وشهد عند قاضى القضاة أبى الفضائل بن الشهرزورى، وتولى الخزن بالديوان وكانت له حلقة بجامع القصر يتكلم فيها فى مسائل الخلاف، ويحضر عنده الفقهاء، وكان فقيها فاضلا حافظا للمذهب، حسن الكلام فى مسائل الخلاف متدينا، حسن الطريقة. ذكر ذلك ابن النجار، وقال: سمع معنا أخيرا من مشايخنا، فأكثر. وكان حسن الأخلاق، متوددا. حدث بيسير، ولم يتفق لى أن أكتب عنه شيئا. روى عنه أبو عبد الله بن الدبيثى.
وقال القادسى: كان فقيها، مناظرا حسن الطريقة، له سمة ووقار وعفاف، مع دين. ناظر وأفتى. وقد روى عنه ابن الساعى بالإجازة، وقال: أنشدنى هذين البيتين:
إذا أفادك إنسان بفائدة … من العلوم فأدمن شكره أبدا
وقل: فلان جزاء الله صالحة … أفادنيها، وألق الكبر والحسدا
قال: وكان دينا صالحا متورعا محتفظا فى الطهارة.
توفى ﵀ يوم الاثنين، ثامن عشر جمادى الأولى سنة اثنتى عشرة وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب، كذا ذكره ابن النجار.
وقال الأكثرون: توفى فى سابع عشر الشهر.
وقال القادسى. صلّى عليه بباب جامع المدينة، لامتناع الحنابلة أن تصلى عليه بالنظامية. رحمه الله تعالى.
قال المنذرى «وباجسرا» قرية كبيرة من نواحى بغداد، بينها وبينها عشرة فراسخ، وهى بفتح الباء الموحدة، وبعد الألف جيم مكسورة وسين مهملة ساكنة، وراء مفتوحة.
وقد وقع فى ضبط الحافظ عبد المؤمن الدمياطى بفتح الجيم، فإن كان فيها لغتان، كما فى جسر، وإلا فالمعروف الكسر. والله أعلم.
стр. 527
٢٥٠ - عبد الوهاب بن بزغشى
بن عبد الله العيبى، المقرئ، البغدادى، أبو الفتح بن أبى محمد، ختن الشيخ أبى الفرج بن الجوزى.
ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة تقديرا.
وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على سعد الله بن الدجاجى، وعبد الوهاب ابن الصابونى، وأبى الفضل أحمد بن محمد بن سيف، وعلى بن عساكر البطائحى وإسماعيل بن بركات الغسانى، وجماعة غيرهم.
وسمع الحديث الكثير: من أبى الوقت، وابن البطى، وأبى زرعة، ويحيى ابن ثابت بن بندار، وخلق كثير من هذه الطبقة ومن بعدهم. وعنى بالحديث، وكتب بخطه، وحصل الأصول، وتفقه فى المذهب، وقرأ الخلاف.
قال ابن النجار: كان حسن المعرفة بالقرآن مجودا، مليح التلاوة، حسن الأداء، طيب النغمة، ضابطا، له معرفة بالوعظ، يتكلم فى تعازى الأكابر، ويحسن الكلام فى مسائل الخلاف، وكان يصلى إماما فى المسجد الجديد بسوق الخبازين عند عقد الجديد.
قلت: ويعرف المسجد بمسجد قطينة، لأن عبد الوهاب - هذا - كان يلقب قطنية لبياضه، فنسب المسجد إليه.
قال ابن النجار: كتبنا عنه، وكان صدوقا، حسن الطريقة متدينا فقيرا، صبورا. وزمن فى آخر عمره، وانقطع فى بيته مدة.
قال ابن نقطة: هو ثقة، لكنه أخرج أحاديث مما قرب سنده، ولا يعرف الرجال، فربما أسقط من الإسناد رجلان أو أكثر، وهو لا يدرى.
وقال القادسى: كان قارئا مجودا، مليح الصوت، حسن الأداء، واعظا، شاعرا، فقيها، له معرفة حسنة بإنشاء الخطب، ونظم فى القرآن أراجيز كثيرة، وقد أقرأ القرآن بالروايات، وحدث، وسمع منه جماعة.
стр. 528
وتوفى ليلة الخميس خامس ذى القعدة سنة اثنتى عشرة وستمائة، وصلّى عليه من الغد محيى الدين بن الجوزى بمدرسته، ودفن بمقبرة باب حرب.
رحمه الله تعالى.
و «بزغش» بالباء الموحدة المضمومة، وبالزاى والغين والشين المعجمات و «العيبى» بكسر العين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف، وكسر الباء الموحدة، نسب كذلك؛ لأن أباه كان يحمل العيب التى فيها كتب الرسائل، لأنه كان «فيجا» أى ساعيا. قاله المنذرى وغيره.
أخبرنا أبو المعالى محمد بن عبد الرزاق الشيبانى - ببغداد - أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف البزار أخبرنا عبد الوهاب بن بزغش - كتابة - أنبأنا أبو زرعة طاهر بن محمد أخبرنا أبو منصور المقومى أنبأنا أبو القاسم بن المنذر حدثنا على بن إبراهيم بن سلمة حدثنا ابن ماجة حدثنا على بن محمد حدثنا وكيع عن مسعر عن أبى مرزوق عن أبى الصديق الناجى عن أبى أمامة قال:
«خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو متكئ على عصا، فلما رأيناه قمنا، فقال: لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها، قلنا: يا رسول الله، لو دعوت الله لنا؟ فقال: اللهم اغفر لنا وارحمنا، وارض عنا، وتقبل منا، وأدخلنا الجنة، ونجنا من النار، وأصلح لنا شأننا كلّه. فكأننا أحببنا أن يزيدنا، فقال: أوليس قد جمعت لكم الأمر؟».
٢٥١ - إبراهيم بن على
بن الحسين البغدادى، أبو إسحاق، أخو الفخر إسماعيل غلام ابن المنى.
سمع الحديث. وتفقه على أخيه. وتكلم فى مسائل الخلاف. وكان فقيها صالحا.
توفى ثانى عشر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن عند أخيه بمقبرة الإمام أحمد، رضى الله عنه.
стр. 529
٢٥٢ - إسماعيل بن عمر
بن أبى بكر المقدسى، أبو إسحاق، وأبو القاسم، وأبو الفضل، ويلقب محب الدين.
سمع بدمشق من أبى اليمن الكندى وغيره، وبمصر من البوصيرى، والحافظ عبد الغنى، وببغداد من ابن الأخضر وطبقته، وبأصبهان من أبى عبد الله محمد ابن مكى، وأبى بكر أحمد بن عبيد الله الجانى، وطبقتهما من أصحاب الرستمى، ومسعود الثقفى. وكانت رحلته مع الضياء بعد الستمائة، وعنى بالحديث، وقرأ.
ووصفه جماعة بالحافظ، وتفقه وحدث.
وتوفى فى ثامن عشر شوال سنة ثلاث عشرة وستمائة، وأظنه كان شابا.
٢٥٣ - محمد بن عبد الغنى
بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، ثم الدمشقى الحافظ، أبو الفتح بن الحافظ أبى محمد، ويلقب عزّ الدين.
ولد فى أحد الربيعين سنة ست وستين وخمسمائة بدمشق، وأسمعه بها والده فى صغره من أبى المعالى بن صابر، والخضر بن طاوس، وأبى المجد البانياسى، وارتحل إلى بغداد، سنة ثمانين. فسمع من أبى الفتح بن شاتيل، ونصر الله القزاز وغيرهما.
وارتحل إلى أصبهان بعد التسعين، فسمع بها من أبى الفتح عبد الرحيم الكاغدى، ومسعود الحمال، وأبى المكارم اللبان وطبقتهم. وعاد إلى بغداد.
وأقام بها مدة يسمع من أبى الفرج بن الجوزى وطبقته، وقرأ بها مسند الإمام أحمد، وتفقه على أبى الفتح بن المنى فى المرة الأولى، وقرأ فى الثانية على أبى البقاء من الفقه واللغة. وسمع بمصر من أبى القاسم البوصيرى وغيره.
وقال ابن النجار: سمعنا معه، وبقراءته كثيرا، وكتب بخطه كثيرا. وحصل كثيرا من الأصول شراء، واستنسخ كثيرا من الكتب والأجزاء. وسمعت منه حديثا واحدا فى مجلس شيخنا أبى أحمد الأمين - يعنى ابن سكينة - وهو الذى
стр. 530
سأل عنه. وكان من أئمة المسلمين، حافظا للحديث متنا وإسنادا، عارفا بمعانيه وغريبه ومشكله، متقنا لأسامى المحدثين وكناهم، ومقدار أعمارهم، وما قيل فيهم من جرح وتعديل، ومعرفة أنسابهم، واختلاف أسمائهم، مع ثقة وعدالة وصدق وأمانة، وحسن طريقة وديانة، وجميل سيرة، ورضى أخلاق، وتودد وكيس ومروءة ظاهرة، وتعمد لقضاء حقوق الإخوان، ومساعدة الغرباء.
وقال الحافظ الضياء: كان ﵀ حافظا فقيها ذا فنون. وكان أحسن الناس قراءة وأسرعهم. وكان غزير الدمعة عند القراءة. وكان متقنا ثقة، سمحا جوادا. وكان يتكلم فى مسائل الخلاف كلاما حسنا. وكان يقرأ الحديث للناس كل ليلة جمعة فى مسجد دار البطيخ بدمشق - قال الذهبى: يعنى مسجد السلالين - وانتفع الناس بمجالسته، ثم انتقل من الجامع إلى موضع والده، فكان يقرأ يوم الجمعة بعد الصلاة. ووصفه بالمروءة التامة والديانة المتينة.
وقال أبو شامة: صحب الملك المعظم عيسى، وسمع بقراءته الكثير، وكان حافظا دينا، زاهدا ورعا.
قلت: وخرّج تخاريج، كالأمالي، وجدت منها: الجزء التاسع والأربعين.
وروى عنه ابناء: تقى الدين أحمد، وعزّ الدين عبد الرحمن، والحافظ ضياء الدين، والشهاب المقومى، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبى عمر وابن النجار، وآخرون.
توفى ﵀ ليلة الاثنين، تاسع عشر - وقيل: العشرين - من شوال، سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن من الغد بسفح جبل قايسون، رحمه الله تعالى.
وقال بعضهم: كنا نقرأ عنده ليلة مات، فرأيت نورا على بطنه مثل السراج فكنت أقول: ترى يراه أحد غيرى أم لا؟ ذكره الحافظ الضياء. وذكر له منامات صالحة متعددة، منها: عن مسعود بن أبى بكر بن شكر: أنه رآه بعد موته فى المنام، وكأن وجهه البدر، وقال الرائى: ما رأيت فى الدنيا أحدا على
стр. 531
صورته. وله شعر بائن من تحت عمامته، لم أر شعرا مثل سواده، فقلت له:
يا عزّ الدين، كيف أنت؟ قال أنا وأنت من أهل الجنة.
