Полный текст (893 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وسمع منه الحديث خلق كثير. روى عنه جماعة. منهم: عبد الصمد بن أبى الجيش، والنجيب الحرانى، والكمال البزار.
توفى سحر يوم الأحد سادس عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وصلّى عليه بجامع القصر، وحضره خلق كثير من الولاة والأعيان والعوام، وازدحموا على حمله، وارتفعت الأصوات حول سريره. وكان يوما مشهودا، ودفن بدكة الإمام أحمد رضى الله عنه.
أخبرنا أبو الربيع على بن عبد الصمد بن أحمد البغدادى - بها سنة إحدى وأربعين - أخبرنا والدى أبو أحمد عبد الصمد - غير مرة - أخبرنا أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق قال: أخبرنا أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطالقانى، أخبرنا أبو عبد الله الفراوى أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسى أخبرنا أبو أحمد الجلودى حدثنا إبراهيم بن سفيان حدثنا مسلم حدثنا محمد بن رمح حدثنا الليث عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى ﷺ أنه قال: «يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإنى رأيتكن أكثر أهل النار» وذكر الحديث.
وأخبرنا به عاليا محمد بن إسماعيل الأنصارى بدمشق غير مرة.
أخبرنا القاسم بن محمد حدثنا المؤيد بن أحمد بن محمد الطوسى أخبرنا الفراوى وقرأت على أبى المعالى محمد بن عبد الرزاق الشيبانى - ببغداد - أخبركم أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد اللطيف البزار - قراءة عليه، وأنت تسمع - قال: أنشدنا القاضى أبو صالح فى عقب مجلس أملاه علينا لنفسه:
أعبد الله راجيا رحمة منه … ولا تخش غير رب السماء
ما أتاك الرسول خذه، ودع … ما قد نهى عنه، تحظ بالعلياء
واتق الله مخلصا دائما تص … بح من الأغنياء والعلماء
стр. 632
٣٠٨ - عبد الرحمن بن نجم
بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن على بن أحمد الأنصارى، الخزرجى السعدى، العبادى، الشيرازى الأصل، الدمشقى الفقيه الواعظ، ناصح الدين أبو الفرج بن أبى العلاء بن أبى البركات بن أبى الفرج المعروف بابن الحنبلى.
ولد ليلة الجمعة سابع عشر شوال سنة أربع وخمسين وخمسمائة بدمشق.
وسمع بها من والده، والقاضى أبى الفضل محمد بن الشهرزورى، وأبى الحسن على بن نجا الواعظ، وأحمد بن الحسين العراقى، وجماعة.
وشرع فى الاشتغال، ورحل إلى البلاد، فأقام ببغداد مدة، وسمع بها من أبى شاكر السقلاطونى، وعبد الحق اليوسفى، ومسلم بن ثابت الوكيل، وعيسى السدوشانى، وشهدة الكاتبة، وتجنى الوهبانية، ونعمة بنت القاضى أبى حازم ابن الفراء وغيرهم، فمن دونهم فى الطبقة، كلاحق بن كاره، وابن الجوزى، وعبد المغيث الحربى.
وسمع بإصبهان من الحافظ أبى موسى المدينى. وهو آخر من سمع منه؛ لأنه سمع منه فى مرض موته، ومن أبى العباس الترك.
وسمع بهمدان من أبى محمد عبد الغنى بن الحافظ أبى العلاء وغيره. وسمع بمكة وغيرها.
وسمع بالموصل من الشيخ أبى أحمد الحداد الزاهد شيئا من تصانيفه.
ودخل بلادا كثيرة، واجتمع بفضلائها وصالحيها، وفاوضهم، وأخذ عنهم وقدم مصر مرتين. وأقام ببغداد مدة يشتغل على أبى الفتح بن المنى. وقرأ على أبى البقاء العكبرى «الفصيح» لثعلب من حفظه، وبعض «التصريف» لابن جنى وأخذ عن الكمال السنجارى، والبهجة الضرير، النحويين. واشتغل بالوعظ، وبرع فيه. ووعظ من أوائل عمره، وحصل له القبول التام.
وقد وعظ بكثير من البلاد التى دخلها، كمصر، وحلب، وأربل،
стр. 633
والمدينة النبوية، وبيت المقدس. وكان له حرمة عند الملوك والسلاطين، خصوصا ملوك الشام بنى أيوب.
وقدم بغداد حاجا سنة اثنتى عشرة وستمائة. وأكرمه الخليفة الناصر. وأظنه وعظ بها هذه السنة، وحضر فتح بيت المقدس مع السلطان صلاح الدين.
قال: واجتمعت بالسلطان فى القدس بعد الفتح بسنتين. وسألنى عن مذهب الإمام أحمد فى الخضاب بالسواد؟ فقلت: مكروه. وسألنى عن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين؟ فذكرت المذهب فى ذلك. فاعترضنى بعض الفقهاء الحاضرين، وجرى بينى وبينه مجادلة، فأكثر من الصياح، فصاح السلطان عليه: اسكت، صيحة مزعجة، فسكت وسكتنا لحظة، ثم قال لى: تمّم كلامك فذكرت، ثم سكتّ. فحكى السلطان قال: كان المجبر الفقيه يتكلم مع الجمال الحنفى، فكان الجمال يبقبق، والمجبر يحقق. ثم سألنى بعد ذلك عن مذهب أحمد فى الشبابة؟ ثم قال: معكم غير حديث ابن عمر؟ وبسطنى فى الكلام، حتى ذكرت له حسن أصوات أهل أصبهان. وذكر الطوال من الصحابة. وقال كانوا يسمون «مقبلي» وتوقف. فقلت: الطعن؟ فقال: الطعن. فكأن بعض الحاضرين نفس علىّ سؤال السلطان لى، وإقباله على كلامى، فقال: من أربعة من الصحابة من نسل رأوا رسول الله ﷺ ؟ فقلت: أبو بكر الصديق، وأبوه أبو قحافة، وعبد الرحمن بن أبى بكر، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبى بكر. ثم قال السلطان: هاتوا شيئا، فمدوا له سماطا مختصرا جدا، بعد عشاء الآخرة بساعتين، فأكلنا معه. فقال لى بعض أصحابه: هذا من أجلك، فإن له أكثر من شهر ما أكل بالليل، ثم أخذ يثنى على والدى، ويقول: ما أولد إلا بعد الأربعين. قال: وكان عارفا بسيرة والدى.
