← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وذكر القادسى: أنه توفى يوم السبت رابع عشر صفر. قال: وصلّى عليه بجامع القصر جماعة من الأعيان. ﵀. قال المنذرى: وهو منسوب إلى ولاء خادم يقال له: نجم، مملوك السيدة أخت المستنجد بالله. ٢٢٩ - محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله الجماعيلى المقدسى، ثم الدمشقى الصالحى، الزاهد العابد الشيخ أبو عمر. قال ابن أخته الحافظ ضياء الدين: مولده سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بجماعيل. شاهدته بخط والده. وهاجر به والده وبأخيه الشيخ الموفق وأهلهم إلى دمشق سنة إحدى وخمسين؛ لاستيلاء الفرنج على الأرض المقدسة، فنزلوا بمسجد أبى صالح ظاهر باب شرقى، فأقاموا به مدة نحو سنتين، ثم انتقلوا إلى الجبل قال أبو عمر: فقال الناس: الصالحية، الصالحية، ينسبونا إلى مسجد أبى صالح، لا أنا صالحون. قال أبو الفرج بن الحنبلى - ونقلته من خطه -: أنزلهم والدى فى مسجد أبى صالح، فاستوخم المسجد عليهم، فمات منهم فى شهر واحد قريب أربعين نفسا فأشار عليهم والدى بالانتقال إلى الجبل حيث هم الآن، فانتقلوا إليه. وكان رأيا مباركا. حفظ الشيخ أبو عمر القرآن. وقرأه بحرف أبى عمرو. وسمع الحديث من والده، وأبى المكارم بن هلال، وأبى تميم سلمان ابن الرحبى، وأبى نصر عبد الرّحيم بن عبد الخالق بن يوسف، وأبى الفتح عمر ابن على بن حمويه، وأبى المعالى بن صابر، وأبى محمد عبد الله بن عبد الواحد الكنانى، وأبى عبد الله محمد بن على الحرانى، وأبى الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز الأزدى، ويحيى بن محمود الثقفى، ومحمد بن حمزة بن أبى الصقر. وقدم مصر، فسمع بها من الشريف أبى المفاخر سعيد بن الحسن المأمونى

стр. 492

وأبى محمد بن برى النحوى، وخرج له الحافظ عبد الغنى المقدسى أربعين حديثا من رواياته، وحدث بها. وسمع منه جماعة، منهم: الضياء، والمنذرى، وروى عنه ابن خليل، وولده أبو الفرج عبد الرحمن، قاضى القضاة، وحفظ منه مختصر الخرقى فى الفقه. وتفقه فى المذهب. وقرأ النحو على ابن برى بمصر، وأظنه حفظ «اللمع» بن جنى. وكتب بخطه كثيرا، من ذلك: «الحلية» لأبى نعيم، و «تفسير البغوى»، و «المغنى» فى الفقه لأخيه الشيخ موفق الدين، و «الإبانة» لابن بطة، وكتب مصاحف كثيرة لأهله، وكتب «الخرقى» للناس، والكل بغير أجرة. وكان سريع الكتابة، وربما كتب فى اليوم كراسين بالقطع الكبير. قال الحافظ الضياء: وكان الله قد جمع له معرفة الفقه، والفرائض، والنحو، مع الزهد والعمل، وقضاء حوائج الناس. قال: وكان لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثا إلا عمل به. وكان يصلى بالناس فى نصف شعبان مائة ركعة، وهو شيخ كبير، وكأنه أنشط الجماعة، وكان لا يترك قيام الليل من وقت شبوبيته، وسافر هو وجماعة، فقام فى الليل يصلى ويحرس الجماعة، وقلل الأكل فى مرضه قبل موته، حتى عاد كالعود. ومات وهو عاقد على أصابعه يسبح قال: وحدثت عن زوجته، قالت: كان يقوم الليل، فإذا جاءه النوم، عنده قضيب يضرب به على رجليه، فيذهب عنه النوم. قال: وكان كثير الصيام سفرا وحضرا. قال ولده عبد الله: إنه فى آخر عمره سرد الصوم، فلامه أهله، فقال: إنما أصوم أغتنم أيامى؛ لأنى إن ضعفت عجزت عن الصوم، وإن مت انقطع عملى. وكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها، ولا بمريض إلا عاده،

стр. 493

ولا جهاد إلا خرج فيه. وكان يقرأ فى الصلاة كل ليلة سبعا مرتّلا، ويقرأ فى النهار سبعا بين الظهر والعصر، فإذا صلّى الفجر قرأ آيات الحرس بعد أن يفرغ من التسبيح. وكان قد كتب فى ذلك كراسة، وهى معلقة فى المحراب، وربما قرأ فيها خوفا من النعاس، ثم يقرأ ويلقن إلى ارتفاع النهار، ثم يصلى الضحى صلاة طويلة. وكان يسجد سجدتين طويلتين، إحداهما فى الليل، والأخرى فى النهار، يطيل فيهما السجود، ويصلى بعد أذان الظهر قبل سنتها فى كل يوم ركعتين، يقرأ فى الأولى أول المؤمنون، وفى الثانية آخر الفرقان. وكان يصلى بين المغرب والعشاء أربع ركعات، يقرأ فيهن السّجدة، ويس، وتبارك، والدخان. ويصلى كل ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التسبيح ويطيلها، ويصلى يوم الجمعة ركعتين بمائة ﴿(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)﴾ وكان يصلى فى كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة، وله أوراد كثيرة. وكان يزور القبور كل جمعة بعد العصر، ولا ينام إلا على وضوء، ويحافظ على سن وأذكار عند نومه: من التسبيح، والتكبير، والتحميد، وقراءة تبارك، وغيرها من القرآن، ويقول بين سنة الفجر والفرض أربعين مرة يا حى يا قيوم، لا إله إلا أنت. وكان لا يترك غسل الجمعة، ولا يخرج إلى الجمعة إلا ومعه شئ يتصدق به، وكان يحمل همّ أصحابه، ومن سافر منهم تفقد أهله. وكان يتفقد الأشياء النافعة، مثل النهر، والسقاية، وغير ذلك مما فيه نفع للمسلمين. وكان يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم، ويتصدق كثيرا ببعض ثيابه، حتى يبقى فى الشتاء بجبة بغير قميص، وكثيرا من وقته بغير سراويل. وكانت عمامته قطعة بطانة، فإذا احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير قطع منها له. وكان يلبس الخشن وينام على الحصير. وكان ثوبه إلى نصف ساقه، وكمّه إلى رسغه، وربما تصدق بالشئ وأهله محتاجون إليه. ومكث مدة لا يأكل أهل الدير إلا من بيته. يجمع الرجال ناحية والنساء ناحية، وكان إذا جاء شئ إلى بيته فرقه على الخاص والعام.

стр. 494

وكان يقول: لا علم إلا ما دخل مع صاحبه القبر. ويقول: إذا لم تتصدقوا لا يتصدق أحد عنكم، وإذا لم تعطوا السائل أنتم أعطاه غيركم. وكان يحب اللبن المصفى بخرقة، فعمل له منه مرة فلم يأكل منه، فقيل له. فقال تركته لحبى إياه، ثم لم يأكله بعد ذلك. وكان إذا خطب ترقّ القلوب، ويبكى بعض الناس بكاء كثيرا. وكان له هيبة عظيمة فى القلوب، حتى كان أحد الطلبة يريد أن يسأله عن شئ، فما يجسر أن يسأله، وإذا دخل المسجد سكتوا، وخفضوا أصواتهم، وإذا عبر فى طريق والصبيان يلعبون هربوا، وإذا أمر بشئ لا يجسر أحد أن يخالفه. وكان كثيرا ما يكتب إلى أرباب الولايات شفاعات لمن يقصده. فقال له المتولى يوما: إنك تكتب إلينا فى قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهى أن لا نرد رقعتك، فقال: أما أنا فقد قضيت حاجة من قصدنى، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا ورقتى وإلا فلا، فقال له: لا نردها أبدا. واحتاج الناس فى سنة إلى المطر، فطلع معهم إلى مغارة الدم، ومعه نساء من محارمه، واستسقى ودعا، فجاء المطر حينئذ، وجرت الأودية شيئا لم يره الناس من مدة. وله كرامات كثيرة. وذكر بعضهم، قال: جئنا مرة إلى عنده، ونحن ثلاثة أنفس جياع، فقدّم إلينا سكرجة فيها لبن، وكسيرات، فأكلنا وشبعنا، وأنا انظر إليها، كأنها لم تنقص قال الضياء: وسمعت الإمام محمد بن أبى بكر بن عمر يقول: دعانى الشيخ مرة، وكنت أخاف من ضرر الأكل، فابتدأنى وقال: إذا قرأ الإنسان قبل الأكل ﴿(شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ)﴾ و ﴿(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ)﴾ ثم أكل، فإنه لا يضره. وسمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن الحسن بن النحاس، يقول: كان والدى يحب الشيخ أبا عمر، فقال لى يوم جمعة: أنا أصلى الجمعة خلف الشيخ،

стр. 495

ومذهبى أن (بسم الله الرحمن الرحيم) من الفاتحة، ومذهبه أنها ليست من الفاتحة، وأخاف أن يكون فى صلاتى شئ، فمضينا إلى المسجد، فوجدنا الشيخ، فسلم على والدى وعانقه، ثم قال: يا أخى، صل وأنت طيب القلب؛ فإننى ما تركت (بسم الله الرحمن الرحيم) فى نافلة، ولا فريضة، منذ أممت بالناس، فالتفت إلىّ والدى، وقال: احفظ. وكان بعض الناس يرسل إلى الشيخ فى كل سنة شيئا فيقبله، فأرسل إليه مرة دينارين فردهما فتألم، ثم فكر فيهما، فوجدهما من جهة غير طيبة. قال: فبعث إليه غيرهما، فقبلهما. قال الضياء: وسمعت أحمد بن عبد الملك بن عثمان، قال: جاء رجلان إلى الشيخ أبى عمر، فقالا له: إن قراحا قد أخذ فلانا وحبسه، فادع عليه، فباتا عند الشيخ، فلما كان من الغد قال: قضيت الحاجة، وإذا جنازة قراح عابرة، وأطال الضياء ترجمة الشيخ أبى عمر. وكذلك أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى المرآة. وقال: كان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال مبتسما، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام. قال: وكان إذا نزل من الجبل لزيارة القبور - أو غير ذلك - جمع الشيخ من الجبل وربطه بحبل، وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل فى الليل إليهم الدراهم والدقيق، ولا يعرفونه. قال: وما نهر أحدا. ولا أوجع قلب أحد. وكان يقول: أنا زاهد. ولكن فى الحرام. ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق والجماعة فى خيمة، فجاء العادل إلى زيارته وهو فى الصلاة، فما قطعها ولا التفت إليه ولا ترك ورده. وكان يصعد المنبر فى الجبل، وعليه ثوب خام مهدول الجيب، وفى يده عصا والمنبر يومئذ ثلاث مراق. وكان يجاهد فى سبيل الله.، ويحضر الغزوات مع صلاح الدين.

