← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومنهم من يعلل بقوة العتق وتأكيده، كما ذكره القاضى يعقوب هنا. وعلى هذا فالواجب عتق العبد كله بالنذر. وذكر القاضى يعقوب أيضا: فيما إذا حلف ليقضينّه دراهمه التى عنده فأحاله بها، وقال: يحتمل أن يبرأ؛ لأن ذمته قد برئت بالحوالة. وهذا مخالف لقول القاضى والأصحاب؛ فإن الحوالة نقلت الحق من ذمة إلى ذمة، ولم يحصل بها الاستيفاء. ورأيت بخط أبى زكريا بن الصيرفى الفقيه: أن القاضى أبا على يعقوب اختار جواز أخذ الزكاة لبنى هاشم، إذا منعوا حقهم من الخمس. وقرأت بخط الجنيد بن يعقوب الجيلى الفقيه «فرع: تملك الأم الرجوع فى الهبة» وهو اختيار القاضى يعقوب بن إبراهيم. وفيه رواية أخرى: لا تملك. اختارها بقية الأصحاب. وذكر القاضى يعقوب الخلاف بين أصحابنا فى أن الحروف: هل هى حرف واحد قديم، أو حرفان: قديم ومحدث؟ وقال: كلام أحمد يحتمل القولين. ولكنه اختار أنها حرف واحد. وحكاه عن شيخه القاضى وذكر أنه سمع ابن جلبة الحرانى يحكيه عن الشريف الزبدى، وجماعة من أهل حران. والتزم القاضى يعقوب: أن كل ما كان موافقا لكتاب الله من الكلام فى لفظه ونظمه وحروفه، فهو من كتاب الله، وإن قصد به خطاب آدمى، حتى إنه لا يبطل الصلاة. قال أبو العباس بن تيمية: وهذا مخالف للاجماع. وهو كما قال. فإنه إذا جرّد قصده للخطاب، فهو يتكلم بكلام الآدميين. وأما إن قصد التنبيه بالقرآن، فمن الأصحاب من قال: لا يحنث، ومنهم من بناه على الخلاف فى بطلان الصلاة بذلك.

стр. 72

٣٠ - عبد الوهاب بن طالب بن أحمد بن يوسف بن عبد الله بن عنبسة ابن عبد الله بن كعب بن زيد بن بهم، أبو القاسم التميمى الأزجى البغدادى، المقرئ الفقيه. نزيل دمشق. أقام بها مدة يؤم بمسجد درب الريحان. حدّث بها بالإجازة من الطناجيرى. سمع منه ابن صابر الدمشقى المحدث وأخوه. وتوفى ليلة الثلاثاء ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وأربعمائة. ودفن من الغد بمقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى. ٣١ - رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن الهيثم بن عبد الله التميمى، البغدادى المقرئ، المحدث الفقيه الواعظ، شيخ أهل العراق فى زمانه، أبو محمد بن أبى الفرج بن أبى الحسن. ولد سنة أربعمائة - وقيل: سنة إحدى وأربعمائة - وفى الطبقات لابن الجوزى: سنة أربع. وقال السلفى: سمعت أبا الحسن على بن محمد بن سلامة الروحانى بمصر يقول: سمعت رزق الله التميمى ببغداد يقول: مولدى سنة ست وتسعين وثلاثمائة. وقرأ القرآن بالروايات على أبى الحسن الحمامى. وسمع الحديث من أبى الحسين بن التميم، وأبى عمر بن مهدى، وابنى بشران، وأبى علي بن شاذان، وغيرهم. وأجاز له أبو عبد الرحمن السلمى الصوفى، وتفقه على أبيه أبى الفرج، وعمه أبى الفضل عبد الواحد، وأبى علىّ بن أبى موسى صاحب الإرشاد. قال أبو الحسين: وقرأ على الوالد السعيد قطعة من المذهب. وأدرك من أصحاب ابن مجاهد رجلا يقال له: أبو القاسم عبد الله بن محمد

стр. 73

الخفاف، وقرأ عليه سورة البقرة. وقرأها على ابن مجاهد، وأدرك من أصحاب أبى بكر الشبلى رجلا، وهو عمر بن تعويذ. وحكى عنه حكاية عن الشبلى قال ابن الجوزى: وشهد عند أبى الحسين بن ما كولا قاضى القضاة. فلما توفى وولى ابن الدامغانى ترك الشهادة؛ ترفعا عن أن يشهد عنده. فجاء قاضى القضاة إليه مستدعيا لمودّته وشهادته عنده، فلم يخرج له عن موضعه، ولم يصحبه مقصوده. قال: وكان قد اجتمع للتميمى القرآن، والفقه والحديث، والأدب والوعظ. وكان جميل الصورة، فوقع له القبول من الخواص والعوام. وأخرجه الخليفة رسولا إلى السلطان فى مهام الدولة. وكان له الحلقة فى الفقه، والفتوى والوعظ بجامع المنصور. فلما انتقل إلى باب المراتب كانت له حلقة بجامع القصر يروى فيها الحديث، ويفتى. وكان يمضى فى السنة أربع دفعات: فى رجب، وشعبان، ويوم عرفة، وعاشوراء، إلى مقبرة أحمد، ويعقد هناك مجلسا للوعظ. وقال فى الطبقات: كانت له المعرفة الحسنة بالقرآن والحديث، والفقه والأصول، والتفسير، واللغة والعربية، والفرائض. وكان حسن الأخلاق. وحكى عن ابن عقيل قال: كان سيد الجماعة من أصحاب أحمد بيتا ورئاسة وحشمة أبا محمد التميمى. وكان أحلى الناس عبارة فى النظر، وأجراهم قلما فى الفتيا، وأحسنهم وعظا. وقال ابن عقيل فى فنونه - والكلام أظنه فى تاريخ بغداد -: ومن كبار مشايخى: أبو محمد التميمى شيخ زمانه. كان حسنة العالم، وماشطة بغداد. وذكر عن التميمى أنه كان يقول: كلّ الطوائف تدّعينى. وقال شجاع الذهلى - فيما حكاه عن السلفى - كان له لسان وعارضة، وحلاوة منطق. وهو أحد الوعاظ المذكورين، والشيوخ المتقدمين. وقد سمعت منه.

стр. 74

وقال السلفى: سألت المؤتمن الساجى عن أبى محمد التميمى؟ فقال: هو الإمام علما ونفسا وأبوة، وما يذكر عنه فتحامل من أعدائه. وقال شيرويه الديلمى الحافظ: هو شيخ الحنابلة، ومقدمهم. سمعت منه. وكان ثقة صدوقا، فاضلا ذا حشمة. وقال أبو عامر العبدرى: رزق الله التميمى كان شيخا بهيا، ظريفا لطيفا، كثير الحكايات والملح، ما أعلم منه إلاّ خيرا. وقال أبو على بن سكرة فى مشيخته: ما لقيت فى بغداد مثله - يعنى التميمى - قرأت عليه كثيرا. وإنما لم أطل ذكره لعجزى عن وصفه لكماله وفضله وقال ابن ناصر ما رأيت شيخا ابن سبع وثمانين سنة أحسن سمتا وهديا، واستقامة منه، ولا أحسن كلاما، وأظرف وعظا، وأسرع جوابا منه؛ فلقد كان جمالا للاسلام كما لقب، وفخرا لأهل العراق خاصة، ولجميع بلاد الإسلام عامة، وما رأينا مثله. وكان مقدما على الشيوخ والفقهاء وشهود الحضرة، وهو شاب ابن عشرين سنة، فكيف به وقد ناهز التسعين سنة؟ وكان مكرما وذا قدر رفيع عند الخلفاء، منذ زمن القادر ومن بعده من الخلفاء إلى خلافة المستظهر. وله تصانيف. منها «شرح الإرشاد» لشيخه ابن أبى موسى فى الفقه والخصال والأقسام. قرأ عليه بالروايات جماعة، منهم: أبو الكرم الشهرزورى، وغيره. وأملى الحديث. وسمع منه خلق كثير ببغداد وأصبهان، لما قدمها رسولا من جهة المقتدى. وممن سمع منه الحفاظ: إسماعيل التميمىّ، وأبو سعد بن البغدادى، وأبو عبد الله الحميدى، وابن الخاضبة، وأبو مسعود سليمان بن إبراهيم، وأبو نعيم ابن الحداد، وأبو علي البردانى، وأبو نصر الغازى، وإسماعيل بن السمرقندى، وابن ناصر، ومحمد بن طاهر، وعبد الوهاب الأنماطى.

стр. 75

وسمع منه أيضا: نصر الله المصيصى، وهبة الله بن طاوس، وعلىّ بن طراد، والقاضى أبو بكر، والقاضى أبو الحسين، وأخوه أبو حازم، وابن البطّى، وخلق كثير. وقد روى ابن السمعانى: حديث «من عادى لى وليّا» عن أربعة وسبعين، سماعا له، سمعوه من التميمى. وروى عنه من أهل أصبهان أزيد من مائة راو. وآخر من روى عنه: السلفى بالإجازة. وذكر ابن النجار فى أول تاريخه بإسناده عن خميس الجوزى الحافظ: سمعت طلحة بن على الرازى، قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام ببغداد، كأنه فى مسجد عتاب، جالس فى القبلة، وعليه برد كحل (١)، وهو متقلد بسيف، والمسجد غاص بأهله. وفى الجماعة أبو محمد التميمى وهو يقول له: يا رسول الله، ادع الله لنا فرفع يديه، فقال - وأنا أقول معه -: اللهم إنّا نسألك حسن الاختيار فى جميع الأقدار، ونعوذ بك من سوء الاختيار فى جميع الأقدار. قال أحمد بن طارق الكركى: سمعت أبا الكرم الشهرزورى يقول: سمعت التميمى يقول: لما دخلت سمرقند برسالة المقتدى إلى «ملكشاه» رأيتهم يروون الناسخ والمنسوخ لهبة الله عن خمسة رجال إليه، فقلت لهم: الكتاب معى، والمصنّف جدى لأمى، ومنه سمعته، ولكن ما أسمع كل واحد منكم إلا بمائة دينار. فما كان الظهر حتى جاءنى كيس فيه خمسمائة دينار والجماعة فسمعوا علىّ، وسلموا إلىّ الذهب. قال: ولما عدنا من سمرقند ودخلنا أصبهان، وأمليت الحديث يوم جمعة، فقام الجماعة ومدحونى، وقالوا: ما سمعنا أحسن من هذا. ولأبى محمد التميمى شعر حسن. قال ابن السمعانى: أنشدنا هبة الله ابن طاوس بدمشق، أنشدنا التميمى لنفسه: وما شنآن الشيب من أجل لونه … ولكنه حاد إلى البين مسرع

