← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

هذا الخلود فى النار. فإن هذا الكلام مدخول، وجواب غير مقبول. إلى أن قال: فأنتم إن كنتم أظهركم الله على غيبه، وبرأكم من الجهل وعيبه، وأطلعكم على ما هو صانع بخلقه: فنحن قوم ضعفاء، قد قنعنا بقول نبينا ﵇، وسلوك سبيله، ولم نتجاسر على أن نتقدم بين يدى الله ورسوله. فلا تحملوا قوتكم على ضعفنا، ولا علمكم على جهلنا. وهى رسالة طويلة، لخصت منها هذا القدر. أخذ العلم عن الشيخ فخر الدين جماعة، منهم: ولده أبو محمد عبد الغنى خطيب حران، وابن عمه الشيخ مجد الدين عبد السلام. وسمع منه خلق كثير من الأئمة والحفاظ. منهم ابن نقطة، وابن النجار، وسبط ابن الجوزى، وابن عبد الدائم. وروى عنه عبد الرحمن بن محفوظ الرسعنى وأبو عبد الله بن حمدان الفقيه، والأبرقوهى. وله شعر كثير حسن. قرأت بخط ولده أبى محمد عبد الغنى قال: أنشدنى الوالد ﵀ لنفسه: أتت رحلتى، وقد أتانى المسير … وزادى من النسك نزر حقير وقلبى على جمرات الأسى … من الخوف من خالقى مستطير وكم زلة قد نقحمتها … فدمعى لها وعليها غزير مضى عمرى، وانقضت مدتى … ولم يبق من ذاك إلا اليسير كأنى بكم حاملين السرير … بشخصى، وناهيك ذاك السرير تقلونه شرجعا مثقلا … علو ما لجنبيه منها صرير إلى منزل ليس فى ربعه … أنيس لساكنه أو نصير سوى عمل صالح بالتقى … فنعم الأنيس، ونعم الخفير وقال ابن النجار: أنشدنى لنفسه ببغداد: أرى خلوتى فى كل يوم وليلة … تؤول إلى نقص، وتفضى إلى ضعف

стр. 597

وما ذاك من كر الليالى ومرها … ولكن صروف الدهر صرفا على صرف فراق وهجر واخترام منية … وكيد حسود للعداوة لا يخفى وداء دخيل فى الفؤاد مقلقل الض … لوع يجل الخطب فيه عن الوصف وعشرة أبناء الزمان ومكرهم … وواحدة منها لهد القوى تكفى بليت بها منذ ارتقيت ذرى العلى … كما البدر فى النقصان من ليلة النصف وما برحت تترى إلى أن بلي … ت من تضاعيفها ضعفا يزيد على ضعف وأصبحت شبيها بالهلال صبحة الثلاث … يين أخفاه المحاق على الطرف توفى ﵀ يوم الخميس عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحران. كذا ذكر ولده عبد الغنى. وقال كثير من المحدثين: إنه توفى ليلة حادى عشر صفر. وقرأت بخط ولده: لما مات الوالد كان فى الصلاة؛ لأنى ذكرته بصلاة العصر. وأخذته إلى صدرى، فكبر وجعل يحرك حاجبه وشفتيه بالصلاة حتى شخص بصره رحمه الله تعالى. وقد ذكر ولده له منامات صالحة رئيت له بعد وفاته. وهى كثيرة جدا. جمعها فى جزء. منها: أن رجلا حدثه أنه رأى والده الشيخ فخر الدين جالسا على تخت عال، وعليه ثياب جميلة. فقلت له: يا سيدى ما هذا؟ فقرأ (٣١:١٨ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ)﴾ ورآه آخر فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى. ورأى غير واحد فى منامه جماعة معهم سيوف وسلاح ورايات. فسئلوا عن حالهم؟ فقالوا: السلطان يركب ونحن فى انتظاره. فقيل لهم: من السلطان؟ قالوا: الشيخ الفخر قال: وحدثتنى ابنة عم والدى - وكانت صالحة - قالت: رأيت بعد موت الشيخ فى منامى، كأننى أسمع صوت ضجة من السماء. فقلت لمن عندى: ما هذا الصوت والضجة؟ قال: هذا ضجيج الملائكة لأجل انقطاع التفسير وتعطله بالجامع

стр. 598

بعد وفاة الشيخ. ورآه رجل آخر ليلة وفاته، وهو على أحسن حالة. فقال له: أليس قدمت؟ قال: بلى، ولكن أنا إن شاء الله فى الأحياء. ورآه آخر وعليه ثياب حسنة جميلة. فقال له: أما قدمت؟ قال: بلى. قال: ماذا لقيت من ربك؟ قال: وقفت بين يديه، فقال: كم ننتظرك؟ كم ننتظرك؟ قال: فقلت: أنا والله مشتاق، أنا والله مشتاق: قال الرائى: فأخذنى شبه الطرب، وانزعج من منامه حتى علمت بذلك زوجته. ورأى رجل بعض الموتى. فسأله عن حاله وعن أقاربه؟ فقال: الليلة ينزل الفخر عندهم من عند الحق، وكل ليلة جمعة ينزل إليهم، ويجتمعون إليه. وذكر أنه رأى هذا المنام مرارا. ورأى رجل الشيخ الفخر فى نومه، وقد صعد إلى منبر جامع حران، ومعه مصحف ففتحه ووقف، والنبى ﷺ فوقه على المنبر يقرأ من ذلك المصحف. ورأى آخر الشيخ الفخر مع الإمام أحمد، وهما يتسايران. وكان هذا الرائى قد رأى فى حياة الشيخ رجلا من الصالحين يقول له فى نومه: مرّ إلى الشيخ الفخر، وخذ لك منه عهدا أن يشفع فيك غدا. فإنه قد أعطى الشفاعة فى كذا وكذا (١). ورأى آخر الشيخ الفخر فى المنام، ويده فى يد رجل آخر. قال: فسلمت على الفخر، وقلت له: يا سيدى من هذا الذى يده فى يدك؟ فقال: هذا الموفق الدمشقى المقدسى. فقلت: وإلى أين تروحون؟ قال: بروح نفتيهم فى قضية. قال: فدخلوا مسجدا، فرأيت فيه حياة بن قيس وابناه فى غربى المسجد، والشيخ الفخر شرقى المحراب، والشيخ الموفق غربيه. وهما فوق تخت، وعليهما خلعتان ما رأيت أحسن منهما قط، وبين أيديهما شئ مطروح. ثم قام الشيخ الفخر

стр. 599

يفرق منه على الحاضرين، كما يفعل فى الملاك. قال الرائى: فقلت للشيخ الفخر: يا سيدى أخبرنى، الموت كيف هو؟ قال: والله الموت وقت حضوره صحب شديد، وبعد الموت كله هين. ثم قال لى: الصلاة يا عبد الله، ما شئ أفضل منها. فمن واظب عليها وحافظ على السنة والجماعة ما يلقى إلا الخير الكثير. ورأى رجل النبى ﷺ ، وبين يديه جبريل، وهما جالسان فى موضع بحران. فسأل الرائى رسول الله ﷺ : ما سبب حضوركم فى هذا الموضع؟ فمديده وأشار إلى نحو باب دار الشيخ الفخر وقال: الفخر قد مات. قال: فمات الشيخ الفخر فى الجمعة الأخرى. قال: وأخبرنى رجل سماه - وكان فيه دين وصلاح - قال: رأيت فى النوم قائلا يقول: الشيخ الفخر كان صادقا مع الله. ثم قال: الشيخ الفخر كان من الصديقين. قال: وبعد رأيت كأننى دخلت إلى الجامع، فإذا الشيخ على الكرسى يتكلم، وهو يردد هذه الأبيات: طوبى لعبد أحب مولاه … إذا خلا فى الظلام ناجاه قد كشف الحجب عن بواطنه … فنور مولاه قد تغشاه يقول: يا غايتى ويا أملى … ما خاب عبد تكون مولاه وكان من عادته فى مجالسه أيام حياته يرددها كثيرا فى كلامه فى الوعظ، قال: فطربت لسماع صوته فى المنام. قال: وحدثنى رجل - سماه - عن زوجته: أنها رأت سنة إحدى وعشرين فى المنام كأنها فى موضع فيه رياض وخضرة، وقوم يبنون فيه قصرا عاليا، وبقربه دولاب يدور، وامرأتان قائمتان بقرب القصر، كأحسن ما يكون من النساء. قالت: ففهمت أنهما من الحور العين. فسألت: لمن هذا القصر الذى يبنى؟ فقيل لها: للفخر الفقيه. قالت: وما رأيت له بابا مفتوحا. ثم رأيت ليلة عاشوراء سنة اثنتين وعشرين قبل وفاة الشيخ بشهر ذلك القصر قد فتح له باب، والحوريتان

стр. 600

عند بابه. فقالت: من يريد يجئ إلى هذا القصر؟ قالوا: الفخر صاحبه. قال: وحدثنى رجل - وذكر عنه دينا وخيرا - قال: رأيت الشيخ وكأنه فى مسجده مستند إلى ركن محرابه، والناس مجتمعون فى عقد ختمة. فلما انصرف الناس قلت للشيخ: بالله يا سيدى، هل رأيت الله؟ قال: إي والله. فقلت له: فنحن إيش تقول فينا؟ قال: أنتم من أصحابنا. قال: وحدثنى أبو الحسن بن إبراهيم بن البقش النجار - وكان يلازم الشيخ لسماع الحديث - قال: رأيت الشيخ بعد موته فى المنام على كرسى يعظ، وتحته رجال ونساء كثير. فسمعته ينشد: تجلى الحبيب لأحبابه … فطوبى لمن كان يعنى به فلما تجلى لهم كبروا … وخروا سجودا على بابه والمنامات الصالحة له كثيرة ﵀. وذكر المنذرى وغيره: أنه سئل عن معنى «تيمية» فذكر أن أباه أوجده حج على درب تيماء. فرأى هناك جويرية قد خرجت من خبائها. فلما رجع وجد امرأته قد وضعت جارية. فلما رآها قال: يا تيمية، كأنه يشبهها بتلك الجويرية، فلقبت بذلك. قال ابن النجار: ذكر لنا أن جده محمدا كانت أمه تسمى تيمية. وكانت واعظة. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنصارى، أنبأنا أحمد بن عبد الدائم أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم ابن تيمية الخطيب. ح - قال الأنصارى: وأخبرنا إبراهيم بن أحمد بن كامل المقدسى - حضورا - أخبرنا الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى قالا: أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقى بن البطى أخبرنا أبو الخطاب نصر ابن أحمد بن البطى.

