبل إقبال اللّيوث الضراغم [١]
كأنّه رماهم وهو مولّ، كما يحكون ذلك عن الأتراك [٢] . فردّ عليه الآخر وقلب الكلام وقال:
وتيم غداة الكوم أقبل مدبرا ... وأدبر إدبار المخضّبة الزّعر [٣]
وذكر آخر فقال:
وصادف سيف الجعد أخمص رجله ... فعاد دريم الكعب يمشي على العصا [٤]
ولما أهوى قرن أبي الزبير إليه بالسّيف سقط على قفاه ورفع رجليه
стр. 179
ولم يجد مضربا إلّا أخمص رجليه، وعرج من ذلك. وكان إذا مشى أخذ عصا بيمينه وعصا بشماله، فقال ابن أبي كريمة [١] :
لقد زادك الرحمن فضل تزيّد ... على كلّ مشلول القوائم أعرج [٢]
. ومن العرجان:
الربيع بن زياد بن أبي سفيان [٣]
فداه سلم بن زياد [٤] حين أسرته الخزر بمائة ألف درهم [٥] ، وكانت عنده بنت القعقاع ابن شور [٦] .
стр. 180
ومن العرجان:
إبراهيم البيطار [١]
قاتل يحيى بن زيد بن عليّ، قتله أبو مسلم وهو شيخ كبير، ووقف بنفسه على بابه وأمر بإخراجه، والذي تولّى ذلك سليمان بن كثير الخزاعيّ النّقيب [٢] ، فقال له أبو مسلم:
أكنت شهدت قتل يحيى بن زيد؟ قال: نعم، وكنت مع مولاي مكرها.
قال: هذا كان خروجك مكرها أفأكرهت على الرّمي؟ قال: نعم. قال:
فهذا أكرهت على الرّمي أفأكرهت على الإصابة والتسديد! ثم أمر بضرب عنقه. وكان أبو مسلم لا ينظر إلى مضروب العنق، إلّا ما كان ضرب عنق إبراهيم البيطار، وسليمان بن كثير.
стр. 181
قال: ومن العرجان:
ابن أنف الكلب الصّيداويّ [١]
طعنه سمير ابن الحارث الضبي [٢] فأعرجه، وقال:
تركت ابن أنف الكلب ينقل رجله ... يخرّ على حرّ الجبين ويعثر
إذا قام لم يحبس على الأرض رجله ... وزيد صريع عنده متمطّر [٣]
أردت الذي إن متّ أورثت مجدها ... وإن عشت يوما كان للحيّ مفخر.
ومن العرجان ومن تحوّل في النّوكي
الأعرج المسعودي
وهو الذي قال لرقبة بن مصقلة [٤] : متى يحرم الطّعام على الصائم؟ قال إذا
стр. 182
طلع الفجر. قال: فإن طلع الفجر نصف اللّيل؟ قال: الزم السّمت [١] الأوّل يا أعرج..
ومن العرجان ثم من النساك الزهاد، ومن القصاص الخطباء، ومن المعربين البلغاء
أبو حازم الأعرج [٢]
مولى بني ليث بن بكر، ثم أحد بني شجع بن ليث [٣] ، مات في خلافة أبي جعفر سنة أربعين ومائة. وهو الذي قال: اضمنوا لي خصلتين أضمن لكم الجنّة. اعملوا ما تكرهون إذا أحبّ الله، واتركوا ما تحبّون إذا كره الله [٤] ..
ومن العرجان من أصحاب الفتوح والزّحوف
موسى بن نصير
قال أبو الحسن: رأى الوليد بن عبد الملك في المنام أن رجلا من أهل الأندلس أعرج يكنى أبا عبد الرحمن، من أهل الجنّة، يفتح الله على يديه المغرب.
стр. 183
فكتب إليه موسى بن نصير [١] : أنام الله عينك يا أمير المؤمنين. أنا أبو عبد الرحمن، وأنا موسى بن نصير، وأنا أعرج، أونا بالأندلس. فكتب إليه الوليد: أنت موسى بن نصير من أهل كفر هندا [٢] ولست به. فاطلب لي الرّجل الغربيّ الذي وصفت لك ثم احمله إليّ، فسأل عنه بعد ذلك فإذا كما وصف، وإذا هو عبد الله [٣] . فحمله إليه..
