← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وفى كتابيه «المستوعب» و «الفروق» فوائد جليلة، ومسائل غريبة، ورأيت لأبى عبد الله بن الوليد المحدث رسالة إليه يعاتبه فيها على قوله: إن أحاديث الصفات لا تقبل؛ لكونها أخبار آحاد، وبسط القول فى ذلك على طريقة أهل الحديث، وملأها بالأحاديث والآثار المسندة. ٢٦٣ - عثمان بن مقبل بن قاسم الياسرى، ثم البغدادى، الفقيه الواعظ أبو عمرو، ويلقب جمال الدين، من أهل «الياسرية» قرية من قرى بغداد، على نهر عيسى. قدم بغداد، وسمع بها من ابن الخشاب، وشهدة، وطبقتهما، ومن دونهما، وقرأ بنفسه. وتفقه على أبى الفتح بن المنى، وتكلم فى المسائل ووعظ. قال الناصح بن الحنبلى: سمع درس شيخنا ابن المنى سنين، وسمع الحديث الكثير، وسمعت بقراءته، ووعظ ولازم الوعظ، وتقدم فى الوعظ إلى غاية تميز بها عن نظائره فى صلاح ودين وسمت. وذكره عبد الصمد بن أبى الجيش فى شيوخه، وقال: له تصانيف، وقد حدث، وسمع منه جماعة، وأظن ابن الصيرفى الحرانى سمع منه وتفقه عليه، فإنه يقول عنه: شيخنا. وقرأ عليه عبد الرزاق الرسعنى. قال ابن الحنبلى: حدثنى الحافظ تقى الدين إبراهيم بن الأزهر الصريفينى قال: مات - يعنى الياسرى - يوم الخميس ضاحى نهار الحادى والعشرين من ذى الحجة سنة ست عشرة وستمائة. قال الحافظ: وحضرت جنازته وصلّى عليه بجامع القصر فى خلق كثير، وجمّ غفير، بحيث لم أشاهد عداد جنازة أكثر خلقا منها. وامتلأ الجامع. بحيث لا يكاد الإنسان يجد إلا موضع قدميه. وذكر غيره: أنه دفن بباب حرب. رحمه الله تعالى.

стр. 562

٢٦٤ - محمد بن أبى المكارم الفضل، ابن بختيار بن أبى نصر اليعقوبى، الخطيب الواعظ، أبو عبد الله. ويلقب بهاء الدين. ويعرف بالحجة. ذكر أن مولده فى ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة بيعقوبا. وسمع ببغداد من أبى الفتح بن شاتيل، وعبد المغيث الحربى، وابن الجوزى وطبقتهم. وذكر أنه سمع من أبى الوقت، والشيخ عبد القادر وغيرهما. وولى الخطابة ببلدة يعقوبا. ووعظ وسكن دقوقا. وحدث بها وبأربل، وغيرهما. وحدث بأحاديث فيها وهم، فعرف الخطأ فيها فترك روايتها. ذكره المنذرى. قال: وقد تتبع عليه غير ذلك. قال: وصنف كتاب «غريب الحديث» وحدث به بأربل. قلت: وصنف «شرح العبادات الخمس» لأبى الخطاب. وقرأه على أبى الفتح ابن المنى سنة إحدى وثمانين. وكتب له عليه «قرأه عليّ مصنفه الشيخ الأجل العالم الفقيه بهاء الدين حجة الإسلام، قراءة عالم بما فيه من غرائب الفوائد، وعجائب الفرائد» وكتب له عليه أيضا الفخر إسماعيل، وأثنى على تصنيفه كثيرا. توفى فى جمادى الأولى - وقيل: الآخرة - سنة سبع عشرة وستمائة بدقوقا. ودفن بها رحمه الله تعالى. ٢٦٥ - عبد الغنى بن قاسم بن عبد الرزاق بن عياش الهناوى المقدسى الأصل، المصرى، الفقيه الزاهد، أبو القاسم. من أهل مصر. سمع بها من البوصيرى، وأبى عبد الله الأرتاحى، وأبى الحسن بن نجا الواعظ. وزوجته فاطمة بنت سعد الخير، وعبد المجيب بن زهير الحربى، وربيعة اليمنى وجماعة. وتفقه فى المذهب. وانقطع إلى الحافظ عبد الغنى عند قدومه مصر، ولازمه، وكتب عنه كثيرا من مصنفاته وغيرها. ذكر ذلك المنذرى، وقال: سمع معنا من جماعة من شيوخنا. وصحب جماعة من المشايخ. وكان صالحا، مقبلا على مصالح

стр. 563

نفسه، منفردا، قانعا باليسير، يظهر التجمل مع ما هو عليه من الفقر، وحدث. وتوفى ليلة ثانى عشر صفر سنة ثمان عشرة وستمائة. ودفن من الغد بسفح جبل المقطم على شفير الخندق. رحمه الله تعالى. ٢٦٦ - محمد بن خلف بن راجح بن بلال بن هلال بن عيسى بن موسى ابن الفتح بن زريق المقدسى، ثم الدمشقى، الفقيه المناظر، شهاب الدين أبو عبد الله. ولد سنة خمسين وخمسمائة بجماعيل. ثم قدم دمشق، وسمع بها من أبى المكارم ابن هلال. وقدم مصر، فسمع بالإسكندرية من السلفى. ورحل إلى بغداد، فسمع بها من أبى محمد بن الخشاب، وأبى الحسين اليوسفى، وشهدة، وطبقتهم. وتفقه بها فى المذهب، والخلاف على ابن المنى، حتى برع. وكان بحاثا مناظرا، مفحما للخصوم، ذا حظ من صلاح وأوراد، وسلامة صدر، أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر. وكتب بخطه كثيرا من الحديث وغيره من العلوم. قال المنذرى: لقيته بدمشق، وسمعت منه. وكان كثير المحفوظات، متحريا فى العبادات، حسن الأخلاق. وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: كان زاهدا عابدا ورعا، فاضلا فى فنون العلوم. وحفظ مقامات الحريرى فى خمسين ليلة، فتشوش خاطره. وكان مما يغسل باطن عينيه قد قل نظره. وكان سليم الصدر، من الأبدال، ما خالف أحدا قط. رأيته يوما - وقد خرج من جامع الجبل - فقال له إنسان: ما تروح إلى بعلبك؟ فقال: بلى، فمشى من ساعته إلى بعلبك بالقبقاب. قال أبو شامة: كنت أراه يوم الجمعة قبل الزوال يجلس على درج المنبر

стр. 564

السفلى بجامع الجبل، وبيده كتاب من كتب الحديث، أو أخبار الصالحين يقرؤه على الناس إلى أن يؤذن المؤذن للجمعة. وتوفى يوم الأحد سلخ صفر سنة ثمان عشرة وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى. وذكر المنذرى: أنه توفى فى تاسع عشر صفر. ودفن من الغد. وذكر بعده من توفى فى سلخ الشهر. وروى عنه ابن البخارى، ووالده أبو العباس أحمد. ويلقب بالنجم. تفقه على ابن المنى، وبرع، ثم صار شافعيا، وولى قضاء دمشق نيابة، ثم عزل. وله تصانيف. ٢٦٧ - على بن ثابت بن طالب الطالبانى البغدادى الأزجى، الفقيه الواعظ أبو الحسن. ويلقب موفق الدين. سمع ببغداد من صالح بن الرحلة، وشهدة. وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل. وتفقه ببغداد على أبى الفتح بن المنى. واشتغل بالموصل بالخلاف على ابن يونس الشافعى. فأقام بحران مدة عند الخطيب ابن تيمية. ثم جرى بينه وبينه نكد، فقدم دمشق ثم رجع، وأقام برأس العين من أرض الجزيرة. ووعظ هناك، وحدث وانتفع به. قال ابن نقطة: وسمعت منه. وسماعه صحيح. قال: وذكر لى ابن شحامة الحرانى: أنه توفى فى شعبان سنة ثمان عشرة وستمائة برأس العين رحمه الله تعالى. قال: ونابت - يعنى أباه - أوله نون. وكذا قال المنذرى، وزاد: «والطالبانى» بفتح الطاء المهملة، وبعد الألف لام مفتوحة، وباء موحدة، وبعد الألف الثانية نون مكسورة. وله كلام فى بيع الفلوس النافقة بأحد النقدين: أنه يجوز النساء فيها. قال: كما يجوز بيع غيرها من الرصاص والحديد والصفر والنحاس.

стр. 565

قال: ومنع أحمد من السلف فى الفلوس، لا يصح جملة على ما ذكره الأصحاب: أنها أثمان، لأنه يحتمل وجوها أخر، منها: أنه لم يجوز السلم فى الفلوس عددا، لاختلافها فى الخفّة والثقل. فأما وزنها فقياس المذهب صحته. قال: ولو أراد المنع من أجل أنها أثمان لجوزه. إذا جعل رأس مال السلم فيها غير الأثمان، ويحتمل أنه منع من السلم فيها بناء على الرواية التى نقلت عنه: أنه منع من النساء فى أموال الربا، سواء اتفق الجنس أو اختلف. ثم نقل عنه جواز النساء مع اختلاف الجنس. وهو الصحيح من المذهب. ويحتمل أنه منع من السلم فيها إذا كانت نافقة، خوفا من تحريم السلطان لها قبل المحل، فيصير كما لو أسلم فى شئ يحتمل أن يوجد وأن لا يوجد، فإنه لا يصح. قال: ولا يصح جعلها أثمانا، لأن الثمنية تختص بالذهب والفضة. وقد ذكر هذا أبو الخطاب فى هدايته. وذكر ابن عقيل فى الفصول: أن التفاضل يحرم فى بيع أحد النقدين بمثله بعلة كونه موزون جنس، فيتعدّى إلى كل موزون، ولو كان كما ذكر لما جاز إسلام النقدين فى الحديد والرصاص والنحاس. وقد زعم أنه أجاز ذلك استحسانا. وهذا لا يستقيم؛ لأنه يزعم أن الوزن ثبت كونه غلة بإيماء صاحب الشرع، وهى مقدمة على الاستحسان بإجماع الفقهاء، ثم احتج على أنها ليست ثمنا بأنها تختلف فى نفاقتها وكسادها باختلاف البلدان والأزمان، بخلاف النقدين، وبأنها لا تثبت فى الذمة مطلقة، وبأنها فى الغصب والإتلاف تقوّم بالنقدين لا بالفلوس. ثم أرسل ابن الطالبانى هذا الكلام إلى الشيخ موفق الدين المقدسى. فكتب عليها: هذه مسألة فروعية اجتهادية، لا حرج على المجتهد فيها إذا كان من أهل ذلك، وليس ينبغى أن ينكر على مجتهد اجتهاده، وإنما يتباحث الفقهاء، ليعرف الصواب. والذى ذكره الإمام موفق الدين - يعنى ابن الطالبانى - من

