يعسل [تحتي] عسلانا كما ... يعسل تحت الثّلّة الذيب [١] .
[من الأمور الملتوية والمعوجّة]
قال: وليس الشأن في الاستقامة ولا في الاعوجاج، وإنّما الشأن في المصالح والمنافع، وما هو أردّ وأربح. ألا ترى أنّ أمورا كثيرة وفوق الكثيرة، من الأمور الملتوية والمعوجّة لو كانت [٢] مستوية مستقيمة، لعظم الضرر وظهرت الخلّة. فمن ذلك الأضلاع والمفاتيح، والمزاليج، وأطلال السّفن [٣] ، والعقود [٤] ، والنّعوش [٥] ، والمناجل [٦] ، والأهلّة [٧] ، والعراصيف [٨] ، والمحاجن [٩] ، والكلاليب، والشّصوص [١٠] ، وشوك
стр. 247
القنّاصين [١] ، ومعاليق رمّانات القبّانات [٢] والقرسطونات [٣] ، والعرّادات [٤] .
[من الأمور المخلوقة معوجّة]
ومن الأشياء المخلوقة: المناسر، والمخالب، والبراثن، والقرون، وإبر العقارب، وأنياب الفيلة، والأفاعي.
وقد بيّن الشّاعر [٥] هذا المعنى فقال:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنّني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإنّي مقوّم ... ومن شاء تعويجي فإنّي معوّج [٦]
стр. 248
ولست براضي الجهل خدنا وصاحبا ... ولكنّني أرضى به حين أحرج [١]
فإن قال بعض القوم: فيه سماجة ... فقد صدقوا، والذّلّ بالمرء أسمج [٢] .
[ما ذكر في الاعوجاج وفي حدّ الشيء إذا كان معوجّا]
وممّا ذكروا [٣] في الاعوجاج وفي حدّ الشيء إذا كان معوجّا وما يشبه ذلك وما سمّي بأعوج [٤] ، قال الشاعر:
يا ربّ هيت نجّنا من هيت [٥] ... ومن طريق الأعوج المقيت [٦]
ونفحات القير والكبريت [٧]
والأعوج معروف المواضع من شاطىء الفرات. والعوجان [٨] : نهر
стр. 249
من أنهار الروم.
واكتنوا بأيى العوجاء، منهم: أبو العوجاء بن قبيصة بن مخارق الهلالي [١] . وقال أبو الشيص الأعمى [٢] :
سروا يخبطون اللّيل فوق ظهورها ... إلى أن بدا قرن من اللّيل أبلج [٣]
وأضحوا وبعض ما يقيم لسانه ... وبعض إذا ما حاول المشي يعرج
стр. 250
وهذا يقع مع ذكر مشي السّكران.
وقال حكيم بن جبلة [١] :
وأهلكني وقومي كلّ يوم ... تعوّجهم عليّ وأستقيم [٢]
رقاب كالمآجن خاظيات ... وأستاه على الأكوار كوم [٣]
وقال قيس بن زهير:
ومارست الرّجال ومارسوني ... فمعوجّ عليّ ومستقيم
стр. 251
وقال آخر:
ومحنّب مثل القنا ... ة تخاله للضّمر قدحا [١]
والتحنيب: الاعوجاج ويسمّون الفرس «أعوج» ، و «العوجاء» .
قال مسكين الدارميّ:
دعتنا الحنظليّة إذ لحقنا ... وقد حملت على جمل ثفال [٢]
فأدركها ولم يعدل شريح ... وأعوج عند مختلف العوالي [٣]
وقال الشّمّاخ بن ضرار:
وعوجاء مجذام وأمر صريمة ... تركت بها الشكّ الذي هو عاجز [٤]
стр. 252
كما يقال خظّة عوجاء. ومن أمثال العامة: «قيل للشّحم أين تذهب؟ قال: أسوّي كل معوجّ» .
وقال محمد بن واسع الأزدي [١] : «ما آسى من الدنيا إلّا على ثلاث: صاحب إن تعوّجت أقامني، وقوت من رزق [٢] ليس لأحد علىّ فيه منّه ولا لله فيه تبعة، وصلاة في جماعة يرفع عنّي سهوها، ويكتب لي فضلها» .
