ولد يوم الخميس خامس عشرين ذى الحجة، سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
وقرأ القرآن على ابن الشرمقانى.
وسمع الحديث من أبى طالب بن غيلان، والجوهرى، وأبى إسحاق البرمكى، وأبى بكر بن بشران، وأبى محمد الصريفينى، وأبى الحسين بن المهتدى، وأبى الغنائم ابن المأمون، وأبى جعفر بن المسلمة، وأبى بكر الخطيب، وغيرهم.
وسمع من القاضى أبى يعلى. وتفقه عليه حتى برع فى الفقه. وأفتى ووعظ بجامع القصر وجامع المنصور وجامع المهدى. وكان مظهرا للسنة فى مجالسه.
وشهد عند أبى عبد الله بن الدامغانى، وأبى بكر السامى، وغيرهما. وولى القضاء بباب الطّاق وحدث وانتشرت الرواية عنه. فروى عنه عبد الوهاب الأنماطى، وعبد الخالق بن أحمد بن يوسف، وأبو المعمر الأنصارى، والمبارك ابن خضير، والسلفى.
توفى يوم السبت رابع عشرين جمادى الآخرة، سنة سبع وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. وتبعه من الخلق ما لا يحصى كثرة، ولا يعدّهم إلا أسرع الحاسبين. كذا ذكره ابن شافع.
وفى تاريخ ابن السمعانى عن أبى الفضل بن عطّاف: أنه توفى ليلة السبت المذكورة.
قال أبو الحسين: صليت عليه إماما بجامع المنصور فى المقصورة. قال:
وحدّث عن الوالد بكثير من سماعاته ومصنّفاته.
٥٤ - إسماعيل بن محمد
بن الحسن بن داود الأصبهانى، الخياط أبو على.
سمع الكثير، وكتب بخطه. وكان خطه دقيقا مطبوعا.
دخل بغداد سنة سبع وخمسمائة. وحدّث بها عن والده، وعن أبى بكر محمد ابن أحمد بن الحسن بن ماجة، وأبى مطيع المضرى، وغيرهم.
стр. 107
سمع منه أبو منصور محمد بن ناصر البردى. وقال: كان من الأئمة الكبار، وهو أخو أبى سعد محمد بن داود.
قال ابن النجار: قرأت بخط أخيه أبى سعد: توفى أخى أبو علي إسماعيل فى العشر الأواخر من جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
٥٥ - إسماعيل بن المبارك
بن محمد بن أحمد بن وصيف البغدادى، الفقيه أبو حازم.
ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
وقرأ الفقه على القاضى أبى يعلى، وسمع منه، ومن ابن العشارى، والجوهرى.
روى عنه أبو المعمر الأنصارى، وبالإجازة ابن كليب.
وتوفى فى رجب سنة ثمان وخمسمائة.
٥٦ - أحمد بن الحسن
بن أحمد المخلّطىّ، البغدادى الفقيه، أبو العباس الدباس.
صحب القاضى أبا يعلى. وتفقه عليه، ولازمه، وسمع منه الحديث. وكتب الخلاف وغيره من تصانيفه.
وسمع أيضا من أبى الحسن بن المهتدى، وأبى جعفر بن المسلمة، وأبى الحسين ابن الأبنوسى، وأبى علي بن وشاح، وأبى علي المباركى غيرهم. وحدّث عنهم.
قال ابن ناصر الحافظ: وسمعت منه. قال: وكان رجلا صالحا من أهل القرآن، والسّتر والصيانة، ثقة مأمونا.
توفى ليلة الأربعاء ثانى عشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. ﵀.
و «المخلّطى» بفتح اللاّم المشددة - نسبة إلى المخلّط، وهو النّقل، ولعله كان يبيعه.
نقلت من بعض تعاليق الإمام أبى العباس بن تيمية، قال: نقلت من خط
стр. 108
أحمد بن الحسن بن أحمد المخلّطى على ظهر الجزء الثانى والأربعين من تعليق القاضى، ثم رأيته أنا بخط المخلطى، قال: رأيت بخط شيخنا - يعنى القاضى أبا يعلى - قال: إذا وقف داره على مسجد وعلى إمام يصلى فيه: كان للإمام نصف الارتفاع، كما لو وقفها على زيد وعمرو، إنه بينهما. فإن وقفه على مساجد القرية وعلى إمام يصلى فى واحد منها: قسم الارتفاع على عدد المساجد، وعلى الإمام. فإن وقفها على المسجد خاصة: لم يجز أن يدفع إلى إمام يصلى فيه.
ولا يصرف فى بوارى المسجد؛ لأن ذلك من مصلحة المصلين، لا من مصلحة المسجد.
٥٧ - محمد بن سعد
بن سعيد العسّال، المقرئ، أبو البركات بن الحنبلى، يلقب التاريخ.
ولد فى ربيع الآخر سنة سبعين وأربعمائة.
وقرأ بالروايات على رزق الله التميمى، ويحيى بن البستى، وغيرهما.
سمع من أبى نصر الزينبى، وأبى الغنائم بن أبى عثمان، والقاضى ابن البطر والنعالى وغيرهم. وعلق الفقه عن ابن عقيل.
وكان من القراء المجوّدين، الموصوفين بحسن الأداء، وطيب النغمة. يقصد فى رمضان، لسماع قراءته فى صلاة التراويح، من الأماكن البعيدة. وكان دينا صالحا، صدوقا، حدّث.
سمع منه ابن ناصر، والسلفى. قال: وكان من أحسن الناس تلاوة للقرآن، وكتب الحديث الكثير معنا وقبلنا. وهو حنبلى المذهب. علق الفقه عن ابن عقيل.
توفى يوم الثلاثاء سابع رمضان سنة تسع وخمسمائة. وصلّى عليه بجامع القصر.
وكان الجمع متوفرا. ودفن بباب حرب رحمه الله تعالى.
стр. 109
٥٨ - هبة الله بن المبارك
بن موسى بن علي بن يوسف السّقطى، أبو البركات المحدّث، الرّحّال.
ذكر أنه ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة.
وسمع الحديث ببلده بغداد، من جماعة، منهم: القاضى أبو يعلى. وتفقه عليه. ورحل إلى واسط، والبصرة، والكوفة، والموصل، وأصبهان، والجبال، وغيرها. وبالغ فى الطلب. وتعب فى جمع الحديث وكتابته.
وكان له فضل ومعرفة بالحديث واللغة. وجمع الشيوخ وخرج التخاريج.
جمع لنفسه معجما لشيوخه فى نحو ثمانية أجزاء ضخمة. وجمع تاريخا لبغداد ذيل به على تاريخ الخطيب. وكان مجدّا فى الطلب والسماع، والبحث عن الشيوخ، وإظهار مسموعاتهم، والقراءة عليهم.
كتب عن أصحاب الدارقطنى، وابن شاهين، والمخلص، وابن حبابة والحربى، وطبقتهم ومن دونهم، حتى كتب عن أقرانه، ومن دونه. وزاد به الشّره فى هذا لأمر، حتى ادّعى السماع من شيوخ لم يسمع منهم. ولا يحتمل سنّة السماع منهم، كأبى محمد الجوهرى وغيره.
وسئل شجاع الذهلى عن روايته عن الجوهرى؟ فقال: ما سمعنا بهذا قط وضعّفه فيه جدا.
قال ابن السمعانى: سألت ابن ناصر عن السقطى، فقلت له: أكان ثقة؟ فقال: لا والله. حدّث بواسط عن شيوخ لم يرهم، وظهر كذبه عندهم.
قال: وسمعت ابن ناصر غير مرّة يقول: السقطىّ لا شئ، وهو مثل نسبه من سقط المتاع. وقد أثنى عليه السلفى، وعدّه من أكابر الحفاظ الّذين أدركهم. وكان له نظم حسن، ومعرفة بالادب.
قال أبو القاسم بن السمرقندى: كنّا فى مجلس أبى محمد رزق الله التميمى، فأنشدنا:
стр. 110
فما تنفع الآداب والعلم والحجى … وصاحبها عند الكمال يموت
كما مات لقمان الحكيم وغيره … وكلّهم تحت التراب صموت
وكان هبة الله السقطى فى المجلس حاضرا، فأجابه ببيتين، وأنشدناهما من لفظه لنفسه.
بلى أثر يبقى له بعد موته … وذخر له فى الحشر ليس يفوت
وما يستوى المنطيق ذو العلم والحجى … وأخرس بين الناطقين صموت
توفى يوم الاثنين ثالث عشرين ربيع الأول سنة تسع وخمسمائة وصلّى عليه من الغد بالجامع أبو الخطاب الكلوذانى الفقيه إماما، ثم حمل إلى باب حرب فدفن قريبا من قبر منصور بن عمّار.
وقيل: توفى يوم الثلاثاء المذكور. وقيل: فى جمادى الآخرة.
والصحيح الأول.
قال ابن الجوزى: حكى هبة الله السقطى، قال: قال محمد بن الخليل البوشنجى: حدثنى محمد بن على الهروى - وكان تلميذ أبى المعالى الجوينى - قال:
دخلت عليه فى مرضه الذى مات فيه، وأسنانه تتناثر من فيه، ويسقط منها الدود، لا يستطاع شم فيه. فقال: هذا عقوبة تعرّضى بالكلام، فاحذروا.
٥٩ - محمد بن الحسن
بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادى، الواعظ، أبو نصر بن الإمام أبى على، المتقدم ذكره.
ولد حادى عشرين صفر، سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
وسمع من الجوهرى، وأبى بكر بن بشران، والعشارى، وأبى على المباركى ووالده أبى على بن البناء وطبقتهم. وتفقه على أبيه، وحدّث.
روى عنه أبو المعمر الأنصارى، وأبو سعد بن البغدادى، وابن ناصر، وأثنى عليه ووثقه. وكان من أهل الدين والصدق، والعلم والمعرفة. وخلف أباه فى حلقته بجامع القصر وجامع المنصور.
стр. 111
توفى ليلة الأربعاء خامس عشر ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة - وفى تاريخ ابن النجار: سادس ربيع الأول - وصلّى عليه من الغد أبو الحسن الفاعوسى الزاهد، بجامع القصر. ودفن بباب حرب.
وقيل: توفى فى صفر. والأول أصح.
٦٠ - محفوظ بن أحمد
بن الحسن بن أحمد الكلوذانى، أبو الخطاب البغدادى، الفقيه. أحد أئمة المذهب وأعيانه.