стр. 496

وكان أخوه الموفق يقول عنه: هو شيخنا، ربّانا وأحسن إلينا، وعلمنا وحرص علينا، وكان للجماعة كالوالد يقوم بمصالحهم، ومن غاب منهم خلفه فى أهله. قال: وكان أبى أحمد قد تخلى عن أمور الدنيا وهمومها، فكان المرجع فى مصالح الأهل إليه، وهو الذى هاجر بنا، وسفّرنا إلى بغداد، وبنى الدير. فلما رجعنا من بغداد زوجنا وبنى لنا دورا خارجة عن الدير وكفانا هموم الدنيا. وكان يؤثرنا ويدع أهله محتاجين، وبنى المدرسة والمصنع بعلو همته. وكان مجاب الدعوة، وما كتب لأحد ورقة للحمى إلا شفاء الله تعالى. قال أبو المظر: وكراماته كثيرة، وفضائله غزيرة، فمنها: أنى صليت يوم جمعة بجامع الجبل فى أول سنة ست وستمائة، والشيخ عبد الله اليونانى إلى جانبى، فلما كان فى آخر الخطبة وأبو عمر يخطب نهض الشيخ عبد الله مسرعا، وصعد إلى مغارة قريبة وكان نازلا بها، فظننت أنه احتاج إلى الوضوء، أو آلمه شئ. فلما صليت الجمعة صعدت وراءه، وقلت له: خير، ما الذى أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر، ما تحل خلفه صلاة، قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول على المنبر ما لا يصلح. قلت: وما الذى يقول؟ قال: قال الملك العادل، وهو ظالم، فما يصدق. وكان أبو عمر يقول فى آخر الخطبة: اللهم، أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب، فقلت له: إذا كانت الصلاة خلف أبى عمر لا تصح، فيا ليت شعرى خلف من تصح؟ وبينا نحن فى الحديث، وإذا بالشيخ أبى عمر قد دخل ومعه مئزر، فسلم وحل المئزر، وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله، الصلاة. ثم قال ابتداء: قد جاء فى الحديث: أنّ النبى ﷺ قال «ولدت فى زمن الملك العادل كسرى» فنظر إلى الشيخ عبد الله: وتبسم، ومدّ يده فأكل. وقام أبو عمر فنزل. فقال الشيخ عبد الله: ماذا إلا رجل صالح. قال أبو المظفر: وقلت له يوما: أول ما قدمت الشام ما كان يرد أحدا فى شفاعته إلى من كان، وقد كتب ورقة إلى الملك المعظم عيسى بن العادل. وقال

стр. 497

فيها: إلى الولد الملك المعظم، فقلت له: كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله تعالى؟ فتبسم ورمى بالورقة، وقال: تأملها. وإذا به لما كتب «الملك المعظم» كسر الظاء، فصار المعظم، وقال، لا بد أن يكون يوما قد عظم الله تعالى، فعجبت من ورعه وتحفظه فى منطقه عن مثل هذا. قال أبو المظفر: وأصابنى قولنج عانيت منه شدة، فدخل علىّ أبو عمر وبيده خروب شامى مدقوق، فقال: استفّ هذا. وكان عندى جماعة، فقالوا: هذا يزيد القولنج ويضره، فما التفت إلى قولهم. فأخذته من يده فأكلته، فبرأت فى الحال. قال: وحكى الجمال البصراوى الواعظ قال. أصابنى قولنج فى رمضان، فاجتهدوا فى أن أفطر، فلم أفعل، وصعدت إلى قاسيون، فقعدت موضع الجامع اليوم، وإذا بالشيخ أبى عمر قد أقبل من الجبل، وبيده حشيشة، فقال: شم هذه تنفعك، فأخذتها وشممتها، فبرأت. وقرأت بخط الناصح ابن الحنبلى: كان أبو عمر فقيها زاهدا عابدا. كتب بخطه كثيرا من كتب الحديث والفقه على مذهب الإمام أحمد، وكتاب «المغنى» لأخيه. وكان مع ذلك له أوراد من الصلاة والتلاوة، يقوم بها، وحج وغزا وكان شيخ جماعته، مطاعا فيهم، محترما عند نور الدين محمود بن زنكى. وزاره وبنى لهم فى الجبل مسجدا وسقاية. وقال غيره: له آثار جميلة، منها: مدرسته بالجبل، وهى وقف على القرآن والفقه. وقد حفظ القرآن فيها أمم لا يحصون. وذكر جماعة: أن الشيخ أبا عمر قطب، وأقام قطب الوقت قبل موته ست سنين. وقال أبو المظفر: كان على مذهب السلف الصّالح، حسن العقيدة، متمسكا بالكتاب والسنة، والآثار المروية وغيرها كما جاءت، من غير طعن على أئمة الدين

стр. 498

وعلماء المسلمين. وينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصّالحين. قال: وأنشدنى لنفسه: أوصيكم فى القول بالقرآن … بقول أهل الحق والإتقان ليس بمخلوق ولا بفانى … لكن كلام الملك الدّيان آياته مشرقة المعانى … متلوة فى اللفظ باللسان محفوظة فى الصدر والجنان … مكتوبة فى الصحف بالبنان والقول فى الصفات يا إخوانى … كالذات والعلم مع البيان إمرارها من غير ما كفران … من غير تشبيه ولا عدوان قال: وأنشدنى لنفسه: ألم يك ملهاة عن اللهو أننى … بدا لى شيب الرأس والضعف والألم ألمّ بي الخطب الذى لو بكيته … حياتى حتى ينفد الدمع لم ألم قال أبو المظفر: وكان سبب موته: أنه حضر مجلسى بقاسيون فى الجامع، مع أخيه الموفق والعماد والجماعة. وكان قاعدا فى الباب الكبير، وجرى الكلام فى رؤية الله تعالى ومشاهدته، واستغرقت فى ذلك. وكان وقتا عجيبا، وأبو عمر جالس إلى جانب أخيه الموفق. فقام وطلب باب الجامع، ولم أره. فالتفت، فإذا بين يديه شخص يريد الخروج من الجامع، فصحت على الرجل: اقعد، فظن أبو عمر أننى أخاطبه، فجلس على عتبة باب الجامع الجوانية إلى أن فرغ المجلس. ثم حمل إلى الدير. فكان آخر العهد به. وأقام مريضا أياما، ولم يترك شيئا من أوراده. فلما كان عشية الاثنين ثامن عشر ربيع الأول - يعنى سنة سبع وستمائة - جمع أهله واستقبل القبلة، ووصاهم بتقوى الله ومراقبته، وأمرهم بقراءة يس وكان آخر كلامه: (١٣٢:٢ ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)﴾. وتوفى رحمه الله تعالى، وغسل فى السحر. ومن وصل إلى الماء الذى غسل به

стр. 499

نشف به النساء مقانعهن، والرجال عمائمهم، ولم يتخلف عن جنازته أحد من القضاة والعلماء والأمراء والأعيان وعامة الخلق. وكان يوما مشهودا. ولما خرجوا بجنازته من الدير كان يوما شديد الحر، فأقبلت غمامة فأظلت الناس إلى قبره. وكان يسمع منها دوىّ كدوىّ النحل. ولولا المبارز المعتمد، والشجاع بن محارب، وشبل الدولة الحسامى ما وصل إلى قبره من كفنه شئ. وإنما أحاطوا به بالسيوف والدبابيس. وكان قبل وفاته بليلة رأى إنسان كأن قاسيون قد وقع أو زال من مكانه فأوّلوه بموته. ولما دفن رأى بعض الصالحين فى منامه تلك الليلة النبى ﷺ وهو يقول: من رأى أبا عمر ليلة الجمعة فكأنما رأى الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه. ومات عن ثمانين سنة، ولم يخلف دينارا ولا درهما، ولا قليلا ولا كثيرا. وقال غيره: حزر من حضر جنازته، فكانوا عشرين ألفا. وذكر الضياء عن عبد المولى بن محمد: أنه كان يقرأ عند قبر الشيخ سورة البقرة، وكان وحده، فبلغ إلى قوله تعالى (٦٨:٢ ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ)﴾ قال: فغلطت، فرد علىّ الشيخ من القبر، قال: فخفت وفزعت وارتعدت وقمت، ثم مات القارئ بعد ذلك بأيام. وهذه الحكاية مشهورة. قال: وقرأ بعضهم عند قبره سورة الكهف، فسمعه من القبر يقول: لا إله إلا الله. وذكر له عدة منامات. وقال أبو شامة فى مذيله: أول ما وقفت على قبره وزرته وجدت - بتوفيق الله تعالى رقة عظيمة، وبكاء صالحا. وكان معى رفيق لى، وهو الذى عرفنى قبره، وجد أيضا مثل ذلك. قال: وأخبرنى بعض أصحابنا الثقات: أنه رأى الإمام الشافعى ﵀ فى

стр. 500

المنام، فسأله: إلى أين تمضى؟ فقال: أزور أحمد بن حنبل، فأتبعته انظر ما يصنع. فدخل دارا، فسألت: لمن هى؟ فقيل: للشيخ أبى عمر ﵀. وقد رثاه الأديب أبو عبد الله محمد بن سعيد المقدسى بقصيدة، منها: أبعد أن فقدت عينى أبا عمر … تضمنى فى بقايا العمر عمران؟ ما للمساجد منه اليوم مقفرة … كأنها بعد ذاك الجمع قيعان؟ ما للمحاريب بعد الأنس موحشة … كأنّ لم يتل فيها الدهر قرآن؟ تبكى عليه عيون الناس قاطبة … إذ كان فى كل عين منه إنسان وكان فى كل قلب منه نور هدى … فصار فى كل قلب منه نيران وكل حى رأينا فهو ذو أسف … وكل ميت رآه فهو فرحان لا زال يسقى ضريحا أنت ساكنه … سحائب غيثها عفو وغفران كم ميت ذكره حيّ، ومتصف … بالحيّ ميت، له الأثواب أكفان وكان والده الشيخ أبو العباس أحمد خطيب جماعيل رجلا صالحا، زاهدا عابدا، صاحب كرامات، وأحوال وعبادات ومجاهدات. قرأ فى رمضان خمسا وستين ختمة. وكان عليه مهابة عظيمة، لا يراه أحد إلا قبّل يده. قال أبو الفرج بن الحنبلى: كان له قدم فى العبادة والصلاح. سمعت والدى يقول: لو كان نبى يبعث فى زمان الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة كان هو. وقد حدث وروى عنه ولداه: أبو عمر، والموفق. وكان مولده سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وتوفى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. ودفن بسفح جبل قاسيون. وإلى جانبه دفن ولده أبو عمر. رحمهما الله. قرئ على أبى محمد عبد الله بن إسماعيل الأنصارى - وأنا أسمع - أخبركم محمد بن أحمد القاضى أبو الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر محمد بن أحمد بن قدامة أخبرنا والدى الزاهد أبو عمر.