ودرس الناصح بمدة مدارس، منها مدرسة جده شرف الإسلام، ودرس بالمسمارية، مع أبى المعالى أسعد بن المنجى، ثم استقل بها وحده، وعزل ابن المنجى
стр. 634
ثم فى سنة خمس وعشرين استقر بنو المنجى بالتدريس بها بحكم أن نظرها لهم، ثم بنت له الصاحبة ربيعة خاتون مدرسة بالجبل وهى المعروفة بالصاحبية. فدرس بها سنة ثمان وعشرين. وكان يوما مشهودا. وحضرت الواقفة من وراء ستر.
وانتهت إليه رئاسة المذهب بعد الشيخ موفق الدين. وكان يساميه فى حياته.
قال ناصح الدين: وكنت قدمت من أربل سنة وفاة الشيخ الموفق، فقال لى: قد سررت بقدومك، مخافة أن أموت وأنت غائب، فيقع وهن فى المذهب، وخلف بين أصحابنا.
وقد وقع مرات بين الناصح والشيخ الموفق اختلاف فى فتوى فى السماع المحدث، أجاب فيها الشيخ الموفق بإنكاره. فكتب الناصح بعده ما مضمونه «الغناء كالشعر، فيه مذموم وممدوح، فما قصد به ترويح النفوس، وتفريح الهموم، وتفريغ القلوب لسماع موعظة، وتحريك لتذكرة: فلا بأس به. وهو حسن» وذكر أحاديث فى تغنى جويريات الأنصار، وفى الغناء فى الأعراس، وأحاديث فى الحداء «وأما الشبابة: فقد سمعها جماعة ممن لا يحسن القدح فيهم من مشايخ الصوفية وأهل العلم، وامتنع من حضورها الأكثر. وأما كونها أشد تحريما وأعظم إثما من سائر الملاهى: فهذا قول لا يوافق عليه. وكيف يجعل المختلف فيه كالمتفق عليه؟ وكون النبى ﷺ سدّ أذنيه منها: مشترك الدلالة، لأنه لم ينه ابن عمر رضى الله عنهما عن سماعها» وأعجب من استدلال الفقيه الموفق لذلك. قوله «ولا يجب عليه سد أذنيه لغيرها من الملاهى» فيشعر ذلك بجواز سماع الملاهى. ثم قد بالغ فى تحريم ذلك، وضم فاعله إلى حكم الكفر بالله تعالى، وأوهم بما ذكر من الآيات: أن هذا السماع يخرج عن الإسلام، وهذا من الغلو، فكان غلوه فى الجواب أشد خطرا من غلو المذكورين فى السؤال، وأما اجتماع الرجال والنساء فى مجلس: فلم يذكر فى السؤال. وهو محرم إذا كان فى غير معروف، فإن كان فى صلاة جمعة أو جماعة، أو سماع موعظة، أو التقاء فى
стр. 635
مجلس حكم: فذلك غير منكر، وهو العادة الجازية فى المواسم عند هذا الفقيه المفتى وجماعته، ومجالس التذكير فى سائر بلاد الإسلام»
فلما عاد جوابه إلى الشيخ الموفق: كتب فى ظهرها بخطه ما مضمونه «كنت أتخيل فى الناصح: أنه يكون إماما بارعا، وأفرح به للمذهب؛ لما فضله الله به من شرف بيته، وإعراق نسبه فى الإمامة، وما آتاه الله تعالى من بسط اللسان، وجراءة الجنان، وحدة الخاطر، وسرعة الجواب، وكثرة الصواب. وظننت أنه يكون فى الفتوى مبرزا على أبيه وغيره، إلى أن رأيت له فتاوى غيره فيها أسد جوابا، وأكثر صوابا. وظننت أنه ابتلى بذلك لمحبته تخطئة الناس، واتباعه عيوبهم. ولا يبعد أن يعاقب الله العبد بجنس ذنبه - إلى أن قال: والناصح قد شغل كثيرا من زمانه بالرد على الناس فى تصانيفهم وكشف ما استتر من خطاياهم ومحبة بيان سقطاتهم. ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، أفتراه يحب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته، وعيب تصانيفه وإظهار أخطائه؟ وكما لا يحب ذلك لنفسه ينبغى أن لا يحبه لغيره، سيما للأئمة المتقدمين، والعلماء المبرزين. وقد أرانا الله تعالى آية فى ذهابه عن الصواب فى أشياء تظهر لمن هو دونه.
فمن ذلك: فى فتياه هذه خطأ من وجوه كثيرة.
منها: أنه إنما أذن له بقرينة الحال فى جواب السؤال، فعدوله إلى الرد على من قبله تصرف فى الكتابة فى ورقة غيره، بما لم يؤذن له فيه. وذلك حرام.
ومنها: أن قرينة أحوالهم تدل على أنهم إنما أذنوا فى الجواب بما يوافق المفتى قبله، فالكتابة بخلاف ذلك غير مأذون فيها، ولذلك أحوج إلى قطع ورقتهم، وذهاب فتياه منها.