ولد فى ثانى شوال سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة.
وسمع الحديث من الجوهرى والعشارى، وأبى على الجازرى، والمباركى، وأبى الفضل بن الكوفى، والقاضى أبى يعلى، وأبى جعفر بن المسلمة، وأبى الحسين بن المهتدى، وغيرهم.
وكتب بخطه كثيرا من مسموعاته. ودرس الفقه على القاضى أبى يعلى، ولزمه حتى برع فى المذهب والخلاف. وقرأ عليه بعض مصنفاته. وقرأ الفرائض على أبى عبد الله الونى، وبرع فيها أيضا. وصار إمام وقته، وفريد عصره فى الفقه.
ودرّس وأفتى، وقصده الطلبة.
وصنف كتبا حسانا فى المذهب والأصول والخلاف. وانتفع بها بحسن قصده
فمن تصانيفه: «الهداية» فى الفقه، «والخلاف الكبير» المسمى «بالانتصار فى المسائل الكبار»، و «الخلاف الصغير» المسمى «برءوس المسائل»
ونقل عن صاحب المحرر أبى البركات بن تيمية: أنه كان يشير إلى أن ما ذكره أبو الخطّاب فى رءوس المسائل هو ظاهر المذهب.
وله أيضا كتاب «التهذيب» فى الفرائض، و «التمهيد» فى أصول الفقه، وكتاب «العبادات الخمس»، و «مناسك الحج».
стр. 112
وكانت له يد حسنة فى الأدب. ويقول الشعر اللطيف. وله قصيدة دالية فى السنة معروفة، ومقطعات عديدة من الشعر.
وكان حسن الأخلاق، ظريفا، مليح النادرة، سريع الجواب، حادّ الخاطر. وكان مع ذلك كامل الدين، غزير العقل، جميل السيرة، مرضى الفعال محمود الطريقة. شهد عند قاضى القضاة أبى عبد الله بن الدامغانى. وحدّث بالكثير من مسموعاته على صدق واستقامة.
روى عنه ابن ناصر وأبو النعم الأنصارى، وأبو طالب بن خضير، وسعد الله ابن الدجاجى، ووفاء بن الأسعد التركى، وأبو الفتح بن شاتيل، وغيرهم.
وروى عند ابن كليب بالإجازة. وقرأ عليه الفقه جماعة من أئمة المذهب منهم عبد الوهاب ابن حمزة، وأبو بكر الدينورى، والشيخ عبد القادر الجيلى الزاهد، وغيرهم.
قال أبو بكر بن النقور: كان الكيا الهراسى إذا رأى الشيخ أبا الخطاب مقبلا قال: قد جاء الفقه.
وقال السلفى: أبو الخطاب من أئمة أصحاب أحمد، يفتي على مذهبه ويناظر.
وكان عدلا رضيا ثقة. عنده كتاب «الجليس والأنيس» للقاضى أبى الفرج الجريرى عن الجازرى عنه. وكان ينفرد به ولم يتفق لى سماعه. وندمت بعد خروجى من بغداد على فواته. وكذلك أثنى ابن ناصر على أبى الخطاب ثناء كثيرا.
وذكر ابن السمعانى: أن أبا الخطاب جاءته فتوى فى بيتين من شعر، وهما:
قل للامام أبى الخطّاب مسألة … جاءت إليك، وما يرجى سواك لها
ماذا على رجل رام الصلاة فمذ … لاحت لناظره ذات الجمال لها؟
стр. 113
فكتب عليها أبو الخطاب:
قل للأديب الذى وافى بمسألة … سرّت فؤادى لمّا أن أصخت لها
إنّ الذى فتنته عن عبادته … خريدة ذات حسن فانثنى ولها
إن تاب ثمّ قضى عنه عبادته … فرحمة الله تغشى من عصى ولها
توفى ﵀ فى آخر يوم الأربعاء ثالث عشرين جمادى الآخرة سنة عشر وخمسمائة، وترك يوم الخميس، وصلّى عليه يوم الجمعة فى جامع القصر. ودفن إلى جانب قبر الإمام أحمد رضى الله عنه. كذلك حرّر وفاته القاضى أبو بكر بن عبد الباقى. وكذا ذكره ابن شافع.
وذكر ابن الجوزى: أنه توفى سحر يوم الخميس. ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة.
وذكر ابن شافع: أن أبا الحسن بن الفاعوس الزاهد صلّى عليه إماما. وحضر الجمع العظيم والجند الكثير. ودفن بين يدى صف الإمام أحمد، بجنب أبى محمد التميمى. رحمه الله تعالى.
قرأت بخطّ أبى العباس بن تيمية فى تعاليقه القديمة: رئى الإمام أبو الخطاب فى المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فأنشد:
أتيت ربى بمثل هذا … فقال: ذا المذهب الرشيد
محفوظ نم فى الجنان، حتى … ينقلك السائق الشهيد
قرأت على أبى الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم المصرى بها: أخبركم أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرّانى، أخبرنا عبد المنعم بن عبد الوهاب بن على الحرانى، أخبرنا أبو الخطاب محفوظ بن أحمد فى كتابه، أخبرنا أبو على محمد بن الحسين الجازرى، أخبرنا أبو الفرج المعافى بن زكريا النهروانى، أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمى، حدثنا فضل - يعنى: ابن سهل - حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد الخدرى، قال: قال
стр. 114
رجل: «يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك. فقال: طوبى لمن رآنى وآمن بى، وطوبى ثمّ طوبى ثمّ طوبى لمن آمن بى ولم يرنى. فقال الرجل:
يا رسول الله، ما طوبى؟ قال: شجرة فى الجنة مسيرة مائة عام. ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها». وبه إلى أبى الخطاب.
وأنشد من قوله:
بأبى من إذا شكوت إليه … حبّه قال: ذا محال ولهو
وإذا ما حلفت بالله أنى … صادق، قال لى: يمينك لغو
لا ومن خصّه بحسن بديع … وجمال جسمى به اليوم نضو
لا تبدّلت فى هواه ولا خنت … ولا حلّ لى عليه السلوّ
وقوله أيضا:
يقول لى الأحبّة: لا تزرنا … على حال، ونحن فلا نزور
فقلت: متى أطعت؟ فقال هذا … وقلت أحبكم فالقول زور
وقوله أيضا:
كيف أخفى هواكم وعليه … شاهد الحزن والنّحول ينمّ
وإذا اللائمون لاموا فطرفى … فى هواكم أعمى وسمعى أصمّ
أنتم للفؤاد همّ وللعي … ن سهاد وللجوانح سقم
كل يوم تجدّدون على قل … بى عذابا وليس للقلب جرم
ولئن دام ذا، ولا دام منكم … تلفت مهجتى وفى ذاك إثم
وقوله أيضا:
علام أجازى بالوصال قطيعة … وبالحب بغضا؟ إنّ ذا لعجيب!
وكم ذا التجنى منك فى كل ساعة … أما لفؤادى من رضاك نصيب؟
لئن لان جنبى عندكم فهو والهوى … منيع ولكنّ الحبيب حبيب
وإن كان ذنبى عندكم كلفى بكم … فما أنا منه ما حييت أتوب
стр. 115
غرامى بكم حتى الممات مضاعف … وقلبى لكم عندى علىّ رقيب
ومن شعر أبى الخطّاب، أورده ابن النجار من طريق أبى المعمر الأنصارى رضى الله عنه:
إن كنت يا صاح بوجدى عالما … فلا تكن لى فى هواه لائما
وإن جهلت ما ألاقى بهم … فانظر تر دموعى السواجما
هم قتلونى بالصدود والقلى … وما رعوا فى قتلى المحارما
يا من يخاف الإثم فى وصلى أما … تخاف فى سفك دمى المآثما؟
هبنى رضيت أن تكون قاتلى … فهل رضيت أن تكون ظالما؟
سلوا النجوم بعدكم عن مضجعى … هل قرّ جنبى أو رأتنى نائما؟
واستقبلوا الشمال كيما تنظروا … من حرّ أنفاسى بها سمائما
وهذه الأيك سلوا الأيك: ألم … أعلّم النوح بها الحمائما
لقد أقمت بعد أن فارقتكم … على فؤادى بينها مآثما؟؟؟
كان أبو الخطاب رضى الله عنه فقيها عظيما كثير التحقيق، وله من التحقيق والتدقيق الحسن فى مسائل الفقه وأصوله شئ كثير جدا. وله مسائل ينفرد بها عن الأصحاب.
فمما تفرد به قوله: إن للعصر سنة راتبة قبلها أربع ركعات.
وقوله: إن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر، وإنها ترد إلى من أخذت منه من المسلمين على كل حال، ولو قسمت فى المغنم أو أسلم الكافر وهى فى يده.
ومن ذلك قوله: إن الأضحية يزول الملك فيها بمجرد الإيجاب، فلا يملك صاحبها إبدالها بحال.
ومن ذلك ما ذكره فى الهداية: أن الزرافة حرام. وقال السامرى: هو سهو منه.
стр. 116
ومن ذلك: قوله بطهارة الأدهان المنجسة، التى يمكن غسلها بالغسل.
ومن ذلك قوله: إنّ من ملك أختين: لم يجز له الإقدام على وطء واحدة منهما حتى تحرم الأخرى عليه، بإزالة ملكه عنها أو عن بعضها، كما لو كان قد وطئ إحداهما، ثم أراد وطء الأخرى. وقد رأيت فى كلام الإمام أحمد فى رواية إسحاق بن هاني ما يدل على مثل ذلك. ونصه مذكور فى مسائل ابن هاني فى كتاب الجهاد.
ومن ذلك قوله: إنّ النكاح لا ينفسخ بسبى واحد من الزوجين بحال، سواء سبيا معا، أو سبى أحدهما وحده. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على انفساخ نكاح المسبية وحدها إذا كان زوجها فى دار الحرب. وحكاه غير واحد من أصحابنا أيضا كابن عقيل. وهو ظاهر القرآن. وحديث أبى سعيد فى صحيح مسلم صريح فى ذلك. والعجب أنه ذكر فى الانتصار: أن حديث أبى سعيد لا يصح. قال: والدليل على ضعفه أن سبايا أوطاس كنّ مجوسيات.
وهذا مما يعلم بطلانه قطعا؛ فإن العرب لم يكونوا مجوسا.
