وقال بشّار بن برد:
وحديث كأنّه قطع الرّو ... ض وفيه الصّفراء والحمراء [١]
وأنشد الأصمعيّ في هزال المال:
طائيّة تبكي على أجمالها ... ومن منعنا الرّيف من عيالها
فما تخطّى الطّنب من تهزالها [٢]
ويقال إنّ الحيوان يحتشي من اللّحم والشحم على قدر سعة جلده.
ويقال إنّ سعة الجلد من أعون الأمور على بعد الوثبة. وإذا كان فضفاض الإهاب واسع الإبطين ضابعا [٣] ، وكان طويل العنق، لا يسبقه شيء.
فالبعير يعدو بطول عنقه، وبه ينهض بحمله الثّقيل بعد بروكه. والثّور يسرع بسعة جلده، ويبطىء بالوقص الذي في عنقه [٤] . والحمار يسرع
стр. 282
بطول عنقه، ويبطىء بضيق جلده. والفرس يسرع بسعة إبطه وجلده، وبطول عنقه وعظم جفرته [١] . ولذلك قال الشاعر:
ببطنه يعدو الذّكر
وزعم أبو عبيدة، وأبو الحسن، أنّ الفرس ليس له طحال [٢] .
قال: ولذلك لا يحتشي ريحا ولا يناله من الرّبو ما ينال غيره من ذوات الأربع. قال الشاعر:
رحيب الجوف معتدل قراه ... هريت الشّدق فضفاض الإهاب [٣]
وقال آخر:
وضاق عنه جلده الفضفاض
وأما قول الآخر:
يا سعد كيف أنت إذ أصحابي [٤] ... عاتبتهم فتركوا عتابي
وخلّ جسيمي وانحنت أصلابي [٥] ... وكثرت فواضل الإهاب [٦]
стр. 283
وهذا عيب، لأنه وصف شيخا قد نحل جسمه، وذهب شحمه ولحمه، ودقّ عظمه ورقّ عصبه، فماج إهابه، وصار فارغا، بعد أن كان مملوّا. فإذا صار الجلد كذلك وذهب الذي كان يملؤه وتمدّد وتبسّط، وذهبت البلّة، وأعقب مكانها اليبس، تقبّض جلده وتشنّج إهابه. ولذلك قال النّمر بن تولب:
كأنّ محطّا في يدي حارثيّة ... صناع علت منّي به الجلد من عل [١]
والمحط: مدلكة مملّسة يحطّ بها أصحاب المصاحف ظهور جلود رقاب المصاحف لتجعل تلك الجزوز نقوشا.
وما أحسن ما قال النّمر بن تولب، ولقد جهدت أن أصيب بيت شعر مثل هذا للعرب فما قدرت عليه، وكذلك قول عنترة [٢] :
فترى الذّباب بها يغنّى وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
стр. 284
ووصف الشاعر الثّور فقال:
وأغلب فضفاض جلد اللّبان ... يدافع غبغبه بالوظيف [١]
ووصف أبو موسى الأشعريّ البقرة فقال: إذا صغر رأسها ودقّ قرنها واتّسع جلدها فإنها مما تكون كريمة [٢] .
وليس للإنسان من بين جميع الحيوان جلد إذا سلخ تبرّأ من اللّحم، وفرق ما بين جلده وسائر الجلود فرق ما بين القرقمان والحوصلة [٣] .
وقال البقطريّ [٤] : سابقوا بين فرس وحمار وثور، فجاء الفرس سابقا، وشهد ذلك بعض الأعراب فقال: ليس الطّبق كالضابع [٥] ولا الأوقص كالأعنق [٦] . يقول: لأنّ الحمار طبق كزّ [٧] رجع الإبطين، لا
стр. 285
يستطيع إذا عدا أن يمدّ ضبعيه كالفرس والكلب. قال الشاعر:
كم تضبعون وكم نأسو كلومكم ... وأنتم ألف ألف أو تزيدونا [١]
وقال رؤبة:
ولا تني أيد علينا تضبع ... بما أصبناها وأخرى تشفع [٢]
يقول: إذا دعا الله علينا مدّ ضبعيه ورفعهما إلى السماء. وقال الراجز:
إنّ الجياد الضّابعات [٣]
وقال بعض اللّصوص وهو يتمنّى أن يستاق أموال عبد القيس:
نجائب عبديّ يكون بغاؤه ... دعاء، وقد جاوزن عرض الشّقائق [٤]
стр. 286
يقول: ليس عندهم من بذل المجهود إلّا الدّعاء والابتهال على من ظلمهم.