ورآه آخر، فقال له: بالله عليك، ماذا لقيت من ربك؟ قال: كل خير جميل.
وقال أحمد بن محمد بن خلف: رأيته - يعنى العز - فى المنام. فقال لى: جاء إلىّ النبى ﷺ ، فقضى لى كل حاجة. ومنامات أخر، رحمه الله تعالى.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم المقدسى أخبرنا أبو الحسن على ابن أحمد بن عبد الواحد أخبرنا أبو الفتح محمد بن الحافظ عبد الغنى - قراءة عليه، وأنا أسمع - أخبرنا القاضى أبو المكارم أحمد بن محمد بن محمد اللبان الأصبهانى بها أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقرئ - قراءة عليه - أخبرنا الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهانى.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس أخبرنا بشر بن يونس ابن حبيب بن عبد القاهر العجلى، حدثنا أبو داود سليمان بن داود الطيالسى حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه: أن النبي ﷺ قال «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» رواه مسلم عن محمد بن المثنى وابن بشار، كلاهما عن غندر. وأبى داود الطيالسى، كلاهما عن شعبة.
٢٥٤ - أحمد بن عبيد الله
بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الشيخ شرف الدين أبو الحسن.
ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وسمع من أبى الفرج بن كليب وغيره، وحدث. وكان فقيها، فاضلا ثقة، عالما دينا. جمع الله له بين حسن الخلق والخلق والدين، والأمانة والمروءة، وقضاء حوائج الإخوان، والكرم والإحسان للضعفاء والمرضى، وقضاء حوائجهم، والتهجد. وكان يقول الحق، ولا يحابى أحدا.
стр. 532
توفى ليلة رابع عشر ذى القعدة سنة ثلاث عشرة وستمائة. ودفن من الغد بسفح قاسيون. ورؤيت له منامات حسنة جدا. ورثاه غير واحد.
ولما توفى هؤلاء الثلاثة الأخيار المقدسيون: المحب، والعز، والشرف، فى مدة متقاربة. رثاهم شيخ الإسلام موفق الدين بقوله:
مات المحب، ومات العز والشرف … أئمة سادة، ما منهم خلف
كانوا أئمة علم يستضاء بهم … لهفي على فقدهم لو ينفع اللهف
ما ودّعونى غداة البين إذ رحلوا … بل أودعوا قلبي الأحزان وانصرفوا
شيعتهم ودموع العين واكفة … لبينهم، وفؤادى حشوه أسف
أكفكف الدمع من عينى فيغلبنى … وأحضر الصبر فى قلبى فلا يقف
وقلت: ردوا سلامى، أوقفوا نفسا … رفقا بقلبى، فما ردوا ولا وقفوا
ولم يعوجوا على صب بهم دنف … يخشى عليه لما قد مسه التلف
أحباب قلبى، ما هذا بعادتكم … ما كنت أعهد هذا منك يا شرف
بل كنت تعظم تبجيلى ومنزلتى … وكنت تكرمنى فوق الذى أصف
وكنت عونا لنا فى كل نازلة … تظل أحشاؤنا من همها تجف
وكنت ترعى حقوق الناس كلهم … من كنت تعرف أو من لست تعترف
وكان جودك مبذولا لطالبه … جنح الليالى إذا ما أظلم السدف
وللغريب الذى قد مسه سغب … وللمريض الذى أشفى به الدنف
وكنت عونا لمسكين وأرملة … وطالب حاجة قد جاء يلتهف
٢٥٥ - إبراهيم بن عبد الواحد
بن على بن مسرور المقدسى الدمشقى، الفقيه. الزاهد الورع العابد. الشيخ عماد الدين، أبو إسحاق وأبو إسماعيل، أخو الحافظ عبد الغنى الذى تقدم ذكره.
ولد بجماعيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
وكان يقول: أخى الحافظ عبد الغنى أكبر منى بسنتين.
стр. 533
وقال المنذرى: سنة أربع وأربعين، وهاجر إلى دمشق مع جماعتهم سنة إحدى وخمسين؛ لاستيلاء الفرنج على أرضهم.
وقرأ القرآن. وسمع من أبى المكارم بن هلال، وعبد الرحمن بن على الخرقى، وغيرهما، وحفظ غريب القرآن للعزيزى، ومختصر الخرقى فى الفقه.
ورحل إلى بغداد مرتين. أولاهما: مع الشيخ الموفق، سنة تسع وستين، فقرأ القرآن على أبى الحسن البطائحى، وسمع من أبى محمد بن الخشاب، وصالح بن الرحلة، وشهدة الكاتبة، والشيخ عبد المغيث الحربى وغيرهم.
وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل الطوسى، وتفقه ببغداد على أبى الفتح ابن المنى، حتى برع وناظر وأفتى، ورجع إلى دمشق، وأقبل على أشغال الناس ونفعهم.
قال الشيخ موفق الدين - فى حق العماد، لما سئل عنه -: كان من خيار أصحابنا، وأعظمهم نفعا، وأشدهم ورعا، وأكثرهم صبرا على تعليم القرآن والفقه، وكان داعية إلى السنة، وتعليم العلم والدّين. وكان يقرى الضعفاء الفقراء، ويطعمهم ويبذل لهم نفسه. وكان من أكثر الناس تواضعا، واحتقارا لنفسه وخوفا من الله تعالى. وما أعلم أننى رأيت أشد خوفا منه. وكان كثير الدعاء والسؤال لله تعالى. وكان يطيل الركوع والسجود فى الصلاة، ويقصد أن يقتدى بصلاة رسول الله ﷺ ، ولا يقبل من أحد يعذله فى ذلك. ونقلت له كرامات كثيرة.
وقال الحافظ الضياء: كان عالما بالقرآن والنحو والفرائض، وغير ذلك من العلوم. وصنف كتاب «الفروق فى المسائل الفقهية» وصنف كتابا فى الأحكام، لكنه لم يتمه. وكان مليحا. وكان من كثرة أشغاله واشتغاله لا يتفرغ للتصنيف والكتابة.
قال: وسمعت الشيخ موفق الدين يقول: ما نقدر نعمل مثل العماد ﵀؛
стр. 534
كان يتألف الناس ويقريهم، حتى إنه ربما ردد على إنسان كلمات يسيرة من سحر إلى الفجر.
وقال الضياء: كان ﵀ يتألف الناس، ويلطف بالغرباء والمساكين، حتى صار من تلاميذه جماعة من الأكراد والعرب والعجم. وكان يتفقدهم ويسأل عنهم، وعن حالهم، ولقد صحبه جماعة من أنواع المذاهب، فرجعوا عن مذاهبهم لما شاهدوا منه. وكانوا يتحدثون عنه، ويذكرون لنا من كراماته وكرمه، وحسن عشرته. وكان سخيا جوادا، كثير المعروف، حتى كان بيته مأوى للناس. وكان ينصرف كل ليلة إلى بيته من الفقراء جماعة كثيرة من أصحابه، فيقدم إليهم ما حضر.
قال: وكان لا يكاد يفتر من الاشتغال: إما بالقرآن، أو الحديث، أو غيره من العلوم. وأقام بحران مدة، وانتفعوا به. وكان يشتغل بالجبل، إذا كان الشيخ موفق الدين بالمدينة، فإذا صعد الموفق الجبل نزل هو فاشتغل بالمدينة.
وكان يقعد فى جامع دمشق من الفجر إلى العشاء، لا يخرج إلا لما لا بد منه، يقرئ الناس القرآن والعلم، فإذا لم يبق له من يشتغل عليه اشتغل بالصلاة.
وكان داعية إلى السنة وتعلم العلم والدين، وختم عليه جماعة من الأصحاب.
قال: وما أعلم أنه أدخل نفسه فى شئ من أمر الدنيا، ولا تعرض لها، ولا نافس فيها. وقد يفتح لأصحابنا بعض الأوقات بشئ من الدنيا، فما أعلم أنه حضر عندهم يوما قط فى شئ من ذلك، وما علمت أنه دخل يوما إلى سلطان ولا إلى وال. ولا تعرّف بأحد منهم. ولا كانت له رغبة فى ذلك.
قال: وكان محافظا على الصدق والورع. سمعته يقول لرجل: كيف ولدك؟ فقال: يقبل يدك. فقال: لا تكذب. وكان كثير الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. لا يرى أحدا يسئ صلاته إلا قال له وعلمه. ولقد بلغنى أنه خرج مرة إلى قوم من الفساق فكسر ما معهم فضربوه، ونالوا منه حتى غشي
стр. 535
عليه. فأراد الوالى ضرب الذين نالوا منه. فقال: إن تابوا ولزموا الصلاة فلا تؤذهم وهم فى حل من قبلي. فتابوا ورجعوا عما كانوا عليه.
قال: ورأيته ربما يكون فى مسجد، فإذا أخذ من لحيته شعرة أو من أنفه شيئا جعل ذلك فى عمامته. وربما برى قلما فيتحفظ من القلامة. ولا يدعها فى المسجد. وكان إذا أفتى فى مسألة يتحرز فيها احترازا كثيرا، حتى كان بعض الفقهاء يتعجب من فتاويه، وكثرة احترازه فيها.
وسمعت من يقول: كان يكون على ثوبه غبار، فيقول لى: اذهب فانفضه خارج المسجد.
وسمعت أبا محمد بن عبد الرزاق بن هبة الله الدمشقى، يقول: سمعت الشيخ عبد الله البطائحى ﵀ يقول: أشكلت علىّ مسألة فى الورع، فما وجدت من أفتانى فيها إلا العماد. وكان ﵀: لا يرى أن يخرج الحصير من المسجد ليجلس عليها خارج المسجد، والحصير التى للمحراب لا يجلس عليها خارج المحراب.
وسمعت أحمد بن عبد الله بن أبى المجد الحربى يقول: كان الشيخ العماد عندنا بالحربية - يعنى ببغداد - وكان إذا دخل بيت الله ولم يسم، خرج فسمى ثم دخل.
وسمعت من شيخنا وإمامنا موفق الدين أبى محمد المقدسى يقول: عمرى أعرفه - يعنى الشيخ العماد - وكان بيتنا قريبا من بيتهم - يعنى فى أرض المقدس - ولما جئنا إلى هنا. فما افترقنا إلا أن يسافر أحدنا، ما عرفت أنه عصى الله معصية.
وسمعت الإمام أبا إبراهيم محاسن بن عبد الملك التنوخى يقول: كان الشيخ العماد جوهرة العصر، وذلك أن واجدا يصاحب شخصا مدة، ربما تغير عليه، وكان الشيخ العماد: من صاحبه لا يرى منه شيئا يكرهه قط، كلما طالت صحبته ازداد بشره، ورأى منه ما يسره. وهذا شئ عظيم، وليس يكون كرامة أعظم من هذا.