وقال الآخر [٣] :
فسيرة الدّهر تعويج وتقويم [٤]
شبابة، عن ورقاء، عن أبي الزّناد [٥] ، عن الأعرج، عن أبي هريرة
стр. 253
قال: قال رسول الله ﷺ : «خلقت المرأة من ضلع، ومتى أردت أن تقيمة كسرته، وليست تستقيم لك المرأة على خلق واحد وإن تستمتع بها [استمتعت [١] بها] وفيها عوج» .
وقال طفيل الغنويّ:
إنّ النّساء كأشجار نبتن معا ... منها المرار وبعض النّبت مأكول [٢]
إنّ النساء متى ينهين عن خلق ... فإنّه واجب لا بدّ مفعول [٣]
وقال آخر:
عريانة السّاق في أنسائها شنج ... وفي قوائمها طول وتحنيب [٤]
وقال الآخر:
بكلّ كميت مشرف خجباته ... تعاونت الرّعشاء فيه وأعوج [٥]
стр. 254
[القول في المنازلة والمشي بالسّيف وفي مديح الذي يقاتل على ظهر الأرض كما يقاتل على ظهر الفرس]
وقالوا في المنازلة والمشي بالسّيف، وفي مديح الذي يقاتل على ظهر الأرض كما يقاتل على ظهر الفرس، وفي القلع [١] الذي ينبو عن ظهر الفرس إذا اشتدّ ركضه، وفي الكفل [٢] يستمسك بقربوسه وبغير ذلك، مخافة السّقوط عن ظهره. وقال مهلهل:
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النّزولا [٣]
وقال القحيف [٤] :
стр. 255
وبيض يجعلون الهام فيها ... إذا ابيضّت من الخلل النّصال [١]
ولمّا إن دعوا كعبا وقالوا: ... نزال، وعادة لهم نزال [٢]
أتانا بالعقيق صريخ كعب ... فحنّ النّبع والأسل النّهال [٣]
وقال ربيعة بن مقروم [٤] :
стр. 256
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أوظفة القوائم هيكل [١]
فدعوا نزال وكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل [٢]
وقال ابن هرمة [٣] :
والمشرفيّة والمظاهر نسجها ... يوم اللقاء وكلّ ورد صاهل [٤]
وبكلّ أروع كالحريق مطاعن ... فمسايف فمعانق فمنازل [٥]
стр. 257
[القول في القلع الذي ينبو عن ظهر الفرس]
ومن القلعين [١] : حارث بن موسى بن سمرة، وكان على فرس زمن الفتنة، قتله ابن الأشعث، ولا عقب له، وكان قلعا يشدّ منطقته بسرجه.
وكان المخارق بن عفار قلعا [٢] ، وكان خفيفا نحيفا [٣] ، وضئيلا دميما، وكان يزرفن سرجه [٤] ، وكان شجاعا بطلا.
قال أبو عبيدة: أطنب المسور بن عمرو بن عبّاد [٥] ذات يوم في وصف حسكة بن عتّاب الحبطيّ [٦] ، فقال لهم قائل: لقد كان حسكة
стр. 258
قلعا- قال: وما يضرّه ذلك والفارس النّجيد في كفّة كالخرنق في كف العقاب [١] .
وكان جرير بن عبد الله قلعا حتّى شكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فدعا له فأذهب الله عنه.
وكان عيسى بن يزيد الجلودي [٢] قلعا، وكان إذا حمي الوطيس ضرب الأرض فقاتل بالرّمح والسيف ورمى بالحجارة، وكان يفخر بذلك على جميع الأفارقة.
стр. 259
وكان حذيفة بن بدر لا يثبت على ظهر فرسه مع شدّة الركض وطول السير. ولذلك قال قيس بن زهير لأصحابه: إنّ حذيفة رجل مخرفج تحرق الخيل بادّه [١] ، ولكأني بالمصفّر استه في الهباءة [٢] .
وأراد أعرابيّ سفرا طويلا فقالت امرأته [٣] : اخرج بي معك.