стр. 76

إذا ما بدت منه الطليعة آذنت … بأنّ المنايا خلفها تتطلع فإن قصّها المقراض صاحت بأختها … فتظهر تتلوها ثلاث وأربع وإن خضبت حال الخضاب لأنّه … يغالب صنع الله، والله أصنع فيضحى كريش الديك فيه تلمّع … وأقطع ما يكساه ثوب ملمّع إذا ما بلغت الأربعين فقل لمن … يودك فيما تشتهيه وتسرع هلموا لنبكى قبل فرقة بيننا … فما بعدها عيش لذيذ ومجمع وخلّ التصابى، والخلاعة، والهوى … وأمّ طريق الحق، فالحقّ أنفع وخذ جنّة تنجى وزادا من التقى … وصحبة مأمون، فقصدك مفزع قال: وأنشدنا إسماعيل بن السمرقندى، أنشدنا التميمى لنفسه: مررنا على رسم الديار فسلّمنا … وقلنا له: يا ربع أين نأوا عنّا؟ وجدنا بدمع كالرذاذ على الثّرى … فصمّ المنادى، فانصرفنا كما كنّا وما ذاك إلاّ أنّ رسم ديارهم … به كالذى نلقى فقد زادنا حزنا فلما أيسنا من جواب رسومهم … نزلنا فقبلنا الثرى قبل أن رحنا ومن شعره: يا ويح هذا القلب ما حاله … مشتغلا فى الحى بلباله سكران لو يصحو لعاتبه … وكيف بالعتب لمن حاله دمع غزير، وجوى كامن … يرحمه من ذاك عذّاله ما ينثنى باللوم عن حبّه … تغيّرت فى الحب أحواله قال: وأنشدنا لنفسه: ولم أستطع يوم الفراق وداعه … بلفظى فناب الدمع منّي عن القول وشيّعه صبرى ونومى كلاهما … فعدت بلا أنس نهارى ولا ليلى فلما مضى أقبلت أسعى مولّها … يدى على رأسى وناديت: يا ويلى تبدّلت يوم البين بالأنس وحشة … وجرّرت بالخسران يوم النوى ذيلى

стр. 77

وله أيضا: لا تسألانى عن الحىّ الذى بانا … فإننى كنت يوم البين سكرانا يا صاحبيّ على وجدى بنعمانا … هل راجع وصل ليلى كالذى كانا؟ أم ذاك آخر عهد للّقاء بها … فنجعل الدهر ما عشناه أحزانا ما ضرّهم لو أقاموا يوم بينهم … بقدر ما يلبس المحزون أكفانا ليت الجمال التى للبين ما خلقت … وليت حاد حدا للبين حيرانا توفى أبو محمد التميمى رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وصلّى عليه ابنه أبو الفضل من الغد. ودفن بداره بباب المراتب بإذن الخليفة المستظهر. ولم يدفن بها أحد قبله. ثم لما توفى ابنه أبو الفضل سنة إحدى وتسعين، نقل معه إلى مقبرة باب حرب، فدفن إلى جانب أبيه وجده وعمه، بدكة الإمام أحمد عن يمينه. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الصالحى، أخبرنا أبو المعالى أحمد بن إسحاق الهمدانى، أنبأنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن سابور، أنبأنا عبد العزيز بن محمد بن منصور الشيرازى ح وأنبأتنا زينب بنت أحمد عن عبد الرحمن بن مكى عن جده أبى الطاهر بن أحمد بن محمد الأصبهانى، قالا: أنبأنا أبو محمد رزق الله ابن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحرث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود ابن سفيان بن يزيد بن أكينة بن الهيثم بن عبد الله التميمى - قال الأول: سماعا، وقال الثانى: إجازة - قال: سمعت أبى أبا الفرج عبد الوهاب يقول: سمعت أبى أبا الحسن عبد العزيز يقول: سمعت أبى أبا بكر الحرث يقول: سمعت أبى أسدا يقول: سمعت أبى الليث يقول: سمعت أبى سليمان يقول: سمعت أبى الأسود يقول: سمعت أبى سفيان يقول: سمعت أبى يزيد يقول: سمعت أبى أكينة يقول: سمعت أبى الهيثم يقول: سمعت أبى عبد الله يقول:

стр. 78

سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما اجتمع قوم على ذكر الله إلاّ حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرّحمة». «أكينة» بضم الهمزة وفتح الكاف وبالياء والنون المفتوحة قيّده ابن ماكولا وغيره. وعبد الله هذا هو ابن الحرث بن سيدان بن مرّة بن سفيان بن مجاشع ابن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمى. كذا نسبه ابن ماكولا. وقال ابن الجوزى: كان عبد الله هذا اسمه عبد اللات، فسماه رسول الله ﷺ : عبد الله، وعلمه. وأرسله إلى اليمامة والبحرين؛ ليعلمهم أمر دينهم، وقال: «نزع الله من صدرك وصدر ولدك الغل والغش إلى يوم القيامة». قرأت بخط الإمام أبى العباس بن تيمية: أن أبا محمد التميمى وافق جده أبا الحسن على كراهة الماء المسخن بالشمس. ونقل بعض الأصحاب عن أبى محمد التميمى: أنه اختار أن خروج المنى بغير شهوة يوجب الغسل. وذكر ابن الصيرفى فى نوادره قال: نقل أبو داود عن أحمد: المرأة تعدم الماء، ويكون عنده مجتمع الفساق، فتخاف أن تخرج: أتتيمم؟ قال: لا أدرى. قال أبو محمد التميمى فى شرح الإرشاد: يتوجه أن تتيمم لأنه ضرورة. وهل تعيد الوضوء إذا قدرت على الماء؟ على وجهين. أصحهما: لا إعادة عليها. قال: وكان عبد العزيز يقول: تعيد الوضوء والصلاة إذا قدرت، فإن لم تعد فلا جناح. وقال غيره من أصحابنا: لا إعادة. قال: وهو الصحيح. وبه يقول شيخنا - يعنى: ابن أبى موسى.

стр. 79

قلت: فحقيقة الوجهين فى الإعادة إنما هى فى الاستحباب وعدمه؛ فإن أبا بكر قد قال: فإن لم تعد فلا حرج. وقد ذكر الأصحاب: أن أحمد نصّ فى رواية أخرى على أنها لا تمضى وتتيمم بل قالوا: لا يجوز لها المضى إذا خافت على نفسها منهم. وفى النوادر أيضا: أن أبا محمد التميمى حكى رواية عن أحمد: بصحة الصلاة عن يسار الإمام مع الكراهة. وفى المنثور لابن عقيل: ذكر شيخنا فى الجامع الكبير: إذا فصد، وشد العصابة: مسح عليها وتيمم. فاعترض عليه أبو محمد التميمى بأنه لا يخلو: إما أن يكون جرحا فيتيمم له، أو مثل الجبيرة فيمسحه فقط. فقال القاضى: وجدته عن أحمد كذلك - يعنى: جواب التميمى. وذكر ابن الجوزى فى تاريخه: أن جلال الدولة أمره أن يكتب شاهنشاه (١) الأعظم ملك الملوك، وخطب له بذلك. فنفر العامة، ورجموا الخطباء، ووقعت فتنة. وذلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة. فاستفتى الفقهاء فكتب الصّيمرى: أنّ هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية. وكتب أبو الطيب الطبرى: أن إطلاق ملك الملوك جائز، ويكون معناه ملك ملوك الأرض. وإذا جاز أن يقال: قاضى القضاة، وكافى الكفاة، جاز أن يقال: ملك الملوك. وكتب التميمى نحو ذلك وذكر محمد بن عبد الملك الهمذانى: أن القاضى الماوردى منع من جواز ذلك. قال ابن الجوزى: والذى ذكره الأكثرون هو القياس إذا قصد به ملوك الدنيا، إلا أنى لا أرى إلا ما رآه الماوردى؛ لأنه قد صحّ فى الحديث ما يدل على المنع لكنهم عن النقل بمعزل. ثم ساق حديث أبى هريرة الذى فى الصحيحين. وابن الجوزى وافق على جواز التسمية بقاضى القضاة ونحوه. وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم قال: وقال بعض العلماء: وفى معنى ذلك - يعنى: ملك الملوك - كراهية التسمية بقاضى القضاة، وحاكم الحكام؛ فإنّ حاكم الحكام

стр. 80

فى الحقيقة هو الله تعالى. وقد كان جماعة من أهل الدين والفضل يتورعون عن إطلاق لفظ قاضى القضاة، وحاكم الحكام، قياسا على ما يبغضه الله ورسوله من التسمية بملك الأملاك. وهذا محض القياس. قلت: وكان شيخنا أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الكنانى الشافعى - قاضى الديار المصرية، وابن قاضيها - يمنع الناس أن يخاطبوه بقاضى القضاة، أو يكتبوا له ذلك، وأمرهم أن يبدلوا ذلك بقاضى المسلمين. وقال: إنّ هذا اللفظ مأثور عن على رضى الله عنه. يوضح ذلك: أن التقليب بملك الملوك إنما كان من شعائر ملوك الفرس من الأعاجم المجوس ونحوهم. وكذلك كان المجوس يسمون قاضيهم «موبذ موبذان» يعنون بذلك: قاضى القضاة. فالكلمتان من شعائرهم، ولا ينبغى التسمية بهما. والله أعلم. ٣٢ - عبد الوهاب بن رزق الله بن عبد الوهاب التميمى، أبو الفضل بن أبى محمد المذكور قبله. ذكره ابن السمعانى، فقال: كان فاضلا، متقنا، واعظا، جميل المحيا. سمع أبا طالب بن غيلان. وحدثنا عنه عبد الوهاب الأنماطى. ثم ساق له حديثا، ثم قال: سمعت أبا الفضل بن ناصر يقول: مات أبو الفضل عبد الوهاب ابن أبى محمد التميمى يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. وقد قدمنا أن أباه نقل معه إلى باب حرب فى هذا اليوم. وذكر أبو الحسين فى الطبقات: أنه كان يحضر بين يدى أبيه فى مجالس وعظه بمقبرة الإمام أحمد، وينهض بعد كلامه قائما على قدميه، ويورد فصولا مسجوعة. ٣٣ - عبد الواحد بن رزق الله بن عبد الوهاب التميمى، أبو القاسم، أخو المذكور قبله.