стр. 601

ح - قال ابن عبد الدائم: وأنبأناه عاليا خطيب الموصل أبو الفضل عبد الله ابن أحمد بن محمد بن عبد القاهر - إجازة - أخبرنا ابن البطى، أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن عبد الله بن يحيى بن زكريا البيع، حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملى حدثنا العباس بن محمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطمى عن محمد بن كعب عن عبد الله بن يزيد الخطمى قال: «كان رسول الله ﷺ إذا ودع الجيش قال: أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم». ٢٧٥ - عبد الله بن أحمد بن الزيتونى البوازيجي، أبو محمد. هكذا نسبه ابن الساعى وغيره. وقال المنذرى: عبد الله بن على بن أحمد بن أبى الفرج الزيتونى البوازيجي. سمع من الحافظ معمر بن الفاخر، ويحيى بن ثابت بن بندار، وأبى على ابن الرحبى وغيرهم، وحدث. هذا ما ذكره. وقال أبو أحمد عبد الصمد بن أبى الجيش فى ذكر شيوخه بالإجازة: عبد الله بن على بن أحمد الزيتونى البوازيجي، سمع مشيخة شهدة عليها، وكذا وجدت اسمه فى طبقة سماعه جزء ابن عرفة على ابن كليب. وقال ابن الساعى: كان مقيما برباط محمود النعال، شيخ خير مسن صالح، صاحب سنة ورواية، أنشدنى من حفظه: ضيق العذر فى الضراعة … أنا لوقنعنا بقسمنا لكفانا مالنا نعبد العباد إذا كا … ن إلى الله فقرنا وغنانا وذكر الحافظ عمر بن الحاجب، فى معجمه، فى ترجمة الحافظ أبى القاسم الصريفينى، من أصحابنا: أنه تفقه على الشيخ أبى محمد عبد الله بن أحمد البوازيجي. وقرأت بخط الناصح ابن الحنبلى: السيد البوازيجي، كان دخل بغداد قبل

стр. 602

قدومى إليها بسنتين. وسمع درس الشيخ أبى الفتح بن المنى، وصحبه، وخدمه، وكان ببغداد مدة مقامى ببغداد، وسافر إلى البوازيج، ثم عاد إلى بغداد. وكان رجلا صالحا. وكان يخل بعينه، ولا يخل بدينه. قلت: غالب ظنى: أنه هذا. توفى عبد الله بن أحمد البوازيجي يوم الجمعة غرة ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن بمقبرة باب الحلية، رحمه الله تعالى. ٢٧٦ - محمد بن على بن مكى بن على بن ورخز البغدادى، الفقيه المعدل، أبو عبد الله - وفى تاريخ ابن الساعى: أبو نصر - بن أبى الحسن، وقد سبق ذكر والده. تفقه على أبى الفتح بن المنى، وأفتى وناظر، وأعاد الدرس لأستاذ الدار ابن الجوزى، وشهد عند الزنجانى، ورتب مشرفا على وكلاء الخليفة الناصر. وكان فقيها فاضلا، خيرا دينا، ثقة خبيرا بالمذهب، ذكر ذلك ابن الساعى، وقال: أنشدنى المعدل محمد بن ورخز، أنشدنى أبو الفضل الأشعرى العبرتى النحوى: يجمع المرء، ثم يترك ما جمع … من كسبه لغير شكور ليس يحظى إلا بذكر جميل … أو بعلم من بعده مأثور توفى يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ودفن بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى. ٢٧٧ - أحمد بن أبى المكارم بن شكر بن نعمة بن على بن أبى الفتح ابن حسن بن قدامة بن أيوب بن عبد الله بن رافع، المقدسى، الخطيب، أبو العباس، خطيب قرية مردا، من عمل نابلس. قال الحافظ ضياء الدين - ومن خطه نقلت - سافر إلى بغداد فى طلب العلم واشتغل. وحصل فى مدة يسيرة ما لم يحصل غيره فى مدة طويلة. وسمع الحديث

стр. 603

ببغداد من عبد الله بن شاتيل. سمعت عليه بقرية مردا، وبجبل قاسيون. وسمعت شيخنا الإمام عماد الدين إبراهيم بن عبد الواحد - غير مرة - يغبطه بما هو عليه من كثرة الخير فإنه يقوم بمصالح عديدة، منها: إقراء القرآن، والقيام بالخطابة والإمامة، وما يحتاج إليه المسجد من سرج وغير ذلك، وافتقاد الغرباء الواردين بما يصلحهم. ولا يتناول من وقف المسجد شيئا، كما بلغنى. ثم ذكر له كرامات من تكثير الطعام فى وقت احتيج فيه إلى تكثيره، ومن المعافاة من الصرع بما كتبه (١). قال المنذرى: توفى فى شعبان سنة اثنتين وعشرين وستمائة بمردا، ﵀. ٢٧٨ - أحمد بن على بن أحمد، الموصلى الفقيه الزاهد، أبو العباس، المعروف بالوتارة. ويقال: ابن الوتارة. وسمى ابن الساعى جده محمدا. قال المنذرى: سمع على علو سنه من المتأخرين. وقال الناصح ابن الحنبلى: كان يعرف أكثر مسائل الهداية لأبى الخطاب، ويأكل من كسب يده، ولباسه الثوب الخام. وانتفع به جماعة. وصار له حرمة قوية بالموصل، واحترام من جانب صاحبها ومن بعده. وقال ابن الساعى: شيخ صالح، كثير العبادة، يعتقد فيه، ويتبرك به، أمّارا بالمعروف، نهاء عن المنكر. بلغنى: أنه توفى بالموصل فى يوم الأربعاء رابع ذى الحجة سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وقال الناصح والمنذرى: توفى فى رابع عشر ذى الحجة. وقرأت بخط ابن الصيرفى: أنه توفى سنة ثلاث وعشرين. وهو وهم. ٢٧٩ - يعيش بن ريحان بن مالك، كذا نسبه الدبيثى وغيره. ووجدت بخطه: يعيش بن ريحان. وقال جماعة: يعيش بن مالك بن ريحان.

стр. 604

وقال عبد الصمد بن أبى الجيش: يعيش بن ملك بن هبة الله بن ريحان، الانبارى، ثم البغدادى، الفقيه الزاهد، أبو المكارم - ويقال: أبو البقاء - والأول: أشهر. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة تقريبا. وسمع من أبى الحسن بن الدجاجى كثيرا من الحديث ومن كتب المذهب، ورواها عنه، كالهداية لأبى الخطاب، والانتصار (١) لابن عقيل. وسمع من صدقة بن الحسين أيضا، ومن أبى زرعة المقدسى، وعبد الحق اليوسفى، وأبى حامد محمد بن أبى الربيع الغرناطي، وأبى محمد ناصر بن أحمد بن حسين الخورى، وشهدة الكاتبة، وغيرهم. وتفقه فى المذهب. وكان موصوفا بالعلم والصلاح. وقال المنذرى: كان من فضلاء الفقهاء، متدينا، معتزلا عن الناس. ولنا منه إجازة. وحدث. وذكر ابن حمدان الفقيه: أن أبا الفضل حامد بن أبى الحجر لما ولاه السلطان نور الدين التدريس والخطابة بحران، كتب إليه يعيش هذا من بغداد أبياتا، وهى: ظعن الذين عهدتهم … ولتظعنن كمن ظعن يا غاسلن ثيابه … اغسل هواك من الدرن ما صح ظاهر مبطن … حتى يصحح ما بطن ولربما احتلبت يداك … دما وتحسبه لبن وكان ابن أبى الحجر يتوسوس فى طهارته وغسل ثيابه كثيرا. روى عنه ابن الدبيثى، ويحيى بن الصيرفى الفقيه. وأجاز لعبد الصمد بن أبى الجيش.

стр. 605

وتوفى ليلة الخميس خامس عشر ذى الحجة سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ودفن من الغد بباب حرب. رحمه الله تعالى. كذا قال المنذرى وغيره. وذكر ابن الساعى: أنه توفى يوم الخميس. وقال: ودفن بمقبرة جامع المنصور. ٢٨٠ - عمرو بن رافع بن علوان الزرعى. ذكره ناصح الدين بن الحنبلى. قال: قدم ابن زرع فى عشر الستين - يعنى والخمسمائة - وهو ابن نيف وعشرين سنة. ونزل عندنا فى المدرسة هو ورفقة له. واشتغلوا على والدى. فحفظوا القرآن. وسمعوا درسه، وحفظوا كتاب «الإيضاح» - يعنى للشيخ أبى الفرج جدهم - قال: وكان هذا الفقيه عمرو يحفظ كثيرا وسريعا. تلقن سورة البقرة فى درسين أو ثلاثة. وعمل الفرائض، فأسرع فى معرفتها. ورحل إلى حران. وأقام بها مدة مديدة يشتغل. ثم رجع إلى دمشق، ثم إلى زرع، وأقام بها، يفتى ويقف على ما يندب إليه من المساحة والحدود. ثم أضر فى آخر عمره. ومات بزرع سنة اثنتين وعشرين وستمائة. رحمه الله تعالى. ٢٨١ - مظفر بن إبراهيم بن جماعة بن علي بن شامى بن أحمد بن ناهض ابن عبد الرزاق العيلانى - بالعين المهملة. قاله المنذرى - الأديب الشاعر العروضى، الضرير المصرى، أبو العز. ويلقب موفق الدين. ولد لخمس ليال بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمصر. وسمع الحديث من أبى القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حسين السبتى، ومحمود ابن طاهر بن أحمد بن الصابونى، وأبى طاهر بن ياسين، والبوصيرى، وغيرهم. ولقى جماعة من الأدباء، وقال الشعر الجيد، وبرع فى علم العروض، وصنف فيه تصنيفا مشهورا. دل على حذقه. ومدح جماعة كثيرة من الملوك والوزراء، وغيرهم. وحدث بتصنيفه، وشئ من شعره.