стр. 501

٢٣٠ - يحيى بن أبى الفتح بن عمر الطباخ الحرانى الضرير المقدسى، الفقيه أبو زكريا. رحل وقرأ القرآن بواسط بالروايات على القاضى أبى الفضل هبة الله بن على ابن قاسم الواسطى وغيره. وسمع بها الحديث من القاضى أبى طالب محمد بن على ابن الكنانى. وسمع ببغداد من أبى محمد بن الخشاب، وأبى الحسين عبد الحق بن عبد الخالق، وشهدة، فى آخرين. وتفقه ببغداد فى المذهب، ورجع إلى حران، وحدث بها. وسمع منه أبو المظفر سبط ابن الجوزى وغيره. وتوفى فى شوال سنة سبع وستمائة بحران، رحمه الله تعالى. ٢٣١ - يحيى بن المظفر بن نعيم بن على البغدادى البدرى الزاهد، أبو زكريا المعروف بابن الحبير. ويلقب صفى الدين. ولد فى المحرم سنة أربعين وخمسمائة. وسمع الحديث من ابن ناصر، وأبى الوقت وغيرهما. وتفقه فى المذهب. وكان يسافر فى التجارة إلى الشام، ثم انقطع فى بيته بالبدرية، محلة من محال بغداد الشرقية بدار الخلافة. وكان كثير العبادة، حسن الهيئة والسمت، كثير الصلاة والصيام والنسك ذا مروءة وتفقد للأصحاب وتودد إليهم. وذكر أبو الفرج بن الحنبلى: أنه كان فى السفر إذا نزل الناس واستقروا توضأ للصلاة، وتنحى قليلا عن القافلة، وبسط سجادة له، واستقبل القبلة حتى يدخل الوقت، فيصلى. قال: وكان كثير العبادة، ملازما لمنزله، لا يخرج منه إلى مسجده إلا لتأدية الفرائض، ثم يرجع. وأثنى عليه مودته ومروءته. وأثنى عليه ابن نقطة وغيره

стр. 502

بالصلاح. وانتفع به جماعة من مماليك الخليفة. وبنيت له دكة فى آخر عمره بأمر الخليفة بجامع القصر لقراءة الحديث عليها. وتوفى فى يوم الاثنين ضحى تاسع عشرين ذى الحجة سنة سبع وستمائة. ودفن بباب حرب وتبعه خلق كثير. رحمه الله تعالى. وكان له ابن يقال له: أبو بكر محمد، كان فقيها فاضلا فى المذهب، فانتقل إلى مذهب الشافعى لأجل الدنيا. وولى القضاء، وقيلت فيه الأشعار. و «الحبير» بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء المهملة. ٢٣٢ - أسباه صبر بن محمد بن نعمان الحرانى، الفقيه أبو عبد الله. تفقه ببغداد على الشيخ عبد القادر، ونزل عنده، ولازم الاشتغال بمدرسته إلى آخر عمره. وسمع ابن المادح، وحدث عنه باليسير، وعمّر. وسمع منه ابن القطيعى، وجماعة وتوفى ليلة الجمعة حادى عشر ربيع الأول سنة سبع (١) وستمائة. ودفن بباب حرب ﵀. وكان أصابه صمم شديد فى آخر عمره. قال ابن النجار: كان شيخا صالحا، مشتغلا بالعلم والخير، مع علو سنه. وأظنه ناطح المائة. ﵀. ٢٣٣ - محمود بن عثمان بن مكارم النعال البغدادى الأزجى، الفقيه الواعظ الزاهد، أبو الثناء. ويقال: أبو الشكر. ويلقب ناصر الدين. ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة ببغداد. وقرأ القرآن وسمع الحديث من أبى الفتح بن البطى، وحدث. وحفظ مختصر الخرقى. وقرأ على أبى الفتح بن المنى، وصحب الشيخ عبد القادر، وتأدب به. وكان يطالع الفقه والتفسير، ويجلس فى رباطه للوعظ. وكان رباطه مجمعا

стр. 503

للفقراء وأهل الدين، وللفقهاء الحنابلة الذين يرحلون إلى أبى الفتح بن المنى للتفقه عليه، فكانوا ينزلون به، حتى كان الاشتغال فيه بالعلم أكثر من الاشتغال بسائر المدارس. وكان الرباط شعث الظاهر، عامرا بالفقهاء والصالحين. سكنه الشيخ موفق الدين المقدسى، والحافظ عبد الغنى، وأخوه الشيخ العماد، والحافظ عبد القادر الرهاوى وغيرهم من أكابر الرحالين لطلب العلم. قال أبو الفرج بن الحنبلى: ولما قدمت بغداد سنة اثنتين وسبعين نزلت الرباط، ولم يكن فيه بيت خال، فعمرت به بيتا وسكنته. وكان الشيخ محمود وأصحابه ينكرون المنكر، ويريقون الخمور، ويرتكبون الأهوال فى ذلك، حتى إنه قام أنكر على جماعة من الأمراء، وبدد خمورهم، وجرت بينه وبينهم فتن، وضرب مرات. وهو شديد فى دين الله، له إقدام وجهاد وكان كثير الذكر، قليل الحظ من الدنيا. وكان يسمى شحنة الحنابلة. ذكر ذلك ابن الحنبلى وقال: كان يهذبنا ويؤدبنا، وانتفعنا به كثيرا. وقال غيره: كان صالحا خيرا، موصوفا بالزهد والصلاح والظرافة، وكانت له قصص فى إنكاره. وقال أبو شامة: كانت له رياضات ومجاهدات، وساح فى بلاد الشام وغيرها وكان يؤثر أصحابه. وانتفع به خلق كثير. وكان مهيبا لطيفا كيّسا باشّا مبتسما، يصوم الدهر، ويختم القرآن كل يوم وليلة، ولا يأكل إلا من غزل عمته. توفى فى ليلة الأربعاء عاشر صفر سنة تسع وستمائة عن أزيد من ثمانين سنة. ودفن تلك الليلة برباطه. رحمه الله تعالى. وقيل: كانت وفاته ليلة التاسع. ٢٣٤ - يحيى بن سالم بن مفلح البغدادى، نزيل الموصل، أبو زكريا. ذكر أنه سمع ببغداد من أبى الوقت، وأنه تفقه بها على صدقة بن الحسين الحداد، وحدث بالموصل.

стр. 504

وتوفى فى شهر رمضان سنة تسع وستمائة بالموصل. ودفن بمقبرة الجامع العتيق ٢٣٥ - على بن محمد بن حامد البغوى (١)، أبو الحسن بن النجار الفقيه. قرأ الفقه والخلاف على الفخر إسماعيل صاحب ابن المنى، وتكلم فى مسائل الخلاف، فأجاد: وقرأ طرفا صالحا من الأدب، وقال الشعر. وكان يكتب خطا حسنا. وسافر عن بغداد، ودخل ديار بكر، وولى القضاء بآمد، وأقام بها إلى حين وفاته. وكان صهرا لعبد الرزاق بن عبد القادر على ابنته. توفى بآمد فى رمضان سنة تسع وستمائة. ﵀. وقد جاوز الأربعين. قال ابن النجار: أنشدت له: لو صبّ ما ألقى على صخرة … لذابت الصخرة من وجدها أو ألقيت نيران قلبى على … دجلة لم يقدر الناس على وردها أو ذاقت النار غرامى بكم … لم تتوار النار فى زندها لو لم ترج الرّوح روح اللقا … لكان روح الروح فى فقدها ٢٣٦ - محمد بن مكى بن أبى الرجاء بن على بن الفضل الأصبهانى، المليحى المحدث، المؤدب، أبو عبد الله تقى الدين، محدث أصبهان ومفيدها. سمع من أبى الخير الباغيان، وأبى عبد الله الرستمى، ومحمود بن عبد الكريم قورجه، ومسعود الثقفى، وخلق كثير، وعنى بهذا الشأن. وقرأ الكثير بنفسه، وكتب بخطه، وخرج وأفاد الطلبة بأصبهان. وحدث، وأجاز للحافظ المنذرى، ولأبى الحسن بن النجارى، وأحمد بن شيبان. وقد رويا عنه بالإجازة. توفى فى العشر الأواخر من المحرم سنة عشر وستمائة بأصبهان ﵀. ومما زاده على المسلسلات، للحافظ أبى موسى المدينى: أخبرنا محمد بن عبد الخالق بن أبى شكر الجوهرى - بقراءتى عليه - أخبرنا أبو أحمد حمد بن

стр. 505

عبد الله بن حيه أخبرنا أحمد بن فضل الباطرقانى - إملاء - حدثنا عبد الله بن محمد ابن عبد الوهاب حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الوراق البغدادى قال: سمعت الخلال - جارا لنا - قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يضرب على قول رسول الله ﷺ الأعناق، كما يضرب على كتاب الله الأعناق؛ إنه إذا صح عن رسول الله ﷺ الحديث، ثم كذب به كاذب: يضرب عنقه. وهذا الإسناد فيه جهالة. وإن صح، حمل على أن الخبر المتلقى بالقبول والتصديق يوجب العلم، فالمكذب به كالمكذب بما علم من الدين بالتواتر. وقد حكى أبو الفضل التميمى: أن الإمام أحمد كان يفسق من خالف خبر الواحد، مع التمكن من استعماله. وكان يضلل من خالف الإجماع والتواتر. وذكر القاضى أبو يعلى فى المجرد: أن خبر الواحد المتلقى بالقبول يفيد العلم، ولا يفسق من خالفه، إلا إذا أجمع على العمل به. وأظن ابن حزم حكى عن إسحاق ابن راهويه مثل هذا الكلام المروى عن أحمد بالإسناد الذى فيه جهالة. ٢٣٧ - إسماعيل بن علي بن حسين البغدادى الأزجى المأمونى، الفقيه الأصولى، المناظر المتكلم، أبو محمد، ويلقب فخر الدين. ويعرف بابن الوفاء، وبابن الماشطة، واشتهر تعريفه بغلام ابن المنى. ولد فى صفر سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وسمع الحديث من شيخه أبى الفتح بن المنى، ولاحق بن على بن ركاة وشهدة، وغيرهم. وقرأ الفقه والخلاف على شيخه أبى الفتح بن المنى، ولازمه حتى برع، وصار أوحد زمانه فى علم الفقه والخلاف والأصلين والنظر والجدل. ودرس بعد شيخه بمسجده بالمأمونية. وكانت له حلقة بجامع القصر يجتمع إليه فيها الفقهاء للمناظرة. وكان حسن الكلام، جيد العبارة، فصيح اللسان رفيع الصوت.