قال الضياء: ولعله ما قعد عنده أحد إلا حصل له منفعة فى العلم والزهد،
стр. 536
أو اقتباس شئ من أخلاقه أو أوراده، وغير ذلك. وكان يذم نفسه ذمّا كثيرا، ويحقرها ويقول: إيش يجئ منى؟ إيش أنا؟ وكان كثير التواضع.
سمعت الشيخ موفق الدين قال: ما رأيت من اجتمع فيه من خلال - كانت فى الشيخ العماد - كان أكثر ذمّا لنفسه منه. ولقد حضرت عنده مرة، وقد أخذته الريح، وكان لا يقدر على الكلام فوقفت، فلما قدر على الكلام شرع فى ذم نفسه. وقال: اللهم أصلح فساد قلبى. وجعل ينوح على نفسه: أنا كذا، أنا كذا حتى أبكانى.
وسمعت الإمام أبا عبد الله يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسى يقول:
كنت أكتب طبقات السماع على الشيخ العماد. فكنت أكتب: الشيخ الإمام العالم الزاهد الورع. فخاصمنى على ذلك خصومة كثيرة.
ثم ذكر الضياء من كرمه وحسن عشرته: أن بعض أصحابه كانت تكون له الحاجة إليه، فيمضى إلى بيته. فيقيم عنده اليوم واليومين. قال:
وما رأيته يشكى من ذلك شيئا. قال: وما أظن أنى دخلت عليه قط، إلا عرض علىّ الطعام.
قال: ولم يزل هذا دأبه، من وقت ما عقلنا، وكان يتفقد الناس، ويسأل عن أحوالهم كثيرا. وربما بعث إلى الناس نفقة سرا.
وذكر عدة حكايات عنه، منها: أنه كان إذا غاب أحد من إخوانه أرسل إلى بيته النفقة وغيرها، وربما جاء بنفسه إليهم، قال: وربما كان بعض الناس يرسل إليه يشترى له حاجة، فربما زاد على ثمنها من عنده، ولا يعلمه بذلك. وكان يلقى الناس بالبشر الدائم.
قال: وسمعت عن بعض أهله، أنهم قالوا: ربما كنا نؤذيه، فما يغضب علينا، ويقول: الذنب لى، وأنه كان يدعو لمن ظلمه ويحسن إليه.
قال: ولقد كان أعار داره التى فى الدير لابن أخيه عزّ الدين أبى الفتح مدة
стр. 537
يسكن فيها، ثم لم يعد إلى سكناها قط، وتركها له. ولم يكن له غيرها.
قال: وكان من إكرامه لأصحابه ومعارفه: يظن كل أحد أن ما عنده مثله.
من كثرة ما يأخذ بقلبه ويكرمه.
ولقد سمعت الفقيه أبا محمد عبد المحسن بن عبد الكريم المصرى، يقول:
كان رجل من بيت القابلان من منبج، جاء إلى الشيخ العماد، فمرض، فكان يقعد عند رأسه بالليل، ويقرأ ورده عند رأسه.
وسمعت عباس بن عبد الدائم المصرى الكنانى يقول: كنا يوما نمشى مع الشيخ العماد إلى دعوة، فلقى فى السوق رجلا أعمى يسأل، فقال يا فلان: تعال معنا، قال: فاستحى الضرير كثيرا من أجل سؤاله، قال: فلما دخلنا إلى البيت انبسط الشيخ مع الضرير، وقال: يا فلان، كلنا سؤّال، وما زال يقول له، حتى زال ما كان عنده من الحياء.
قال: وكان ربما تكلم على أحدنا ونصحه وحرضه على فعل الخير والاشتغال، حتى كان قلب الشخص يطير من كثرة دخول كلامه فى القلب.
قال: وأوصانى وقت سفري، فقال: أكثر من قراءة القرآن، ولا نتركه فإنه يتيسر لك الذى تطلبه على قدر ما تقرأ، قال: فرأيت ذلك وجربته كثيرا، فكنت إذا قرأت كثيرا تيسر لى من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لى.
قال: وكان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة، تفل عن يساره ثلاثا، واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وكبر تكبيرة يرفع صوته بذلك، ثم يستفتح، قال:
فلم أر أحدا أحسن صلاة منه، ولا أتم منها بخشوع وخضوع، وحسن قيام وقعود وركوع، وربما كان بعض الناس يقول له: النبى ﷺ قد أمر بالتخفيف، وقال لمعاذ «أفتان أنت؟» فلا يرجع إلى قولهم، ويستدل عليهم بأحاديث أخر. منها: «أن النبىّ ﷺ ، كان يكون فى الركعة
стр. 538
الأولى حتى يمضى أحدنا إلى البقيع، ويقضى حاجته، ويأتى والنبي ﷺ لم يركع» وقول أنس: «لم أر أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى - يعنى: عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه - قال الراوى:
فحزرنا فى ركوعه وسجوده عشر تسبيحات» وبحديث «كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسى».
قال: وقيل عن شيخنا: إنه كان يسبح عشرا، يتأنّى فى ذلك.
قال: وسمعت أبا عبد الله محمد بن طرخان، يقول: كنا نصلى يوما خلف الشيخ العماد، وإلى جانبى رجل كأنه كان مستعجلا، فلما فرغنا من الصلاة، حلف لا صليت خلفه أبدا، وذكر حديث معاذ، فقلت له: ما تحفظ إلا هذا؟ ورويت له الأخبار التى وردت فى تطويل صلاة النبى ﷺ ، ثم إنّي قعدت عند الشيخ العماد، وحكيت له، وقلت له: أنا أحبك، وأشتهى أن لا يقال فيك شئ، فلو خففت؟ فقال: لعلهم يستريحون منى ومن صلاتى قريبا، يا سبحان الله! الواحد منهم، لو وقف بين يدى سلطان طول النهار ما ضجر، وإذا وقف أحدهم بين يديه ربه ساعة ضجر.
قال: وكان يقضى صلوات، فربما قضى فى اليوم والليلة صلوات أيام عديدة حتى كان بعض من يحكى يقول: ربما قضى الشيخ فى عمره صلاة كذا وكذا، مائة سنة. وقال ﵀: فاتتنى صلاة العصر، وكنت قبل أن أبلغ، وقد أعدتها مائة مرة، وأنا أريد أن أعيدها أيضا.
قلت: الكلام فى هذا: هل هو مشروع أم لا؟
قال: وكان يصوم يوما ويفطر يوما. قال: وكان كثير الدعاء بالليل والنهار. قال: وكان إذا دعا كأن القلب يشهد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه، وكان إذا شرع فى الدعاء لا يكاد يقطعه، ولو اجتمع أهله وجيرانه.
فيدعو وهم حاضرون ويستبشرون بذلك. وكان يفتح عليه من الأدعية شئ
стр. 539
ما سمعته من غيره قط. وربما بكى بعض الحاضرين عند دعائه. وذكر من توخيه أوقات الإجابة وأماكنها. ويواظب على الدعاء يوم الأربعاء، بين الظهر والعصر بمقابر الشهداء من باب الصغير. وقال: ما رأيت مثل هذا الدعاء، أو أسرع إجابة منه. يا الله يا الله، أنت الله؟ بلى والله، أنت الله، لا إله إلا أنت.
الله الله الله، والله إنه لا إله إلا الله.
وكان يكثر فى دعائه من قوله: اللهم اجعل عملنا صالحا. واجعله لوجهك الكريم خالصا. ولا تجعل لأحد فيه شيئا، اللهم وخلصنى من مظالم نفسى.
ومظالم كل شئ قبل الموت. ولا تمتنى ولأحد علىّ مظلمة يطلبنى بها بعد الموت.
وإذا قضيت بالموت - ولا بد من الموت فاجعله على توبة نصوح - بعد الخلاص من مظالم نفسى ومظالم العباد - قتلا فى سبيلك على سنتك. وسنة رسولك ﷺ ، شهادة يغبطنى بها الأولون والآخرون، واجعل النقلة إلى روح وريحان.
ومستراح فى جنات النّعيم، ولا تجعلها إلى نزل من حميم، وتصلية جحيم.
ومن دعائه: أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم.
أن تصلى على محمد وعلى آل محمد، وأن ترزقنى رضوانك الأكبر. والفردوس الأعلى. وما قرب إليهما من قول وعمل ونية. والخاتمة بأفضل خاتمة تختم بها لعبادك الصالحين، والعلم والعمل به، والحلم والحكم، والفهم والحفظ. والغنى عن الناس، وزوال الوسواس. والشبهات والنجاسات. والدين والحاجة إلى الناس، والتزين بما يشينني عندك. اللهم طهر ألسنتنا من الكذب، والغيبة والنميمة، وقلوبنا من النفاق والغل والغش، والحسد والكبر والعجب. وأعمالنا من الرياء والسمعة. وبطوننا من الحرام والشبهة. وأعيننا من الخيانة. فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور. فى دعاء كثير.
وذكر جملة من كراماته وكلامه على الخواطر والمغيبات. فذكر عن بعضهم قال: كنت أمشى خلف الشيخ العماد فى السوق الكبير، فإذا صوت
стр. 540
طنبور. فلما وصلنا إلى عند صاحبه قال الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ونقض كمه. فرأيت صاحب الطنبور قد وقع وانكسر طنبوره. فقيل لصاحب الطنبور: إيش بك؟ قال: ما أدرى.
قال: وسمعت أبا محمد عبد المحسن بن عبد الكريم قال: كنت خلف الشيخ العماد، فوقع فى نفسى: أن الناس لا يعلمون من بعضهم بعضا إلا الظاهر، وأن سرائر الخلق لا يعلمونها، وإذا الشيخ قد دار إلى، وقال: قال - أظنه الفضيل - لا تعمل شرّا أو سوءا، فتمقتك قلوب الصالحين.
وسمعت على بن أبى بكر بن إدريس الطحان، قال: كان لى ابن مريض، فقلت: أدعو بدعاء مقاتل بن سليمان مائة مرة، فدعوت به، ثم جئت إليه، فالتفت إلىّ وإلى الحاضرين، وقال: دعاء بلا عمل لا ينفع، أو كما قال.
قال: وحكت زوجة الشيخ، قالت: كان قبل موته يكثر أن يقول: قد قرب الأمر، ما بقى إلا القليل.
وذكر الحافظ الضياء فى كتاب «الحكايات المقتبسة، من كرامات مشايخ الأرض المقدسة» فصلا فى كراماته - وقرأته بخطه - قال: سمعت الشيخ المجاب الدعوة أبا أحمد نصر بن محمد بن سليمان المرداوى بها يقول: جاء إلى عندنا الشيخ العماد، وكنت أشتهى أن أسأله عن أشياء، فكنت أستحى، فكان يبتدئ ويذكر كل ما أريد أن أسأل عنه.