стр. 606

قال المنذرى: وسمعت منه. وكان بقية فضلاء طبقته. وذكر ابن خلكان أنه قال: دخلت مرة على القاضى هبة الله بن سناء الملك الشاعر، فقال لى: يا أديب، قد صفت نصف بيت، ولى أيام أفكر فى تمامه قلت: وما هو؟ قال * بياض عذارى من سواد عذاره * قلت: قد حصل تمامه: * كما جلّ نارى فيه من جلّناره * فاستحسنه وعمل عليه، ومن نظمه: الأبيات المشهورة السائرة. قالوا: عشقت، وأنت أعمى … ظبيا كحيل الطرف ألمى وحلاه ما عاينتها … فنقول قد شغفتك دهمى وخياله بك فى المنا … م فما أطاف ولا ألمّا من أين أرسل للفؤا … د وأنت لم تنظره - سهما ومتى رأيت جماله … حتى كساك هواه سقما؟ والعين داهية الهوى … وبه تنم إذا تنمى وبأى جارحة وصلت … بوصفه نثرا ونظما؟ فأجبت: إنّي موسوى … العشق إنصاتا وفهما أهوى بجارحة السما … ع ولا أرى ذات المسمى توفى فى سحر يوم الأحد تاسع المحرم سنة ثلاث وعشرين وستمائة بمصر، ودفن من الغد بسفح المقطم. رحمه الله تعالى. ٢٨٢ - أحمد بن محمود بن أحمد بن ناصر البغدادى، الحريمى الحذاء، أبو العباس بن أبى البركات. وقد سبق ذكر والده. ولد سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة تقديرا. وسمع بإفادة والده من أبى الفتح بن البطى، ويحيى بن نابت بن بندار، وسعد الله بن الدجاجى، وأبى جعفر بن القاص، وغيرهم. وتفقه على والده أبى البركات. وحدث. وأجاز للمنذرى.

стр. 607

قال ابن الساعى: توفى يوم الأربعاء حادى عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ودفن بمقبرة باب حرب. والذى قدمه المنذرى: أنه توفى ليلة الرابع عشر من الشهر المذكور. ٢٨٣ - أحمد بن ناصر بن أحمد بن محمد بن ناصر الاسكافى، الفقيه، أبو العباس بن أبى البركات، الفقيه الحربى. قرأ طرفا من الفقه على والده. وسمع الحديث من أبى الفتح بن البطى، ويحيى بن ثابت بن بندار، وسعد الله بن الدجاجى، وغيرهم. كتب عنه ابن النجار، وقال: كان شيخا حسنا، فهما متيقظا. توفى يوم الأربعاء حادي عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ودفن بباب حرب ﵀. ٢٨٤ - أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدى، المقدسى، ثم الدمشقى، المعروف بالبخارى. شمس الدين، أبو العباس أخو الحافظ ضياء الدين محمد، ووالد الفخر على، مسند وقته. ولد فى العشر الأواخر من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة بالجبل. وسمع بدمشق من أبى المعالى بن صابر، وغيره. ورحل إلى بغداد. وسمع من أبى الفتح بن شاتيل، وابن الجوزى، وطبقتهم وسمع بنيسابور من عبد المنعم الفراوى. وسمع بواسط من جماعة. وتفقه وبرع. وأقام ببخارى مدة يشتغل بالخلاف على الرضى النيسابورى، ولهذا عرف بالبخارى. ثم رجع إلى الشام، وسكن حمص مدة. ويقال: إنه ولى بها القضاء، كما ذكره المنذرى وغيره. وأنكر أبو القاسم بن العديم ذلك. قال الذهبى: وكان إماما عالما، مفتيا مناظرا، ذا سمت ووقار. وكان كثير المحفوظ، حجة صدوقا، كثير الاحتمال، تام المروءة. لم يكن فى المقادسة أفصح

стр. 608

منه. واتفقت الألسنة على شكره، وشهرته وفضله. وما كان عليه يغني عن الإطناب فى ذكره. حدث البخارى بدمشق وحمص. وسمع منه جماعة. منهم: عبد الرزاق الرسعنى. وروى عنه أخوه الضياء الحافظ، وولده الفخر على. وأجاز للمنذرى. وتوفى ليلة الخميس خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وستمائة. كذا قال المنذرى. وقال ابن العديم: توفى ليلة الجمعة خامس عشر من الشهر المذكور. ودفن من الغد إلى جانب خاله الشيخ موفق الدين رحمه الله تعالى. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد. حدثنا والدى أبو العباس - من لفظه بحمص - أخبرنا أبو الفتح بن شاتيل أخبرنا أبو القاسم بن بيان أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن بشران حدثنا محمد بن الحسن بن أبى شعيب الحرانى حدثنا عبد العزيز بن داود الحرانى حدثنا حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يحيى بن يعمر قال: قلت لابن عمر: عندنا رجال بالعراق يقولون: إن شاءوا عملوا، وإن شاءوا لم يعملوا، وإن شاءوا دخلوا الجنة، وإن شاءوا دخلوا النار، ويصنعون ما شاءوا. قال ابن عمر: «أخبرهم أنى منهم برئ، وهم برآء منى. ثم قال: جاء جبريل إلى النبى ﷺ وذكر الحديث». ومن فتاوى أبى العباس البخارى بحمص: سئل عن رجل دفع إلى رجل مائة قراضا. فربح ستين. ثم أخذ رب المال منه ثمانين. ثم اتجر المضارب بالباقى، فصار خمسة عشر؟ فأجاب: لا يجب على المضارب شئ، بل تقع الخمسة عشر التى بقيت بدلا عن نصيبه. وذلك لأن المضارب كان يستحق خمسة عشر، ضرورة أن الثلاثين من الذى أخذ هى الريح. وكان المضارب يستحق النصف. قلت: وجه هذا: أن رب المال لما أخذ نصف رأس المال ونصف الربح

стр. 609

استحق العامل مما أخذه من الربح: نصفه. وهو خمسة عشر. وهو ربع الربح، وبقى رأس المال فى يد المضارب خمسون. والثلاثون الزائدة ربح، فلما اتجر فيه العامل وخسر: جبر رأس المال الباقى فى يده بربحه، ولم يستحق شيئا من ربحه، وبقى له على رب المال نصيبه مما أخذه من الربح، وهو خمسة عشر. إذ هى نصف ما أخذه من الربح، فيستحقها عليه، ولا ينجبر بها هذا الخسران؛ لأن ما أخذه رب المال انفسخت فيه المضاربة، وانقطع حكمه عما بقى فى يد العامل. وظاهر ما أفتى به البخارى: يقتضى أن العامل أخذ الخمسة عشر الباقية فى يده عوضا عن نصيبه الذى يستحقه على رب المال. وذكر الشيخ موفق الدين فى نظير هذه المسألة: أن العامل يرد ما فى يده إلى رب المال، ويطالبه بحقه مما أخذه من الربح، لئلا يكون مستوفيا من تحت يده من مال من له عليه الحق. ٢٨٥ - عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل ابن منصور المقدسى، الفقيه الزاهد، بهاء الدين، أبو محمد بن عم البخارى المذكور قبله. ولد سنة ست - ويقال: سنة خمس - وخمسين وخمسمائة. وسمع بدمشق من أبى عبد الله بن أبى الصقر وغيره. ورحل إلى بغداد، وسمع بها من شهدة، وعبد الحق اليوسفى، وطبقتهما، وسمع بحران من أحمد ابن أبى الوفاء الفقيه. ويقال: إنه تفقه ببغداد على ابن المنى، وتفقه بدمشق على الشيخ موفق الدين ولازمه، وعلق عنه الفقه واللغة، وقرأ العربية. وصنف فى الفقه والحديث والرقائق. فمن تصانيفه «شرح العمدة» للشيخ موفق الدين فى مجلد، وهو شرح مختصر، ونص فى أوله: أن الماء لا ينجس حتى يتغير مطلقا، ويقال: إنه شرح «المقنع» أيضا.

стр. 610

وقال سبط ابن الجوزى: كان يؤم بمسجد الحنابلة بنابلس، ثم انتقل إلى دمشق. قال: وكان صالحا ورعا زاهدا، غازيا مجاهدا، جوادا سمحا. وقال المنذرى: كان فيه تواضع، وحسن خلق، وأقبل فى آخر عمره على الحديث إقبالا كليا، وكتب منه الكثير. وحدث بنابلس، ودمشق. توفى ﵀ فى سابع ذى الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة، ودفن من يومه بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى. قرأت بخط الشيخ بهاء الدين، قال الخرقى: وإذا قال له: يا لوطى، وقال: أردت أنه من قوم لوط، فلا شئ عليه. وقال: إذا قذف من كان مشركا وقال: أردت أنه زنى وهو مشرك، لم يلتفت إلى قوله وحدّ. سألت موفق الدين عن الفرق بينهما؟ فقال: قد قيل فى الأدلة: إنها على خلاف الظاهر، وأنه لا يلتفت إلى قوله كالثانية، لأن قوم لوط قد انقرضوا، وهذا بعيد. وإن فرق بينهما، فلأنه إذا قال: أردت أنه زنى وهو مشرك، فقد ألحق به العار فى الحال بقوله: يا زانى، والزنا عار فى حالة الشرك، وقد وصفه به وهو مسلم، فلا يلتفت إلى تفسيره ويحد. وأما إذا قال: يا لوطى، وقال: أردت أنك من قوم لوط فقد نفى عنه العار، لأن كونه من قوم لوط: لا عار فيه، وقد فسر اللفظ بما يحتمله. والله أعلم. ٢٨٦ - عبد الله بن نصر بن محمد بن أبى بكر الحرانى، المقرئ الفقيه، أبو بكر قاضى حران. رحل إلى بغداد وتفقه بها، وسمع الحديث من شهدة وابن شاتيل وطبقتهما. ورحل إلى واسط، وقرأ بها القرآن بالروايات على أبى بكر الباقلانى. وأبى طالب الكنانى، وجماعة آخرين. وصنف كتبا فى القراءات، منها «التذكير» فى قراءة السبعة، ومنها «مفردات» فى قراءة الأئمة، وأقرأ القرآن، وحدث بحران.