ومنها: أنهم سألوا عن السماع الجامع لهذه الخصال المذكورة، على وجه يتخذ دينا وقربة؟ فلم يجب عن ذلك، وعدل إلى ذكر بعض الخصال المذكورة
стр. 636
مفردة، على غير الصفة المذكورة، وليس يلزم من الجواب عن بعض شيء: الجواب عن مجموعه، ولا من بيان حكمه على صفة: بيان حكمه على غيرها.
فناصح الدين سئل عن السماع الجامع لهذه القبائح متخذا دينا وقربة، فأجاب: بأن رجلا قد حدا للنبى ﷺ ، وجارية قد ندبت إياها، وأشباه ذلك بما ليس فيه جواب أصلا.
ومنها: أنه قسم الغناء إلى قسمين: ممدوح، ومذموم. ثم رقّاه إلى رتبة المندوبات والعبادات. فجاوز فيه حداء الشعر، ولم يقل ذلك سوى هذه الطائفة المسئول عنها، الذين سلكوا مسلك الجاهلية فى جعله لهم صلاة ودينا، وحاشى ناصح الدين من اتباعهم.
ومنها: أن قسمته غير حاصرة، فإن ثمّ قسما آخر، غير ممدوح ولا مذموم، وهو المباح الذى لم يترجح أحد طرفيه على الآخر.
ومنها: أنه شرع مستدلا على مدح الغناء بذكر الحداء، شروع من لا يفرق بين الحداء والغناء، ولا يفرق بين قول الشعر على أى صفة كان. ومن هذه حاله لا يصلح للفتيا؛ فإن المفتى ينبغى أن يكون عالما باللسان، لسان العرب ولغتهم مما يفتى فيه. وظاهر حاله: أنه لا يخفى عليه، لكن ضاقت عليه ممادح الغناء، فعدل إلى ما يقاربه، كما قيل: الأقرع يفتخر بجمة ابن عمه، وابن الحمقاء يذكر خالته إذا عيب بأمه. لكنه إن كان بسعادته قد علم بذلك، ثم قصد التمويه على من استرشده، وتعمية من قصده وقلده: فهو حرام، وإن لم يقصد ذلك، لكن كان عن غفلة منه: فهو نوع تغفل. وذلك عجيب من مثله.
وأما استدلاله بحديث الجوارى اللاتى ندبن آباءهنّ، فما فيه ذكر الغناء، فإن كان النبى ﷺ أرخص لهنّ فى ذلك، فليس له فيه ما يوجب المدح فى حق عقلاء الرجال المتوسمين بالدين، والعبادة، كما روى «أنه أرخص لعائشة فى اللعب بالبنات» وذلك لا يوجب مدح لعب الرجال العقلاء باللعب،
стр. 637
واجتماعهم عليه، ومن رأى ذلك، فعلى سياق قوله، كل ما رخص فيه للصبيان، والجويرت الصغار: فهو ممدوح فى حق كل أحد، كاللعب فى الطرقات، ولم يكن النبى ﷺ ، ولا غيره، ينكرون على الصبيان لعبهم، ولا فعالهم التى تستقبح من غيرهم، مثل المصافعة، والمفاقسة بالبيض الأحمر، والعدو فى الطرقات، وحمل بعضهم بعضا، وأشياء، لو فعلها المميز البالغ، لردت شهادته، وسقطت عدالته.
فإن قالوا: نحن إنما نحتج بسماع النبى ﷺ من الجويريات، فنحن نسمعه كما سمعهن.
قلنا: أخطأتم فى النظر، وجهلتم الفرق بين فعل النبى ﷺ وفعلكم؛ فإن المنقول عن النبى ﷺ السماع له، وأنتم تفعلون الاستماع؛ والسماع غير الاستماع - إلى أن قال -: وليس العجب من جاهل لا يفرق بين الفعلين، ولكن من إمام نصب نفسه للفتيا، وعدّ أنه هاد للمسلمين، ومرشد لهم، وهو لا يفرق بين هذين الأمرين، حتى جعل يعجب من قولنا «لا يجب سد الأذنين من الأصوات المحرمات» وقال «هذا يوهم إباحة الاستماع إلى الملاهى، وما ظننت أنه ينتهى إلى هذه الدرجة، بل ما ظننت أن الجهال يخفى عليهم هذا؛ فإذا به قد خفى على أحد المدرسين المفتين المتصدرين، حتى عده عجبا، وأعجب مما عجب منه إمام مدرس مفت، لا يفرق بين السماع والاستماع، ولا بين الغناء والحداء، ولا بين حكم الصغير والكبير!!
وأما خبر عائشة فى زفاف المرأة، فقد تكلم فيه الإمام أحمد، فلم يصححه، ثم لو صح: فليس فيه ذكر الغناء، إنما فيه قول الشعر، ولو ثبت أنه غناء، فلا يلزم من الرخصة فيه فى العرس الذى أمر فيه بالدّفّ والصوت: الرخصة فيه على الوجه الذى يفعله هؤلاء.