стр. 506

وله تصانيف فى الخلاف والجدل، منها «التعليقة المشهورة» و «المفردات» ومنها: كتاب «جنة الناظر وجنة المناظر» فى الجدل. واشتغل عليه جماعة، وتخرجوا به. وحدث، وسمع منه جماعة. وأجاز لعبد الصمد بن أبى الجيش المقرئ، وولاه الخليفة الناصر النظر فى قراه وعقاره الخاص، ثم صرفه. وقد حط عليه أبو شامة، ونسبه إلى الظلم فى ولايته. وأظنه أخذ ذلك من مرآة الزمان، وكذلك ابن النجار، مع أنه قال: كان حسن العبارة، جيد الكلام فى المناظرة، مقتدرا على رد الخصوم. وكانت الطوائف مجمعة على فضله وعلمه. وكان يدرس فى منزله، ويحضر عنده الفقهاء. قال: ورتب ناظرا فى ديوان المطبق مديدة، فلم تحمد سيرته، فعزل واعتقل مدة بالديوان، ثم أطلق، ولزم منزله. قال: ولم يكن فى دنيه بذاك. ذكر لى ولده أبو طالب عبد الله، فى معرض المدح: أنه قرأ المنطق والفلسفة على ابن مرقش الطبيب النصرانى، ولم يكن فى زمانه أعلم منه بتلك العلوم، وأنه كان يتردد إليه إلى بيعة النصارى. قال: وسمعت من أثق به من العلماء يذكر: أنه صنف كتابا سماه «نواميس الأنبياء» يذكر فيه أنهم كانوا حكماء، كهرمس، وأرسطاطاليس. قال: وسألت بعض تلامذته الخصيصين به عن ذلك؟ فما أثبته ولا أنكره، وقال: كان متسمحا فى دينه، متلاعبا به، ولم يزد على ذلك. قال: وكان دائما يقع فى الحديث، وفى رواته، ويقول: هم جهال، لا يعرفون العلوم العقلية، ولا معانى الأحاديث الحقيقة، بل هم مع اللفظ الظاهر، ويذمهم، ويطعن عليهم. ومما أنشده ابن النجار من شعره: دليل على حرص ابن آدم أنه … ترى كفه مضمومة وقت وضعه

стр. 507

ويبسطها عند الممات؛ إشارة … إلى صفرها مما حوى بعد جمعه وتوفى فى ربيع الأول سنة عشر وستمائة، كذا ذكره ابن القادسى، وأبو شامة. وذكر ابن النجار: أنه توفى يوم الثلاثاء ثامن ربيع الآخر، ودفن من يومه بداره بدرب الجب، ثم نقل بعد ذلك إلى باب حرب، ﵀ وسامحه. وذكر ابن القادسى فى تاريخه: أنه وجد ببغداد يهودى تزوج بمسلمة، وأولدها ولدين، فخاف اليهودى فأسلم، فجمع الفقهاء، واستفتوا فى أمره، قال: فقيل: إن الفخر إسماعيل غلام ابن المنّى قال: الإسلام يجبّ ما قبله. ٢٣٨ - محمد بن حماد بن محمد بن جوخان البغدادى القسطعتى الضرير، الفقيه أبو بكر. سمع الحديث من ابن البطى، وشهدة، وحدث بيسير، وحفظ القرآن وقرأه تجويدا وأقرأه. وتفقه على أبى الفتح بن المنى، وتكلم فى مسائل الخلاف. وتوفى فى يوم الأربعاء سلخ رمضان سنة عشر وستمائة، ودفن من يومه بمقبرة باب حرب ﵀ وقد ناطح السبعين. ٢٣٩ - هلال بن محفوظ بن هلال الرسعنى الجزرى، الفقيه، أبو النجم. رحل إلى بغداد، وسمع بها من شهدة الكاتبة، وغيرها، وتفقه بها، وبيته بالجزيرة بيت مشيخة وصلاح، حدث برأس العين. وتوفى فى سنة عشر وستمائة. ﵀. ٢٤٠ - محمد بن على بن محمد بن كرم السلامى المعدل، أبو العشائر، ابن التلولى. سمع من ابن البطى، وجماعة. وتفقه فى المذهب، وقرأ طرفا من العربية على ابن الخشاب.

стр. 508

وشهد عند قاضى القضاة العباسى، وكان يؤم بمسجد بالجانب الغربى من بغداد. وحدث، وسمع منه قوم من الطلبة. وكان غاليا فى التسنن، حتى إنه يقول أشياء لا يلزمه التلفظ بها، بل يضره. منها: أن عليا شرب الخمر، وأن بلالا خيرا من موسى بن جعفر، ومن أبيه، وكان ذلك فى وزارة القمى الشيعى، فنفاه إلى واسط، وكان ناظرها غاليا فى التشيع، فأخذه وطرحه فى مطمورة، إلى أن مات بها. وانقطع خبره سنة عشر وستمائة. رحمه الله تعالى. ٢٤١ - إبراهيم بن محمد على بن محمد بن المبارك بن أحمد بن محمد بن بكروس البغدادى الفقيه، المعدل، أبو إسحاق. وقيل: أبو محمد، ويلقب شمس الدين. وقد سبق ذكر أبيه وعمه. ولد ليلة ثامن عشرين جمادى الأولى، سنة سبع وخمسين وخمسمائة. وذكر القادسى فى تاريخه: أن والده سماه عبد الرحمن، فرأى فى منامه النبى ﷺ ، وأمره أن يسميه إبراهيم، ويكنيه أبا محمد. وقرأ القرآن على عمه، وسمع الحديث من أبيه وعمه، ومن أبى الفتح ابن البطى، وجماعة كثيرة من المتأخرين، وكتب الطباق بخطه، واشتغل بالمذهب على أبيه وعمه، وبالخلاف على أبى الفتح ابن المنى، ولازمه مدة لسماع درسه، حتى برع وأفتى وناظر. ثم أقبل على إلقاء الدروس بمدرستهم بدرب العيار. وشهد عند قاضى القضاة ابن الشهرزورى، وولى نظر وقوف الجامع، ثم ولى النيابة بباب النوبى سنة أربع وستمائة، فغير لباسه، وتغيرت أحواله، وأساء السيرة بكثرة الأذى، والمصادرة، والجنايات للناس، والسعى بهم، ولم تكن تأخذه فى ذلك لومة لائم. قال ابن القادسى: حدثنى عبد العزيز بن دلف الخازن، قال: كان ابن

стр. 509

بكروس يلازم قبر معروف الكرخى، فسمعته وهو يدعو أكثر الأوقات: اللهم مكنى من دماء المسلمين ولو يوما واحدا، قال: فمكنه الله من ذلك. وقال ابن الساعى: حدثنى عبد العزيز الناسخ، أنه وعظ ابن بكروس يوما، فقال له: يا شيخ: اعلم أنى فرشت حصيرا فى جهنم. قال: فقمت متعجبا من قوله، ولم يزل على ذلك، إلى أن قبض عليه فى ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وستمائة، وضرب حتى تلف، فمات ليلة الخميس ثامن (١) جمادى الأولى من السنة المذكورة. وقال ابن القادسى: وكان الناسخ صاحبا له، فقبض عليه معه، وحبس وضرب، وقرر عليه مال، ثم أطلق ولم يأخذ منه شئ. ذكر القادسى: أنه أنشد قبل موته مستشهدا لغيره. قضيت نحبى، فسرّ قوم … بهم غفلة ونوم قد كان يومى علىّ حتم … أليس للشامتين يوم؟ فقرأ سورة يس، فلما بلغ إلى قوله تعالى ﴿(إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ)﴾ جعل يكررها إلى أن مات. قال: واجتمع الناس لخروج جنازته، وأغلق باب النوبى، فأخرجت جنازته نصف الليل من باب العامة، وحمل إلى باب أبزر، فدفن إلى جانب مشهد أولاد الحسن، سامحه الله وتجاوز عنه. وذكر المنذرى: أنه توفى فى ثامن عشر الشهر، ودفن فى ليلة تاسع عشره. وقد وجد أبو شامة فى ابن بكروس مجالا للمقال، فقال فيه وأطال، وأظهر بعض ما فى نفسه فيه وفى أمثاله، حيث لم يمكنه القول فى أكابر الرّجال، وذكر أنه رمى به فى دجلة، وهذا لم يصح بحال.

стр. 510

٢٤٢ - عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر بن أبى صالح الجيلى البغدادى، أبو محمد بن أبى منصور بن أبى عبد الله بن أبى محمد، ويلقب بالركن. وقد تقدم ذكر أبيه وجده. ولد ليلة ثامن ذى الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وسمع الحديث من جده، ومن أبى الحسن محمد بن إسحاق بن الصابى، وأبى الفتح بن البطى وشهدة، وابن شاتيل، وأحمد بن المقرب، وأبى المكارم البادرائى، وغيرهم. وقرأ بنفسه على أبى الحسن البراديسي الفقيه وغيره، وكتب بخطه، وخطه ردى، وتفقه على جده الشيخ عبد القادر، وعلى أبيه عبد الوهاب، ودرس بمدرسة جده بالمدرسة الشاطبية، وولى عدة ولايات. وكان أديبا، كيسا مطبوعا عارفا بالمنطق، والفلسفة، والتنجيم، وغير ذلك من العلوم الرديئة، وبسبب ذلك نسب إلى عقيدة الأوائل، حتى قيل: إن والده رأى عليه يوما ثوبا بخاريّا، فقال: والله، هذا عجيب!» ما زلتا نسمع البخارى ومسلم، فأما البخارى وكافر، فما سمعناه. وكان أبوه كثير المجون والمداعبة، كما تقدم عنه. وكان عبد السلام لم يفتأ غير ضابط للسانه، ولا مشكورا فى طريقته وسيرته، يرمى بالفواحش والمنكرات، وقد جرت عليه محنة فى أيام الوزير ابن يونس، وحكم بفسقه، وأحرقت كتبه. وكان سبب ذلك: أن ابن يونس كان جارا لأولاد الشيخ عبد القادر فى حال فقره، فكانوا يؤذونه غاية الأذى. فلما ولى ابن يونس وتمكن، شتت شملهم، وبعث ببعضهم إلى المطامير بواسط، وبعث فكبس دار عبد السلام، وأخرج منها كتبا من كتب الفلاسفة، ورسائل إخوان الصفا، وكتب السحر، والنارنجة، وعبادة النجوم، واستدعى ابن يونس - وهو يومئذ أستاذا لدار العلماء، والفقهاء، والقضاة، والأعيان - وكان ابن الجوزى معهم. وقرأ فى بعضها مخاطبة

