← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مذاكرة ومناظرة، وبصرى عن مطالعة، أعملت فكرى فى حال راحتى، وأنا مستطرح، فلا أنهض إلاّ وقد خطر لى ما أسطره. وإنّي لأجد من حرصى على العلم. وأنا فى عشر الثمانين أشدّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة. قال: وكان له الخاطر العاطر، والبحث عن الغوامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى «بالفنون» مناطا لخواطره وواقعاته. ومن تأمل واقعاته فيه عرف غور الرجل. وتكلم على المنبر بلسان الوعظ مدة. فلما كانت سنة خمس وسبعين وأربعمائة جرت فيها فتن بين الحنابلة والأشاعرة، فترك الوعظ، واقتصر على التدريس. ومتعه الله تعالى بسمعه وبصره، وجميع جوارحه. قال: وقرأت بخطه. قال: بلغت الاثنتى عشرة سنة، وأنا فى سنة الثمانين وما أرى نقصا فى الخاطر والفكر والحفظ، وحدة النظر، وقوة البصر، لرؤية الأهلة الخفية، إلاّ أن القوة بالإضافة إلى قوة الشبيبة والكهولة ضعيفة. قلت: وذكر ابن عقل، فى فنونه: قال حنبلى - يعنى نفسه -: أنا أقصر بغاية جهدى أوقات أكلى، حتى أختار سفّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرا على مطالعة، أو تسطير فائدة، لم أدركها فيه. قال ابن الجوزى: وكان ابن عقيل قوى الدين، حافظا للحدود. وتوفى له ولدان، فظهر منه من الصبر ما يتعجب منه. وكان كريما ينفق ما يجد، ولم يخلف سوى كتبه وثياب بدنه. وكانت بمقدار كفنه، وقضاء دينه. وقال ابن عقيل: قدم علينا أبو المعالى الجوينى بغداد، أول ما دخل الغزالى فتكلم مع أبى إسحاق، وأبى نصر الصباغ، وسمعت كلامه. ثم ذكر عنه مسألة العلم بالأعراض المشهورة عنه، وبالغ فى الرد عليه. ولما ورد الغزالى بغداد، ودرس بالنظامية، حضره ابن عقيل، وأبو الخطاب،

стр. 142

وغيرهما. وكان ابن عقيل كثير المناظرة للكيا الهراسى. وكان الكيا ينشده فى المناظرة: ارفق بعبدك إنّ فيه فهاهة … جبلية ولك العراق وماؤها. قال السلفى: ما رأت عيناى مثل الشيخ أبى الوفاء بن عقيل؛ ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته. ولقد تكلم يوما مع شيخنا أبى الحسن الكيا الهرّاسى فى مسألة، فقال شيخنا: هذا ليس بمذهبك. فقال: أنا لى اجتهاد، متى ما طالبنى خصمى بحجة كان عندى ما أدفع به عن نفسى، وأقوم له بحجتى، فقال له شيخنا: كذلك الظنّ بك. وذكر ابن النجار فى تاريخه: أن ابن عقيل قرأ الفقه على القاضى أبى يعلى، وعلى أبى محمد التميمى، وقرأ الأصول والخلاف على القاضى أبى الطيّب الطبرىّ، وأبى نصر بن الصباغ، وقاضى القضاة أبى عبد الله الدامغانى. وكان ابن عقيل ﵀ عظيم الحرمة، وافر الجلالة عند الخلفاء والملوك. وكان شهما مقداما، يواجه الأكابر بالإنكار بلفظه، وخطه، حتى إنه أرسل مرة إلى حماد الدباس، مع شهرته بالزهد والمكاشفات، وعكوف العامة عليه، يتهدده فى أمر كان يفعله، ويقول له: إن عدت إلى هذا ضربت عنقك. وكتب مرة إلى الوزير عميد الدولة ابن جهير لما بنى سور بغداد، وأظهر العوام، فى الاشتغال ببنائه المنكرات: لولا اعتقاد صحة البعث، وأن لنا دارا أكون فيها على حال أحمدها، لما نصبت نفسى إلى مالك عصرى، وعلى الله أعتمد فى جميع ما أورده، بعد أن أشهده: أنى محب متعصب. لكن إذا تقابل دين محمد ودولة بنى جهير، فو الله ما أردت هذه بهذه، ولو كنت كذلك كنت كافرا. فقلت: إن هذا الخرق الذى جرى بالشريعة لمناصبة واضعها. فما بالنا نعقد الختمات ورواية

стр. 143

الأحاديث؟ فإذا نزلت بنا الحوادث تقدمنا بجميع الختمات، والدعاء عقيبها، ثم بعد ذلك طبول وصوانى، ومخانيث، وخيال، وكشف عوارت الرجال مع حضور النساء، إسقاطا لحكم الله تعالى. وما عندى يا شرف الدين، أن تقوم بسخطة من سخطات الله تعالى. ترى بأى وجه تلقى محمدا ﷺ ؟ بل لو رأيته فى المنام مقطبا كان ذلك يزعجك فى يقظتك. وأىّ حرمة تبقى لوجوهنا وأيدينا وألسنتنا عند الله، إذا وضعنا الجباه ساجدة له؟ ثم كيف تطالب الأجناد بتقبيل عتبة، ولثم ترابها، وتقيم الحدّ فى دهليز الحريم، صباحا ومساء، على قدح نبيذ مختلف فيه، ثم تمرح العوام فى المسكر المجمع على تحريمه؟ هذا مضاف إلى الزنا الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب. يا شرف الدين، اتق سخط الله تعالى؛ فإن سخطه لا يقاومه سماء ولا أرض وإن فسدت حالى بما قلت فلعلّ الله يلطف بى، ويكفينى هوائج الطباع. ثم لا تلمنا على ملازمة البيوت، والاختفاء عن العوام؛ لأنهم إن سألونا لم نقل إلاّ ما يقتضى الإعظام لهذه القبائح، والإنكار لها، والنياحة على الشريعة. أترى لو جاءت معتبة من الله سبحانه فى منام أو على لسان نبى - لو كان للوحى نزول - أو ألقى إلى روع مسلم بإلهام: هل كانت إلا إليك؟ فاتق الله تقوى من علم بمقدار سخطه، فقد قال: (٥٦:٤٣ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ)﴾ وقد ملأتكم فى عيونكم مدائح الشراء ومداجاة المتمولين بدولتكم، الأغنياء الأغبياء، الذين خسروا الله فيكم، فحسنوا لكم طرائقكم. والعاقل من عرف نفسه، ولا يغره مدح من لا يخبرها. وكتب ابن عقيل إلى السلطان جلال الدولة «ملكشاه» وقد كانت الباطنية أفسدوا عقيدته، ودعوه إلى إنكار الصانع: أيّها الملك، اعلم أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس،

стр. 144

فإذا فقدوه جحدوه. وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة. وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس، ولم يجحدها العقل، ولا يمكننا جحدها لقيام دلالة العقل على إثباتها. فإن قال لك أحد من هؤلاء: لا تثبت إلا ما ترى. فمن ههنا دخل الإلحاد على جهّال العوام، الذين يستثقلون الأمر والنهى، وهم يرون أن لنا هذه الأجساد الطويلة العميقة، التى تنمى ولا تفسد، وتقبل الأغذية وتصدر عنها الأعمال المحكمة، كالطب، والهندسة. فعلموا أن ذلك صادر عن أمر وراء هذه الأجساد المستحيلة وهو الروح والعقل، فإذا سألناهم: هل أدركتم هذين الأمرين بشئ من إحساسكم قالوا: لا، لكننا أدركناهما من طريق الاستدلال بما صدر عنهما من التأثيرات قلنا: فما لكم جحدتم الإله، حيث فقدتموه حسا، مع ما صدر عنه من إنشاء الرياح والنجوم، وإدارة الأفلاك، وإنبات الزرع، وتقليب الأزمنة؟ وكما أن لهذا الجسد عقلا وروحا بهما قوامه ولا يدركهما الحس، لكن شهدت بهما أدلّة العقل من حيث الآثار، كذلك الله سبحانه - وله المثل الأعلى - ثبت بالعقل، لمشاهدة الإحساس من آثار صنائعه، وإتقان أفعاله. وأرسل هذا الفصل إلى السلطان مع بعض خواصه. قال: فحكى لى أنه أعاده عليه فاستحسنه، وهش إليه، ولعن أولئك، وكشف إليه ما يقولون له. وكتب ابن عقيل أيضا مرة إلى أبى شجاع، وزير الخليفة المقتدى. وكان دينا كثير التعبد، لكن كانت به وسوسة فى عباداته: أما بعد، فإن أجلّ تحصيل عند العقلاء، بإجماع العلماء: الوقت، فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص. فالتكاليف كثيرة، والآداب خاطفة. وأقلّ متعبد به الماء. ومن اطلع على أسرار الشريعة علم قدر التخفيف. فمن ذلك قوله: «صبوا على بول الأعرابى ذنوبا من الماء». وقوله فى المنى: «أمطه عنك». وقوله فى الخف: «طهوره أن تدلكه بالأرض». وفى ذيل المرأة: «يطهره ما بعده».