قال: وحدثنى أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار، قال: كنت كثيرا ما أجئ إليه، وأنا أريد أن أقول شيئا، فيسبقنى فيتحدث ببعضه، فإذا رآنى قد ابتدأت فيه سكت، ولم يرنى أنه يريد ذلك.
قال الضياء: وكنت أجد فى قلبى قسوة، وكنت أشتهى أن أشكو إليه ذلك، فابتدأنى ليلة وذكر قسوة القلب. وقال: كيف يلين القلب إذا لم يكن العمل بإخلاص النية؟ وتكلم كلاما كثيرا مما كنت أجد فى نفسى، وفرحت
стр. 541
بكلامه. وسمعت عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار يقول: حدثنى أبو الحسن ابن مشرق العطار. قال: أصابتنى جنابة، ففاتتنى الصلاة - يعني صلاة الفجر - ثم اغتسلت وقضيتها فى النهار، وأتيت إلى صلاة الظهر معه. فوجدته فى التشهد فصليت وسلمت عليه، فقال: يا فلان، تفوتك فى يوم صلاتان؟ فقلت:
يا سيدى أنا تائب.
قال: وسمعت بعض أهلنا يقول: كنت ربما احتجت إلى شيء من الملبوس أو أشتهى شيئا من المأكول، فما أعلم حتى يبعث إلىّ الشيخ - يعنى العماد - بالذى أحتاج إليه أو أشتهيه.
وحدثنى أبو الربيع سليمان بن إبراهيم الاسعردى وغيره، أنهم كانوا عند الشيخ فى مسجده يوما، فقال لرجل: اخرج إلى هذا الرجل والمرأة اللذين خلف المسجد، واطردهما من ها هنا، فخرج فإذا رجل وامرأة يتحدثان ففرق بينهما.
وحدثنى أبو الربيع أيضا، قال: كنت عنده أيضا فى المسجد، فكان يوم يفتح لى بشيء لا يطعمنى شيئا، ويوم لا يفتح لى بشئ، يرسل إلىّ بشيء.
قال: جرى لى هذا معه كثيرا.
وحدثنى عبد الرحمن بن محمد المقدسى: أن رجلا فرق فى المصلى على الحاضرين زبيبا، وفرق آخر تمرا، أظنه للافطار، وكان الذى فرق التمر ماله ليس بجيد، فأخذ الشيخ التمرة، فشمها ثم تركها، وأخذ الزبيب فأفطر عليه.
وسمعت الإمام أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن أبى بكر، قال: أخذت يوما من عند رجل أجزاء كانت لى عنده وإجازات، فكان فى جملة ما أخذت:
إجازة لم تكن معى، ثم جئت إلى عند الشيخ، فأبصر الأجزاء، ثم شال الإجازة التى اختلطت معى، فقال: من أعطاك هذه؟ ثم عزلها، قال: فعرفت أنها كرامة فى حقه، وذكر من تيسير القرآن والعلم على من قرأ عليه أمرا عجيبا.
قال: وسمعت ظريفة بنت إبراهيم تقول: قال لى أحمد بن سالم: أنا أعرف
стр. 542
فى الجبل خمسة من الصّالحين - أو قال: من الأولياء - فسمى منهم الإمام إبراهيم بن عبد الواحد.
أحمد بن سالم - هذا - مرداوى كان عالما عاملا، ذا كرامات كثيرة، ذكرها أيضا فى هذا الكتاب.
قال: وحدثنى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار: أن زوجته عائشة بنت خلف بن راجح، حدثته: أنها رأت فى النوم قائلا يقول: قولوا للعماد يدعو لكم، فإنه من السبعة التى تقوم بهم الأرض.
وقد ذكره أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى تاريخه، وأثنى عليه ثناء كثيرا.
وقال: ما تحرك بحركة، ولا مشى خطوة، ولا تكلم كلمة إلا لله تعالى. وكان يتعبد بالإخلاص، ولقد رأيته مرارا فى الحلقة بجامع دمشق، والخطيب يوم الجمعة على المنبر، فيقوم ويأخذ الإبريق ويضع بلبلته على فيه، على رءوس الأشهاد، ويوهم الناس أنه يشرب، وإنه لصائم.
قال: وكان يحضر مجالسى دائما بجامع دمشق وقاسيون، ويقول: صلاح الدين يوسف فتح الساحل، وأظهر الإسلام، وأنت يوسف، أحييت السنة بالشام.
يشير بذلك إلى ما ذكره أبو المظفر على المنبر من كلام جده فى إمرار الصفات وإثباتها.
وقال أبو شامة: هو الذى سن الجماعة فى الصلوات المقضية. فكان يصلى بالجماعة بحلقتهم، بين المغرب والعشاء ما قدره الله تعالى. وبقى ذلك بعده مدة.
وذكره أبو محمد البزورى الواعظ، فى طبقات أصحاب ابن المنى فى سيرته. وأثنى عليه كثيرا. وكذلك أبو محمد عبد الرزاق الرسعني فى تفسيره: يذكره كثيرا.
ويثنى عليه ويعظمه. ويذكر من فوائده وكلامه.
قال الضياء: توفى ﵀. ليلة الخميس. وقت عشاء الآخرة، السادس عشر من ذى القعدة سنة أربع عشرة وستمائة. وقال المنذرى: السابع عشر.
стр. 543
ودفن يوم الخميس. وكان صلّى تلك الليلة المغرب بالجامع. ثم مضى إلى البيت، وكان صائما. فأفطر على شئ يسير. وحكى عنه: أنه لما جاءه الموت. جعل يقول: يا حى يا قيوم. لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث فأغثنى. واستقبل القبلة وتشهد ومات ﵀.
قال: ولما خرجت جنازته إلى الجامع اجتمع خلق كثير. فما رأيت الجامع إلا كأنه يوم الجمعة من كثرة الخلق. وتركت جنازته فى قبلة الجامع. وصلّى عليه الإمام موفق الدين شيخنا. وكان المعتمد يطرد الناس عنه، وإلا كانوا من كثرة من يتبرك به يخرقون الكفن. وازدحم الناس على جنازته بين يديها وخلفها حتى كاد بعض الناس يهلك، وخرج إلى الجبل خلق كثير. ما رأيت جنازة قط أكثر خلقا منها. وخرج القضاة والعدول ومن لا نعرفهم. وصلّى عليه غير مرة.
رحمه الله تعالى.
وقال سبط ابن الجوزى: غسل وقت السحر. وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وسع الناس الجامع، وصلّى عليه الموفق بحلقة الحنابلة بعد جهد جهيد، وكان يوما لم ير فى الإسلام مثله. كان أول الناس عند مغارة الدم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس. ولولا المبارز المعتمد وأصحابه: لقطعوا أكفانه. وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار. قال: وتأملت الناس من أعلى قاسيون إلى الكهف قريب المنظور، لو رمى إنسان عليهم إبرة لما ضاعت.
فلما كان فى الليل نمت وأنا متفكر فى جنازته. وذكرت أبيات سفيان الثورى التى أنشدها فى المنام.
نظرت إلى ربى كفاحا، فقال لى … هنيئا رضائى عنك يا ابن سعيد
فقد كنت قواما إذا أقبل الدجى … بعبرة مشتاق وقلب عميد
فدونك، فاختر أى قصر أردته … وزرنى، فإنى منك غير بعيد
وقلت: أرجو أن العماد يرى ربه كما رآه سفيان عند نزول حفرته، ونمت
стр. 544
فرأيت العماد فى النوم، وعليه حلة خضراء، وعمامة خضراء، وهو فى مكان متسع كأنه روضة، وهو يرقى فى درج مرتفعة، فقلت: يا عماد الدين، كيف بت؟ فإنى والله متفكر فيك، فنظر إلىّ وتبسم على عادته، وقال:
رأيت إلهى حين أنزلت حفرتى … وفارقت أصحابى وأهلى وجبرتى
فقال: جزيت الخير عنى، فإننى … رضيت، فها عفوى لديك ورحمتى
رأيت زمانا تأمل الفوز والرضا … فوقّيت نيرانى، ولقّيت جنتى
قال: فانتبهت مرعوبا، وكتبت الأبيات.
وذكر الضياء هذا المنام، عن أبى المظفر السبط، وذكر منامات أخر.
منها: أنه رؤى فى النوم على حصان، فقيل له: إلى أين؟ قال: أزور الجبار.
ورآه آخر، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال (يا ليت قومى يعلمون، بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين)
قال: وسمعت الفقيه الإمام أبا محمد عثمان بن حامد بن حسن المقدسى يقول:
رأيت الحق فى النوم، والشيخ العماد عن يمينه، ووجهه مثل البدر، وعليه لباس ما رأيت مثله.
قال: وسمعت الفقيه الإمام عبد الحميد بن محمد بن ماضى المقدسى، يقول:
شممت من قبر الشيخ العماد مرتين رائحة طيبة، رحمه الله تعالى.
وقد حدث بالكثير، وسمع منه خلق كثير من الحفاظ والأئمة، كالضياء والمنذرى. وروى عنه ابن خليل وابن البخارى.
أخبرنا أبو عبد الله الأنصارى، أخبرنا أبو الحسن بن البخارى، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد المقدسى، أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسى، أخبرنا جعفر بن أحمد السراج، أخبرنا الحسن بن أحمد بن شاذان، حدثنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل. حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقرى، حدثنا سعيد بن سلمة المديني، عن هشام بن عروة، عن أخيه، عن
стр. 545
أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «كنت لك كأبى زرع لأم زرع» ثم أنشأ يحدث حديث أم زرع وصواحبها، فذكر الحديث بطوله.
ورثاه الصلاح موسى بن شهاب المقدسى بأبيات. منها:
يا شيخنا، يا عماد الدين، قد قرحت … عينى وقلبى منك اليوم متبول
أوحشت والله ربعا كنت تسكنه … لكنه الآن بالأحزان مأهول
كم ليلة بت تحييها وتسهرها … والدمع من خشية الله مسبول
وسجدة طال ما طال القنوت بها … قد زانها منك تكبير وتهليل
٢٥٦ - عبد الرحمن بن عمر
بن أبى نصر بن على بن عبد الدائم بن الغزّال البغدادى الواعظ أبو محمد، ويلقب بشهاب الدين.
ولد فى جمادى الآخرة (١) سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
وسمع الكثير بإفادة أبيه وبنفسه من الحافظ ابن ناصر، وسعيد بن البناء.
ونصر بن نصر العكبرى، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى عبد الله بن الرطبى والنقيب أبى جعفر بن أحمد بن محمد العباسى، وأبى الوقت، والمبارك بن السراج، وابن المادح، وهبة الله بن الشبلى، وأبى زرعة بن البطى، وخلق كثير ممن بعدهم، وعنى بهذا الشأن، وقرأ بنفسه، وكتب الكثير بخطه، وله فى الخط طريقة حسنة معروفة، ووعظ مدة. ورأيت بخطه جزءا من أخبار الحلاج، الظاهر أنه جمعه، ويروى فيه بالأسانيد عن شيوخه، ومال إلى مدح الحلاج وتعظيمه، واستشهد بكلام ابن عقيل فى تصنيفه القديم الذى تاب منه، ولقد أخطأ فى ذلك.