فقال:
إنّك لو سافرت قد مذحت [٤] ... وحكّك الحنوان فانفشحت [٥]
وقلت: هذا حسك تحت استي [٦]
وقال خزز بن لوذان لامرأته [٧] :
стр. 260
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون لونك مثل لون الأجرب [١]
إنّ الغبوق له وأنت مسوءة ... فتأوّهي ما شئت أو فتحوّبي [٢]
كذب العتيق وماء شنّ بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي [٣]
إنّي لأخشى أن تقول حليلتي ... هذا غبار ساطع فتلبّب [٤]
стр. 261
إنّ العدوّ لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضبّي [١]
ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النعامة يوم ذلك مركبي [٢]
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى شرّ الرّكاب وأجنب [٣]
وأراد رجل من الخوارج الهرب مع أصحابه، فقالت له امرأته:
أخرجني معك فأنشأ يقول:
إنّ الحرورية الحرّى إذا ركبوا ... لا يستطيع لها أمثالك الطّلبا [٤]
стр. 262
إن يركبوا فرسا لا تركبي فرسا ... ولا تطيقي مع الرّجّالة الخببا [١]
وقال الطّرمّاح:
وإن أشمط فلم أشمط لئيما ... ولا متخشّعا للنائبات [٢]
ولا كفل الفروسة شاب غمرا ... أحمّ القلب حشويّ الطّيات [٣]
وقال آخر [٤] :
والتّغليبيّ على الجواد غنيمة ... كفل الفروسة دائم الإعصام
стр. 263
القول في الساق العليلة والساق السليمة
قالو: إذا كانت ساق الإنسان منتصبة وكانت القدم على الأرض ثابتة وضربها [١] ضارب بعصا لم تنكسر، إلّا أن تصيبها الضّربة وهي على غير الهبة [٢] .
سفيان [٣] ، عن زياد [٤] ، عن سعيد [٥] ، عن الزّهري [٦] ، عن سعيد
стр. 264
ابن المسيب [١] ، عن أبي هريرة عن النبي ﵇ قال: «يخرّب الكعبة ذو السّويقتين من الحبشة [٢] » .
وعن ابن عباس عن النبي ﵇ قال: «كأنّي أنظر إليه أصلع أفحج، يهدمها حجرا حجرا [٣] » .
ومحمد بن فضيل [٤] ، عن المغيرة [٥] ، عم أم موسى [٦] ، عن علي
стр. 265
قال: أمر رسول الله ﷺ ابن مسعود أن يصعد شجرة فيأتيه بشيء منها، فنظر أصحابه إلى حموشة ساقيه فضحكوا منها، فقال النبي ﵇:
«ما تضحكون؟ لرجل عبد الله في الميزان أثقل من أحد» [١] .
والذي سمّى شريح بن ضبيعة [٢] «الحطم» ، رشيد بن رميض [٣] حين رجز به في الحرب فقال:
стр. 266
قد لفّها الليل بسوّاق حطم [١] ... ليس براعي إبل ولا غنم [٢]
ولا بجزّار على ظهر الوضم [٣] ... خدلّج السّاقين خفّاق القدم [٤]
وهذا غير قول الشاعر [٥] :
لا يغمز السّاق من أين ولا وصب ... ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر.
[من كان دميم السّاق فاحش الدّقّة]
وممن كان دميما دقيق السّاق فاحش الدّقّة: عوير بن شجنة العطاردي [٦] ، وهو الوافى، وكان خفير امرىء القيس بن جحر، فبينا هو
стр. 267
يقودهم ليلا طلع القمر، فأبصر نساء امرىء القيس ساقيه فقالت [إحداهن] [١] : ما رأيت ساقي واف أقبح! فقال عوير: هما ساقا غادر أقبح [٢] ! وإيّاه يعني امرؤ القيس حيث يقول:
لا حميريّ وفي ولا عدس ... ولا است عير يحكّها الثّفر [٣]
لكن عوير وفى بذمّته ... لا قصر عابه ولا عور [٤]
وقال:
عوير ومن مثل العوير ورهطه ... وأفضل في حال البلابل صفوان [٥]
стр. 268
وممن كان يوصف بدقّة الساق
أبو حنبل الطائي [١] .
وفي المثل: «قامت الحرب على ساق» .
ويزعم ناس أنّ السّاق اسم من أسماء الحمام الذكر [٢] . قال الطّرمّاح:
كالساق ساق الحمام [٣]
وقال الآخرون: بل اسمه ساق حرّ.
والأصمعيّ يخالف في ذلك. وقال الله: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ)
[٤] وهذا مثل.
стр. 269
ويقال إنّ جميع نبات الأرض على ثلاثة أصناف: نجم، وشجر، ويقطين.