стр. 566

كون الفلوس ليست ثمنا أصليا: صحيح لما بينه. ولأنها لا تكون رأس مال فى الشركة والمضاربة. وأما منع الإمام أحمد رضى الله عنه من السلم فيها: فإن الذى ذكره الموفق فيها محتمل، لولا أن الإمام أن أحمد قد علل ذلك بأنه يشبه الصرف. وهذا يحتمل أن يكون منه على سبيل الورع، لشبه الفلوس بالأثمان فى المعاملة بها، وجريانها مجرى الدراهم والدنانير، وأما أنا: فإننى متوقف عن الفتيا فى هذه المسألة، ولست منكرا على من وافق فيها، ولا على من خالف من عمل بفتياء. قلت: أما كون الفلوس أثمانا عند نفاقها: فهو قول كثير من الأصحاب. وقد صرح به أبو الخطاب فى خلافه الصغير وغيره. ومنهم من جعلها أثمانا بكل حال، كصاحب «المبهج» وخالف فى ذلك ابن عقيل فى باب الشركة من فصوله، ونصر أنها عروض بكل حال، كما رجحه ابن الطالبانى. وأما ما نقله ابن الطالبانى عن أبى الخطاب فى هدايته - أنه ذكر أن الأثمان هى الذهب والفضة خاصة - فهذا ذكره تفريعا على الرواية الثانية والثالثة فى علة ربا الفضل. وأما على المذهب المشهور: فإنه صرح بأن النقدين من جملة الموزونات، والعلة فيها الوزن، كما صرح بذلك غيره من الأصحاب. بل كلام أبى الخطاب فى خلافه الصغير يقتضى أن العلة فى النقدين الوزن بغير خلاف، وأن الخلاف إنما هو فى علة الأصناف الأربعة البواقى، وهكذا قال القاضى فى خلافه الكبير، وابنه أبو الحسين. وقد قال أحمد فى رواية ابن القاسم وسندى الخواتيمى «رطل حديد برطلين حديد لا يجوز، قياسا على الذهب والفضة» فنص على أن علتهما الوزن وبالجملة: فالمذهب المشهور: أن علة ربا الفضل فى النقدين الوزن، وعلة الربا فى الأربعة البواقى الكيل، كما قاله ابن عقيل، ولم ينفرد ابن عقيل بهذا كما ذكر، بل كل الأصحاب يوافقونه على هذا النقل، وإن كان من متأخريهم من رجح أن علة الذهب والفضة كونهما نقودا، أو كونهما جوهرى الأثمان.

стр. 567

ولهذا قالوا فى ربا النساء: إنه يحرم فى كل مكيل بيع بمكيل، أو موزون بيع بموزون، وإن اختلف الجنسان. واستثنوا من ذلك بيع العروض الموزونة بالنقدين وقد نقل ابن منصور فى مسائله عن الثورى وأحمد وإسحاق جواز السلف فى الفلوس. فإنه قال: قلت لأحمد: قال - يعنى سفيان - السلف فى الفلوس لا يرون به بأسا، يقولون: يجوز برءوسها. قال - يعنى أحمد -: إن تجنبه رجل أرجو أن لا يكون به بأس. وإن اجترأ عليه رجل أرجو أن لا يكون به بأس. قال سعيد بن المسيب: لا ربا إلا فى ذهب أو فضة، أو ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب. قال إسحاق - يعنى ابن راهويه - لا بأس بالفلس بالفلس، يدا بيد، ولا بأس بالسلم فى الفلوس، إذا كان يمكنه ذهبا أو فضة، رآه قوم كالصرف وليس ببين. ٢٦٨ - عبد الرحيم بن النفيس بن هبة الله بن وهبان بن رومى بن سلمان بن محمد بن سلمان بن صالح بن محمد بن وهبان، السلمى، الحديثى، ثم البغدادى، أبو نصر بن أبى جعفر، الفقيه المحدث ولد فى عاشر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة ببغداد وقرأ القرآن. وسمع الكثير من أبى الفتح بن شاتيل، وأبى السعادات القزاز، وخلق. وطلب بنفسه، وأمعن وبالغ، وارتحل فى الطلب إلى الشام والجزيرة، وديار مصر، والعراق، وخراسان، وما وراء النهر، وخوارزم وسمع بواسط من ابن المنداوى، وبأربل من ابن طبرزد، وبنيسابور من المؤيد، وبهراة من أبى روح، وبماوراء النهر من طائفة، وبإصبهان من أصحاب زاهر وغيره، وبدمشق من الكندى، وابن الحرستانى وجماعة، وبمصر من جماعة. ولقى بالاسكندرية ابن المفضل.

стр. 568

وكتب بخطه الكثير. وتفقه فى المذهب، وتكلم فى مسائل الخلاف، وحصل من الأدب طرفا صالحا. وحدث ببغداد ودمشق وغيرهما. قال ابن النجار: كان مليح الخط، صحيح النقل والضبط، فاضلا حافظا متقنا، ثقة صدوقا. له النظم والنثر الجيد. وكان من أكمل الناس ظرفا ولطفا، وحسن خلق، وطيب عشرة وتواضع، مع كمال مروءة، ومسارعة إلى قضاء حوائج الإخوان. قال: وعلقت عنه ببغداد ومرو شيئا كثيرا من شعره، وشعر غيره، فمنه: سلوا فؤادى: هل صفا … شربه مذ نأيتم عنه أوراقا؟ وهل يسليه إذا غبتم … إن أودع التسليم أو رافا؟ ومنه قوله: وافت صحيفة أفضال مضمنة … من التشوق أصنافا وأوصافا تطولا من خليل لا أرى بدلا … منه على حالتيه: صدّ أو صافى وقال المنذرى: علقت عنه بمصر فوائد، وسمعت شيئا من شعره. وكان حادّ الخاطر، جيد القريحة، فقيها متأدبا شاعرا. قتل شهيدا سنة ثمان عشرة وستمائة فى فتنة التتار الكفار بخراسان. رحمه الله تعالى قرئ على أبى الفتح الميدومى - بمصر، وأنا أسمع - أخبركم أبو الفرج الحرانى - سماعا - قال: أنشدنا رفيقنا أبو نصر عبد الرحيم بن شيخنا أبى جعفر النفيس ابن هبة الله بن وهبان الحديثى لنفسه: تبلى يدى بعد ما خطّت أناملها … كأنها لم يكن طوعا لها القلم يا نفس ويحك نوحى حسرة وأسى … على زمانك إذ وجداننا عدم واستدركى فارط الزلات واغتنمى … شرخ الشبيبة، فالأوقات تغتنم وقدمى صالحا تزكو عواقبه … يوم الحساب إذا ما أفلس الأمم

стр. 569

«والحديثى» نسبة إلى «الحديثة» مدينة على شاطئ الفرات ٢٦٩ - نصر بن محمد بن على بن أبى الفرج أحمد بن الحصرى الهمدانى البغدادى، المقرئ المحدث، الحافظ الزاهد الأديب، أبو الفتوح بن أبى الفرج. ويلقب برهان الدين. نزيل مكة، وإمام حطيم الحنابلة بها. ولد فى شهر رمضان سنة ست وثلاثين وخمسمائة. وقرأ القرآن بالروايات على أبى بكر بن الزاغونى، وأبى الكرم الشهرزورى ومسعود بن الحصين، وأبى المعالى بن السمين، وسعد الله بن الدجاجى، وجماعة غيرهم. وسمع الحديث لكثير من أبى الوقت، والنقيب أبى طالب محمد بن أبى زيد الحسينى، وهبة الله بن الشبلى، وأبى المظفر بن التريكى، وابن المادح، والشيخ عبد القادر، والمبارك بن خضير، وأحمد بن المقرب، وابن البطى، وأبى زرعة، ويحيى بن ثابت بن بندار، وأبى بكر بن النقور، وابن الخشاب، وعبد الحق اليوسفى، وشهدة، وخلق كثير من البغداديين، والغرباء. وعنى بهذا الشأن. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير، ولم يزل يقرأ ويسمع، ويفيد إلى أن علت سنه، واشتغل بالأدب، وحصل طرفا صالحا منه، ثم خرج من بغداد إلى مكة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، فاستوطنها، وأمّ بها بالحنابلة، وكان شيخا صالحا متعبدا وقال ابن الدبيثى: كان ذا معرفة بهذا الشأن - يعنى الحديث - ونعم الشيخ كان، عبادة وثقة وقال ابن نقطة: كان حافظا ثقة. وقال ابن النجار: كان حافظا حجة نبيلا، جم الفضائل، كثير المحفوظ من أعلام الدين، وأئمة المسلمين، كثير العبادة، والتهجد والصيام. وقال ابن مسدى: كان أحد الأئمة الأثبات، مشارا إليه بالحفظ.

стр. 570

وقال أبو المظفر السبط: سمعت منه بمكة. وكان متعبدا لا يفتر من الطواف، صالحا ثقة. وقال أبو الفرج بن الحنبلى: سمعت عليه جزءا فى المسجد الحرام. وكان إماما فى علوم القرآن، ومحدثا حافظا وعابدا. قال لى الملك المحسن أحمد بن الملك الناصر صلاح الدين: ما رأيت أعبد من البرهان بن الحصرى كان يعتمر فى رمضان ثلاث عمر فى نهاره وثلاث عمر فى ليله. وقال لى شيخنا طلحة العلثى - ببغداد سنة أربع، أو خمس، وسبعين - ما فى بغداد مثل البرهان بن الحصرى فى علم القراءات، ما تقدر تقرأ عليه سورة كاملة من شدة تحريره. حدث أبو الفتوح بن الحصرى بالكثير ببغداد، ومكة. وسمع منه خلق كثير من الأئمة والحفاظ، وغيرهم. روى عنه ابن الدبيثى، وابن نقطة، وابن النجار، والضياء، والبرزالى، وابن خليل، والسيف الباخرزى، والتاج ابن القسطلانى، ومقداد القيسى. وهو خاتمة أصحابه سمع منه كثيرا بمكة. من ذلك: سنن أبى داود بسماعه من أبى طالب ابن أبى زيد العلوى نقيب البصرة، بسماعه من أبى على التسترى. والذى ذكره عمر القرشى وغيره: أنه لم يوجد للعلوى سماع من السنن إلا الجزء الأول. وذكر غيره: أن العلوى طولب بأصل سماعه ببغداد، فانحدر إلى البصرة، واجتهد، فلم يجد سماعه إلا فى الجزء الأول. ذكره ابن نقطة. قال: وذكر شيخنا أبو الفتوح بن الحصرى: أن سماعه ظهر، قال: ولا أعلم أحدا قال ذلك غيره. قلت: الحافظ أبو الفتوح ثقة، لا مغمز فيه، والعلوى غير متهم. وقد ادعى سماع الكتاب، ولكن لم يظهر له فى ذلك الوقت إلا سماع الجزء الأول. فاحتاطوا وقرءوا عليه الباقى بالإجازة، إن لم يكن سماعا. فلا يبعد ظهور سماعه