قال ابن النجار: وسمعت منه، وكان سريع القراءة والكتابة، إلا أنه كان لحنة، قليل المعرفة بأسماء المحدثين.
قال: وقرأت بخط شيخنا أبى الفتوح نصر بن الحصرى: عبد الرحمن بن الغزّال، لا يحتج بقراءته ولا بخطه، وهو ساقط.
стр. 546
وحدث، وسمع منه جماعة، وأجاز للمنذرى، وعبد الصمد بن أبى الجيش، وروى عنه ابن الصيرفى.
وتوفى ليلة الثلاثاء نصف شعبان سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب. ﵀.
أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا يحيى بن الصيرفى الفقيه أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الواعظ. أخبرنا أبو الوقت أخبرنا أبو الحسن الداودى أخبرنا أبو محمد الحموى، أخبرنا محمد بن يوسف بن مطر، حدثنا البخارى المالكى حدثنا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة. قال: كان جدار المسجد عند المنبر. ما كادت الشاة تجوزها.
وكان له ولد نجيب، اسمه:
٢٥٧ - أحمد،
ويسمى هبة الكريم أيضا. ويكنى أبا نصر، وكان سبط أبى العباس بن بكروس الفقيه المتقدم ذكره.
ولد سنة ثمانين وخمسمائة، وحفظ القرآن، وقرأ بالروايات الكثيرة على أصحاب سبط الخياط. وتفقه فى المذهب، وتكلم فى مسائل الخلاف، ووعظ الناس على المنبر، واعتنى به والده، وأسمعه الكثير من ابن كليب، وابن بوش، وذاكر بن كامل، وابن المعطوش، وابن الجوزى، وأبي محمد بن الصابونى، وطبقتهم. وطلب هو بنفسه، وقرأ على الشيوخ، وكتب بخطه كثيرا. وكان حسن الطريقة، متدينا. ذكر ذلك ابن النجار. وقال: سمع منا كثيرا، واصطحبنا مدة، وكان طيب الأخلاق لطيفا، حسن العشرة كيسا، استلبته يد المنون فى عنفوان شبابه، وقد جاوز العشرين. لأنه توفى يوم الخميس خامس المحرم سنة إحدى وستمائة، قال: وصلينا عليه من الغد بجامع القصر، وتقدم للصلاة عليه والده، وحمل إلى باب حرب؛ فدفن هناك.
قال: ورأيته فى المنام، وعليه ثياب فاخرة، قميص فوط حديد، وبغيار
стр. 547
أبيض مليح، فسألته: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى، وقليل العمل ينفع عند الله.
وسألته عن عذاب القبر: أحق هو؟ قال: لا، فقلت له مرة ثانية: عذاب القبر حق، وجبذته جبذة، كالمنكر عليه، فقال: أنا ما رأيته، فقلت له: فمنكر ونكير؟ قال: إي والله حق، نزلا علىّ وسألانى، رحمه الله تعالى.
٢٥٨ - أحمد بن أحمد
بن أحمد بن كرم بن غالب بن قتيل البندنيجى، ثم البغدادى، الأزجى، الحافظ، المحدث، المعدل، أبو العباس بن أبى بكر بن أبى السعادات، المعروف بابن البندنيجى.
ولد فى ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وتلقن القرآن من أبى حكيم النهروانى، وقرأه بالروايات على أبى الحسن البطائحى وغيره.
وسمع الحديث الكثير من أبى بكر بن الزاغونى، وأبى الوقت، وهبة الله بن الشبلى. وأبى محمد بن المادح، والشيخ عبد القادر الجيلى، والمبارك بن خضير، وأبى زرعة، وابن البطى وخلق كثير. وعنى بهذا الشأن، وكتب بخطه الكثير، وخرج وأفاد.
ووسمه جماعة بالحافظ، منهم: المنذرى. قال الذهبى: كان وافر السماع، كثير الشيوخ، حسن الأصول. حدث بالكثير، وسمع منه جماعة.
وقال غيره: كان مكثرا من الرواية والحفظ. وكان أحد شهود بغداد. شهد عند ابن الدامغانى سنة ست وسبعين وخمسمائة، ثم عزل عن الشهادة لما عزل قاضى القضاة العباسى. فإن خطه وجد على الكتاب الذى عزل القاضى بسببه بالعرض، واعتذر بأن القاضى أخبره بمعارضته بأصله، فركن إلى قوله. والله أعلم بحقائق الأمور. ثم فى سنة سبع وستمائة - لما ظهرت إجازة الخليفة الناصر من جماعة من الشيوخ، وكان ابن البندنيجى وأخوه تميم المتقدم ذكره: هما اللذان استجازا له، وكانت عند ولد تميم نمروى بها الخليفة، وأجاز للأعيان - أعيد ابن البندنيجى إلى عدالته بتزكيته الأولى وتقدم.
стр. 548
وتوفى ﵀ ليلة الأربعاء - وقيل: ليلة الثلاثاء - رابع عشر رمضان سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن بمقبرة باب حرب.
أخبرنا أبو المعالى محمد بن عبد الرزاق - بقراءتى عليه ببغداد - أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف البزاز، أخبرنا أبو العباس أحمد بن أحمد بن أحمد المعدل الحاجب - كتابة - أخبرنا أبو الحسن سعد الله بن نصر الحيوانى - قراءة عليه - أخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد المقرئ، أخبرنا أبو نصر أحمد بن مسرور بن عبد الوهاب حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا - إملاء - حدثنا على بن محمد المصرى حدثنا مقدام بن داود، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة حدثنا درّاج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد الخدرى: أن رسول الله ﷺ قال «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغوى عبادك ما دامت أرواحهم فى أجسادهم، قال الرب : وعزتى وجلالى، لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى».
وتوفى معه فى ثالث عشر رمضان من السنة -:
٢٥٩ - أبو محمد عبد الكافى
بن بدر بن حسان الأنصارى الشامى الأصل المصرى، النجار الحنبلى، وكان شيخا صالحا كثير الصيام والتعبد.
سمع من البوصيرى، والأرتاحى، وعبد الغنى الحافظ، وربيعة بن نزار وغيرهم، علق عنه المنذرى شيئا.
توفى وله نحو الستين، ودفن بسفح المقطم.
٢٦٠ - عبد الله بن الحسين
بن عبد الله بن الحسين العكبرى، ثم البغدادى الأزجى المقرئ، الفقيه، المفسر الفرضى، اللغوى، النحوى، الضرير، محب الدين، أبو البقاء بن أبى عبد الله بن أبى البقاء.
ولد ببغداد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. هكذا قال غير واحد.
стр. 549
وذكر الدبيثى: أنه سأله عن مولده. فقال: سنة ثمان وثلاثين، وقال القطيعى: سألته عن مولده؟ فقال: فى حدود سنة تسع وثلاثين.
وقرأ القرآن على أبى الحسن البطائحى، وسمع الحديث من أبى الحسن بن البطى، وأبى زرعة المقدسى، وأبى بكر بن النقور، وابن هبيرة الوزير. وقرأ الفقه على القاضى أبى يعلى الصغير، وأبى حكيم النهروانى، حتى برع فيه.
وأخذ النحو عن أبى محمد بن الخشاب، وأبى البركات بن نجاح، واللغة عن ابن القصاب. وبرع فى فنون عديدة من العلم، وصنف التصانيف الكثيرة، ورحلت إليه الطلبة من النواحى، وأقرأ المذهب والفرائض والنحو واللغة، وانتفع به خلق كثير.
قال أبو الفرج بن الحنبلى؛ الملقب بناصح الدين: كان - يعنى أبا البقاء - إماما فى علوم القرآن، إماما فى الفقه، إماما فى اللغة، إماما فى النحو، إماما فى العروض، إماما فى الفرائض، إماما فى الحساب، إماما فى معرفة المذهب، إماما فى المسائل النظريات، وله فى هذه الأنواع من العلوم مصنفات مشهورة.
قال: وكان معيدا للشيخ أبى الفرج بن الجوزى فى المدرسة، وكان متدينا، قرأت عليه كتاب «الفصيح» لثعلب، من حفظى، وقرأت عليه بعض كتاب «التصريف» لابن جنى.
وقال الإمام عبد الصمد بن أبى الجيش: كان يفتى فى تسعة علوم، وكان واحد زمانه فى النحو واللغة، والحساب والفرائض، والجبر والمقابلة والفقه، وإعراب القرآن والقراءات الشاذة، وله فى كل هذه العلوم تصانيف كبار وصغار، ومتوسطات، وذكر أنه قرأ عليه كثيرا.
وقال ابن الدبيثى: كان متفننا فى العلوم، له مصنفات حسنة فى إعراب القرآن وقراءاته المشهورة، وإعراب الحديث، والنحو واللغة، سمعت عليه، ونعم الشيخ كان.
стр. 550
وقال ابن النجار: قرأت عليه كثيرا من مصنفاته، وصحبته مدة طويلة، وكان ثقة متدينا، حسن الأخلاق متواضعا، كثير المحفوظ. وكان محبا للاشتغال والإشغال، ليلا ونهارا، ما يمضى عليه ساعة إلا وواحد يقرأ عليه، أو يطالع له، حتى ذكر لى: أنه بالليل تقرأ له زوجته فى كتب الأدب وغيرها، قال: وبقى مدة من عمره فقيد النظير، متوحدا فى فنونه التى جمعها من علوم الشريعة والآداب، والحساب، فى سائر البلاد، وذكر لى: أنه أضر فى صباه بالجدرى، وذكر تصانيفه.
وقال غيره: كان أبو القاء إذا أراد أن يصنف كتابا: أحضرت له عدة مصنفات فى ذلك الفن، وقرئت عليه، فإذا حصّله فى خاطره: أملاه، فكان بعض الفضلاء يقول: أبو البقاء تلميذ تلامذته، يعنى: هو تبع لهم فيما يلقونه عليه.
وقال المزانى: سمعت الشيخ أبا البقاء يقول: جاء إلىّ جماعة من الشافعية فقالوا: انتقل إلى مذهبنا، ونعطيك تدريس النحو واللغة بالنظامية، فأقسمت وقلت: لو أقمتمونى وصببتم عليّ الذهب حتى أتوارى، ما رجعت عن مذهبى.