ومن العجب: استدلال الفقيه على إباحة الشبابة. بأنه قد سمعها من
стр. 638
الصوفية، وما من قبيحة من القبائح، ولا بدعة من البدع، إلا قد سمعها مشايخ وشباب أيضا، وقد علم الناصح أنواع الأدلة، فهل وجد فيها فعل المشايخ من الصوفية؟ وإن كان هذا دليلا فليضمه إلى أدلة الشرع المذكورة، ليكون دليلا آخر، يغرب به على من قبله، ويكون هذا الدليل منسوبا إليه، معروفا به، ولكن لا ينسبه إلى مذهب أحمد؛ فإن أحمد وغيره من الأئمة بريئون من هذا»
وللناصح رحمه الله تعالى تصانيف عدة، منها: كتاب «أسباب الحديث» فى مجلدات عدة، وكتاب «الاستسعاد بمن لقيت من صالحى العباد فى البلاد» وقد وقفت عليه بخطه، ونقلت منه فى هذا الكتاب كثيرا، وكتاب «الأنجاد فى الجهاد» صنفه بحلب، وقال: لما فرغت من تصنيفه، رأيت فى المنام كأنى جالس، وإذا بالنبى ﷺ قد مرّ بى، وبينى وبينه قدر ذراع، فقال: سلام عليكم، فرددت السلام، فلما استيقظت استبشرت، وقلت: أريد السلام عليه عند حجرته، شكرا له، قال: فحججت ذلك العام، قال: وكان أبو اليمن الكندى، قد أخذ على ابن نباتة فى خطبه كلمات من جهة اللغة، وفى قوله «الحمد لله الذى اختار البقاء لنفسه وارتضاه» قال: وكنت نظرت فى خطب ابن نباتة، فأخذت عليه مواضع كثيرة من حيث المعانى، واعتذرت عنه فى قوله:
«واختار البقاء لنفسه» وحملته على محمل يصح، ثم قرأت هذا الكتاب على الكندى بحضرة جماعة، فتغير وجهه، وصار يقول فى بعض المواضع: ما أراد هذا فأقول: يسمع سيدنا الشيخ تمام الفصل، فإن أراد كذا، فباطل بكذا، قال:
وكان مجلسا مشهودا.
وقال الحافظ الذهبى فى تاريخه: للناصح خطب ومقامات، وكتاب «تاريخ الوعاظ» وأشياء فى الوعظ، قال: وكان حلو الكلام، جيد الإيراد، شهما مهيبا، صارما. وكان رئيس المذهب فى زمانه بدمشق.
وقال ابن النجار: كان فقيها، فاضلا، أديبا، حسن الأخلاق.
стр. 639
وقال أبو شامة: كان واعظا، متواضعا متفننا، له تصانيف، وله بنيت المدرسة التى بالجبل للحنابلة، يعنى مدرسة الصاحبية.
قال المنذرى: قدم - يعنى الناصح - مصر مرتين، ووعظ بها وحدث.
وحصل له بها قبول، وحدث بدمشق، وبغداد وغيرهما، ووعظ ودرس. وكان فاضلا، وله مصنفات، وهو من بيت الحديث والفقه، وحدث هو وأبوه وجده، وجد أبيه وجد جده. لقيته بدمشق، وسمعت منه.
قلت: سمع منه خالد النابلسى، وابن النجار الحافظ. وكتب عنه عبد الصمد ابن أبى الجيش ببغداد أناشيد. وسمع منه بدمشق خلق كثير. وخرج له الزكى البرزالى، وروى عنه.
توفى يوم السبت ثالث المحرم سنة أربع وثلاثين وستمائة بدمشق. ودفن من يومه بتربتهم بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.
أخبرنا بشر بن إبراهيم البعلى وغير واحد قالوا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أبى العز بن شرف الأنصارى أخبرنا ناصح الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن نجم الأنصارى أخبرنا الحافظ أبو موسى محمد بن أبى بكر المدينى - بإصبهان - أخبرنا يحيى بن عبد الوهاب بن منده الحافظ أخبرنا أبو بكر بن ربدة أخبرنا الطبرانى
ح - قال المدينى: وأخبرنا أبو علي الحداد أخبرنا الحافظ أبو نعيم حدثنا حبيب بن الحسن قالا: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجى أخبرنا محمد ابن عبد الله الأنصارى حدثنا حميد عن أنس «أن الرّبيّع بنت النضر لطمت جارية، فكسرت ثنيتها، فعرضوا عليهم الأرش، فأبوا، فاتوا رسول الله ﷺ فأمرهم بالقصاص. فجاء أخوها أنس بن النضر، فقال:
يا رسول الله، أتكسر سن الربيع؟ لا والذى بعثك بالحق نبيا لا تكسر سنها.
فقال: يا أنس، كتاب الله القصاص. فعفا القوم. فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه».
стр. 640
أخبرنا عاليا أبو الفتح المصرى - بها - أخبرنا أبو الفرج الحرانى أخبرنا أبو طاهر بن المغطوس أخبرنا أبو الغنائم بن المهتدي أخبرنا أبو إسحاق البرمكى الفقيه أخبرنا الكجى فذكره.
٣٠٩ - حمد بن أحمد
بن محمد بن بركة بن أحمد بن صديق بن صروف، الحرانى الفقيه، أبو عبد الله. ويلقب موفق الدين.
ولد سنة ثلاث - أو أربع - وخمسين وخمسمائة بحران.
وسمع بها من أبى ياسر عبد الوهاب بن أبى حية، وأبى الفتح بن أبى الوفاء الفقيه.
ورحل إلى بغداد فسمع بها من الحق اليوسفى، وابن شاتيل، وعبد المغيث الحربى، وشافع بن صالح الجيلى وغيرهم.
وتفقه ببغداد على ابن المنى، وأبى البقاء العكبرى، وابن الجوزى، ولازمه وأخذ عنه كثيرا. ثم رجع إلى حران. وأعاد بالمدرسة بها مدة. وحدث بحران ودمشق.
سمع منه بحران المنذرى، والابرقوهى، وابن حمدان، وقال: كان شيخنا صالحا من قوم صالحين.
وتوفى فى سادس عشر صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة بدمشق. ودفن بسفح جبل قاسيون ﵀.
قال ابن نقطة والمنذرى: و «صديق» بضم الصاد وفتح الدال الخفيفة المهملتين. زاد المنذرى: و «صروف» بفتح الصاد المهملة وتشديد الراء المهملة وضمها، وبعدها واو ساكنة وفاء.
٣١٠ - أحمد بن أكمل
بن أحمد بن مسعود بن عبد الواحد بن مطر ابن أحمد بن محمد الهاشمى العباسى، البغدادى، الخطيب المعدل، أبو العباس ابن أحمد بن أبى العباس.