فما كان قائما على [غير] [١] ساق فهو نجم. وما كان متفرّعا ذا أغصان ومتشعّبا بأفنان فهو شجر. وما كان منبطحا منسطحا كالقرع والبطّيخ وما أشبه ذلك فهو يقطين. وفي القرآن: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ)
[٢] .
فمن ذهب في النجم إلى غير هذا فليس يذهب إلى الثّريّا إنّما يذهب إلى قول الشاعر [٣] :
فباتت تعدّ النّجم في مستحيرة ... سريع على أيدي الطّهاة جمودها [٤]
وإنّما وصف جفنة غرّاء [٥] كثيرة الإهالة قدّمها إلى أضيافه ليلا، فكانوا يرون صورة النّجوم فيها. ولا يستقيم في هذا الموضع أن يعني نجم
стр. 270
الثريا وحدها [١] . والنّجم: اسم الثّريا، إلّا أنّ التأويل الآخر أعمّ وأشبه بالتأويل.
قال: و.
باب آخر من العوج الحادث الذي يزول بزوال العلّة
من الظّلع العارض، الذي لم يكن في أصل الخلقة، وهو أنّ البعير يسمن جدّا، ويتراكم عليه الشّحم واللحم، فيصير به ظلع ويخلّط في المشي، ويهاب بسيط الأرض، ويحسب المستوي هبطة، والسّهولة وعورة، قال طفيل الغنويّ وذكر إبله:
تهاب الطّريق السّهل تحسب أنّها ... وعور وراط وهي بيداء بلقع [٢]
وقد سمنت حتّى كأنّ مخاضها ... تفشّغها ظلع وليست بظلّع [٣]
ويقال إنّها إذا سمنت جدّا، وتراكم عليها اللّحم وصار ظلّ أبدانها أعظم استهالته وفزعت منه. وأنشدني أبو العاص بن عبد الوهاب [٤] قال:
стр. 271
أنشده يونس بن حبيب [١] ، وخلف بن حيّان [٢] ، قول العكلي:
مضت فزعات من زوائد ظلّها ... فعدن وقد عادت لهنّ قلوب
يقول: رجعن من تلك السّفرة وقد تواضعن وذهب عنهنّ ذلك الشّحم، فذهب عنهنّ ذلك الفزع.
وقال آخر:
معاقيل من أيديهم وأنوفهم ... بكارا ونيبا تركب الحزن ظلّعا [٣]
هجاهم بأخذ الدّيات، وجعلها سمانا على وجه السّخرية [٤] .
وقال محرز بن المكعبر [٥] :
وجئتم بها مدمومة جرشيّة ... تكاد من الدّمّ المبيّن تظلع [٦]
стр. 272
يقول: قد متلأت [١] دما وأثقلها ذلك.
وفي سمن الإبل قال الشاعر:
أرى غيثا كأفواه العزالي ... غزيرا، تستدير به السّحاب [٢]
به تمشي العشار مخزّمات ... وتنفع أهلها المعزى الرّباب [٣]
يقول: خزموا مشافر الإبل كي لا تربع [٤] في ذلك المكان فتزداد سمنا فتهلك.
وحدّثنى مهديّ بن إبراهيم قال: ربّما رأيت البعير في بعض مراعي
стр. 273
مضر وقد قتله الشّحم، وإنه لمتصدّع جلد الكركرة [١] ، على مثل شطّ السّنام [٢] .
وحدّثني أبو البهلول الهجيمي- وكان شاعرا فصيحا داهيا- قال:
إذا خفنا على الإبل أن تموت سمنا عدلنا بها عن وادي بلهجيم [٣] إلى موضع هو أرقّ نباتا وأقلّ دسما. وزعم أنّهم يحصدون السّنبل في واديهم كلّ عام مرّتين.
ونحن نرى الدّجاجة تسمن في بعض البيوت، وكذلك البطّة، فإذا أفرط [٤] عليها السّمن فربّما ماتت. ولا بدّ من أن تعمّى قبل ذلك، وذلك إذا جعلوها في وعاء وخيّطوا عليها [٥] ومنعوها من الحركة.
وقد يتّخذون للصّبّي طمرين [٦] ، وكذلك الفصيل. فلا يزال ذلك الشّحم القديم لازما لتلك الأبدان. وما سقي اللّبن فهو في البهائم أنجع.