ووصف الهذليّ [١] الثّور وجلده للنعل فقال:
وصلهما جميل [٢]
وهم لا يذكرون جلد الجاموس، ولا يعرفون النّعال إلّا من البقر والإبل، ومن رديء الجلود عندهم جلد الضّبع وجلد العثّ [٣] . قال الراجز [٤] :
стр. 287
يا ليت لي نعلين من جلد الضّبع ... وشركا من استها لا ينقطع [١]
كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع [٢]
فقد دلّك بقوله: «كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع» على أنّه قد وضعه في موضع التجوّز والاحتمال. وقال الآخر:
إهابه مثل إهاب العثّ [٣]
ثم رجع بنا القول في العرج والظّلع. قال الحطيئة:
تسدّيتها من بعد نام ظالع ال ... كلاب وأخبى ناره كلّ موقد [٤] .
[قول الأصمعيّ في ظلع الكلاب]
قال الأصمعيّ في ظلع الكلاب، وزعم أنّ الكلب إذا أصاب رجله
стр. 288
شيء فظلع [١] ، وهو يريد سفاد الكلبة، ويخاف أن تمنعه الكلاب السليمة الأبدان، وهو ينتظر نومها. وهي لا تنام حتّى تملّ من النّباح والتجاوب، وتهدا [٢] كل رجل منها، ولذلك قال: «أخبي ناره كلّ موقد» .
وقال الآخر: لا، ولكن الكلب الظالع هو الهائج. ويقال للكلب ظلع إذا هاج. وأنشد:
يبيت يشكو وجعا ولا وجع ... وهو إذا أعطى زادا ابتلع
أسرع شيء عدوه إلى الطّمع ... كأنّه الكلب إذا الكلب ظلع
وقال الآخر: بل الكلب إذا هاج اعتراه بعض الخماع [٣] ، فإذا مشى رأيته كأنّه يظلع. وقد قال الطّفيل:
وقد سمنت حتّى كأنّ مخاضها ... تفشّغها ظلع وليست بظلّع [٤]
وقال ابن عنقاء الفزاريّ [٥] :
أمرّ على عوج طوال كأنّه ... بذي الشّثّ سيد آبه اللّيل جائع [٦]
стр. 289
بغى كسبه أطراف ليل كأنّه ... وليس به ظلع من الخمص ظالع [١]
يقول: ليس به ظلع من علّة حادثة، سوى الظّلع الذي ركّب عليه في أصل الخلقة، لأنّه أقزل، والأقزل أسوأ حالا من كثير من العرجان، لأنّ الذّئب لا يزال مضطربا في مشيته، ونساه أشدّ تشنّجا من نسا الفرس والغراب [٢] . والذئب أقزل مرثوم الخطم بسواد، سائل الأنف، وكذلك أنف البقرة يكون سائلا ومرثوما بسواد [٣] وكذلك الكلب. وأما قول الشاعر:
غاداك ذيب سلجم أنيابه [٤] ... يسبق حدّ نابه لعابه
فإنّما ذكر ذلك على جهة المثل، كما قال الشاعر [٥] :
стр. 290
وبنو نمير قد لقينا جمعهم ... خيل تضبّ لثاتها للمغنم [١]
وكما قال الآخر:
ضبّت لثات بني عمرو لوقعتهم ... يوم النّجير وكانوا معشرا حشدا [٢]
وإنّما هذا على جهة المثل، لأنّ الإنسان ما دام له ريق فهو حيّ، وصاحب الفزع والذي يكيد بنفسه يجفّ ريقه جفوفا شديدا. وعلى حساب ذلك يصيب المحزون. والجبان في الحرب والخائف، يشتدّ عطشهما ويجفّ ريقهما. وقال ابن أحمر:
هذا الثّناء وأجدر أن أصاحبه ... وقد يدوّم ريق الطامع الأمل [٣]
وقد قال الآخر [٤] :
стр. 291
إذا ما استيأس الريّق عاصبه [١]
وقال الزّبير بن العوّام وهو يرقّص عروة بن الزّبير:
أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصّدّيق
ألذّه كما ألذّ ريقي [٢]
وقال بشّار:
رهبة أو رغبة في ودّه ... إنّه إن شاء أحلى وأمرّ [٣]
يتّقي الموت به أشياعه ... حين جفّ الرّيق وانشقّ البصر [٤] .