ذكر تصانيفه
«تفسير القرآن» «البيان، فى إعراب القرآن» فى مجلدين «إعراب الشواذ» «متشابه القرآن» «عدد الآى» «إعراب الحديث» كتاب «التعليق، فى مسائل الخلاف» فى الفقه «شرح الهداية لأبى الخطاب فى الفقه» كتاب «المرام، فى نهاية الأحكام» فى المذهب كتاب «مذاهب الفقهاء» «الناهض، فى علم الفرائض» «بلغة الرائض، فى علم الفرائض» وكتاب آخر فى الفرائض، للخلفاء «المنقح من الخطل فى علم الجدل» «الاعتراض على دليل التلازم ودليل التنافى» جزء «الاستيعاب، فى علم الحساب» «اللباب، فى البناء والإعراب» «شرح الإيضاح» «شرح اللمع» «شرح التلقين، فى النحو» «التلخيص فى النحو» «الإشارة فى النحو» «تعليق على مفصل الزمخشرى»
стр. 551
«شرح الحماسة» «غوامض الألفاظ اللغوية للمقامات الحريرية» «شرح خطب ابن نباتة» «شرح بعض قصائد رؤبة» «شرح لغة الفقه» أملاه على ابن النجار الحافظ» «شرح ديوان المتنبى» «أجوبة مسائل وردت من حلب» «مسائل مفردة» «المشرق المعلم فى ترتيب اصطلاح المنطق على حروف المعجم» «تلخيص أبيات شعر لأبى على» «تهذيب الإنسان، بتقويم اللسان» «الإعراب عن علل الإعراب» وغير ذلك.
ومن شعره يمدح الوزير ابن القصاب:
بك أضحى حيد الزمان محلى … بعد ما كان من حلاه مخلّى
لا يجاريك فى تجاريك خلق … أنت أعلى قدرا وأعلى محلا
عشت تحيى ما قد أميت من الفض … ل وتنفى جورا، وتطرد محلا
قال ابن الساعى: ذكر شيخنا أبو البقاء: أنه لم يعمل قط سوى هذه الأبيات كذا قال، وقد قال ابن القطيعى: أنشدنى أبو البقاء لنفسه:
أشكو إلى الله ما ألقى من الكمد … ومن فراق حبيب فتّ فى عضدى
وهى اصطبارى، وها دمعى ينم على … برح الهوى بى، وأن قد خاننى جلدى
قد كنت والشمل ملموما بهم فرقا … من الفراق وإشفاقى على الرصد
فكيف حالى وقد شط المزار بهم … عنى، وبدّل قرب الدار بالبعد؟
طار الفؤاد شعاعا ساعة احتملوا … وألف البين بين الجفن والسهد
أنّى ألذّ بعيش بعد بعدهم … والروح فى بلد والجسم فى بلد؟
يا ويح قلبى من شوق أكابده … ضعفت عنه، فمن ذا آخذ بيدى؟
حكم الهوى جائر، عدوانه هدر … قتلاه ظلما بلا عقل ولا قود
قد رق قلبى ظلوم ما يرق له … من الغرام الذى أجنى على كبدى
أحنى الضلوع على قلب تملكه … من ليس يحنو على صب به كمدى
قال: وأنشدنى أبو البقاء العكبرى لنفسه:
стр. 552
صاد قلبى على العقيق غزال … ذو نفار وصاله ما ينال
فاتر الطرف، تحسب الجفن منه … ناعسا، والنعاس منه مدال
أخذ عنه العربية خلق كثير، وأخذ عنه الفقه جماعة من الأصحاب، كالموفق ابن صديق، ويحيى بن يحيى الحرانيين.
وسمع منه الحديث خلق كثير. وروى عنه ابن الدبيثى، وابن النجار، والضياء، وابن الصيرفى، وبالإجازة جماعة، منهم: الكمال البزار البغدادى.
وتوفى ليلة الأحد ثامن ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة، ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب، رحمه الله تعالى.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى، أخبرنا أبو زكريا يحيى ابن أبى منصور الحرانى - حضورا - أخبرنا أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبرى أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقى، أخبرنا مالك بن أحمد البانياسى، أخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبى الفوارس الحافظ، حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف ابن خلاد، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنى الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من نزع يدا من طاعة، لقى الله ليست له حجة، ومن مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية».
ذكر شئ من فوائده وكلامه فى الفقه وغيره
ذكر أبو البقاء فى شرح الهداية وجها بدخول الاستحاضة فى مدة النفاس، وقد حكاه قبله القاضى فى شرح المذهب.
وحكى فيما إذا حكّ أسفل الخف بعود ونحوه من النجاسة، فهل يقوم مقام
стр. 553
دلكه بالأرض فى طهارته أو العفو عنه؟ وجهين.
وقال فيه: الكلب والحمار الأهلى والوحشى سواء فى قطع الصلاة.
قال: وقال الشريف: رأيت فى بعض نسخ «المجرد» يقطع الحمار الأهلى.
وقال فيه: لم أجد لأصحابنا فى بعض الآية التى يجوز للجنب قراءتها حدا، وظاهر قولهم: أنه يجوز ذلك، وإن كثر البعض، وكان بمنزلة آيات متوسطة.
والأمر محمول عندى على غير ذلك، وهو أن يحمل البعض على مقدار دون آية متوسطة، إذا كان كلاما تاما غير متعلق بما قبله وما بعده.
وحكى ابن الصيرفى أيضا عن أبى البقاء: أنه كان يختار جواز أخذ بنى هاشم من الزكاة إذا منعوا حقهم من خمس الغنيمة.
وقال ابن الصيرفى أيضا: خرّجت جواز دفع الرشوة إلى القاضى الظالم لدفع ظلمه على عامل الخراج، وذاكرت بذلك شيخى أبا البقاء، فلم يصوبه، قال:
ثم رأيت ابن عقيل فى فنونه صرح بما خرجته.
قال: وسمعت شيخنا أبا البقاء يقول، فيمن رأى رجلا نائما، وقد دخل عليه وقت الصلاة: لا يوقظه؛ لأنه غير مخاطب، قال: ويغلب على ظنى أنه حكاه عن شيخه أبى حكيم.
قال: وقرأت بخط بعض أصحاب أبى الخطاب: أنه سأل أبا الخطاب عن هذه المسألة؟ فقال: نعم يوقظه.
قال: وحكى عن شيخنا أبى محمد بن قدامة المقدسى مثل ذلك.
قال: ورأيت فى فنون ابن عقيل هذه المسألة، وقد جرت فيها مذاكرات بين ابن عقيل ورجل آخر معين، واختلفا فى ذلك.
ومن كلامه فى حواشى المفصل: «أفعل» تستعمل على وجهين.
أحدهما: يدل على أن فضل المذكور زائد على فضل من أضيف إليه أفعل فهذا يستعمل على ثلاثة أوجه ب «من» كقولك: زيد أفضل من عمرو، وهذا لا يثنى
стр. 554
ولا يجمع ولا يؤنث، لعلة ليس هذا موضعها، وبالإضافة، كقولك: زيد أفضل القوم، وهذا لا يضاف إلى مضاف إلى ضميره، فلا تقول زيد أفضل إخوته، وبالألف واللام، كقولك: زيد الأفضل.
والوجه الثانى: أن لا يكون «أفعل» للزيادة، بل لاشتهار المذكور بالفضل وتخصيصه من دونهم، كقولك: زيد أفضل القوم، كما تقول: فاضل، وعلى هذا: يجوز أن يضاف إلى مضاف إلى ضميره، كقولك: زيد أفضل قومه، وأحسن إخوته، أى هو الفاضل من بينهم، وهذا يثنى ويجمع ويؤنث، ومنه الفرق بين قوله: من دخل دارى فله درهم، ومن دخل دارى له درهم. بإسقاط الفاء، أى إنه مع إثباتها يكون ضامنا له الدرهم على دخوله، ومع سقوطها يحتمل أن يكون أخبر عنه بأنه يملك درهما، لا أنه ضمن له شيئا، وقال: الفرق بين «واو» مع، «واو» العطف يتبين بقولك «قم أنت وزيد» إذا رفعت «زيد» كنت آمرا لهما بالقيام، لأن حكم العطف أن يشرك بين المعطوف والمعطوف عليه فى العامل، وإذا نصبت كنت آمرا المخاطب أن يتابع زيدا فى القيام، ولست آمرا زيدا بالقيام، حتى لو لم يقم لم يلزم المخاطب القيام، لأن هذا هو حكم «مع».
ومن كلامه - ونقلته من خط ابن الصيرفى - «لو» يقع فى الكلام على ثلاثة أوجه.
أحدها: امتناع الشئ لامتناع غيره.
والثانى: أن يكون بمعنى «إن» الشرطية، كقوله تعالى (٢٢١:٢ ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)﴾.
والثالث: أن تكون بمعنى «أن» الناصبة للفعل المستقبل، ولكنها لا تنصب، وهو كثير فى القرآن والشعر، كقوله تعالى (٩:٦٨ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)،﴾ (١١:٧٠ ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي)﴾ ولا يجوز أن يكون للامتناع، إذ لا جواب لها، ولأن «ودّ» لا تعلق عن العمل؛ إذ ليس من باب العلم والظن
стр. 555
ولأن «أن» قد جاءت بعدها صريحة فى قوله تعالى (٢٦٦:٢ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ)﴾ وإنما لم تنصب، لأن «لو» قد تعددت معانيها، فلم تختص، وجرت مجرى «حتى» فى الأفعال. والقسم الأول يرد فى اللغة على خمسة أوجه.
أحدها: أن تدل على كلام لا نفى فيه، كقولك: لو قمت قمت، ويفيد ذلك امتناع قيامك لامتناع قيامه.
والثانى: أن تدخل على نفيين، فيصير المعنى إلى إثباتهما، كقولك: لو لم تزرنى لم أكرمك، أى أكرمتك لأنك زرتنى، فانقلب النفى ههنا إثباتا، لأن «لو» امتناع، والامتناع نفى، والنفى إذا دخل على النفى صار إيجابا.
والثالث: أن يكون النفى فيما دخلت عليه دون جوابها، كقولك: لو لم تشتمه لأكرمك، فالشتم واقع، والإكرام منتف، والامتناع أزال النفى، وبقى الإيجاب بحاله.
والرابع: عكس الثالث، وهو قولك: لو أحسن إليك لم تسئ إليه، والمعنى معلوم.
والخامس: أن تقع للمبالغة، فلا تفيد مفادها فى الوجوه الأول، كقول عمر رضى الله عنه «نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه» والمعنى: أنه لو لم يكن عنده خوف لما عصى، فكيف يعصى وعنده خوف؟ ولو لم يرد المبالغة لكان معنى ذلك: أنه يعصى الله، لأنه يخافه.
وقال أيضا: «لو» فى الموضع اللغوى تعلق فعلا بفعل، والفعل الأول علة الثانى، إلا أن يكون هنا قرينة صارفة تصرفها عن هذا الأصل. وهو أن يدل المعنى على إرادة المبالغة، كقولك: لو أهين زيد لأحسن إلى من يهينه، والمعنى:
أنه إذا أكرم كان أولى بالإحسان، لا أنه إذا لم يهن لم يحسن.