стр. 81

ذكره ابن السمعانى أيضا، فقال: من أولاد الأئمة والمحدثين، قرأ القرآن والحديث والفقه. وكان من محاسن البغداديين فى الوعظ. ختم به بيته، ولم يعقب. سمع أبا طالب بن غيلان، وحدث بشئ يسير. قلت: وسمع هو وأخوه عبد الوهاب من القاضى أبى يعلى. ثمّ قال: سالت عبد الوهاب الأنماطى عنه؟ فقال: كان صدعا (١). وكان يلبس الحرير. وذكر ابن النجار: أنه كان يراسل به إلى الملوك فى أيام المستظهر، وأنه كان شديد القوة فى بدنه، وأنه حدّث بأصبهان. وسمع منه محمد بن عبد الواحد الدقاق الحافظ. وتوفى يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب عند أخيه أبى الفضل. رحمهم الله تعالى. ٣٤ - على بن عمرو بن على بن الحسن بن عمرو الحرانى، أبو الحسن بن الضرير، الفقيه، الزاهد. صحب الشريف أبا القاسم الزيدى الحرّانى وأخذ عنه، وسمع منه. وتفقه ببغداد على القاضى. وكان من أكابر شيوخ حرّان. ذكره أبو الفتح بن عبدوس، وغيره وحدّث بالإبانة الصغرى لا بن بطّة، سنة أربع وثمانين وأربعمائة بحران، بسماعه من الشريف الزيدى، بسماعه من ابن بطّة. قرأت بخط بعض أصحابه أنه أنشدهم لغيره: ولا تمش فوق الأرض إلاّ تواضعا … فكم تحتها قوم هم منك أرفع فإن كنت فى عزّ، وحرز، ومنعة … فكم مات من قوم هم منك أمنع وذكره أبو الحسين، فقال: الصالح التقى، صاحب الوالد السعيد. توفى بسروج، فى شعبان سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وحكى لى ابنه خليفة، قال: حكى لى رجل من أهل سروج من الصالحين:

стр. 82

أنه رأى فى تلك الليلة قائلا يقول له: يا فلان، إلى متى تنام؟ قم، قد انهدم ربع الإسلام. قال: فانتبهت، وانزعجت، ثم عدت نمت، فرأيت القائل يقول: كم تنام، قد انهدم ربع الإسلام. قال: فقعدت واستغفرت الله تعالى. وقلت: إيش هذا؟ قال: ثمّ نمت، فقال لى يا فلان، قد انهدم ربع الإسلام. قد مات عليّ بن عمرو. قال: فأصبحت وقد مات رحمه الله تعالى. ٣٥ - على بن المبارك الكرخى النهرىّ، الفقيه أبو الحسن. وقال ابن نقطة: هو علىّ بن محمد الفقيه، من أقران ابن عقيل. قال أبو الحسين: تفقه على الوالد، ودرس فى حياته وبعد مماته. وكان كثير الذكاء، قيما بالفرائض. سمع من الوالد الحديث الكثير. وتوفى فى ذى القعدة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وصليت عليه إماما. ودفن بمقبرة جامع المنصور. قال: وسمعت أبا الحسن النهرى قال: كنت فى بعض الأيام أمشى مع القاضى الإمام والدك، فالتفت، فقال لى: لا تلتفت إذا مشيت؛ فإنه ينسب فاعل ذلك إلى الحمق. قال: وقال لى يوما آخر - وأنا أمشى معه -: إذا مشيت مع من تعظمه، أين تمشى منه؟ قلت: لا أدرى، قال: عن يمينه، تقيمه مقام الإمام فى الصلاة، وتخلى له الجانب الأيسر، فإذا أراد أن يستنثر أو يزيل أذى جعله فى الجانب الأيسر. ٣٦ - عبد الله بن جابر بن ياسين بن الحسن بن محمد بن أحمد بن محمويه ابن خالد العسكرىّ، الحنائى، العطار، الفقيه، المحدث، أبو محمد ابن أبى الحسن.

стр. 83

ولد سنة تسع عشرة وأربعمائة. وسمع الحديث من أبى على بن شاذان، وأبى القاسم بن بشران، وغيرهما وتفقه على القاضى أبى يعلى، واستملى عليه الحديث قال ابن السمعانى: تفقه على القاضى أبى يعلى. وكان خال أولاده. وكان صدوقا، مليح المحاضرة، حسن الخط، بهىّ المنظر. وكان يستملى للقاضى أبى يعلى بجامع المنصور. وقال القاضى أبو الحسين: علق عن الوالد قطعة من المذهب والخلاف. وكتب أشياء من تصانيفه. وكان صادق اللهجة، حسن الوجه، مليح المحاضرة، كثير القراءة للقرآن، مليح الخط، حسن الحساب. وذكر القاضى عياض: أنه سأل أبا على بن سكرة عنه؟ فقال: كان شيخا مستورا، فاضلا. روى عنه القاضى أبو الحسين، وأبو القاسم بن السمرقندى، وعبد الوهاب الأنماطى، وعمر بن ظفر، وجماعة. قال القاضى أبو الحسين: مات خالى يوم الأربعاء عشرين شوال سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وصليت عليه إماما. ودفن بمقبرة باب حرب. قريبا من قبر الإمام أحمد. قال شجاع الذهلى: مات يوم الخميس حادى عشرين شوال. قال ابن السمعانى: والأول هو الصواب؛ وإنما دفن يوم الخميس. وكان أبوه أبو الحسن جابر بن ياسين ثقة، من أهل السنة. سمع من أبى حفص الكنانى، والمخلص، وجماعة. وحدّث. روى عنه القاضى أبو بكر الأنصارى. وتوفى سنة أربع وستين وأربعمائة فى شوال. و «محمويه» فى نسبه: - بميم مفتوحة، ثم حاء مهملة، ثم ميم مضمومة. هذا هو الصحيح. وذكره ابن السمرقندى: «حمويه» بلا ميم فى أوله. والحنائى أظنه منسوب إلى بيع الحناء.

стр. 84

٣٧ - زياد بن على بن هارون أبو القاسم الحنبلى الفقيه. نزيل بغداد. سمع بها من أبى مسلم عمر بن على اللّيثى البخارىّ. وحدّث عنه بكتاب الوجيز لا بن خزيمة. سمعه منه أبو الحسن بن الزاغونى، وأبو الحسين ابن الأبنوسى، ورواه عنه. وذكر هبة الله السقطى: أن زيادا الفقيه الحنبلى توفى فى طاعون، سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. رحمه الله تعالى. ٣٨ - إسماعيل بن أحمد بن محمد بن خيران البزّار الهمذانى (١)، أبو محمد الحافظ. مكثر. سمع بنيسابور عبد الغافر الفارسى، وأبا عثمان الصابونى، وأخاه أبا يعلى، وأبا حفص بن مسرور. وبأصبهان أبا عمر بن منده، وغيره. وسمع ببلدان شتى. وحدّث ببغداد. سمع منه أبو عامر العبدرى. وروى عنه ابن السقطى فى معجمه. وقال شيرويه الديلمى عنه. وهو الذى وصفه بالحنبلى سمع عليه مشايخ الوقت بخراسان والجبل، وكان حافظا مكثرا، قديم الحديث. وذكر ابن النجار: أنه توفى ببغداد يوم الأربعاء رابع عشرين المحرم سنة تسع وثمانين وأربعمائة، بالمارستان. ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى. ٣٩ - محمد بن علي بن الحسين بن جدا العكبرى، أبو بكر بن أبى الحسين المتقدم. ذكره ابن الجوزى فى التاريخ، وقال: كان من العلماء. نزل يتوضأ فى دجلة فغرق، فى ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. وقال شجاع الذهلى: يوم الخميس خامس ربيع الأول.

стр. 85

قال ابن النجار: سمع مع والده من أبى الحسين بن المهتدى حضورا سنة ست وستين وأربعمائة. ومات شابا. وما أظنه روى شيئا. ٤٠ - عبد الباقي بن حمزة بن الحسين الحدّاد، الفرضى، أبو الفضل. ولد سنة خمس وعشرين وأربعمائة. وذكره ابن السمعانى، فقال: شيخ صالح، خيّر. كان قد قرأ الفقه. وكانت له يد فى الفرائض والحساب. سمع أبا محمد الجوهرى وغيره. وروى لنا عنه أبو الغنائم سرايا بن هبة الله الحرانى، وأبو الفضل بن ناصر الحافظ. سألته عنه؟ فأحسن الثناء عليه ووثّقه، وقال: ثقة خيّر. وذكر ابن النجار: أنه سمع أيضا من أبوى الحسين بن المهتدى، وابن حسنون، وأبى علىّ المبارك، وهناد النسفى، وغيرهم. وأنه حدّث باليسير. وروى عنه سعيد بن الرزاز الفقيه، وأبو محمد المقرئ المعروف بسبط الخياط، وأبو بكر محمد بن خداداد الحداد. توفى يوم السبت رابع عشر شعبان سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. ودفن فى مقبرة باب أبرز. قلت: له كتاب «الإيضاح فى الفرائض». رأيت منه المجلد الأول. وهو حسن جدا. صنفه على مذهب الإمام أحمد. وحرّر فيه نقل المذهب تحريرا جيدا ومما ذكر فيه، فى باب توريث ذوى الأرحام، فى عمة لأبوين وعمة لأب وعمة لأم: المال بينهن على خمسة: للعمة من الأبوين ثلاثة أسهم، وللعمة من الأب سهم، وللعمة من الأم سهم. هذا إذا نزلناهن أبا، فأما إذا نزلناهن عمّا، ففى ذلك خلاف بين أصحابنا. فمنهم من قال: الأشبه بمذهبنا: أن يكون المال للعمة مع الأبوين، بمنزلة الأعمام المفرقين. ومنهم من قال: الأشبه أن يجعل

