وهصري أعناقا تلين فتنثني ... كما لان خيطان الأراك الضعائف [١]
وقال ذو الرمّه:
القرط في واضح الذّفرى معلّقه ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب [٢]
وقال ابن بي ربيعة المخزومي:
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم [٣]
وقال عبيد بن الأبرص:
ناطوا الرّعاث بمهوى لو يزلّ به ... لا ندقّ دون تلاقي اللّبّة القرط [٤]
стр. 492
وقال مطيع بن إياس:
قد دلّهتني طويلة العنق ... وحبّ طول الأعناق من خلقي [١]
وقال الآخر:
لعوب ترى خرصانها بمهالك ... إذا هي هزّت جيدها لفخار [٢]
ثم ذكر أنفها فقال:
إذا الرّيح هبّت ترثم الرّيح أنفها ... إذا لم تصنها كفّها بخمار [٣]
وقال آخر ووصف عنق رجل فقال:
стр. 493
يا ريّها يوم تلاقى أسلما [١] ... يوم تلاقى الشّيظم المقوّما [٢]
عبل المشاش وتراه أهضما [٣] ... كأنّ بين منكبيه سلّما
стр. 494
الأعناق الطّوال
عنق الفرس، وعنق البعير، وعنق الظّبي.
والوقص: الفيل، والخنزير، والثور.
أمّا الفرس ففي عنقه يقول الشاعر [١] :
مدفقة المتنين ينمي لها ... هاد كجذع النّخل يعبوب [٢]
وقال آخر:
ملبونة شدّ المليك أسرها [٣] ... أسفلها وبطنها وظهرها
يكاد هاديها يكون شطرها
وهذا كثير. وأما قولهم في عنق البعير كقول الشاعر [٤] :
стр. 495
لا مال إلّا كلّ صهباء فضل [١] ... تناول الحوض إذا الحوض شغل [٢]
ومنكباها خلف أوراك الإبل ... بشعشعانيّ صهابيّ هدل [٣]
وقال آخر:
أغرّك أن جاءت ظماء وباشرت ... بأعناقها برد النّطاف الصّباصب [٤]
تناولن ما في الحوض ثمّ امترينه ... بخرج وأعناق طوال المذانب [٥]
стр. 496
وقال آخر:
لهنّ أعناق وهام لدّ [١] ... كأنّ اثباج وبار تعدو [٢]
ومن حشاها والسّخال مدّ [٣] ... ما تسقها فهو عليك ردّ
محض إذا شئت وسير وخد ... وثمن فيه وفاء نقد
فهي جمال وغنى ورفد ... يقودها منها جلال نهد
كأنما رجس اللهاة الرّعد [٤]
стр. 497
باب الصّلع والقرع
أنشدنا الأصمعي [١] :
ألا قالت الحسناء يوم لقيتها ... كبرت ولم تجزع من الشّيب مجزعا [٢]
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبة ... تقنّع منها رأسه ما تقنّعا
فقلت لها: لا تهزئنّ فقلّما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا [٣]
وللقارح اليعبوب خير علالة ... من الجذع المجرى وأبعد منزعا [٤]
стр. 498
وقال المساور بن هند بن قيس بن زهير [١] :
وأرى الغواني بعدما واجهنني ... أعرضن ثمّت قلن شيخ أعور [٢]
ورأين رأسي صار وجها كلّه ... إلّا قفاي ولحية ما تضفر [٣]
وقال آخر:
[لقد] بنى المجد آباء لنا سلفوا ... صلع الرءوس وسيما السّادة الصّلع [٤]
وقال الآخر:
إذا ما لقينا أصلع الرأس أشيبا ... طويل القرا ضخم العثانين أكلفا [٥]
стр. 499
فذاك الذي لا يخلف البرق ودقه ... ويصبح بسّاما وإن كان مدنقا
عطوف على بذل اللهى وهو واجد ... وإن كان مختلا أبى وتكلّفا [١]
تفرّع من طودي غنيّ بن يعصر ... بواذخ صدّاف عن الضّيم أشرفا
لهاميم صلع في قديم أرومة ... وحادث مجد كان بالأمس مطرفا [٢]