стр. 641
ولد فى ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة.
وسمع من أبى الفتح بن شاتيل، وأبى العلاء محمد بن جعفر بن عقيل، ووفاء بن أسعد، وعبد الغنى بن أبى العلاء الهمداني وتفقه فى المذهب.
وكان له فضل وتمييز. وولى خطابة جامع السلطان. ونظر ديوان التركات.
ثم صرف عن الخطابة، ورتب ناظرا فيما يتعلق بالحرمين الشريفين، ثم صرف.
وبقى على نظره بديوان التركات مدة خلافة الناصر إلى أن ولى الظاهر، فصرفه.
وذكر ابن القادسى فى تاريخه: أن الفقيه الإمام أبا بكر بن الحلاوى سأل من الخليفة الناصر الإجازة لجماعة من الحنابلة. فبرز مرسوم الخليفة بإجابته إلى سؤاله، ما عدا ابن الخياط فإنه يسعى بالناس، وليس من أهل الخير، وما أشبه هذا الكلام.
قال: وابن الخياط: هو الذى يزعم أنه العباسى الشاهد، وهو عامل على التركات الحشرية. سمع منه ابن الساعى وغيره.
وتوفى فى ثامن ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة. ودفن عند أبيه بمقبرة الإمام أحمد. وقد حدث هو وأبوه وجده وعمه أفضل.
٣١١ - عبد القادر بن عبد القاهر
بن عبد المنعم بن محمد بن حمد بن سلامة ابن أبى الفهم الحرانى، الفقيه، الزاهد، ناصح الدين، أبو الفرج، شيخ حران ومفتيها، ابن أبى محمد بن أبى الفرج.
ولد فى رجب سنة أربع وستين وخمسمائة بحران.
وسمع بها من أبى حفص بن طبرزد، وغيره: وسمع بدمشق من أبى عبد الله ابن صدقة الحرانى، ويحيى بن محمود الثقفى وعبد الرحمن بن الخرقى، والخشوعى وغيرهم.
وسمع ببغداد من يحيى بن بوش، وابن كليب، وابن الجوزى، وغيرهم.
стр. 642
وقرأ بنفسه الكثير على الحافظ عبد القادر الرهاوى وغيره. وأجاز له ابن شاتيل، ونصر الله القزاز، وطائفة.
وأخذ العلم بحران عن أبى الفتح بن عبدوس وغيره. ورأيت قراءته للروضة على مصنفها الشيخ الموفق. وأقرأ وحدث.
قال المنذرى: لقيته فى الدفعة الثانية بحران، وسمعت منه.
وقال أبو عبد الله بن حمدان: قرأت عليه «الخرقى» و «الهداية»، وبعض «العمدة» وسمعت عليه أشياء كثيرة منها «جامع المسانيد» لابن الجوزى. وكان قليل الكلام فيما لا يعنيه، وكثير الديانة والتحرز فيما يعنيه، شريف النفس مهيبا، معروفا بالفتوى فى مذهب أحمد، وصنف منسكا وسطا جيدا، وكتاب «المذهب المنضد فى مذهب أحمد» ضاع منه فى طريق مكة، وحفظ «الروضة» و «الهداية» وغيرهما
قلت: «الروضة» هذه هى الفقهية لا الأصولية.
قال: وذكر لى أنه يكرر أكثر الليالى على أكثر الهداية. وكان مقيما بمسجده بحران سنين كثيرة ولم يتزوج. وطلب للقضاء فأبى. ودرس فى آخر عمره بحضورى عنده فى مدرسة بنى العطار التى عمرت لأجله. فلما نهبت حران سنة ثلاث وثلاثين عوقب فى مسجده، حتى أخذت وديعة كانت عنده مع ما أخذ له
وتوفى بعد ذلك بقليل. حدث وأجاز لأبى نصر الشيرازى المزى.
قال المنذرى: توفى فى الحادى عشر من شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة بحران. رحمه الله تعالى.
وقد سبق فى ترجمة الشيخ موفق الدين المقدسى تراجعهما فى مسألة فى الوكالة.
وقد تنازع هو والشيخ مجد الدين ابن تيمية فى مسألة أخرى، وهى ما إذا استأجر دارا، فدخل أول مدة الإجارة، وطالب المستأجر المؤجر بتسليم العين المؤجرة بعد دخول المدة، فقال المؤجر: لا أسلمها إلا فى غد، فلم يصبر المستأجر، وأشهد عليه بفسخ العقد لذلك.
стр. 643
فأفتى الناصح: أن المستأجر يثبت له خيار الفسخ بمجرد امتناع المؤجر من التسليم، وتسقط الأجرة من ذمته.
وأفتى الشيخ مجد الدين بأنه لا يصح فسخه، حتى تمضى مدة يتمكن المؤجر من التحويل فيها؛ لأن التسليم يجب على ما جرت به العادة، كالتسليم فى البيع، وأنكر أن يكون فى المذهب فيها نقل خاص.
فكتب الناصح ورقة، وتمسك من كلام الأصحاب بعمومات باردة.
وعضدها بمباحث جامدة، وما أفتى به أبو البركات أفقه، ويشهد له: ما ذكره الأصحاب فى تسليم الأعيان المبيعة وفى تسليم المرأة فى النكاح، لكن قد يفرق بينهما بأن مضى جزء من أوقات مدة الإجارة لا يتلافى. فإن المعقود عليه فيها:
هو منافع الزمن المعين، فلا يتسامح بتفويت شئ منه، بخلاف العقد على العين، أو على منافعها المطلقة.
وقد يجاب عن هذا الفرق: بأن تفويت المنافع المملوكة المستحقة حاصل فى مدة التأخير فى الصور كلها، فلا فرق.