ومن العرجان
الأحوص بن محمد الأنصاري
الشاعر، قال يونس ابن حبيب: قدم الأحوص البصرة فنزل على عمرو بن عبيد الأنصاري [٤] ، فجاء يتوكّأ على عصا جلس في الحلقة، فتلاحيا، فأخذ عمرو عصاه فضرب بها رجله فكسرها [٥] ، ثمّ حمل إلى منزله [٦] .
стр. 184
ثم مرّ به الفرزدق فقال له الأحوص [١] : مذ كم عهدك بالزّنى؟
قال: مذ ماتت العجوز..
قال:
ومن العرجان ثمّ [من [٢]] أهل الشّرف والجمال المنعوت
عمر [٣] بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب
وقد ولى اليمن لأبي العبّاس [٤] ، وكان يدع الخروج لكثرة نظر الناس إليه..
ومن العرجان
أبان بن عثمان البجلّى [٥]
الأعرج، وكان صاحب أخبار، وقد أكثر عنه محمد بن سلّام الجمحي. ومن العرجان:
أبو راشد الضّبّي
وكان أعرج ثم عمي، ثم أقعد من رجله، فقال حين عمي، وقد كان ابن حبيب [٦] وهب له عصا حين
стр. 185
عرج، وكان يمشي عليها:
وهبت عصا العرجان عونا ومرفقا ... فأين عصا العميان يا ابن حبيب
فقد صرت أعمى بعد أن كنت أعرجا ... أنوء على عود أصمّ صليب
فلمّا صار أعرج أعمى لم يتعاط المشي، فلما طال قعوده أقعد من رجليه، فقال:
أرى كلّ داء فيه للقوم حيلة ... وداؤك مسمور الرّتاج عسير
فصبرا فإن الصبر أجدى مغبّة ... عليك، وأنواع البلاء كثير
فقال حين جفاه أصحابه وجيرانه وأهله:
قد كنت أنضي الخافقين برحلتي ... فصار جماع الأرض كفّة حابل [١]
стр. 186
أبول وأنجو في مكاني ومقعدي ... وعندي عجوز ما تعين بطائل
وأبكار صدق من عقائل معشر ... كواسد قد عوّدن بعض المغازل [١]
كساد فتاة الحيّ في الدار مغزل ... وما البعل إلّا معقل للعقائل [٢]
وفي الموت للزّمنى جمال وراحة ... وفي القبر ستر للفقير المحامل [٣]
وما كلّ محتاج يجود بعرضه ... ويؤثر في الأقوام لؤم المداخل [٤]
كذاك وما للمرء صهر وحسبه ... إذا ما ابتلي فيها بجوع مطاول [٥]
وليس بمعذور إذا طال صمته ... فيهلك بؤسا من مخافة عاذل
стр. 187
وما ذاك من عدل ولا خور به ... فيثنى عليه لومه في المحافل [١]
ولكنّه ما دام حيّا كميّت ... فلا بدّ أن يحيا ببعض المآكل
يقيم حشاشات النّفوس بمذقة ... ويشرب غبّا من فضول المناهل [٢]
ويصبر صبر العير من دون رهطه ... ويخشى حديثا غبّه غير طائل [٣]
ويشكو بطرف العين إيماض مشفق ... إلى كلّ مجهول المناسب خامل [٤]
سأعرف قومي ثم أعرف جيرتي ... وما أنا عن ذمّ القريب بغافل
ولا أشتهي ذكر اللّئام تكلّفا ... فأصبح فيهم عارفا مثل جاهل
стр. 188
وأسأل ربّي أن يبسّطني لهم ... ويشرح صدري بالهجاء المداخل [١]
ويرزقني فيهم عروضا محبّبا ... وصدق مقال غير قيل الأباطل [٢]
فيصبح وسمي لائحا بجلودهم ... وأعلم أني مدرك بطوائلي [٣]
وكان بكر بن بكّار إذا أنشد قوله:
ولكنه ما دام حيّا كميت ... فلا بدّ أن يحيا ببعض المآكل
أنشد قوله الآخر [٤] :
على كلّ حال يأكل المرء زاده ... على الضّرّ والسّرّاء والحدثان
стр. 189
قال: وقتل لبعض العرب بنون، فاشتدّ حزنه وترك كلام الناس دهرا، فقيل له بعد أن رأوه قد تحدّث وضحك: نراك قد تحدّثت وضحكت.