وقد نسب إلى أبى الخطّاب التفرّد بتخريج رواية: بأن الترتيب لا يشترط فى الوضوء، وليس كذلك؛ فقد وافقه على هذا التخريج ابن عقيل، واتفقا على تخريجها من رواية سقوط الترتيب بين المضمضة والاستنشاق، وسائر أعضاء الوضوء.
وذكر أبو الخطاب فى كتاب الصيام من الهداية، رواية عن أحمد: أنّ من دخل فى حجّ تطوع، ثم أفسده: لم يلزمه قضاؤه. ولم يذكر ذلك فى كتاب الحج، ولا فى غير الهداية.
قال أبو البركات ابن تيمية: ولعله سها فى ذلك، وانتقل ذهنه من مسألة الفوات إلى مسألة الإفساد.
وذكر فى الانتصار رواية عن أحمد: أن صلاة الفرض تقضى عن الميت
стр. 117
كالنذر. وذكر فى الانتصار فى مسألة ما إذا قتل واحد جماعة عمدا: أن أولياءهم بالخيار، إن شاءوا قتل للجميع ولا يكون لهم غير ذلك، ويسقط باقى حقوقهم.
وإن اختار بعضهم القود وبعضهم الدية: قتل لمختار القود، وأخذ من ماله الدية لطالبها، وأن أحمد نصّ على ذلك فى رواية الميمونى.
وذكره الخرقى فى مختصره، قال: ويتخرج لنا كقول أبى حنيفة ومالك:
يقتل للجميع، وليس لهم غير ذلك، على الرواية التى تقول: لا يثبت بقتل العمد غير القود.
ثم قال فى آخر المسألة: هذا الفصل مشكل على قول أحمد ﵀؛ لأنه إن قال: حقوق الجميع تساوت، فإذا طلبوا القتل ليس لهم غيره. وعلّل بأنهم أخذوا بعض حقوقهم، وسقط بعضها. فقد قال: بأن القصاص يتبعّض فى الاستيفاء والإسقاط. وهذا بعيد. فإنه لو قتل رجل رجلين، فقال ولىّ كلّ واحد منهما: قد عفوت لك عن نصف القصاص، ولكن قد بقى لكل واحد منّا النصف فيستحق قتلك به: لم يجز لهم ذلك، وسقط حقهم من القصاص.
ولو كان يتبعض لثبت ذلك. وإن لم يقل بالتبعيض لم يصح قوله: أخذ بعض الحق وأسقط بعضه. واقتضى أن يقول كقول أبى حنيفة، وأنه يقتل للجميع، لأن دمه يساوى دم الجميع، أو لأنه لم يبق محل يستوفى منه، أو يقول كما قال الشافعى: يقتل بالأول، أو بمن تخرجه القرعة، وتؤخذ الديات للباقين.
والذى يتحقق عندى: أنه يقتل للجميع وتؤخذ من ماله ديات الجميع تقسم بينهم، كما قال أبو حنيفة: إذا قطع يمينى رجلين فيقطع لهما، وتؤخذ دية يد فتقسم بينهما، وكما قال أبو حامد وشيخنا وأصحابنا: إذا قطع من يده ناقصة الأصابع يدا تامة يجوز للمقطوعة يده أن يقطع اليد الناقصة، ويأخذ دية الأصابع فيجتمع القصاص والدية ليكمل حقه، كذلك فى مسألتنا. والله أعلم.
وذكر فى الانتصار فى مسألة ضمان العارية: أن المبيع إذا فسخ لعيب أو
стр. 118
غيره، فتلفت السلعة فى يد المشترى: أنه لا ضمان عليه؛ لأن يده يد أمانة.
وهذا غريب مخالف لما ذكره غير واحد من الأصحاب، كالقاضى فى خلافه، وابن عقيل، والأزجى فى النهاية.
واختار فيه: أنه يصح أن يضمن بعض ما على فلان من الدين، وإن لم يعين به البعض، وقال: لا أعلم فيه نصا عن أحمد.
وفى الفنون لا بن عقيل قال: إن الشريف أبا جعفر قال: إن الصحة قياس المذهب، وأنه اختاره.
واختار فيه: أن عامل الزكاة شريك لبقية الأصناف لا أجير، فلا يجوز أن يكون هاشميا ولا عبدا.
وحكى فيه رواية: أن السيد إذا أذن لعبده فى نوع من التجارة. ملك التصرف فى سائر الأنواع.
وحكى فيه وجها: أن كل صلاة تفتقر إلى تيمم، وإن كانت نوافل.
واختار فى الهداية: ردّ اليمين على المدّعى، فيقضى له بيمينه. وقد أشار إليه أحمد فى رواية أبى طالب.
ووقفت على فتاوى أرسلت إلى أبى الخطّاب ﵀ من الرحبة، فأفتى فيها فى الشهر الذى توفى فيه فى جمادى الآخرة سنة عشر وخمسمائة.
وأفتى فيها ابن عقيل وابن الزاغونى أيضا.
فمنها: إذا غاب الزوج قبل الدخول فطلبت المرأة المهر، فإن الحاكم يراسل الزوج، ويعلمه بالمطالبة بالمهر، وأنه إن لم يبعث به إلى الزوجة باع عليه ملكه.
فإن لم يبعث باع عليه. وإن لم يعلم موضعه باع بمقدار نصف الصداق، ودفعه إليها؛ لجواز أن يكون قد طلقها قبل الدخول ويبقى بقية الصداق موقوفا.
ووافقه ابن عقيل على ذلك.
وظاهر هذا: أنه إن أمكن مراسلته وامتنع باع عليه، ودفع إليها كل الصداق؛ للعلم بأنه لم يطلق.
стр. 119
وأما ابن الزاغونى: فإنه أفتى بأنه لا يدفع الحاكم إليها أكثر من نصف الصداق بكل حال؛ لأنه الثابت لها باليقين، والنصف الباقى يحتمل أن يسقطه بطلاق متجدّد.
ويرد على هذا التعليل: أن هذا النصف أيضا يحتمل سقوطه بفسخ لعيب أو غيره من المسقطات.
ومنها، فى وقف الستور على المسجد: أفتى أنه يصح وقفها وتباع، وتنفق أثمانها على عمارته، ولا تستر حيطانه بخلاف الكعبة، فإنها خصّت بذلك كما خصّت بالطواف حولها.
وخالفه ابن عقيل، وابن الزاغونى، وقالا: الوقف باطل من أصله، والمال على ملك الواقف.
ومنها: إذا وجد شاة بمضيعة فى البرية فإنه يجوز له أخذها، وذبحها.
ويلزمه ضمانها إذا جاء مالكها. وإذا وجدها بمصر وجب تعريفها. ووافقه ابن الزاغونى.
وخالفهما ابن عقيل، وقال: لا يجوز له ذبحها بحال، وإن ذبحها أثم ولزمه ضمانها.
ومنها: أن الشاهد لا يجوز له أن يشهد على آخر فى كتاب مكتوب عليه حتى يقرأه عليه، أو يقرّ عنده المكتوب عليه: أنه قرئ عليه أو أنه فهم جميع ما فيه ولا يجوز الشهادة عليه بمجرد قوله: اشهد عليّ بما فى هذا الكتاب.
ووافقه ابن الزاغونى على ذلك.
ومنها: كم قدر التراب الذى يستعمل فى غسل الإناء من ولوغ الكلب؟
أفتى: أنه ليس له حدّ. وإنما يكون بحيث تمر أجزاء التراب مع نداوة الماء على جميع الإناء.
وأفتى ابن عقيل: أنه تكون بحيث تظهر صفته ويغير الماء.
стр. 120
وقال ابن الزاغونى: إن كان المحل لا يضره التراب، فلا بد أن يؤثر فى الماء، وإن كان يتضرر بالتراب: فهل يجب ذلك، أم يكفى ما يقع عليه اسم التراب وإن لم يظهر أثره؟ على وجهين.
ومنها: إشارة الأخرس فى الصلاة؟ أفتى: إذا كثر ذلك منه بطلت صلاته.
وأفتى ابن الزاغونى: أن الإشارة بردّ السلام لا تبطل من الأخرس ولا من المتكلم. وما عداها يجرى مجرى العمل فى الصلاة، فيفرق بين كثيرها ويسيرها.
وأفتى ابن عقيل: أن إشارة الأخرس المفهومة تجرى مجرى الكلام، فإن كانت بردّ سلام خاصة لم تبطل، وما سوى ذلك تبطل.
ومنها: إذا كتب القرآن بالذهب تجب فيه الزكاة إذا كان نصابا. ويجوز له حكه وأخذه.
ووافقه ابن الزاغونى، وزاد: إن كتابته بالذهب حرام، ويؤمر بحكّه.
ولا يجوز للرجل اتخاذه.
ومنها: إذا أجرت نفسها للإرضاع فى رمضان: هل لها أن تفطر، إذا تغير لبنها بالصوم بحيث يتأذى بذلك المرتضع؟
أجاب: يجوز لها ذلك. وإذا امتنعت لزمها ذلك. فإن لم تفعل كان لأهل الصبى الخيار فى الفسخ.
ووافقه ابن الزاغونى، وزاد: متى قصدت بصومها تضرر الصبىّ عصت وأثمت وكان للحاكم إلزامها بالفطر، إذا طلبه المستأجر.
ومنها: إذا رأى إنسانا يغرق، يجوز له الإفطار إذا تيقن تخليصه من الغرق، ولم يمكنه الصوم مع التخليص.
ووافقه ابن الزاغونى.
ومنها: هل يجوز التفريق بين الأم وولدها بالسفر، إذا قصد أن يجعل وطنها دون وطنه؟
стр. 121
أجاب: إنه لا يجوز ذلك.
وأجاب ابن عقيل: إذا كان الولد مستقلا، غير محتاج إلى تربية الأم، كان الأب أحق به سفرا، لتخريجه فى عمل أو تجارة. وانقطع آخر جوابه.
وأجاب ابن الزاغونى: إذا افترقت بالأبوين الدار، ولم يقصد الأب ضرر الأم بمنعها من كفالة الولد، فالأب أحق به.
فصل
صنّف بعض أصحابنا - وهو الوزير ابن يونس - مصنفا فى أوهام أبى الخطاب فى الفرائض ومتعلقاتها من الوصايا والمسائل الحسابية. ولم أقف عليه كله، بل على بعضه. لكن لأبى الخطاب فى هذه المواضع مسائل متفرقة، يقال: إنها وهم وغلط.