стр. 571

للباقى بعد ذلك، كما جرى فى سنن ابن ماجة. ويصير السماع متصلا، لا إجازة فيه على الصحيح، بل الجمهور على جواز القراءة للكتاب كله بالسماع بمجرد قول الشيخ الثقة. وقد تقدم ذكر هذه المسألة، وفتاوى العلماء فيها. والله أعلم. قال الحافظ الضياء: توفى شيخنا الحافظ الإمام، إمام الحرم، أبو الفتوح بالمهجم فى المحرم سنة تسع عشرة وستمائة. وذكر ابن مسدى: أنه قصد اليمن فأدركه أجله بالمهجم فى ربيع الآخر من السنة. وكذا ذكر ابن نقطة أنه بلغه. وقال ابن الحنبلى: مات بالمهجم من أرض اليمن فى شهر ربيع الآخر وقيل: فى ذى القعدة سنة ثمان عشرة. وهذا القول الثانى نقله غير واحد أيضا. وكان خروجه إلى اليمن بأهله لقحط وقع بمكة. وكان ذا عائلة، فنزح بهم إلى اليمن فى البحر سنة ثمان عشرة. وقيل: إنه سكن المهجم إلى حين وفاته. رضى الله عنه. ٢٧٠ - عبد الكريم بن نجم بن عبد الوهاب ابن عبد الواحد الشيرازى الدمشقى، ابن الحنبلى الفقيه، أبو الفضائل ابن أبى العلاء بن شرف الإسلام. ويلقب شهاب الدين. أخو ناصح الدين عبد الرحمن الآتى ذكره إن شاء الله تعالى. وهو أصغر من الناصح بتسع سنين. سمع ببغداد من نصر الله القزاز. وأجاز له الحافظ أبو موسى المدينى، وأبو العباس الترك، وعبد الحق بن عبد الخالق. وتفقه وبرع، وأفتى وناظر، ودرس بمدرسة جده بدمشق. قال أبو شامة: هو أخو البهاء والناصح. وهو أصغرهم. وكان أبرعهم فى الفقه والمناظرة والمحاكمات، بصيرا بما يجرى عند القضاة فى الدعاوى والبينات. وقال ابن الساعى فى تاريخه: كان فقيها فاضلا خيرا، عارفا بالمذهب والخلاف. وقال غيره: وكان ذا قوة وشهامة، وانتزع مسجد الوزير من يد العالم السخاوى، وبقى للحنابلة إلى الآن.

стр. 572

قال المنذرى: حدث، ولقيته بدمشق فى الدفعة الأولى، ولم يتفق لى السماع منه. ولنا منه إجازة. توفى فى سابع ربيع الأول سنة تسع عشرة وستمائة. ودفن من الغد بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى. ٢٧١ - عبد الحميد بن مرى بن ماضى بن نامى، المقدسى الفقيه، أبو أحمد نزيل بغداد. سمع الكثير من ابن كليب وطبقته. وحدث عنه بنسخة ابن عرفة، سمعها منه الحافظ الضياء. وتفقه فى المذهب. وكان حسن الأخلاق صالحا خيرا، متوددا. توفى فى ليلة الثلاثاء ثالث جمادى الأولى سنة عشرين وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب. قال ابن النجار: وأظنه جاوز الخمسين بيسير، رحمه الله تعالى. ٢٧٢ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسى، ثم الدمشقى، الصالحى الفقيه، الزاهد الإمام، شيخ الإسلام، وأحد الأعلام، موفق الدين أبو محمد، أخو الشيخ أبى عمر المتقدم ذكره. ولد فى شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بجماعيل، ووهم الدبيثى فى ذكر مولده. وقدم دمشق مع أهله وله عشر سنين، فقرأ القرآن، وحفظ مختصر الخرقى، واشتغل، وسمع من والده، وأبى المكارم بن هلال، وأبى المعالى بن صابر وغيرهم. ورحل إلى بغداد هو وابن خالته الحافظ عبد الغنى سنة إحدى وستين، وسمعا الكثير من هبة الله الدقاق، وابن البطى، وسعد الله الدجاجى، والشيخ عبد القادر، وابن تاج الفراء، وابن شافع، وأبى زرعة، ويحيي بن ثابت، والمبارك ابن خضير، وأبى بكر بن النقور، وشهد، وخلق كثيرة، وسمع بمكة من المبارك ابن الطباخ، وبالموصل من خطيبها أبى الفضل. وأقام عند الشيخ عبد القادر بمدرسته مدة يسيرة، فقرأ عليه من الخرقى،

стр. 573

وأقام عند الشيخ عبد القادر بمدرسته مدة يسيرة، فقرأ عليه من الخرقى، ثم توفى الشيخ، فلازم أبا الفتح بن المنى. وقرأ عليه المذهب، والخلاف والأصول حتى برع، وأقام ببغداد نحوا من أربع سنين. هكذا ذكره الضياء، عن أمه، وهى أخت الشيخ، ثم رجع إلى دمشق، ثم عاد إلى بغداد سنة سبع وستين. كذا قال سبط ابن الجوزى. وذكر الناصح ابن الحنبلى: أنه حج سنة أربع وسبعين، ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها سنة، فسمع درس ابن المني، قال: وكنت أنا قد دخلت بغداد سنة اثنتين وسبعين، واشتغلنا جميعا على الشيخ أبى الفتح بن المنى، ثم رجع إلى دمشق، واشتغل بتصنيف كتاب «المغنى» فى شرح الخرقى، فبلغ الأمل فى إتمامه، وهو كتاب بليغ فى المذهب، عشر مجلدات، تعب عليه، وأجاد فيه وجمل به المذهب. وقرأه عليه جماعة، وانتفع بعلمه طائفة كثيرة، قال: ومشى على سمت أبيه وأخيه فى الخير والعبادة، وغلب عليه الاشتغال بالفقه والعلم. وقال سبط ابن الجوزى: كان إماما فى فنون، ولم يكن فى زمانه - بعد أخيه أبى عمر والعماد - أزهد ولا أورع منه، وكان كثير الحياء، عزوفا عن الدنيا وأهلها هينا لينا متواضعا، محبا للمساكين حسن الأخلاق، جوادا سخيا. من رآه كأنه رأى بعض الصحابة. وكأنما النور يخرج من وجهه، كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سبعا من القرآن، ولا يصلى ركعتى السنة فى الغالب إلا فى بيته، اتباعا للسنة، وكان يحضر مجالسى دائما فى جامع دمشق وقاسيون. وقال أيضا: شاهدت من الشيخ أبى عمر، وأخيه الموفق، ونسيبه العماد: ما نرويه عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنسانى حالهم أهلى وأوطانى، ثم عدت إليهم على نية الإقامة، عسى أن أكون معهم فى دار المقامة. وقال ابن النجار: كان الشيخ موفق الدين إمام الحنابلة بالجامع. وكان

стр. 574

ثقة حجة نبيلا، غزير الفضل، كامل العقل، شديد التثبت، دائم السكوت، حسن السمت، نزها ورعا عابدا على قانون السلف، على وجهه النور، وعليه الوقار والهيبة، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه، صنف التصانيف المليحة فى المذهب والخلاف، وقصده التلامذة والأصحاب، وسار اسمه فى البلاد، واشتهر ذكره. وكان حسن المعرفة بالحديث، وله يد فى علم العربية. وقال عمر بن الحاجب الحافظ فى معجمه: هو إمام الأئمة، ومفتى الأمة. خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل. طنت فى ذكره (١) الأمصار، وضنت بمثله الأعصار. قد أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية. فأما الحديث: فهو سابق فرسانه. وأما الفقه: فهو فارس ميدانه، أعرف الناس بالفتيا. وله المؤلفات الغزيرة. وما أظن الزمان يسمح بمثله، متواضع عند الخاصة والعامة، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلم ووقار. وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والمحدثين وأهل الخير. وصار فى آخر عمره يقصده كل أحد. وكان كثير العبادة دائم التهجد، لم ير مثله، ولم ير مثل نفسه. وقال أبو شامة: كان شيخ الحنابلة موفق الدين إماما من أئمة المسلمين، وعلما من أعلام الدين فى العلم والعمل. صنف كتبا حسانا فى الفقه وغيره، عارفا بمعانى الأخبار والآثار. سمعت عليه أشياء. وكان بعد موت أخيه أبى عمر هو الذى يؤم بالجامع المظفرى، ويخطب يوم الجمعة إذا حضر. فإن لم يحضر فعبد الله بن أبى عمر هو الخطيب والإمام. وأما بمحراب الحنابلة بجامع دمشق فيصلى فيه الموفق إذا كان حاضرا فى البلد، وإذا مضى إلى الجبل صلّى العماد أخو عبد الغنى، وبعد موت العماد: كان يصلى فيه أبو سليمان بن الحافظ عبد الغنى، ما لم يحضر الموفق وكان بين العشائين يتنفل حذاء المحراب. وجاءه مرة الملك العزيز بن العادل يزوره، فصادفه يصلى، فجلس بالقرب منه إلى أن فرغ من صلاته. ثم اجتمع

стр. 575

به ولم يتجوز فى صلاته. وكان إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة يمضى إلى بيته بالرصيف، ومعه من فقراء الحلقة من قدره الله تعالى. فيقدم لهم ما تيسر يأكلونه معه. ومن أظرف ما حكى عنه: أنه كان يجعل فى عمامته ورقة مصرورة فيها رمل يرمل به ما يكتبه للناس من الفتاوى والإجازات وغيرها. فاتفق ليلة خطفت عمامته، فقال لخاطفها: يا أخى خذ من العمامة الورقة المصرورة بما فيها ورد العمامة أغطى بها رأسى وأنت فى أوسع الحل مما فى الورقة. فظن الخاطف أنها فضة ورآها ثقيلة، فأخذها ورد العمامة. وكانت صغيرة عتيقة. فرأى أخذ الورقة خيرا منها بدرجات. فخلص الشيخ عمامته بهذا الوجه اللطيف. وبلغنى من غير وجه عن الإمام أبى العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: ما دخل الشام - بعد الأوزاعى - أفقه من الشيخ الموفق. وقد أفرد الحافظ الضياء، سيرة الشيخ فى جزءين. وكذلك أفردها الحافظ الذهبى. قال الضياء: كان ﵀ إماما فى القرآن وتفسيره، إماما فى علم الحديث ومشكلاته، إماما فى الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إماما فى علم الخلاف، أوحد زمانه فى الفرائض، إماما فى أصول الفقه، إماما فى النحو، إماما فى الحساب، إماما فى النجوم السيارة والمنازل. قال: ولما قدم بغداد قال له الشيخ أبو الفتح بن المنى: اسكن هنا؛ فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد ولا تخلف فيها مثلك. وكان شيخنا العماد يعظم الشيخ الموفق تعظيما كثيرا، ويدعو له، ويقعد بين يديه، كما يقعد المتعلم من العالم. وسمعت الإمام المفتى شيخنا أبا بكر محمد بن معالى بن غنيمة ببغداد يقول: ما أعرف أحدا فى زمانى أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق.