[القول في سواد منخر الذّئب والكلب]
وقالوا في سواد منخر الذّئب والكلب. قال الشاعر ووصف ذيبة:
стр. 292
مألولة الأذنين كحلاء العين [١] ... ومنخرين خلقا مسودّين
وقال الطّرمّاح أيضا في سواد لثام الذّئب:
وفلاة يستفزّ الحشا ... من صواها ضبح بوم وهام [٢]
تفجأ الذّئب بها قائما ... أبرق النّحر أحمّ اللّثام [٣]
فزعم كما ترى أنّه أحمّ اللّثام. وكذلك وصف الشاعر الكلب فقال:
وأغضف الأذن طاوي البطن مضطمر ... لوهوه رذم الخيشوم هرّار [٤]
стр. 293
وقال كعب بن زهير يذكر سيلان أنف الذّئب:
قالت أراهط من عوف ومن جشم ... يا كعب ويحك هلّا تشتري غنما [١]
من لي منها إذا ما أزمة أزمت ... ومن أويس إذا ما أنفه رذما [٢]
واسم الذئب أوس، فلما صغّره قال أويس. وقال الشاعر [٣] :
ما فعل اليوم أويس في الغنم
وقال الطّرماح «أبرق النّحر» ، هو مثل قول عمرو بن معد يكرب:
وكم من غائط من دون سلمى ... قليل البوم ليس بها كتيع [٤]
стр. 294
ترى السّرحان مفترشا يديه ... كأنّ بياض لبته الصّديع [١]
لأنّ الأبرق يكون سواده مخالطا للبياض، والصّديع هو الفجر، والفجر مختلط ببياض النّهار ببقيّة سواد اللّيل.
وأما قوله:
لكلّ ريح نفحت معدّين [٢]
فقد وصف الراجز [٣] استرواح الذئب وحرصه على استنشاء الريح [٤] فقال:
стр. 295
يستخبر الرّيح إذا لم يسمع [١] ... بمثل مقراع الصّفا الموقّع [٢] .
ومن العرجان ثم من رؤساء المتكلّمين
ومن مشايخ المعتزلة، ومن أرباب النّحل، ومن العلماء باختلاف الملل، وكان أعلم من رأينا من الخوارج، وكان قد أرمى على المائة [٣] ، وهو
أبو كلدة [٤]
وهو الذي قال له النضر بن إسماعيل [٥] القاصّ البليغ الشّجّاع، وكنيته أبو المنذر، وكان رئيس الشّعوبية قبلنا بالبصرة: يا أبا كلدة إنّ لك شرجا وإنّ لي
стр. 296
شرجا [١] ، فاطلب شرجك فيما بينهما وفيما بين بينهما إن كان بين بينهما بون. قال أبو كلدة: يا أبا المنذر، هذه رقية، وأنا رجل أعرج، فاقصد بها رجلي فلعلّ الله أن رزقني على يديك الشفاء! والنّضر هو الذي لما سئل عن خلق الكلام قال: منه الحروف ومنك التأليف، كما كان منه النّتاج ومنك الكنيف [٢] .
وقال له رجل: أضحّى بالجذع من الضّان؟ قال إذا كفّت [٣] الثّنيان [٤] والمهازيل من الثّنيان [٥] .. ومن العرجان:
مالك بن المحراس
كسرت رجله يوم الهباءة [٦] ، فعرج.
стр. 297
ومن العرجان الفقهاء البلغاء
أبو العلاء يزيد بن الشّخّير [١]
أخو مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير [٢] .
ومن العرجان الأشراف ومن أهل العارضة واللّسن والجلد
إبراهيم ابن محمد بن طلحة بن عبيد الله بن محمد [٣]
أخو حسن بن حسن لأمّه [٤] . قالوا: وكان قد غلب على أموالهم حتّى شكوا ذلك إلى أبي
стр. 298
هاشم عبد الله بن محمّد بن علي بن أبي طالب [١] ، فدخل على والي المدينة، فلمّا رآه عنده قال: ألا أدلّك أيّها الأمير على الظّالم الضّالع الظالع، في كلام غير هذا قد عرضه الرواة.