стр. 611

روى عنه الأبرقوهى وجماعة. قال ابن حمدان الفقيه: سمعت عليه أشياء. قال: وكان مشهورا بالديانة والصيانة، مستوحدا فى فنه، وفى فنون القراءة، وجودة أدائها. توفى ﵀ سنة أربع وعشرين وستمائة نجران. ٢٨٧ - عبد المحسن بن عبد الكريم بن ظافر بن رافع، الحصنى الحصرى، المصرى الفقيه، أبو محمد. ولد فى أوائل سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بمصر. وسمع بها من أبى إسحاق إبراهيم بن هبة الله بن محمد البغدادى، وأبى روح المطهر بن أبى بكر الجيوشانى، وأبى نزار ربيعة بن الحسن اليمانى الحافظ، وعبد المجيب بن زهير الحربى، وأبى عبد الله محمد بن عمر العثمانى، وجماعة سواهم. ورحل إلى دمشق. فتفقه بها على الشيخ موفق الدين المقدسى. وانقطع إليه مدة، وتخرج به، وسمع منه ومن أبى الفتوح البكرى وغيرهما. وسمع بحران من الحافظ عبد القادر الرهاوى، وحدث بحمص وبمصر. وكتب بخطه. وحصل كتبا، وتوجه إلى الحج، فغرق فى البحر، وذهب جميع ما معه. وعاد إلى مصر مجردا من جميع ما كان معه. ولم يزل على سداد وأمر جميل إلى أن توفى فى ثالث جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وستمائة بمصر. ودفن من الغد بسفح المقطم على شفير الخندق بقرب كافور الإخشيد. ذكر ذلك كله المنذرى، ووصفه بأنه رفيقه. قال: وفى ليلة ثانى عشر الشهر المذكور توفى: ٢٨٨ - الفقيه أبو الفضل داود بن رستم بن محمد بن أبى سعيد الحرانى الحنبلى ببغداد. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. سمع من نصر الله القزاز وغيره. وحدث. وذكره ابن النجار، وأنه ناطح الستين

стр. 612

٢٨٩ - عبد الرحمن بن على بن أحمد بن على بن محمد التانرايا، البغدادى، الواعظ، الفقيه، المعدل، ثم الحاكم أبو محمد، ويقال: أبو الفضل. ويقال: أبو المعالى. ويلقب موفق الدين. سمع من عبد الحق اليوسفى، وابن شاتيل، ونصر الله القزاز، وابن المنى، وابن الجوزى، وغيرهم. وتفقه على أبى الفتح بن المنى، وبرع وناظر، وقرأ الوعظ على أبى الفرج ابن الجوزى وصحبه. ووعظ بباب بدر تحت منظرة الخلافة، من زمن الخليفة الناصر، مع محيى الدين ابن الجوزى. قال ابن النجار: كان حسن الأخلاق فاضلا. وقال المنذرى: كان فقيها فاضلا مناظرا. وله يد فى الوعظ. قلت: ولما صرف الشيخ شهاب الدين السهروردى صاحب العوارف عن مشيخة رباط الزوزنى بمدرسة المنصور، سنة ثمان وستمائة فى خلافة الناصر، جعل ابن التانرايا شيخا للرباط المذكور، وينظر فى أوقافه. ولما ولى قاضى القضاة أبو صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر فى خلافة الظاهر: شهد عنده. ثم استنابه فى الحكم بحريم دار الخلافة وقد حدث. وسمع منه غير واحد، منهم: ابن النجار. وأجاز للمنذرى، ولعبد الصمد بن أبى الجيش قال الشيخ عبد الصمد: كان أصله من العجم. وسبب هذا اللقب: أن بعض أجداده كان يقول: إن بيتا فى التانى رايا. فلقب هذا اللقب توفى ليلة الاثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وستمائة فجأة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب. رحمه الله تعالى وفى هذه السنة فى حادى عشرين ذى القعدة توفى:

стр. 613

٢٩٠ - بهاء الدين أبو العباس أحمد بن نجم بن عبد الوهاب الحنبلى الدمشقى، أخو الشهاب والناصح. ودفن بالجبل. وكان أكبر الإخوة. فكان مولده: سنة تسع وأربعين وخمسمائة. سمع من القاضى أبى الفضل بن الشهرزورى. وحدث عن الحيص بيص الشاعر. وأجاز للمنذرى ٢٩١ - سلامة بن صدقة بن سلامة بن الصولى، الحرانى الفقيه، الفرضى أبو الخير. ويلقب موفق الدين سمع ببغداد من أبى السعادات الفزاز، وغيره. وتفقه بها. قال ابن حمدان: كان من أهل الفتوى، مشهورا بعلم الفرائض، والحساب والجبر والمقابلة. سمعت عليه كثيرا من الطبقات لابن سعد. وقرأت عليه ما صنفه فى الحساب والجبر والمقابلة، وأجوبته فى الفتوى غالبا «نعم» أو «لا». قلت: روى عنه الأبرقوهى. سمع منه بحران. وقال المنذرى: لنا منه إجازة، وقال: و «الصولى» بفتح الصاد المهملة الإسكاف. هكذا يقول أهل بلده. قلت: ورأيت على مقدمة الفرائض من تصنيفه: ابن الصولية. ولم يضبط الصاد بشئ. وفى هذه المقدمة فوائد، منها: أنه قال: تنزل العمة أبا، وعمته عما. فيحتمل عمّا لأبوين. ويحتمل كل واحدة بمنزلة أخيها. وهذا غريب. ويلزم من تنزيل العمة للأم عمّا لأم إسقاطها. توفى فى المحرم سنة سبع وعشرين وستمائة بحران. رحمه الله تعالى. ٢٩٢ - عبد الله بن معالى بن أحمد الريانى، المقرئ الفقيه، أبو بكر. تفقه على أبى الفتح بن المنى، وغيره. وسمع من ابن المنى، وشهدة، وغيرهما. وحدث.

стр. 614

قال ابن نقطة: سمعت منه أحاديث. وهو شيخ حسن. وقال ابن النجار: كان صالحا، حسن الطريقة. وشهد عند القضاة. وحدث باليسير. توفى فى يوم الجمعة خامس جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة (١). ودفن من الغد بمقبرة الإمام أحمد. وهو منسوب إلى الريان - بفتح الراء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها، وبعد الألف نون - محلة بشرقى بغداد، قريب باب الأزج. وفى ثانى عشر جمادى الأولى من السنة. توفى: ٢٩٣ - الفقيه سليمان بن أحمد بن أبى عطاف المقدسى، نزيل حران بها. تفقه وحدث عن أبى الفتح بن أبى الوفاء الفقيه. ٢٩٤ - محمد بن أحمد بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم الجيلى، ثم البغدادى، المحدث المعدل، أبو المعالى بن أبى الفضل بن أبى المعالى. ويلقب فخر الدين. وقد سبق ذكر آبائه. ولد ببغداد ليلة الجمعة سادس عشرين جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة. وتوفى والده، وله سنة وشهور. فتولاه خاله أبو بكر بن مشق، وأسمعه الكثير من خلق، منهم: يحيى بن يوسف السقلاطونى، وعبد الحق اليوسفى، وصالح بن الرخلة، وأبو العباس بن بكروس الفقيه، وأبو الفتح بن الشريك وشهدة، وغيرهم. وقرأ القرآن بالروايات. وتفقه فى المذهب، وقرأ الحديث الكثير بنفسه على أصحاب ابن بنان، وابن نبهان، وأبى طالب اليوسفى وطبقتهم.

стр. 615

قال ابن النجار: كان طيب النغمة فى قراءة القرآن والحديث، مواظبا على قراءة الحديث بمسجده بدرب المطبخ، وبحلقته بجامع القصر، ويفيد الناس إلى آخر عمره. وكان متدينا صالحا، حسن الطريقة، جميل السيرة، ساكنا وقورا، صدوقا أمينا. كتبت عنه، ونعم الرجل كان. ولقد اصطحبنا مدة فى طلب الحديث فما رأيت منه إلا خيرا. وقال ابن نقطة: هو ثقة مأمون، مكثر حسن السمت. وقال المنذرى: كان فاضلا، مرضى السيرة. قال ابن الساعى: كان ثقة صالحا خيرا، كثير السكون، حسن السمت، جميل الطريقة من بيت العدالة والرواية، ولي كتابة باب طراد، والخزن بالديوان وعين للدخول على ولى العهد أبى نصر محمد، وهو الخليفة الظاهر. وكتب عنه ابن الساعى، وأجاز للمنذرى. روى عنه عبد الصمد بن أبى الجيش. قال ابن النجار: وتوفى يوم الأحد رابع رجب سنة سبع وعشرين وستمائة وصلّى عليه من الغد بالنظامية. وكان الجمع متوافرا جدا، وحمل إلى باب حرب فدفن عند آبائه بدكة الإمام أحمد. رضى الله عنه. قرئ على أبى الربيع محمد بن عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبى الجيش - وأنا أسمع، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ببغداد - أخبرك والدك أبو أحمد عبد الصمد ابن أحمد قال: حدثنا أبو المعالى محمد بن أحمد بن شافع أخبرنا أبو الفرج (١) بن كليب أخبرنا صاعد بن سيار الهروى أخبرنا أبو عامر الأزدى وأبو المظفر البغاوردانى قالا: أخبرنا الجراحى أخبرنا المحبوبى حدثنا الترمذى حدثنا أحمد بن منيع حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سعيد الجريرى عن قيس بن عباية عن عبد الله ابن مغفل قال: سمعنى أبى وأنا أقول فى الصلاة «بسم الله الرحمن الرحيم» قال