ومن كلامه «بله» تستعمل على ثلاثة أوجه.
стр. 556
أحدها: أن تكون بمعنى «غير».
والثانى: أن تكون بمعنى «دع» فتكون مبنية على الفتح.
والثالث: أن تكون بمعنى «كيف» فإن دخلت «من» عليها كانت معربة، وجرّت بمن.
وذكر أن أبا على الفارسى حكى عن أبى زيد القلب، فيقال «بهل» إلا أنها لا تستعمل مثل «بله» لأنها فرع.
وقال أبو البقاء: سألنى سائل عن قوله ﷺ «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» فقال: أيجوز فى «الرحماء» الرفع والنصب؟ وذكر أن بعضهم زعم أن الرفع غير جائز. فأجبت: بأن الوجهين جائزان.
أما النصب: فله وجهان، أقواهما: أن تكون «ما» كافّة لأنّ عن العمل فلا يكون فى «الرحماء» على هذا إلا النصب، لأن «إن» إذا كفّت عن العمل وقعت بعدها الجملة ابتدائية، ولم يبق لها عمل، فيتعين حينئذ نصب «الرحماء» ب «يرحم» إذ لم يبق لها تعلق بإنّ. ومثله (١٧٣:٢ ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ)﴾ على قراءة من نصب، وفائدة دخول «ما» على هذا الوجه:
إثبات المذكور، ونفى ما عداه، فتثبت الرحمة للرحماء دون غيرهم.
والوجه الثانى: أن تكون «ما» زائدة، و «إن» بمعنى «نعم» وزيادة «ما» كثيرا، ووقوع «إن» بمعنى «نعم» كثير. فمنه قوله تعالى (٦٣:٢٥ ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ)﴾ فى أحد القولين. ومنه قول ابن الزبير، حين قال له رجل:
لعن الله ناقة حملتنى إليك، فقال «إنّ وراكبها» وهو كثير فى الشعر.
فإن قيل: إنما يجئ ذلك بعد كلام تكون جوابا له، ولم تسبق «ما» يجاب عليه: «نعم»
قيل: إن لم يسبق لفظا فهو سابق تقديرا، فكأن قائلا قال للنبى ﷺ : يرحم الله من عباده من يرحم الخلق، وإن كان مقصرا فيما بينه وبين
стр. 557
الله تعالى؟ فقال: نعم. وهذا مما يجوز أن يسأل عنه.
وأما الرفع: فجائز جوازا حسنا. وفيه عدة أوجه.
أحدها: أن تكون «ما» بمعنى الذى، والعائد إليها محذوف، و «الرحماء» خبر «إن» والتقدير: إن الفريق الذى يرحمه الله من عباده الرحماء.
فإن قيل: يلزم من ذلك: أن تكون «ما» هنا لمن يعقل؟
فقيه جوابان. أحدهما: أن «ما» قد استعملت بمعنى «من» كقوله تعالى (٣:٤ ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً، أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)﴾ وهو كثير فى القرآن. ومنه (٥:٩١، ٦ ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها. وَالْأَرْضِ وَما طَحاها)﴾ فى أصح القولين.
وحكى أبو زيد عن العرب: سبحان ما سبّحتنّ له. وسبحان ما سخركن لنا.
والثانى: أن «ما» تقع بمعنى «الذى» بلا خلاف، و «الذى» تستعمل فيمن يعقل، وفيمن لا يعقل. وإنما يعرف ذلك بما يتصل بها، وكذلك فى «ما» لا سيما إذا اتصل بها ما يصير وصفا، وإنما تفترق «ما» و «الذى» فى أن «الذى» يوصف بلفظها، و «ما» لا يوصف بلفظها.
فإن قيل: كيف يصح هذا؟ والرحماء جمع، و «ما» بمعنى «الذى» مفردة، والمفرد لا يخبر عنه بالجمع؟.
قيل: «ما» يجوز أن يخبر عنها بلفظ المفرد تارة، وبلفظ الجمع أخرى، مثل «من» و «كل» قال تعالى (٢٥:٦ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)﴾ وقال فى آية أخرى (٤٢:١٠ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ)﴾ وكذلك قوله تعالى (١١٢:٢ ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ وقال فى «كل» (٨٧:٢٧ ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)﴾، (٩٥:١٩ ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً)﴾ فالإفراد محمول على لفظ «من» و «ما» و «كل» والجمع محمول على معانيها.
стр. 558
وأما «الذى» فقد استعملت مفردة للجنس، ورجع الضمير تارة إلى لفظها مفردا، وتارة إلى معناها مجموعا، قال تعالى (١٧:٢ ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً. فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ)﴾ فجاء بالضمير مفردا ومجموعا، وقال تعالى (٣٣:٣٩ ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)﴾ فأعاد الضمير بلفظ الجمع، فكذلك فى قوله «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» ولك على هذا الوجه أن تجعل «إن» العاملة، وأن تجعلها بمعنى «نعم» على ما سبق.
الوجه الثانى من وجوه «ما» التى يجوز معها رفع «الرحماء»: أن تكون «ما» نكرة موصوفة فى موضع: فريق أو قبيل، و «يرحم» صفة لها، و «الرحماء» الخبر، والعائد من الصفة إلى الموصوف محذوف، تقديره: إن فريقا يرحمه الله: الرحماء.
فإن قيل: كيف يصح الابتداء بالنكرة، والإخبار بالمعرفة عنها؟
قيل: النكرة هنا قد خصصت بالوصف، والرحماء لا يقصد بهم قصد قوم بأعيانهم. فكان فيه كذلك نوع إيهام. فلما قرنت النكرة هنا بالصفة من المعرفة، وقرنت المعرفة من النكرة بما فيها من إبهام: صح الإخبار بها عنها، على أن كثيرا من النكرات يجرى مجرى المعارف فى باب الأخبار إذا حصلت من ذلك فائدة، والفائدة هنا حاصلة.
الوجه الثالث: أن تكون «ما» مصدرية، وفى تصحيح الإخبار عنها بالرحماء ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يكون المصدر هنا بمعنى المفعول، تقديره: إن مرحوم الله من عباده الرحماء. ومنه (١١:٣١ ﴿هذا خَلْقُ اللهِ)﴾ أى مخلوقه. وقال أبو عليّ: لك أن تجعل «ما» من قوله ﴿(وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)﴾ مصدرية: أى كتمانكم، وكتمانكم بمعنى مكتومكم؛ لأن الكتمان لا يظهر، وإنما يظهر المكتوم.
стр. 559
الوجه الثانى: أن المضاف إلى المصدر، أو إلى الخبر: محذوف، تقديره:
إن ذوى رحمة الله من عباده الرحماء، أى المستحقون لها، أو إن رحمة الله حق الرحماء. ومثل هذين الوجهين فى قوله تعالى (١٧٧:٢ ﴿وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ)﴾ هل تقديره: ولكن ذا البر من آمن؟ ولكن البر برّ من آمن.
الوجه الثالث: أن لا تقدر حذف مضاف، غير أنك تجعل «الرحماء» هم الرحمة على المبالغة، كما قالوا: رجل عدل، ورجل زور، ورجل علم، وقوم صوّم، إذا كثر منهم ذلك. ومنه قول الخنساء:
ترتع ما رتعت، حتى إذا … أذكرت، فإنما هى إقبال وإدبار
فثبت بما ذكرناه وهو قول من زعم امتناع الرفع فى الرحماء. والله أعلم بالصواب.
٢٦١ - يحيى بن يحيى الأزجى
الفقيه، صاحب كتاب «نهاية المطلب، فى علم المذهب» وهو كتاب كبير جدا، وعبارته جزلة، حذا فيه حذو «نهاية المطلب» لإمام الحرمين الجوينى الشافعى، وأكثر استمداده من كلام ابن عقيل فى الفصول ومن المجرد، وفيه تهافت كثير، حتى فى كتاب الطهارة، وباب المياه، حتى إنه ذكر فى فروع الآجر المجبول بالنجاسة كلاما ساقطا يدل على أنه لم يتصور هذه الفروع، ولم يفهمها بالكلية. وأظن هذا الرجل كان استمداده من مجرد المطالعة، ولا يرجع إلى تحقيق.
وقد ذكر فى كتابه: أنه قرأ بنفسه على ابن كليب الحرانى، ولم أعلم له ترجمة، ولا وجدته مذكورا فى تاريخ، ويغلب على ظنى: أنه توفي بعد الستمائة بقليل.
ورأيت فى كلام ابن الوليد المحدث: أن هذا الأزجى كان من كبار أصحاب أحمد وزهادهم، ولم يزد على ذلك.
стр. 560
٢٦٢ - محمد بن عبد الله
بن الحسين السامرى، الفقيه الفرضى، أبو عبد الله ويلقب نصير الدين، ويعرف بابن سنينة - بسين مهملة مضمومة ونونين مفتوحتين بينهما ياء ساكنة - هكذا ذكره ابن نقطة. وقال: وجدته بخط شيخنا ابن الأخضر.
وقال القطيعى محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن القاسم المعروف بابن بسينة، وهو تصحيف.
ونسبه ابن النجار فقال: محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن قاسم ابن إدريس المعروف بابن سنينة.
ولد سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بسامرا.
وسمع من ابن البطى، وأبى حكيم النهروانى، وعبد اللطف بن أبى سعد ببغداد وتفقه على أبى حكيم، ولازمه مدة، وبرع فى الفقه والفرائض. وصنف فيها تصانيف مشهورة، منها: كتاب «المستوعب» فى الفقه وكتاب «الفروق» وكتاب «البستان» فى الفرائض.
وولى الفضاء بسامرا، وأعمالها مدة. ثم ولى القضاء والحسبة ببغداد، ثم عزل عن القضاء، وبقى على الحسبة. ثم عزل عنها وولى إشراف ديوان الزمام، وعزل أيضا. ولقب فى أيام ولايته «معظم الدين» وما عزل عنه ألزم بيته مدة، ثم أذن له فى العود إلى بلده، فعاد إليها، ثم رجع إلى بغداد فى آخر عمره، وبها توفى.
قال ابن النجار: كان شيخا جليلا، فاضلا نبيلا، حسن المعرفة بالمذهب والخلاف، له مصنفات فيهما حسنة، وما أظنه روى شيئا من الحديث.
وذكر ابن الساعى المؤرخ: أنه كتب عنه، وأجاز للشيخ عبد الرحيم بن الزجاج.
وتوفى ليلة الثلاثاء السابع عشرى رجب سنة ست عشرة وستمائة ببغداد، وصلّى عليه من الغد بالنظامية، وأمّ الناس فى الصلاة عليه عبد العزيز بن دلف، ودفن بمقبرة باب حرب.