стр. 86

المال بينهن على خمسة، كأنّ العم مات وترك ثلاث أخوات مفترقات، كما قلنا فى الأب. قال: وهذا هو المنصوص عن أحمد. وجدته فى كتاب الشافى لأبى بكر عبد العزيز، من رواية حرب بن إسماعيل. سمعت أحمد قيل له فى ثلاث عمّات مفترقات؟ قال: على النصف والسدس. قيل له: أليس المال للعمة من الأب والأم؟ قال: لا. وهذا نص. قلت: لم يبين أحمد الأصل الذى تفرع عنه هذا الجواب، وهل هو تنزيل العمات أبا أو عمّا؟ وعنه فى ذلك روايات معروفة. لكنه لما أنكر أن يكون المال تختص به العمة للأبوين، ولم يفصل بين أن يقال: بتنزيلهن أبا أو عمّا، ظهر منه: أنه لا فرق فى ذلك بين تنزيلهن أبا أو عمّا. وهذا هو الصواب الذى عليه جمهور الأصحاب. والأول الذى ذكره ابن الحداد عن بعض الأصحاب، قد قاله الشيرازى فى المبهج وغيره، وجعلوا العمات بمنزلة الأعمام المفرقين. وهذا مع مخالفته لنص أحمد، فهو ضعيف فى القياس أيضا؛ فإنّا لا ننزل العمات أعماما متفرقين بمنزلة إخوتهن حتى ننزل العمة لأم عمّا لأم. فإنه يلزم من ذلك سقوطها البتة؛ لأنه غير وارث. وإنما ننزلهن كلهن أعماما لأبوين بمنزلة أخيهن العم من الأبوين. ولا يقال: فيلزم من ذلك أن يقتسموا المال بينهن بالسّويّة كالأعمام المتفقين؛ لأنّا نجعل المدلى به وهو العم كميّت ورثه أخواته، وهن العمات الثلاث، فيقتسمون المال على خمسة، كما قلنا مثل ذلك فى تنزيلهن أبا. ولا فرق بينهما. فإن القاعدة: أنه إذا أدلى جماعة بوارث واحد، ولم يتفاضلوا بالسبق إليه فنصيبه بينهم على حسب ميراثهم منه لو ورثوه، سواء اختلفت منازلهم منه كالإخوة والأخوات المفترقين، أو تساوت كأولاده وإخوته المتفقين. ٤١ - محمد بن الحسن بن جعفر الراذانى، المقرئ الفقيه الزاهد، نزيل أوانا أبو عبد الله.

стр. 87

ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة. قال القاضى أبو الحسين: صحب الوالد. وكان زاهدا، ورعا، عالما بالقراءات وغيرها. وعدّه أيضا ممن تفقه على أبيه، وعلق عنه. وذكر ابن النجار: أنه سمع من القاضى أبى يعلى، ومن أبى الغنائم بن المأمون، وأبى بكر بن حمدويه، وخلق. وأنه حدّث باليسير. وروى عنه الحافظ أبو نصر اليونارتى فى معجمه، وقال: أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو عبد الله الراذانى. وقال ابن السمعانى: كان فقيها، مقرئا، من الزهاد المنقطعين، والعباد الورعين، مجاب الدعوة، صاحب كرامات. سمع من القاضى أبى يعلى وغيره. سمعت الحسن بن حريفا الشيخ صالح باللجمة يقول: دخلت على أبى عبد الله الراذانى، واعتذرت عن تأخرى عنه، فقال: لا تعذر؛ فإن الاجتماع مقدّر. وسمعت ظافر بن معاوية المقرئ بالخريبة (١) يقول: سمعت أن أبا عبد الله الراذانى، أراد أن يخرج إلى الصلاة، فجاء ابنه إليه، وكان صغيرا، وقال: يا أبى أريد غزالا ألعب به. فسكت الشيخ، فلحّ الصبى، وقال: لا بدّ لى من غزال، فقال له الشيخ: اسكت يا بنى، غدا يجيئك غزال. فمن الغد كان الشيخ قاعدا فى بيته، فجاء غزال ووقف على باب الشيخ، وكان يضرب بقرنيه الباب إلى أن فتحوا له الباب ودخل، فقال الشيخ لابنه: يا بنى، جاءك الغزال. وذكر ابن النجار بإسناده: أن رجلا حلف بالطلاق أنه رآه بعرفة، ولم يكن الشيخ حج تلك السنة، فأخبر الشيخ بذلك فأطرق، ثم رفع رأسه، وقال: أجمعت الأمة قاطبة على أن إبليس عدو الله يسير من المشرق إلى المغرب، فى إفتان مسلم أو مسلمة، فى لحظة واحدة، فلا ينكر لعبد من عبيد الله أن يمضى فى

стр. 88

طاعة الله بإذن الله فى ليلة إلى مكة ويعود. ثم التفت إلى الحالف، وقال: طب نفسا؛ فإن زوجتك معك حلال. قال ابن الجوزى: كان الراذانى كثير التهجد، ملازما للصيام. توفى ﵀ يوم الأحد رابع عشر جمادى الأولى، سنة أربع وتسعين وأربعمائة. ودفن بأوانا. ٤٢ - أبو الحسن بن زفر العكبرى ذكره القاضى أبو الحسين فيمن تفقه على أبيه، وعلق عنه، وسمع منه. وقال فى ترجمته: صحب الوالد، وسمع درسه. وكان صالحا، كثير التلاوة والتلقين للقرآن. وبلغنى أنه سرد الصوم خمسا وسبعين سنة. ومات قبل أبى عبد الله بن الراذانى بأيام يسيرة وله تسعون سنة رحمه الله تعالى. ٤٣ - محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسن البردانى، الفقيه الزاهد، أبو سعد. أحد الفقهاء من أصحاب القاضى أبى يعلى. سمع منه. قال ابن النجار: وما أظنه روى شيئا. قال ابن الخشاب: أنشدنى أبو بكر هبة الله بن أحمد الحفار، أنشدنى أبو سعد البرداني عند موته: إنّ من يأمر بالص … بر من الصبر نفر إنّ فى الصّدر من الصّ … بر كأينات تصرّ قال: أنشدنيهما، ثم فاضت نفسه ﵀. توفى يوم الأحد ثامن عشر المحرم سنة ست وتسعين وأربعمائة. ودفن فى مقبرة باب حرب. ذكر ابن عقيل فى فنونه قال: وجدت رواية عن أحمد بخط أبى سعد البردانى: أن عبدة الأوثان يقرون بالجزية.

стр. 89

قال: وذكر ابن السمعانى: أنه مذهب أبى حنيفة. وهذا النقل عام فى العرب وغيرهم. وليست هذه الرواية المشهورة: أن الجزية تؤخذ من كل الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب؛ فإن هذه الرواية مشهورة عن أحمد، وهى معروفة فى كتب القاضى وغيرها، فلا يحتاج من دون ابن عقيل - فضلا عن ابن عقيل - فى نقلها إلى أن يجدها فى تعليق أبى سعد البردانى ٤٤ - محمد بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن كادش العكبرىّ، المحدث، المستملى، أبو ياسر. مفيد أهل بغداد. ولد سنة سبع وعشرين وأربعمائة: وسمع، وكتب الكثير وأفاد الناس. وسمع الطلبة والغرباء بقراءته وإفادته الكثير. سمع قديما من الجوهرى، والقاضى الماوردى، والقاضى أبى يعلى، وأبى الحسن ابن حسنون. وقرأ بنفسه الكثير على طراد، وابن البطى، وطبقتهما. وحدّث باليسير. روى عنه السمرقندى، والسلفى وقال عنه: كان قارئ بغداد، والمستملى بها على الشيوخ، ثقة، كثير السماع، ولم يكن له أنس بالعربية. وكان حنبلى المذهب، جهورى الصوت عند قراءة الحديث والاستملاء. توفى فى يوم الاثنين رابع صفر سنة ست وتسعين وأربعمائة. ودفن بمقبرة باب حرب. ٤٥ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن البردانى، المستملى، أبو على الحافظ. وقد سبق ذكر والده أبى الحسن. ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة. وسمع من العشارى سنة ثلاث وثلاثين. وهو أول سماعه. ومن أبى القاسم الأزجى، وأبى الحسن القزوينى، وابن غيلان، والبرمكى، والخطيب، وغيرهم. وكتب الكثير وخرّج، وانتقى، واستملى. وتفقه على القاضى أبى يعلى.

стр. 90

قال أبو الحسين فى الطبقات: سمع درس الوالد سنين، وسمع منه الحديث الكثير. وكان أحد المستملين عليه بجامع المنصور. قال ابن السمعانى: كان أحد المتميزين فى صنعة الحديث. وقال ابن الجوزى: كان ثقة، ثبتا، صالحا، له معرفة تامة بالحديث. وقال غيره: كان بصيرا بالحديث، محققا حجة. سمع منه جماعة، وحدّث عنه علىّ بن طرّاد، وإسماعيل التميمى، والسلفى، وسأله عن أحوال جماعة؟ فأجاب وأجاد. قال السلفى: كان أبو علىّ أحفظ وأعرف من شجاع الذهلى. وكان ثقة، نبيلا، له تصانيف. قال الذهبى: جمع مجلدا فى المنامات النبوية. قلت: وله جزء فى صلاة النبى ﷺ خلف أبى بكر الصديق. ونقل السلفى عن خميس الجوزى الحافظ قال: كان أبو على بن البردانى أحد الحفاظ الأئمة الذين يعلمون ما يقولون. توفى ليلة الخميس حادى عشرين شوال، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. وفى الطبقات لأبى الحسين: أنه توفى عشية الأربعاء عاشر شوال. ٤٦ - محمد بن أحمد بن على بن عبد الرزاق، الشيرازى الأصل، البغدادى، الصّفّار، المقرئ، الزاهد، المعروف بأبى منصور الخياط. ولد سنة إحدى وأربعمائة، فى شوال - أو ذى القعدة - وقرأ القرآن على أبى نصر أحمد بن عبد الوهاب بن مسرور، وغيره. وسمع الحديث فى كبره من أبى القاسم ابن بشران، وأبى منصور بن السواق، وأبى طاهر عبد الغفار بن محمد المؤدب، والحسين بن محمد الخلال، وأبى الحسن القزوينى وغيرهم.