стр. 511

زحل يقول: أيها الكوكب المضئ المنير، أنت تدبر الأفلاك، وتحيى وتميت. وأنت إلهنا. وفى حق المريخ من هذا الجنس. وعبد السلام حاضر، فقال ابن يونس: هذا خطك؟ قال: نعم، قال: لم كتبته؟ قال: لأرده على قائله، ومن يعتقده، فأمر بإحراق كتبه، فجلس قاضى القضاة والعلماء، وابن الجوزى معهم على سطح مسجد مجاور لجامع الخليفة يوم الجمعة، وأضرموا تحت المسجد نارا عظيمة، وخرج الناس من الجامع، فوقفوا على طبقاتهم، والكتب على سطح المسجد، وقام أبو بكر بن المرستانية، فجعل يقرأ كتابا كتابا، من مخاطبة الكواكب ونحوها، ويقول: العنوا من كتبها، ومن يعتقدها، وعبد السلام حاضر، فيضج العوام باللعن، فتعدى اللعن إلى الشيخ عبد القادر، بل وإلى الإمام أحمد، وظهرت الأحقاد الصّدرية، وقال الخصوم أشعارا، منها: قول المهذب الرومى ساكن النظامية: لى شعر أرق من دين ركن الدين … عبد السلام لفظا ومعنى زحليا يشنى عليا، ويه … وى آل حرب حقدا عليه وضغنا منحته النجوم - إذ رام سعدا … وسرورا - نحسا، وهما وحزنا سار إحراق كتبه سير شعرى … فى جميع الأقطار سهلا وحزنا أيها الجاهل الذى جهل الحق … ضلالا، وضيع العمر غبنا رمت جهلا من الكواكب بالتبخ … ير عزا، فنلت ذلا وسجنا ما زحيل، وعطارد، والمريخ، … والمشترى، ترى يا معنّى؟ كل شئ يودى ويفنى، سوى الا … هـ إلهى؛ فإنه ليس يفنى ثم حكم القاضى بتفسيق عبد السلام، ورمى طيلسانه، وأخرجت مدرسة جده من يده، ويد أبيه عبد الوهاب، وفوضت إلى الشيخ أبى الفرج بن الجوزى، فذكر فيها الدرس مدة. ذكر ذلك أبو المظفر سبط ابن الجوزى. وذكر معناه ابن القادسى، وزاد: إن عبد السلام أودع الحبس مدة، ولما

стр. 512

أفرج عنه، أخذ خطه بأنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الإسلام حق، وما كان فيه باطل، وأطلق. ثم لما قبض على ابن يونس، ردت مدرسة الشيخ عبد القادر إلى ولده عبد الوهاب، ورد ما بقى من كتب عبد السلام التى أحرقت بعضها، وقبض على الشيخ أبى الفرج بسعى عبد السلام هذا، كما تقدم ذكره، ونزل معه عبد السلام فى السفينة إلى واسط، واستوفى منه بالكلام، والشيخ ساكت. ولما وصل إلى واسط عقد مجلس حضر فيه القضاة، والشهود، وادعى عبد السلام على الشيخ بأنه وقف المدرسة، واقتطع من مالها، وأنكر الشيخ ذلك، وكتب محضرا بما جرى، وأمر الشيخ بالمقام بواسط، ورجع عبد السلام. قال ابن القادسى: أفرد لشيخنا دار بواسط فى درسه الديوان، وأفرد له من يخدمه. وكان عبد السلام مداخلا للدولة، متوصلا إليهم، فسعى حتى رتب عميدا ببغداد، وخلع عليه، ورد إليه استيفاء مال الضمان، وأعطى الدار المقابلة لباب النوبى، وجعلت ديوانه. وكان ذلك سنة ستمائة. وذكر أبو المظفر: أنه قبض عليه سنة ثلاث، واستصفيت أمواله، حتى أصبح يستعطى من الناس. وفى هذه المدة سلمت المدرستان التى بيده إلى ابن عمه أبى صالح، ثم بعد ذلك توكل لأبى الحسن على بن الخليفة الناصر - وكان ولى العهد - ورد إليه النظر فى أملاكه وإقطاعه، ثم توجه فى رسالة من الديوان إلى صاحب أربل. وذكره ابن النجار فى تاريخه، وذمه ذما بليغا، وذكر أنه لم يحدث بشئ. توفى فى ثالث رجب - وقيل: فى خامسه. وفى تاريخ ابن النجار: يوم الجمعة لثمان خلون من رجب - سنة إحدى عشرة وستمائة. ودفن من يومه، بمقبرة الحلية، شرقى بغداد.

стр. 513

٢٤٣ - محمد بن على بن نصر بن البلّ الدورى، الواعظ أبو المظفر، ويلقب مهذب الدين. ولد سنة ست عشرة - أو سبع عشرة - وخمسمائة بالدور، وهى دور الوزير ابن هبيرة بدجيل، ونشأ بها. ثم قدم بغداد فى شبيبته، واستوطنها، فسمع بها من ابن ناصر الحافظ، وابن الطلاية، والوزير ابن أبى نصر بن جهير، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى الوقت، وجماعة كثيرة من المتأخرين. وقرأ بنفسه على الشيوخ، وقال الشعر الحسن، وفتح عليه فى الوعظ، ووعظ بعدة أماكن، حتى صار يضاهى أبا الفرج بن الجوزى، ويزاحمه فى أماكنه. ووعظ عند تربة أم الخليفة الناصر، سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فكان يجلس يوم الأربعاء، ويجلس أبو الفرج يوم السبت، ثم أذن للدورى بالجلوس يوم السبت، فاجتمع الخلق ظنا منهم أن ابن الجوزى هو الذى يتكلم، فلما رأوا الدورى انصرف كثير منهم، وسبوا الدورى، وأصحابه، وخيف من قوع فتنة فبعث أستاذا لدار ابن يونس، وأحضر ابن الجوزى، وطيب قلبه، وقال له: إن السلطان لم يعلم بهذه الجال، وإنما وقع تلبيس، ثم رأوا المصلحة فى منع جميع الوعاظ، فمنعوا. ولما اعتقل الشيخ أبو الفرج بواسط، خلا للدورى الجو، فكان يعظ مكانه عند التربة، واتفق أن الشيخ لما رجع إلى بغداد، ودخلها يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين، فوصل البشير بأنه قد وصل، والدورى يعظ مكانه، فبادر الناس من المجلس لتلقيه، فجعل الدورى يقول: ما هذه الأهوية التى أنتم عليها عاكفون، وقطع عليه المجلس. ثم ذكر ذلك ابن القادسى، فقال ما سمعته ينشد فى مجلسه:

стр. 514

يا أكرم البشر الذى ما زلت فى … عمرى له أهدى الثناء وأمدح أتعبت وصّافيك فيك، فلجلج … المثنى، وأعرب فى علاك المفصح والبدر تمّ، وأنت أكمل صورة … والبحر عمّ، وأنت منه أسمح قال أبو الفرج بن الحنبلى - وقرأته بخطه -: كان - يعنى الدورى - واعظا حسنا. وكان يضاهى ابن الجوزى فى وعظه. وكان فصيحا فى إيراده. وله نظم ونثر، سمعته يتكلم. وقال - وهو على المنبر - بالله عليك يا جامع المنصور، هل تسمع قط مثل وعظ الدورى؟. وقال: أخافك حتى لا أظنّ سلامة … وأرجوك حتى لا أظن هلاكا وها أنا رهن فى يديك، ومحسن … بك الظن، فاجعل للأسير فكاكا فما نلت مما أرتجيه لموتتى … سواك، ولا قدر الأراك سواكا قال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: يعانى الوعظ، ولم يكن من صنعته. وكان يضاهى جدى، حتى قيل له: أيما أعلم: أنت، أم أبو الفرج؟ فقال: ما أرضاه يقرأ عليّ الفاتحة، فبلغ ذلك أبا الفرج، فقال: ما أقرأ عليه الفاتحة، بل أقرأ عليه ﴿(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)﴾. قال: وكان يتعصب له حاكم قطفتا. وكان ينتحل أشعار الناس، ادعى يوما بيتين لنفسه، وأنشدهما على المنبر، وهما لأبى الفتح البستى. قلت: لا يلزم من إنشاده شعر غيره أنه يدعيه لنفسه. وقد كان موصوفا بالصلاح والديانة. قال ابن نقطة: سمعت منه، وكان شيخا صالحا متعبدا. قال المنذرى: حدث وعمّر، وعجز عن الحركة، ولزم بيته إلى أن مات، وهو ابن أربع - أو خمس - وتسعين سنة. وكان شيخا صالحا متعبدا. و «البلّ» بفتح الباء الموحدة وتشديد اللام.

стр. 515

قلت: وكان يحضر المجالس المعقودة مع أكابر الفقهاء، ويفتى معهم. وهو آخر من أفتى بفسق قاضى القضاة العباسيين ومن دخل معه فى تزوير الكتاب الذى أنكر شهوده الشهادة به عند القاضى، واعترف المثبت له أنه مزور، ولا أصل له، وأن القاضى ارتشى لأجل إثباته. وممن أفتى بفسق القاضى وذويه فى ذلك من أصحابنا: ابن الجوزى، وابن الصقال، وخلق كثير من الشافعية والحنفية بدار أستاذ الدارين ابن يونس. توفى ابن البلّ ﵀ يوم الثلاثاء ثانى عشر شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة. وصلّى عليه يوم الأربعاء بالنظامية، وتقدم للصلاة عليه أبو صالح ابن عبد الرزاق، وحمل فدفن برباطه بقطفتا، على نهر عيسى بالجانب الغربى. رحمه الله تعالى. وكان له ولد اسمه: محمد، يكنى: أبا عبد الله، كانت له معرفة جيدة بالحساب وأنواعه، والمساحة، والفرائض، وقسمة التركات، وأقرأ ذلك مدة. وسمع من ابن البطى، وغيره، وشهد عند قاضى القضاة ابن الشهرزورى. توفى شابا فى حياة أبيه، يوم الاثنين رابع عشرين شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ودفن بداره بقراح ابن أبى السحم، شرقى بغداد. رحمه الله تعالى. ٢٤٤ - أحمد بن محمد بن محمد بن الحسين الفراء البغدادى، القاضى جمال الدين، أبو العباس، ابن القاضى أبى يعلى ابن القاضى أبى حازم، ابن القاضى أبى يعلى الكبير. مولده بواسط، إذ كان أبوه قاضيا بها، بعد الأربعين وخمسمائة بقليل. وسمع الكثير من والده، ومن أبى بكر بن الزاغونى، وسعيد بن البناء، وأبى الوقت، وابن البطى، وخلق كثير. وعنى بالحديث، وكتب بخطه الكثير لنفسه وللناس، وشهد عند ابن الدامغانى.