стр. 145

وقوله: «يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام». و «كان يحمل بنت أبى العاص فى الصلاة». ونهى الراعى فى إعلام السائل عن الماء وما يرده، وقال: «يا صاحب الميزاب لا تخبره» فإن خطر بالبال نوع احتياط فى الطهارة، كالاحتياط فى غيرها فى مراعاة الإطالة، وغيبوبة الشمس، والزكاة، فإنه يفوت من الأعمال ما لا يفى به الاحتياط فى الماء، الذى أصله الطهارة. وقد صافح رسول ﷺ الأعرابى، وركب الحمار، وما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء. وقد توضأ من سقاية المسجد. ومعلوم حال الأعراب الذين بان من أحدهم الإقدام على البول فى المسجد. وتوضأ من جرة نصرانية وما احترز؛ تعليما لنا وتشريعا. وأعلمنا أن الماء أصله الطهارة. وتوضأ من غدير كان ماءه نقاعة الحناء. فأما قوله: «تنزهوا من البول» فإن للتنزه حدا معلوما. فأما الاستشعار: فإنه إذا نما وانقطع الوقت، ولا يقتضى مثله الشرع. وكتب ابن عقيل غير مرّة إلى قاضى القضاة أبى الحسن بن الدامغانى رسائل تتضمن توبيخه على تقصير وقع منه فى حقّه. وفيها كلام خشن وعتاب غليظ. ولما دخل السلطان جلال الدولة إلى بغداد، ومعه وزيره نظام الملك، سنة أربع وثمانين، قال النظام: أريد أن أستدعى بهم، وأسألهم عن مذهبهم، فقد قيل: إنهم مجسمة - يعنى: الحنابلة. قال ابن عقيل: فأحببت أن أصوغ لهم كلاما يجوز أن يقال إذا، فقلت: ينبغى لهؤلاء الجماعة أن يسألوا عن صاحبنا؟ فإذا أجمعوا على حفظه لأخبار رسول الله ﷺ وأفعاله، إلا ما كان للرأى فيه مدخل من الحوادث الفقهية، فنحن على مذهب ذلك الرجل الذى أجمعوا على تعديله، على أنهم على مذهب قوم أجمعنا على سلامتهم من البدعة. فإن وافقوا على أننا على مذهبه فقد أجمعوا على

стр. 146

سلامتنا معه؛ لأن متبع السليم سليم. وإن ادّعوا علينا أنّا تركنا مذهبه، وتمذهبنا بما يخالف الفقهاء، فليذكروا ذلك ليكون الجواب بحسبه. وإن قالوا: أحمد ما شبّه وأنتم شبّهتم، قلنا: الشافعى لم يكن أشعريّا، وأنتم أشعرية. فإن كان مكذوبا عليكم فقد كذب علينا. ونحن نفزع من التأويل مع نفى التشبيه، فلا يعاب علينا إلا ترك الخوض والبحث وليس بطريقة السلف. ثم ما يريد الطاعنون علينا، ونحن لا نزاحمهم على طلب الدنيا؟ وفى هذه السنة المذكور: توفى أبو طاهر بن علك. وكان من صدر الشافعية، وأكابر المتمولين. فشيّعه نظام الملك وأرباب الدولة. ودفن بتربة أبى إسحاق الشيرازى، وجاء السلطان إلى القبر بعد دفنه. قال ابن عقيل: جلست إلى جانب نظام الملك، بتربة أبى إسحاق، والملوك قيام بين يديه، واجترأت على ذلك بالعلم. وكان جالسا للتعزية بابن علك. ولما بويع المستظهر حضر ابن عقيل مع الغزالى والشاشى للمبايعة. فلما توفى المستظهر غسله ابن عقيل مع الشيبى. قال ابن عقيل: ولما تولد المسترشد تلقانى ثلاثة من المستخدمين، يقول كل واحد منهم: قد طلبك مولانا أمير المؤمنين. فلما صرت بالحضرة، وقال لى قاضى القضاة - وهو قائم بين يديه -: طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فقلت: ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. ثم مددت يدى فبسط لى يده الشريفة، فصافحته بعد السلام، وبايعت، فقلت: أبايع سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين المسترشد بالله على كتاب الله وسنة رسوله، وسنة الخلفاء الراشدين، ما أطاق واستطاع، وعلى الطاعة منى. وكان ابن عقيل ﵀ من أفاضل العالم، وأذكياء بنى آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة فى العلوم. وكان خبيرا بالكلام، مطلعا على مذاهب المتكلمين. وله بعد ذلك فى ذم الكلام وأهله شئ كثير، كما ذكر ابن الجوزى وغيره عنه

стр. 147

أنه قال: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا، وما عرفوا الجوهر والعرض. فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أنّ طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبى بكر وعمر، فبئس ما رأيت. وذكر عنه أنه قال: لقد بالغت فى الأصول طول عمرى، ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب. وقد حكى هذا عنه القرطبى فى شرح مسلم. وله من الكلام فى السنة والانتصار لها، والرد على المتكلمين شئ كثير. وقد صنّف فى ذلك مصنفا. وقرأت بخط الحافظ أبى محمد البرزالى قال: قرأت بخط الحافظ ضياء الدين المقدسى، قال: كتب بعضهم إلى أبى الوفاء بن عقيل يقول له: صف لى أصحاب الإمام أحمد على ما عرفت من الإنصاف. فكتب إليه يقول: هم قوم خشن، تقلّصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجدّ، وقلّ عندهم الهزل، وغربت نفوسهم عن ذل المراءاة، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرّجا عن التأويل، وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا فى العلوم الغامضة، بل دققوا فى الورع، وأخذوا ما ظهر من العلوم، وما وراء ذلك قالوا: الله أعلم بما فيها، من خشية باريها. ولم أحفظ على أحد منهم تشبيها، إنما غلبت عليهم الشناعة لإيمانهم بظواهر الآى والأخبار، من غير تأويل ولا إنكار. والله يعلم أننى لا أعتقد فى الإسلام طائفة محقة، خالية من البدع، سوى من سلك هذا الطريق. والسلام. وكان ﵀ بارعا فى الفقه وأصوله. وله فى ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة. وكانت له يد طولى فى الوعظ، والمعارف. وكلامه فى ذلك حسن، وأكثره مستنبط من النصوص الشرعية، فيستنبط من أحكام الشرع وفضائله معارف جليلة، وإشارات دقيقة.

стр. 148

ومن معانى كلامه يستمدّ أبو الفرج بن الجوزى فى الوعظ. فمن ذلك ما قاله فى الفنون: لقد عظم الله سبحانه الحيوان، لا سيما ابن آدم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه، وخوف الضرر على نفسه، فقال: (١٠٦:١٦ ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ)﴾. من قدّم حرمة نفسك على حرمته، حتى أباحك أن تتوقى وتحامى عن نفسك بذكره بما لا ينبغى له سبحانه، لحقيق أن تعظم شعائره، وتوقر أوامره، وزواجره. وعصم عرضك بإيجاب الحدّ بقذفك، وعصم مالك بقطع مسلم فى سرقته، وأسقط شطر الصلاة لأجل مشقتك، وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل؛ إشفاقا عليك من مشقة الخلع واللبس، وأباحك الميتة سدّا لرمقك، وحفظا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل، ووعيد آجل، وخرق العوائد لأجلك، وأنزل الكتب إليك. أيحسن بك - مع هذا الإكرام - أن ترى على ما نهاك منهمكا، وعما أمرك متنكبا، وعن داعيه معرضا، ولسنته هاجرا، ولداعى عدوك فيه مطيعا؟ يعظمك وهو هو، وتهمل أمره وأنت أنت. هو حطّ رتب عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجدها لك. هل عاديت خادما طالت خدمته لك لترك صلاة؟ هل نفيته من دارك للاخلال بفرض، أو لارتكاب نهى؟ فإن لم تعترف العبيد للموالى، فلا أقل من أن تقتضى نفسك للحق سبحانه، اقتضاء المساوى المكافى. ما أوحش ما تلاعب الشيطان بالإنسان بينا يكون بحضرة الحق، وملائكة السماء سجود له، تترامى به الأحوال والجهالات بالمبدإ والمآل، إلى أن يوجد ساجدا لصورة فى حجر، أو لشجرة من الشجر، أو لشمس أو لقمر، أو لصورة ثور خار، أو لطائر صفر! ما أوحش زوال النعم، وتغيّر الأحوال، والجور بعد الكور!

стр. 149

لا يليق بهذا الحى الكريم الفاضل على جميع الحيوان أن يرى إلا عابدا لله فى دار التكليف، أو مجاورا لله فى دار الجزاء والتشريف. وما بين ذلك فهو واضع نفسه فى غير مواضعها. ومن كلامه فى تقرير البعث والمعاد: والله لا أقنع من الله سبحانه بهذه اللمحة التى مزجت بالعلاقم، ولا أقنع من الأبدى السّرمدىّ، ولا يليق بذا الكرم إلا إدامة النعم. والله ما لوّح بما لوّح إلا وقد أعدّ ما تخافه الآمال. وما قدح أحد فى كمال جود الخالق وإنعامه بأكثر من جحده البعث مع تشريف النفوس، وتعليق القلوب بالإعادة، والجزاء على الأعمال الشاقة، التى هجر القوم فيها اللذّات، فصبروا على البلاء؛ طمعا فى العطاء. قال: ويدلّ على أنّ لنا إعادة تتضمن بقاء دائما، وعيشا سالما: أنّ أصح الدلالة قد دلّت على كمال الباري ، وخروجه عن النقائص. وقد استقرينا أفعاله، فرأيناه قد أعدّ كل شئ لشئ. فالسمع للمسموعات، والعين للمبصرات، والأسنان للطحن، والمنخران للشمّ، والمعدة لطبخ الطعام. وقد بقى للنفس غرض قد عجن فى طينها: وهو البقاء بغير انقطاع، وبلوغ الأغراض من غير أذى. وقد عدمت النفس ذلك فى الدنيا. ثم إنا نرى طالما لم يقابل ولا تقتضى الحكمة لذلك. فينبغى أن يكون لها ذلك فى دار أخرى. قال: ولأنظر إلى صورة البلى فى القبور، فكم من بداية خالفتها النهاية. فإن بداية الآدمى والطير ماء مسخّن مستقذر، ومبادى النبات حبّ عفن، ثم يخرج الآدمى والطاوس. وكذلك خروج الموتى بعد اليلى. قال: وبينا أنا نائم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، لاحت لى مقبرة، وكأن قائلا يقول: هذه خيم البلى، على باب الرجاء وعلى الوفاء. قال: وهذا الإلقاء من الله تعالى لكثرة لهجى بالبعث، وتشوفى إلى الاجتماع بالسلف النطاف، وتبرمى من مخالطة السفساف.