стр. 91

وتفقه على القاضى أبى يعلى. وصنف كتاب «المهذب فى القراءات» وروى الحديث الكثير. وروى عنه سبطه أبو محمد عبد الله بن على المقرئ وأخوه أبو عبد الله الحسين، وعبد الوهاب بن الأنماطى، وابن ناصر، والسلفى، وسعد الله بن الدجاجى، وأبو الفضل خطيب الموصل وغيرهم. وكان إماما بمسجد ابن جرده ببغداد، بحريم دار الخلافة. اعتكف فيه مدة طويلة، يعلّم العميان القرآن، لوجه الله تعالى، ويسأل لهم، وينفق عليهم. فختم عليه القرآن خلق كثير، حتى بلغ عدد من أقرأهم القرآن من العميان سبعين ألفا. قال ابن النجار: هكذا رأيته بخط أبى نصر اليونارتى الحافظ. وقد زعم بعض الناس أن هذا مستحيل، وأنه من سبق القلم. وإنما أراد: سبعين نفسا. وهذا كلام ساقط؛ فإن أبا منصور قد تواتر عنه إقراء الخلق الكثير فى السنين الطويلة. قال ابن الجوزى: أقرأ السنين الطويلة. وختم عليه القرآن ألوف من الناس وقال القاضى أبو الحسين: أقرأ بضعا وستين سنة، ولقن أمما. وهذا موافق لما قاله أبو نصر. وهذا أمر مشهور عن أبى منصور، فيكون جميع من ختم عليه القرآن سبعين نفسا. وهذا باطل قطعا. ونحن نرى آحاد المقرئين يختم عليه أكثر من سبعين نفسا. وإنما كان الشيخ أبو منصور يقرئ هو بنفسه وبأصحابه هذه المدد الطويلة، فاجتمع فيها إقراء هذا العدد الكثير. قال ابن الجوزى: كان أبو منصور من كبار الصالحين الزاهدين المتعبدين. كان له ورد بين العشاءين، يقرأ فيه سبعا من القرآن قائما وقاعدا، حتى طعن فى السن. وقال ابن ناصر عنه: كان شيخا صالحا، زاهدا، صائما أكثر وقته، ذا كرامات ظهرت له بعد موته.

стр. 92

قال أبو الحسين: كان الوالد السعيد إذا جلس للحكم بنهر المعلى يقصد الجلوس للحكم بمسجده ويصلى خلفه. قال عبد الوهاب الأنماطى: توفى الشيخ الزاهد أبو منصور، فى يوم الأربعاء، وقت الظهر، السادس عشر من المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وصلّى عليه يوم الخميس فى جامع القصر ابن ابنته أبو محمد عبد الله. وكان الجمع كثيرا جدا. وعبر به إلى جامع المنصور، فصلى عليه أيضا، وحضرت ذلك. وكان الجمع وافرا عظيما. وكانت الصلاة عليه فى داخل المقصورة عند القبلة. ومضيت معه إلى باب حرب. ودفن فى الدكة بجنب الشيخ أبى الوفاء بن قواس. وقال ابن الجوزى: مات وسنة سبع وتسعون سنة، ممتعا بسمعه وبصره وعقله. وحضر جنازته ما لا يحد من الناس، حتى إن الأشياخ ببغداد كانوا يقولون: ما رأينا جمعا قط هكذا، لا جمع ابن القزوينى، ولا جمع ابن الفراء، ولا جمع الشريف أبى جعفر. وهذه الجموع التى تناهت إليها الكثرة، وشغل الناس ذلك اليوم وفيما بعده عن المعاش، فلم يقدر أحد من نقاد الباعة فى ذلك الأسبوع على تحصيل نقده. وقال أبو منصور بن خيرون: ما رأيت مثل يوم صلّى على أبى منصور الخياط، من كثرة الخلق والتبرك بالجنازة. وقال السلفى: ذكر لى المؤتمن فى ثانى جمعة من وفاة الشيخ أبى منصور: أن اليوم ختموا على رأس قبره مائتى وإحدى وعشرين ختمة. قال السلفى: وقال لى على بن محمد بن الأيسر العكبرى - وكان رجلا صالحا -: حضرت جنازة الشيخ الاجل أبى منصور بن يوسف، وأبى تمام بن أبى موسى القاضى، فلم أرقط خلقا أكثر ممن حضر جنازة الشيخ أبى منصور. قال: واستقبلنا يهوديّ فرأى كثرة الزحام والخلق، فقال: أشهد أن هذا الدين هو الحق، وأسلم.

стр. 93

وذكر ابن السمعانى: سمعت أبا حفص عمر بن المبارك بن سهلان، سمعت الحسين بن خسرو البلخى، قال: رئى الشيخ أبو منصور الخياط فى النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى بتعليمى الصبيان فاتحة الكتاب. قرأت على أبى حفص عمر بن حسن المزى: أخبركم إسماعيل بن عبد الرحمن الفراء أنبأنا الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد المقدسى قال: قرأت على أبى عبد الله مظفر بن أبى نصر البواب، وابنه أبى محمد عبد الله بن مظفر ببغداد، قلت لهما: حدثكما الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر قال: كنت أسمع الفقهاء فى النظامية يقولون: فى القرآن معنى قائم بالذات، والحروف والأصوات عبارات ودلالات على الكلام القديم القائم بالذات، فحصل فى قلبى شئ من ذلك حتى صرت أقول بقولهم موافقة. وكنت إذا صليت أدعو الله تعالى أن يوفقنى لأحبّ المذاهب والاعتقادات إليه، وبقيت على ذلك مدة طويلة أقول: اللهم وفقنى لأحب المذاهب إليك وأقر بها عندك. فلما كان فى أول ليلة من رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة رأيت فى المنام كأنى قد جئت إلى مسجد الشيخ أبى منصور الخياط، والناس على الباب مجتمعون، وهم يقولون: إن النبى ﷺ عند الشيخ أبى منصور، فدخلت المسجد، وقصدت إلى الزاوية التى كان يجلس فيها الشيخ أبو منصور، فرأيته قد خرج من زاويته، وجلس بين يدى شخص، فما رأيت شخصا أحسن منه على نعت النبيّ ﷺ الذى وصف لنا. وعليه ثياب ما رأيت أشد بياضا منها، وعلى رأسه عمامة بيضاء. والشيخ أبو منصور مقبل عليه بوجهه، فدخلت فسلمت، فردّ علىّ السلام، ولم أتحقق من الرادّ علىّ؛ لدهشتى برؤية النبىّ ﷺ . وجلست بين أيديهما، فالتفت إلى النبى ﷺ من غير أن أسأله عن شئ، أو أستفتحه بكلام أصلا، وقال لى: عليك بمذهب هذا الشيخ. عليك بمذهب هذا الشيخ. عليك بمذهب هذا الشيخ.

стр. 94

قال الحافظ أبو الفضل: وأنا أقسم بالله ثلاثا، وأشهد بالله لقد قال لى ذلك رسول الله ﷺ ثلاثا. ويشير فى كل مرة بيده اليمنى إلى الشيخ أبى منصور. قال: فانتبهت وأعضائى ترعد، فناديت والدتى رابعة بنت الشيخ أبى حكيم الحبرى، وحكيت لها ما رأيت، فقالت: يا بنى، هذا منام وحى، فاعتمد عليه. فلما أصبحت بكرت إلى الصلاة خلف الشيخ أبى منصور. فلما صلينا الصبح قصصت عليه المنام، فدمعت عيناه، وخشع قلبه، وقال لى: يا بنى، مذهب الشافعى حسن، فتكون على مذهب الشافعى فى الفروع، وعلى مذهب أحمد وأصحاب الحديث فى الأصول، فقلت له: أى سيدى، ما أريد أكون لونين. وأنا أشهد الله وملائكته وأنبيائه، وأشهدك على أبى منذ اليوم لا أعتقد ولا أدين الله ولا أعتمد إلا على مذهب أحمد فى الأصول والفروع. فقبّل الشيخ أبو منصور رأسى، وقال: وفقك الله، فقبّلت يده. وقال لى الشيخ أبو منصور: أنا كنت فى ابتدائى شافعيا. وكنت أتفقه على القاضى الإمام أبى الطيب الطبرى، وأسمع الخلاف عليه. فحضرت يوما عند الشيخ أبى الحسن علىّ بن عمر القزوينى الزاهد الصالح لأقرأ عليه القرآن، فابتدأت أقرأ عليه القرآن، فقطع على القراءة مرة أو مرتين، ثم قال: قالوا وقلنا، وقلنا وقالوا. فلا نحن نرجع إليهم، ولا هم يرجعون إلى قولنا، ورجعنا إلى عادتنا. فأىّ فائدة فى هذا؟ ثم كرر علىّ هذا الكلام، فقلت فى نفسى: والله ما عنى الشيخ بهذا أحدا غيرى، فتركت الاشتغال بالخلاف. وقرأت مختصر أبى القاسم الخرقى على رجل كان يقرئ القرآن. قال الحافظ: ورأيت بعد ذلك ما زادنى يقينا، وعلمت أنّ ذلك تثبيت من الله، وتعليم لأعرف حق نعمة الله علىّ وأشكره، والله المسئول الخاتمة بالموت على الإسلام والسنة. آمين.