فمنها: مسألة فى البيع بتخيير الثمن (١)، والوضيعة منه.
ومسألة فى وقف المريض داره التى لا يملك سواها على ابنه وابنته بالسوية، وحكم إجازتهما وردّهما، وإجازة أحدهما وردّ الآخر. ولتصحيح كلامه فيها وجه فيه تعسيف شديد.
ومسألة فى الوصايا، فيما إذا ترك ابنين ووصى لرجل بجميع ماله، ولآخر بثلثه، وحكم إجازتهما وردّهما، وإجازة أحدهما ورد الآخر، وإجازتهما لأحدهما وردهما على الآخر. وقد تأملت هذه المسألة، فوجدت الخلل فيها وقع من جهة النسخ. فإن فى الأصل فيها إلحاقا اشتبه على النسّاخ موضعه، فألحقوه فى غير موضعه، فنشأ الخلل فى الكلام، ولزم بسبب ذلك لوازم فاسدة. وقد نسب السامرى الوهم فيها إلى أبى الخطاب، وليس كذلك.
ومنها: مسألة، فى باب الإقرار بمشارك فى الميراث. وقد ذكرها أبو البركات فى المحرر، وذكر أنها سهو.
стр. 122
ومنها: مسألة فى الوصية بسهم من سهام الورثة. وقد بين خللها السامرى فى مستوعبه.
ومنها: عده الجهات فى ذوى الأرحام، وأنها خمسة. وقد اعترف بأنه لم يسبق إلى ذلك. وقد ألزمه صاحب المغنى وصاحب المحرر وغيرهما لوازم فاسدة، بسبب ذلك. وطائفة محققى المتأخرين صححوا كلامه فى الجهات، وأجابوا عما أورد عليه، وبينوا أنه غير لازم له. ولولا خشية الإطالة، وأن نخرج عما نحن بصدده من التراجم لذكرنا هذه المسائل مسألة مسألة، وبينا ما وقع فيه الوهم من غيره، ولكن نذكر ذلك فى موضع آخر إن شاء الله تعالى ..
٦١ - يحيى بن عبد الوهاب
بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدى الأصبهانى، الحافظ، الإمام أبو زكريا بن أبى عمرو بن الإمام الحافظ أبى عبد الله بن أبى محمد بن أبى يعقوب المحدث بن المحدث، بن المحدث ابن المحدث، بن المحدث، بن المحدث.
ولد يوم الثلاثاء تاسع عشر شوال، سنة أربع وثلاثين وأربعمائة بأصبهان.
وسمع من أبيه أبى عمرو، وعميه: أبى القاسم عبد الرحمن، وأبى الحسن عبيد الله، وأبى بكر بن ريذة، وسمع منه المعجم الكبير للطبرانى عنه، وأبى طاهر الكاتب، وأبى منصور محمد بن عبد الله بن فضلويه، وأبى طاهر أحمد بن محمود الثقفى، وغيرهم.
ورحل إلى نيسابور، وسمع بها من أبى بكر أحمد بن منصور بن خلف المقرئ، وأبى بكر البيهقى الحافظ بهمذان، وأبى بكر محمد بن عبد الرحمن النّهاوندى.
وسمع بالبصرة من أبى القاسم إبراهيم بن محمد بن أحمد الشاهد، وعبد الله ابن الحسين السعيدانى، وخلق كثير سواهم
стр. 123
وصنف التصانيف، وأملى، وخرّج التخاريج لنفسه، ولجماعة من شيوخ أصبهان.
وحدّث بالكثير، وسمع منه الكبار والحفاظ من أهل بلده وغيرهم.
منهم: الحافظ أبو القاسم إسماعيل التيمى، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، وأبو الفضل محمد بن هبة الله بن العلاء.
وقدم بغداد حاجّا، وحدّث بها، وأملى بجامع المنصور.
سمع منه بها: أبو منصور الخياط، وأبو الحسين بن الطيورى، وهما أسن منه، وأقدم إسنادا.
وسمع منه بها أيضا: ابن ناصر، وعبد الوهاب الأنماطى، والسلفى، والشيخ عبد القادر الجيلى، وأبو محمد بن الخشاب، وعبد الحق اليوسفى، وآخر أصحابه موتا أبو جعفر الطرسوسى، وروى عنه بالإجازة؟؟؟ أبو سعد بن السمعانى الحافظ.
قال ابن السمعانى: سألت إسماعيل التيمى الحافظ عنه؟ فأثنى عليه ووصفه بالحفظ والمعرفة والدراية. قال: وسمعت أبا بكر اللفتوانى (١) الحافظ يقول: بيت ابن منده بدئ بيحيى، وختم بيحيى.
قال ابن السمعانى: يريد فى معرفة الحديث والفضل والعلم.
وذكره شيرويه بن شهردار الحافظ، فقال: قدم علينا، سمع منه عامة مشايخ الجبل وخراسان. وكان حافظا، فاضلا مكثرا، صدوقا، ثقة، يحسن هذا الشأن جيدا، كثير التصانيف، شيخ الحنابلة ومقدمهم، حسن السيرة، بعيدا من التكلف، متمسكا بالأثر.
وذكره محمد بن عبد الواحد الدقاق الحافظ، فقال: الشيخ الإمام الأوحد،
стр. 124
عنده الحديث الكثير، والكتب الكثيرة الوافرة، جمع وصنف تصانيف كثيرة. منها: كتاب الصحيح على كتاب مسلم بن الحجاج.
وذكره إسماعيل بن عبد الغافر، فى تاريخ نيسابور، فقال: رجل فاضل، من بيت العلم والحديث، المشهور فى الدنيا، سمع من مشايخ أصبهان، وسافر ودخل نيسابور، وأدرك المشايخ، وسمع منهم، وجمع، وصنف على الصحيحين.
وعاد إلى بلده.
وقال ابن السمعانى فى حقه: جليل القدر، وافر الفضل، واسع الرواية، ثقة حافظ، فاضل، مكثر، صدوق، كثير التصانيف، حسن السيرة، بعيد التكلف، أوحد بيته فى عصره. صنف تاريخ أصبهان، وغيره من الجموع.
قلت: وصنف مناقب العباس رضى الله عنه فى أجزاء كثيرة.
وللحافظ السلفى فيه يمدحه:
إنّ يحيى فديته من إمام … حافظ، متقن، تقىّ، حليم
جمع النبل والأصالة والفض … ل وفى العلم فوق كلّ عليم
وصنف مناقب الإمام أحمد رضى الله عنه فى مجلد كبير، وفيه فوائد حسنة.
وقال فى أوله: ومن أعظم جهالاتهم - يعنى المبتدعة - وغلوهم فى مقالاتهم:
وقوعهم فى الإمام المرضى، إمام الأئمة، وكهف الأمة، ناصر الإسلام والسنة، ومن لم تر عين مثله علما وزهدا، وديانة وأمانة. إمام أهل الحديث أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانى قدّس الله روحه، وبرد عليه ضريحه. الإمام الذى لا يجارى، والفحل الذى لا يبارى. ومن أجمع أئمة الدين رحمة الله ورضوانه عليهم فى زمانه على تقدمه فى شأنه، ونبله وعلو مكانه. والذى له من المناقب ما لا يعدّ ولا يحصى. قام لله تعالى مقاما لولاه لتجهم الناس، ولمشوا على أعقابهم القهقرى، ولضعف الإسلام، واندرس العلم.
стр. 125
ولقد صدق الإمام أبو رجاء قتيبة بن سعيد البغلانى (١) حيث قال: إنّ أحمد ابن حنبل فى زمانه بمنزلة أبى بكر وعمر فى زمانهما. وأحسن من قال: لو كان أحمد فى بنى إسرائيل لكان آية أعاشنا الله تعالى على عقيدته، وحشرنا يوم القيامة فى زمرته.
وحين وقفت على سرائر هؤلاء، وخبث اعتقادهم فى هذا الإمام، قصدت لمجموع نبهت فيه على بعض فضائله، ونبذة من مناقبه. وذكرت طرفا مما منحه الله تعالى من المنزلة الرفيعة، والرتبة العلية فى الإسلام والسنة. مع أنى لست أرى لنفسى أهلية لذلك، وأن المشايخ الماضين رحمهم الله تعالى قد عنوا بجمعه فشفوا لكنى أردت أن يبقى له بجمع مناقبه ذكر، وأن أكون مشرفا فيما بين أهل العلم من أهل السنة بانتسابى إليه، ونحلى مذهبه وطريقته.
وذكر فى أثناء هذا الكتاب: أخبرنا أحمد بن محمد بن جعفر الفقيه إجازة:
أخبرنا أبو مسعود أحمد بن محمد البجلى الطبرى قال: قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الأسدى، فى فضائل الإمام أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل:
لما فرغت من سماع كتاب المسند من أبى بكر القطيعى ببغداد، عن عبد الله عن أبيه ﵏. وتحصيل نسخة من مائة ونيف وعشرين جزءا، وجملة ما وعاه الكتاب أربعون ألف حديث غير ثلاثين - أو أربعين - حديثا.
سمعت ذلك من ابن مالك، يقول: وسمعته أيضا يقول: سمعت عبد الله يقول:
أخرج والدى هذا المسند من جملة سبعمائة ألف حديث. وقد أفردت لذلك كتابا فى جزء واحد، سميته: كتاب «المدخل فى المسند» أشبعت فيه ذكر ذلك أجمع. وأنا أسأل الله تعالى انتفاعنا بالعلم، وتوفيقا لما يقربنا إليه، فإنه قريب مجيب.
ومنه قال: أخبرنا عمى الإمام، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب،
стр. 126
أخبرنا أبو الحسن العبدى، حدثنى أبو الحسين، حدثنا رزين بن أبى هارون قال:
قال فوران: ماتت امرأة لبعض أهل العلم، قال: فجاء يحيى بن معين والدورقى. قال: فلم يجدوا امرأة تغسلها إلا امرأة حائض. قال: فجاء أحمد ابن حنبل، وهم جلوس، فقال: ما شأنكم؟ فقال أهل المرأة: ليس نجد غاسلة إلا امرأة حائض، قال: فقال أحمد بن حنبل: أليس تروون عن النبى ﷺ «يا عائشة، ناولينى الخمرة؟ قالت: إنّى حائض، فقال: إنّ حيضتك ليست فى يدك» يجوز أن تغسلها. قال: فخجلوا وبقوا.