قال كان جرحا فبرأ.
وقالت الخنساء:
ترتع ما غفلت حتّى إذا ذكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار [١]
وقال أبو العتاهية:
فكما تبلى وجوه في الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن [٢]
قال: ولمّا نظرت نائلة بنت الفرافصة [٣] في المرآة فرأت حسن ثناياها تناولت فهرا فدقّت به ثناياها، فقيل لها في ذلك فقالت: إنّي أرى
стр. 190
الحزن يبلى كما الثّوب، فخفت أن يبلى حزني على عثمان فأتزوّج بعده..
ومن العرجان الأشراف، ممّن له صحبة
مجالد بن مسعود السّلميّ [١]
ذكر إسماعيل بن عليّة [٢] عن يونس [٣] عن الحسن قال: كان الأسود بن سريع [٤] يقصّ في ناحية المسجد، ورفع النّاس أيديهم [٥] ،
стр. 191
فأتاهم مجالد بن مسعود وكان فيه قزل، فأوسعوا له فقال: والله ما جئت لأجالسكم وإن كنتم جلساء صدق، ولكنّي رأيتكم صنعتم شيئا فشغر النّاس لكم [١] ، فإيّاكم وما أنكر المسلمون.
قالوا: والقزل [٢] : أسوأ العرج. هكذا الحديث [٣] ..
ومن العرجان
مالك بن المحراس
كسرت يوم الهباءة رجله فعرج. ومن العرجان:
المنهال العنبري [٤]
وهو الذي يقول:
ألفت العصا وابتزّني الشّيب وانتهت ... لداتي وأودى كلّ لهو ومقصد
وظلت أزجّ النّفس وهي بطيّة ... إلى اللهو زجّي بالثّفال المقّيد [٥]
فأصبحن لا يخضبن كفّا لزينة ... من آجلي ولا يكحلن عينا بإثمد [٦]
وهذا الشاعر وإن خبرّ أنه يمشى على العصا فلم يخبر أنّه أعرج،
стр. 192
وقد يعرض للكبير [١] من الض عف ما يدعوه ذلك إلى أخذ العصا. وقد قال الأوّل:
الدّهر أفناني وما أفنيته ... والدّهر غيّرني وما يتغيّر
والدّهر قيّدني بقيد مرمل ... فمشيت فيه، وكلّ يوم يقصر [٢]
إنّ امرأ أمسى أبوه وأمّه ... تحت التّراب أحقّ من يتفكّر [٣]
ومن هذا الشكل قوله:
آتي النّديّ فلا يقرّب مجلسي ... وأقود للشّرف الرفيع حماريا [٤]
ومن هذا الشكل قوله:
إذا أقوم عجنت الأرض معتمدا ... على البراجم حتّى يذهب البقر [٥]
стр. 193
ما للكواعب يا دهماء قد جعلت ... تزورّ منّي وتلقى دوني الحجر [١]
قد كنت فرّاج أبواب مغلّقة ... تعشو إليّ إذا ما خولس النّظر [٢]
وهو الذي يقول:
وكنت أمشي على رجلين معتمدا ... فصرت أمشي على رجل من الخشب [٣]
стр. 194
وممن تعارج ولم يكن به عرج: الزّبير [١] ، وهو مولى [ابن [٢]] الزّبير. والزّبير هذا هو أبو الأشعب [٣] الذي يقال «أطمع من أشعب» ، وكان خرج مع المختار بن أبي عبيد على مصعب بن الزبير، ورآه مصعب في الطريق وإذا هو يتعارج ويتعاور، فأثبته مصعب [٤] فقدّمه فضرب عنقه.