стр. 95

٤٧ - جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج، المقرئ، المحدث، الأديب أبو محمد. ولد سنة سبع عشرة وأربعمائة فى آخرها - أو فى أول سنة ثمان عشرة - ذكره السلفى عنه. وقال شجاع الذهلى: سنة ست عشرة. وقرأ القرآن بالروايات. وأقرأ سنين. وسمع أبا على بن شاذان، وأبا محمد الخلال، وأبا القاسم بن شاهين، والبرمكى والقزوينى، وخلقا كثيرا. وسافر إلى مكة، وسمع بها، ودخل الشام، وسمع بدمشق من عبد العزيز الكنانى والخطيب وغيرهما. وسمع بطرابلس، وتوجه إلى الديار المصرية، فسمع بها من أبى إسحاق الحبال وأبى محمد بن الضراب. وخرّج له الخطيب خمسة أجزاء معروفة، تسمى السراجيات. وكان أدبيا شاعرا، لطيفا صدوقا، ثقة. وصنف كتبا حسانا، منها: كتاب «مصارع العشاق» وكتاب «حكم الصبيان» وكتاب «مناقب السودان». وشعره مطبوع. وقد نظم كتبا كثيرة شعرا، فنظم كتاب «المبتدأ» وكتاب «مناسك الحج» وكتاب «الخرقى» وكتاب «التنبيه» وغيرها. ذكر ذلك ابن الجوزى، وقال: حدثنا عنه أشياخنا. وآخر من حدثنا عنه شهدة بنت الإبرى، قال: وقرأت عليها كتابه المسمى «بمصارع العشاق» بسماعها منه. قال: ومن أشعاره: بان الخليط فأدمعى … وجدا عليهم تستهلّ وحدا بهم حادى الفرا … ق عن المنازل فاستقلوا

стр. 96

قل للذين ترحّلوا … عن ناظرى والقلب حلوا ودمى بلا جرم أتي … ت غداة بينهم استحلّوا ما ضرّهم لو أنهلو … من ماء وصلهم وعلوا قال: وأنبأنا أبو المعمر الأنصارى، أنشدنا جعفر السراج لنفسه: قل للذين بجهلهم … أضحوا يعيبون المحابر والحاملين لها من الأ … يدى بمجتمع الأساور لولا المحابر والمقا … لم والصحائف والدفاتر والحافظون شريعة الم … بعوث من خير العشائر والناقلون حديثه … عن كابر ثبت وكابر لرأيت من شيع الضلا … ل عساكرا تتلو عساكر كل يقول بجهله … والله للمظلوم ناصر سميتم أهل الحد … يث: أولى النهى وأولى البصائر حشوية فعليكم … لعن يزيركم المقابر هم حشو جنات النع … يم على الأسرة والمنابر رفقاء أحمد كلهم … عن حوضه ريان صادر أنبأنا أحمد بن على الجزرى، عن محمد بن عبد الهادى، عن أبى طاهر السلفى أنشدنا أبو محمد جعفر بن محمد السراج لنفسه: سقى الله قبرا حلّ فيه ابن حنبل … من الغيث وسميّا على إثره ولى على أن دمعى فيه روّى عظامه … إذا فاض ما لم يبل منها وما بلى فلله رب الناس مذهب أحمد … فإنّ عليه ما حييت معوّلى دعوه إلى خلق القرآن كما دعوا … سواه فلم يسمع ولم يتأوّل ولا ردّه ضرب السياط وسجنه … عن السّنّة الغراء والمذهب الجلى ولما يزدهم، والسياق تنوشه … فشلّت يمين الضارب المتبتل

стр. 97

على قوله: القرآن، وليشهد الورى … كلامك يا ربّ الورى، كيفما ما تلى فمن مبلغ أصحابه أننى به … أفاخر أهل العلم فى كل محفل وألقى به الزهاد كلّ مطلّق … من الخوف دنياه طلاق التبتل مناقبه إن لم تكن عالما بها … فكشفا طروس القوم عنهن واسأل لقد عاش فى الدنيا حميدا موفقا … وصار إلى الأخرى إلى خير منزل وإنّي لراج أن يكون شفيع من … تولاّه من شيخ ومن متكهل ومن حدث قد نوّر الله قلبه … إذا سألوا عن أصله. قال: حنبلى وقد روى هذه الأبيات عن جعفر الحافظان: محمد بن ناصر، ويحيى بن منده. وساقها فى كتابه «مناقب أحمد». وقد أثنى عليه شجاع الذهلى، وعبد الوهاب الأنماطى، وابن ناصر، وقال: كان ثقة، مأمونا عالما، فهما صالحا. كتب الكثير. وصنّف عدّة مصنفات وكان قديما يستملى على أبى الحسن القزوينى، وأبى محمد الخلال، وغيرهما. قال القاضى عياض: سألت أبا على بن سكرة عن جعفر السراج؟ فقال: شيخ فاضل جميل وسيم مشهور يفهم. عنده لغة وقراءات. وكان الغالب عليه الشعر. وذكره القاضى أبو بكر بن العربى، فقال: ثقة، عالم، مقرئ. له أدب ظاهر، واختصاص بالخطب. وقال السلفى: كان ممن يفتخر برويته وروايته لديانته ودرايته. وله تواليف مفيدة. وفى شيوخه كثرة. وأعلاهم إسنادا ابن شاذان. وقال ابن النجار: كتب بخطه الكثير، وكانت له معرفة بالحديث والأدب وحدّث بالكثير على استقامة وسداد، ببغداد، والشام، ومصر.

стр. 98

وسمع منه الأئمة الكبار والحفاظ. وكان متدينا حسن الطريقة، مع ظرفه ولطف أخلاقه. روى عنه أبو القاسم بن السمرقندى، وعبد الوهاب الأنماطى، وابن ناصر، والسلفى، وغيرهم. ومن شعر جعفر السراج: لله درّ عصابة … يسعون فى طلب الفوائد يدعون أصحاب الحدي … ث بهم تجلت المشاهد طورا تراهم بالصعي … د وتارة فى ثغر آمد يتتبعون من العلو … م بكل أرض كلّ شارد فهم النجوم المهتدى … بهم إلى سبل المقاصد وله: إذا كنتم تكتبون الحدي … ث ليلا وفى صبحكم تسمعون وأفنيتم فيه أعماركم … فأىّ زمان به تعملون؟ قال ابن الجوزى: كان جعفر السراج صحيح البدن، لم يعتوره فى عمره مرض يذكر، فمرض أياما. وتوفى ليلة الأحد العشرين من صفر سنة خمسمائة. ودفن بالمقبرة المعروفة بالأجمة من باب أبرز. وقيل: مات ليلة الأحد، حادى عشرين صفر. كذا قال ابن ناصر والذهلى.

стр. 99

وفيات المائة السادسة من سنة ٥٠١ هـ - إلى سنة ٥٤٠ هـ ٤٨ - رجب بن قحطان بن الحسن بن قحطان الأنصارى، الضرير أبو المعالى المقرئ الأديب. سمع من أبى الحسين بن النقور. وحدّث باليسير. سمع منه هزار سب ابن عوض وغيره. وقال أبو الفضل بن عطّاف: كان من مجوّدى القراء، والمحسنين فى الأداء ذا فضل وعقل وأدب. توفى سنة اثنتين وخمسمائة. ومن شعره أنشده عنه أبو بكر المزرفى: إنما المرء خلاص جائز … فإذا جربته فهو شبه وتراه راقدا فى غفلة … فهو حىّ فإذا مات انتبه ٤٩ - أحمد بن على بن أحمد العلثى، أبو بكر الزاهد. ذكره أبو الحسين، وابن الجوزى فى الطبقات فقال: أحد المشهورين بالزهد والصلاح. سمع الحديث على القاضى أبى يعلى، وقرأ عليه شيئا من المذهب. وقال أبو الحسين: صحب الوالد سنين. سمع درسه والحديث منه. وكان يعمل بيده يجصص الحيطان، ثم ترك ذلك، ولازم المسجد يقرئ القرآن ويؤم الناس وكان عيفا لا يقبل من أحد شيئا، ولا يسأل أحدا حاجة لنفسه من أمر الدنيا، مقبلا على شأنه ونفسه، مشتغلا بعبادة ربه، كثير الصوم والصلاة، مسارعا إلى قضاء حوائج المسلمين، مكرما عند الناس أجمعين. وكان يذهب بنفسه كل ليلة إلى دجلة، فيأخذ فى كوز له ماء يفطر عليه.

стр. 100

وكان يمشى بنفسه فى حوائجه ولا يستعين بأحد. وكان إذا حج يزور القبور بمكة، ويجئ إلى قبر الفضيل بن عياض، ويخط بعصاه، ويقول: يا رب ههنا، يا رب ههنا. فاتفق أنه خرج فى سنة ثلاث وخمسمائة إلى الحج. وكان قد وقع من الجمل فى الطريق دفعتين، فشهد عرفة محرما، وبه بقية من ألم الوقوع. وتوفى عشية ذلك اليوم - يوم الأربعاء، يوم عرفة - فى أرض عرفات. فحمل إلى مكة، فطيف به البيت. ودفن يوم النحر إلى جنب قبر الفضيل ابن عياض رضى الله عنه. وذكره فى التاريخ أيضا، فذكره نحوا من ذلك. وقال: كان يتنزه عن عمل النقوش والصور. وكان له عقار قد ورثه عن أبيه، فكان يبيع منه شيئا فشيئا، فيتقوّت به. وذكر أبو الحسين: أن سبب تركه لصناعته: أنه دخل مرة مع الصناع إلى بعض دور السلاطين مكرها. وكان فيها صور من الاسفيداج مجسمة، فلما خلا كسرها كلها، فاستعظموا ذلك. فقال: هذا منكر، والله أمر بكسره فانتهى أمره إلى السلطان، وقيل له: هذا رجل صالح مشهور بالديانة، وهو من أصحاب ابن الفراء، فقال: يخرج، ولا يكلم، ولا يقال له شئ يضيق به صدره، ولا يرجع يجاء به إلى عندنا. قال: وظهر له من الكرامات غير قليل. أخبرنى من أثق به: أنه كان لبعض أهله صبى صغير، فظهر به وجع فى حلقه ورقبته، وخافوا منه على الصبيّ، فحمله إلى الشيخ فقرأ عليه، ونفث من ريقه، فزال ما كان به بعد يوم أو يومين، ولم يحتج إلى علاج. قال ابن الجوزى: وصحب القاضى أبا يعلى. وقرأ عليه طرفا من الفقه، وسمع منه الحديث، وحدّث عنه بشئ يسير. قلت: روى عنه ابن ناصر، والسلفى. ولما بلغ خبر موته إلى بغداد نودى