стр. 274
قال: وقال أبو مجيب [١] : «تعقم، ولا تعقم الأصلاب [٢] » كأنّه يذهب إلى أنّ المرأة والشاة والأتان والناقة إذا سمنّ جدّا صرن عقّرا [٣] .
ولا يعتري ذلك الرجل، والتّيس، والعير، والجمل.
وإذا نزل الغيث وعمّ ودرّ كان حزن الممعز والمصرم [٤] بقدر سرور صاحب الهجمة [٥] . ممّن يقولون [٦] : «كلأ يتّجع به كبد المصرم [٧] » . ويقولون عند ذلك: «مرعى ولا أكولة [٨] » وقد قال الشاعر في الدّعاء على رجل:
وجنّبت الجيوش أبا زهير ... وجاد على مسارحك السّحاب [٩]
стр. 275
لأنّ الفقير لا يغزوه أحد [١] . وإذا جاد السّحاب على مسارح المصرم كان أشدّ لحسرته. وقال الآخر:
غيث سماكيّ أجشّ رعده [٢] ... هيهات من نوّ الثّريّا عهده [٣]
أرزم عشرا يستحرّ صفده [٤] ... جاءت معا كمأته وزبده [٥]
ويقال غمامة خرساء [٦] ، ورعد أجشّ. كذلك يجدون في الغيوم
стр. 276
الثّقال المرجحنّة، وهي في السّحاب المتكاثف [١] القليل المخارق [٢] ، الظّاهر الرّطوبة، القريب من الأرض.
وقال شاعرهم [٣] في صفة الغيث واشتراطه صفة دون صفة:
سحائب لا من صيّف ذي صواعق ... ولا مخرفات صوبهنّ حميم [٤]
إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها ... بكين بها حتّى يعيش هشيم [٥]
ووصف امرؤ القيس المرعى الموفّر النّبت فقال:
تحاماه أطراف الرماح تحاميا ... وجاد عليه كلّ أسحم هطّال [٦]
стр. 277
وإلى ذلك ذهب أبو النّجم في قوله:
تبقّلت من أوّل التبقّل ... بين رماحي مالك ونهشل [١]
وقال الهذليّ [٢] :
وإنهما لجوّابا خروق [٣] ... وشرّابان بالنّطف الطّوامي
стр. 278
كأنّهما في طول ما ينقّبان في البلاد، ويجوبان في المفاوز، يهجمان [١] على مياه ليست لها أرباب ولا هي على طرق الغزاة والبغاة، والماء طام [٢] يطفح. وربّ موضع هذا هو ضدّ هذا، وهو كما قال امرؤ القيس:
مجرّ جيوش غانمين وخيّب [٣]
ووصف النّمر بن تولب الرّوضة والأرض المحمودة، والبطن الخصيب العشيب، والوادي الكريم فقال:
وكأنّها دقرى تخيّل نبتها ... أنف يعمّ الضّال نبت بحارها [٤]
стр. 279
عزيت وباكرها الشّتاء بديمة ... وطفاء تملؤها إلى أصبارها [١]
وقال في مثل ذلك [٢] :
كأنّ جمرة أو عزّت لها شبها ... في العين يوم تلاقينا بأرمام [٣]
ميثاء جاد عليها واكف هطل ... فأمرعت لاحتيال فرط أعوام [٤]
стр. 280
إذا يجفّ ثراها بلّها ديم ... من واكف نزل بالماء سجّام [١]
لم يرعها أحد وارتبّها زمنا ... فأو من الأرض محفوف بأعلام [٢]
تسمع للطّير في حافاتها زجلا ... كأنّ أصواتها أصوات جرّام [٣]
كأنّ ريح خزاماها وحنوتها ... باللّيل ريح النجوج وأهضام [٤]
وقال آخر [٥] في صفة روضة:
كانت لنا من غطفان جاره ... حلّالة ظعّانة سيّاره
كأنّها من ربل وشارة [٦] ... والحلي حلي التّبر والحجاره [٧]
مدفع ميثاء إلى قراره [٨] ... إياك أعني واسمعي يا جاره [٩]
стр. 281
وقال بشّار بن برد:
وحديث كأنّه قطع الرّو ... ض وفيه الصّفراء والحمراء [١]
وأنشد الأصمعيّ في هزال المال:
طائيّة تبكي على أجمالها ... ومن منعنا الرّيف من عيالها
فما تخطّى الطّنب من تهزالها [٢]
ويقال إنّ الحيوان يحتشي من اللّحم والشحم على قدر سعة جلده.