سواء عليه حين يجتاب وحده ... طخا اللّيل أو ضوءا من الصّبح أسدفا [٣]
وأنشد:
إن زيادا وزياد فرع ... أصلع ينميه رجال صلع [٤]
وأنشد ابن الأعرابي:
وهلك الفتى ألّا يراح إلى النّدى ... وألّا يرى شيئا عجيبا فيعجيا [٥]
стр. 500
ومن يتتبّع منّي الظّلع يلقنى ... إذا ما رآني أصلع الرأس أشيبا [١]
وأنشد أبو عبيدة:
وصلع الرّءوس عظام البطون ... جفاة المحزّ غلاظ القصر [٢]
شداد المقابض يوم الجلاد ... رحاب الشّداق طياب الخبر [٣]
قال: وذكر السيّد [٤] صلع عليّ بن أبي طالب، في ذكر حوض النبي ﷺ وسقيه النّاس منه فقال:
حوض له ما بين بصري إلى ... أيلة يوم الجمع أو أوسع [٥]
يصبّ فيه مثعبا فضّة ... فالحوض من مائهما مترع [٦]
فيه أباريق وقدحانه ... يذبّ عنه الرجل الأصلع [٧]
стр. 501
يذبّ عنه ابن أبي طالب ... ذبّك جربى إبل تشرع [١]
وقال معاوية بن أبي سفيان: ثلاث خصال من السّودد: الصّلع، واندحاق البطن [٢] ، وترك الإفراط في الغيرة.
قال أبو الحسن: وحدّثني رجل سمع شيخا من الشّيعة يقول في دعائه: «اللهم إنّي أستصلعك، وأستبطنك، وأستحمشك» [٣] .
[أبو النجم]
وكان أبو النجم أصلع، وفي ذلك يقول:
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي ... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع [٤]
أن أبصرت رأسي كرأس الأقرع
стр. 502
ومن الصّلعان والجلحان [١] :
أسيلم [٢] بن الأحنف
وفيه يقول الشاعر [٣] :
أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين تدحّى أو لأذن تسمّع [٤]
من النّفر الشّمّ الذين إذا انتجوا ... وهاب الرّجال حلقة الباب قعققوا [٥]
جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدّهان رأسه فهو أنزع [٦]
стр. 503
إذا النّفر السّود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا [١]
قال: الغالية تورث الشّيب [٢] ، وغسل الرّأس بالسّدر [٣] يحتّ الشّعر. وقال ابن أبي كريمة [٤] :
هب المشيب يداوى فرط منظره ... فمن له بدواء يذهب الصّلعا
وقال ابن أبي بردة بن أبي موسى [٥] : «كفروا كفرة صلعاء» .
وقال أمية بن الأسكر [٦] :
ومرقبة نميت إلى ذراها ... تزلّ الطّير كالرأس الحليق [٧]
وقال عمرو بن معد يكرب:
стр. 504
وزحف كتيبة دلفت لأخرى ... كأنّ زهاءها رأس صليع [١]
أبو الحسن قال: حدّثني رجل عن الحسين بن عمارة [٢] ، عن نعيم بن أبي هند [٣] قال: دخل إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله [٤] على عمر بن عبد العزيز، وكان إبراهيم ذا جمّة حسنة [٥] .
[عمر بن الخطاب]
وكان عمر ذاهب الشّعر [٦] ، وصلع قبل الثلاثين، فقال له عمر: أما إنّ قريشا تزعم أنّ كرامها صلعانها. فقال إبراهيم: أمّا لئن قلت ذاك لقد قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله ليزين المرء المسلم بالشّعر الحسن» .
وقالت عائشة: «والذي زيّن الرجال باللّحى» .
стр. 505
وليس شيء أشد على الرجال ولا أشنع عندهم في عقوبة السلطان من حلق الرّءوس واللّحى.
стр. 506
باب القزعان والقرعان
فمن القرعان: الأقرع بن حابس [١] ، كان أقرع الرأس سنوطا لا لحية له.