стр. 516

قال ابن القادسى: كان خيّرا من أهل الدين والصيانة، والعفة والديانة، وحدث، وسمع منه ابن الدبيثى، وابن الساعى. وتوفى ليلة الجمعة ثانى عشر شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة. ودفن عند آبائه بباب حرب. ٢٤٥ - محمد بن معالى بن غنيمة، البغدادى المأمونى، المقرئ، الفقيه الزاهد أبو بكر بن الحلاوى، ويلقب عماد الدين. كان لا يتحقق مولده. وقيل: إنه بعد الثلاثين وخمسمائة. سمع من أبى الفتح بن الكروخى، وأبى الفضل بن ناصر، وأبى بكر ابن الزاغونى، وسعيد بن البناء، وغيرهم. وتفقه على أبى الفتح بن المني، وهو من فقهاء أصحابه، وبرع فى المذهب، وانتهت إليه معرفته، مع الديانة والورع، والانقطاع عن الناس. قال ابن القطيعى: هو رجل صالح، له مكان فى الورع، مقيم بمسجده بالمأمونية، مقبل على ما ينفعه من أمر آخرته، والتفرد والعزلة. وأثنى عليه ابن القادسى كثيرا، وقال: كانت له اليد الباسطة فى المذهب والفتيا. وكان ملازما لزاويته فى المسجد، قليل المخالطة إلا لمن عساه يكون من أهل الدين، ما ألم بباب أحد من أرباب الدنيا، وما قبل لأحد هدية. وكان أحد الأبدال الدين يحفظ الله بهم الأرض ومن عليها. وقرأت بخط الناصح بن الحنبلى: الشيخ الإمام عماد الدين أبو بكر الخياط، وكان زاهدا، عالما، فاضلا، مشتغلا بالكسب من الخياطة، ومشتغلا بالعلم، ويقرئ القرآن احتسابا، قال لى: تشكل علىّ المسألة، فآتى الشيخ أبا الفتح ابن المنى لأسأله عنها، فتنكشف لى وأفهمها قبل جواب الشيخ، يشير إلى بركة الشيخ. وكنت أنا أقرأ عليه شيئا من القرآن، ثم يقول: خذ عليّ، فيناولنى

стр. 517

«مقدمة الخبرى» فى الفرائض، فيقرؤها من حفظه. وكان متطهرا ومشددا فى الطهارة. وكان الإمام الظاهر فى حياة والده الناصر قد أحسن به الظن، وصحبه فى الزيادة، وانتفع الظاهر بصحبته كثيرا. ورتب كتاب «جامع المسانيد» تأليف الشيخ أبى الفرج بن الجوزى على أبواب الفقه. وكان يقرأ على شيخنا ابن المنى من «كفاية المفتى» لابن مقبل. وقال المنذرى: كان ورعا، متدينا، عارفا بمذهبه. وحدث، وقرأ، وأمّ بالناس فى الصلوات مدة، ولنا منه إجازة. كتب بها إلينا من بغداد. قلت: وله تصانيف، منها: «المنيرة فى الأصول» وعليه تفقه الشيخ مجد الدين أبو البركات ابن تيمية. وتفقه عليه أيضا: أبو زكريا يحيى بن الصيرفى. وسمع منه. هو وابن القطيعى. وتوفى ليلة الجمعة ثامن عشرين رمضان سنة إحدى عشرة وستمائة. وحضر غسله أبو صالح بن عبد الرزاق. ودفن بمقبرة باب حرب قبل صلاة الجمعة. رحمه الله تعالى. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا على بن أحمد بن عبد الواحد أخبرنا أبو بكر محمد بن معالى - إذنا - أخبرنا أبو بكر بن الزاغوانى أخبرنا الحسين بن أحمد بن طلحة، أخبرنا الحسن بن الحسين بن المنذر، أخبرنا على بن محمد بن الزبير حدثنا الحسن بن على بن عفان بن زيد بن الحباب حدثنى المسعودى عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود رضى الله عنه «أن رسول الله ﷺ نام على حصير، فقام وقد أثّر فى جسده، فقال له ابن مسعود: يا رسول الله، لو أمرتنا أن نبسط لك، ونفعل. قال ﷺ : مالى وللدنيا. ما أنا والدنيا إلا كراكب استظلّ تحت شجرة، ثم راح وتركها».

стр. 518

ومن فتاوى ابن الحلاوى: أن من كرر النظر حتى أمذى: أفطر. ووافقه الفخر إسماعيل. وخالفهما أبو البقاء العكبرى، واختار: أن مهدى ثواب الأعمال للموتى، يقول: اللهم إن كنت أثبتنى على هذا العمل، فاجعل ثوابه لفلان. ٢٤٦ - عبد العزيز بن محمود بن المبارك بن محمود بن الأخضر الجنابذى، ثم البغدادى البزار، المحدث الحافظ. أبو محمد بن أبى نصر بن أبى القاسم ابن أبى نصر. ويلقب تقى الدين، محدث العراق. ولد يوم الخميس ثامن عشر رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة ببغداد. وأول سماعه: سنة ثلاثين وخمسمائة. سمع بإفادة أبيه وأستاذه ابن بكروس من القاضى أبى بكر بن عبد الباقى، وأبى القاسم بن السمرقندى، وعبد الوهاب الأنماطى، وأبى الحسن بن عبد السلام، ويحيى بن الطراح، وأبى منصور بن خيرون، وأبى الحسن على بن محمد الهروى، وأبى سعيد البغدادى، وسعد الخير الأنصارى، وغيرهم. وسمع هو بنفسه من أبى الفضل الأرموى، وأبى بكر بن الزاغونى، وسعيد ابن البناء، وابن ناصر الحافظ، وأبى الوقت، وطبقتهم ومن بعدهم أيضا. وبالغ فى الطلب، وقرأ بنفسه، وكتب الكثير بخطه، وحصّل الأصول، ولازم أبا الحسن بن بكروس الفقيه، وانتفع به، وأبا الفضل بن ناصر. وعنه أخذ علم الحديث. وكتب الكثير بخطه المليح المتقن لنفسه، وتوريقا للناس فى شبابه. وكانت له حلقة بجامع القصر، يقرأ بها فى كل جمعة بعد الصلاة، وهى حلقة ابن ناصر، أخذها بعد موت ابن شافع، ولم يزل يسمع ويقرأ على الشيوخ لإفادة الناس إلى آخر عمره. قال ابن النجار: صنف مجموعات حسنة فى كل فن، ولم يكن فى أقرانه أكثر سماعا منه، ولا أحسن أصولا، كأنها الشمس وضوحا، وعليها أنوار

стр. 519

الصدق. وبارك الله له فى الرواية، حتى حدث بجميع مروياته. صحبته مدة طويلة. وقرأت عليه فى حلقته بالجامع. وفى دكانه الكثير من الكتب الكبار والأجزاء. وأكثر ما جمعه وخرجه، علقته عنه، واستفدت منه كثيرا. وكان ثقة، حجة نبيلا، ما رأيت فى شيوخنا - سفرا ولا حضرا - مثله فى كثرة مسموعاته، ومعرفته بمشايخه، وحسن أصوله وحفظه وإتقانه. وكان أمينا. ثخين الستر متدينا، جميل الطريقة، عفيفا. أريد على أن يشهد عند القضاة. فأبى ذلك. وكان من أحسن الناس خلقا، وألطفهم طبعا. ومن محاسن البغداديين وظرفائهم، ما يملّ جليسه منه. وقال ابن نقطة: كان ثقة ثبتا مأمونا، كثير السماع، واسع الرواية، صحيح الأصول. منه تعلمنا واستفدنا. ما رأينا مثله. وقال ابن الدبيثى: جمع فى الحديث. وبوّب وخرج. وكان ثقة صدوقا. له معرفة بهذا الشأن. ولم أر فى شيوخنا أوفر شيوخا منه. ولا أعزّ سماعا، مع معرفة بحديثه وشيوخه. وفهم ما يرويه. وسمعنا منه وقرأنا. وانتفعنا به. ونعم الشيخ كان. قال ابن القطيعى: صنف كتابا سماه «تنبيه اللبيب» فأبان فيه عن علم غزير. وحفظ كثير. وقال أبو شامة: صنف الكتب الحسان، فى الأبواب والشيوخ والفضائل. وقال: تصانيفه تدل على فهمه، وضبطه وحسن معرفته. وقال المنذرى: حدث مدة طويلة نحوا من ستين سنة. وصنف تصانيف مفيدة. وانتفع به جماعة. ولنا منه إجازة. وكان حافظ العراق فى وقته. قال: و «الجنابذ» - يعنى: التى ينسب إليها - بضم الجيم وفتح النون وبعد

стр. 520

الألف باء موحدة مفتوحة وذال معجمة: قرية من قرى نيسابور. قلت: ومن تصانيفه «المقصد الأرشد، فى ذكر من روى عن الإمام أحمد» فى مجلدين، أجزاء عديدة، كتاب «تنبيه اللبيب، وتلقيح فهم المريب، فى تحقيق أوهام الخطيب، وتلخيص وصف الأسماء، فى اختصار الرسم والترتيب» أجزاء كثيرة. رأيت منه الجزء العشرين. وقد تتبع فيه الأوهام التى ذكرها الخطيب للائمة الحفاظ، وأجاب عنها. وفى بعض أجوبته تعسف شديد. وبعضها: لا يوافق عليه البتة. ولا يحتمله اللفظ بحال. وفى بعضها: فوائد حسنة. وذكر فى هذا الجزء أوهاما لابن السمعانى صاحب الذيل. ووقع لابن الأخضر فى هذا الجزء وهم فاحش. وهو أنه ذكر أن البخارى روى حديث أبى هريرة عن النبى ﷺ «إياكم والظن» الحديث بتمامه فى النكاح، عن يحيى بن بكر عن ليث بن أبى سليم الكوفى عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبى هريرة رضى الله عنه. وهذا غلط فاحش. وكذلك كتب عليه الحافظ الذهبى بخطه؛ وهو كما قال. فإن الليث هذا هو الليث بن سعد. وهذا أمر واضح. وفى كلامه سجع كثير، وتكلف شديد. ومن تآليفه «فضائل شعبان» و «طرق جزء الحسن بن عرفة» جزء كبير. وسمع من ابن الأخضر خلق كثير من الأئمة والحفاظ المتقدمين، منهم: أبو المحاسن القرشى، وعمر بن محمد العليمى الدمشقيان، والحافظ عبد الغنى المقدسى. وروى عنه ابن الجوزى فى تصانيفه حكايات. وروى عنه ابن الدبيثى، وابن نقطة، وابن النجار، والضياء المقدسى، والبرزلي، وابن خليل، والزين خلف النابلسى، وغيرهم من أكابر الحفاظ، وابنه على بن عبد العزيز بن الأخضر، والنجيب الحرانى. وأخوه عبد العزيز. ويحيى بن الصيرفى الفقيه. والمقداد القيسى. وخلق.