стр. 101

فى البلد بالصلاة عليه صلاة الغائب، فحضر الناس فى جامعى بغداد من الجانبين. وحضر أصحاب دولة المستظهر بالله أمير المؤمنين. وتقدم للصلاة عليه فى الجانب الشرقى بعض أصحاب القاضى. قال أبو الحسين: وصليت عليه أنا فى مسجدى بباب المراتب، لعذر، وصلّى معى جماعة. ٥٠ - محمد بن على بن محمد بن عثمان بن المراق الحلوانى، أبو الفتح الفقيه الزاهد. ولد سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. وسمع الحديث من أبى الحسين بن المهتدى وأبى الغائم بن المأمون، والقاضى أبى على، وأبى جعفر بن المسلمة، والصريفينى، والنهروانى، وغيرهم. ورأى القاضى أبا يعلى وصحبه مدة يسيرة، ثم تفقه على صاحبيه الفقيهين: أبى على يعقوب، وأبى جعفر الشريف. ودرس عليهما الفقه أصولا وفروعا، حتى برع فيهما. وأفتى، ودرس بمسجد الشريف أبى جعفر بالحريم بعد شافع. وحدّث بشئ يسير. قال ابن شافع: كان ذا زهادة وعبادة. وروى عنه السلفى فى مشيخته، وقال: كان من فقهاء الحنابلة ببغداد. وكان مشهورا بالورع الثخين، والدين المتين. توفى يوم الجمعة - يوم عيد النحر - سنة خمس وخمسمائة، وصلّى عليه من الغد يوم السبت بالجامع. وكان الجمع متوفرا جدا، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. ودفن بمقبرة باب حرب. وقال المبارك بن كامل: توفى يوم الجمعة حادى عشر ذى الحجة. قلت: له كتاب «كفاية المبتدى» فى الفقه مجلدة، ومصنف آخر فى الفقه أكبر منه، ومصنف فى أصول الفقه فى مجلدين، وله «مختصر العبادات». قاله ابن النجار.

стр. 102

٥١ - المعمر بن علي بن المعمر بن أبى عمامة البقال البغدادىّ، أبو سعد الفقيه الواعظ. ريحانة البغداديين ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة. وسمع من ابن غيلان، وأبى محمد الخلال والجوهرىّ، وأبى القاسم الأزجى، وغيرهم. وكان فقيها مفتيا، وواعظا بليغا فصيحا، له قبول تام، وجواب سريع، وخاطر حاد، وذهن بغدادىّ. وكان يضرب به المثل فى حدّة الخاطر، وسرعة الجواب بالمجون، وطيب الخلق، وله كلمات فى الوعظ حسنة، ورسائل مستحسنة. وجمهور وعظه حكايات السلف. وكان يحصل بوعظه نفع كثير. وكان فى زمن أبى على بن الوليد شيخ المعتزلة، يجلس فى مجلسه، ويلعن المعتزلة. وخرج مرة فلقى مغنية قد خرجت من عند تركى فقبض على عودها، وقطع أوتارها، فعادت إلى التركىّ فأخبرته، فبعث من كبس دار أبى سعد وأفلت، واجتمع بسبب ذلك الحنابلة، وطلبوا من الخليفة إزالة المنكرات كلها، كما سبق ذكر ذلك فى ترجمة الشريف أبى جعفر. وكان أبو سعد يعظ بحضرة الخليفة المستظهر والملوك. وقال يوما للمستظهر فى وعظه: أهون ما عنده أن يجعل لك أبواب العراص توابيت. ووعظ «نظام الملك» الوزير مرة بجامع المهدى، فقال: الحمد لله ولى الإنعام، وصلّى الله على من هو للأنبياء ختام، وعلى آله سرج الظلام، وعلى أصحابه الغرّ الكرام. والسلام على صدر الإسلام. ورضىّ الإمام. زينه الله بالتقوى، وختم له بالحسنى، وجمع له بين خير الآخرة والدنيا. معلوم يا صدر الإسلام، أن آحاد الرعية من الأعيان مخيّرون فى القاصد والوافد: إن شاءوا وصلوا، وإن شاءوا فصلوا، وأما من توشح بولاية فليس مخيرا فى القاصد والوافد؛ لأن من هو على الخليفة أمير، فهو فى الحقيقة أجير، قد باع زمنه وأخذ ثمنه. فلم يبق له من نهاره ما يتصرف فيه على اختياره، ولا له أن يصلى

стр. 103

نفلا،، ولا يدخل معتكفا، دون الصدد لتدبيرهم، والنظر فى أمورهم، لأن ذلك فضل، وهذا فرض لازم. وأنت يا صدر الإسلام، وإن كنت وزير الدولة، فأنت أجير الأمة، استأجرك جلال الدولة بالأجرة الوافرة؛ لتنوب عنه فى الدنيا والآخرة، فأما فى الدنيا: ففى مصالح المسلمين. وأمّا فى الآخرة: فلتجيب عنه ربّ العالمين. فإنه سيقفه بين يديه، فيقول له: ملّكتك البلاد، وقلدتك أزمّة العباد. فما صنعت فى إفاضة البذل، وإقامة العدل؟ فلعله يقول: يا ربّ اخترت من دولتى شجاعا عاقلا، حازما فاضلا، وسمّيته قوام الدين ونظام الملك، وها هو قائم فى جملة الولاة وبسطت بيده فى الشرط والسيف والقلم، ومكنته فى الدينار والدرهم، فاسأله يا ربّ: ماذا صنع فى عبادك وبلادك؟. أفتحسن أن تقول فى الجواب: نعم، تقلدت أمور البلاد، وملكت أزمة العباد، وبثثت النوال، وأعطيت الإفضال، حتى إذا قربت من لقائك، ودنوت من تلقائك، اتخذت الأبواب والبواب، والحجاب والحجاب؛ ليصدّوا عنى القاصد، ويردّوا عنى الوافد؟. فاعمر قبرك كما عمرت قصرك، وانتهز الفرصة ما دام الدهر يقبل أمرك، فلا تعتذر، فما ثمّ من يقبل عذرك. وهذا ملك الهند. وهو عابد صنم ذهب سمعه، فدخل عليه أهل مملكته يعزونه فى سمعه، فقال: ما حسرتى لذهاب هذه الجارحة من بدنى، ولكن تأسفى لصوت المظلوم لا أسمعه فأغيثه، ثم قال: إن كان قد ذهب سمعى فما ذهب بصرى فليؤمر كل ذى ظلامة أن يلبس الأحمر، حتى إذا رأيته عرفته فأنصفته. وهذا «أنوشروان» قال له رسول ملك الروم: لقد أقدرت عدوّك عليك بتسهيل الوصول إليك. فقال: إنما أجلس هذا المجلس لأكشف ظلامة، وأقضى حاجة.

стр. 104

وأنت يا صدر الإسلام، أحق بهذه المأثرة، وأولى بهذه وأحرى من أعدّ جوابا لتلك المسألة، فإنّه الله الّذى (٩٠:١٩ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ)﴾ فى موقف ما فيه إلا خاشع، أو خاضع أو مقنع، فينخلع فيه القلب، ويحكم فيه الرب، ويعظم فيه الكرب، ويشيب فيه الصغير، ويعزل فيه الملك والوزير، يوم (٢٣:٨٩ ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ، وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى؟)،﴾ (٣٠:٣ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً)﴾. وقد استجلبت لك الدعاء، وخلدت لك الثناء، مع براءتى من التهمة. فليس لى - بحمد الله تعالى - فى أرض الله ضيعة ولا قرية، ولا بينى وبين أحد خصومة، ولا بى - بحمد الله تعالى - فقر ولا فاقة. فلما سمع «نظام الملك» هذه الموعظة بكى بكاء شديدا، وأمر له بمائة دينار. فأبى أن يأخذها، وقال: أنا فى ضيافة أمير المؤمنين. ومن يكن فى ضيافة أمير المؤمنين يقبح عليه أن يأخذ عطاء غيره. فقال له: فضّها على الفقراء، فقال: الفقراء على بابك أكثر منهم على بابى، ولم يأخذ شيئا. توفى أبو سعد يوم الاثنين ثامن عشرين ربيع الأول، سنة ست وخمسمائة، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى. قال ابن الجوزى: حكى أبو المكارم بن رميضاء السقلاطونى قال: رأيت أبا سعد بن أبى عمامة فى المنام، حين اختصم المسترشد والسلطان محمود، وعليه ثياب بياض فسلمت عليه، وقلت: من أين أقبلت؟ قال: من عند الإمام أحمد بن حنبل، وها هو ورائى، فالتفت فرأيت أحمد بن حنبل، ومعه جماعة من أصحابه، فقلت: إلى أين تقصدون؟ قال: إلى أمير المؤمنين المسترشد بالله لندعو له، فصحبتهم، فانتهينا إلى الحربية إلى مسجد ابن القزوينى. فقال أحمد بن حنبل: ندخل، فأخذ الشيخ معنا، فدخل باب المسجد. فقال: السلام

стр. 105

عليكم ورحمة الله وبركاته. فإذا الصوت من صدر المسجد: وعليك السلام، ثم قال: يا أبا عبد الله، الإمام قد نصر. قال: فانتبهت مرعوبا. وكان كما قال الشيخ. ٥٢ - جعفر بن الحسن الدّرزيجانى، المقرئ، الفقيه، الزاهد. ذكره القاضى أبو الحسين فيمن تفقه على أبيه، وعلق وسمع الحديث. ثم ذكر ترجمته كما ذكرها ابن شافع فى تاريخه، فقال: هو الأمّار بالمعروف، والنّهاء عن المنكر، ذو المقامات المشهودة فى ذلك، والمهيب بنور الإيمان واليقين لدى الملوك والمتصرفين. صحب القاضى أبا يعلى، وتفقه عليه، ثم تمم على صاحبه الشريف أبو جعفر. وختم عليه القرآن خلق لا يحصون كثرة. وكان من عباد الله الصالحين، أمّارا بالمعروف، قوّالا بالحق، ناهيا عن المنكر، لا تأخذه فى الله تعالى لومة لائم، مهيبا وقورا، له حرمة عند الملوك والسلاطين، ولا يتجاسر أحد أن يقدم عليه إذا أنكر منكرا. وله المقامات المشهودة فى ذلك. مداوما للصيام والتهجد والقيام. وله ختمات كثيرة جدا، كل ختمة منها فى ركعة واحدة. وسمع الحديث من أبى علي بن البناء. توفى فى الصلاة ساجدا، فى شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسمائة، بدرزيجان. رحمه الله تعالى. قال المبارك بن كامل: سمعت عبد الوهاب بن قاسم بن علي الشعرانى قال: رأيت جعفر الدرزيجانى جاء إلى بغداد، فالتقى به أبو الحسين الدرزيجانى، فقال له: كيف تركت الصبيان؟ فقال له (٩:٣ ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)﴾ تقوى الله لنا ولهم. ٥٣ - على بن محمد بن علي بن أحمد بن إسماعيل الأنبارى، القاضى أبو منصور، الفقيه الواعظ.