стр. 616

«أى بنى، محدث، إياك والحدث. قال: ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث فى الإسلام - يعنى منه - قال: وصليت مع النبى ﷺ ، ومع أبى بكر، ومع عمر، ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها. فلا تقلها إذا صليت. وقل: الحمد لله رب العالمين» أخبرنا - عاليا - محمد بن إسماعيل الأنصارى - بدمشق - أخبرنا يحيى بن أبى منصور بن الصيرفى الحرانى الفقيه - حضورا - أخبرنا عبد القادر الرهاوى الحافظ أخبرنا نصر بن سيار الهروى أخبرنا الأزدى - فذكره. ٢٩٥ - أحمد بن نصر بن الحسين بن فهد، العلثى، الفقيه، أبو العباس سمع من أبى شاكر السقلاطونى، وعبد الحق اليوسفى، وعبد الرحمن بن جامع الفقيه، وشهدة. وتفقه على ابن المنى. وكان حسن الكلام فى مسائل الخلاف، وفيه صلاح وديانة. وله مسجد بالريان يصلى فيه، ويقرئ الناس. وكان زيه زى العوام فى ملبسه. وحدث. وسمع منه جماعة. توفى ليلة الثلاثاء ثانى عشر شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة. ودفن من الغد بمقبرة الريان خلف مسجده. وقال ابن النجار: وأظنه ناطح السبعين. رحمه الله تعالى. ٢٩٦ - عبد الوهاب بن زاكى بن جميع الحرانى، الفقيه، ناصح الدين، أبو محمد نزيل دمشق. سمع بحران من عبد القادر الرهاوى متأخرا. قال ابن حمدان: كان فاضلا فى الأصلين والخلاف، فى الفروع والعربية، والنظم والنثر، وغير ذلك. رحل إلى بغداد. وقرأت عليه «الجدل الكبير» لابن المنى، وبعض تعليقه و «منتهى السول» وغير ذلك. وكان كثير المروءة والأدب، حسن الصحبة

стр. 617

وقلت فى مرثيته أبياتا، منها: علا منزلا عال من المجد والنهى … فأضحى ولا يرقى له مورد الشرب وساد لسادات الزمان بسؤدد … يدوم دوام الدهر فى الشرق والغرب وذكر المنذرى: أنه حدث بشئ من شعره، قال: و «جميع» بضم الجيم وفتح الميم. وتوفى فى خامس ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وستمائة بدمشق. ودفن من الغد بسفح قاسيون رحمه الله تعالى. ٢٩٧ - سليمان بن عمر بن المشبك الحرانى، الفقيه، الأصولى أبو الربيع. ويلقب كمال الدين. قال ابن حمدان: كان رجلا صالحا ورعا، فاضلا فى الأصلين والخلاف والمذهب. وله تصانيف كثيرة فى ذلك كله، منها عبادات، ومختصر الهداية والوفاق والخلاف بين الأئمة الأربعة، ومسائل خلاف، وأصول فقه، وغير ذلك قلت: رأيت له كتاب «الراجح» فى أصول الفقه، قال: ومنها «اعتقاد أهل حران» و «نفى الآفات عن آيات الصفات» و «صرف الالتباس عن بدعة قراءة الاخماس» وغير ذلك. قال: وعدته فى مرضه، ولم أسمع منه شيئا. مات زمن اشتغالى، وندمت على ما فاتنى منه. توفى بعد العشرين وستمائة يعنى بحران. قلت: أظنه مات فى أول هذا الشهر. والله أعلم. ٢٩٨ - خلف بن محمد بن خلف الكنرى، البغدادى، المقرئ، أبو الذخر ولد بكنّر، من قرى بغداد، سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وحفظ بها القرآن. وتفقه فى المذهب. ثم سافر إلى الموصل واستوطنها. وسمع بها من الخطيب أبى الفضل الطوسى، ويحيى الثقفى، وغيرهما.

стр. 618

وحدث، وأقرأ القرآن. وكتب عنه الناس. وكان متدينا صالحا، حسن الطريقة. توفى فى محرم سنة تسع وعشرين وستمائة بالموصل. رحمه الله تعالى. ٢٩٩ - يوسف بن فضل الله بن يحيى السكاكينى الحرانى، الأديب الزاهد، أبو المظفر، وأبو الحجاج. سمع على الرهاوى بحران بعد الستمائة. وذكره ابن حمدان فقال: كان إمام البلد فى وقته فى النحو واللغة والتصريف والقراءات. وله تصنيف كبير فى الزهد والورع. وله النظم الكثير الحسن. وتوفى بحران. ودفن بداره التى جعلها دار حديث، ووقف بها خزانته وكتبه. ولم تؤرخ وفاته. ثم رأيته قد سمع عليه شئ من نظمه فى صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة بحران، ومنه قوله: أفق يا ذا النهى، وابغ الوفاقا … فقد والله أفلح من أفاقا ونفسك أيها المغرور صنها … عن الدنيا، وبثّ لها طلاقا ولا تركن إليها؛ فهى سجن … سفيه من رجا منها إباقا ولا تفرح بزخرفها، فإنى … رأيت تمام ما تعطى محاقا ولكن من تلفع ثوب زهد … يفك بزهده عنه الوثاقا إذا ما ساعة للحشر قامت … ولم ير عند صبحتها فواقا وبرزت الجحيم لها زفير … وحل عذابها بهم وحاقا وتنصب للعصاة وقد أتوها … وما وافوا بصالحة رهاقا فكن حذرا وقت حلول دار … يكون شراب ساكنها غساقا وجاهد كى تصير إلى نعيم … مقيم لا تخاف له فراقا بدار شرب ساكنها رحيق … تعاطى الكأس مترعة دهاقا

стр. 619

من التسليم والولدان تسعى … بها أبدا صبوحا واغتباقا وعندهم حسان قاصرات … صفا ودّ الحسان لهم وراقا وأنهار بها عسل مصفى … ومن لبن زها الرائي وشاقا ومن خمر تلذّ لشاربيها … ولا تغتال عقلا إذ تساقى وما لا يرى فيها أجون … إذا ما استاقه الساقى وذاقا وأفنان القطوف بها دوان … وتعتنق الغصون بها اعتناقا وفيها ما تشهى النفس حتما … لمن لم ينو فى الدنيا نفاقا ولم يأت الخطايا مستحلا … ولا دانى فواحشها شقاقا وأعظم منه لله فيها … على العبد التحية حين لاقى سلام يا عبادى نلتموه … جزاء من مليككموا وفاقا فخروا ثم كاد العقل منهم … وقد لا قوه ينطلق انطلاقا وكيف القلب لا ينشق منى … على هذا بغصته انشقاقا وحول القوم أشجار وروض … من المرجان تصطفق اصطفاقا وحور من بطون الغيب تبدو … فتعتلق القلوب بها اعتلاقا يلاعب بعضهم بعضا سرورا … بود ما أتوا فيه مذاقا فمن رام الخلود بدار عدن … يشمر فى تطلب ذاك ساقا ويلزم نفسه سهر الليالى … ويكلف فى العبادة ما أطاقا فلا والله ما نال المعالى … أخو دعة يمدّ له رواقا وينشد مستظلا فى فناه … أيدرى الربع أى دم أراقا بلى والله من جد اجتهادا … وسابق فى رضى المولى سباقا وحج البيت عاما بعد عام … وأعمل نحوه عيسا دقاقا ولم يركن إلى الدنيا غرورا … وقطع من علائقها الرباقا

стр. 620

ولا يلوى على أهل ومال … وحن إلى فراقهما وتاقا فطورا يقطع البيداء شاما … وطورا سالكا فيها عراقا وفارق زهرة الدنيا مطيعا … وأقبل نحو أخراه اشتياقا وعانى من أليم الشوق وجدا … وكابد من تلهبه احتراقا ورافق من يرافقه برفق … ولا يشكو إلى أحد رفاقا جديرا أن يصير إلى سرور … يلذ به ويرتفق ارتفاقا فيا طوبى لمن أصغى لوعظى … وزايل غيه ثم استفاقا وذكر باقى القصيدة، وهى طويلة، رواها عنه المحدث أبو حفص عمر بن مكى ابن سرحاء الحلبى القلانسى. وله مرثية فى الشيخ موفق الدين المقدسى، رواها عنه الحافظ الضياء إجازة. ٣٠٠ - يحيى بن سعيد بن علي بن يعقوب البغدادى القطفتى الفقيه المعدل، أبو محمد، ويقال: أبو زكريا، ابن أبى سعيد بن أبى الحسن، المعروف بابن غالية بالغين المعجمة. ذكر أنه سمع من ابن البطى وسمع من أبى الفتح بن المنى. وتفقه عليه. وحصل طرفا صالحا من الفقه. ونظر فى علم الحساب وغيره. وشهد عند الحكام. وولى خبرية باب النوبى. ثم عزل، وناب فى نظر المارستان. وكتب عنه ابن الساعى. وسمع منه عبد الصمد بن أبى الجيش أبياتا للقيروانى بسماعه من أبى محمد الحسن بن عبيدة النحوى، وقال عبد الصمد: هو خالى. ولم يؤرخ وفاته. وبقى إلى حدود العشرين والستمائة أو بعدها. وفى وفيات المنذرى: وفى جمادى الأولى - يعنى سنة تسع وعشرين - توفى الشيخ أبو يحيى زكريا بن يحيى القطفتى ببغداد. ودفن بمقبرة معروف. ومولده سنة أربع - أو خمس - وأربعين وخمسمائة. سمع من يحيى بن موهوب بن أنسديك. وحدث. كذا سماه. وفى اسمه تخبيط فى النسخة فيحرر ذلك.

стр. 621

٣٠١ - محمد بن عبد الغنى بن أبى بكر بن شجاع بن أبى نصر بن عبد الله البغدادى الحافظ، أبو بكر بن أبى محمد، المعروف بابن نقطة. ويلقب معين الدين، ومحب الدين أيضا. ولد فى عاشر رجب سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وسمع ببغداد من يحيى بن بوش، وعبد الوهاب بن سكينة، وعمر بن طبرزد، وابن الأخضر الحافظ، وأحمد بن الحسن العاقولى، وخلق. ورحل إلى البلدان. فسمع بواسط من أبى الفتح بن المنداوى، وبأربل من عبد اللطيف بن أبى النجيب السهروردى. وبإصبهان من عفيفة الفارقانية، وزاهر بن أحمد، والمؤيد بن الأخوة، وأبى الفخر بن روح، وجماعة. وبخراسان من منصور بن عبد المنعم الفراوى، والمؤيد الطوسى، وزينب المسعرية، وجماعة. وبدمشق من أبى اليمن الكندى، وأبى القاسم ابن الحرستانى، وداود ابن ملاعب، وغيرهم. وبمصر من أبى عبد الله الحسين بن أبى الفخر الكاتب، وعبد القوى ابن الحباب، وطائفة من أصحاب السلفى وغيره. وسمع بالاسكندرية من ابن عماد الحرانى، وجماعة من أصحاب السلفى. وسمع بمكة من يحيى بن ياقوت. وبحران من الحافظ عبد القادر، وبحلب من الافتخار الهاشمى، وبالموصل من جماعة، وبدمنهور ودنير، وبلاد أخر. وعنى بهذا الشأن عناية تامة. وبرع فيه. وكتب الكثير. وحصل الأصول. وجمع، وصنف تصانيف مفيدة. ذكره عمر بن الحاجب الحافظ فى معجمه فقال: شيخنا هذا أحد الحفاظ