وكان عبد الله بن جدعان [٢] أقزع [٣] غير أقرع.
وكذلك عمير بن الحباب [٤] ، كان سنوطا أقطّ [٥] .
وكذلك قيس بن سعد [٦] ، كان سنوطا، وقدّم عليه سويد بن
стр. 507
منجوف [١] وإياه يعني عبيد الله بن الحرّ [٢] في معاتبته مصعب بن الزّبير حين يقول [٣] :
بأي بلاء أو بأيّة علّة ... يقدّم قبلي مسلم والمهلّب [٤]
ويدعى ابن منجوف أمامي كأنّه ... خصىّ أتى للماء من غير مشرب [٥]
وعمير بن الحباب هو الذي يقول:
من يشتري قلبا كميّا بلحية ... فإنّ اللّحى جاءت بغير قلوب
стр. 508
وكان قطبة بن حصرا [١] أقرع أزعر سنوطا، وكان سيّدا فارسا. وهو الذي يقول:
لا يمنع المرء أن يسود وأن ... يحمل في القوم قلّة الشّعر [٢]
من يك ذا لمّة يقيّنها ... فهل تراني يضرّني زعري [٣]
وقال حصين بن القعقاع للأقرع بن حابس:
يا أقرع الرّأس مع القذال ... وأعوج الرّجل من الشّمال [٤]
وقال الفرزدق:
ألم تر أنّا بني دارم ... زرارة منّا أبو معبد [٥]
стр. 509
وناجية الخير والأقرعا ... ن وقبر بكاظمة المورد [١]
وقال الرّشيد بن رميض [٢] :
جاءت هدايا من الرّحمن مرسلة ... حتى أناخت إلى أبيات بسطام [٣]
جيش الهذيل وجيش الأقرعين معا ... وكبّة الخيل والأزواد في عام [٤]
وكان حمران بن أبان النميري أقرع الرأس أجرد، وسنوط اللّحية ليس في وجهه شعر. وكذلك أبو زكريا يحيى بن أبي طلحة الأنصاري، إمام مسجد الجامع بالبصرة.
ويقال إن بني الهجيم أثطاط [٥] . قال الشاعر [٦] :
стр. 510
وبنو الهجيم سخيفة أحلامهم ... ثطّ اللّحى متشابهو الألوان [١]
وكان عبد الله بن الزّبير نحيفا خفيف اللّحية جدّا، وكان يقول:
عالجتها ستّين سنة، فلمّا بلغتها يئست منها.
وكان الأقرع، أبو السائب بن الأقرع [٢] ، من دهاة الرجال [٣] .
وكذلك السائب.
قال: وكان اسم حاجب بن زرارة «زيد» ، وكان عظيم الحاجبين، ولذلك يسمّى حاجبا. أمّا قول الفرزدق:
زرارة منّا أبو معبّد [٤]
فإنّما ذلك كقوله:
وأبو قبيصة والرّئيس الأول [٥]
فجعل ضرار بن عمرو [٦] أبا قبيصة. وكان زرارة يكنى أبا
стр. 511
خزيمة. وإنما ذلك كقول الشاعر [١] في معاوية بن أبي سفيان:
فهبها أمّة هلكت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد [٢]
استجاز ذلك لأنّه قد كان له ابن يسمى يزيد. ولو زعم أنّ ذلك كنيته كان قد كذب [٣] .
وضرار بن عمرو الضبّي كان يكني أبا عمرو، ولم يكن يكنى أبا قبيصة. وإيّاه يعني الشاعر:
إبلغ ضرارا أبا عمرو مغلغلة ... أن كان قولك ظهر الغيب يأتينا [٤]
إنّ ضحيكا قتيل من سراتكم ... وإنّ عمران منكم فاعدلوا الدّينا [٥]
وإنّ عبيدا فلا يؤذي عشيرته ... نهيك خير له من نهي ناهينا
стр. 512
باب القول في الأيمن والأعسر والأضبط وفي كلّ أعسر يسر [١]
قال الأعسر: من العسر: يزيد بن حذيفة الأعيسر [٢] ، وهو الذي كان أسر الهذيل التغلبي [٣] في الجاهليّة من ولده سعر بن يزيد [٤] ، وكان رأس بني تميم. وابنه مجّاعة بن سعر [٥] ، وكان من وجوه بني تميم.