وتزوّج أبو الغول الطّهوي [٥] ، امرأته فوجدها عرجاء من رجليها جميعا فقال:
أعوذ بالله من زلّاء فاحشة ... كأنّما نيط ثوباها على عود [٦]
стр. 195
لا يمسك الحبل حقواها إذا انتطقت ... وفي الذّنابي وفي العرقوب تحديد [١]
أعوذ بالله من ساق بها عوج ... كأنّها من حديد القين سفّود [٢]
وأنشدني لأعرابيّ:
ليست من العوج العملّجات [٣] ... كأنّ رجليها كراعا شاة [٤]
في قدم عوجاء كالمسحاة [٥] .
ومن العرجان: أبو الفوارس الباهلي
كان رسول ابن هبيرة [٦] إلى
стр. 196
هشام ابن هبيرة [١] في الجيش. قال: فقدمت غدوة وقدم ابن هبيرة نفسه بالعشيّ. قال:. ومن العرجان:
الأعرج الضّبّيّ
ثم الكوزيّ [٢] ، وكان شاعرا، وهو الذي يقول:
متى نلق حيّا من جؤيّة لا تكن ... تحيّتنا إلّا ببيض صفائح [٣]
على القاطعات الحزن بالخيل والقنا ... كأنّ على أقرابها ثوب ماتح [٤]
هناك لا قربي تناصر بيننا ... سوى نسب في أوّل الدّهر بارح
ومن هذا الشكل وليس من ذكر باب العرجان قول كنانة بن عبد
стр. 197
ياليل [١] :
يا عمرو لا تأخذك فيهم رأفة ... احذرهم حذر امرىء لا يمزح
واحذرهم كالمصطلى بجحيمه ... إنّ القرابة كلّ يوم تنزح
. ومن العرجان:
سعيد بن أبي عروبة [٢]
واسم أبي عروبة مهران، مات سنة تسع وخمسين ومائة [٣] ، وقد لقي الحسن، وهو صاحب قتادة [٤] ، وروى عنه المخالف والموافق [٥] ، وله تصنيف كتاب الطلاق،
стр. 198
يقولون: «طلاق سعيد بن أبي عروبة» . وقد سمعت أنا من عبد الأعلى الساميّ [١] ، وأصحاب سعيد كبار ثقات، فحدّث عنهم المخالف والموافق.
ومن أعاجيب سعيد أنه لم يمسّ امرأة قطّ، من غير عجز.
قال يزيد بن قبيصة المهلّبيّ [٢] : قدمت على أبي مسلم صاحب الدّولة من البصرة، فساءلني [٣] عما أراد ثم قال لي: ما فعل الأعرج سعيد ابن أبي عروبة؟ لكأني أنظر إلى نظافة بيته. قال: قلت: سالم صالح.
قال: فما فعل هشام الدّستوائيّ [٤] ، كأني أنظر إلى دموعه على خدّيه!
стр. 199
قلت: سالم صالح. قال: أما إنّي إن دخلت العراق قتلتهما! قلت: ولم ذاك أيّها الأمير؟ قال: لأنهما يزعمان أنّ عثمان أفضل من عليّ. قال:
وقدم العراق فلم يعرض لهما.
قال: ومن العرجان:
سعد الأعرج [١]
من أصحاب يعلى بن منية [٢] ، ولقي عمر بن الخطاب. ومن العرجان:
إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله [٣]
سمع
стр. 200
أبا هريرة وعبد الله بن عمر، ومات بالمدينة سنة عشر ومائة [١] ..
ومن العرجان الشعراء
مجلودة الأعرج [٢]
وهو الذي يقول:
تعرّفنى هنيدة من بنوها ... وأعرفها إذا امتدّ الغبار [٣]
متى ما تلق منّا ذا ثناء ... يؤزّ كأنّ رجليه شجار [٤]
فلا تعجل عليه فإنّ فيه ... منافع حين يبتلّ العذار [٥]
стр. 201
وقال أبو محجن [١] في الزّراية على الشّجاع الذي لا رواء له [٢] ، وليس هذا من ذكر باب العرجان، ولكنه يناسب [٣] شعر مجلودة، وهو قوله:
ألم تسأل فوارس من سليم ... بنضلة وهو موتور مشيح [٤]
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح [٥]
стр. 202
ولم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرّغوة اللّبن الصّريح [١]
وقال المسرهد في زنبور التّغلبي:
يا أعرج الرّجل صغير الجرم [٢] ... وناقص الطّرز خبيث الإسم [٣]
وقال أبو خراش الهذلي:
وإنّي لأثوي الجوع حتّى يملّني ... فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي [٤] .