стр. 576

وسمعت أبا عمرو بن الصلاح المفتى يقول: ما رأيت مثل الشيخ الموفق. وقال الشيخ عبد الله اليونينى: ما أعتقد أن شخصا ممن رأيته حصل له من الكمال فى العلوم والصفات الحميدة التى يحصل بها الكمال سواه. فإنه ﵀ كان كاملا فى صورته ومعناه من الحسن والإحسان، والحلم والسؤدد والعلوم المختلفة، والأخلاق الجميلة، والأمور التى ما رأيتها كملت فى غيره. وقد رأيت من كرم أحلاقه، وحسن عشرته، ووفور حلمه، وكثرة علمه وغزير فطنته، وكمال مروءته، وكثرة حيائه، ودوام بشره، وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها، والمناصب وأربابها: ما قد عجز عنه كبار الأولياء. فإن رسول الله ﷺ قال «ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره» فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل من الكرامات، وأفضل الذكر ما يتعدى نفعه إلى العباد، وهو تعليم العلم والسنة، وأعظم من ذلك وأحسن: ما كان جبلّة وطبعا، كالحلم والكرم والعقل والحياء، وكان الله قد جبله على خلق شريف، وأفرغ عليه المكارم إفراغا، وأسبغ عليه النعم، ولطف به فى كل حال. قال: وكان لا يناظر أحدا إلا وهو يتبسم، حتى قال بعض الناس: هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه. قال: وأقام مدة يعمل حلقة يوم الجمعة بجامع دمشق، يناظر فيها بعد الصلاة. ثم ترك ذلك فى آخر عمره. وكان يشتغل عليه الناس من بكرة إلى ارتفاع النهار. ثم يقرأ عليه بعد الظهر، إما من الحديث أو من تصانيفه إلى المغرب. وربما قرأ عليه بعد المغرب وهو يتعشى. وكان لا يرى لأحد ضجرا. وربما تضرر فى نفسه ولا يقول لأحد شيئا. ذكر شئ من كراماته قال سبط ابن الجوزى: حكى أبو عبد الله بن فضل الاعتاكى قال: قلت فى نفسى: لو كان لى قدرة لبنيت للموفق مدرسة، وأعطيته كل يوم ألف درهم.

стр. 577

قال: فجئت بعد أيام، فسلمت عليه، فنظر إلىّ وتبسم، وقال: إذا نوى الشخص نية كتب له أجرها. وحكى أبو الحسن بن حمدان الجرائحى قال: كنت أبغض الحنابلة، لما شنع عليهم من سوء الاعتقاد. فمرضت مرضا شنج أعضائى، وأقمت سبعة عشر يوما لا أتحرك، وتمنيت الموت. فلما كان وقت العشاء جاءنى الموفق، وقرأ علي آيات وقال (وننزل من القرآن ما هو شفاء للناس ورحمة للمؤمنين) ومسح على ظهرى فأحسست بالعافية، وقام. فقلت: يا جارية، افتحى له الباب. فقال: أنا أروح من حيث جئت. وغاب عن عينى، فقمت من ساعتى إلى بيت الوضوء. فلما أصبحت دخلت الجامع، فصليت الفجر خلف الموفق، وصافحته، فعصر يدى وقال: احذر أن تقول شيئا. فقلت: أقول وأقول. وقال قوام جامع دمشق: كان ليلة يبيت فى الجامع، فتفتح له الأبواب فيخرج ويعود، فتغلق على حالها. وحدث العفيف كتائب بن أحمد بن مهدى البانياسى - بعد موت الشيخ الموفق بأيام - قال: رأيت الشيخ الموفق على حافة النهر يتوضأ. فلما توضأ أخذ قبقابه ومشى على الماء إلى الجانب الآخر، ثم لبس القبقاب - وصعد إلى المدرسة - يعنى مدرسة أخيه أبي عمر - ثم حلف كتائب بالله لقد رأيته، ومالى فى الكذب حاجة، وكتمت ذلك فى حياته. فقيل له: هل رآك؟ قال: لا. ولم يكن ثم أحد، وذلك وقت الظهر. فقيل له: هل كانت رجلاه تغوص فى الماء؟ قال: لا، إلا كأنه يمشى على وطاء ﵀. وقرأت بخط الحافظ الذهبى: سمعت رفيقنا أبا طاهر أحمد الدريبى سمعت الشيخ إبراهيم بن أحمد بن حاتم - وزرت معه قبر الشيخ الموفق - فقال: سمعت الفقيه محمد اليونينى شيخنا يقول: رأيت الشيخ الموفق يمشى على الماء (١).

стр. 578

ذكر تصانيفه صنف الشيخ الموفق ﵀ التصانيف الكثيرة الحسنة فى المذهب، فروعا وأصولا. وفى الحديث، واللغة، والزهد، والرقائق. وتصانيفه فى أصول الدين فى غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار، وبالأسانيد، كما هى طريقة الإمام أحمد وأئمة الحديث. ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين فى دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليهم. وهذه طريقة أحمد والمتقدمين. وكان كثير المتابعة للمنقول فى باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء فى الكتاب والسنة من الصفات، من غير تفسير ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل. فمن تصانيفه فى أصول الدين «البرهان فى مسألة القرآن» جزء «جواب مسألة وردت من صرخد فى القرآن» جزء «الاعتقاد» جزء «مسألة العلو» جزآن «ذم التأويل» جزء «كتاب القدر» جزآن «فضائل الصحابة» جزآن. وأظنه «منهاج القاصدين فى فضل الخلفاء الراشدين»، «رسالة» إلى الشيخ فخر الدين بن تيمية فى تخليد أهل البدع فى النار «مسألة» فى تحريم النظر فى كتب أهل الكلام. ومن تصانيفه فى الحديث «مختصر العلل» للخلال، مجلد ضخم «مشيخة شيوخه» جزء. وأجزاء كثيرة خرجها. ومن تصانيفه فى الفقه «المغنى فى الفقه» عشر مجلدات «الكافى فى الفقه» أربع مجلدات «المقنع فى الفقه» مجلد «مختصر الهداية» مجلد «العمدة» مجلد صغير «مناسك الحج» جزء «ذم الوسواس» جزء. وفتاوى ومسائل منثورة، ورسائل شتى كثيرة. ومن تصانيفه فى أصول الفقه «الروضة» مجلد.

стр. 579

وله فى اللغة والأنساب ونحو ذلك «قنعة الأريب فى الغريب» مجلد صغير «التبيين فى نسب القرشيين» مجلد «الاستبصار فى نسب الأنصار» مجلد. وله فى الفضائل والزهد والرقائق ونحو ذلك «كتاب التوابين» جزآن «كتاب المتحابين فى الله» جزآن «كتاب الرقة والبكا» جزآن «فضائل عاشوراء» جزء «فضائل العشر» جزء. وانتفع بتصانيفه المسلمون عموما، وأهل المذهب خصوصا. وانتشرت واشتهرت بحسن قصده وإخلاصه فى تصنيفها. ولا سيما كتاب «المغنى» فإنه عظم النفع به، وأكثر الثناء عليه. قال الحافظ الضياء: رأيت الإمام أحمد بن حنبل فى النوم وألقى عليّ مسألة فى الفقه. فقلت: هذه فى الخرقى. فقال: ما قصر صاحبكم الموفق فى شرح الخرقى. وقرأت بخط الحافظ الدبيثى قال: سمعت الشيخ علاء الدين المقدسى - قلت وقد أجاز لى المقدسى هذا - قال: سمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية - قال الذهبى: وأظنى سمعت من شيخنا ابن تيمية - يقول: قال لى الشيخ تاج الدين عبد الرحمن ابن إبراهيم القزازى: كان الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام شيخنا يرسلنى أستعير له المحلى والمجلّي من ابن عربى، وقال: قال الشيخ عزّ الدين: ما رأيت فى كتب الاسلام فى العلم مثل المحلى والمجلى، وكتاب المغنى للشيخ موفق الدين بن قدامة فى جودتهما وتحقيق ما فيها. ونقل عن ابن عبد السلام أيضا أنه قال: لم تطب نفسى بالفتيا حتى صار عندى نسخة المغنى. وقد سبق قول الناصح بن الحنبلى فى مدح المغنى، مع أنه قد كان يسامى الشيخ فى زمانه. وللشيخ يحيى الصرصرى فى مدح الشيخ وكتبه، فى جملة القصيدة الطويلة اللامية:

стр. 580

وفى عصرنا كان الموفق حجة … على فقهه، يثبت الأصول محولى كفى الخلق بالكافى، وأقنع طالبا … بمقنع فقه عن كتاب مطول وأغنى بمغنى الفقه من كان باحثا … وعمدته من يعتمدها يحصل وروضته ذات الأصول كروضة … أماست بها الأزهار أنفاس شمأل ندل على المنطوق أوفى دلالة … وتحمل فى المفهوم أحسن محمل وللشيخ موفق الدين نظم كثير حسن. وقيل: إن له قصيدة فى عويص اللغة طويلة. وله مقطعات من الشعر. فمنها قوله: أتغفل يا ابن أحمد والمنايا … شوارع تختر منك عن قريب أغرك أن تخطيك الرزايا … فكم للموت من سهم مصيب؟ كئوس الموت دائرة علينا … وما للمرء بد من نصيب إلى كم تجعل التسويف دأبا … أما يكفيك إنذار المشيب؟ أما يكفيك أنك كل حين … تمرّ بغير خلّ أو حبيب؟ كأنك قد لحقت بهم قريبا … ولا يغنيك إفراط النحيب قال سبط ابن الجوزى: وأنشدنى الموفق لنفسه: أبعد بياض الشعر أعمّر مسكنا … سوى القبر؟ إنّي إن فعلت لأحمق يخبرنى شيبى بأنى ميت … وشيكا، وينعانى إلىّ، فيصدق تخرق عمرى كل يوم وليلة … فهل مستطيع رفق ما يتخرق كأنى بجسمى فوق نعشى ممددا … فمن ساكت أو معول يتحرق إذا سئلوا عنى أجابوا وأعولوا … وأدمعهم تنهل: هذا الموفق وغيبت فى صدع من الأرض ضيق … وأودعت لحدا فوقه الصخر مطبق ويحثو علىّ الترب أوثق صاحب … ويسلمنى للقبر من هو مشفق فيا رب كن لى مؤنسا يوم وحشتى … فإنى لما أنزلته لمصدق

стр. 581

وما ضرنى إنّي إلى الله صائر … ومن هو من أهلى أبرّ وأرفق قال أبو شامة: ونقلت من خطه: لا تجلسن بباب من … يأبى عليك دخول داره ويقول حاجاتى إلي … هـ يعوقها إن لم أداره وأتركه وأقصد ربها … تقضى وربّ الدار كاره تفقه على الشيخ موفق الدين خلق كثير. منهم ابن أخيه الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبى عمر، والمراتبى. وسمع منه الحديث خلائق من الأئمة والحفاظ وغيرهم. وروى عنه ابن الدبيثى، والضياء، وابن خليل، والمنذرى. وحدث ببغداد. وسمع منه بها رفيقه أبو منصور عبد العزيز بن طاهر بن ثابت الخياط المقرى سنة ثمان وستين وخمسمائة. توفى ﵀ يوم السبت يوم عيد الفطر سنة عشرين وستمائة بمنزله بدمشق وصلّى عليه من الغد. وحمل إلى سفح قاسيون. فدفن به. وكان له جمع عظيم. امتد الناس فى طرق الجبل فملئوه. قال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: حكى إسماعيل بن حماد الكاتب البغدادى قال: رأيت ليلة عيد الفطر كأن مصحف عثمان قد رفع من جامع دمشق إلى السماء. فلحقنى غم شديد. فتوفى الموفق يوم العيد. قال: ورأى أحمد بن سعد - أخو محمد بن سعد الكاتب المقدسى، وكان أحمد هذا من الصالحين - قال: رأيت ليلة العيد ملائكة ينزلون من السماء جملة، وقائل يقول: انزلوا بالنوبة. فقلت: ما هذا؟ قالوا: ينقلون روح الموفق الطيبة فى الجسد الطيب. قال: وقال عبد الرحمن بن محمد العلوى: رأيت كأن النبى ﷺ مات، وقبر بقاسيون يوم عيد الفطر. قال: وكنا بجبل بنى هلال. فرأينا على