стр. 622

الموجودين فى هذا الزمان. طاف البلاد، وسمع الكثير، وصنف كتبا حسنة فى معرفة علوم الحديث والأنساب. وكان إماما زاهدا ورعا، ثقة ثبتا، حسن القراءة، مليح الخط، كثير الفوائد، متحريا فى الرواية، حجة فيما يقوله ويصنفه وينقله ويجمعه، حسن النقل، مليح الخط والضبط، ذا سمت ووقار وعفاف، حسن السيرة، جميل الظاهر والباطن، سخى النفس مع القلة، قانعا باليسير، كثير الرغبة إلى الخيرات. سألت ابن عبد الواحد - يعني الحافظ الضياء - عنه؟ فقال: حافظ دين ثقة، صاحب مروءة، كريم النفس، كثير الفائدة، مشهور بالثقة، حلو المنطق. وسألت البرزالى عنه؟ فقال: ثقة دين مفيد. انتهى ما ذكره. وقال المنذرى: رفيقنا الحافظ أبو بكر بن نقطة. سمعت منه. وسمع مني بجيرة فسطاط مصر وغيرها. وكان أحد المشهورين بكثرة الطلب والكتابة والرحلة. وصنف تصانيف مفيدة. وقال ابن خلكان: دخل خراسان، وبلاد الجبل، والجزيرة، والشام، ومصر. ولقى المشايخ، وأخذ عنهم. وكتب الكثير، وعلق التعاليق النافعة، وذيل على «الإكمال» لابن ماكولا فى مجلدين. وله كتاب آخر لطيف فى الأنساب. وله كتاب «التقييد بمعرفة رواة السنن والمسانيد» وله غير ذلك. وقال الحافظ الذهبى: الحافظ الإمام المتقن، محدث العراق، أبو بكر ابن نقطة - وذكر ترجمته، إلى أن قال - وكتابه «المستدرك على إكمال ابن ماكولا» ينبئ بإمامته وحفظه. وكان متقنا محققا. له سمت ووقار. وفيه دين وقناعة. قفى أثر والده فى الزهد والتقشف، لم ألق أحدا يروى لى عنه. قال: وروى عنه المنذرى، والسيف ابن المجد، وعبد الكريم بن منصور الأثرى، وأبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الغنى، وعزّ الدين الفاروتى، وابنه الليث بن نقطة. وذكر غيرهم.

стр. 623

وذكر عمر بن الحاجب عن ابن الأنماطى أنه سأله عن نسبته، فقال: جارية ربت جدتى أم أبى، اسمها «نقطة» عرفنا باسمها. وقد أجاز لفاطمة بنت سليمان بن عبد الكريم، وتأخرت وفاتها. توفى رحمه الله تعالى فى سن الكهولة، بكرة يوم الجمعة ثانى عشر صفر سنة تسع وعشرين وستمائة ببغداد. ودفن عند قبر أبيه. وأبوه الزاهد أبو محمد: ٣٠٢ - عبد الغنى كان من أكابر الزهاد المشهورين بالصلاح والإيثار، وله أتباع ومريدون. وبنت له أم الخليفة الناصر مسجدا حسنا بتل الزينبية ببغداد فيه. وكان يقصده الناس فيتكلم عليهم، وزوّجته بجارية من خواصها، فانقطع وجهزتها بنحو عشرة آلاف دينار. فما حال الحول وعندهم من ذلك شئ، بل جميع ذلك تصدق به. كان يتصدق فى كل يوم بألف دينار، وأصحابه صيام لا يدخر لهم عشاء. ويقال: إنه لم يبق عنده من جهاز زوجته إلا هاون. فوقف سائل يلح فى الطلب، ويصف فقره وحاجته، وأنه منذ كذا لم يجد شيئا. فأخرج إليه الهاون، وقال: خذ هذا كل به فى ثلاثين يوما. ولا تشنع على الله . وكان قد سمع من عمر بن التبان، ومظفر بن أبى نصر البواب، وغيرهما. وتوفى فى رابع جماد الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. ودفن فى موضع مجاور لمسجده رحمه الله تعالى. أنبانى القاسم بن محمد الحافظ أخبرنا أحمد بن إبراهيم الواسطى الخطيب أخبرنا أبو بكر بن نقطة الحافظ - سنة ثمان وعشرين وستمائة ببغداد - أخبرتنا عفيفة بنت أحمد أخبرتنا فاطمة الجوزدانية أخبرنا أبو بكر بن ريده أخبرنا الطبرانى أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فيل أنوبة حدثنا الحسن بن أيوب عن عبد الله بن بسر قال «كان النبى ﷺ يقبل الهدية. ولا يقبل الصدقة».

стр. 624

٣٠٣ - عبد الله بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، ثم الدمشقى، الحافظ ابن الحافظ، أبو موسى بن أبى محمد. ويلقب جمال الدين. ولد فى شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وسمع بدمشق من جماعة، منهم: عبد الرحمن بن على بن الخرقى، وإسماعيل الجنزوى، والخشوعى. ورحل به أخوه الحافظ عزّ الدين محمد - المتقدم ذكره - فسمع ببغداد من ابن كليب، وابن المعطوس، وبأصبهان من مسعود الحمال، وخليل الدارنى، وأبى المكارم اللبان، وخلق كثير، وبمصر من أبى عبد الله الارتاحى، وفاطمة بنت سعد الخير. ثم ارتحل ثانيا إلى العراق. فسمع من ابن الجوزى، وأبى الفتح المندائى، وطبقتهما ببغداد وواسط، ومن منصور الفراوى، والمؤيد الطوسى، وغيرهما بنيسابور. وسمع بالموصل، وأربل، وبالحرمين. وكتب بخطه الكثير. وجمع. وصنف وأفاد. وقرأ القرآن على عمه الشيخ العماد، والفقه على الشيخ موفق الدين، والعربية على أبى البقاء العكبرى. قال الحافظ الضياء: اشتغل بالفقه والحديث، وصار علما فى وقته. ورحل ثانيا، ومشى على رجليه كثيرا، وصار قدوة، وانتفع الناس بمجالسته التى لم يسبق إلى مثلها. وقال عمر بن الحاجب: سمعت الضياء يصف ما قاسى أبو موسى من الشدائد والجوع والعرى فى رحلته إلى نيسابور، وأصبهان. وقال أبو عبد الله البرزالى: حافظ ديّن متميز. وقال الضياء عنه أيضا: حافظ متقن، دين ثقة، كانت قراءته سريعة صحيحة مليحة. وقال عمر بن الحاجب الحافظ: لم يكن فى عصره مثله فى الحفظ، والمعرفة والأمانة، وكان كثير الفضل، وافر العقل، متواضعا، مهيبا، وقورا جوادا

стр. 625

سخيا، له القبول التام، مع العبادة والورع والمجاهدة، كأن كلامه الضياء، وكان قد عود الناس شيئا لم يروه من غيره، وذلك: أن كل من احتاج إلى قرض شيء يمضى إليه، فيجتال له حتى يحصل له ما يطلب، حتى صار عليه من ذلك ديون، وكثير من الناس لا يرجع يوفيه. قال ابن الحاجب: ولو اشتغل حق الاشتغال ما سبقه أحد، ولكنه تارك. وقال غيره: عقد أبو موسى مجلس التذكير، ورغب الناس فى حضوره، وكان جم الفوائد، يطرز مجلسه بالبكاء والخشوع، وإظهار الجزع. وقال المنذرى: الحافظ أبو موسى، حدث بدمشق ومصر وغيرهما، اجتمعت به لما قدم مصر للغزاة بثغر دمياط. قال الذهبى: وروى عنه الضياء، وابن أبى عمر، وابن البخارى، وجماعة كثيرون. وآخر من روى عنه إجازة: القاضى تقى الدين سليمان، ومع هذا فقد غمزه الناصح ابن الحنبلى، وأبو المظفر سبط ابن الجوزى بالميل إلى السلاطين، والانقطاع إلى الملك الصالح. والعجب: أن هذين الرجلين كانا من أكثر الناس ميلا إلى الملوك، والتوصل إليهم، وإلى برهم بالوعظ وغيره. وما أحسن قول القائل: لا تنه عن خلق وتأتى مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم ولقد كان أبو موسى أتقى لله وأورع، وأعلم منهما وأكثر عبادة، وأنفع للناس، وبنى الملك الأشرف دار الحديث بالسفح على اسمه، وجعله شيخها، وقرر له معلوما، فمات أبو موسى قبل كمالها. توفى ﵀ يوم الجمعة، خامس رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون ﵀. ورآه بعضهم فى النوم، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أسكننى على بركة رضوان. ورآه آخر، فسأله، فقال: لقيت خيرا. فقال له: كيف الناس؟ قال:

стр. 626

يتفاوتون على قدر أعمالهم. ورآه آخر من أصحابه، فقال له: أوصيك بالدعاء الذى حفظتك إياه فاحفظه، فقال له: ما بقيت أحفظه، فقال له: هو مكتوب فى الورقة التى كتبتها لك، فما نفعنى الله إلا به، وكان الدعاء: «اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك - الحديث». ورثاه جماعة. منهم يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بقصيدة، يقول فيها: لهفى على ميت مات السرور به … لو كان حيّا لأحيا الدين والسننا لو كنت أعطى به الدنيا معاوضة … إذا لما كانت الدنيا له ثمنا يا سيدى ومكان الروح من جسدى … هلاّ دنا الموت منى حين منك دنا؟ ٣٠٤ - عبد العزيز بن أحمد بن عمر بن سالم بن باقا، أبو بكر البغدادى البزاز المعدل. ويلقب صفى الدين. ولد فى رمضان سنة خمس وخمسين وخمسمائة ببغداد. وقرأ القرآن. وسمع من أبى زرعة، ويحيى بن نابت بن بندار، وأبى بكر ابن النقور، وعلى بن عساكر البطائحى، وعبد الحق اليوسفى، وعلى بن أبى سعد الخباز، وأبى العباس بن بكروس الفقيه، وأخيه أبى الحسن وغيرهم. وقرأ طرفا من الفقه على أبى الفتح بن المنى، واستوطن مصر إلى أن مات. وشهد بها عند القضاة. حدث بالكثير إلى ليلة وفاته. وكان كثير التلاوة للقرآن. قال ابن النجار: كان شيخا جليلا صدوقا أمينا، حسن الأخلاق متواضعا. سمع منه خلق كثير من الحفاظ وغيرهم، منهم ابن نقطة، وابن النجار، والمنذرى وغيرهم. وحدث عنه خلق كثير وتوفى سحر تاسع عشر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بالقاهرة. ودفن من الغد بسفح المقطم. وقد سمعنا كثيرا من روايته وحديثه رحمه الله تعالى وفى جمادى الأول من السنة المذكورة توفى القاضى أبو المعالى:

стр. 627

٣٠٥ - أحمد بن يحيى بن فايد الأوانى الحنبلى. ولاه القاضى أبو صالح الجيلى قضاء جيل. وله نظم. حدث ببعضه توفى بأوانى. وكان ابن عمه أبو عبد الله محمد بن أبى المعالى بن فائد الأوانى زاهدا قدوة، ذا كرامات. حكى عنه الشيخ شهاب الدين السهروردى وغيره حكايات. قال الناصح ابن الحنبلى: زرته أنا ورفيق لى، فقدم لنا العشاء وعنده جماعة كثيرة، ولم يكن إلا خبز وخل وبقل، فتحدث على الطعام. ثم قال: ضاف بعيسى ابن مريم أقوام. فقدم لهم خبزا وخلا، وقال «لو كنت متكلفا لأحد شيئا لتكلفت لكم» قال: فعرفت أنه قد عرف حالى. ودخل عليه رجل من الملاحدة فى رباطه وهو جالس وحده، وهو فى يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان، فقتله فتكا. رضى الله عنه. ودفن برباطه. ثم قتل قاتله وأحرق. ٣٠٦ - الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم بن موسى بن عمران الربعى الزبيدى الأصل، البغدادى البابصرى، الشيخ سراج الدين، أبو عبد الله ابن أبى بكر بن أبى عبد الله ولد سنة ست - أو سبع - وأربعين وخمسمائة، وقيل: سنة خمس وأربعين. وقرأ القرآن بالروايات. وسمع الحديث من جده أبى الوقت، وأبى الفتوح الطائى وأبى حامد الغرناطى، وأبى زرعة وغيرهم. وتفقه فى المذهب، وأفتى ودرس بمدرسة الوزير أبى المظفر بن هبيرة. وكانت له معرفة حسنة بالأدب، وخرجت له مشيخة، وصنف تصانيف، منها: كتاب «البلغة فى الفقه» وله نظم فى اللغة والقراءات. وكان فقيها فاضلا دينا خيرا، حسن الأخلاق متواضعا قرأ عليه عبد الصمد بن أبى الجيش القرآن بكتاب السبعة «لأبى الخطاب» الصوفى. وحدث ببغداد ودمشق، وحلب وغيرها من البلاد. وحدث وسمع

стр. 628

منه أمم. وروى عنه خلق كثير من الحفاظ وغيرهم، منهم الدبيثى، والضياء. وآخر من حدث عنه: أبو العباس الحجار الصالحى. سمع منه صحيح البخارى وغيره. توفى فى ثالث عشرين صفر سنة إحدى وثلاثين وستمائة. ودفن بمقبرة جامع المنصور. رحمه الله تعالى. ٣٠٧ - نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر بن أبى صالح بن حنكيدوست، الجبلي الأصل، البغدادى الفقيه، المناظر المحدث، الزاهد الواعظ، قاضى القضاة، شيخ الوقت، عماد الدين، أبو صالح بن أبى بكر بن أبى محمد. وقد سبق ذكر أبيه وجده. ولد فى سحر رابع عشرين ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة. وقرأ القرآن فى صباه. وسمع الحديث من والده، وعمه عبد الوهاب، وأبى هاشم عيسى بن أحمد الدوشانى، وسعيد بن صافى الحمالى، والأسعد بن يلدرك، وأحمد بن المبارك المرقعانى، وعبد الحق بن عبد الخالق، ومسلم بن ثابت ابن النحاس، وعبد المحسن بن تريك، وشهدة، وغيرهم. وأجاز له أبو العلاء الهمدانى، والسلفى، وأبو موسى المدينى، وغيرهم. واشتغل بالفقه على والده، وعلى أبى الفتح بن المنى. وقرأ الخلاف وعلم النظر على الفخر التوقانى الشافعى. وبرع فى الفقه وناظر، وتكلم فى المسائل الخلافية، وأجاد الكلام. وكان ذا لسن وفصاحة، وجودة عبارة. وأفتى وتولى مدرسة جده، فكان يدرس ويعظ بها. وعقد مجالس الإملاء للحديث. وكان يملي الحديث من حفظه، والناس يكتبون. وأملى فى مجلس حكمه. وكان عظيم القدر، بعيد الصيت، معظما عند الخاصة والعامة، ملازما طريق النسك والعبادة، مع حسن سمت، وكيس وتواضع، ولطف وبشر، وطيب ملاقاة

стр. 629

وكان محبا للعلم، مكرما لأهله. ولم يزل على طريقة حسنة وسيرة رضية. وكان أثريا سنيا، متمسكا بالحديث، عارفا به. وقد وقع مرة بينه وبين طائفة من الأصحاب - كأبى البقاء العكبرى ومحى الدين بن عربى - منازعة فى حديث من أحاديث الصفات، وثبت هو على إقراره وإمراره. كما جاء من غير تأويل ولا إنكار. وانتشر الكلام فى ذلك، حتى خرج الأمر من جهة الخلافة بالسكوت من الجهتين، حسما للفتنة. ولما توفى الخليفة الناصر، وولى ابنه الظاهر - وكان من خيار الخلفاء، وأحسنهم سيرة، وأظهرهم صيانة، وصلاحا وعدلا - أزال المكوس، ورد المظالم، واجتهد فى تنفيذ الأحكام الشرعية على وجهها، حتى قال ابن الأثير: لو قال القائل: ما ولى بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان هذا القائل صادقا. وكان ﵀ يختار لكل ولاية أصلح من يجده. فقلّد أبا صالح - هذا - قضاء القضاة بجميع مملكته، ويقال: إنه لم يقبل إلا بشرط: أن يورث ذوى الأرحام. فقال له: أعط كل ذى حق حقه، واتق الله، ولا تتق أحدا سواه. وأمره أن يوصل إلى كل من ثبت له حق بطريق شرعى حقّه، من غير مراجعة. وأرسل إليه بعشرة آلاف دينار يوفى بها ديون من بسجنه من المديونين الذين لا يجدون وفاء. ولما خلع عليه، وقرئ عهده بجامع قصر الخلافة: أرسل إلى الخليفة ورقة يشكر فيها للخليفة، ويقول: للعبد يرجو من الله تعالى العون على القيام بأعباء تكاليفه. فقد أومأ إلى ذلك قول النبى ﷺ «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها» ويتم هذا الإنعام بأن يجرى على اللفظ الأشرف: قلدت نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر الجبلى ما يقوى عليه؛ ليصح العمل والحكم شرعا. ثم رد إليه النظر فى جميع الوقوف العامة: وقوف المدارس الشافعية والحنفية

стр. 630

وجامعى السلطان وابن المطلب، فكان يولى ويعزل فى جميع المدارس، حتى النظامية. ولما توفى الظاهر أقره ابنه المستنصر مديدة، واستدعاه عند المبايعة؛ ليثبت له وكالة وكلها لشخص فلم يحكم فيها، حتى قال له: وليتنى ما ولانى والدك؟ فصرح له بالتولية. وكان ﵀ فى أيام ولايته - يؤذن ببابه فى مجلس الحكم ويصلى جماعة ويخرج إلى الجامع راجلا، ويلبس القطن. وكان متحريا فى القضاء، قويّ النفس فى الحق، عديم المحاباة والتكلف، حتى إنه كان يمكن الشهود من الكتابة من دواته، وسار سيرة السلف. ولما عزله المستنصر أنشد عند عزله: حمدت الله لما … قضى لى بالخلاص من القضاء وللمتنصر المنصور أشكر … وأدعو فوق معتاد الدعاء ولا أعلم أحدا من أصحابنا دعى بقاضى القضاة قبله، ولا استقل منهم بولاية قضاء القضاء بمصر غيره. وأقام بعد عزله بمدرستهم يدرس ويفتى، ويحضر المجالس الكبار والمحافل. ثم فوض إليه المستنصر رباطا بناه بدير الروم، وجعله شيخا به. وكان يعظمه ويجله، ويبعث إليه أموالا جزيلة ليفرقها. وقد صنف فى الفقه كتابا سماه «إرشاد المبتدئين» وأملى مجالس فى الحديث وخرج لنفسه أربعين حديثا. أثنى عليه الحافظ الضياء، ووصفه بالخير. وتفقه عليه جماعة، وانتفعوا به. وفيه يقول الصرصرى فى قصيدته اللامية، التى مدح فيها الإمام أحمد وأصحابه: وفى عصرنا قد كان فى الفقه قدوة … أبو صالح، نصر لكل مؤمل

стр. 631

وسمع منه الحديث خلق كثير. روى عنه جماعة. منهم: عبد الصمد بن أبى الجيش، والنجيب الحرانى، والكمال البزار. توفى سحر يوم الأحد سادس عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وصلّى عليه بجامع القصر، وحضره خلق كثير من الولاة والأعيان والعوام، وازدحموا على حمله، وارتفعت الأصوات حول سريره. وكان يوما مشهودا، ودفن بدكة الإمام أحمد رضى الله عنه. أخبرنا أبو الربيع على بن عبد الصمد بن أحمد البغدادى - بها سنة إحدى وأربعين - أخبرنا والدى أبو أحمد عبد الصمد - غير مرة - أخبرنا أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق قال: أخبرنا أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطالقانى، أخبرنا أبو عبد الله الفراوى أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسى أخبرنا أبو أحمد الجلودى حدثنا إبراهيم بن سفيان حدثنا مسلم حدثنا محمد بن رمح حدثنا الليث عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى ﷺ أنه قال: «يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإنى رأيتكن أكثر أهل النار» وذكر الحديث. وأخبرنا به عاليا محمد بن إسماعيل الأنصارى بدمشق غير مرة. أخبرنا القاسم بن محمد حدثنا المؤيد بن أحمد بن محمد الطوسى أخبرنا الفراوى وقرأت على أبى المعالى محمد بن عبد الرزاق الشيبانى - ببغداد - أخبركم أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف البزار - قراءة عليه، وأنت تسمع - قال: أنشدنا القاضى أبو صالح فى عقب مجلس أملاه علينا لنفسه: أعبد الله راجيا رحمة منه … ولا تخش غير رب السماء ما أتاك الرسول خذه، ودع … ما قد نهى عنه، تحظ بالعلياء واتق الله مخلصا دائما تص … بح من الأغنياء والعلماء