وقد أخذ عن الناصح: ابن أبى الفهم بن تميم. ونقل عنه فى مختصره فوائد عديدة، وإذا قال «قال شيخنا أبو الفرج» فإياه يعنى وقد توهم بعض الناس أنه يعنى أبا الفرج الشيرازى. وهى هفوة عظيمة لتقدم زمن الشيرازى.
٣١٢ - يوسف بن أحمد
بن على بن الحسين بن الحسن البغدادى، الحلاوى الفقيه، أبو المظفر بن الخلال.
سمع من أبى الفتح بن شاتيل. وحدث. وتفقه فى المذهب. وكان فقيها صالحا فاضلا، مقرئا متدينا، حسن الطريقة.
توفى ليلة العشرين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة.
ودفن بباب أبرز. وقد بلغ الستين، أو جاوزها. ﵀.
أجاز لابن الشيرازى.
стр. 644
٣١٣ - إسحاق بن أحمد
بن محمد بن غانم العلثى، الزاهد القدوة، أبو الفضل، ويقال: أبو محمد ابن عم طلحة بن المظفر، الذى سبق ذكره.
سمع من أبى الفتح بن شاتيل. وقرأ بنفسه على ابن كليب وابن الأخضر.
وكان قدوة صالحا زاهدا، فقيها عالما، أمّارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، لا يخاف أحدا إلا الله، ولا تأخذه فى الله لومة لائم. أنكر على الخليفة الناصر فمن دونه وواجه الخليفة الناصر وصدعه بالحق.
قال ناصح الدين بن الحنبلى - وقرأته بخطه - هو اليوم شيخ العراق، والقائم بالإنكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخصوا فيه.
وقال المنذرى: قيل: إنه لم يكن فى زمانه أكثر إنكارا للمنكر منه، وحبس على ذلك مدة.
قلت: وله رسائل كثيرة إلى الأعيان بالإنكار عليهم والنصح لهم. ورأيت بخطه كتابا أرسله إلى الخليفة ببغداد. وأرسل أيضا إلى الشيخ على بن إدريس الزاهد - صاحب الشيخ عبد القادر - رسالة طويلة، تتضمن إنكار الرقص والسماع والمبالغة فى ذلك.
وله فى معنى ذلك عدة رسائل إلى غير واحد.
وأرسل رسالة طويلة إلى الشيخ أبى الفرج بن الجوزى بالإنكار عليه فيما يقع فى كلامه من الميل إلى أهل التأويل يقول فيها:
من عبيد الله إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثى، إلى عبد الرحمن ابن الجوزى، حمانا الله وإياه من الاستكبار عن قبول النصائح، ووفقنا وإياه لاتباع السلف الصالح، وبصرنا بالسنة السنية، ولا حرمنا الاهتداء باللفظات النبوية، وأعاذنا من الابتداع فى الشريعة المحمدية. فلا حاجة إلى ذلك. فقد تركنا على بيضاء نقية، وأكمل الله لنا الدين، وأغنانا عن آراء المتنطعين، ففى كتاب الله. وسنة رسوله مقنع لكل من رغب أو رهب، ورزقنا الله الاعتقاد
стр. 645
السليم، ولا حرمنا التوفيق، فإذا حرمه العبد لم ينفع التعليم. وعرفنا أقدار نفوسنا، وهدانا الصراط المستقيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وفوق كل ذى علم عليم. وبعد حمد الله سبحانه، والصلاة على رسوله: فلا يخفى أن «الدين النصيحة» خصوصا للمولى الكريم، والرب الرحيم. فكم قد زل قلم، وعثر قدم، وزلق متكلم، ولا يحيطون به علما. قال: عز من قائل (٨:٢٢ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ)﴾.
وأنت يا عبد الرحمن، فما يزال يبلغ عنك ويسمع منك، ويشاهد فى كتبك المسموعة عليك، تذكر كثيرا ممن كان قبلك من العلماء بالخطأ، اعتقادا منك:
أنك تصدع بالحق من غير محاباة، ولا بد من الجريان فى ميدان النصح: إما لتنتفع إن هداك الله، وإما لتركيب حجة الله عليك. ويحذر الناس قولك الفاسد، ولا يغرك كثرة اطلاعك على العلوم. فرب مبلّغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه لا فقه له، ورب بحر كدر ونهر صاف، فلست بأعلم من الرسول، حيث قال له الإمام عمر «أتصلى على ابن أبىّ؟ أنزل القرآن (٨٤:٩ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ)» ولو كان لا ينكر من قل علمه على من كثر علمه إذا لتعطل الأمر بالمعروف، وصرنا كبنى إسرائيل حيث قال تعالى: (٧٩:٥ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ)﴾ بل ينكر المفضول على الفاضل وينكر الفاجر على الولى، على تقدير معرفة الولى. وإلا فابن التنقا ليطلب وابن السمندل، ليجلب - إلى أن قال:
واعلم أنه قد كثر النكير عليك من العلماء والفضلاء، والأخيار فى الآفاق بمقالتك الفاسدة فى الصفات. وقد أبانوا وهاء مقالتك، وحكوا عنك أنك أبيت النصيحة، فعندك من الأقوال التى لا تليق بالسنة ما يضيق الوقت عن ذكرها، فذكر عنك: أنك ذكرت فى الملائكة المقربين، الكرام الكاتبين، فصلا زعمت أنه مواعظ، وهو تشقيق وتفهيق، وتكلف بشع، خلا أحاديث
стр. 646
رسول الله ﷺ ، وكلام السلف الصالح الذى لا يخالف سنة، فعمدت وجعلتها مناظرة معهم. فمن أذن لك فى ذلك؟ وهم مستغفرون للذين آمنوا، ولا يستكبرون عن عبادة الله. وقد قرن شهادته بشهادتهم قبل أولى العلم وما علينا كان الآدمى أفضل منهم أم لا، فتلك مسألة أخرى.