стр. 582

قاسيون ليلة العيد ضوءا عظيما، فظننا أن دمشق قد احترقت. وخرج أهل القرية ينظرون إليه، فوصل الخبر بوفاة الموفق يوم العيد. ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى. قال سبط ابن الجوزى: وكان له أولاد: أبو الفضل محمد، وأبو العز يحيى، وأبو المجد عيسى. ماتوا كلهم فى حياته. ولم أدرك منهم غير عيسى. وكان من الصالحين. وله بنات. قال: ولم يعقب من ولد الموفق سوى عيسى، خلف ولدين صالحين وماتا، وانقطع عقبه. قلت: أما أبو الفضل محمد: فولد فى ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وكان شابا ظريفا فقيها. تفقه على والده، وسافر إلى بغداد، واشتغل بالخلاف على الفخر إسماعيل. وسمع الحديث. وتوفى فى جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وخمسمائة بهمدان. وقد كمل ستا وعشرين سنة ﵀. وأما أبو المجد عيسى: فيلقب مجد الدين. تفقه وسمع الحديث الكثير بدمشق من جماعة كثيرة من أهلها، ومن الواردين عليها وسمع بمصر من إسماعيل بن ياسين، والبوصيرى، والارتاحى، وفاطمة بنت سعد الخير، وغيرهم. وحدث. ذكره المنذرى، وقال: ولى الخطابة والإمامة بالجامع المظفرى بسفح قاسيون. قال: واجتمعت معه بدمشق، وسمعت معه من والده. وتوفى فى جمادى الآخرة فى خامسه - أو سادسه - سنة خمس عشرة وستمائة رحمهم الله تعالى. ومما رثى به الشيخ موفق الدين ﵀ ما قاله فيه الشيخ صلاح الدين أبو عيسى موسى بن محمد بن خلف بن راجح المقدسى فى قصيدة له: لم يبق لى بعد الموفق رغبة … فى العيش، إن العيش سم منقع صدر الزمان وعينه وطرازه … ركن الأنام الزاهد المتورع

стр. 583

بحر العلوم أبو الفضائل كلها … شمل الشريعة بعده لا يجمع كان ابن أحمد فى مقام محمد … إن هالهم أمر إليه يفزعوا فيبين مشكله، ويوضح سره … ويذب عن دين الإله ويدفع ببصيرة يجلو الظلام ضياؤها … يبدى العجائب، نورها يتشعشع فاليوم قد أضحى الزمان وأهله … غرضا لكل بلية تتنوع والعلم قد أمسى كأنّ بواكينا … تبكى عليه وحبله يتقطع وتعطلت تلك المجالس، وانقضت … تلك المحافل، ليتها لو ترجع هيهات بعدك يا موفق يرتجى … للناس خير، أو مقال يسمع لله درك كم لشخصك من يد … بيضاء فى كل الفضائل ترتع قد كنت عبدا طائعا لا تنثنى … عن باب ربك فى العبادة توسع كم ليلة أحييتها وعمرتها … والله ينظر والخلائق هجع تتلو كتاب الله فى جنح الدجى … كزبور داود النبى ترجع لو كان يمكن من فدائك رخصة … لفدتك أفئدة عليك تقطع ذكر نبذة من فتاويه، ومسائله من غير كتبه المشهورة قرأت بخط بعض أصحابه، قال الشيخ موفق الدين فى مسألة: ما إذا اجتمع جنب وحائض، ووجدا من الماء ما يكفى أحدهما. قال: إن كانت المرأة زوجة للرجل، فهى أحق؛ لأنها تبيح له الوطء، وهو يرجع إلى بدل، وإن كانت أجنبية منه، فهو أحق؛ لأنه يستبيح الصلاة، وهى ترجع إلى التيمم. وسئل إذا أعتقت الجارية: هل يجب عليها أن تستبرئ نفسها بحيضة، أم بثلاث؟ قال: إن كانت تعلم أن سيدها لم يكن يطؤها، لم يجب عليها الاستبراء إلا فى صورة واحدة، وهى فيما إذا اشتراها فأعتقها، فأراد أن يتزوجها: يجب عليها الاستبراء بحيضة، وإن كانت تعلم أنه كان يطؤها: وجب عليها استبراء نفسها

стр. 584

بحيضة، وإلحاقها بالإماء أولى من إلحاقها بالحرائر؛ لأن المقصود هو الاستبراء، وذلك حاصل بحيضة واحدة، ولأن الثلاث: إما عدة عن نكاح، أو ما يشبهه وهو الوطء بالشبهة. وكل واحد منهما منتف هنا. وقال فيما إذا اتفقت التصرية من غير قصد البائع: يتخير، كما يتخير لو قصدها، وفيما إذا ردها المشترى بعيب سوى التصرية: يجب الصاع من التمر، قيل له: هى من ضمانه، فيكون اللبن بمنزلة الخراج؟ قال: اللبن ورد عليه العقد، وكان موجودا بخلاف غيره من المنافع والخراج. وسئل عن الجارية المشتركة بين جماعة: هل يجوز لكل واحد النظر إلى عورتها؟ فقال: لا يجوز ذلك، وخالف هذا ما إذا كان العبد مشتركا بين نساء يجوز لهن النظر إليه، لأن المجوز للنظر ههنا هو الحاجة إلى الاستخدام، وهو موجود فى العبد المشترك، والنظر إلى عورة الجارية: إنما جاز لتمكنه من الوطء، وهو ههنا منتف للاشتراك. وسئل إذا كان على أعضاء وضوئه كلها جراحة، أيجزيه أن يغسل الصّحيح ثم يتيمم لهما تيمما واحدا؟ قال: لا، بل يغسل العضو الأول ويتيمم له، وكذلك الثانى والثالث والرابع، فيتيمم أربع تيممات. وقال فيمن أعتق أباه فى مرض موته: الأقيس أنه لا يرث، والمذهب الإرث. وقال أبو الخطاب: إذا أقرّ فى مرض موته بعتق ابن عمه، يعتق ولا يرث. ومما نقلته من خط السيف بن المجد من فتاوى جده الشيخ موفق الدين - وقد سئل عن معاملة من فى ماله حرام؟ فأجاب: الورع: اجتناب معاملة من فى ماله حرام، فإن من اختلط الحرام فى ماله: صار فى ماله شبهة بقدر ما فيه من الحرام، إن كثر الحرام كثرت الشبهة، وإن قلّ قلت، وذكر حديث «الحلال بيّن، والحرام بيّن» وأما فى ظاهر الحكم: فإنه يباح معاملة من لم يتعين التحريم فى الثمن الذى يؤخذ منه؛ لأن الأصل: أن ما فى يد الإنسان ملكه

стр. 585

وقد قال بعض السلف: بع الحلال ممن شئت، يعنى إذا كانت بضاعتك حلالا فلا حرج عليك فى بيعها ممن شئت، ولكن الورع: ترك معاملة من فى ماله الشبهات، فقد قال النبى ﷺ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وسئل عما إذا تعين ثمن خمر أو خنزير من الكافر: ما الحكم فى أخذه منهم، يعنى بعقد ونحوه؟ وكان قد أجاب قبله ابن المتقنة الرحبى الشافعى: لا يجوز ذلك، إذا تعين. فأجاب الشيخ موفق الدين: الأولى تركه. ويجوز أخذه إذا كان جائزا فى دينهم؛ لأننا أقررناهم على ما يعتقدون من دينهم. وسئل عن خلافة أبى بكر: ثبتت بالنص أو بالقياس؟ فأجاب ابن المتقنة: ثبتت بإجماع الصحابة واتفاقهم. فكتب الشيخ الموفق: ثبتت بنص النبى ﷺ ، فى أخبار كثيرة، ذكر بعضها. وسئل ابن المتقنة فى بعض ذكر الحرب تكرر «حرب عوان» ما العوان فى اللغة؟ فأجاب: «العوان» أشد ما يكون. فضرب الشيخ على الجواب وكتب: الحرب التى تقدمها حرب أخرى. قال السيف: وكتب ابن الجوزى عن كلام شيخ الإسلام الأنصارى: كان عبد الله الأنصارى يميل إلى التشبيه. فلا يقبل قوله، فألحق جدى: حاشاه من التشبيه، ولا يقبل قول ابن الجوزى فيه. وقال فى القرية التى فيها أربعون يسمعون النداء من المصر: إنهم مخيرون بين إقامة الجمعة بها، وبين السعى إلى المصر. قال: وهو أولى، للخروج من الخلاف. قال: فإن كانت قرية فيها أربعون، وقرية فيها دون الأربعين: فإن مضى الأقل إلى الأكثر، فأقاموا عندهم الجمعة: جاز، وبالعكس لا يجوز، وإن جاء إلى أهل الأربعين إمام من غيرهم، فأقام بهم الجمعة: جاز؛ لأنه ممن تجب عليه الجمعة، فجاز أن يكون إماما لغيره من أهل القرية. ونقل ابن حمدان الحرائى: أن قاضى حران أرسل سؤالا إلى الشيخ

стр. 586

موفق الدين فى وكيل الغائب، إذا طالب بدين موكله، فادعى المدين: أن موكله قد استوفى دينه، فهل للقاضى دفع الوكيل ومنعه من الاستيفاء، حتى يحلف الموكل: أنه ما استوفى ولا أبرأ؟ فأجاب الشيخ موفق الدين: إن الوكيل لا يتمكن من الاستيفاء، من غير يمين موكله، وعلل بأن الموكل لو كان حاضرا ما استحق الاستيفاء بغير يمين، والوكيل قائم مقامه. وذكر ابن حمدان: أن الناصح ابن أبى الفهم أنكر ذلك. وقال: لا خلاف فى المذهب أن الوكيل لا يمتنع من الاستيفاء بذلك. وأخرج كلام القاضى وابن عقيل فى المجرد بما يقتضى ذلك. وذكر عن بعض الشافعية: أنه حكى فى هذه المسألة خلافا بينهم. قال الناصح: وقد ذكر الموفق فى الكافى: أن الدعوى على الغائب لا تسمع إلا ببينة، ودعوى المدين الإبراء والاستيفاء ههنا دعوى بلا بينة على غائب، فكيف تسمع؟ ثم أرسل هذا إلى الشيخ الموفق. فأجاب: أما المسألة التى فى الوكالة: فإنما أفتيت فيها باجتهادى، بناء على ما ذكرت من التعليل. فإذا ظهر قول الأصحاب وغيرهم بخلافه فقولهم أولى. والرجوع إلى قولهم متعين، لكن ما ذكره بعض الشافعية يدل على أنها مختلف فيها، وأنها مما يسوغ فيه الاجتهاد. وأما قولى وقول الفقهاء «لا تسمع الدعوى على الغائب إلا ببينة» فإنما أريد بها الدعوى التي إذا سكت صاحبها ترك، وإذا سكت المدعى عليه لم يترك؛ لأن سماع هذه الدعوى لا يفيد شيئا. إذ مقصودها القضاء على المدعى عليه. فإذا خلت عن بينة، ولم يكن المدعى عليه حاضرا، لم تفد الدعوى شيئا. إذ لا يمكن القضاء بغير بنية، ولا إقرار، ولا نكول، ولا رد يمين. والدعوى ههنا تراد للمنع من القضاء عليه. وذلك ممكن مع الغيبة، وسماع الدعوى مفيد.