وقد ولي الولايات، وقاد الجيوش.
ومن العسر: حابس بن خبيس الأعسر الأزرقيّ، وهو القائل:
стр. 513
واعسر في الحرب ذي تدرء ... إذا الحرب ألقت لها كلكلا [١]
تهكّم فيها على قرنه ... ولم يرعنها له معدلا [٢]
فلست أبالي إذا ما قتل ... ت كبش الكتيبة أن أقتلا [٣]
ومن العسر: زهير بن عمرو بن معاوية الضّبابي [٤] ، كان أوّل من خرج على أبي الجون [٥] ولقيط وحاجب ابني زرارة، وعلى ذلك الجيش أجمع يوم شعب جبلة، وهو قابض بيمينه على ذنب فحل أعور، وقابض بيساره على السّيف صلتا وهو يقول:
أنا الغلام الأعسر ... والخير فيّ والشّرّ
والشّرّ فيّ أكثر [٦]
فقال: حاربنى أعسر، وذوناب أعور، ارجعوا يا بني أسد! فكان
стр. 514
ذلك أوّل هزيمتهم.
قال: ومن العسر: زهير بن مسعود بن سلمى [١] الشاعر الضّبّي، وكذلك كان يدعى.
ومن العسر: كردوية الأقطع [٢] رئيس بطارقة سندان وتكاكرة [٣] الفتيان، فكان يضرب بيده اليسرى على عادته الأولى، ولم يضرب احدا إلّا حطمه، وكان إذا ضرب قتل، فإن لم يصب بعموده الضّربة سقط، لأنّ جناحه الآخر كان مقطوعا.
وكان محمد بن يزيد [٤] مولى المهالبة، أشدّ الناس في فتنة سندان [٥] ، له في كلّ يوم يكون فيه حرب أسير يأخذه من صفّ عدوّه عنوة أخذيد،
стр. 515
فيضجعه ويذبحه والناس ينظرون إليه، فشدّ عليه كردوية ذات يوم، وثبت له محمد بن يزيد، فاختلفا ضربتين، فضربه كردوية ضربة خرّمنها ميّتا لم يفحص برجل، ولم يتحرك له عرق.
وكان كردويه مع فتكه وإقدامه يتشيّع، فكان لا يبدأ بقتال حتى يبتدأ.
قال: وممّا جاء في الشعر من المثل بضرب الأعسر ورميه من قول الشاعر [١] :
كأنّ الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها خذف أعسرا [٢]
وقال شمّاخ بن ضرار:
لها منسم مثل المحارة خفّه ... كأنّ الحصى من خلفه خذف أعسرا [٣]
وقال مزرّد بن ضرار في ضيف له شرب عسّا من لبن، فوصف خفّته على يديه وسرعة إهوائه به إلى فيه:
стр. 516
فواجهه جذلان حتّى أمرّه ... بيسرى يديه كالشّمال المخاطر [١]
وأنشد في صفة الفرس:
فبات يغنّي في الخليج كأنّه ... كميت مدمّى أصبح اللّون أقرح [٢]
والخليج: المقود المفتول شزرا، وهو ما يفتل على العسراء. ومن الفتل: القبيل والدّبير [٣] .
وكذلك قوله [٤] :
стр. 517
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... لفتك لأمين على نابل [١]
طعن على الاستقامة، وعلى العسراء.