ومن العرجان
الهيثم بن مطهّر الفأفاء [٥]
ونوادره كثيرة.
стр. 203
وفي أصناف الحيوان عرج وأشباه العرج
وأشكال من المشي واختلاف في العدو، وتفاوت في الوطء [١] . وللإنسان نفسه اختلاف شديد على قدر الحالات المختلفة عليه، وبكلّ ذلك نطقت الأشعار، واستفاضت الأخبار، وشهد عليه العيان، وميّزته العقول.
فمن العرج الضّبع، عرجاء البتّة [٢] ، وهي أشدّ السّباع حرصا على لحوم الناس، وأشدّ الخلق مغارز أسنان [٣] ، ويقال إنّها ممطولة في فكّيها [٤] . وهي تنبش القبور وتحفرها حتّى تنتهي إلى أبدان الموتي.
ثم الذّئب، وهو أقزل- والقزل: أقبح العرج- والفرس شنج النّسا كأنّ به عقّالا [٥] . وقال عمرو بن العاص:
شنج الفرسن محبوك القرا ... شنج الأنساء في غير فحج [٦]
стр. 204
والغراب يحجل ويمشي مشي المقيّد [١] . وقال الطّرمّاح:
شنج النّساء وافي الجناح كأنّه ... في الدّار، بعد الظّاعنين، مقيّد [٢]
وقال أبو عمران الأعمى [٣] :
فما استوحش الحيّ المقيم لرحلة ال ... خليط ولا عزّ الذين تحمّلوا [٤]
стр. 205
كتارك يوما مشية من سجيّة ... لأخرى ففاتته فأصبح يحجل [١]
والأسد يتبهنس ويتخلّع [٢] ، وكأنّه إذا مشى يتقلّع من طين علك أو دهاس كثير الرّمل [٣] . وكذلك السنّور على قدره. والأسد والببر والنّمر والفهد والسنور متشابهة [٤] في عمود الصّورة. وفي ذلك مشابه في جهات أخر. قال أبو زبيد في مشية الأسد:
إذا تبهنس يمشي خلته وعثا ... وعت سواعده من بعد تكسيره [٥]
وذلك أنّ العربّ تزعم أن ربّ عظم إذا جبر بعد الكسر يصير أشدّ.
стр. 206
وقال في ذلك أيضا زهير:
رأيتكم آل البروك كأنّما ... تصدّون عن ذي لبدة عرك جهم [١]
أزبّ طويل السّاعدين كأنّما ... وعت بعد كسر ساعداه على عثم [٢]
وفي المثل: «كأنّما كسر ثمّ جبر» .
وللأسد تحت المطر مشي آخر. وقال في ذلك عمرو بن الإطنابة [٣] :
خزر عيونهم لدى أعدائهم ... يمشون مشي الأسد تحت الوابل [٤]
وقال سويد بن أبي كاهل [٥] :
стр. 207
هل سويد غير ليث ضيغم ... ثئدت أرض عليه فظلع [١]
وللخماع الذي في قوائم الأسد قال أبو زبيد:
كأنّما يتفادى أهل ودّهم ... من ذي زوائد في أرساغه فدع [٢]
والعصفور على خلاف الحيوان، وذلك أنّه لا يمشي البتّة، وإنّما يجمع رجليه فيضعهما جميعا ويرفعهما جميعا، لا يقدر على غير
стр. 208
ذلك [١] .
وأما الزّرازير- وواحدها زرزور- فإنّه طائر شديد الطّيران، خفيف البدن، صغير الجرم، وهو لا يمشي البتّة [٢] ، وإنّما يرسل نفسه من وكره طائرا، ثم يعود إلى جوف وكره طائرا.