стр. 587

ومن مباحثه الحسنة: نقلت من خط بهاء الدين عبد الرحمن المقدسى: سئل شيخنا موفق الدين عن قول الخرقى: وإن أقر المحجور عليه بما يوجب حدا أو قصاصا، أو طلق زوجته لزمه ذلك. وإن أقر بدين لم يلزمه فى حال حجره، ما الفرق بينهما؟ فقال: الفرق بينهما: أن الإقرار بالدين إقرار بالمال، والمال محجور عليه فيه. فلو قبلنا إقراره فى المال أدى ذلك إلى فوات مصلحة الحجر، وهو أنه يقر لهذا بدين ولهذا. فيفوت عليه ماله. فلا يلزمه الإقرار فيه. وأما الإقرار بالحد والقصاص أو طلاق الزوجة: فإنه إقرار بشئ لم يحجر عليه فيه، فلزمه، كما لولده أن يحجر عليه. وأيضا فإنه إذا لزمه الإقرار فى الحد والقصاص أدى إلى فوات حقه. وإذا لزمه الإقرار فى المال أدى إلى فوات حقوق الغرماء. فلزمه الإقرار على نفسه، ولم يلزمه فيما يعود إلى غيره. فقيل له: على هذا: أن الاقرار بالحد أيضا يؤدى إلى فوات حقوق الغرماء فيما إذا كان الحاكم قد أخذه ليقضى دينه، على الرواية التى تقول: إنه إذا كان ذا صنعة، فإن الحاكم يؤجره ليقضى بقية دينه. ومع هذا فقد ألزمناه بالإقرار. فقال: إنما يفوت ضمنا وتبعا. ويصير كما نقول فى الزوجة: إنها إذا أقرت بالحد أو القصاص لزمها، وإن فات حق الزوج. فقيل له: فما تقول فى الحامل إذا أقرت بما يوجب حدا أو قصاصا، أليس إنه ينتظر بها حتى تلد؟ فقال: ههنا يمكن الجمع بين الحقين، بخلاف ما نحن فيه. قلت: قد يقال فى صورة إيجار المفلس لوفاء بقية دينه: كان يمكن الجمع بين الحقين بتأخير استيفاء القصاص إلى أن يوفى الدين من كسبه. وقد يجاب عنه بأن الحامل أخرت لئلا تزهق بالاستيفاء منها نفس معصومة. فلا فرق بين أن يثبت الحد أو القصاص عليها بالإقرار أو البينة. وههنا لو ثبت الحد أو القصاص ببينة لم يؤخر إلى أن يوفى بقية الدين. فكذا إذا ثبت بالإقرار فإن التهمة فى مثل هذا منتفية.

стр. 588

ومن فتاويه المتعلقة بعلم الحديث - نقلتها من خط الحافظ أبى محمد البرزالى ﵀ سئل: هل تجوز الرواية من نسخة غير معارضة؟ فأجاب: إذا كان الكاتب معروفا بصحة النقل وقلة الغلط جازت الرواية وسئل: إذا لم يذكر القارئ الإسناد فى أول الكتاب، وذكره فى آخره، وقال: أخبرك به فلان عن فلان، وأقر الشيخ بذلك فهل يجزيه؟ فأجاب: يجوز إذا قال له ذلك عقيب قراءته عليه، وإلا فلا. وسئل: هل يصح السماع بقراءة الصبى والفاسق؟ فأجاب: إن كان له مقابل صح، وإلا فهو بمنزلة روايته. وسئل: هل يجوز الكتبة والمطالعة، أو الإغفاء يسيرا، فى وقت السماع أو يجوز للشيخ أن يكتب ويقرءون عليه؟ فأجاب: ما رأينا أحدا يحترز من هذا. وسئل: إذا سقط من متن الحديث حرف أو حرف أو ألف، هل يجوز إثباتها؟ وهل يجب إصلاح لحن من جهة الإعراب؟ فأجاب: يجوز إصلاحه. قال الأوزاعى: يصلح اللحن والخطأ والتحريف فى الحديث. وسئل: إذا وجد فى كتابه اسما مصحفا أو كلمة، وهو كذلك فى سماع شيخه. فهل يجوز له أن يغيره فى كتابه على الصواب؟ أجاب: له تغييره. والله أعلم. ٢٧٣ - إبراهيم بن المظفر بن إبراهيم بن محمد بن على بن البرنى، البغدادى الحربى، ثم الموصلى الواعظ المحدث، أبو إسحاق بن أبى منصور، ويلقب برهان الدين. ولد فى ثانى عشر ذى الحجة سنة ست وأربعين وخمسمائة. وكانت ولادته بالموصل. كذا ذكر المنذرى، وابن الساعى وغيرهما. وقال القطيعى: كان مولده سنة ست وأربعين وخمسمائة بالحربية. كذا قال

стр. 589

وقال ابن نقطة: انتقل إلى الموصل قديما. وهذا يدل على أنه ولد ببغداد - وهو الأشبه - فان أباه بغدادى ولا يعرف أنه سكن الموصل. وقد روى عنه القطيعى، وقال: قال لى «البرانى» لقب جدى لأمى. وأما جدى لأبى: فيعرف بالجمعى. سمع أبو إسحاق ببغداد من ابن البطى، وأبى طاهر أحمد بن على بن المعمر الحسيني، وأبى على بن الرحبي، وأبى بكر بن النقور، ونصر الله القزاز، وشهدة، وغيرهم. وتفقه بها فى المذهب - لعله على ابن المنى - وقرأ الوعظ على ابن الجوزى، وولى مشيخة دار الحديث التى لابن مهاجر بالموصل. وحدث بالموصل وسنجار، ووعظ. قال الناصح ابن الحنبلى: كان واعظا فاضلا من أهل السنة، لم يكن بالموصل أعرف بالحديث والوعظ منه. وقال المنذرى: كان فاضلا متدينا. ولنا منه إجازة. وقال ابن الساعى: شيخ خير، قدم بغداد مرارا. وأنشدنى قطعا من الشعر. أنشدنى فى التواضع إملاء من حفظه: كم جاهل متواضع … ستر التواضع جهله ومميزا فى علمه … هدم التكبر فضله فالكبر عيب للفتى … أبدا يقبح فعله قال: وأنشدنى أيضا: ما هذه الدنيا بدار مسرة … فتخوفن مكرا لها وخداعا بينا الفتى فيها يسر بنفسه … وبماله يستمتع استمتاعا حتى سقته من المنية شربة … لا يستطيع لما عراه دفاعا لو كان ينطق، قال من تحت الثرى … فليحسن العمل الفتى ما اسطاعا وقال ابن نقطة: سمعت منه بالموصل، فى القدمة الثانية إليها. وكان فيه تساهل فى الرواية، يحدث من غير أصول.

стр. 590

وذكر ابن القطيعى: أنه روى بالموصل «اعتلال القلوب» للخرائطى عن نصر الله القزاز بسماعه من ابن العلاف، قال: فقلت: لقد حرصنا ببغداد على أن نجد له أصل سماع من ابن العلاف، فلم نجد. فقال: عبد المغيث وابن شافع ذكرا لي أن هذا الكتاب سماعه منه. قال: فطلبت منه: من سمع ذلك معه منهما؟ فلم يكن معه فى الطبقة مشهور بالطلب. ثم بعد أيام رأيت ابن القزاز فى المنام، فقال لى: اشتهيت أن كل نسخة بهذا الكتاب تروى عنى أحرقها. قلت: المتأخرون يتساهلون فى هذا الباب كثيرا، ويسمعون من غير أصول، ويكتفون بقول بعض الناس: إن هذا الكتاب سماع فلان، فيقرءونه عليه. وليس هذا عندهم منكرا. وقد أجاز ابن البرنى لعبد الصمد بن أبى الجيش. وتوفى فى غرة محرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموصل. ودفن بمقبرة المعافى بن عمران رضى الله عنه. وقال ابن الساعى: توفى ثانى المحرم. ٢٧٤ - محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن على بن عبد الله ابن تيمية الحرانى، الفقيه المفسر، الخطيب الواعظ، فخر الدين، أبو عبد الله بن أبى القاسم، شيخ حران وخطيبها. ولد فى أواخر شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، بحران، وقرأ القرآن على والده، وله عشر سنين. وكان والده زاهدا، بعد من الأبدال. وشرع فى الاشتغال بالعلم من صغره، وتردد إلى أبى الكرم فتيان بن مياح، وأبى الحسن ابن عبدوس وغيرهما، ثم ارتحل إلى بغداد، وسمع بها الحديث من المبارك ابن خضير، وأبى الفتح بن البطى، وسعد الله بن الزجاجى، ويحيى بن ثابت ابن بندار، وأبى بكر بن النقور، وأبى الفضل بن شافع، وعلى بن عساكر البطائحى، وأبى الحسين اليوسفى، وأخيه أبى نصر، وأبى الفتح بن شاتيل،

стр. 591

وشهدة، وغيرهم. وسمع أيضا بحران من أبى النجيب السهروردى، وأبى الفتح أحمد بن الوفاء، وأبى الفضل حامد بن أبى الحجر. وتفقه ببغداد على أبى الفتح بن المنى، وأبى العباس بن بكروس، وبحران على أحمد بن أبى الوفاء، وحامد بن أبى الحجر، وأخذ عنه التفسير أيضا، ولازم أبا الفرج بن الجوزى ببغداد، وسمع منه كثير من مصنفاته، وقرأ عليه كتابه «زاد المسير فى التفسير» قراءة بحث وفهم، وقرأ الأدب على أبى محمد بن الخشاب، وبرع فى الفقه والتفسير وغيرهما، ورجع إلى بلده، وجدّ فى الاشتغال والبحث، ثم أخذ فى التدريس والوعظ والتصنيف، وشرع فى إلقاء التفسير بكرة كل يوم بجامع حران فى سنة ثمان وثمانين، وواظب على ذلك حتى قرأ القرآن الكريم خمس مرات، انتهى آخرها إلى سنة عشر وستمائة، فكان مجموع ذلك فى ثلاث وعشرين سنة، ذكر ذلك فى أول تفسيره الذى صنفه. وكان الشيخ فخر الدين رجلا صالحا، يذكر له كرامات وخوارق، وولى الخطابة والإمامة بجامع حران، والتدريس بالمدرسة النورية بها، وبنى هو مدرسة بحران أيضا. قال الناصح ابن الحنبلى: انتهت إليه رياسة حران، وله خطبة الجمعة، وإمامة الجامع، وتدريس المدرسة النورية، وهو واعظ البلد، وله القبول من عوام البلد، والوجاهة عند ملوكها، وكان فى ملازمته التفسير والوعظ مع الطريقة الظاهرة الصلاح. وذكره ابن خلكان فى تاريخه وقال: ذكره محاسن بن سلامة الحرانى فى تاريخ حران، وابن المستوفى فى تاريخ أربل، فقال: له القبول التام عند الخاص والعام. وكان بارعا فى تفسير القرآن، وجميع العلوم له فيها يد بيضاء. وقال ابن نقطة: شيخ ثقة فاضل، صحيح السماع مكثر، سمعت منه بحران فى المرتين.