سمعت أبا العباس البيهقى يقول: سمعت أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن سعيد يقول: سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، فمن لم يعمل هنا ندم هناك.
وروى من طريق النقاش: سمعت الدارقطنى: سمعت أبا سهل بن زياد:
سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سئل أحمد ﵀ عن الفتوة؟ فقال: ترك ما تهوى لما تخشى.
ومن طريق أحمد بن مروان المالكى، حدثنا إدريس الحداد قال: كان أحمد بن حنبل إذا ضاق به الأمر آجر نفسه من الحاكة فسوّى لهم. قال إدريس: فلما كان أيام المحنة، وصرف إلى بيته حمل إليه مال جليل، وهو محتاج إلى رغيف يأكله، فردّ جميع ذلك، ولم يقبل منه قليلا ولا كثيرا، قال:
فجعل عمه إسحاق يحسب مارد، فإذا هو خمسمائة ألف - أو نحوها - فقال له:
يا عم، أراك مشغولا بحساب ما ليس يحسب، فقال: قد رددت اليوم كذا وكذا، وأنت محتاج إلى حبة. فقال: يا عم، لو طلبنا لم يأتنا. وإنما أتانا لمّا تركناه.
أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الرحيم، أخبرنا أبو محمد بن حبان: سمعت
стр. 127
أبا جعفر البردى: سمعت إسماعيل بن قتيبة سمعت أحمد بن حنبل يقول:
إن القلنسوة لتقع من السماء على رأس من لا يحبّها.
أخبرنا أبى ﵀، أخبرنا أبو عمر بن عبد الوهاب إجازة، حدثنا أحمد ابن محمد بن عمر، حدثنا أبو عبد الرحمن - يعنى: عبد الله بن أحمد - قال: قلت لأبى ﵀: يقولون: إنك تتوضأ مما مسّت النار؟ قال: ما فعلته قط، ولم يثبت عندى فى ذا خبر.
أخبرنا عمّى الإمام، أخبرنا علىّ بن عبد الله بن جهضم بمكة، حدثنا محمد ابن أبى زكريا الفقيه، حدثنا عبدوس بن أحمد، حدثنا أبو حامد الخلقانى قال:
قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول فى القصائد؟ فقال: فى مثل ماذا؟ قلت:
مثل ما تقول:
إذا ما قال لى ربّى: … أما استحييت تعصينى
وتخفى الذنب من غيرى … وبالعصيان تأتينى؟
قال: فرد الباب، وجعل يقول:
إذا ما قال لى ربّى: … أما استحييت تعصينى
وتخفى الذنب من غيرى … وبالعصيان تأتينى؟
فخرجت وتركته.
أخبرنا عمى، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد بن قاذويه، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس قال: ولقد ذكر لأبى عبد الله أحمد بن حنبل رجل من أهل العلم، كانت له زلة، وأنه تاب من زلته، فقال: لا يقبل الله ذلك منه حتى يظهر التوبة والرجوع عن مقالته، وليعلمن أنه قال مقالته كيت وكيت، وأنه تاب إلى الله تعالى من مقالته، ورجع عنه، فإذا ظهر ذلك منه حينئذ تقبل، ثم تلا أبو عبد الله (١٦٠:٢ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا)﴾.
ومن طريق أبى أحمد بن عدى، حدثنا عبد المؤمن بن أحمد بن جوثرة
стр. 128
الجرجاني: سمت عمار بن رجاء يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: طلب إسناد العلو من السنة.
أخبرنا عمى الإمام، أخبرنا يحيى بن عمار بن يحيى كتابة: أن أبا جعفر محمد ابن أحمد بن محمد الصفار أخبره: حدثنا محمد بن إبراهيم الصرام، حدثنا عثمان ابن سعيد الدارمى، قال: قال أحمد بن حنبل ﵀: كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء. فلما أظهروه لم نجد بدا من مخالفتهم.
ووجدت فى كتب الإمام عمّى بخطّه: قال القاسم بن محمد أبو الحارث:
حدثنا يعقوب بن إسحاق البغدادى، سمعت هارون الحمال يقول: سمعت أحمد ابن حنبل، وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله: إن ههنا رجل يفضّل عمر بن عبد العزيز على معاوية بن أبى سفيان، فقال أحمد: لا تجالسه، ولا تؤاكله، ولا تشاربه، وإذا مرض فلا تعده.
أخبرنا أبى وعماى ﵏، أخبرنا والدنا ﵀، أخبرنا محمد بن عبد الله بن يوسف العمانى، حدثنى جدّى العباس بن حمزة قال: سمعت أحمد ابن حنبل يقول: سبحانك، ما أغفل هذا الخلق عما أمامهم! الخائف منهم مقصر، والراجى منهم متوان.
أخبرنا عمى الإمام، أخبرنا عبد الله بن عمر الكرخى، أخبرنا سليمان بن أحمد ابن أيوب، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سئل أبى عن رجل وجب عليه تحرير رقبة مؤمنة، فكان عنده مملوك سوء، لقنه أن يقول بخلق القرآن؟ فقال: لا يجزى عنه عتقه؛ لأن الله ﵎ أمره بتحرير رقبة مؤمنة، وليس هذا بمؤمن. هذا كافر.
أخبرنا الإمام عمى، أخبرنا أبى، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبى عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى ﵇ لم يتكلم الله بصوت، فقال أبى ﵀: بل تكلم بصوت. هذه الأحاديث نمرها كما جاءت.
стр. 129
قال أبى ﵀: حديث ابن مسعود «إذا تكلم الله سمع له صوت كمرّ السلسلة على الصفوان». قال أبى: وهذه الجهميّة تنكره. قال أبى: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس. من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر. إلا أنا نروى هذه الأحاديث كما جاءت.
أخبرنا عمى الإمام، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله ابن جعفر بن فارس، حدثنا إسماعيل بن أحمد، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبى عن رجل يمتحن بالقرآن: مخلوق، فيحدث؟ فقال: كان ابن عيينة يتحدّث به، ولم أسمعه أنا منه.
عن إسماعيل عن قيس قال: اجتمع الأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله على جنازة، فقدم الأشعث جريرا عليها، وقال للناس: إنّي ارتددت، ولم يرتد.
قال: أنا أقول بهذا الحديث فى هذه المسألة. فقلت: إن اجتمع رجلان، أحدهما قد امتحن، والآخر لم يمتحن؟ فقال: لا يتقدم، وليصل بهم الذى لم يمتحن.
ورأى ذلك فضيلة له على من امتحن، وأعجبه حديث قيس عن جرير، وقال:
هذا أصل من الأصول، وأعجبه جدا. وقال: أنا آخذ به.
ومن طريق ابن عبد الرحمن السلمى، أخبرنا أبو محمد، حدثنا الأزهرى، حدثنا إسماعيل بن عمر: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أحاديث حماد بن سلمة تأخذ بحلوق المبتدعة.
ومن طريق عبد الله بن محمد بن مندويه، سمعت أحمد بن محمد بن مصقلة يقول: سمعت المثنى الأنبارى يقول: سألت - أو سئل - عبد الله أحمد بن حنبل عن بيع الماء؟ فقال: هو ما لا يملكه الرجل. وأما بيع الماء السائح فهو جائز.
وكل ما يملكه الرجل فهو جائز.
أخبرنا أبو القاسم عمى، أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسحاق الويذاباذى، أخبرنا أبو القاسم الطبرانى، حدثنا معاذ بن المثنى العنبرى قال: سمعت
стр. 130
أحمد بن حنبل يقول: أصول الإيمان ثلاثة: دالّ، ودليل، ومستدل. فالدال:
الله ﵎، والدليل: القرآن، والمستدل: المؤمن. فمن طعن على حرف من القرآن فقد طعن على الله تعالى وعلى كتابه وعلى رسوله ﷺ .
أخبرنا عمى، أخبرنا أبو القاسم بن قاذويه، أخبرنا عبد الله بن محمد الشروطى سمعت أبا زكريا القسام يحيى بن عبد الله يقول: سمعت أبا عمران الصوفى موسى ابن محمد، وأبا الشيخ الأبهرى، يذكران عن أبى بكر الأثرم: أنه سأل أحمد ابن حنبل عن دعاء النبى ﷺ ، وتعوذه من الفقر؟ فقال: إنما أراد به فقر القلب.
ومن طريق ابن عدى: سمعت محمد بن سعيد الحرانى، سمعت الميمونى يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازى، والملاحم، والتفسير.
ومن طريق أحمد بن ياسين: سمعت أبا أحمد بن عبدوس يقول: قال أحمد بن حنبل: من لم يجمع علم الحديث. وكثرة طرقها واختلافها، لا يحل له الحكم على الحديث، ولا الفتيا به.
أخبرنا عمى، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ كتابة: أن يحيى بن محمد العنبرى حدثهم: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد السجزى، سمعت النّوفلى، سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا روينا عن رسول الله ﷺ فى الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا فى الأسانيد. وإذا روينا عن النبى ﷺ فى فضائل الأعمال، وما لا يضع حكما ولا يرفعه تساهلنا فى الأسانيد.
ومن طريق محمد بن الحسين - أظنه النقاش - أخبرنا عبد الله بن محمد بن على ابن زياد، حدثنا محمد بن إبراهيم الماستوى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كتبت فى كتاب الحيض تسع سنين حتى فهمته.
стр. 131
أخبرنا عمى، أخبرنا محمد بن عبد الرزاق، أخبرنا جدى، حدثنا محمد بن محمد ابن فورك: سمعت عبد الله بن عبد الوهاب يقول: سئل أحمد بن حنبل ﵀:
هذه الكتابة إلى متى العمل به؟ قال: أخذه العمل به.
أخبرنا أحمد بن الفضل المقرئ إجازة، أخبرنا أبو العباس النسوى شيخ الحرم، حدثنا عمر بن المقرئ، حدثنا إبراهيم بن المولد، حدثنا أحمد بن مروان الخزاعى، حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبى يقول: ما الناس إلا من يقول: حدثنا، وأخبرنا، وسائر الناس لا خير فيهم.
أخبرنا أبو بكر البيهقى، أنبأنى أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا مهنا بن يحيى: سألت أحمد بن حنبل عن الإقعاء فى الصلاة؟ قال: أليس يروى عن العبادلة: أنهم كانوا يفعلون ذلك؟ قلت: ومن العبادلة؟ قال: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو رضى الله عنهم. قلت لأحمد: فابن مسعود؟ قال: ليس ابن مسعود من العبادلة.