وقال حميد بن ثور الهلاليّ:
كفى حزنا ألّا أردّ مطيتي ... .... مستزاد إلى أهلي [٢]
وألّا أدلّ القوم واللّيل دامس ... فجاج الصّوى باللّيل في الغائط المحل [٣]
ولا يتّقي الأعداء شرّي وقد يرى ... مكان سوادي لا أمرّ ولا أحلى [٤]
стр. 299
وطرحي سلاحي واحتبائي قاعدا ... لدى البيت لا يبلى شراكي ولا نعلي [١]
وإنصاتتي أهلي لضعفي مخافة ... عليّ، وما قام الحواضن عن مثلي [٢]
أعين العصا بالرّجل والرّجل بالعصا ... فما عدلت مثلي عصاي ولا رجلي
هذا رجل يصف الكبر والضّعف الذي يعتري الهرمى. وليس يحمل أحدهم العصا على جهة حمل الأعرج [٣] ، ولكنّه مما يجوز أن يدخل في هذا الباب.
والعرج أيضا يعرض من أمور كثيرة. وقد علمنا أنّ صاحب النّقرس أسوأ حالا إذا تكلّف المشي من الأعرج، كما كان يصيب هرثمة بن
стр. 300
أعين [١] ، ونصر بن شبث [٢] ، وإسماعيل بن نيبخت [٣] .
وكان العلاء بن الوضّاح يوتد سكّة حديد في الأرض حتّى يغرقها، ثم يشدّ ساقه بها، ثم يضع رجله اليسرى في الرّكاب ويثب، فيقلع السّكّة ويستوي على ظهر الفرس، كأنّه لم يصنع شيئا، من شدّة متنه وقوّة عصبه، وتوتير نساه. فانقطعت في بعض ذلك عصبة من ساقه، فكان أسوأ حالا من الأعرج. ولقد رأيته بالمبارك [٤] في غداة قرّة، وهو على فرس له
стр. 301
مرح جامّ [١] ، في قباء طاق [٢] ، فما رأيت مثله أشدّ ولا أفرس.
ومن العرجان الأشراف السادة، ومن [٣] قدّمته العشائر طوعا، ورأّسته الخلفاء اختيارا، وتحفّظ الناس كلامه، ودوّنوا ألفاظه، واقتبسوا من علمه.
وفي طول ما مدح الله به عباده والصّالحين بالأسماء الكريمة، ووصفهم بالخصال الشريفة، لم يمدحهم بشيء أقلّ من ذكره لهم بالحلم.
ولم نجد ذلك في القرآن إلّا في موضعين [٤] .
وقد وصف النّاس بالحلم عادا في الجملة كما قال النابغة:
أحلام عاد وأجساد مطهّرة ... من المعقّة والآفات والأثم [٥]
стр. 302
وقد ذكروا في الشعر حلم لقمان ولقيم بن لقمان [١] ، وذكر [وا] قيس بن عاصم [٢] ، ومعاوية بن أبي سفيان، ورجالا كثيرا، ما رأينا هذا الاسم التزق والتحم بإنسان وظهر على الألسن، كما رأيناه تهيّأ للأحنف ابن قيس. وكان مع ذلك رئيسا في أكثر تلك الفتن، فلم نر حاله عند الخاصّة والعامّة، وعند النّسّاك والفتّاك، وعند الخلفاء الراشدين [٣] ، والملوك المتغلّبين، ولا حاله في حياته، ولا حياته بعد موته إلّا مستويا. فينبغي أن يكون قد سبقت له من النبي ﷺ دعوة، أو قال فيه خيرا، كما قد رووه وذكروه [٤] ، أو كان قد كان يظهر من حسن النيّة ومن شدّة الإخلاص ما لم يكن عليه أحد من نظرائه.
فإن قال قائل: أنتم تزعمون أنّ عبد المطّلب أحلم النّاس، وكذلك العبّاس بن عبد المطلب. قلنا إنّ الأحنف كان الحلم سيّد عمله [٥] ، فبان من سائر أعماله؛ ومحاسن عبد المطّلب، وخصال العبّاس في المجد والشرف كانت متكاتفة [٦] متساوية، كلّ خصلة منها تنتصف من أختها، وكانت كما قال الشاعر [٧] :
стр. 303
أنّي غرضت إلى تناصف وجهها ... غرص المحبّ إلى الحبيب الغائب [١]
ومثل ذلك قوله [٢] :
جاءتا تهضّ الأرض أيّ هضّ [٣] ... يدفع منها بعضها عن بعض [٤]
مثل العذارى شمن عين المغضى [٥]
وقال جرير [٦] في شبه ذاك:
برزن فلا ذو اللّبّ وفّرن عقله ... وقلن فلم يفضح بهنّ مريب
وقال قيس بن الخطيم [٧] :
تغترق الطّرف وهي ساهية ... كأنّما شفّ وجهها النّزف [٨]
стр. 304
وهذا البيت ليس من الشكل الأوّل، ولكنّه مما يتعلّق به ويروى معه.