стр. 592

وقال ابن النجار: سمعت منه ببغداد وحران، وكان شيخا فاضلا، حسن الأخلاق، متوددا، صدوقا، متدينا. وقال ابن الساعى: هو موصوف بالفضل والدين. وقال ابن حمدان الفقيه: كان شيخ حران، ومدرسها، وخطيبها ومفسرها، مغرى بالوعظ والتفسير، مواظبا عليهما. وقال المنذرى: كان عارفا بالتفسير، وله خطب مشهورة، وشعر، ومختصر فى الفقه. وكان مقدما فى بلده، وتولى الخطابة بها، ودرس بها ووعظ، وحدث ببغداد وحران، ولنا منه إجازة. وكان الشيخ فخر الدين قد وعظ ببغداد فى مدة اشتغاله بها برباط ابن النقال، ثم حج سنة أربع وستمائة، وكتب معه مظفر الدين صاحب أربل كتابا إلى الخليفة الناصر بالوصية به، فلما رجع من مكة إلى بغداد، سأل الجلوس بباب بدر، فأجيب إلى ذلك، وتقدم إلى محيى الدين يوسف بن الجوزى بالحضور، وكان يعظ بذلك المكان موضع أبيه، فحضر، وقعد على دكة المحتسب بباب بدر، وحضر خلق كثير، ووعظ الشيخ فخر الدين، وأنشد فى أثناء المجلس: وابن اللبون إذا ما لزّ فى قرن … لم يستطع صولة البزل القناعيس وقال الناس: ما قصد إلا محيى الدين، لأنه كان شابا، وابن تيمية شيخ. وللشيخ فخر الدين تصانيف كثيرة. منها «التفسير الكبير» فى مجلدات كثيرة. وهو تفسير حسن جدا. ومنها ثلاث مصنفات فى المذهب، على طريقة البسيط والوسيط، والوجيز للغزالى، أكبرها «تخليص المطلب فى تلخيص المذهب» وأوسطها «ترغيب القاصد فى تقريب المقاصد» وأصغرها «بلغة الساغب وبغية الراغب» وله شرح الهداية لأبى الخطاب. ولم يتمه. وله ديوان الخطب الجمعية. وهو مشهور. ومصنفات فى الوعظ، و «الموضح فى الفرائض». وكانت بينه وبين الشيخ موفق الدين مراسلات ومكاتبات.

стр. 593

وأرسل الشيخ الفخر مرة يسأل الشيخ الموفق عما ذكره فى كتبه من مسألة حصر جهات ذوى الأرحام، وما يلزم قول أبى الخطاب من الفساد. ووقع بين الشيخين أيضا تنازع فى مسألة تخليد أهل البدع المحكوم بكفرهم فى النار. وكان الشيخ الموفق لا يطلق عليهم الخلود. فأنكر ذلك عليه الشيخ الفخر. وقال: إن كلام الأصحاب مخالف لذلك. وأرسل يقول للشيخ موفق الدين: انظر كيف تستدرك هذه الهفوة؟ فأرسل إليه الشيخ موفق الدين كتابا، أوله: أخوه فى الله عبد الله بن أحمد يسلم على أخيه الإمام الكبير فخر الدين جمال الإسلام، ناصر السنة، أكرمه الله بما أكرم به أولياءه. وأجزل من كل خير عطاءه، وبلغه أمله ورجاءه، وأطال فى طاعة الله بقاءه - إلى أن قال: إننى لم أنه عن القول بالتخليد نافيا له، ولا عبت القول به منتصرا لضده. وإنما نهيت عن الكلام فيها من الجانبين إثباتا أو نفيا، كفّا للفتنة بالخصام فيها، واتباعا للسنة فى السكوت عنها، إذ كانت هذه المسألة من جملة المحدثات، وأشرت علىّ من قبل نصيحتى بالسكوت عما سكت عنه رسول الله ﷺ وصحابته، والأئمة المقتدى بهم من بعده - إلى أن قال - وأما قوله - وفقه الله - إنّي كنت مسألة إجماع، فصرت مسألة خلاف. فإنني إذا كنت مع رسول الله ﷺ فى حزبه، متبعا لسنته، ما أبالى من خالفنى، ولا من خالف فىّ، ولا أستوحش لفراق من فارقنى. وإنّي لمعتقد أن الخلق كلهم لو خالفوا السنة وتركوها، وعادونى من أجلها، لما ازددت لها إلا لزوما، ولا بها إلا اغتباطا، إن وفقنى الله لذلك. فإن الأمور كلها بيديه، وقلوب العباد بين إصبعيه. وأما قوله: إن هذه المسألة مما لا تخفى: فقد صدق وبرّ، ما هى بحمد الله عندى خفية، بل هى منجلية مضية. ولكن إن ظهر عنده بسعادته تصويب الكلام فيها، تقليدا للشيخ أبى الفرج وابن الزاغونى، فقد تيقنت تصويب السكوت عن الكلام فيها، اتباعا لسيد المرسلين، ومن هو حجة على الخلق أجمعين، ثم لخلفائه الراشدين،

стр. 594

وسائر الصحابة والأئمة المرضيين، لا أبالى من لا منى فى اتباعهم. ولا من فارقنى فى وفاقهم. فأنا كما قال الشاعر: أجد الملامة فى هواك لذيذة … حبا لذكرك. فليلمنى اللّوم فمن وافقنى على متابعتهم. وأجابنى إلى مرافقتهم وموافقتهم فهو رفيقى وحبيبى وصديقى، ومن خالفنى فى ذلك فليذهب حيث شاء. فإن السبل كثيرة، ولكن خطرة. وقوله بسعادته: إن تعلقه بأن لفظ «التخليد» لم ترد: ليس بشئ. فأقول: لكنى عندى أنا هو الشئ الكبير، والأمر الجليل الخطير. فأنا أوافق أئمتى فى سكوتهم، كموافقتى لهم فى كلامهم، أقول إذا قالوا، وأسكت إذا سكتوا، وأسير إذا ساروا، وأقف إذا وقفوا، وأحتذى طريقهم فى كل أحوالهم جهدى، ولا أنفرد عنهم خيفة الضيمة إن سرت وحدى. فأما قوله: إن كتب الأصحاب القديمة والحديثة فيها القول بتكفير القائل بخلق القرآن: فهذا متضمن أن قول الأصحاب هو الحجة القاطعة. وهذا عجب. أترى لو أجمع الأصحاب على مسألة فروعية، أكان ذلك حجة يقتنع بها، ويكتفى بذكرها؟ فإن كان فخر الدين يرى هذا فما يحتاج فى تصنيفه إلى ذكر دليل سوى قول الأصحاب. وإن كان لا يرى ذلك حجة فى الفروع، فكيف جعله حجة فى الأصول؟ وهب أنا عذرنا العامة فى تقليدهم الشيخ أبا الفرج وغيره من غير نظر فى دليل. فكيف يعذر من هو إمام يرجع إليه فى أنواع العلوم؟ ثم إن سلمنا ما قال، فلا شك أنه ما اطلع على جميع تصانيف الأصحاب. ثم إن ثبت أن جميعهم اتفقوا على تكفيرهم، فهو معارض بقول من لم يكفرهم. فإن الشافعى وأصحابه لا يرون تكفيرهم إلا أبا حامد. فبم يثبت الترجح؟ ثم إن اتفق الكل على تكفيرهم، فليس التخليد من لوازمه. فإن النبى ﷺ قد أطلق التكفير فى مواضع لا تخليد فيها - وذكر حديث «سباب المسلم فسوق، وقتا له كفر» وغيره من الأحاديث. وقال: قال أبو نصر السجزى: اختلف القائلون بتكفير القائل بخلق القرآن. فقال بعضهم:

стр. 595

كفر ينقل عن الملة. وقال بعضهم: كفر لا ينقل عن الملة. ثم إن الإمام أحمد - الذى هو أشد الناس على أهل البدع - قد كان يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين، ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن، وصلاة الجمع والأعياد خلفهم ولو سمع الإمام أحمد من يقول هذا القول، الذى لم يرد عن النبى ﷺ ، ولا عن أحد قبله: لأنكره أشد الإنكار. فقد كان ينكر أقل من هذا. ثم إن علمتم أنتم هذا، أفيحل لى ولمثلى ممن لم يعلم صحة هذا القول أن يقول به؟ وهل فرض الجاهل بشئ إلا السكوت عنه؟ فأنا ما أنكرت هذا إلا على الجاهل به. أما من قد اطلع على الأسرار، وعلم ما يفعله الله تعالى على جليته فما أنكرت عليه. ولا ينبغى له أن يأمرنى أن أقول بمقالتى، مع جهلى بما قد علمه، لكن إذا اعتقدتم هذا، فينبغى أن يظهر عليكم آثار العمل به فى ترك مصادقتهم، وموادتهم وزيارتهم، وأن لا تعتقدوا صحة ولايتهم، ولا قبول كتاب حاكم من حكامهم، ولا من ولاه أحد منهم. وأنتم تعلمون أن قاضيكم إنما ولايته من قبل أحد دعاتهم. وأما قولك بسعادتك «انظر كيف تتلافى هذه الهفوة. وتزيل تكدير الصفوة» فإن قنع منى بالسكوت فهو مذهبى وسبيلى، وعليه تعويلى. وقد ذكرت عليه دليلى. وإن لم يرض منى إلا أن أقول ما لا أعلم، وأسلك السبيل الذى غيره أسدّ وأسلم، وأخلع عذارى فى سلوك ما فيه عثارى، ويسخط على البارى: ففى هذا التلافى تلافى، وتكدير صافى أوصافى، لا يرضاه لى الأخ المصافى، ولا من يريد إنصافى، ولا من سعى فى إسعافى. وما أتابعه ولو أنه بشر الحافى. إلى أن قال: واعلم أيها الأخ الناصح أنك قادم على ربك، ومسئول عن مقالتك هذه. فانظر من السائل. وانظر ما أنت له قائل. فأعد للمسألة جوابا. وادرع للاعتذار جلبابا. ولا تظن أنه يقنع منك فى الجواب بتقليد بعض الأصحاب. ولا يكتفى منك بالحوالة على الشيخ أبى الفرج وابن الزاغونى وأبى الخطاب. ولا يخلصك الاعتذار بأن الأصحاب اتفقوا على أنهم من جملة الكفار، ولازم