ومن طريق محمد بن مخلد: حدثنا حاتم بن محمد، سمعت أبا رجاء قتيبة ابن سعيد يقول: أحمد بن حنبل إمام، ومن لا يرضى بإمامته فهو مبتدع ضال.
قال يحيى بن منده: نقول - وبالله التوفيق -: إن أحمد بن حنبل إمام المسلمين، وسيّد المؤمنين، وبه نحيا، وبه نموت، وبه نبعث، إن شاء الله تعالى.
فمن قال غير هذا، فهو عندنا من الجاهلين.
ومن طريق محمد بن مخلد: حدثنا محمد بن الحسين بن عبد الرحمن الأنماطى عن أحمد بن عمر بن يونس، حدثنا شيخ رأيته بمكة، يكنى أبا عبد الله من أهل سجستان ذكر عنه فضل ودين، قال: رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، فقلت: يا رسول الله، من تركت لنا فى عصرنا هذا من أمتك نقتدى به فى ديننا؟ قال: أحمد بن حنبل.
стр. 132
قال يحيى بن منده: فما قاله رسول الله ﷺ فى نومه ويقظته فهو حق. وقد ندب ﷺ إلى الاقتداء به، فلزمنا جميعا امتثال مرسومه، واقتفاء مأموره.
توفى يحيى بن منده ﵀ فى يوم الجمعة حادى عشر ذى الحجة، سنة إحدى عشرة وخمسمائة. كذا نقله ابن النجار عن أبى موسى الحافظ.
وذكر ابن السمعانى عن بعض الأصبهانيين: أنه توفى فى ذى الحجة سنة اثنتى عشرة وخمسمائة بأصبهان. قال: ثم كتب إلى معمر بن الفاخر من أصبهان:
أن ابن منده توفى يوم عيد الأضحى من السنة.
وذكر غيره: أنه دفن بباب درية عند قبر والده وجده رحمة الله عليهم أجمعين.
وذكره ابن الجوزى ممن توفى سنة اثنتى عشرة، ثم قال: وقيل: توفى سنة إحدى عشرة.
أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم المصرى بها، بقراءتى عليه، أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو جعفر محمد بن إسماعيل الطرسوسى، أخبرنا يحيى بن منده الحافظ، أخبرنا محمد بن عبد الله، حدثنا سليمان ابن أحمد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبرى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثورى عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصى».
٦٢ - محمد بن على بن طالب
بن محمد بن زبيبا الخرقى البزّار، الفقيه، أبو الفضل ابن أبى الغنائم. وقد سبق ذكر والده.
ولد فى العشر الأخير من المحرم سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
وقيل عنه: إنه قال: سنة خمس وثلاثين.
وسمع من القاضى أبى يعلى، والجوهرى، وابن المذهب، وأبى بكر ابن بشران، وعمر بن أبى طالب المكى، وحدث وروى عنه السلفى، وأبو المعمر
стр. 133
الأنصارى، وابن ناصر، والمبارك ابن كامل، وعمر بن ظفر، وبالإجازة ذاكر ابن كامل، وابن كليب. وكان فقيها فاضلا. أظنه تفقه على القاضى أو على أبيه المذكور.
وقال ابن الجوزى: قال شيخنا ابن ناصر: لم يكن بحجة. كان على غير السمت المستقيم.
وذكر ابن النجار: أنه قرأ بخط ابن ناصر عنه: أنه كان يعتقد عقيدة الفلاسفة، تقليدا عن غير معرفة. نسأل الله العافية.
توفى ليلة السبت تاسع شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة. ودفن بمقابر باب أبرز في العالية. ﵀ وسامحه.
أخبرنا أبو الفتح محمد بن إبراهيم - بفسطاط مصر - أخبرنا عبد اللطيف ابن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو الفتح عبد المنعم بن على، أخبرنا محمد بن على ابن زبيبا إذنا، أخبرنا القاضى أبو يعلى بن الفراء، أخبرنا أبو الفضل عبد الله ابن عبد الرحمن الزهرى، فيما أذن لنا: أن حمزة بن الحسين بن عمر البزار حدّثه:
حدثنى أحمد بن جعفر عن عاصم (١) الحربى، قال: رأيت فى المنام كأنى قد دخلت درب هشام، فلقينى بشر بن الحارث ﵀، فقلت: من أين يا أبا نصر؟ فقال:
من عليين. قلت: ما فعل أحمد بن حنبل؟ قال: تركت الساعة أحمد بن حنبل وعبد الوهاب الوراق بين يدى الله ، يأكلان ويشربان ويتنعمان.
قلت: فأنت؟ قال: علم الله قلة رغبتى فى الطعام فأباحنى النظر إليه.
٦٣ - طلحة بن أحمد
بن طلحة بن أحمد بن الحسين بن سليمان بن بادى ابن الحارث بن قيس بن الأشعث بن قيس الكندى العاقولى، الفقيه، القاضى أبو البركات.
ولد يوم الجمعة بعد صلاتها ثالث عشرين شعبان سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة
стр. 134
بدير العاقول، وهى على خمسة عشر فرسخا من بغداد. ودخل بغداد سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، واشتغل بالعلم سنة اثنتين وخمسين.
وسمع من أبى محمد الجوهرى سنة ثلاث وخمسين، ومن القاضى أبى يعلى، وأبى الحسين بن حسنون، وأبى الغنائم بن المأمون، وأبى جعفر بن المسلمة، وأبى الحسين بن المهتدى، وأبى الغنائم بن الدجاجى، وهناد النسفى، وجابر بن ياسين، وابن هزار مرد، وأبى الفتح أحمد بن محمد بن أحمد الحداد الحنفى، وأبى القاسم بن البسرى، وغيرهم.
قال القاضى أبو الحسين: قرأ على الوالد الخصال، وحضر درسه الفقه.
قلت: وروى عنه الجامع الصغير أيضا. قال: وقال لى: اقرأ فى كل أسبوع ختمتين.
وقال ابن الجوزى: قرأ الفقه على القاضى يعقوب، وهو من متقدمى أصحابه. وكان عارفا بالمذهب، حسن المناظرة. وكانت له حلقة بجامع القصر للمناظرة.
وقال ابن شافع: سماعه صحيح. وكان ثقة، أمينا. ومضى على السلامة والستر. سمع منه ابن كاملى وغيره.
وقال ابن السمعانى: كان صالحا، دينا خيرا. روى لنا عنه هبة الله ابن الحسن الأمين بدمشق، والمبارك بن أحمد الأنصارى، وغيرهما.
قلت: وروى عنه ابن ناصر، والشيخ عبد القادر. وبالإجازة ابن كليب وذاكر بن كامل.
قال ابن ناصر: حدثنى أبو البركات طلحة بن أحمد بن طلحة القاضى، قال:
كان لى صديق اسمه ثابت. وكان رجلا صالحا، يقرأ القرآن، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فتوفى فلم أصلّ عليه لعذر منعنى، فرأيته فى المنام، فسلمت عليه، فلم يردّ علىّ السلام، وأعرض عنى، فقلت: يا ثابت، ما تكلمنى وأنت
стр. 135
صديقى وبينى وبينك مودّة؟ فقال: أنت صديقى، ولم تصلّ علىّ، فاعتذرت إليه، ثم قلت له: حدثنى كيف أنت بقبر أحمد بن حنبل؛ لأنه دفن هناك، فقال: ليس فى قبر أحمد أحد يعذب بالنار.
توفى طلحة العاقولى ليلة الثلاثاء ثانى شعبان - وقال ابن نقطه: ثالث شعبان سنة اثنتى عشرة وخمسمائة - ودفن بمقبرة الفيل من باب الأزج، قريبا من قبر أبى بكر عبد العزيز.
أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرّانى، أخبرنا ابن كليب، أخبرنا طلحة بن أحمد العاقولى، أخبرنا أبو محمد الجوهرى، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان حدثنا الحسين بن بحر، حدثنا عبد الله بن رجاء، قال ابن المرزبان: وحدثنا محمد ابن عبد الله الحضرمى حدثنا أحمد بن عون القواس قالا: حدثنا مسلم بن خالد عن العلاء عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: «كرم المرء دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه».
ذكر الشيخ موفق الدين، فى المغنى فى باب الإيمان، عن طلحة العاقولى:
أن العبد إذا ملّكه سيده مالا، وقلنا: يملكه، وأعتق منه بإذن سيده، فإن الولاء يكون موقوفا. فإن عتق فهو له، وإن مات فهو لسيده. وهذا خلاف ما ذكره الأكثرون: أن العبد لا يرث بالولاء ولا غيره.
وحكوا فى المكاتب: إذا عتق له عبد فى حال كتابته: هل يكون ولاؤه للسيد، أو يكون موقوفا، فإن عتق المكاتب كان له؟ على وجهين.
واختار أبو بكر، والقاضى فى خلافه: أنه للسيد بكل حال.
وحكى الشيخ أيضا فى المغنى والكافى عن طلحة العاقولى: أن الحالف إذا قال: والخالق، والرزاق، والربّ: كان يمينا بكل حال، وإن نوى بذلك غير الله تعالى سبحانه؛ لأنها لا تستعمل مع التصريف إلا فى اسم الله تعالى، فهى كاسم الله، والرحمن.
стр. 136
قلت: وقد وافقه على ذلك ابن الزاغونى فى الإقناع: فى الخالق، والرزاق وسائر أسماء الأفعال. قال: وهذا مبنىّ عندنا على أصل؛ فإنّ صفات الأفعال قديمة، استحقها الله تعالى فى القدم كصفات الذات.
٦٤ - يحيى بن عثمان
بن الحسين بن عثمان بن عبد الرحمن البيع، الأزجى، الفقيه أبو القاسم بن الشواء.
ولد فى شوال سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة.
وقرأ القرآن بالروايات. وسمع من ابن المهتدى، وابن المسلم، والجوهرى، والقاضى أبى يعلى، وأبى الغنائم بن المأمون، وأبوى الحسين بن حسنون، وابن النقور. وتفقه على القاضى أبى يعلى، ثم على القاضى يعقوب. وكان فقيها حسنا، صحيح السماع. وحدّث بشئ يسير.
روى عنه أبو المعمر الأنصارى فى معجمه. وقال أبو الحسين: سمع من الوالد، وحضر درسه، ونسخ معظم كتبه.