وإذا كانت الخصال كذلك لم يغلب على صاحبه اسم دون اسم، ورجع الأمر فيه إلى أن يسمّى سيّدا وما أشبه ذلك، والنّبوّة تأتي على الغايات، وتحوز النهايات.
وكان الأحنف أحنف من رجليه جميعا، ولم يكن له إلّا بيضة واحدة، وكان قد ضرب على رأسه بخراسان فماهت إحدى عينيه [١] وقال الحتات [٢] : إنّك لضئيل، وإنّ أمّك لورهاء [٣] .
وقال أبو الحسن: ولد الأحنف مرتتق حتار الاست [٤] حتّى فتق وعولج. فإن كانت هذه الصّفات كذبا وباطلا، فإنّا لا نشكّ أنّ الحسد الذي أخرج من أعدائه هذه الأمور لم يكن إلّا على نعمة سابغة غامرة، وإلّا على خصال عالية فاضلة، ثم لم يضره ذلك ولا وضع منه، ولا زادته
стр. 305
الأيّام إلّا رفعة، والحالات إلّا رياسة، وإن كانت هذه الخصال قد كانت فيه وكانت معلومة معروفة، لم تنقص من قدره عروة، ولا فسخت من معاقد رياسته عقدة، فيعلم الطّاعن عليه أنّه إنّما يريد أن يطمس عين الشّمس، ويردّ هبوب الريح.
كان أبين النّاس في كلّ حال، وأخطبهم في يوم حفل وتصنّع [١] ، وفي يوم أنس واسترسال. وهو صاحب الرّاية بخراسان، وقد انغمس في حومة الحرب ثلاث مرّات [٢] وهو يقول:
إنّ على كلّ رئيس حقّا ... أن يخضب الصّعدة أو تندقّا [٣]
وسار تحت لوائه الأقرع بن حابس، وكان واليه على الجوزجان [٤] ، ومشي في جنازته مصعب بن الزّبير بغير حذاء ولا رداء، مع علمه بما قال الناس في شأنه وشأن ابن جرموز. وكان مع ذلك لا يرى الحكمين. وهو الذي قال لرسول قطريّ ولرائده وبغيّته [٥] ، والمبلّغ
стр. 306
عنه: «إن ركبوا بنات شحّاج [١] ، وقادوا بنات أعوج [٢] ، وأصبحوا ببلدة وأمسوا بأخرى، طال أمرهم» .
وهو الذي قال لمّا طمع فيه عبد الملك للجفوة التي حدثت بينه وبين مصعب وجرّد إليه رسولا فقال للرسول: «أبلغ صاحبك أنّه إن لم يغزنا لم نغزه، وإن أتانا لم نقاتله» ، فعندها قوي عبد الملك في نفسه.
ومما يدلّ على تواضعه وحسن نيّته، وعلى أنّه يعمّ بالرأي ولا يخصّ، ممّا رووا من شأن الرجل الذي قال له: ما يمنعك يا أبا بحر من دخول المقصورة [٣] ؟ قال: فأنت ما يمنعك من ذلك؟ قال: لا أترك! قال: فلذلك لا أدخلها.
وتكلّم النّاس عند معاوية في توكيد بيعة يزيد والأحنف ساكت، فقال معاوية: لم لا تتكلم يا أبا بحر؟ قال: «أخافك إن صدقتك، وأخاف
стр. 307
الله إن كذبتك [١] » .
وأطرى رجل من قريش يزيد بن معاوية عند معاوية، فلمّا خرج الناس أقبل على الأحنف فقال: إنّي والله وإن قلت الذي قلت رغبة أو رهبة فإنّه ما علمت للّذي، وإنّ ابنه ما علمت للّذي.. قال الأحنف: «إنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها» .
وشهد مصعبا يوما وهو يوبّخ رجلا ويقرّعه ويقول: أبلغني عنك الثّقة كذا، وأبلغني عنك الثّقة كذا [٢] . فقال الأحنف: «كلّا أيها الأمير، إنّ الثّقة لا يبلّغ» .