ووصف الآخر صقرا له ينقضّ ويضرب بمخلبه فقال:
حتّى انتحى كالنبطيّ الأعسر [٢] ... قال وليس الولد إلّا من البيضة اليسرى [٣]
قالوا: ولذلك قال الجارود بن أبي سبرة الهذليّ [٤] في شماتته ببلال بن أبي بردة حين عذّب [٥] :
стр. 518
يقرّ بعيني أنّ ساقيه دقّتا ... وأنّ قوى الأوتار في البيضة اليسرى [١]
قالوا: فأمّا النّفس من المنخرين جميعا فإنّه مقسّم بالسّاعات عليها بأعدل قسمة [٢] ، فإن الإنسان ليس يتنفّس في كل حالاته من المنخرين جميعا، إلّا أن يستكره ذلك. فأمّا إذا ترك الطّبيعة وسومها وسجيّتها [٣] فإنّها تدفع النّفس وبخار الجوف، وتجلب روح النّسيم ساعة من الأيمن وساعة من الأيسر. وقال جهيل اليشكري يصف تعاقب عيني الذئب إذا قسم الحراسة بينهما إذا نام:
وأعور من يمناه ما شاء مرّة ... وإن شاء من يسراه ما كان راقدا
لقد فزت دون العور أوس برتبة ... فأعطيت نابا يفلق الصّخر حاردا [٤]
وقال حميد بن ثور في صفة نوم الذئب:
стр. 519
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع [١]
فلم يرض بما قال حميد حتى قسم بينهما الحراسة على السّواء.
وحميد إنّما قال هذا على سبيل المثل لا على التحقيق.
قالوا: والسّباع هي الظاهرة عليها والآكلة لها. وكانت البهائم هي المغلوبة والمأكولة. وفي القياس أن الصائد أرفع من الصّيد.
والسّباع عسر. والدّليل على ذلك أن سيّد السباع ورئيسها، وهو الأسد، كذلك، [و] كلّ شيء [٢] صوّر على صورته، وحمل على تركيبه. ولو تفقدتم ذلك من سنانير البيوت، والدّور لوجدتموها عسرا.
ويدلّ على ذلك قول أبي زبيد الطائي، وكان بأخلاق السّباع، وعادتها عارفا، وقال في صفة الأسد:
فيضرب بالشّمال على حشاه ... وقد نادى فأخلفه الأنيس [٣]
قالوا: وليس الأيمن بيمينه بأشدّ رمية ولا أشدّ ذهابا من الأعسر بيساره.
ورأينا الأيمن يتعلّم الرمي بالعسراء فتكون رميته أشدّ وأسدّ، ولم نر
стр. 520
أعسر قطّ يتعلّم بيمينه الرّمي.
ولو أن إنسانا علّق أوتار العود على العسراء لم يكن في الأرض أيمن يضرب به، ولا يتعاطى ذلك منه ولم يطمع فيه [من] [١] غير أن يغيّر تلك الأوتار.
وقد كان علّويه [٢] يتناول العود وأوتاره على اليمين، فيضرب وهو أعسر، من غير أن يغيّره، ضربا يعجز عنه كلّ أيمن في الأرض.
قالوا: ومتى لقي في الحرب رجل أعسر رجلا أيمن مع كل واحد منهما سيف أو عصا كان الأيمن أشدّ هيبة للأعسر من الأعسر للأيمن.
قالوا: وكلّ طفل في الأرض فهو أعسر، لا يختلفون في هذا، حتّى إذا شبّوا افترقوا فصار منهم الأعسر، والأيمن، والأضبط، ومنهم من يصير أعسر يسرا. إلا في إمساك الثّدي [٣] فإن الطّفل أكثر ما يمسكه باليمين.
قالوا: كلّ بهيمة في الأرض، وكلّ سبع من ذوات الأربع فإنه إذا ربض لا يربض إلّا على شقّه الأيسر، يتجافى عن الشّق الذي فيه الكبد، لقلة احتمال الكبد للحمل عليها، بلا تعليم ولا تلقين، ولكن بإلهام خالقها،
стр. 521
وبتعريفه لها مصالحها، فسبحانه [١] .
ومن ذلك قول إسحاق بن دينارويه المتطّبب لابن عبد الملك:
حاجتي أن ترفع المتّكأ عن يمينك، وتخرج العدس من مطبخك [٢] .
قالوا: لو هرب هارب من حرب أو سبع أو ما أشبه ذلك، وقد ترك نفسه على سومها ولم يستكرهها على غير سجيّتها، فإنّ ذلك الهارب لا يوجد إلّا في الشّق الأيسر [٣] ، إلّا أن يخرج لسانه، فإنه إن أخرجه من حاقّ وهل الجنان [٤] ، أو من حاقّ الجدّ والاجتهاد، فإنّه يعدل به إلى يمينه عن شماله [٥] .