стр. 150

وكان ابن عقيل يقول: لا يعظم عندك بذلك نفسك فى ذات الله فهى التى بذلتها بالأمس فى حب مغنية، وهوى أمرد، وخاطرت بها فى الأسفار لأجل زيادة الدنيا. فلما جئت إلى طاعة الله تعالى عظمت ما بذلته، والله ما يحسن بذل النفس إلا لمن إذا أباد أعاد، وإذا أعاد أفاد، وإذا أفاد خلد فائدته على الآباد. وذاك والله الذى يحسن فيه بذل النفوس، وإبانة الرءوس. أليس هو القائل: (١٧٠:٣ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً)؟﴾. سمع ابن عقيل الحديث الكثير من أبى بكر بن بشران، وأبى الفتح ابن شيطا، وأبى الحسن التوزى، وأبى محمد الجوهرى، وأبى طالب العشارى، والقاضى أبى يعلى، وأبى على المباركى، وغيرهم. وحدث، وروى عنه ابن ناصر، وعمر بن ظفر المغازلى، وأبو المعمر الأنصارى، وأبو الرضى الفارسى، وأبو القاسم الناصحى، وأبو المظفر السّنجىّ، وأبو الفتح محمد بن يحيى البردانى، وغيرهم. وأجاز لأبى سعد بن السمعانى الحافظ، وعبد الحق اليوسفى، ويحيى بن بوش. أنبأتنا زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم عن على بن عبد اللطيف الدينورى، عن أبى الحسين بن عبد الحق بن عبد الخالق، أخبرنا أبو الوفاء على بن عقيل الإمام، أخبرنا أبو طالب محمد بن على بن الفتح، أخبرنا محمود بن عمر العكبرى، أخبرنا أبو بكر بن محب إجازة، حدثنا أبو حفص الجوهرى، حدثنا أبو أحمد ابن محمد بن جعفر، حدثنا أحمد بن محمد الأنماطى - الذى كان ينزل سامرّا - أخبرنا أحمد بن نصر قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقلت: يا رسول الله من تركت لنا فى عصرنا هذا ممن يقتدى به؟ قال: عليكم بأحمد بن حنبل. ولا بن عقيل تصانيف كثيرة فى أنواع العلم. وأكبر تصانيفه: كتاب «الفنون» وهو كتاب كبير جدا، فيه فوائد كثيرة جليلة، فى الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة،

стр. 151

والشعر، والتاريخ، والحكايات. وفيه مناظراته ومجالسه التى وقعت له، وخواطره ونتائج فكره قيّدها فيه. وقال ابن الجوزى: وهذا الكتاب مائتا مجلد. وقع لى منه نحو من مائة وخمسين مجلدة. وقال عبد الرزاق الرسعنى فى تفسيره. قال لى أبو البقاء اللغوى: سمعت الشيخ أبا حكيم النهروانى يقول: وقفت على السّفر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب الفنون. وقال الحافظ الذهبى فى تاريخه: لم يصنف فى الدنيا أكبر من هذا الكتاب. حدثنى من رأى منه المجلد الفلانى بعد الأربعمائة. قلت: وأخبرنى أبو حفص عمر بن على القزوينى ببغداد، قال: سمعت بعض مشايخنا يقول: هو ثمانمائة مجلدة. وله فى الفقه كتاب «الفصول» ويسمى «كفاية المفتى» فى عشر مجلدات، كتاب «عمدة الأدلة»، كتاب «المفردات»، كتاب «المجالس النظريات»، كتاب «التذكرة» مجلد، كتاب «الإشارة» مجلد لطيف، وهو مختضر كتاب «الروايتين والوجهين»، كتاب «المنثور». وفى الأصلين كتاب «الإرشاد فى أصول الدين»، وكتاب «الواضح فى أصول الفقه»، و «الانتصار لأهل الحديث» مجلد، «نفى التشبيه»، «مسألة فى الحرف والصوت» جزء، «مسائل مشكلة فى آيات من القرآن» وأحاديث سئل عنها فأجاب. وله كتاب «تهذيب النفس»، «تفضيل العبادات على نعيم الجنات». وكان ابن عقيل كثير التعظيم للامام أحمد وأصحابه، والرد على مخالفيهم. ومن كلامه فى ذلك: ومن عجيب ما نسمعه من هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه محدّث. وهذا غاية الجهل؛ لأنه قد

стр. 152

خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم. وخرج عنه من دقيق الفقه ما لا تراه لأحد منهم. وذكر مسائل من كلام أحمد، ثم قال: وما يقصد هذا إلا مبتدع، قد تمزق فؤاده من خمود كلمته، وانتشار علم أحمد، حتى إن أكثر العلماء يقولون: أصلى أصل أحمد، وفرعى فرع فلان. فحسبك بمن يرضى به فى الأصول قدوة. وكان يقول: هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه؛ لأن أصحاب أبى حنيفة والشافعى إذا برع واحد منهم فى العلم تولى القضاء وغيره من الولايات. فكانت الولاية لتدريسه واشتغاله بالعلم. فأما أصحاب أحمد: فإنه قلّ فيهم من تعلق بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والتزهد؛ لغلبة الخير على القوم، فينقطعون عن التشاغل بالعلم. وكان مع ذلك يتكلم كثيرا بلسان الاجتهاد والترجيح، واتباع الدليل الذى يظهر له ويقول: الواجب اتباع الدليل، لا اتباع أحمد. وكان يخونه قلة بضاعته فى الحديث. فلو كان متضلعا من الحديث والآثار، ومتوسعا فى علومهما لكملت له أدوات الاجتهاد. وكان اجتماعه بأبى بكر الخطيب، ومن كان فى وقته من أئمة الحفاظ، كأبى نصر بن ماكولا، والحميدى، وغيرهم أولى وأنفع له من الاجتماع بابن الوليد وابن التبان. وتركه لمجالسة مثل هؤلاء هو الذى حرمه علما نافعا فى الحقيقة. ولكن الكمال لله. وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب. وقد يخالفه فى بعض تصانيفه، ويوافقه فى بعضها، فإن نظره كثيرا يختلف، واجتهاده يتنوع. وكان يقول: عندى أن من أكبر فضائل المجتهد: أن يتردد فى الحكم عند تردد الحجة والشبهة فيه. وإذا وقف على أحد المترددين دلّه على أنه ما عرف الشبهة، ومن لا تعترضه شبهة لا تصفو له حجة. وكل قلب لا يقرعه التردد،

стр. 153

فإنما يظهر فيه التقليد والجمود على ما يقال له ويسمع من غيره. فمن المسائل التى تفرّد بها: أن النساء لا يجوز لهن استعمال الحرير إلا فى اللبس دون الافتراش والاستناد. ذكره فى الفنون. ومنها: أن صلاة الغد (١) تصح فى صلاة الجنازة خاصة. وهو معروف عنه. ومنها: أن الربا لا يجرى إلاّ فى الأعيان الستة المنصوص عليها. ذكره فى نظرياته. ومنها: أن الوقف لا يجوز بيعه، وإن خرب وتعطل نفعه. وله فى ذلك كلام فى جزء مفرد. ومنها: أن الأب ليس له أن يتملك من مال ولده ما شاء، مع عدم حاجته ذكره فى الفصول فى كتاب النكاح. ومنها: أن المشروع فى عطية الأولاد: التسوية بين الذكور والإناث. ذكره فى الفنون. ومنها: أنه يجوز استئجار الشجر المثمر تبعا للأرض؛ لمشقة التفريق بينهما. حكاه عنه الشيخ تقى الدين بن تيمية. ومنها: أنه لا يجوز أن يؤخذ العشر من تجار أهل الحرب ولا أهل الذمة، إذا اتجروا فى بلاد الإسلام، إلا بشرط أو تراض. ذكره فى فنونه. وقد حكى القاضى فى شرحه الصغير رواية عن أحمد كذلك. ذكرها ابن تميم لكنها غريبة جدا. ومنها: إذا حلف على فعل يتعلق بعين معينة، فتغيرت صفاتها بما يزيل اسمها: لم يتعلق الحنث بها على هذه الحال مطلقا. ومنها: أنه لا يجوز وطء المكاتبة، وإن اشترط وطأها فى عقد الكتابة. وحكاه فى مفرداته رواية. ومنها: أنه لا زكاة فى حليّ المواشط المعد للكراء. ذكره فى «عمدة

стр. 154

الأدلة» وخرج من قول الأصحاب بالوجوب وجها يوجب الزكاة فى سائر ما يعد للكراء من الأملاك، من عقار وغيره. ومنها: أن الزروع والثمار التى تسقى بماء نجس طاهرة مباحة، وإن لم تسق بعده بماء طاهر. ومنها: أن الزوجة إذا كانت نضوة الخلق لا يمكن زوجها وطأها إلا بجناية عليها: فإنه يملك فسخ نكاحها بذلك. ومنها: أن الإمام لا يمتنع من الصلاة على الغالّ، ولا على من قتل نفسه، وأن امتناع النبى ﷺ من الصلاة عليهما كان من خصائصه. ومنها: تحريم الاستمناء بكل حال. وحكاه رواية. ومنها: أنه يجب الحد بقذف العبد العفيف كالحرّ. ذكره فى مفرداته. ومن المسائل الغريبة التى ذكرها ابن عقيل: مسألة فى الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما: فهل تكون الكفارة على الأم من مالها، أو بينها وبين من تلزمه نفقته؟ ذكر فى الفنون: فيها احتمال. قال: والأشبه أنه على الأم؛ لأنها هى المرتفقة بالإفطار لاستضرارها، وتغير لبنها، والولد تبع لها. قال: ولأنه لو كان الطفل معتبرا فى إيجاب التكفير لكان على كل واحد منهما كفارة تامة، كالجماع فى رمضان، وكالمشتركين فى قتل الصيد، على أصح الروايتين. قلت: وهذا ضعيف؛ فإن المشتركين فى الجماع كل منهما أفسد صومه والمشتركين فى القتل كل منهما جنى على إجرامه، فهما متساويان فى الجناية، بخلاف الطفل والأم ههنا. وذكر أيضا فى الفنون: قال: سأل سائل عن قائل قال: والله لا رددت سائلا - أو قال: لله عليّ لا رددت - سائلا - وليس يتسع حاله لذلك، وإن

стр. 155

اعتمد ذلك لم يبق له وقت لعمل ولا لتجارة، ولو كان له مال يفى، فكيف ولا مال يفى، ولا وقت يتسع لذلك مع كثرة السؤال؟. فأجاب حنبلى: بأن هذا قياس قولنا فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله: فإنه فى اليمين مخيّر بين الثلث، وكفارة يمين. وفى النذر: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، فيجب أن يتصدق بثلث ما يتحصل له، مما يزيد على حاجته. وإن لم يتحصل له ما يحتاج إليه: لم يدخل تحت نذره لزومه التصدق به، ويكفر كفارة يمين. قال قائل: يشترى برّا أو حبّ رمان، ويعطى كل سائل حبة من ذلك؟ قال له الحنبلى: هذا لا يجئ على أصلنا؛ لأنا نعتبر المقاصد فى الأيمان والنذور، والقصد: أن لا يردّ سائلا عن سؤاله. وحبة رمان وحبة بر ليست سؤال السائل، فإعطاؤه كردّه. وقال حنبلى: يحتمل أن يصح خروجه من نذره ببرّة برّ؛ لأنّا قد علّقنا حكم الربا على برة ببرتين. وما علق عليه الشرع مأثما، فأحرى أن يعلق عليه ما يحصل به الثواب. وقول عائشة رضى الله عنها عن النبى ﷺ : «اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة» يعضد القول بالتصدق بالبرّة. وقال حنبلى آخر: بل إذا لم يجد شيئا أصلا وعد، فكانت العدة مخلصة له من الردّ. فإن الردّ لا يتحقق مع العدة. ألا ترى أنّ من وعد بزكاة ماله للساعى لا يستحق القتال، ولا التغرير، ولا يأثم؟ ولا يقال: إنه ردّ الساعى ولا المطالب بدينه، ولا الفقير. وللحديث الذى جاء: «العدة دين» وهذه العدة نافعة فى منع الحنث، من حيث إنها لا تقف مع العزم على الإعطاء على التوفية، بل من وعد فعزم أنه متى حصل له مال أعطى السائل ما سأله فما ردّه. والله أعلم. ومن غرائب ابن عقيل: أنه اختار وجوب الرضى بقضاء الله تعالى فى الأمراض والمصائب. ذكره فى مواضع من كلامه. لكنه فسر الرضى فى