هذا الذي كتبت لك قليل من كثير، ولم نرد الإخبار عن بلاغة لسانه، ولا عن كثرة معرفته، وإنّما أردت أن تعرف حسن نيّته.
وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقّاص: «يا سعد سعد بني وهيب [٣] . إنّ الله إذا أحبّ عبدا حبّبه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله
стр. 308
بمنزلتك من الناس، واعلم أنّ ما لك عند الله مثل ما لله عندك [١] » .
فنحن نظنّ أنّ هذه المنزلة التي صارت للأحنف في قلوب الناس لمنزلة الإسلام من قلبه.
وهو الذي لمّا دخل في الوفد على مسيلمة الكذّاب فخرج من عنده، قال له بعض رؤساء القوم: كيف رأيته؟ قال: والله ما هو بنبيّ صادق، ولا متنبّىء حاذق [٢] .
وهو الذي لما وفد على عمر وتنازعوا الكلام عنده أمسك، حتّى كان عمر هو المستنطق له الكلام، وخصّ بالكلام عمر، وذكروا شأن أنفسهم، وتكلّم الأحنف عمّن غاب من مجلسهم، فتكلّم في مصلحة البلاد والعباد.
وسنذكر فقرا من كلامه في كتاب البيان والتّبيان [٣] إن شاء الله.
وبالله التوفيق.
стр. 309
ومن العرجان ثم من الملوك
يزدجرد بن شهريار بن شيرويه بن كسرى برواز [١]
وطىء بخراسان، أيام خرج من العراق، امرأة فولدت ابنا مخدجا [٢] ذاهب الشّقّ. وكان عرج يزدجرد من قبل نقصان كان بوركه.
وقيل لجدّه: إنّه سيكون ذهاب ملككم على رأس غلام أعرج ناقص الورك! فعزم على قتله، حتّى صرفته عن ذلك شيرين [٣] .
قال أبو عبد الرحمن [٤] : كان أنوشيروان أعور، وكان يزدجرد أعرج، والحارث الملك الأصغر الغسانيّ أعرج [٥] ، وكان جذيمة بن مالك
стр. 310
الوضّاح أبرص [١] . وعمي صصّه أبو داهر بن صصّة [٢] ملك الهند، قبل أن يموت بسنة. وكان يزيد بن عبد الملك أفقم. وكان هشام أحول.
وكان مروان الحمار أشقر أزرق. وكان النّعمان بن المنذر أحمر العين أحمر اللّون.
ولم يكن في أصحابنا مذ هلك أبو العبّاس إلى ملك المتوكّل إلّا سليم الجوارح نقيّ من الأبن [٣] صحيح الأعضاء، جميل المنظر، بهيّ الرّواء. فأمّا الصّلع فإنّه انقطع بعد مروان بن الحكم، فلم يكن في ملوكهم ولا في خلفائنا أصلع إلى يومنا هذا..
ومن العرجان
سلمان بن ربيعة الباهلي [٤]
وهو سلمان الخيل،
стр. 311
كان أبصر النّاس بعتق دابّة، وأبصرهم بإقراف وهجنة [١] ، وأعلمهم بخارجيّ وعريق، وتميم وبقير [٢] ، ويعرف السّابق من المصلّي.
قالوا: وكان ابن أقيصر [٣] على مثاله يحتذي، وإيّاه يحكي.
وفي قبره وقبر قتيبة بن مسلم يقول شاعرهم [٤] :
إنّ لنا قبرين قبر بلنجر ... وقبر بصين استان يا لك من قبر [٥]
فإمّا الذي بالصّين عمّت فتوحه ... وسلمان يستسقى به سبل القطر [٦]
стр. 312
وكان على المقاسم [١] ، وأوّل من قضى لعمر بن الخطاب على الكوفة. قالوا: جلس للنّاس شهرين، فلمّا لم يتقدّم إليه خصمان، لصلاح الزّمان واصطلاح الناس، طوى بساطه، وحمد الله على ذلك. وله أخبار وأحاديث.
قالوا: وكانت دار سلمان بن ربيعة لسعيد بن قيس الهمدانيّ [٢] ، حتّى رحل سلمان إلى عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي رجل أعرج، ولا قوّة لي على المشي إلى المسجد. فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص: أن أقطعه أقرب المواضع إلى المسجد. وكلّم سعد سعيد بن قيس فقال له: يا أبا عبد الرحمن، هذا رجل زمن، فتحوّل عن دارك وأعطيك مثلها. فتحوّل عنها سعيد ونزلها سلمان، ووفي له سعد بالذي قاله.