فشرعت تقول: إذا ثارت نار الحسد فمن يطفيها؟ وفى الغيبة ما فيها، مع كلام غث. أليس منا فلان؟ ومنا فلان؟ ومنا الأنبياء والأولياء. من فعل هذا من السلف قبلك؟ ولو قال لك قائل من الملائكة: أليس منكم فرعون وهامان؟ أليس منكم من ادعى الربوبية؟
فعمن أخذت هذه الأقوال المحدثة، والعبارات المزوقة، التى لا طائل تحتها وقد شغلت بها الناس عن الاشتغال بالعلم النافع أحدهم قد أنسى القرآن وهو يعيد فضل الملائكة ومناظرتهم، ويتكلم به فى الآفاق.
فأين الوعظ والتذكير من هذه الأقوال الشنيعة البشعة؟
ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى، كأنها صدرت لا من صدر سكن فيه احتشام العلى العظيم، ولا أملاها قلب ملئ بالهيبة والتعظيم، بل من واقعات النفوس البهرجية الزيوف. وزعمت أن طائفة من أهل السنة والأخيار تلقوها وما فهموا. وحاشاهم من ذلك. بل كفوا عن الثرثرة والتشدق، لا عجزا - بحمد الله - عن الجدال والخصام، ولا جهلا بطرق الكلام. وإنما أمسكوا عن الخوض فى ذلك عن علم ودراية، لا عن جهل وعماية.
والعجب ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض فى الكلام. ثم يقدم على تفسير ما لم يره أولا، ويقول: إذا قلنا كذا أدى إلى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده. فهذا الذى نهيت عنه. وكيف تنقض عهدك وقولك بقول فلان وفلان من المتأخرين؟ فلا تشمت بنا المبتدعة فيقولون: تنسبوننا إلى البدع وأنتم أكثر بدعا منا، أفلا تنظرون إلى قول من
стр. 647
اعتقدتم سلامة عقده، وتثبتون معرفته وفضله؟ كيف أقول ما لم يقل، فكيف يجوز أن تتبع المتكلمين فى آرائهم، وتخوض مع الخائضين فيما خاضوا فيه، ثم تنكر عليهم؟ هذا من العجب العجيب. ولو أن مخلوقا وصف مخلوقا مثله بصفات من غير رؤية ولا خبر صادق. لكان كاذبا فى إخباره. فكيف تصفون الله سبحانه بشئ ما وقفتم على صحته، بل بالظنون والواقعات، وتنفون الصفات التى رضيها لنفسه، وأخبر بها رسوله بنقل الثقات الأثبات، بيحتمل، ويحتمل.
ثم لك فى الكتاب الذى أسميته «الكشف لمشكل الصحيحين» مقالات عجيبة، تارة تحكيها عن الخطابى وغيره من المتأخرين، أطّلع هؤلاء على الغيب؟ وأنتم تقولون: لا يجوز التقليد فى هذا، ثم ذكره فلان، ذكره ابن عقيل، فنريد الدليل من الذاكر أيضا، فهو مجرد دعوى، وليس الكلام فى الله وصفاته بالهين ليلقى إلى مجارى الظنون - إلى أن قال:
إذا أردت: كان ابن عقيل العالم، وإذا أردت: صار لا يفهم، أوهيت مقالته لما أردت. ثم قال:
وذكرت الكلام المحدث على الحديث، ثم قلت: والذى يقع لى. فبهذا تقدم على الله، وتقول: قال علماؤنا، والذى يقع لى. تتكلمون فى الله بواقعاتكم تخبرون عن صفاته؟ ثم ما كفاك حتى قلت: هذا من تحريف بعض الرواة. تحكما من غير دليل. وما رويت عن ثقة آخر أنه قال: قد غيره الراوى فلا ينبغى بالرواة العدول: أنهم حرفوا، ولو جوزتم لهم الرواية بالمعنى، فهم أقرب إلى الإصابة منكم. وأهل البدع إذا كلما رويتم حديثا ينفرون منه، يقولون:
يحتمل أنه من تغيير بعض الرواة. فإذا كان المذكور فى الصحيح المنقول من تحريف بعض الرواة، فقولكم ورأيكم فى هذا يحتمل أنه من رأى بعض الغواة.
وتقول: قد انزعج الخطابى لهذه الألفاظ. فما الذى أزعجه دون غيره؟ ونراك تبنى شيئا ثم تنقضه، وتقول: قد قال فلان وفلان، وتنسب ذلك إلى إمامنا
стр. 648
أحمد - رضى الله عنه - ومذهبه معروف فى السكوت عن مثل هذا، ولا يفسره، بل صحح الحديث، ومنع من تأويله.
وكثير ممن أخذ عنك العلم إذا رجع إلى بيته علم بما فى عيبته من العيب، وذم مقالتك وأبطلها. وقد سمعنا عنك ذلك من أعيان أصحابك المحبوبين عندك، الذين مدحتهم بالعلم، ولا غرض لهم فيك، بل أدوا النصيحة إلى عباد الله، ولك القول وضده منصوران. وكل ذلك بناء على الواقعات والخواطر.
وتدعى أن الأصحاب خلطوا فى الصفات، فقد قبحت أكثر منهم، وما وسعتك السنة. فاتق الله سبحانه. ولا تتكلم فيه برأيك فهذا خبر غيب، لا يسمع إلا من الرسول المعصوم، فقد نصبتم حربا للأحاديث الصحيحة. والذين نقلوها نقلوا شرائع الإسلام.