стр. 632

٣٠٨ - عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن على بن أحمد الأنصارى، الخزرجى السعدى، العبادى، الشيرازى الأصل، الدمشقى الفقيه الواعظ، ناصح الدين أبو الفرج بن أبى العلاء بن أبى البركات بن أبى الفرج المعروف بابن الحنبلى. ولد ليلة الجمعة سابع عشر شوال سنة أربع وخمسين وخمسمائة بدمشق. وسمع بها من والده، والقاضى أبى الفضل محمد بن الشهرزورى، وأبى الحسن على بن نجا الواعظ، وأحمد بن الحسين العراقى، وجماعة. وشرع فى الاشتغال، ورحل إلى البلاد، فأقام ببغداد مدة، وسمع بها من أبى شاكر السقلاطونى، وعبد الحق اليوسفى، ومسلم بن ثابت الوكيل، وعيسى السدوشانى، وشهدة الكاتبة، وتجنى الوهبانية، ونعمة بنت القاضى أبى حازم ابن الفراء وغيرهم، فمن دونهم فى الطبقة، كلاحق بن كاره، وابن الجوزى، وعبد المغيث الحربى. وسمع بإصبهان من الحافظ أبى موسى المدينى. وهو آخر من سمع منه؛ لأنه سمع منه فى مرض موته، ومن أبى العباس الترك. وسمع بهمدان من أبى محمد عبد الغنى بن الحافظ أبى العلاء وغيره. وسمع بمكة وغيرها. وسمع بالموصل من الشيخ أبى أحمد الحداد الزاهد شيئا من تصانيفه. ودخل بلادا كثيرة، واجتمع بفضلائها وصالحيها، وفاوضهم، وأخذ عنهم وقدم مصر مرتين. وأقام ببغداد مدة يشتغل على أبى الفتح بن المنى. وقرأ على أبى البقاء العكبرى «الفصيح» لثعلب من حفظه، وبعض «التصريف» لابن جنى وأخذ عن الكمال السنجارى، والبهجة الضرير، النحويين. واشتغل بالوعظ، وبرع فيه. ووعظ من أوائل عمره، وحصل له القبول التام. وقد وعظ بكثير من البلاد التى دخلها، كمصر، وحلب، وأربل،

стр. 633

والمدينة النبوية، وبيت المقدس. وكان له حرمة عند الملوك والسلاطين، خصوصا ملوك الشام بنى أيوب. وقدم بغداد حاجا سنة اثنتى عشرة وستمائة. وأكرمه الخليفة الناصر. وأظنه وعظ بها هذه السنة، وحضر فتح بيت المقدس مع السلطان صلاح الدين. قال: واجتمعت بالسلطان فى القدس بعد الفتح بسنتين. وسألنى عن مذهب الإمام أحمد فى الخضاب بالسواد؟ فقلت: مكروه. وسألنى عن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين؟ فذكرت المذهب فى ذلك. فاعترضنى بعض الفقهاء الحاضرين، وجرى بينى وبينه مجادلة، فأكثر من الصياح، فصاح السلطان عليه: اسكت، صيحة مزعجة، فسكت وسكتنا لحظة، ثم قال لى: تمّم كلامك فذكرت، ثم سكتّ. فحكى السلطان قال: كان المجبر الفقيه يتكلم مع الجمال الحنفى، فكان الجمال يبقبق، والمجبر يحقق. ثم سألنى بعد ذلك عن مذهب أحمد فى الشبابة؟ ثم قال: معكم غير حديث ابن عمر؟ وبسطنى فى الكلام، حتى ذكرت له حسن أصوات أهل أصبهان. وذكر الطوال من الصحابة. وقال كانوا يسمون «مقبلي» وتوقف. فقلت: الطعن؟ فقال: الطعن. فكأن بعض الحاضرين نفس علىّ سؤال السلطان لى، وإقباله على كلامى، فقال: من أربعة من الصحابة من نسل رأوا رسول الله ﷺ ؟ فقلت: أبو بكر الصديق، وأبوه أبو قحافة، وعبد الرحمن بن أبى بكر، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبى بكر. ثم قال السلطان: هاتوا شيئا، فمدوا له سماطا مختصرا جدا، بعد عشاء الآخرة بساعتين، فأكلنا معه. فقال لى بعض أصحابه: هذا من أجلك، فإن له أكثر من شهر ما أكل بالليل، ثم أخذ يثنى على والدى، ويقول: ما أولد إلا بعد الأربعين. قال: وكان عارفا بسيرة والدى. ودرس الناصح بمدة مدارس، منها مدرسة جده شرف الإسلام، ودرس بالمسمارية، مع أبى المعالى أسعد بن المنجى، ثم استقل بها وحده، وعزل ابن المنجى

стр. 634

ثم فى سنة خمس وعشرين استقر بنو المنجى بالتدريس بها بحكم أن نظرها لهم، ثم بنت له الصاحبة ربيعة خاتون مدرسة بالجبل وهى المعروفة بالصاحبية. فدرس بها سنة ثمان وعشرين. وكان يوما مشهودا. وحضرت الواقفة من وراء ستر. وانتهت إليه رئاسة المذهب بعد الشيخ موفق الدين. وكان يساميه فى حياته. قال ناصح الدين: وكنت قدمت من أربل سنة وفاة الشيخ الموفق، فقال لى: قد سررت بقدومك، مخافة أن أموت وأنت غائب، فيقع وهن فى المذهب، وخلف بين أصحابنا. وقد وقع مرات بين الناصح والشيخ الموفق اختلاف فى فتوى فى السماع المحدث، أجاب فيها الشيخ الموفق بإنكاره. فكتب الناصح بعده ما مضمونه «الغناء كالشعر، فيه مذموم وممدوح، فما قصد به ترويح النفوس، وتفريح الهموم، وتفريغ القلوب لسماع موعظة، وتحريك لتذكرة: فلا بأس به. وهو حسن» وذكر أحاديث فى تغنى جويريات الأنصار، وفى الغناء فى الأعراس، وأحاديث فى الحداء «وأما الشبابة: فقد سمعها جماعة ممن لا يحسن القدح فيهم من مشايخ الصوفية وأهل العلم، وامتنع من حضورها الأكثر. وأما كونها أشد تحريما وأعظم إثما من سائر الملاهى: فهذا قول لا يوافق عليه. وكيف يجعل المختلف فيه كالمتفق عليه؟ وكون النبى ﷺ سدّ أذنيه منها: مشترك الدلالة، لأنه لم ينه ابن عمر رضى الله عنهما عن سماعها» وأعجب من استدلال الفقيه الموفق لذلك. قوله «ولا يجب عليه سد أذنيه لغيرها من الملاهى» فيشعر ذلك بجواز سماع الملاهى. ثم قد بالغ فى تحريم ذلك، وضم فاعله إلى حكم الكفر بالله تعالى، وأوهم بما ذكر من الآيات: أن هذا السماع يخرج عن الإسلام، وهذا من الغلو، فكان غلوه فى الجواب أشد خطرا من غلو المذكورين فى السؤال، وأما اجتماع الرجال والنساء فى مجلس: فلم يذكر فى السؤال. وهو محرم إذا كان فى غير معروف، فإن كان فى صلاة جمعة أو جماعة، أو سماع موعظة، أو التقاء فى

стр. 635

مجلس حكم: فذلك غير منكر، وهو العادة الجازية فى المواسم عند هذا الفقيه المفتى وجماعته، ومجالس التذكير فى سائر بلاد الإسلام» فلما عاد جوابه إلى الشيخ الموفق: كتب فى ظهرها بخطه ما مضمونه «كنت أتخيل فى الناصح: أنه يكون إماما بارعا، وأفرح به للمذهب؛ لما فضله الله به من شرف بيته، وإعراق نسبه فى الإمامة، وما آتاه الله تعالى من بسط اللسان، وجراءة الجنان، وحدة الخاطر، وسرعة الجواب، وكثرة الصواب. وظننت أنه يكون فى الفتوى مبرزا على أبيه وغيره، إلى أن رأيت له فتاوى غيره فيها أسد جوابا، وأكثر صوابا. وظننت أنه ابتلى بذلك لمحبته تخطئة الناس، واتباعه عيوبهم. ولا يبعد أن يعاقب الله العبد بجنس ذنبه - إلى أن قال: والناصح قد شغل كثيرا من زمانه بالرد على الناس فى تصانيفهم وكشف ما استتر من خطاياهم ومحبة بيان سقطاتهم. ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، أفتراه يحب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته، وعيب تصانيفه وإظهار أخطائه؟ وكما لا يحب ذلك لنفسه ينبغى أن لا يحبه لغيره، سيما للأئمة المتقدمين، والعلماء المبرزين. وقد أرانا الله تعالى آية فى ذهابه عن الصواب فى أشياء تظهر لمن هو دونه. فمن ذلك: فى فتياه هذه خطأ من وجوه كثيرة. منها: أنه إنما أذن له بقرينة الحال فى جواب السؤال، فعدوله إلى الرد على من قبله تصرف فى الكتابة فى ورقة غيره، بما لم يؤذن له فيه. وذلك حرام. ومنها: أن قرينة أحوالهم تدل على أنهم إنما أذنوا فى الجواب بما يوافق المفتى قبله، فالكتابة بخلاف ذلك غير مأذون فيها، ولذلك أحوج إلى قطع ورقتهم، وذهاب فتياه منها. ومنها: أنهم سألوا عن السماع الجامع لهذه الخصال المذكورة، على وجه يتخذ دينا وقربة؟ فلم يجب عن ذلك، وعدل إلى ذكر بعض الخصال المذكورة
следующие страницы →