قالوا: وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب والي الكوفة [٣] ، وكان أعرج وكان على شرطه القعقاع بن سويد المنقري،
стр. 313
وكان أعرج، وكان على كتابته سلمان بن كيسان، وكان أعرج، فكان صاحب الشّرطة يخرج وهو يخمع، ثم يخرج الأمير وهو يخمع، ثم يخرج الكاتب وهو يخمع وكان الحكم بن عبدل الشّاعر أعرج، فرآهم يوما وخاطب نفسه فقال [١] :
ألق العصا ودع التّخادج والتمس ... عملا فهذي دولة العرجان [٢]
لأميرنا وأمير شرطتنا معا ... يا قومنا لكليهما رجلان [٣]
لم أر الشعر دلّ على عرج الأمير، وصاحب الشّرطة، وعلى عرج الحكم الشاعر.
وفي حديث الهيثم زيادة أعرجين: أحدهما ابن أبي موسى [٤] ، والآخر سليمان بن كيسان. وهذا عندي عجب.
وكان الحكم بن عبدل قد خافه الناس وهابته الأمراء بعد هجائه
стр. 314
لمحمد بن حسّان، فكان بعد ذلك لا يغشى أبوابهم، ولكنه كان يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها مع غلامه، فيدخل الحاجب العصا وتقضى حاجته، والناس والشّعراء محجوبون. فلمّا رأى يحيى بن نوفل، وحمزة ابن بيض، وابن حسرج [١] ما صنع الحاجب بعصا الحكم وهو بمزجر الكلب، قال يحيى بن نوفل:
عصا حكم في الدّار أوّل داخل ... ونحن لدى الأبواب نقصى ونحجب [٢] .
ومن العرجان ثم من العبيد الشّعراء
وممن يعدّ في الحدب والعرج «ذو الرّكبة العوجاء» وأظنّه
السائل المثري
وهو الذي يقول فيه الشاعر في قصيدته التي ذكر فيها شعر العبيد- وقد ذكرنا هذه (في كتاب الصّرحاء والهجناء) . وإيّاه يعني في قوله:
وفي درك والعبد ذكوان والذي ... أناخ على بشر بقاصمة الظّهر [٣]
وعبد بني الحسحاس والشّيخ مورق ... وذي الرّكبة العوجاء والسّائل المثري
فذو الرّكبة الذي يقول:
стр. 315
سخر الغواني أن رأين مويهنا ... كالنو أكلف شاحبا منهوك [١]
ورأى البيوت فجاء يأمل خيرها ... بيدي جريّ فغلبه وسلوك [٢]
والركبتان مفارق رأساهما ... والظّهر أحدب والمعاش ركيك
سئم الحياة ولاح في أعطافه ... قشف الفقير وذلّة المملوك
مثل البلية برّحت بحياته ... جوف البطون قليلة التّبريك [٣]
يقول: أنا راعي ضأن والضأن آكل شيء وأدومه رغبة وأكلا، وهي لا تبرك كبروك الإبل فيستريح الرّاعي. ولغلظ مؤونتها على الراعي قالوا:
«أحمق من راعي ضأن ثمانين [٤] » . لأنه يتعايا بها وتغلبه، فيعجز عنها.
والنّعجة موصوفة بشدّة الأكل ودوامه، وهي آكل من الكبش. والرّمكة آكل من البرذون [٥] .
وقيل لأعرابيّ: أيّ الدوابّ آكل؟ قال: برذونة رغوث [٦] .
فإذا كانت البرذونة آكل الدوابّ فعلى حساب ذلك يزيد أكلها إذا أرضعت.
стр. 316
ويقال إنّه لو جمع أكل المرأة من غدوة إلى اللّيل لكان أكثر من غداء الرجل وعشائه. هكذا يحكون في أكثر النّساء. وهي تمضغ من غدوة إلى اللّيل.
وكذلك الحجر والفرس [١] .
ومن العرجان
معاذ بن جبل [٢]
قالوا: وكان معاذ أمّة [٣] ، وكان يشبه إبراهيم خليل الرحمن، ولم يكن في السّلف أحسن جردة [٤] ولا أنعم بدنا من معاذ، وسهل بن حنيف [٥] . وقال النبي ﷺ : «آمن كلّ شيء من معاذ حتّى خاتمه» .