стр. 156

الفنون: بأنه الرضى عن الله تعالى بها، ثقة بحكمه وإن كانت مؤلمة للطبع، كما لا يبغض الطبيب عند بطء الدمّل وفتح العروق. وليس المراد هشاشة النفس وانشراحها لها، فإن هذا عنده مستحيل. وصرّح بأنه لم يحصل للأنبياء. كذا قال. وهو فاسد. واختار: أن النهار أفضل من الليل. واختار: أنه لا تجوز الصلاة على القبر فى شئ من أوقات النهى، بخلاف الصلاة على الجنازة. وخالفه بعض مشايخ أصحابنا فى زمنه. ومن كلامه الحسن: أنه وعظ يوما فقال: يا من يجد فى قلبه قسوة، احذر أن تكون نقضت عهدا؛ فإن الله تعالى يقول: (١٥:٥ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً)﴾. وسئل فقيل له: ما تقول فى عزلة الجاهل؟ فقال: خبال ووبال، تضره ولا تنفعه. فقيل له: فعزلة العالم؟ قال: مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها: ترد الماء وترعى الشجر، إلى أن يلقاها ربها. ومن كلامه فى صفة الأرض أيام الربيع: إن الأرض أهدت إلى السماء غبرتها بترقية الغيوم، فكستها السماء زهرتها من الكواكب والنجوم. وقال: كأنّ الأرض أيام زهرتها مرآة السماء فى انطباع صورتها. قال ابن النجار: قرأت فى كتاب أبى نصر المعمر بن محمد بن الحسن البيع يخطه، وأنبأنا عنه أبو القاسم الأزجى، قال: أنشدنا أبو الوفاء علىّ بن عقيل بن محمد بن عقيل الحنبلىّ لنفسه: يقولون لى: ما بال جسمك ناحل … ودمعك من آماق عينيك هاطل؟ وما بال لون الجسم بدل صفرة … وقد كان محمرّا فلونك حائل؟ فقلت: سقاما حلّ فى باطن الحشا … ولوعة قلب بلبلته البلابل وأنّى لمثلى أن يبين لناظر … ولكننى للعالمين أجامل

стр. 157

فلا تغترر يوما ببشرى وظاهرى … فلى باطن قد قطّعته النوازل وما أنا إلا كالزناد تضمّنت … لهيبا، ولكنّ اللهيب مداخل إذا حمل المرء الذى فوق طوره … يرى عن قريب من تجلد عاطل لعمرى إذا كان التجمّل كلفة … يكون كذا بين الانام مجامل فأما الذى أثنى له الدهر عطفه … ولان له وعر الأمور مواصل بألطاف قرب يسهل الصعب عندها … وينعم فيها بالذى كان يأمل تراه رخى البال من كل علقة … وقد صميت منه الكلا والمفاصل توفى أبو الوفاء بن عقيل ﵀ بكرة الجمعة، ثانى عشر جمادى الأولى سنة ثلاثة عشرة وخمسمائة - وقيل: توفى سادس عشر الشهر - والأول أصح. وصلّى عليه فى جامعى القصر والمنصور. وكان الإمام عليه فى جامع القصر ابن شافع. وكان الجمع يفوت الإحصاء. قال ابن ناصر: حزرتهم بثلاثمائة ألف. ودفن فى دكة قبر الإمام أحمد رضى الله عنه. وقبره ظاهر رضى الله عنه. فما كان فى مذهبنا أحد مثله. آخر كلام ابن ناصر. وذكر المبارك بن كامل الخفاف: أنه جرت فتنة - يعنى: على حمله - قال: وتجارحوا، وقال الشيخ مطيع: كفن ونطع. قال ابن الجوزى: حدثنى بعض الأشياخ: أنه لما احتضر ابن عقيل، بكى النساء. فقال: قد وقعت عنه خمسين سنة، فدعونى أتهنا بلقائه. قال ابن السمعانى أنشدنى الإمام أبو المحاسن مسعود بن محمد بن غانم الأديب الغانمى لنفسه، يمدح الإمام أبا الوفاء بن عقيل: لعلىّ بن عقيل البغدادى … مجد لفرق الفرقدين محاذى قد كان ينصر أحمدا خير الورى … وكلامه أحلى من الأزاذ وإذا تلهّب فى الجدال فعنده … سبحان فيه فى التجارب هاذى

стр. 158

ما أخرجت بغداد فحلا مثله … لله در الفاضل البغدادى ولقد مضى لسبيله مع عصبة … كانوا لدين الحق خير ملاذ وقد قرأ على ابن عقيل الفقه الأصول خلق من أصحابنا، يأتى ذكرهم فى مواضعهم إن شاء الله تعالى من الطبقة التى بعد هذه. وممن قرأ عليه أبو الفتح بن برهان الأصولى، صاحب التصانيف فى الأصول، ومدرّس النظامية. وكان أولا حنبليا، ثم انتقل لجفاء أصحابنا له. وكان لابن عقيل ولدان ماتا فى حياته: أحدهما: أبو الحسن عقيل كان فى غاية الحسن. وكان شابا، فهما، ذا خط حسن. قال ابن القطيعى: حكى والده أنه ولد ليلة حادى عشر رمضان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وذكر غيره: أنه سمع من هبة الله بن عبد الرزاق الأنصارى، وعلى بن حسين ابن أيوب، وغيرهما. وتفقه على أبيه، وناظر فى الأصول والفروع. وسمع الحديث الكثير، وشهد عند قاضى القضاة أبى الحسن بن الدامغانى، فقبل قوله. وكان فقيها فاضلا يفهم المعانى جيدا، ويقول الشعر. وكان يشهد مجلس الحكم، ويحضر المواكب. وتوفى ﵀ يوم الثلاثاء، منتصف محرم سنة عشر وخمسمائة. وصلّى عليه يوم الأربعاء. كذا ذكر ابن شافع وغيره. وفى تاريخ ابن المنادى: أنه توفى يوم الجمعة ثانى عشر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. ودفن يوم السبت بدكة الإمام أحمد. فعلى هذا: تكون وفاته قبل والده بشهر واحد. ولا أظن هذا إلا غلطا. وكان له من العمر سبع وعشرون سنة. ودفن فى داره بالظفرية، فلما مات أبوه نقل إلى دكة الإمام أحمد رضى الله عنه.

стр. 159

قال والده: مات ولدى عقيل. وكان قد تفقه وناظر، وجمع أدبا حسنا، فتعزّيت بقصة عمرو بن عبد ودّ الذى قتله على رضى الله عنه، فقالت أمه ترثيه: لو كان قاتل عمرو غير قاتله … ما زلت أبكى عليه دائم الأبد لكنّ قاتله من لا يقاد به … من كان يدعى أبوه بيضة البلد فأسلاها، وعزاها جلالة القاتل، وفخرها بأن ابنها مقتوله. فنظرت إلى قاتل ولدى الحكيم المالك، فهان علىّ القتل والمقتول لجلالة القاتل. وذكر عن الإمام أبى الوفاء: أنه أكب عليه وقبّله، وهو فى أكفانه. وقال: يا بنىّ، استودعتك الله الذى لا تضيع ودائعه. الرب خير لك منى. ثم مضى، وصلّى عليه بجنان ثابت. ﵀. ومن شعر عقيل هذا: شاقه والشوق من غيره … طلل عاف سوى أثره مقفر إلا معالمه … واكف بالودق من مطره فانثنى والدمع منهمل … كانسلال السلك عن درره طاويا كشحا على نوب … سبحات لسن من وطره رحلة الأحباب عن وطن … وحلول الشيب فى شعره شيم للدهر سالفة … مستبينات لمختبره وقبول الدر مبسمها … أبلج يفترّ عن خضره هزّ عطفيها الشباب كما … ماس غصن البان فى شجره ذات فرع فوق ملتمع … كدجى أبدى سنا قمره وبنان زانه ترف … ذاده التسليم عن خفره خصرها يشكو روادفها … كاشتكاء الصبّ من سهره نصبت قلبى لها غرضا … فهو مصمىّ بمعتوره وزهت تيها كأنّ لها … منبتا تزهى بمفتخره وأناخت فى فنا ملك … دنت الأخطار عن خطره

стр. 160

والآخر: أبو منصور هبة الله ولد فى ذى الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة. وحفظ القرآن وتفقه، وظهر منه أشياء تدل على عقل غرير، ودين عظيم. ثم مرض وطال مرضه، وأنفق عليه أبوه مالا فى المرض، وبالغ. قال أبو الوفاء: قال لى ابنى، لما تقارب أجله: يا سيدى قد أنفقت وبالغت فى الأدوية، والطب، والأدعية، ولله تعالى فىّ اختيار، فدعنى مع اختياره. قال: فو الله ما أنطق الله ولدى بهذه المقالة التى تشاكل قول إسحاق لإبراهيم: (١٠٣:٣٧ ﴿اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ)﴾ إلاّ وقد اختاره الله تعالى للحظوة. توفى رحمه الله تعالى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وله نحو أربع عشرة سنة. وحمل أبو الوفا ﵀ فى نفسه من شدة الألم أمرا عظيما، ولكنه تصبّر، ولم يظهر منه جزع. وكان يقول: لولا أن القلوب توقن باجتماع ثان لتفطرت المرائر لفراق المحبوبين. وقال فى آخر عمره - وقد دخل فى عشر التسعين، وذكر من رأى فى زمانه من السادات من مشايخه وأقرانه، وغيرهم -: قد حمدت ربى إذ أخرجنى ولم يبق لى مرغوب فيه، فكفانى صحبة التأسف على ما يفوت؛ لأن التخلف مع غير الأمثال عذاب. وإنما هوّن فقدانى للسادات نظرى إلى الإعادة بعين اليقين وثقتى إلى وعد المبدئ لهم، فلكأنى أسمع داعى البعث قد دعا، كما سمعت ناعيهم وقد نعى. حاشا المبدئ لهم على تلك الأشكال والعلوم أن يقنع لهم من الوجود بتلك الأيام اليسيرة، المشوبة بأنواع التنغيص وهو المالك. لا والله، لا قنع لهم إلا بضيافة تجمعهم على مائدة تليق بكرمه: نعيم بلا ثبور، وبقاء بلا موت واجتماع بلا فرقة، ولدات بغير نغصة.