وكذلك الثّور إذا هرب من الكلاب. ولذلك قال عبدة بن الطّبيب [٦] :
стр. 522
[مستقبل الرّيح يهفو] وهو مبترك ... لسانه عن شمال الشّدق معدول [١]
وأنشد الأصمعيّ لبعض الشعراء، وهو يمدح قوما بخلاف أخلاق الهرب:
إذا فزعوا لم يأخذوا عن شمالهم ... ولم يمسكوا فوق القلوب الخوافق
ومن النساء نساء يعملن كل شيء بأيمانهنّ غير النّقاب وغير ضرب الدّفّ.
قالوا: ومن العرب قبائل تدير الكأس عن اليسار، منهم باهلة بن أعصر. وقد قال الشاعر:
وباهل لا تسقي على اليمن كأسها ... سقاها من المهل المذاب مليكها [٢]
وقد قال الشاعر في النساء اللّواتي يلبسن الثياب باليسار واليمين:
يلثن الخزّ ميمنة ويسرى ... بغيلات أناملها طفول [٣]
стр. 523
وشدّت الذّئاب على غنم ناس عسر يرمون عن أشملهم، فقال في ذلك قائلهم:
الحمد لله الذي أرضان ... بمقتل السّرحان بعد السّرحان [١]
ما صبّها على شياه العسران [٢] ... يرمون بالأشمل قبل الأيمان
وعن عمرو بن جميع [٣] عن ليث بن أبي سليم [٤] قال: قال علي بن أبي طالب: اللّحم من اللّحم، فمن لم يأكل اللّحم أربعين يوما ساء خلقه، ومن ساء خلقه فأذّنوا في أذنه اليمنى» [٥] . قالوا: ولم يقل في اليسرى.
стр. 524
قالوا: وأنتم لا ترضون إلّا بالتفضيل، ولا من التفصيل إلّا بالإفراط، والروايات المأثورة، والأخبار الصحيحة، والأحكام المستعملة، تردّ عليكم مذتبيّن نكر [١] مقالتكم.
روى يزيد بن هارون [٢] عن حميد [٣] عن أنس قال: «بصر النبيّ ﷺ بنخامة في المسجد فحكّها ثم قال: إنّ أحدكم إذا كان يصلّي استقبلته الرّحمة [٤] ، وكان ربّه بينه وبين القبلة، فلا يبزقنّ أمامه ولا عن يمينه ولا عن يساره، يفعل هكذا» [٥] ثم بصق في ثوبه وردّ بعضه على بعض.
قالوا: فلم نر النبيّ ﵇ قدّم يدا على يد، ورأيناه قد ساوى بينهما.
стр. 525
وأبو معاوية [١] عن الأعمس، عن إبراهيم [٢] قال: قال عبد الله:
«لا يجعلنّ أحدكم الشيطان من صلاته جزءا: أن لا يرى [٣] أنّ حتما عليه ألّا ينصرف إلّا عن يمينه، فقد رأيت رسول الله ﵇ أكثر ما ينصرف عن يساره» .
وهذا الحديث أشدّ عليكم من الأوّلين.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنّه «كان يبدأ بالميامن» [٤] ، فدعا عليّ بالوضوء فبدأ بمياسره وقال: «لأكذّبنّ حديث أبي هريرة» !
стр. 526
قالوا: وجدنا ديات الأيدي والأصابع والأرجل والآذان سواء [١] .
فإن اعتللتم بأنّ الكبد بالشّق الأيمن، والطّحال بالشّقّ الأيسر، وزعمتم أنّ الكبّر أرفع منزلة من الطّحال، فالفؤاد [٢] الذي هو سيّد الأعضاء مركّب في الجوف ممّا يلي اليسار دون اليمين. وهذه أيضا فضيلة لليسار على اليمين.