وكان يعدّ من الزّهّاد السّتّة، وقد شهد المشاهد، وولي للنبّي الولايات، وقبض الصّدقات وتعليم الناس الإسلام، وتدريسهم القرآن وهو ابن أقلّ من عشرين سنة. وكان عند رسول الله وجيها، وفي عيون المسلمين عظيما.
стр. 317
وقال الهيثم: أنبأنا أبو الهذيل [١] سعيد بن عبيد الطائي في إسناد له قال:
بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن فنزل في حيّ منهم وقال:
لا تروني أصنع شيئا إلّا صنعتم مثله. وكان به عرج فكان إذا صلّى قدّم إحدى رجليه. قال: فلمّا صلّوا لم يبق منهم أحد إلا قدّم إحدى رجليه قال: فلما انصرفوا قال لهم: إنّما فعلت هذا من عرج، فلا تفعلوا مثل هذا.
وزعموا أنّه صلّى إلى قرب شجرة فكان غصن منها قد أضرّ بإحدى عينيه، فتناوله فكسره، فلم يبق أحد ممّن خلفه إلا تقدّم إلى الشّجرة فكسر منها غصنا.
قالوا: ولمّا قدم معاذ على النبي ﵇ ومعه أصحابه الذي قدم بهم سجدوا للنبي ﵇. وكانوا يرون ذلك من صنيع العامّة تعظيما للنبي ﷺ ، فقال النبي: «اسجدوا لربّكم، وأكرموا أخاكم. ولو أمرت أحدا يسجد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها [٢] » .
وكان أبو عبدان المخلّع مولى بلعنبر واسمه مرثد، وكان أطيب
стр. 318
الناس شعرا، وكان صعتريّا [١] صاحب نيزكيّة وتخلّع [٢] ، وكان يتشالّ [٣] ، وإذا تكلم عقّف أصابعه. فلم يزل يتكلّف ذلك حتّى صار مخلّعا بالحقّ، وصار أسوأ حالا من الأشلّ. وكان في صغره خيّاطا فصار في حال لا يستطيع أن يملك نفسه ولا يمسك إبرة بيده. وهو الذي يقول:
الدّين أدناني وما كنت بالدّني ... وأدنى من الدّين الذي لديات
وهو الذي يقول في أبيات له فاحشة [٤] يذكر فيها الغلمان:
وكل نكس بالكشخ معترف ... أصبح نحوي مؤاجرا دربا [٥]
стр. 319
صار له حاضبا فواحزنا ... لو عزّ هذا التّمير ما حضبا [١]
ومثله ما خبّرني به أبو عبّاد النّميري، واسم أبي عبّاد مروان [٢] ، قال: كنت وأنا غلام أشتهي الصّعتريّة والمواثبة، والتّكاتف والتّشالّ [٣] ، وتعقيف الأصابع إذا تكلّمت، فصرت والله كأنّي أفرغت في ذلك القالب إفراغا، فلمّا عقلت احتجت إلى أن أستوي فما أجابتني الطبيعة، ولا أجابتني تلك الجوارح إلّا بشدّة الاستكراه، وبقيت والله خنصر أصابعي ما تنبسط إلّا بأن أمدّها، ومتى تركتها عادت معقّفة.
وأبو عبّاد هو الذي يقول لمّا وجّهه بعض العمّال في السّعاية، وحفظ البيدر وما فيه [٤] ، فقال:
كنت بازا أضرب الكر ... كيّ والطّير العظاما [٥]
стр. 320
فتقنّصت بي الصّع ... وفأوهنت القدامي [١]
وإذا ما أرسل البا ... زي على الصّعو تعامى
وكان يتمثّل في ذلك بقول الفرزدق حين بعثوه يرعى الغنم فضيّعها وعاث فيها الذّئب، فقال عند ذلك في أبيات له، وهو أوّل شعر قاله [٢] :
وما كنت مضياعا ولكنّ همّتي ... سوى الرّعي مفطوما وإذ أنا يافع [٣]
أبيت أسوم النّفس كلّ عظيمة ... إذا وطؤت بالمكثرين المضاجع [٤]
وقد كان أبو عبّاد أراد قول أبي النّجم في صفة الراعي:
يميس بين الغانيات الجهّل [٥] ... كالصّقر يجفو عن طراد الدّخّل [٦]