стр. 106

ولد يوم الخميس خامس عشرين ذى الحجة، سنة خمس وعشرين وأربعمائة. وقرأ القرآن على ابن الشرمقانى. وسمع الحديث من أبى طالب بن غيلان، والجوهرى، وأبى إسحاق البرمكى، وأبى بكر بن بشران، وأبى محمد الصريفينى، وأبى الحسين بن المهتدى، وأبى الغنائم ابن المأمون، وأبى جعفر بن المسلمة، وأبى بكر الخطيب، وغيرهم. وسمع من القاضى أبى يعلى. وتفقه عليه حتى برع فى الفقه. وأفتى ووعظ بجامع القصر وجامع المنصور وجامع المهدى. وكان مظهرا للسنة فى مجالسه. وشهد عند أبى عبد الله بن الدامغانى، وأبى بكر السامى، وغيرهما. وولى القضاء بباب الطّاق وحدث وانتشرت الرواية عنه. فروى عنه عبد الوهاب الأنماطى، وعبد الخالق بن أحمد بن يوسف، وأبو المعمر الأنصارى، والمبارك ابن خضير، والسلفى. توفى يوم السبت رابع عشرين جمادى الآخرة، سنة سبع وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. وتبعه من الخلق ما لا يحصى كثرة، ولا يعدّهم إلا أسرع الحاسبين. كذا ذكره ابن شافع. وفى تاريخ ابن السمعانى عن أبى الفضل بن عطّاف: أنه توفى ليلة السبت المذكورة. قال أبو الحسين: صليت عليه إماما بجامع المنصور فى المقصورة. قال: وحدّث عن الوالد بكثير من سماعاته ومصنّفاته. ٥٤ - إسماعيل بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهانى، الخياط أبو على. سمع الكثير، وكتب بخطه. وكان خطه دقيقا مطبوعا. دخل بغداد سنة سبع وخمسمائة. وحدّث بها عن والده، وعن أبى بكر محمد ابن أحمد بن الحسن بن ماجة، وأبى مطيع المضرى، وغيرهم.

стр. 107

سمع منه أبو منصور محمد بن ناصر البردى. وقال: كان من الأئمة الكبار، وهو أخو أبى سعد محمد بن داود. قال ابن النجار: قرأت بخط أخيه أبى سعد: توفى أخى أبو علي إسماعيل فى العشر الأواخر من جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسمائة. رحمه الله تعالى. ٥٥ - إسماعيل بن المبارك بن محمد بن أحمد بن وصيف البغدادى، الفقيه أبو حازم. ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. وقرأ الفقه على القاضى أبى يعلى، وسمع منه، ومن ابن العشارى، والجوهرى. روى عنه أبو المعمر الأنصارى، وبالإجازة ابن كليب. وتوفى فى رجب سنة ثمان وخمسمائة. ٥٦ - أحمد بن الحسن بن أحمد المخلّطىّ، البغدادى الفقيه، أبو العباس الدباس. صحب القاضى أبا يعلى. وتفقه عليه، ولازمه، وسمع منه الحديث. وكتب الخلاف وغيره من تصانيفه. وسمع أيضا من أبى الحسن بن المهتدى، وأبى جعفر بن المسلمة، وأبى الحسين ابن الأبنوسى، وأبى علي بن وشاح، وأبى علي المباركى غيرهم. وحدّث عنهم. قال ابن ناصر الحافظ: وسمعت منه. قال: وكان رجلا صالحا من أهل القرآن، والسّتر والصيانة، ثقة مأمونا. توفى ليلة الأربعاء ثانى عشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. ﵀. و «المخلّطى» بفتح اللاّم المشددة - نسبة إلى المخلّط، وهو النّقل، ولعله كان يبيعه. نقلت من بعض تعاليق الإمام أبى العباس بن تيمية، قال: نقلت من خط

стр. 108

أحمد بن الحسن بن أحمد المخلّطى على ظهر الجزء الثانى والأربعين من تعليق القاضى، ثم رأيته أنا بخط المخلطى، قال: رأيت بخط شيخنا - يعنى القاضى أبا يعلى - قال: إذا وقف داره على مسجد وعلى إمام يصلى فيه: كان للإمام نصف الارتفاع، كما لو وقفها على زيد وعمرو، إنه بينهما. فإن وقفه على مساجد القرية وعلى إمام يصلى فى واحد منها: قسم الارتفاع على عدد المساجد، وعلى الإمام. فإن وقفها على المسجد خاصة: لم يجز أن يدفع إلى إمام يصلى فيه. ولا يصرف فى بوارى المسجد؛ لأن ذلك من مصلحة المصلين، لا من مصلحة المسجد. ٥٧ - محمد بن سعد بن سعيد العسّال، المقرئ، أبو البركات بن الحنبلى، يلقب التاريخ. ولد فى ربيع الآخر سنة سبعين وأربعمائة. وقرأ بالروايات على رزق الله التميمى، ويحيى بن البستى، وغيرهما. سمع من أبى نصر الزينبى، وأبى الغنائم بن أبى عثمان، والقاضى ابن البطر والنعالى وغيرهم. وعلق الفقه عن ابن عقيل. وكان من القراء المجوّدين، الموصوفين بحسن الأداء، وطيب النغمة. يقصد فى رمضان، لسماع قراءته فى صلاة التراويح، من الأماكن البعيدة. وكان دينا صالحا، صدوقا، حدّث. سمع منه ابن ناصر، والسلفى. قال: وكان من أحسن الناس تلاوة للقرآن، وكتب الحديث الكثير معنا وقبلنا. وهو حنبلى المذهب. علق الفقه عن ابن عقيل. توفى يوم الثلاثاء سابع رمضان سنة تسع وخمسمائة. وصلّى عليه بجامع القصر. وكان الجمع متوفرا. ودفن بباب حرب رحمه الله تعالى.

стр. 109

٥٨ - هبة الله بن المبارك بن موسى بن علي بن يوسف السّقطى، أبو البركات المحدّث، الرّحّال. ذكر أنه ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة. وسمع الحديث ببلده بغداد، من جماعة، منهم: القاضى أبو يعلى. وتفقه عليه. ورحل إلى واسط، والبصرة، والكوفة، والموصل، وأصبهان، والجبال، وغيرها. وبالغ فى الطلب. وتعب فى جمع الحديث وكتابته. وكان له فضل ومعرفة بالحديث واللغة. وجمع الشيوخ وخرج التخاريج. جمع لنفسه معجما لشيوخه فى نحو ثمانية أجزاء ضخمة. وجمع تاريخا لبغداد ذيل به على تاريخ الخطيب. وكان مجدّا فى الطلب والسماع، والبحث عن الشيوخ، وإظهار مسموعاتهم، والقراءة عليهم. كتب عن أصحاب الدارقطنى، وابن شاهين، والمخلص، وابن حبابة والحربى، وطبقتهم ومن دونهم، حتى كتب عن أقرانه، ومن دونه. وزاد به الشّره فى هذا لأمر، حتى ادّعى السماع من شيوخ لم يسمع منهم. ولا يحتمل سنّة السماع منهم، كأبى محمد الجوهرى وغيره. وسئل شجاع الذهلى عن روايته عن الجوهرى؟ فقال: ما سمعنا بهذا قط وضعّفه فيه جدا. قال ابن السمعانى: سألت ابن ناصر عن السقطى، فقلت له: أكان ثقة؟ فقال: لا والله. حدّث بواسط عن شيوخ لم يرهم، وظهر كذبه عندهم. قال: وسمعت ابن ناصر غير مرّة يقول: السقطىّ لا شئ، وهو مثل نسبه من سقط المتاع. وقد أثنى عليه السلفى، وعدّه من أكابر الحفاظ الّذين أدركهم. وكان له نظم حسن، ومعرفة بالادب. قال أبو القاسم بن السمرقندى: كنّا فى مجلس أبى محمد رزق الله التميمى، فأنشدنا:

стр. 110

فما تنفع الآداب والعلم والحجى … وصاحبها عند الكمال يموت كما مات لقمان الحكيم وغيره … وكلّهم تحت التراب صموت وكان هبة الله السقطى فى المجلس حاضرا، فأجابه ببيتين، وأنشدناهما من لفظه لنفسه. بلى أثر يبقى له بعد موته … وذخر له فى الحشر ليس يفوت وما يستوى المنطيق ذو العلم والحجى … وأخرس بين الناطقين صموت توفى يوم الاثنين ثالث عشرين ربيع الأول سنة تسع وخمسمائة وصلّى عليه من الغد بالجامع أبو الخطاب الكلوذانى الفقيه إماما، ثم حمل إلى باب حرب فدفن قريبا من قبر منصور بن عمّار. وقيل: توفى يوم الثلاثاء المذكور. وقيل: فى جمادى الآخرة. والصحيح الأول. قال ابن الجوزى: حكى هبة الله السقطى، قال: قال محمد بن الخليل البوشنجى: حدثنى محمد بن على الهروى - وكان تلميذ أبى المعالى الجوينى - قال: دخلت عليه فى مرضه الذى مات فيه، وأسنانه تتناثر من فيه، ويسقط منها الدود، لا يستطاع شم فيه. فقال: هذا عقوبة تعرّضى بالكلام، فاحذروا. ٥٩ - محمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادى، الواعظ، أبو نصر بن الإمام أبى على، المتقدم ذكره. ولد حادى عشرين صفر، سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. وسمع من الجوهرى، وأبى بكر بن بشران، والعشارى، وأبى على المباركى ووالده أبى على بن البناء وطبقتهم. وتفقه على أبيه، وحدّث. روى عنه أبو المعمر الأنصارى، وأبو سعد بن البغدادى، وابن ناصر، وأثنى عليه ووثقه. وكان من أهل الدين والصدق، والعلم والمعرفة. وخلف أباه فى حلقته بجامع القصر وجامع المنصور.
следующие страницы →