стр. 561
وفى كتابيه «المستوعب» و «الفروق» فوائد جليلة، ومسائل غريبة،
ورأيت لأبى عبد الله بن الوليد المحدث رسالة إليه يعاتبه فيها على قوله: إن أحاديث الصفات لا تقبل؛ لكونها أخبار آحاد، وبسط القول فى ذلك على طريقة أهل الحديث، وملأها بالأحاديث والآثار المسندة.
٢٦٣ - عثمان بن مقبل
بن قاسم الياسرى، ثم البغدادى، الفقيه الواعظ أبو عمرو، ويلقب جمال الدين، من أهل «الياسرية» قرية من قرى بغداد، على نهر عيسى.
قدم بغداد، وسمع بها من ابن الخشاب، وشهدة، وطبقتهما، ومن دونهما، وقرأ بنفسه. وتفقه على أبى الفتح بن المنى، وتكلم فى المسائل ووعظ.
قال الناصح بن الحنبلى: سمع درس شيخنا ابن المنى سنين، وسمع الحديث الكثير، وسمعت بقراءته، ووعظ ولازم الوعظ، وتقدم فى الوعظ إلى غاية تميز بها عن نظائره فى صلاح ودين وسمت.
وذكره عبد الصمد بن أبى الجيش فى شيوخه، وقال: له تصانيف، وقد حدث، وسمع منه جماعة، وأظن ابن الصيرفى الحرانى سمع منه وتفقه عليه، فإنه يقول عنه: شيخنا. وقرأ عليه عبد الرزاق الرسعنى.
قال ابن الحنبلى: حدثنى الحافظ تقى الدين إبراهيم بن الأزهر الصريفينى قال: مات - يعنى الياسرى - يوم الخميس ضاحى نهار الحادى والعشرين من ذى الحجة سنة ست عشرة وستمائة.
قال الحافظ: وحضرت جنازته وصلّى عليه بجامع القصر فى خلق كثير، وجمّ غفير، بحيث لم أشاهد عداد جنازة أكثر خلقا منها. وامتلأ الجامع.
بحيث لا يكاد الإنسان يجد إلا موضع قدميه.
وذكر غيره: أنه دفن بباب حرب. رحمه الله تعالى.
стр. 562
٢٦٤ - محمد بن أبى المكارم
الفضل، ابن بختيار بن أبى نصر اليعقوبى، الخطيب الواعظ، أبو عبد الله. ويلقب بهاء الدين. ويعرف بالحجة.
ذكر أن مولده فى ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة بيعقوبا.
وسمع ببغداد من أبى الفتح بن شاتيل، وعبد المغيث الحربى، وابن الجوزى وطبقتهم.
وذكر أنه سمع من أبى الوقت، والشيخ عبد القادر وغيرهما. وولى الخطابة ببلدة يعقوبا. ووعظ وسكن دقوقا. وحدث بها وبأربل، وغيرهما. وحدث بأحاديث فيها وهم، فعرف الخطأ فيها فترك روايتها. ذكره المنذرى. قال: وقد تتبع عليه غير ذلك. قال: وصنف كتاب «غريب الحديث» وحدث به بأربل.
قلت: وصنف «شرح العبادات الخمس» لأبى الخطاب. وقرأه على أبى الفتح ابن المنى سنة إحدى وثمانين. وكتب له عليه «قرأه عليّ مصنفه الشيخ الأجل العالم الفقيه بهاء الدين حجة الإسلام، قراءة عالم بما فيه من غرائب الفوائد، وعجائب الفرائد» وكتب له عليه أيضا الفخر إسماعيل، وأثنى على تصنيفه كثيرا.
توفى فى جمادى الأولى - وقيل: الآخرة - سنة سبع عشرة وستمائة بدقوقا.
ودفن بها رحمه الله تعالى.
٢٦٥ - عبد الغنى بن قاسم
بن عبد الرزاق بن عياش الهناوى المقدسى الأصل، المصرى، الفقيه الزاهد، أبو القاسم. من أهل مصر.
سمع بها من البوصيرى، وأبى عبد الله الأرتاحى، وأبى الحسن بن نجا الواعظ. وزوجته فاطمة بنت سعد الخير، وعبد المجيب بن زهير الحربى، وربيعة اليمنى وجماعة.
وتفقه فى المذهب. وانقطع إلى الحافظ عبد الغنى عند قدومه مصر، ولازمه، وكتب عنه كثيرا من مصنفاته وغيرها. ذكر ذلك المنذرى، وقال: سمع معنا من جماعة من شيوخنا. وصحب جماعة من المشايخ. وكان صالحا، مقبلا على مصالح
стр. 563
نفسه، منفردا، قانعا باليسير، يظهر التجمل مع ما هو عليه من الفقر، وحدث.
وتوفى ليلة ثانى عشر صفر سنة ثمان عشرة وستمائة. ودفن من الغد بسفح جبل المقطم على شفير الخندق. رحمه الله تعالى.
٢٦٦ - محمد بن خلف
بن راجح بن بلال بن هلال بن عيسى بن موسى ابن الفتح بن زريق المقدسى، ثم الدمشقى، الفقيه المناظر، شهاب الدين أبو عبد الله.
ولد سنة خمسين وخمسمائة بجماعيل. ثم قدم دمشق، وسمع بها من أبى المكارم ابن هلال.
وقدم مصر، فسمع بالإسكندرية من السلفى.
ورحل إلى بغداد، فسمع بها من أبى محمد بن الخشاب، وأبى الحسين اليوسفى، وشهدة، وطبقتهم. وتفقه بها فى المذهب، والخلاف على ابن المنى، حتى برع.
وكان بحاثا مناظرا، مفحما للخصوم، ذا حظ من صلاح وأوراد، وسلامة صدر، أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر. وكتب بخطه كثيرا من الحديث وغيره من العلوم.
قال المنذرى: لقيته بدمشق، وسمعت منه. وكان كثير المحفوظات، متحريا فى العبادات، حسن الأخلاق.
وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: كان زاهدا عابدا ورعا، فاضلا فى فنون العلوم. وحفظ مقامات الحريرى فى خمسين ليلة، فتشوش خاطره. وكان مما يغسل باطن عينيه قد قل نظره. وكان سليم الصدر، من الأبدال، ما خالف أحدا قط. رأيته يوما - وقد خرج من جامع الجبل - فقال له إنسان: ما تروح إلى بعلبك؟ فقال: بلى، فمشى من ساعته إلى بعلبك بالقبقاب.
قال أبو شامة: كنت أراه يوم الجمعة قبل الزوال يجلس على درج المنبر
стр. 564
السفلى بجامع الجبل، وبيده كتاب من كتب الحديث، أو أخبار الصالحين يقرؤه على الناس إلى أن يؤذن المؤذن للجمعة.
وتوفى يوم الأحد سلخ صفر سنة ثمان عشرة وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
وذكر المنذرى: أنه توفى فى تاسع عشر صفر. ودفن من الغد. وذكر بعده من توفى فى سلخ الشهر.
وروى عنه ابن البخارى، ووالده أبو العباس أحمد. ويلقب بالنجم. تفقه على ابن المنى، وبرع، ثم صار شافعيا، وولى قضاء دمشق نيابة، ثم عزل. وله تصانيف.
٢٦٧ - على بن ثابت
بن طالب الطالبانى البغدادى الأزجى، الفقيه الواعظ أبو الحسن. ويلقب موفق الدين.
سمع ببغداد من صالح بن الرحلة، وشهدة. وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل. وتفقه ببغداد على أبى الفتح بن المنى. واشتغل بالموصل بالخلاف على ابن يونس الشافعى. فأقام بحران مدة عند الخطيب ابن تيمية. ثم جرى بينه وبينه نكد، فقدم دمشق ثم رجع، وأقام برأس العين من أرض الجزيرة.
ووعظ هناك، وحدث وانتفع به.
قال ابن نقطة: وسمعت منه. وسماعه صحيح. قال: وذكر لى ابن شحامة الحرانى: أنه توفى فى شعبان سنة ثمان عشرة وستمائة برأس العين رحمه الله تعالى.
قال: ونابت - يعنى أباه - أوله نون. وكذا قال المنذرى، وزاد:
«والطالبانى» بفتح الطاء المهملة، وبعد الألف لام مفتوحة، وباء موحدة، وبعد الألف الثانية نون مكسورة.
وله كلام فى بيع الفلوس النافقة بأحد النقدين: أنه يجوز النساء فيها. قال:
كما يجوز بيع غيرها من الرصاص والحديد والصفر والنحاس.
стр. 565
قال: ومنع أحمد من السلف فى الفلوس، لا يصح جملة على ما ذكره الأصحاب: أنها أثمان، لأنه يحتمل وجوها أخر، منها: أنه لم يجوز السلم فى الفلوس عددا، لاختلافها فى الخفّة والثقل. فأما وزنها فقياس المذهب صحته.
قال: ولو أراد المنع من أجل أنها أثمان لجوزه. إذا جعل رأس مال السلم فيها غير الأثمان، ويحتمل أنه منع من السلم فيها بناء على الرواية التى نقلت عنه: أنه منع من النساء فى أموال الربا، سواء اتفق الجنس أو اختلف. ثم نقل عنه جواز النساء مع اختلاف الجنس. وهو الصحيح من المذهب. ويحتمل أنه منع من السلم فيها إذا كانت نافقة، خوفا من تحريم السلطان لها قبل المحل، فيصير كما لو أسلم فى شئ يحتمل أن يوجد وأن لا يوجد، فإنه لا يصح.
قال: ولا يصح جعلها أثمانا، لأن الثمنية تختص بالذهب والفضة. وقد ذكر هذا أبو الخطاب فى هدايته. وذكر ابن عقيل فى الفصول: أن التفاضل يحرم فى بيع أحد النقدين بمثله بعلة كونه موزون جنس، فيتعدّى إلى كل موزون، ولو كان كما ذكر لما جاز إسلام النقدين فى الحديد والرصاص والنحاس. وقد زعم أنه أجاز ذلك استحسانا. وهذا لا يستقيم؛ لأنه يزعم أن الوزن ثبت كونه غلة بإيماء صاحب الشرع، وهى مقدمة على الاستحسان بإجماع الفقهاء، ثم احتج على أنها ليست ثمنا بأنها تختلف فى نفاقتها وكسادها باختلاف البلدان والأزمان، بخلاف النقدين، وبأنها لا تثبت فى الذمة مطلقة، وبأنها فى الغصب والإتلاف تقوّم بالنقدين لا بالفلوس.
ثم أرسل ابن الطالبانى هذا الكلام إلى الشيخ موفق الدين المقدسى.
فكتب عليها: هذه مسألة فروعية اجتهادية، لا حرج على المجتهد فيها إذا كان من أهل ذلك، وليس ينبغى أن ينكر على مجتهد اجتهاده، وإنما يتباحث الفقهاء، ليعرف الصواب. والذى ذكره الإمام موفق الدين - يعنى ابن الطالبانى - من