стр. 161

٦٧ - المبارك بن عليّ بن الحسين بن بندار البغدادى المخرّمى، الفقيه القاضى، أبو سعد قاضى باب الأزج. ولد فى رجب سنة ست وأربعين وأربعمائة. وسمع الحديث من القاضى أبى يعلى، وأبى الحسين بن المهتدى، وأبى جعفر ابن المسلمة، وجابر بن ياسين، والصريفينى، وابن المأمون، وابن النقور. وسمع من القاضى أبى يعلى شيئا من الفقه، ثم تفقه على صاحبه الشريف أبى جعفر، ثم القاضى يعقوب البرزبيني. وأفتى ودرّس وناظر، وجمع كتبا كثيرة لم يسبق إلى جمع مثلها. وشهد عند أبى الحسن الدامغانى فى سنة تسع وثمانين، ثم ناب فى القضاء. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، سديد الأقضية، وبنى مدرسة بباب الأزج، ثم عزل عن القضاء فى سنة إحدى عشرة، ووكل به فى الديوان على حساب وقوف الترب، فأدى مالا. ثم توفى فى ثانى عشر المحرم سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. ودفن إلى جانب أبى بكر الخلال عند رجلى الإمام أحمد رضى الله عنه. ذكر هذا كله أبو الفرج فى تاريخه. وقال أبو الحسين: توفى ليلة الجمعة ثانى عشر المحرم. ودفن يوم الجمعة. قبل الصلاة. وصلّى عليه فى عدة مواضع. قال: وكان مليح المناظرة، سيرته جميلة، وعشرته مليحة. وكان بينى وبينه امتزاج، واجتمعنا فى مجلس الشريف للدرس. غفر الله له. وفى تاريخ القضاة للميدانى: أنه توفى ليلة الأحد رابع عشر محرم. وهو وهم. و «المخرّمى» بكسر الراء - منسوب إلى المخرّم: محلة ببغداد شرقيها. نزلها بعض ولد يزيد بن المخرم، فنسبت إليه. ذكره المنذرى. والمدرسة المذكورة التى بناها: هى المنسوبة الآن إلى تلميذه الشيخ عبد القادر

стр. 162

الجيلى؛ لأنه وسعها وسكن بها، فعرفت به. وللمخرّمى ذرية فيهم شيوخ تصوف، ورؤساء ذوو ولايات، ورواة حديث. ولأبى سعد المخرمى مع ابن عقيل مناظرة فى مسألة بيع الوقف إذا خرب وتعطل. ونحن نذكر مضمون المناظرة ملخصا: قال ابن عقيل: أنا أخالف صاحبى فى هذه؛ لدليل عرض لى، وهو أنّ الباقى بعد التعطل والدروس صالح لوقوع البيع وابتداء الوقف عليه، فإنه يصح وقف هذه الأرض العاطلة ابتداء، فالدوام أولى. ألا ترى أن الرّدّة والعدة يمنعان ابتداء النكاح، ولا يمنعان دوامه؟. اعترض عليه المخرّمي، فقال: يحتمل أن لا أسلم ما عولت عليه فى صحة إنشاء وقفها، بل لا يصح وقف ما يجب نقله؟. قال ابن عقيل: هذا لا يجوز أن يقال جملة، فإنك تقول: تباع ويصرف ثمنها فى وقف آخر. فهذه المالية التى قبلت البيع، وهو عقد معاوضة مستأنف كيف لا يصلح لبقاء دوام عقد قد انعقد بشروطه؟ وأكثر ما يقدر أن المسجد بقى فى بريّة، فيصلح لصلاة المارة والقوافل، ويصحّ أن يستأجر البقعة أهل قافلة لإيقاف دوابهم، وطرح رحالهم، وهذا القدر من بقاء مالية الأصل والمنافع، وقبولها للعقود المستجدة، لا يجوز معه قطع دوام الوقف. قلت: هذا ليس بجواب؛ لما قاله المخرّمى من منع صحة إنشاء وقفها، فإن أكثر ما يفيد هذا: أن وقفيتها لم تزل بالخراب، والمخرمى موافق على ذلك، ولكنه يقول: إنه يجوز أو يجب بيعها وصرف ثمنها إلى مثلها، وهذا شئ آخر. ولم يستدل ابن عقيل على صحة إنشاء وقفها. فإن قال: فإذا صح إنشاء عقد البيع عليها صح إنشاء الوقف. قلنا: هذا ممنوع، فكم من عين يصحّ بيعها، ولا يصح وقفها. فإنّ الواقف إنما يصح فى عين يدوم نفعها مع بقائها. ولو جاز وقف ما يجب بيعه ونقله لجاز بيع

стр. 163

وقف المطعومات ونحوها، وتباع ويصرف ثمنها فى غيرها. ثم يقال: إذا وقفها ابتداء وهى متعطلة، فإن كان يمكن الانتفاع بها فيما وقفت له كوقف أرض سباخ مسجدا: صح وقفها. فإن قيل: مع هذا يقر لحاله، ولا يباع؛ فلأنه لم يفقد منه شئ من منافعه الموقوفة. بخلاف المسجد العامر إذا خرب، وإن لم يمكن الانتفاع بها فيما وقفت له، كفرس زمن حبس للجهاد، فهذا كيف يصح وقفه والمقصود منه مفقود؟ فإنّ هذا بمنزلة إجازة أرض سبخة للزرع، وبعير زمن للركوب. وإن سلّمنا صحة إنشاء وقفها، وأنها تباع، ويصرف ثمنها، فيما ينتفع به، كما هو ظاهر كلام أحمد فى مسألة السرج الفضية. وأفتى بمثله جماعة فى وقف الستور على المسجد. فهذا حجة لنا، لأن صحة الوقف لما لم تناف جواز البيع والإبدال، بل وجوبها فى الابتداء، فكذا ينبغى أن يكون فى الدوام. وقوله: وهذا القدر من بقاء المالية لا يجوز معه قطع دوام الوقف دعوى مجردة. قال المخرمى: فما طلب بالنقل والبيع إلا دوام النفع، فإنّ نقل الوقف إلى مكان ينتفع به أبقى للنفع. قال ابن عقيل: إلا أنك لما أسقطت حكم العين والتعيين، وذلك إسقاط، كمراعاة تعيين الواقف. وأحق الناس بمراعاة بقايا المحل أحمد. حتى إنه قال: إذا حلف: لا دخلت هذا الحمام فصار مسجدا ودخله، أولا أكلت لحم هذا الجدى فصار تيسا، أو هذا التمر فاستحال ناطقا أو خلا: حنث بأكله، فهذا فى باب الأيمان. وفى باب المالية والملك: تزول المالية بموت الشاة، وشدة العصير، ويبقى تخصيصه به بدءا، بحيث يكون أحق بالجلد دبغا واستصلاحا، وبالخمر تخليلا فى رواية. وكذلك الجلاّلة والماء النجس.

стр. 164

قلت: الإمام أحمد يراعى المعانى فى مسائل الأيمان، ومسألة الوقف، فإنّ الواقف إنما قصد بوقفه دوام الانتفاع بما وقفه، فإذا تعذّر حصول ذلك النفع من تلك العين أبدلناها بغيرها مما يحصل منه ذلك النفع، مراعاة بحصول النفع الموقوف ودوامه به. وهو المقصود الأعظم للواقف، دون خصوصية تلك العين المعينة. وكذلك الحالف قصد الامتناع من تلك العين المحلوف عليها دخولا وأكلا. وهذا القصد لا يتغير بتبدل صفات تلك العين، فإنّ ذاتها باقية. وهذا أفقه وأحسن مما اختاره ابن عقيل من تعليق الحكم على مجرد الاسم. فراعى العين فى صورة الوقف ولم يجز إبدالها، وإن فات المقصود منها لتعلق الوقف بها، وراعى الاسم المعلق به اليمين، فمنع الحنث بتبدله مع بقاء العين، ووجود المعنى الذى قصد اجتنابه باليمين. وأما مسألة الميتة والخمر وما أشبههما: فهناك عين باقية على اختصاص صاحبها وتحت يده الحكمية لما بقى فيها من المنافع، فلذلك كان أحق بها. كذلك هنا العين باقية على الوقفية، لكن نحن نقول: يجوز إبدالها، والمخالف لم يذكر حجة على منع ذلك. قال المخرمى: لا يجوز أخذ حكم الدوام من الابتداء، كما لم يجز فى باب تملك القريب ذى الرحم المحرم، وكما لم يجز فى باب تملك الكافر العبد المسلم بالإرث. فإنه لا يدوم الملك على الأب ولا على المسلم، ويصح ابتداء الملك فيهما، والأضحية المعينة يجوز نقلها إلى ما هو أسمن منها، فيقطع الدوام بالإبدال. قال ابن عقيل: أما مسألة تملك ذى الرحم المحرم: فذاك ضد ما نحن فيه؛ لأن ذاك التملك جعل وسيلة الوسائل إلى الأغراض المقصودة، يعفى فيها عن خلل يدخل وضرر يحصل، كما فى مسألة النجاسة باليد، وإزالة المحرم الطيب عنه بيده. فالتملك للأب سبب للمجازاة والمكافأة التى نطق بها الشرع، وهى عتقه، ولا يمكنه ذلك فى ملك غيره، فصار التملك ضرورة لحريته، إذ لو ملكه

стр. 165

ودام ملكه صار مكافأة الشئ بضده؛ لما فيه من إذلاله لأبيه، والمطلوب مكافأته بالإعتاق والإطلاق، واغتفر دخوله فى ملكه لحظة لما يعقبه من العزّ الدائم. فهذه علّة انقطاع الدوام هناك، وهو ضدّ ما نحن فيه، فإن الموقوف موضوع لدوام الانتفاع، ولهذا لا يصح إلا فى محل يبقى على الدوام. وأما الأضحية: فمن الذى أخبرك أنّى أنصر مذهب أحمد وأبى حنيفة، حتى يلزمنى إبدالها بخير منها، على أنها انقطعت لجواز المشاركة بالثلث أكلا للمضحى، وإهداء لثلثها، بخلاف مسألتنا. فههنا إبدال قليلة الانتفاع بأنفع منها لا يجوز. فالأمران مختلفان. والله أعلم. قلت: كان المخرّمى رجع معه، على وجه التنزل، إلى أنّ الوقف المعطّل، وإن صحّ ابتداؤه، فلا يلزم منه صحة دوامه، كشراء ذى الرحم، فاستطال ابن عقيل عليه، وقال: المقصود من شراء ذى الرحم قطع الدوام، بخلاف الوقف. ولكن لا حاجة إلى ما ذكره المخرمى هنا؛ فإنّ التحقيق فى ذلك ما تقدم، وهو أن العين المعطلة إن كان يمكن الانتفاع بها على وجه ما: صحّ وقفها ابتداء ودواما، لكن فى الدوام تبدل، وإن لم تبدل فى الابتداء؛ لما سبق من الفرق. وفى الموضعين الوقف صحيح، لكنّ جواز الإبدال أو وجوبه أمر زائد على صحة الوقف. ولم يذكر ابن عقيل دليلا على امتناعه. وأما إن كانت العين مسلوبة النفع بالكلية: فهذه لا يصح وقفها ابتداء ولا دواما، بل تخرج بذلك عن الوقفية، وإن سلم صحة بقائها على الوقفية فى الدوام - وهو ظاهر كلام الأصحاب - فلأنه يفتقر فى الدوام ما لا يفتقر فى الابتداء. وأما الأضحية وتفريقه بينها وبين الوقف بالمشاركة فيها دون الوقف: فالوقف أيضا قد يدخله المشاركة، بأن يقف على نفسه، أو يقف مسجدا ويصلى فيه مع الناس، ونحو ذلك. وأما تفريقه بجواز الإبدال فى الأضحية بأنفع منها دون الوقف، فيقال:

стр. 166

والوقف فيه رواية أخرى عن أحمد: بجواز الإبدال كالأضحية، فلمن نصر هذا القول أن ينتصر لهذه الرواية، فلا يبقى بينهما فرق. والله أعلم. ٦٨ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن الغازى البدليسى أبو الحسن. أحد الفقهاء الأعيان. اشتغل قديما على أبى الحسن الآمدى بآمد، ولازمه وتفقه عليه، وسمع منه الحديث، وبرع فى الفقه. وقد ذكره القاضى أبو الحسين فى ترجمة شيخه أبى الحسن. وشغل الناس، وتفقه عليه طائفة. وأظنه قديم الوفاة. قرأت بخط شيخ الإسلام أبى العباس بن تيمية قال: نقلت من خط شيخنا يحيى بن الصيرفى الحرانى قال: ذكر الشيخ أبو على الحسن بن على بن سلامة الحرانى فيما علقه عن الشيخ أبى الحسن بن الغازى، فقال: وإذا وقع الإناء الذى أصابه الولوغ فى ماء كثير، فهو غسلة واحدة على ظاهر كلام أصحابنا، سواء أكان واقفا أو جاريا. ولا يعتبر لكل غسلة جرية. قال: ويحتمل وجها آخر. وهو أن يكون وقوعه فى الماء الواقف يحتسب به غسلة واحدة، وفى الماء الجارى يحتسب بكل جرية غسلة. وكلا الوجهين محتملان. قال: وذكر: إذا مات فى الماء ما ليست له نفس سائلة، فإنه لا ينجس ما مات فيه من الماء اليسير والكثير والمائع على الظاهر من المذهب. قال: وفيه رواية أخرى أنه ينجس ما مات فيه. والأول أصح. ٦٩ - الحسن بن محمد (١) العكبرى، أبو المواهب. أحد الفقهاء الأكابر، وله تصانيف فى المذهب أظنه من أصحاب القاضى - أو أصحابه القدماء - ووقفت له على رءوس المسائل، وهى منتخبة من الخلاف الكبير، على طريق أبى جعفر، وأبى الخطاب.

стр. 167

وقد روى عن محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله الخيّاط العكبرى المقرئ حديثا. وروى عنه نصر المقدسى. وشيخه العكبرى هذا كان من أصحاب ابن بطة فقيها. مات سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. ذكره ابن البناء فى طبقات الفقهاء. ورواية نصر المقدسى عن أبى المواهب تدل على تقدم وفاته. ٧٠ - أبو علي بن شهاب العكبرى صاحب كتاب عيون المسائل، متأخر. ونقل من كلام القاضى وأبى الخطّاب كأنه من ولد ابن شهاب المتقدم. ما وقعت له على ترجمة. ومن الناس من يظنه الحسن بن شهاب الكاتب الفقيه صاحب ابن بطة. وهو خطأ عظيم. ٧١ - عبد الوهاب بن حمزة بن عمر البغدادى، الفقيه المعدل، أبو سعد. ولد فى أحد الربيعين سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وسمع من ابن النقور، والصريفينى، وأبى القاسم بن البسرى، وأبى عبد الله الحميدى. وتفقه على أبي الخطاب. وأفتى وبرع فى الفقه. وشهد عند قاضى القضاة أبى الحسن بن الدامغانى وكان مرضيّ الطريقة جميل السيرة من أهل السنة. وهو شيخ أبى حكيم النهروانى، الذى تفقه عليه. وروى عنه حكاية، ولم يحدث إلا باليسير. توفى ليلة الثلاثاء ثالث شعبان سنة خمس عشرة وخمسمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه. ٧٢ - محمد بن على بن عبيد الله بن الدّنف البغدادى المقرئ الزاهد، أبو بكر ولد فى صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وسمع الحديث من ابن المسلمة، وابن المهتدى، والصريفينى، وابن المأمون، وابن النقور، وطبقتهم. وتفقه على الشريف أبى جعفر، وحدث بشئ يسير.

стр. 168

سمع منه ابن ناصر. وروى عنه المبارك بن خضير، وذاكر بن كامل، وابن بوش وغيرهم. وكان من الزهاد الأخيار، ومن أهل السنة، انتفع به خلق كثير. ذكره ابن الجوزى. وقال ابن النجار: كان مشهورا بالصلاح والدين. درس الفقه على الشريف أبى جعفر وصحبه، وانتفع به جماعة قرءوا عليه، وعادت عليهم بركته. توفى يوم الاثنين سابع شوال سنة خمس عشرة وخمسمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب. ﵀. و «الدنف»: بفتح الدّال المهملة وكسر النون وآخره فاء. قيّده ابن نقطة الحافظ وغيره. ٧٣ - محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهانى، أبو سعد بن أبى العباس، ويعرف بالخيّاط. من أهل أصبهان، قدم بغداد، واستوطنها مدة طويلة. وسمع من مشايخها، وانتخب، وعلّق وكتب بخطه كثيرا. وحصل الأصول والنسخ، وجمع شيئا كثيرا جدا من الحديث والفقه، ونفذه إلى أصبهان. وأدركه أجله ببغداد. حدّث ببغداد عن أبى القاسم بن منده إجازة، وعن غيره سماعا. كتب عنه ابن عامر العبدرى وابن ناصر، وخطه حسن. قال ابن النجار: وكان من أهل السنة المحققين المبالغين المتشددين، ظاهر الصلاح، قليل المخالطة للناس. كان حنبليا متعصبا لمذهبه، متشددا فى ذلك. توفى يوم الخميس سادس عشرين ذى الحجة (١) سنة سبع عشرة وخمسمائة. ودفن بباب حرب، ولم يخلف وارثا؛ لأنه لم يتزوج قط ﵀. ٧٤ - على بن المبارك بن علي بن الفاعوس، البغدادى، الإسكاف، المقرئ، الزاهد أبو الحسن.

стр. 169

سمع من القاضى أبى يعلى، وأبى منصور عبد الباقى بن محمد بن غالب العطار وغيرهما. وصحب الشريف أبا جعفر. وكان مشهورا بالزهد والورع والتقشف وحسن الطريقة، للخلق فيه اعتقاد عظيم. وذكر ابن ناصر: أنه كان أزهد الناس فى عصره. وكان يقرأ يوم الجمعة على الناس أحاديث قد جمعها بغير أسانيد. قال ابن الجوزى: حدثنى أبو حكيم النهروانى قال: كان ابن الفاعوس إذا صلّى الجمعة جلس يقرأ على أصحابه الحديث، فيأتى ساقى الماء، فيأخذ منه فيشرب؛ ليريهم أنه مفطر، وربما صامها فى بعض الأيام. وكان ابن الفاعوس يتورع عن الرواية. وحدّث وسمع منه أبو المعمر الأنصارى، وأبو القاسم بن عساكر الحافظ. وقال: كان أبو القاسم بن السمرقندى يقول: إن أبا بكر بن الخاضبة كان يسمى ابن الفاعوس الحجرى؛ لأنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة. قلت: إن صحّ عن ابن الفاعوس أنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة، فأصل ذلك: أن طائفة من أصحابنا وغيرهم نفوا وقوع المجاز فى القرآن، ولكن لا يعلم منهم من نفى المجاز فى اللغة، كقول أبى إسحاق الأسفرايني. ولكن قد يسمع بعض صالحيهم إنكار المجاز فى القرآن، فيعتقد إنكاره مطلقا. ويؤيد ذلك: أن المتبادر إلى فهم أكثر الناس من لفظ الحقيقة والمجاز: المعانى والحقائق دون الألفاظ. فإذا قيل: إنّ هذا مجاز فهموا أنه ليس تحته معنى، ولا له حقيقة، فينكرون ذلك، وينفرون منه. ومن أنكر المجاز من العلماء فقد ينكر إطلاق اسم المجاز؛ لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد، ويصير ذريعة لمن يريد جحد حقائق الكتاب والسنة ومد لولاتهما. ويقول: غالب من تكلم بالحقيقة والمجاز هم المعتزلة ونحوهم من أهل البدع،

стр. 170

وتطرفرا بذلك إلى تحريف الكلم عن مواضعه، فيمنع من التسمية بالمجاز، ويجعل جميع الألفاظ حقائق، ويقول: اللفظ إن دل بنفسه فهو حقيقة لذلك المعنى، وإن دلّ بقرينة فدلالته بالقرينة حقيقة للمعنى الآخر، فهو حقيقة فى الحالين. وإن كان المعنى المدلول عليه مختلفا فحينئذ يقال: لفظ اليمين فى قوله : (٦٧:٣٩ ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ)﴾ حقيقة. وهو دال على الصفة الذاتية. ولفظ اليمين فى الحديث المعروف: «الحجر الأسود يمين الله فى الأرض. فمن صافحه فكأنّما صافح الله » وقيل: يمينه يراد به - مع هذه القرائن المحتفة به - محل الاستلام والتقبيل. وهو حقيقة فى هذا المعنى فى هذه الصورة، وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلا، بل دلالته على معناه الخاص قطعية لا تحتمل النقيض بوجه، ولا تحتاج إلى تأويل ولا غيره. وإذا قيل: فابن الفاعوس لم يكن من أهل هذا الشأن - أعنى: البحث عن مدلولات الألفاظ؟ قيل: ولا ابن الخاضبة كان من أهله، وإن كان محدثا. وإنما سمع من ابن الفاعوس، أو بلغه عنه إنكار أن يكون هذا مجازا، لما سمعه من إنكار لفظ المجاز فحمله السامع لقصوره أو لهواه على أنه إذا كان حقيقة لزم أن يكون هو يد الرب ، التى هى صفته. وهذا باطل. والله علم. توفى ابن الفاعوس ليلة السبت تاسع عشر شوال - وقيل: العشرين منه، والأول أصح - سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وصلّى عليه من الغد بجامع القصر. ودفن قريبا من قبر الإمام أحمد رضى الله عنه. وكان ذلك يوما مشهودا، غلقت فيه أسواق بغداد. وكان أهل بغداد يصيحون فى جنازته: هذا يوم سنىّ حنبلى، لا قشيرى ولا أشعرى. وكان حينئذ ببغداد أبو الفرج الأسفرايني الواعظ، وكان العوام قد رجموه