стр. 521

وآخر من روى عنه بالإجازة: عبد الرحمن بن عبد اللطيف البغدادى البزار. توفى ﵀ ليلة السبت بين العشاءين، فى سادس شوال سنة إحدى عشرة وستمائة. وفتح له جامع القصر من الغد. وحضره خلق كثير من العلماء والأعيان. وقرأ الدّيوان، ومنع من شدّ تابوته، وحمل بوقار وسكينة. ودفن بمقبرة باب حرب عند قبر أبى بكر المرزفى. ﵀. أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا أبو محمد بن الأخضر الحافظ أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقى أخبرنا أبو إسحاق البرمكى - حضورا - أخبرنا أبو محمد بن ماسى أخبرنا أبو مسلم البلخى حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى حدثنا سليمان التيمى عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام، أو قال: ثلاث ليال» ٢٤٧ - عبد المحسن بن يعيش بن إبراهيم بن يحيى الحرانى الفقيه أبو محمد. سمع بحران من أبى ياسر عبد الوهاب بن أبى حبة. ورحل إلى بغداد سنة أربع وتسعين، فسمع من ابن كليب. وأبى الجوزى وطبقتهما، وقرأ المذهب والخلاف حتى تميز. وأقام ببغداد مدة، ثم عاد إلى حران فأقام بها، ثم قدم بغداد حاجّا سنة عشر وستمائة، وحدث بها عن ابن أبى حبة وسمع منه بعض الطلبة. ورجع إلى حران. فتوفى بها سنة إحدى عشرة وستمائة. وكان شابا ﵀. ذكره ابن النجار. ٢٤٨ - عبد القادر بن عبد الله الفهمى الرهاوى. ثم الحرانى، المحدث الحافظ الرجال، أبو محمد، محدث الجزيرة. ولد فى جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وخمسمائة بالرها. ثم أصابه سبى لما فتح زنكى والد نور الدين الرها، سنة تسع وثلاثين، فاشتراه بنو فهم الحرانيون وأعتقوه، كذا قال ابن القطيعى وابن النجار.

стр. 522

وذكر الدبيثى وأبو شامة: أنه اشتراه رجل من الموصل، فأعتقه. قال ابن القطيعى: ويقال: إنه مولى لبنى أبى الفهم الحرانيين. قال القطيعى: قال لى: طلبت الحديث سنة تسع وخمسين. وذكر أبو الفرج بن الحنبلى: أنه تعلم القرآن، فأعتقه سيده، وقرأ كتاب «الجامع الصغير» فى المذهب، وهو للقاضى أبى يعلى، ونفعه، ورأيت له مصنفا فى الفرائض والحساب، وسافر فى طلب العلم. سمع الحافظ عبد القادر ببغداد من أبى على الرحبى، وابن الخشاب اللغوى، وأبى الحسين عبد الحق بن عبد الخالق، وأخيه عبد الرحيم، وشهدة، وجماعة كثيرة. وبهمدان من الحافظ أبى العلاء الهمدانى، وأبى زرعة بن محمد بن طاهر المقدسى، وجماعة. وبأصبهان من أبى القاسم فورجة، وأبى عبد الله الرستجي، ومسعود ابن الحسن الثقفى، وأبى المطهر الصيدلانى، وأبى جعفر الصيدلانى، ورجاء المعدانى، وجماعة من هذه الطبقة، ومن الحفاظ بها، كأبى مسعود عبد الرحيم ابن أبى الوفاء، ومعمر بن الفاخر، وأبى موسى المدينى، وأبى سعد الصائغ. ودخل خراسان، فسمع بنيسابور من أبى بكر محمد بن على بن عمر الطوسى وطبقته، وبمرو من أبى الفتح المسعودى، وبسجستان من أبى عروبة عبد الهادى ابن محمد الزاهد، وبهراة من نصر بن سيار، ومن أبى الفتح محمد بن عمر الخازمى، وعبد الرزاق بن عبد السلام الصفار، وعبد الجليل بن أبى سعد، خاتمة أصحاب بيبى، وجماعة. وسمع بدمشق من الحافظ أبى القاسم بن عساكر، وشيخ الشيوخ أبى الفتح ابن حمويه، وأبى المعالى بن صابر، ومحمد بن حمزة بن أبى الصقر، وغيرهم. وبمصر من ابن برّى النحوى، وأبى عبد الله محمد بن على الرحبى، وغيرهما. وبالإسكندرية من الحافظ السلفى وغيره.

стр. 523

وسمع بواسط، من أبى طالب بن الكنانى، وجماعة، وبالموصل وحران من أبى الفضل الطوسى، ويحيى بن سعدون وغيرهما. وسمع ببلاد أخرى، كبوشنج، وزنجان. وتستر، والكرخ، والبصرة، وكان يمشى فى أسفاره على قدميه، وكتبه محمولة مع الناس، وربما كان طعامه من عندهم أيضا لفقره. وكتب بخطه الكثير من الكتب والأجزاء. وأقام بدمشق بمدرسة ابن الحنبلى مدة، حتى نسخ تاريخ ابن عساكر بخطه، وسمعه عليه، ذكر ذلك ابن الناصح. وأقام بالموصل مدة، وولى بها مشيخة دار الحديث المظفرية، وحدث بها بأكثر مسموعاته، ثم انتقل منها إلى حران، وسكنها إلى حين وفاته. قال ابن الحنبلى: ووقف عليه مظفر الدين صاحب «أربل» أرضا بأرض حران وبعث معه مرة مالا يفكّ به الأسارى مع أجناد من أربل. فاجتمعنا به بدمشق. قال ابن نقطة: كان عالما ثقة، مأمونا صالحا، إلا أنه كان عسرا فى الرواية، لا يكثر عنه إلا من أقام عنده. وقال الدبيثى: كان صالحا، كثير السماع، ثقة. كتب الناس عنه كثيرا. وأجاز لنا مرارا. وقال ابن خليل: كان حافظا ثبتا، كثير التصنيف متقنا، ختم به علم الحديث. وقال ابن النجار: كان حافظا متقنا، فاضلا، عالما ورعا، متدينا زاهدا، عابدا، صدوقا، ثقة نبيلا، على طريقة السلف الصالح، لقيته بحران، وكتبت عنه جزءا واحدا، انتخبته من عوالى مسموعاته فى رحلتى الأولى. وقال المنذرى: جمع مجاميع مفيدة، منها: كتاب «الأربعين» الذى خرجه بأربعين إسنادا، لا يتكرر فيه رجل واحد من أولها إلى آخرها، مما سمعه فى أربعين مدينة. وهو كبير فى مجلدتين.

стр. 524

قال: وكان حافظا ثقة، راغبا فى الانفراد عن أرباب الدنيا، ولنا منه إجازة. وقال أبو شامة: كان صالحا مهيبا، زاهدا، ناسكا، خشن العيش، صدوقا، ورعا. وقال ابن حمدان: كان رجلا ورعا، صالحا مهيبا، له تصانيف فى الحديث. قلت: من تصانيفه: كتاب «المادح والممدوح» يتضمن ترجمة شيخ الإسلام الأنصارى، وفضائله. وذكر من مدحه وأثنى عليه، وما يتعلق بالمادحين له من تراجمهم وحديثهم: وكذلك مادحوا مادحيه، وطال الكتاب بذلك، وأكثره لا يتعلق بشيخ الإسلام إلا على سبيل الاستطراد، وإن كان فى ذلك فوائد. ومن مصنفاته «الأربعون البلدانية» المتباينة الأسانيد، ولم يسبق إلى ذلك ولا يطمع أحد فى لحاقه، لخراب البلدان، وانقطاع الرواية عن أكثر تلك البلاد. قال الحافظ الذهبى: وله أوهام نبهت على مواضع منها، فى الأربعين له، وتكرر عليه فى تباين الأسانيد أربع مواضع. وقد حدث بالكثير ببلاد شتى. حدث ببغداد قديما. وسمع منه ابن القطيعى، وتميم بن البندليجى، وحدث بالإسكندرية فى حياة السامرى. ﵀. وحدث بالموصل، وأربل، وحران وسمع منه خلق كثير من الحفاظ الأئمة، منهم أبو عمر بن الصلاح. وحدث عنه ابن نقطة، وأبو عبد الله البردانى، والضياء، وابن خليل والصريفينى، وإسماعيل بن خلف (١)، والشهاب القوصى، وابن عبد الدائم، وعبد الرحمن ابن سلمان الأنبارى، ويحيى بن الصيرفى الفقيهان، وعبد العزيز بن الصيقل الحرانى، وأبو عبد الله بن حمدان الفقيه، وهو خاتمة أصحابه. توفى ﵀ يوم السبت ثانى جمادى الأولى سنة اثنتى عشرة وستمائة بحران.

стр. 525

نقلت من خط الإمام أبى العباس ابن تيمية ﵀، قال: رأيت بخط الحافظ سراج الدين بن شجانة الحرانى، سمعت أبا الفتح نصر الله بن أبى بكر ابن عمر الفراء الحرانى، يقول: رأيت الحافظ عبد القادر ﵀ بعد موته بأيام قليلة، وهو جالس فى مسجد الشيخ، وفى يده مجلد، وهو يسمع، فقمت إليه، فقلت: يا شيخ عبد القادر، ما قدمت؟ قال: بلى، وتحسب أنى أبطل السماع. فلا أزال أسمع إلى يوم القيامة. رحمه الله تعالى. أخبرنا المعمر أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى، أخبرنا الفقيه أبو زكريا يحيى بن أبى منصور الحرانى - حضورا - أنبأنا الحافظ أبو محمد الرهاوى أخبرنا نصر بن سيار الهروى، أنبأنا أبو عامر محمود بن القاسم الأزدى، أنبأنا عبد الجبار بن محمد المروزى، أخبرنا العباس المحيوى، أخبرنا أبو عيسى محمد ابن عيسى بن سورة الحافظ، حدثنا هناد، وقتيبة، ومحمود بن غيلان، قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان ح قال: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن مهدى، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية، عن على رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». ٢٤٩ - عبد المنعم بن محمد بن الحسين بن سليمان الباجسرائى، ثم البغدادى الفقيه، أبو محمد بن أبى نصر. ولد سنة تسع وأربعين، أو سنة خمسين وخمسمائة بباجسرا. وقدم بغداد فى صباه، فسمع من شهدة وغيرها. وقرأ الفقه على أبى الفتح ابن المنى، ولازمه حتى برع. وقرأ الأصول والخلاف والجدل على محمد بن أبى على البوقانى الشافعى. وصحب أبا إسحاق بن الصقال المتقدم ذكره، وصار معيدا بمدرسته، ثم درس بمسجد شيخه ابن المنى بالمأمونية مدة. وكان يؤم فى الصلاة بمسجد الآجرة.