стр. 596

هذا الخلود فى النار. فإن هذا الكلام مدخول، وجواب غير مقبول. إلى أن قال: فأنتم إن كنتم أظهركم الله على غيبه، وبرأكم من الجهل وعيبه، وأطلعكم على ما هو صانع بخلقه: فنحن قوم ضعفاء، قد قنعنا بقول نبينا ﵇، وسلوك سبيله، ولم نتجاسر على أن نتقدم بين يدى الله ورسوله. فلا تحملوا قوتكم على ضعفنا، ولا علمكم على جهلنا. وهى رسالة طويلة، لخصت منها هذا القدر. أخذ العلم عن الشيخ فخر الدين جماعة، منهم: ولده أبو محمد عبد الغنى خطيب حران، وابن عمه الشيخ مجد الدين عبد السلام. وسمع منه خلق كثير من الأئمة والحفاظ. منهم ابن نقطة، وابن النجار، وسبط ابن الجوزى، وابن عبد الدائم. وروى عنه عبد الرحمن بن محفوظ الرسعنى وأبو عبد الله بن حمدان الفقيه، والأبرقوهى. وله شعر كثير حسن. قرأت بخط ولده أبى محمد عبد الغنى قال: أنشدنى الوالد ﵀ لنفسه: أتت رحلتى، وقد أتانى المسير … وزادى من النسك نزر حقير وقلبى على جمرات الأسى … من الخوف من خالقى مستطير وكم زلة قد نقحمتها … فدمعى لها وعليها غزير مضى عمرى، وانقضت مدتى … ولم يبق من ذاك إلا اليسير كأنى بكم حاملين السرير … بشخصى، وناهيك ذاك السرير تقلونه شرجعا مثقلا … علو ما لجنبيه منها صرير إلى منزل ليس فى ربعه … أنيس لساكنه أو نصير سوى عمل صالح بالتقى … فنعم الأنيس، ونعم الخفير وقال ابن النجار: أنشدنى لنفسه ببغداد: أرى خلوتى فى كل يوم وليلة … تؤول إلى نقص، وتفضى إلى ضعف

стр. 597

وما ذاك من كر الليالى ومرها … ولكن صروف الدهر صرفا على صرف فراق وهجر واخترام منية … وكيد حسود للعداوة لا يخفى وداء دخيل فى الفؤاد مقلقل الض … لوع يجل الخطب فيه عن الوصف وعشرة أبناء الزمان ومكرهم … وواحدة منها لهد القوى تكفى بليت بها منذ ارتقيت ذرى العلى … كما البدر فى النقصان من ليلة النصف وما برحت تترى إلى أن بلي … ت من تضاعيفها ضعفا يزيد على ضعف وأصبحت شبيها بالهلال صبحة الثلاث … يين أخفاه المحاق على الطرف توفى ﵀ يوم الخميس عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحران. كذا ذكر ولده عبد الغنى. وقال كثير من المحدثين: إنه توفى ليلة حادى عشر صفر. وقرأت بخط ولده: لما مات الوالد كان فى الصلاة؛ لأنى ذكرته بصلاة العصر. وأخذته إلى صدرى، فكبر وجعل يحرك حاجبه وشفتيه بالصلاة حتى شخص بصره رحمه الله تعالى. وقد ذكر ولده له منامات صالحة رئيت له بعد وفاته. وهى كثيرة جدا. جمعها فى جزء. منها: أن رجلا حدثه أنه رأى والده الشيخ فخر الدين جالسا على تخت عال، وعليه ثياب جميلة. فقلت له: يا سيدى ما هذا؟ فقرأ (٣١:١٨ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ)﴾ ورآه آخر فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى. ورأى غير واحد فى منامه جماعة معهم سيوف وسلاح ورايات. فسئلوا عن حالهم؟ فقالوا: السلطان يركب ونحن فى انتظاره. فقيل لهم: من السلطان؟ قالوا: الشيخ الفخر قال: وحدثتنى ابنة عم والدى - وكانت صالحة - قالت: رأيت بعد موت الشيخ فى منامى، كأننى أسمع صوت ضجة من السماء. فقلت لمن عندى: ما هذا الصوت والضجة؟ قال: هذا ضجيج الملائكة لأجل انقطاع التفسير وتعطله بالجامع

стр. 598

بعد وفاة الشيخ. ورآه رجل آخر ليلة وفاته، وهو على أحسن حالة. فقال له: أليس قدمت؟ قال: بلى، ولكن أنا إن شاء الله فى الأحياء. ورآه آخر وعليه ثياب حسنة جميلة. فقال له: أما قدمت؟ قال: بلى. قال: ماذا لقيت من ربك؟ قال: وقفت بين يديه، فقال: كم ننتظرك؟ كم ننتظرك؟ قال: فقلت: أنا والله مشتاق، أنا والله مشتاق: قال الرائى: فأخذنى شبه الطرب، وانزعج من منامه حتى علمت بذلك زوجته. ورأى رجل بعض الموتى. فسأله عن حاله وعن أقاربه؟ فقال: الليلة ينزل الفخر عندهم من عند الحق، وكل ليلة جمعة ينزل إليهم، ويجتمعون إليه. وذكر أنه رأى هذا المنام مرارا. ورأى رجل الشيخ الفخر فى نومه، وقد صعد إلى منبر جامع حران، ومعه مصحف ففتحه ووقف، والنبى ﷺ فوقه على المنبر يقرأ من ذلك المصحف. ورأى آخر الشيخ الفخر مع الإمام أحمد، وهما يتسايران. وكان هذا الرائى قد رأى فى حياة الشيخ رجلا من الصالحين يقول له فى نومه: مرّ إلى الشيخ الفخر، وخذ لك منه عهدا أن يشفع فيك غدا. فإنه قد أعطى الشفاعة فى كذا وكذا (١). ورأى آخر الشيخ الفخر فى المنام، ويده فى يد رجل آخر. قال: فسلمت على الفخر، وقلت له: يا سيدى من هذا الذى يده فى يدك؟ فقال: هذا الموفق الدمشقى المقدسى. فقلت: وإلى أين تروحون؟ قال: بروح نفتيهم فى قضية. قال: فدخلوا مسجدا، فرأيت فيه حياة بن قيس وابناه فى غربى المسجد، والشيخ الفخر شرقى المحراب، والشيخ الموفق غربيه. وهما فوق تخت، وعليهما خلعتان ما رأيت أحسن منهما قط، وبين أيديهما شئ مطروح. ثم قام الشيخ الفخر

стр. 599

يفرق منه على الحاضرين، كما يفعل فى الملاك. قال الرائى: فقلت للشيخ الفخر: يا سيدى أخبرنى، الموت كيف هو؟ قال: والله الموت وقت حضوره صحب شديد، وبعد الموت كله هين. ثم قال لى: الصلاة يا عبد الله، ما شئ أفضل منها. فمن واظب عليها وحافظ على السنة والجماعة ما يلقى إلا الخير الكثير. ورأى رجل النبى ﷺ ، وبين يديه جبريل، وهما جالسان فى موضع بحران. فسأل الرائى رسول الله ﷺ : ما سبب حضوركم فى هذا الموضع؟ فمديده وأشار إلى نحو باب دار الشيخ الفخر وقال: الفخر قد مات. قال: فمات الشيخ الفخر فى الجمعة الأخرى. قال: وأخبرنى رجل سماه - وكان فيه دين وصلاح - قال: رأيت فى النوم قائلا يقول: الشيخ الفخر كان صادقا مع الله. ثم قال: الشيخ الفخر كان من الصديقين. قال: وبعد رأيت كأننى دخلت إلى الجامع، فإذا الشيخ على الكرسى يتكلم، وهو يردد هذه الأبيات: طوبى لعبد أحب مولاه … إذا خلا فى الظلام ناجاه قد كشف الحجب عن بواطنه … فنور مولاه قد تغشاه يقول: يا غايتى ويا أملى … ما خاب عبد تكون مولاه وكان من عادته فى مجالسه أيام حياته يرددها كثيرا فى كلامه فى الوعظ، قال: فطربت لسماع صوته فى المنام. قال: وحدثنى رجل - سماه - عن زوجته: أنها رأت سنة إحدى وعشرين فى المنام كأنها فى موضع فيه رياض وخضرة، وقوم يبنون فيه قصرا عاليا، وبقربه دولاب يدور، وامرأتان قائمتان بقرب القصر، كأحسن ما يكون من النساء. قالت: ففهمت أنهما من الحور العين. فسألت: لمن هذا القصر الذى يبنى؟ فقيل لها: للفخر الفقيه. قالت: وما رأيت له بابا مفتوحا. ثم رأيت ليلة عاشوراء سنة اثنتين وعشرين قبل وفاة الشيخ بشهر ذلك القصر قد فتح له باب، والحوريتان

стр. 600

عند بابه. فقالت: من يريد يجئ إلى هذا القصر؟ قالوا: الفخر صاحبه. قال: وحدثنى رجل - وذكر عنه دينا وخيرا - قال: رأيت الشيخ وكأنه فى مسجده مستند إلى ركن محرابه، والناس مجتمعون فى عقد ختمة. فلما انصرف الناس قلت للشيخ: بالله يا سيدى، هل رأيت الله؟ قال: إي والله. فقلت له: فنحن إيش تقول فينا؟ قال: أنتم من أصحابنا. قال: وحدثنى أبو الحسن بن إبراهيم بن البقش النجار - وكان يلازم الشيخ لسماع الحديث - قال: رأيت الشيخ بعد موته فى المنام على كرسى يعظ، وتحته رجال ونساء كثير. فسمعته ينشد: تجلى الحبيب لأحبابه … فطوبى لمن كان يعنى به فلما تجلى لهم كبروا … وخروا سجودا على بابه والمنامات الصالحة له كثيرة ﵀. وذكر المنذرى وغيره: أنه سئل عن معنى «تيمية» فذكر أن أباه أوجده حج على درب تيماء. فرأى هناك جويرية قد خرجت من خبائها. فلما رجع وجد امرأته قد وضعت جارية. فلما رآها قال: يا تيمية، كأنه يشبهها بتلك الجويرية، فلقبت بذلك. قال ابن النجار: ذكر لنا أن جده محمدا كانت أمه تسمى تيمية. وكانت واعظة. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى، أنبأنا أحمد بن عبد الدائم أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم ابن تيمية الخطيب. ح - قال الأنصارى: وأخبرنا إبراهيم بن أحمد بن كامل المقدسى - حضورا - أخبرنا الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى قالا: أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقى بن البطى أخبرنا أبو الخطاب نصر ابن أحمد بن البطى.
следующие страницы →