стр. 171

غير مرة فى الأسواق، ورموا عليه الميتات، فأظهروا فى ذلك اليوم لعنه وسبّه، فبلغ ذلك المسترشد، فمنعه من الوعظ، وأمره بالخروج من بغداد. وظهر فى ثانى يوم عند رجل من أصحابه كراريس فيها ما يتضمن الاستخفاف بالقرآن، فطيف به البلد، ونودى عليه، وهمّت العامة بإحراقه. وظهر الشيخ عبد القادر، وجلس للوعظ، وعكف الناس عليه، وانتصر به أهل السنة. رحمه الله تعالى. ٧٧ - [¬*] موسى بن أحمد بن محمد النشادرى (١) الفقيه أبو القاسم. كان يذكر أنه من أولاد أبى ذر الغفارى رضى الله عنه. سمع الحديث الكثير. وقرأ بالروايات، وتفقه على أبى الحسن بن الزغوانى، وناظر. قال ابن الجوزى: رأيته يتكلم كلاما حسنا. توفى رابع رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب. رحمه الله تعالى. وقال غيره: توفى ليلة الخميس خامس رجب. وذكر ابن القطيعى: أنه سمع من أبى منصور الخازن، وأنه كمل التعليقة، وناظر، وتبصر فى المذهب. قلت: أظنه مات شابا؛ فإن شيخه ابن الزاغونى عاش بعده مدة. ٧٨ - محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء، القاضى الشهيد، أبو الحسين ابن شيخ المذهب، القاضى أبى يعلى. ولد ليلة نصف شعبان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. وقرأ ببعض الروايات على أبى بكر الخيّاط. وسمع الحديث من أبيه، وعبد الصمد بن المأمون، وأبوى الحسين بن المهتدى. وابن النقور، وأبى بكر

стр. 172

الخطيب، والعاصمى، وطبقتهم. وتوفى والده وهو صغير، فتفقه على الشريف أبى جعفر، وبرع فى الفقه، وأفتى وناظر. وكان عارفا بالمذهب، متشددا فى السنة. وله تصانيف كثيرة فى الفروع والأصول، وغير ذلك، منها: «المجموع فى الفروع»، «رءوس المسائل»، «المفردات فى الفقه»، «التمام لكتاب الروايتين والوجهين» الذى لأبيه، «المفردات فى أصول الفقه»، «طبقات الأصحاب»، «إيضاح الأدلة فى الردّ على الفرق الضالة المضلة»، «الرد على زائغى الاعتقادات فى منعهم من سماع الآيات»، «شرف الاتباع وسرف الابتداع»، «تنزيه معاوية بن أبى سفيان المقنع فى النيات»، «المفتاح فى الفقه». وقرأ عليه جماعة، منهم: الشيخ عبد المغيث الحربى، وغيره. وحدّث، وسمع منه خلق كثير من الأصحاب وغيرهم، منهم: بن ناصر، ومعمر بن الفاخر، وابن الخشاب، وأبو الحسين البراندسي الفقيه، والجنيد بن يعقوب الجيلى الفقيه، وحدّثا عنه، وعبد الغنى بن الحافظ أبى العلاء الهمدانى، وأبو نجيح محمود بن أبى المرجا الأصبهانى الحنبلى، وعبد الوهاب بن أبى حبسة، ويحيى بن بوش. وحدث عنه أيضا: على بن المرحب البطائحى، والمبارك بن الطباخ، وابن الحريف، وابن عساكر الحافظ. وبالإجازة أبو موسى المدينى، وابن كليب. وكان للقاضى أبى الحسين بيت فى داره بباب المراتب يبيت فيه وحده، فعلم بعض من كان يخدمه ويتردد إليه بأن له مالا، فدخلوا عليه ليلا، وأخذوا المال وقتلوه، ليلة الجمعة - ليلة عاشوراء - سنة ست وعشرين وخمسمائة. وصلّى عليه يوم السبت حادى عشر المحرم. ودفن عند أبيه بمقبرة باب حرب. وكان يوما مشهودا. وقدر الله ظهور قاتليه، فقتلوا كلهم. أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا

стр. 173

أبو على ضياء بن أحمد بن الحسن النجار، أخبرنا القاضى أبو الحسين ابن القاضى أبى يعلى، أخبرنا أبو الغنائم عبد الصمد بن المأمون، أخبرنا أبو القاسم بن حبابة حدثنا أبو القاسم البغوى، حدثنا أبو الربيع الزهرانى، حدثنا جعفر بن سليمان عن أبى عمران الجونى عن أنس قال: «وقّت لنا فى قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة: أن لا يترك أكثر من أربعين ليلة» أخرجه مسلم. نقلت من خط القاضى أبى الحسين فى مفرداته فى الأصول: اختلفت الرواية عن أحمد هل يصح الاستثناء فى اليمين بالله؟ فقال: مع انقطاع يمينه على روايتين. إحداهما: يصح، وإن كان منقطعا، وهى مذهب عبد الله بن عباس. والرواية الثانية: لا يصح الاستثناء. اختارها الخرقى والوالد، وبها قال أكثرهم. وجه الأولى: أن النسخ والتخصيص يجوز أن يتأخرا، فكذلك الاستثناء. ووجه الثانية: أن الاستثناء يجرى مجرى الشرط؛ لأنه إذا انفصل عما قبله لم يفد ألا ترى أنه إذا قال: اضرب زيدا أو أعطه درهما، ثم قال بعد يوم: إذا قام أو أكل لم يفد ذلك، ولم يكن شرطا كذلك فى اليمين؟ هذا لفظه بحروفه. وهو ظاهر فى أن الرواية الأولى، كما حكى عن ابن عباس من صحة الاستثناء. فى اليمين، وإن طال الفصل. ولا أعلم أحدا من الأصحاب حكى ذلك عن أحمد. ٧٩ - على بن الحسن الدواحى، أبو الحسن الواعظ تفقه على أبى الخطاب الكلوذانى، وسمع منه الحديث. توفى ليلة الجمعة خامس شوال سنة ست وعشرين وخمسمائة، وصلّى عليه من الغد. ودفن بمقبرة باب حرب. ٨٠ - محمد بن الحسين بن على بن إبراهيم بن عبد الله الشيبانى، الحاجى، المزرفى، المقرئ، الفرضى أبو بكر.

стр. 174

ولد فى سلخ سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. وقيل: سنة أربعين. وقرأ القرآن بالروايات على جماعة من أصحاب الحمامى، منهم: أبو بكر ابن موسى الخياط، وطاهر بن الحسين القواس. وسمع من ابن المسلمة، وابن المأمون، والصريفينى، وابن المهتدى، وابن النقور، والنهروانى، وأبى الحسين العاصمى، وابن البرى (١)، وأبى الغنائم بن الدجاجى. وكتب بخطه كثيرا. وبرع فى القراءات وتفرد بعلم الفرائض وألف فيه. وذكر ابن ناصر أنه كان مقرئ زمانه، قرأ عليه القرآن جماعة، منهم: أبو موسى المدينى الحافظ، وعلىّ بن عساكر البطائحى. وحدث عنه ابن ناصر، وابن عساكر، واليونارتى، وأبو سعد بن أبى عصرون، وابن الجوزى، وجماعة آخرهم أبو الفتح الميدانى، ودرس عليه جماعة الفرائض والحساب. قال أبو نصر اليونارتى فى معجمه. هو وحيد عصره فى خلقه، وحسن قراءته. قال ابن الجوزى: كان ثقة عالما ثبتا، حسن العقيدة. وقال ابن القطيعى: سمعت ابن الأخضر يقول: سمعت أبا محمد الخشاب يقول: قد سمعت من يحيى بن منده سنة ثمان وتسعين، وحضر معى فى الطبقة أبو منصور الخياط المقرئ، ولا أفرح بسماعى منه مثل ما أفرح بسماعى من المزرفى، وذلك لأنه طلب الحديث بنفسه وفهم. توفى يوم السبت مستهل سنة سبع وعشرين وخمسمائة فجأة. وقيل: إنه توفى فى سجوده. ودفن بباب حرب. «والمزرفى» نسبة إلى المزرفة: قرية بين بغداد وعكبرا، ولم يكن منها،

стр. 175

وإنما انتقل أبوه إليها أيام الفتنة، فأقام بها مدة، فلما رجع إلى بغداد قيل له: المزرفى. أخبرنا أبو الفتح المصرى بها، أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا أبو الفرج ابن الجوزى، أخبرنا أبو بكر المزرفى - سنة عشرين وخمسمائة - أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة، أخبرنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهرى، أخبرنا جعفر بن محمد الفريابى، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبى سهيل نافع بن مالك بن أبى عامر عن أبيه عن أبى هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». أخرجاه عن قتيبة. ٨١ - على بن عبيد الله بن نصر بن السرى. كذا نسبه ابن شافع وابن الجوزى وغيرهما. وقال ابن النجار: ابن نصر بن عبيد الله بن سهل بن السرى. وقال ابن نقطة: نصر بن عبيد الله بن أبى السرى. وقال ابن السمعانى نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزاغوانى البغدادى، الفقيه المحدث الواعظ، أبو الحسن، أحد أعيان المذهب. ولد سنة خمس وخمسين وأربعمائة فى جمادى الأولى - فيما نظنه. وقرأ القرآن بالروايات، وطلب الحديث بنفسه، وقرأ وكتب بخطه. وسمع من أبى الغنائم بن المأمون، وأبى جعفر بن المسلمة، وأبى محمد الصّريفينى وأبى الحسين بن النقور، وأبى القاسم بن اليسرى، وأبى محمد بن عبد الله بن عطاء الهروى، وجماعة آخرين. وقرأ الفقه على القاضى يعقوب البرزبيني، وقرأ الكثير من كتب اللغة والنحو والفرائض. وكان متفننا فى علوم شتى، من الأصول والفروع والحديث والوعظ وصنف فى ذلك كله. قال ابن الجوزى: كان له فى كل فن من العلم حظ وافر، ووعظ مدة طويلة.