стр. 526

وشهد عند قاضى القضاة أبى الفضائل بن الشهرزورى، وتولى الخزن بالديوان وكانت له حلقة بجامع القصر يتكلم فيها فى مسائل الخلاف، ويحضر عنده الفقهاء، وكان فقيها فاضلا حافظا للمذهب، حسن الكلام فى مسائل الخلاف متدينا، حسن الطريقة. ذكر ذلك ابن النجار، وقال: سمع معنا أخيرا من مشايخنا، فأكثر. وكان حسن الأخلاق، متوددا. حدث بيسير، ولم يتفق لى أن أكتب عنه شيئا. روى عنه أبو عبد الله بن الدبيثى. وقال القادسى: كان فقيها، مناظرا حسن الطريقة، له سمة ووقار وعفاف، مع دين. ناظر وأفتى. وقد روى عنه ابن الساعى بالإجازة، وقال: أنشدنى هذين البيتين: إذا أفادك إنسان بفائدة … من العلوم فأدمن شكره أبدا وقل: فلان جزاء الله صالحة … أفادنيها، وألق الكبر والحسدا قال: وكان دينا صالحا متورعا محتفظا فى الطهارة. توفى ﵀ يوم الاثنين، ثامن عشر جمادى الأولى سنة اثنتى عشرة وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب، كذا ذكره ابن النجار. وقال الأكثرون: توفى فى سابع عشر الشهر. وقال القادسى. صلّى عليه بباب جامع المدينة، لامتناع الحنابلة أن تصلى عليه بالنظامية. رحمه الله تعالى. قال المنذرى «وباجسرا» قرية كبيرة من نواحى بغداد، بينها وبينها عشرة فراسخ، وهى بفتح الباء الموحدة، وبعد الألف جيم مكسورة وسين مهملة ساكنة، وراء مفتوحة. وقد وقع فى ضبط الحافظ عبد المؤمن الدمياطى بفتح الجيم، فإن كان فيها لغتان، كما فى جسر، وإلا فالمعروف الكسر. والله أعلم.

стр. 527

٢٥٠ - عبد الوهاب بن بزغشى بن عبد الله العيبى، المقرئ، البغدادى، أبو الفتح بن أبى محمد، ختن الشيخ أبى الفرج بن الجوزى. ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة تقديرا. وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على سعد الله بن الدجاجى، وعبد الوهاب ابن الصابونى، وأبى الفضل أحمد بن محمد بن سيف، وعلى بن عساكر البطائحى وإسماعيل بن بركات الغسانى، وجماعة غيرهم. وسمع الحديث الكثير: من أبى الوقت، وابن البطى، وأبى زرعة، ويحيى ابن ثابت بن بندار، وخلق كثير من هذه الطبقة ومن بعدهم. وعنى بالحديث، وكتب بخطه، وحصل الأصول، وتفقه فى المذهب، وقرأ الخلاف. قال ابن النجار: كان حسن المعرفة بالقرآن مجودا، مليح التلاوة، حسن الأداء، طيب النغمة، ضابطا، له معرفة بالوعظ، يتكلم فى تعازى الأكابر، ويحسن الكلام فى مسائل الخلاف، وكان يصلى إماما فى المسجد الجديد بسوق الخبازين عند عقد الجديد. قلت: ويعرف المسجد بمسجد قطينة، لأن عبد الوهاب - هذا - كان يلقب قطنية لبياضه، فنسب المسجد إليه. قال ابن النجار: كتبنا عنه، وكان صدوقا، حسن الطريقة متدينا فقيرا، صبورا. وزمن فى آخر عمره، وانقطع فى بيته مدة. قال ابن نقطة: هو ثقة، لكنه أخرج أحاديث مما قرب سنده، ولا يعرف الرجال، فربما أسقط من الإسناد رجلان أو أكثر، وهو لا يدرى. وقال القادسى: كان قارئا مجودا، مليح الصوت، حسن الأداء، واعظا، شاعرا، فقيها، له معرفة حسنة بإنشاء الخطب، ونظم فى القرآن أراجيز كثيرة، وقد أقرأ القرآن بالروايات، وحدث، وسمع منه جماعة.

стр. 528

وتوفى ليلة الخميس خامس ذى القعدة سنة اثنتى عشرة وستمائة، وصلّى عليه من الغد محيى الدين بن الجوزى بمدرسته، ودفن بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى. و «بزغش» بالباء الموحدة المضمومة، وبالزاى والغين والشين المعجمات و «العيبى» بكسر العين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف، وكسر الباء الموحدة، نسب كذلك؛ لأن أباه كان يحمل العيب التى فيها كتب الرسائل، لأنه كان «فيجا» أى ساعيا. قاله المنذرى وغيره. أخبرنا أبو المعالى محمد بن عبد الرزاق الشيبانى - ببغداد - أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف البزار أخبرنا عبد الوهاب بن بزغش - كتابة - أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد أخبرنا أبو منصور المقومى أنبأنا أبو القاسم بن المنذر حدثنا على بن إبراهيم بن سلمة حدثنا ابن ماجة حدثنا على بن محمد حدثنا وكيع عن مسعر عن أبى مرزوق عن أبى الصديق الناجى عن أبى أمامة قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو متكئ على عصا، فلما رأيناه قمنا، فقال: لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها، قلنا: يا رسول الله، لو دعوت الله لنا؟ فقال: اللهم اغفر لنا وارحمنا، وارض عنا، وتقبل منا، وأدخلنا الجنة، ونجنا من النار، وأصلح لنا شأننا كلّه. فكأننا أحببنا أن يزيدنا، فقال: أوليس قد جمعت لكم الأمر؟». ٢٥١ - إبراهيم بن على بن الحسين البغدادى، أبو إسحاق، أخو الفخر إسماعيل غلام ابن المنى. سمع الحديث. وتفقه على أخيه. وتكلم فى مسائل الخلاف. وكان فقيها صالحا. توفى ثانى عشر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن عند أخيه بمقبرة الإمام أحمد، رضى الله عنه.

стр. 529

٢٥٢ - إسماعيل بن عمر بن أبى بكر المقدسى، أبو إسحاق، وأبو القاسم، وأبو الفضل، ويلقب محب الدين. سمع بدمشق من أبى اليمن الكندى وغيره، وبمصر من البوصيرى، والحافظ عبد الغنى، وببغداد من ابن الأخضر وطبقته، وبأصبهان من أبى عبد الله محمد ابن مكى، وأبى بكر أحمد بن عبيد الله الجانى، وطبقتهما من أصحاب الرستمى، ومسعود الثقفى. وكانت رحلته مع الضياء بعد الستمائة، وعنى بالحديث، وقرأ. ووصفه جماعة بالحافظ، وتفقه وحدث. وتوفى فى ثامن عشر شوال سنة ثلاث عشرة وستمائة، وأظنه كان شابا. ٢٥٣ - محمد بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، ثم الدمشقى الحافظ، أبو الفتح بن الحافظ أبى محمد، ويلقب عزّ الدين. ولد فى أحد الربيعين سنة ست وستين وخمسمائة بدمشق، وأسمعه بها والده فى صغره من أبى المعالى بن صابر، والخضر بن طاوس، وأبى المجد البانياسى، وارتحل إلى بغداد، سنة ثمانين. فسمع من أبى الفتح بن شاتيل، ونصر الله القزاز وغيرهما. وارتحل إلى أصبهان بعد التسعين، فسمع بها من أبى الفتح عبد الرحيم الكاغدى، ومسعود الحمال، وأبى المكارم اللبان وطبقتهم. وعاد إلى بغداد. وأقام بها مدة يسمع من أبى الفرج بن الجوزى وطبقته، وقرأ بها مسند الإمام أحمد، وتفقه على أبى الفتح بن المنى فى المرة الأولى، وقرأ فى الثانية على أبى البقاء من الفقه واللغة. وسمع بمصر من أبى القاسم البوصيرى وغيره. وقال ابن النجار: سمعنا معه، وبقراءته كثيرا، وكتب بخطه كثيرا. وحصل كثيرا من الأصول شراء، واستنسخ كثيرا من الكتب والأجزاء. وسمعت منه حديثا واحدا فى مجلس شيخنا أبى أحمد الأمين - يعنى ابن سكينة - وهو الذى

стр. 530

سأل عنه. وكان من أئمة المسلمين، حافظا للحديث متنا وإسنادا، عارفا بمعانيه وغريبه ومشكله، متقنا لأسامى المحدثين وكناهم، ومقدار أعمارهم، وما قيل فيهم من جرح وتعديل، ومعرفة أنسابهم، واختلاف أسمائهم، مع ثقة وعدالة وصدق وأمانة، وحسن طريقة وديانة، وجميل سيرة، ورضى أخلاق، وتودد وكيس ومروءة ظاهرة، وتعمد لقضاء حقوق الإخوان، ومساعدة الغرباء. وقال الحافظ الضياء: كان ﵀ حافظا فقيها ذا فنون. وكان أحسن الناس قراءة وأسرعهم. وكان غزير الدمعة عند القراءة. وكان متقنا ثقة، سمحا جوادا. وكان يتكلم فى مسائل الخلاف كلاما حسنا. وكان يقرأ الحديث للناس كل ليلة جمعة فى مسجد دار البطيخ بدمشق - قال الذهبى: يعنى مسجد السلالين - وانتفع الناس بمجالسته، ثم انتقل من الجامع إلى موضع والده، فكان يقرأ يوم الجمعة بعد الصلاة. ووصفه بالمروءة التامة والديانة المتينة. وقال أبو شامة: صحب الملك المعظم عيسى، وسمع بقراءته الكثير، وكان حافظا دينا، زاهدا ورعا. قلت: وخرّج تخاريج، كالأمالي، وجدت منها: الجزء التاسع والأربعين. وروى عنه ابناء: تقى الدين أحمد، وعزّ الدين عبد الرحمن، والحافظ ضياء الدين، والشهاب المقومى، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبى عمر وابن النجار، وآخرون. توفى ﵀ ليلة الاثنين، تاسع عشر - وقيل: العشرين - من شوال، سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن من الغد بسفح جبل قايسون، رحمه الله تعالى. وقال بعضهم: كنا نقرأ عنده ليلة مات، فرأيت نورا على بطنه مثل السراج فكنت أقول: ترى يراه أحد غيرى أم لا؟ ذكره الحافظ الضياء. وذكر له منامات صالحة متعددة، منها: عن مسعود بن أبى بكر بن شكر: أنه رآه بعد موته فى المنام، وكأن وجهه البدر، وقال الرائى: ما رأيت فى الدنيا أحدا على
следующие страницы →