قالوا: ووجدنا فقهاءنا وعوامّنا لا يتختّمون إلّا في اليسار، ومعاينة الخواتيم في الأصابع ليس للخاصّة فيه فضل على العامة، فنحن لا ندع هذا الأمر الظاهر للرّواية الشاذّة.
وروى المعلّى [٣] ، عن أبي بكر بن عيّاش [٤] ، عن أبي إسحاق [٥] ، عن صلة [٦] أو يحيى بن جارية، عن عمار بن ياسر قال:
стр. 527
«رأيت النبي ﵇ عن يمينه ويساره» [١] فقد سوّى بينهما.
стр. 528
باب ما جاء في فضل الأيمن على الأيسر
قال الأيمن: الناس كلّهم يقتسمون في هذا الباب على أربعة أقسام:
أيمن، وهو الذي يكون أكثر أعماله بيمينه؛ وأعسر، وهو الذي يكون أكثر أعماله بيساره؛ وأضبط، وهو الذي يعمل بهما جميعا؛ وأعسر يسر، وهو الذي يكون استعماله ليمينه كاستعماله ليساره سواء، وكان عمر بن الخطّاب أعسر يسرا [١] .
الأصمعيّ عن بعض رجاله قال: نظر أعرابيّ إلى عمر ثم قال للناس: «ما رجل رأيته أعسر يسرا، لا يأخذ أحدا إلّا كدس به [٢] ، إمّا أن يكون خير النّاس أو شرّ الناس» .
وقد روى الناس عن الأحنف أنّ عمر كان أعسر يسرا.
وقد جعل النّاس كثيرا [٣] الأضبط، مثل عامر بن الأضبط [٤] ، وهو
стр. 529
الذي قتله محلّم بن جثّامة [١] ، أضبط الناس، وجعلوا الأضبط بن قريع كذلك. فإن كان اسمه أضبط فقد بطل دليلهم، إلّا أن يكون له اسم غير الأضبط. وكذلك القول في البيت الذي أنشدوه في الناقة حيث يقول الشاعر [٢] :
عذافرة ضبطاء تخدي كأنّها ... فنيق [غدا يحمي السّوام السّوارحا] [٣]
فلعلّه ذهب إلى الضّباطة [٤] ، إلّا أن تكون الناقة قد كانت تقدّم يدها اليمنى مرّة واليسرى مرّة. وهذا لا يعرف.
وقد قالوا في الفرس الأعسر الذي يغرق البتّة من [بين] جميع الخيّل [٥] . وزعموا أنّه إذا مشى قدّم يده اليسرى. فأحسب أنّ الذي ذكروا من ذلك، كما ذكروا لأيّة علّة إذا كان أعسر غرق، ونحن نجد الأعسر من الناس سابحا ماهرا مثل الأيمن، لا ندري ما هذا. إلّا أنّا قد علمنا أنّ من الخيل ما لا يسبح، وهو الذي يسمّونه الأعسر، ليس عندنا إلّا هذا.
стр. 530
وجميع الحيوان إذا سقط في الماء سبح ونجا، إلّا الإنسان، والقرد، والفرس الأعسر. فأما الإنسان فإنّه بالتعليم يصير سابحا. وإما القرد والفرس الأعسر فليس إلى سباحتهما سبيل.
والحيّات تسبح إلا بعض الحيّات فإنّ لها سباحة سوء [١] .
فأمّا العقرب فإنك إذا القيتها في الماء لم ترسب [٢] ، ولم تطف، ولم تتحرّك [٣] ، ولكنها تبقى في وسط عمق الماء غير زائلة عن مكانها.
وهذا عجب.
وقد زعم أناس أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص كان أعسر أيسر؛ لأنه كان يقاتل في حرب صفّين [بسيفين] [٤] وهذا لا يكون.
وممن كان يتقلّد سيفين في الحرب ولا يضرب بهما معا، بيد ولا بيدين: عبّاس النخشيّ [٥] . وأنا رأيت رمحه وكان كلّه من حديد.
وكان الصّفرى الذي قتله ابن زغلول أيّام المبيّضة يتقلّد بسيفين.
وكان الفضل بن سهل يتقلّد بسيفين، يجعلهما كالوشاح.