والظّبي يمشي، وإذا شاء جمع قوائمه ووثب [٣] ، فإن شاء واتر بين ذلك، وإن شاء لم يواتر. إلّا أنّ الظباء ليس لها عدو ولا ضبر [٤] مذكور إلّا على بسيط الأرض. وليس للأوعال عمل مذكور إلّا في الجبال. قال الشاعر [٥] :
وخيل تكدّس بالدارعين ... كمشي الوعول على الظّاهرة [٦]
стр. 209
والجرادة تمشي وتجمع نفسها وقوائمها إذا أرادت، ثم تثب، كلّ ذلك عندها.
وكذلك البرغوث يمشي وإذا شاء وثب، والوثب أكثر عمله، وإنّما قيل له طامر لطموره [١] .
قال الراجز:
فكم وكم من طوّل طموح [٢] ... لم ينجه طموره في اللّوح [٣]
من صلتان فلتان شيح [٤]
وقال في البرغوث:
أو طامريّ واثب ... لم ينجه منه وثابه [٥] .
[وصف مشي النّساء]
ويوصف مشي النّساء بضروب البقر، وإذا قاربت الخطو وحرّكت منكبيها شبّهوا مشيها بمشي القطا. قال الشاعر:
стр. 210
وعلى يبرين صفوا ... ن سحبا بازلات [١]
يتمشّين كما تم ... شي قطا أو بقرات [٢]
يتخاصرن ويدعو ... ن مجيب الدّعوات [٣]
وقال الكميت بن زيد:
يمشين مشي قطا البطاح تأوّدا ... قبّ البطون رواجح الأكفال [٤]
وقال الغطمّش [٥] :
أبلغ سميّة أنّي لست ناسيها ... عمري، ولا قاضيا من حبّها حاجي [٦]
стр. 211
خود كأنّ بها وهنا إذا نهضت ... تمشي رويدا كمشي الظّالع الواجي [١]
وفي شبيه بهذا المعنى في صفة مشيها يقول الشّمّاخ بن ضرار:
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافي الخيل في الأمعز الوجي [٢]
وقال عمرو بن العاص:
ففدى لهم أمّي غدا ... ة الرّوع إذ يمشون قطعا [٣]
ووصفوا مشي الهلوك من النساء، وهي التي تهالك إلى الرّجال فتزيف في مشيها إذا رأتهم [٤] . وقد أخطأ من زعم أنّ الهلوك البغيّ لا محالة.
وقد تكون بغيّا وغير بغيّ. قال الهذلي [٥] :
стр. 212
ويلمّه رجلا تأبي به بدلا ... إذا تجرّد، لا خال ولا بخل [١]
السّالك الثّغرة اليقظان كالئها ... مشي الهلوك عليها [الخيعل] الفضل [٢]
وقال آخر ووصف الهجمة [٣] وفحلها فقال:
يقودها منه جلال نهد [٤] ... كأنّما رجس لهاه الرّعد [٥]
يمشي إليها بسمات نهد [٦] ... مشي العذارى بينهنّ ودّ
وقال الفرزدق:
стр. 213
كأنّ تطّلع التّرعيب منها ... عذارى يطّلعن إلى عذارى [١]
وقال قطران العبشميّ [٢] في تخزّلها إذا مشت:
من الماشيات الخيزلى وتهاديا ... إذا العشّة العصلاء خفّ نقيلها [٣]
وقال في تثنّيها وتأوّدها في المشي، وفي بعدها من الخفّة:
стр. 214
تأطّرن حتّى قلت لسن بوارحا ... وذبن كما ذاب السّديف المسرهد [١]
وقال يربوع الجذميّ [٢] :
جارية من ضبّة بن أدّ ... بدّاء تمشي مشية الأبدّ [٣]
وقال ابن همّام [٤] في الأبدّ:
стр. 215
أتيح لها من شرطة الحيّ جأنب ... عريض القصيري لحمه متكاوس [١]
أبدّ إذ يمشي يميس كأنّما ... به من دماميل الجزيرة ناخس [٢]
الأولي صارت بدّاء لعظم ركبها وغلظ شفرها، والثاني صار [أبدّ] [٣] لعظم أيره. ولذلك قالت عمرة بنت الحمارس:
أير يبدّ الإسكتين بدّا [٤]
وهذا غير قوله [٥] :
فأبدّهنّ حتوفهنّ فطالع ... بذمائه أو ساقط متجعجع [٦]