توفى ليلة الثلاثاء، تاسع عشر جمادى الآخرة سنة اثنتى عشرة وخمسمائة.
ودفن بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.
٦٥ - صمد بن نصر
بن أحمد بن محمد بن معروف الهمذانى، الحافظ الفقيه، الأديب أبو العلاء، المعروف بالأعمش.
ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
وسمع بهمذان من عبيد الله بن الحافظ بن منده، وأبى مسلم بن عوف النهاوندى، وأبى محمد بن ماهلة وطبقتهم.
روى عنه السلفى وأبو العلاء القطان، وأبو الفتوح الطائى، وغيرهم.
ذكره الذهبى فى تذكرة الحفاظ، فقال: شيخ، حافظ ثقة، مكثر.
وكان - مع بصره بهذا الشأن - عارفا بفقه أحمد بن حنبل، ناصرا للسنة، عالما بالعربية، وافر الجلالة بهمذان، وأملى عدة مجالس من حفظه.
стр. 137
قال أبو سعد السمعانى: أجاز لى مروياته. وكان عارفا بالحديث، حافظا، ثقة. سمع الكثير بنفسه، وأملى، وحدّث.
توفى عاشر شوال سنة اثنتى عشرة وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
٦٦ - على بن عقيل
بن محمد بن عقيل بن أحمد - كذا قرأت نسبه بخطه - البغدادى، الظفرى، المقرئ الفقيه، الأصولى، الواعظ المتكلم، أبو الوفاء، أحد الأئمة الأعلام، وشيخ الإسلام.
ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة فى جمادى الآخرة. كذا نقله عنه ابن ناصر السلفى.
قال ابن الجوزى. ورأيته بخطّه.
ونقل عنه على بن مسعود بن هبة الله البزار أنه قال: ولدت فى جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين، وتفقهت فى سنة سبع وأربعين.
وذكر أبو محمد بن السمرقندى عنه: أنه ولد سنة ثلاثين. والأول أصح.
وحفظ القرآن. وقرأ بالروايات القرآن على أبى الفتح بن شيطا، وغيره.
وكان يقول: شيخى فى القراءة: ابن شيطا. وفى النحو والأدب: أبو القاسم بن برهان. وفى الزهد: أبو بكر الدينورى، وأبو بكر بن زيدان، وأبو الحسين القزوينى، وذكر جماعة غيرهم من الرجال والنساء. وفى آداب التصوف:
أبو منصور صاحب الزيادة العطار، وأثنى عليه بالزهد والتخلق بأخلاق متقدمى الصوفية. وفى الحديث: ابن النّورى، وأبو بكر بن بشران، والعشارى، والجوهرى وغيرهم. وفى الشعر والترسل: ابن شبل، وابن الفضل. وفى الفرائض: أبو الفضل الهمذانى. وفى الوعظ: أبو طاهر بن العلاف صاحب ابن سمعون. وفى الأصول:
أبو الوليد وأبو القاسم ابن التبان. وفى الفقه: القاضى أبو يعلى المملوء عقلا وزهدا وورعا. قرأت عليه سنة سبع وأربعين، ولم أخل بمجالسه وخلوته التى تتسع لحضورى، والمشى معه ماشيا وفى ركابه إلى أن توفى. وحظيت من قربه بما
стр. 138
لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سنى. والشيخ أبو إسحاق الشيرازى، إمام الدنيا وزاهدها، وفارس المناظرة وواحدها. كان يعلمنى المناظرة، وانتفعت بمصنّفاته. وأبو نصر بن الصباغ، وأبو عبد الله الدامغانى، حضرت مجالس درسه ونظره. وقاضى القضاة الشامى انتفعت به غاية النفع، وأبو الفضل الهمذانى.
وأكبرهم سنا وأكثرهم فضلا: أبو الطيب الطبرىّ حظيت برؤيته، ومشيت فى ركابه. وكانت صحبتى له حين انقطاعه عن التدريس والمناظرة، فحظيت بالجمال والبركة.
ومن مشايخى: أبو محمد التميمى. كان حسنة العالم، وماشطة بغداد.
ومنهم: أبو بكر الخطيب. كان حافظ وقته. وكان أصحابنا الحنابلة يريدون منى هجران جماعة من العلماء. وكان ذلك يحرمنى علما نافعا. وأقبل علي أبو منصور بن يوسف، فحظيت منه بأكبر حظوة. وقدمنى على الفتاوى، مع حضور من هو أسن منى، وأجلسنى فى حلقة البرامكة، بجامع المنصور، لما مات شيخى سنة ثمان وخمسين. وقام بكل مؤونتى وتحملى، فقمت من الحلقة أتتبع حلق العلماء لتلقط الفوائد.
وأما أهل بيتى: فإن بيت أبى كلهم أرباب أقلام، وكتابة، وشعر، وآداب. وكان جدّى محمد بن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة. وهو المنشئ لرسالة عزل الطائع وتولية القادر، ووالدى انظر الناس وأحسنهم جزلا وعلما.
وبيت أبى (١) بيت الزهرى صاحب الكلام والدرس على مذهب أبى حنيفة.
وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة، مع عفة وتقى. ولا أزاحم فقيها فى حلقة، ولا تطلب نفسى رتبة من رتب أهل العلم القاطعة لى عن الفائدة. وتقلبت عليّ الدول فما أخذتنى دولة سلطان ولا عامة عما أعتقده أنه الحق، فأوذيت من أصحابى حتى طلب الدم وأوذيت فى دولة النظام بالطلب والحبس - فيا من خفت الكل لأجله، لا تخيب ظنى فيك - وعصمنى الله تعالى فى عنفوان شبابى بأنواع
стр. 139
من العصمة، وقصر محبتى على العلم وأهله، فما خالطت لعّابا قط، ولا عاشرت إلا أمثالى من طلبة العلم.
قال: والغالب على أحداث طائفة أصحاب أحمد العفة، وعلى مشايخهم الزهادة والنظافة. آخر كلامه.
والأذية التى ذكرها من أصحابه له، وطلبهم منه هجران جماعة من العلماء، نذكر بعض شرحها. وذلك:
أن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخى المعتزلة. وكان يقرأ عليهما فى السر علم الكلام، ويظهر منه فى بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات ﵀.
ففى سنة إحدى وستين اطلعوا له على كتب فيها شئ من تعظيم المعتزلة، والترحّم على الحلاّج وغير ذلك. ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر وغيره، فاشتد ذلك عليهم، وطلبوا أذاه، فاختفى. ثم التجأ إلى دار السلطان، ولم يزل أمره فى تخبيط إلى سنة خمس وستين، فحضر فى أولها إلى الديوان، ومعه جماعة من الأصحاب، فاصطلحوا ولم يحضر الشريف أبو جعفر؛ لأنه كان عاتبا على ولاة الأمر بسبب إنكار منكر قد سبق ذكره فى ترجمته.
فمضى ابن عقيل إلى بيت الشريف وصالحه وكتب خطّه:
يقول على بن عقيل بن محمد: إنّي أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم. وما كنت علّقته، ووجد بخطّى من مذاهبهم وضلالتهم فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته. ولا تحل كتابته، ولا قراءته، ولا اعتقاده.
وإننى علقت مسألة الليل فى جملة ذلك. وإن قوما قالوا: هو أجساد سود.
стр. 140
وقلت: الصحيح: ما سمعته من الشيخ أبى عليّ، وأنه قال: هو عدم ولا يسمى جسما، ولا شيئا أصلا. واعتقدت أنا ذلك. وأنا تائب إلى الله تعالى منهم.
واعتقدت فى الحلاج أنه من أهل الدّين والزّهد والكرامات. ونصرت ذلك فى جزء عملته. وأنا تائب إلى الله تعالى منه، وأنه قتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا فى ذلك، وأخطأ هو. ومع ذلك فإنى أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة، والمبتدعة، وغير ذلك، والترحم عليهم، والتعظيم لهم؛ فإن ذلك كله حرام. ولا يحل لمسلم فعله؛ لقول النبى ﷺ : «من عظّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام».
وقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ، والأتباع، سادتى وإخوانى - حرسهم الله تعالى - مصيبين فى الإنكار عليّ؛ لما شاهدوه بخطّى من الكتب التى أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقق أنى كنت مخطئا غير مصيب.
ومتى حفظ عليّ ما ينافى هذا الخط وهذا الإقرار: فلامام المسلمين مكافأتى على ذلك. وأشهدت الله وملائكته وأولى العلم، على ذلك غير مجبر، ولا مكره وباطنى وظاهرى - يعلم الله تعالى - فى ذلك سواء. قال تعالى: (٩٩:٥ ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ، وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ)﴾.
وكتب يوم الأربعاء عاشر محرم سنة خمس وستين وأربعمائة.
وكانت كتابته قبل حضوره الديوان بيوم، فلما حضر شهد عليه جماعة كثيرة من الشهود والعلماء.
قال ابن الجوزى: وأفتى ابن عقيل، ودرس وناظر الفحول، واستفتى فى الديوان فى زمن القائم، فى زمرة الكبار. وجمع علم الفروع والأصول وصنّف فيها الكتب الكبار. وكان دائم التشاغل بالعلم، حتى أنى رأيت بخطّه:
إنّي لا يحل لى أن أضيع ساعة من عمرى، حتى إذا تعطّل لسانى عن
стр. 141
مذاكرة ومناظرة، وبصرى عن مطالعة، أعملت فكرى فى حال راحتى، وأنا مستطرح، فلا أنهض إلاّ وقد خطر لى ما أسطره. وإنّي لأجد من حرصى على العلم. وأنا فى عشر الثمانين أشدّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.
قال: وكان له الخاطر العاطر، والبحث عن الغوامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى «بالفنون» مناطا لخواطره وواقعاته. ومن تأمل واقعاته فيه عرف غور الرجل.
وتكلم على المنبر بلسان الوعظ مدة. فلما كانت سنة خمس وسبعين وأربعمائة جرت فيها فتن بين الحنابلة والأشاعرة، فترك الوعظ، واقتصر على التدريس.
ومتعه الله تعالى بسمعه وبصره، وجميع جوارحه.
قال: وقرأت بخطه. قال: بلغت الاثنتى عشرة سنة، وأنا فى سنة الثمانين وما أرى نقصا فى الخاطر والفكر والحفظ، وحدة النظر، وقوة البصر، لرؤية الأهلة الخفية، إلاّ أن القوة بالإضافة إلى قوة الشبيبة والكهولة ضعيفة.