стр. 176

قال: وصحبته زمانا، فسمعت منه الحديث، وعلقت عنه من الفقه والوعظ وكانت له حلقة بجامع المنصور يناظر فيها يوم الجمعة قبل الصلاة، ثم يعظ بعد الصلاة. ويجلس يوم السبت أيضا. وذكر ابن ناصر: أنه كان فقيه الوقت فى الطبقة الثالثة عشرة. وكان مشهورا بالصلاح والديانة والورع والصيانة. قال ابن السمعانى: سمعت أبا عبد الله حامد بن أبى الفتح المدينى يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن الزاغونى - يعنى: أخا أبى الحسن هذا - يقول: ذكر بعض الناس ممن يوثق بهم: أنه رأى فى المنام ثلاثة، يقول واحد منهم: أخسف، وواحد يقول: أغرق، وواحد يقول: أطبق - يعنى: البلد - فأجاب أحدهم: لا؛ لأن بالقرب منا ثلاثة: أبو الحسن بن الزاغونى، والثانى أحمد بن الطلاية، والثالث محمد بن فلان من الحربية. ولابن الزاغونى تصانيف كثيرة، منها: فى الفقه: «الإقناع» فى مجلد، و «الواضح» و «الخلاف الكبير» و «المفردات» فى مجلدين، وهى مائة مسألة. وله مصنف فى الفرائض يسمى «التلخيص» وجزء فى «عويص المسائل الحسابية» ومصنف فى «الدور والوصايا». وله «الإيضاح فى أصول الدين» مجلد، و «غرر البيان فى أصول الفقه» مجلدات عدة. وله ديوان خطب أنشأها، ومجالس فى الوعظ وله تاريخ على السنين من أول ولاية المسترشد إلى حين وفاته هو، ومناسك الحج، وفتاوى، ومسائل فى القرآن والفتاوى الرجعية، وجزء فى تصحيح حديث الأطيط، سدره فى المستحيل وسماع الموتى فى قبورهم. وكان ثقة صدوقا، صحيح السماع. حدّث بالكثير. وروى عنه ابن ناصر، وأبو المعمر الأنصارى، وابن عساكر، وابن الجوزى، وعمر بن طبرزد، وغيرهم. وتفقه عليه جماعة، منهم: صدقة بن الحسين، وابن الجوزى.

стр. 177

توفى يوم الأحد سادس عشر محرم سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وصلّى عليه يوم الاثنين بجامع القصر وجامع المنصور. ودفن بمقبرة الإمام أحمد، بباب حرب. وكان له جمع عظيم يفوت الإحصاء رحمه الله تعالى. هذا الذى ذكرناه فى تاريخ وفاته هو الذى ذكره صدقة بن الحسين. نقله عنه ابن النجار. وذكره ابن السمعانى عن ابن عساكر، وغيره. والذى ذكره ابن شافع وابن الجوزى فى عدة مواضع وابن نقطة: أنه توفى يوم الأحد بعد الظهر سابع عشر محرم. والأول أصح؛ فإن ابن شافع وابن الجوزى وافقا على أن وفاة المزرفى - المذكور قبله - كانت يوم السبت مستهل محرم. ومتى كان السبت مستهل محرم، فالأحد سادس عشرة، لا سابع عشرة، وقد علق ابن الجوزى فى جزء وفاة ابن الزاغونى، فقال: فى الأحد سادس عشر محرم، على الصواب. أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بفسطاط مصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا الحافظ أبو الفرج بن الجوزى، أخبرنا أبو الحسين بن الزاغونى، أخبرنا أبو الحسين بن النقور. أخبرنا عيسى بن على بن الجراح، حدثنا أبو القاسم البغوى، حدثنا نعيم بن الهيضم، حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن أبى سفيان عن جابر بن عبد الله «أن النبى ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل. فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: نعم الأدم الخلّ - مرتين» تفرّد به مسلم، فرواه عن يحيى بن يحيى عن أبى عوانة. ذكر ابن الزاغونى فى مناسكه: أن رمى الجمار أيام منى، ورمى جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده، والأفضل بعده. ولهذا لم يوافقه عليه أحد فيما أعلم. وهو ضعيف مخالف للسنة فى رمى جمرة العقبة يوم النحر. وحكى فى الإقناع رواية عن أحمد: أنه إذا اتخذ عصيرا للخمر، فانقلبت خلاّ لم تطهره؛ لأن اتخاذه كان محرما.

стр. 178

وحكى فيه رواية عن أحمد: أنه لا ينتقض عهد أهل الذمة بشئ غير منع الجزية. وقال فيه: المشهور من المذهب أن السم نجس، وفى المذهب ما يحتمل أنه ليس بنجس؛ لأن النبى ﷺ أكل من الذراع المسمومة. وذكر فيه: أن المتوفى عنها زوجها لا يلزمها المقام فى منزل الوفاة، إلا إذا تبرع لها الورثة بالسكنى، ولا يلزمها فيما عدا ذلك، حتى لو كان المنزل ملكا لها لم يلزمها المقام فيه. وحكى فيه رواية: أن البائن تجب لها السكنى والنفقة، وإن كانت حاملا (١) وذكر فيه: أن الحامل المتوفى عنها زوجها تجب لها النفقة والسكنى إن قلنا: إن النفقة للحمل، كما لو كان الأب حيا. ولم أعلم أحدا من الأصحاب بنى رواية وجوب النفقة والسكنى لها على هذا الأصل، ولا جعلها من فوائد الخلاف فى أن النفقة: هل هى للحمل أو للحامل؟ فإن نفقة الأقارب تسقط بالموت، فكيف تجب نفقة الحمل من التركة؟. وحكى فى باب نفقة الزوجات فى ثمن ماء الغسل والسدر والمشط والدهن الطيب وما أشبه ذلك وجهين. أحدهما: أنه عليها؛ لأنّ به يحصل التمكين من الاستمتاع. والثانى: هو عليه، وشبهه بالقوت وتوابعه، ولا أعلم أحدا من الأصحاب ألزم الزوج ثمن الطيب مطلقا، ولا حكى فى لزوم ثمن البواقى خلافا، سوى ماء الغسل الواجب. وقال أيضا، فى نفقة الأقارب: إذا كان بعض ورثة الفقير موسرا، وبعضهم معسرا: فإن كان الفقير أبا أو أما لزم الموسر كمال النفقة عليه، وإن كان جدا أو جدة فوجهان. وأما سائر الورثة: فلا تلزم الموسر منهم النفقة إلا بقدر حصته من الميراث. وهذا تفصيل غريب.

стр. 179

وحكى فيه رواية عن أحمد: أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث إذا كان صوما، ويجوز بالمال. وذكر فيه: أن نذر اللجاج والغضب نذر صحيح يلزم الوفاء به، وهذا لا يعرف فى المذهب، لكن قد قيل: إنه وقع فى كلام ابن أبى موسى ما يوهمه. وذكر فيه أيضا: أن المستأمن إذا دخل دار الإسلام بتجارة أخذ منه الخمس، وأن الذمى إذا اتجر فى دار الإسلام فى غير بلده أخذ منه العشر. وهو غريب مخالف لنصوص أحمد وقول الأصحاب، والمأثور عن عمر رضى الله عنه ٨٢ - محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف بن الفراء، الفقيه، الزاهد، أبو خازم بن القاضى الإمام أبى يعلى. وأخو القاضى أبى الحسين المتقدم ذكره. ولد فى صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة وسمع الحديث من أبى جعفر بن المسلمة، وابن المأمون، وجابر بن ياسين. وذكر ابن نقطة: أنه حدث عن أبيه القاضى أبى يعلى، وما أظنه إلا بالإجازة؛ فإنه ولد قبل موت والده بسنة. وقد ذكر أخوه القاضى أبو الحسين: أن والده أجاز له ولأخيه أبى خازم، وقرأ الفقه على القاضى يعقوب ولازمه، وعلق عنه وبرع فى معرفة المذهب والخلاف والأصول. وصنف تصانيف مفيدة، وله كتاب «التبصرة» فى الخلاف وكتاب «رءوس المسائل»، وشرح مختصر الخرقى، وغير ذلك. وكان من الفقهاء الزاهدين، والأخيار الصالحين. وحدث وسمع منه جماعة وروى عنه ابنته نعمة، وأبو المعمر الأنصارى، ويحيى بن بوش. وتوفى يوم الاثنين تاسع عشرين صفر سنة سبع وعشرين وخمسمائة. وصلّى عليه يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول بجامع القصر. وكان يومه يوما مشهودا.

стр. 180

ودفن بداره بباب الأزج، ثم نقل فى سنة أربع وثلاثين إلى مقبرة الإمام أحمد، فدفن عند أبيه. رحمهما الله تعالى. و «أبو خازم» بالخاء والزاى المعجمتين. نقلت من خط ابن الصيرفى الحرانى، مسألة: إذا حلق شار به بحيث إنه لا ينبت. فقال ابن أبى موسى: تجب فيه حكومة، وقال القاضى أبو خازم ابن القاضى أبى يعلى: يتوجّه أن لا يجب فيه لأنه مأمور بحفّه. قال: ويتوجه أن يجب إذا كان شابا دون الشيخ؛ لما روى عن قتادة أنه قال: من الشيخ سنّة، ومن الشابّ مثلة - يعنى: حلق الشارب. ٨٣ - عبد الله بن المبارك ويعرف بعسكر بن الحسن العكبرى، المقرئ، الفقيه أبو محمد، ويعرف بابن نيال. سمع من أبى نصر الزينبى، وأبى الغنائم بن أبى عثمان، وأبى الحسين العاصمى وغيرهم. وتفقه على أبى الوفاء بن عقيل، وأبى سعد البردانى. وكان يصحب شافعا الحنبلىّ، فأشار عليه بشراء كتب ابن عقيل، فباع ملكا له واشترى بثمنه كتاب الفنون، وكتاب الفصول، ووقفها على المسلمين. وكان خيرا من أهل السنة، وحدّث. وتوفى ليلة الثلاثاء ثانى عشرين جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وصلّى عليه أبو محمد المقرئ الزاهد من الغد بجامع القصر. ودفن بمقبرة الإمام أحمد عن نيف وسبعين سنة. رحمه الله تعالى. ٨٤ - عبد الواحد بن شنيف بن محمد بن عبد الواحد الديلمى، البغدادى الفقيه أبو الفرج. أحد أكابر الفقهاء. تفقه على أبى على البردانى وبرع. وكان مناظرا مجودا، وأمينا من قبل القضاة، وباشر بعض الولايات، وله دنيا واسعة. وكان ذا فطنة وشجاعة وقوة قلب وعفة ونزاهة وأمانة.
следующие страницы →