ويقال إنّ سعة الجلد من أعون الأمور على بعد الوثبة. وإذا كان فضفاض الإهاب واسع الإبطين ضابعا [٣] ، وكان طويل العنق، لا يسبقه شيء.
فالبعير يعدو بطول عنقه، وبه ينهض بحمله الثّقيل بعد بروكه. والثّور يسرع بسعة جلده، ويبطىء بالوقص الذي في عنقه [٤] . والحمار يسرع
стр. 282
بطول عنقه، ويبطىء بضيق جلده. والفرس يسرع بسعة إبطه وجلده، وبطول عنقه وعظم جفرته [١] . ولذلك قال الشاعر:
ببطنه يعدو الذّكر
وزعم أبو عبيدة، وأبو الحسن، أنّ الفرس ليس له طحال [٢] .
قال: ولذلك لا يحتشي ريحا ولا يناله من الرّبو ما ينال غيره من ذوات الأربع. قال الشاعر:
رحيب الجوف معتدل قراه ... هريت الشّدق فضفاض الإهاب [٣]
وقال آخر:
وضاق عنه جلده الفضفاض
وأما قول الآخر:
يا سعد كيف أنت إذ أصحابي [٤] ... عاتبتهم فتركوا عتابي
وخلّ جسيمي وانحنت أصلابي [٥] ... وكثرت فواضل الإهاب [٦]
стр. 283
وهذا عيب، لأنه وصف شيخا قد نحل جسمه، وذهب شحمه ولحمه، ودقّ عظمه ورقّ عصبه، فماج إهابه، وصار فارغا، بعد أن كان مملوّا. فإذا صار الجلد كذلك وذهب الذي كان يملؤه وتمدّد وتبسّط، وذهبت البلّة، وأعقب مكانها اليبس، تقبّض جلده وتشنّج إهابه. ولذلك قال النّمر بن تولب:
كأنّ محطّا في يدي حارثيّة ... صناع علت منّي به الجلد من عل [١]
والمحط: مدلكة مملّسة يحطّ بها أصحاب المصاحف ظهور جلود رقاب المصاحف لتجعل تلك الجزوز نقوشا.
وما أحسن ما قال النّمر بن تولب، ولقد جهدت أن أصيب بيت شعر مثل هذا للعرب فما قدرت عليه، وكذلك قول عنترة [٢] :
فترى الذّباب بها يغنّى وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
стр. 284
ووصف الشاعر الثّور فقال:
وأغلب فضفاض جلد اللّبان ... يدافع غبغبه بالوظيف [١]
ووصف أبو موسى الأشعريّ البقرة فقال: إذا صغر رأسها ودقّ قرنها واتّسع جلدها فإنها مما تكون كريمة [٢] .
وليس للإنسان من بين جميع الحيوان جلد إذا سلخ تبرّأ من اللّحم، وفرق ما بين جلده وسائر الجلود فرق ما بين القرقمان والحوصلة [٣] .
وقال البقطريّ [٤] : سابقوا بين فرس وحمار وثور، فجاء الفرس سابقا، وشهد ذلك بعض الأعراب فقال: ليس الطّبق كالضابع [٥] ولا الأوقص كالأعنق [٦] . يقول: لأنّ الحمار طبق كزّ [٧] رجع الإبطين، لا
стр. 285
يستطيع إذا عدا أن يمدّ ضبعيه كالفرس والكلب. قال الشاعر:
كم تضبعون وكم نأسو كلومكم ... وأنتم ألف ألف أو تزيدونا [١]
وقال رؤبة:
ولا تني أيد علينا تضبع ... بما أصبناها وأخرى تشفع [٢]
يقول: إذا دعا الله علينا مدّ ضبعيه ورفعهما إلى السماء. وقال الراجز:
إنّ الجياد الضّابعات [٣]
وقال بعض اللّصوص وهو يتمنّى أن يستاق أموال عبد القيس:
نجائب عبديّ يكون بغاؤه ... دعاء، وقد جاوزن عرض الشّقائق [٤]