قلت: وذكر ابن عقل، فى فنونه: قال حنبلى - يعنى نفسه -: أنا أقصر بغاية جهدى أوقات أكلى، حتى أختار سفّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرا على مطالعة، أو تسطير فائدة، لم أدركها فيه.
قال ابن الجوزى: وكان ابن عقيل قوى الدين، حافظا للحدود. وتوفى له ولدان، فظهر منه من الصبر ما يتعجب منه. وكان كريما ينفق ما يجد، ولم يخلف سوى كتبه وثياب بدنه. وكانت بمقدار كفنه، وقضاء دينه.
وقال ابن عقيل: قدم علينا أبو المعالى الجوينى بغداد، أول ما دخل الغزالى فتكلم مع أبى إسحاق، وأبى نصر الصباغ، وسمعت كلامه. ثم ذكر عنه مسألة العلم بالأعراض المشهورة عنه، وبالغ فى الرد عليه.
ولما ورد الغزالى بغداد، ودرس بالنظامية، حضره ابن عقيل، وأبو الخطاب،
стр. 142
وغيرهما. وكان ابن عقيل كثير المناظرة للكيا الهراسى. وكان الكيا ينشده فى المناظرة:
ارفق بعبدك إنّ فيه فهاهة … جبلية ولك العراق وماؤها.
قال السلفى: ما رأت عيناى مثل الشيخ أبى الوفاء بن عقيل؛ ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته.
ولقد تكلم يوما مع شيخنا أبى الحسن الكيا الهرّاسى فى مسألة، فقال شيخنا:
هذا ليس بمذهبك. فقال: أنا لى اجتهاد، متى ما طالبنى خصمى بحجة كان عندى ما أدفع به عن نفسى، وأقوم له بحجتى، فقال له شيخنا: كذلك الظنّ بك.
وذكر ابن النجار فى تاريخه: أن ابن عقيل قرأ الفقه على القاضى أبى يعلى، وعلى أبى محمد التميمى، وقرأ الأصول والخلاف على القاضى أبى الطيّب الطبرىّ، وأبى نصر بن الصباغ، وقاضى القضاة أبى عبد الله الدامغانى.
وكان ابن عقيل ﵀ عظيم الحرمة، وافر الجلالة عند الخلفاء والملوك.
وكان شهما مقداما، يواجه الأكابر بالإنكار بلفظه، وخطه، حتى إنه أرسل مرة إلى حماد الدباس، مع شهرته بالزهد والمكاشفات، وعكوف العامة عليه، يتهدده فى أمر كان يفعله، ويقول له: إن عدت إلى هذا ضربت عنقك.
وكتب مرة إلى الوزير عميد الدولة ابن جهير لما بنى سور بغداد، وأظهر العوام، فى الاشتغال ببنائه المنكرات:
لولا اعتقاد صحة البعث، وأن لنا دارا أكون فيها على حال أحمدها، لما نصبت نفسى إلى مالك عصرى، وعلى الله أعتمد فى جميع ما أورده، بعد أن أشهده: أنى محب متعصب. لكن إذا تقابل دين محمد ودولة بنى جهير، فو الله ما أردت هذه بهذه، ولو كنت كذلك كنت كافرا. فقلت: إن هذا الخرق الذى جرى بالشريعة لمناصبة واضعها. فما بالنا نعقد الختمات ورواية
стр. 143
الأحاديث؟ فإذا نزلت بنا الحوادث تقدمنا بجميع الختمات، والدعاء عقيبها، ثم بعد ذلك طبول وصوانى، ومخانيث، وخيال، وكشف عوارت الرجال مع حضور النساء، إسقاطا لحكم الله تعالى.
وما عندى يا شرف الدين، أن تقوم بسخطة من سخطات الله تعالى. ترى بأى وجه تلقى محمدا ﷺ ؟ بل لو رأيته فى المنام مقطبا كان ذلك يزعجك فى يقظتك. وأىّ حرمة تبقى لوجوهنا وأيدينا وألسنتنا عند الله، إذا وضعنا الجباه ساجدة له؟ ثم كيف تطالب الأجناد بتقبيل عتبة، ولثم ترابها، وتقيم الحدّ فى دهليز الحريم، صباحا ومساء، على قدح نبيذ مختلف فيه، ثم تمرح العوام فى المسكر المجمع على تحريمه؟ هذا مضاف إلى الزنا الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب.
يا شرف الدين، اتق سخط الله تعالى؛ فإن سخطه لا يقاومه سماء ولا أرض وإن فسدت حالى بما قلت فلعلّ الله يلطف بى، ويكفينى هوائج الطباع. ثم لا تلمنا على ملازمة البيوت، والاختفاء عن العوام؛ لأنهم إن سألونا لم نقل إلاّ ما يقتضى الإعظام لهذه القبائح، والإنكار لها، والنياحة على الشريعة. أترى لو جاءت معتبة من الله سبحانه فى منام أو على لسان نبى - لو كان للوحى نزول - أو ألقى إلى روع مسلم بإلهام: هل كانت إلا إليك؟ فاتق الله تقوى من علم بمقدار سخطه، فقد قال: (٥٦:٤٣ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ)﴾ وقد ملأتكم فى عيونكم مدائح الشراء ومداجاة المتمولين بدولتكم، الأغنياء الأغبياء، الذين خسروا الله فيكم، فحسنوا لكم طرائقكم. والعاقل من عرف نفسه، ولا يغره مدح من لا يخبرها.
وكتب ابن عقيل إلى السلطان جلال الدولة «ملكشاه» وقد كانت الباطنية أفسدوا عقيدته، ودعوه إلى إنكار الصانع:
أيّها الملك، اعلم أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس،
стр. 144
فإذا فقدوه جحدوه. وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة. وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس، ولم يجحدها العقل، ولا يمكننا جحدها لقيام دلالة العقل على إثباتها.
فإن قال لك أحد من هؤلاء: لا تثبت إلا ما ترى. فمن ههنا دخل الإلحاد على جهّال العوام، الذين يستثقلون الأمر والنهى، وهم يرون أن لنا هذه الأجساد الطويلة العميقة، التى تنمى ولا تفسد، وتقبل الأغذية وتصدر عنها الأعمال المحكمة، كالطب، والهندسة. فعلموا أن ذلك صادر عن أمر وراء هذه الأجساد المستحيلة وهو الروح والعقل، فإذا سألناهم: هل أدركتم هذين الأمرين بشئ من إحساسكم قالوا: لا، لكننا أدركناهما من طريق الاستدلال بما صدر عنهما من التأثيرات قلنا: فما لكم جحدتم الإله، حيث فقدتموه حسا، مع ما صدر عنه من إنشاء الرياح والنجوم، وإدارة الأفلاك، وإنبات الزرع، وتقليب الأزمنة؟ وكما أن لهذا الجسد عقلا وروحا بهما قوامه ولا يدركهما الحس، لكن شهدت بهما أدلّة العقل من حيث الآثار، كذلك الله سبحانه - وله المثل الأعلى - ثبت بالعقل، لمشاهدة الإحساس من آثار صنائعه، وإتقان أفعاله.
وأرسل هذا الفصل إلى السلطان مع بعض خواصه. قال: فحكى لى أنه أعاده عليه فاستحسنه، وهش إليه، ولعن أولئك، وكشف إليه ما يقولون له.
وكتب ابن عقيل أيضا مرة إلى أبى شجاع، وزير الخليفة المقتدى. وكان دينا كثير التعبد، لكن كانت به وسوسة فى عباداته:
أما بعد، فإن أجلّ تحصيل عند العقلاء، بإجماع العلماء: الوقت، فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص. فالتكاليف كثيرة، والآداب خاطفة. وأقلّ متعبد به الماء. ومن اطلع على أسرار الشريعة علم قدر التخفيف.
فمن ذلك قوله: «صبوا على بول الأعرابى ذنوبا من الماء».
وقوله فى المنى: «أمطه عنك».
وقوله فى الخف: «طهوره أن تدلكه بالأرض». وفى ذيل المرأة: «يطهره ما بعده».
стр. 145
وقوله: «يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام». و «كان يحمل بنت أبى العاص فى الصلاة».
ونهى الراعى فى إعلام السائل عن الماء وما يرده، وقال: «يا صاحب الميزاب لا تخبره» فإن خطر بالبال نوع احتياط فى الطهارة، كالاحتياط فى غيرها فى مراعاة الإطالة، وغيبوبة الشمس، والزكاة، فإنه يفوت من الأعمال ما لا يفى به الاحتياط فى الماء، الذى أصله الطهارة.
وقد صافح رسول ﷺ الأعرابى، وركب الحمار، وما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء. وقد توضأ من سقاية المسجد. ومعلوم حال الأعراب الذين بان من أحدهم الإقدام على البول فى المسجد. وتوضأ من جرة نصرانية وما احترز؛ تعليما لنا وتشريعا. وأعلمنا أن الماء أصله الطهارة. وتوضأ من غدير كان ماءه نقاعة الحناء.
فأما قوله: «تنزهوا من البول» فإن للتنزه حدا معلوما. فأما الاستشعار:
فإنه إذا نما وانقطع الوقت، ولا يقتضى مثله الشرع.
وكتب ابن عقيل غير مرّة إلى قاضى القضاة أبى الحسن بن الدامغانى رسائل تتضمن توبيخه على تقصير وقع منه فى حقّه. وفيها كلام خشن وعتاب غليظ.
ولما دخل السلطان جلال الدولة إلى بغداد، ومعه وزيره نظام الملك، سنة أربع وثمانين، قال النظام: أريد أن أستدعى بهم، وأسألهم عن مذهبهم، فقد قيل: إنهم مجسمة - يعنى: الحنابلة.
قال ابن عقيل: فأحببت أن أصوغ لهم كلاما يجوز أن يقال إذا، فقلت:
ينبغى لهؤلاء الجماعة أن يسألوا عن صاحبنا؟ فإذا أجمعوا على حفظه لأخبار رسول الله ﷺ وأفعاله، إلا ما كان للرأى فيه مدخل من الحوادث الفقهية، فنحن على مذهب ذلك الرجل الذى أجمعوا على تعديله، على أنهم على مذهب قوم أجمعنا على سلامتهم من البدعة. فإن وافقوا على أننا على مذهبه فقد أجمعوا على