ثم لك قصيدة مسموعة عليك فى سائر الآفاق، اعتقدها قوم، وماتوا بخلاف اعتقادك الآن فيما يبلغ عنك، وسمع منك منها:
ولو رأيت النار هبت، فعدت … تحرق أهل البغى والعناد
وكلما ألقى فيها حطمت … وأهلكته، وهى فى ازدياد
فيضع الجبار فيها قدما … جلت عن التشبيه بالأجساد
فتنزوى من هيبته، وتمتلى … فلو سمعت صوتها ينادى
حسبى حسبى، قد كفانى ما أرى … من هيبة أذهبت اشتداد
فاحذر مقال مبتدع فى قوله … يروم تأويلا بكل وادى
فكيف هذه الأقوال: وما معناها؟ فإنا نخاف أن تحدث لنا قولا ثالثا، فيذهب الاعتقاد الأول باطلا. لقد آذيت عباد الله وأضللتهم، وصار شغلك نقل الأقوال فحسب، وابن عقيل سامحه الله، قد حكى عنه: أنه تاب بمحضر من علماء وقته من مثل هذه الأقوال، بمدينة السلام - عمرها الله بالإسلام والسنة - فهو برئ - على هذا التقدير - مما يوجد بخطه، أو ينسب إليه، من التأويلات، والأقوال المخالفة للكتاب والسنة.
стр. 649
وأنا وافدة الناس والعلماء والحفاظ إليك، فإما أن تنتهى عن هذه المقالات، وتتوب التوبة النصوح، كما تاب غيرك، وإلا كشفوا للناس أمرك، وسيروا ذلك فى البلاد وبينوا وجه الأقوال الغثة، وهذا أمر تشور فيه، وقضى بليل، والأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، والجرح لا شك مقدم على التعديل، والله على ما نقول وكيل، وقد أعذر من أنذر.
وإذا تأولت الصفات على اللغة، وسوغته لنفسك، وأبيت النصيحة، فليس هو مذهب الإمام الكبير أحمد بن حنبل قدس الله روحه، فلا يمكنك الانتساب إليه بهذا، فاختر لنفسك مذهبا، إن مكنت من ذلك، وما زال أصحابنا يجهرون بصريح الحق فى كل وقت ولو ضربوا بالسيوف، لا يخافون فى الله لومة لائم، ولا يبالون بشناعة مشنع، ولا كذب كاذب، ولهم من الاسم العذب الهنى، وتركهم الدنيا وإعراضهم عنها اشتغالا بالآخرة: ما هو معلوم معروف.
ولقد سودت وجوهنا بمقالتك الفاسدة، وانفرادك بنفسك، كأنك جبار من الجبابرة، ولا كرامة لك ولا نعمى، ولا نمكنك من الجهر بمخالفة السنة، ولو استقبل من الرأى ما استدبر: لم يحك عنك كلام فى السهل، ولا فى الجبل، ولكن قدر الله، وما شاء فعل، بيننا وبينك كتاب الله وسنة رسوله، قال الله تعالى (٥٩:٤ ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)﴾ ولم يقل: إلى ابن الجوزى.
وترى كل من أنكر عليك نسبته إلى الجهل، ففضل الله أوتيته وحدك؟ وإذا جهّلت الناس فمن يشهد لك أنك عالم؟ ومن أجهل منك، حيث لا تصغى إلى نصيحة ناصح؟ وتقول: من كان فلان، ومن كان فلان؟ من الأئمة الذين وصل العلم إليك عنهم، من أنت إذا؟ فلقد استراح من خاف مقام ربه، وأحجم عن الخوض فيما لا يعلم، لئلا يندم.
فانتبه يا مسكين قبل الممات، وحسّن القول والعمل، فقد قرب الأجل،
стр. 650
لله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وللشيخ إسحاق أجزاء مجموعة، وأربعينيات حديثية، وغير ذلك، وحدث وسمع منه جماعة.
وذكر ابن الدواليبى: أنه سمع منه.
وتوفى فى شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين وستمائة، أظنه بالعلث.
رضى الله عنه.
٣١٤ - هبة الله بن الحسن
بن أحمد البغدادى، المقرئ، أبو القاسم المعروف بالأشقر، قرأ القرآن على أبى بكر محمد بن خالد الرزاز وغيره.
قال ابن الساعى: كان شيخا فاضلا، حسن التلاوة للقرآن، مجيدا لأدائه عالما بوجوه القراءات وطرقها، وتعليلها وإعرابها، يشار إليه بمعرفة علوم القرآن، بصيرا بالنحو واللغة والعربية.
سمع شيئا من الحديث، وكان يؤم بالخليفة الظاهر، ورتبه إماما بباب بدر فى صلاة التراويح، وأذن للناس فى الدخول للصلاة، وأمّ بمسجد ابن حمدى وغيره، ورتبه الظاهر مشرفا على ديوان التركات.
وقرأ عليه الخليفة الظاهر، والوزير بن الناقد، فلما ولى الظاهر الخلافة، أكرمه وأجله، وأعطاه بغلة أبيه الناصر، فركبها. ولما ولى ابن الناقد الوزارة:
دخل عليه فنهض له، وأجلسه إلى جانبه، وقال: هذا شيخى، قرأت القرآن عليه.
وكان يدخل إلى المستنصر، فيقرئه القرآن، وكان لا يقبل الأرض إذا دخل عليه، فقيل له فى ذلك، فقال: لا ينبغى ذلك إلا لله تعالى، فحجب عن الدخول إليه. وكان يقول: قرأ عليّ القرآن أرباب الدنيا والآخرة: إسحاق العلثى، والشيخ عثمان القصر، وأمثالهما، والخليفة، والوزير، وصاحب المخزن. وكان لأم الخليفة الناصر فيه عقيدة، فمرض فجاءته تعوده. وحدث عن الأسعد العبرتى النحوى بأبيات.
стр. 651
سمع منه ابن النجار، وابن الساعى وغيرهما.
وأجاز لعبد الصمد بن أبى الجيش.
وتوفى فى صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة، وقد قارب الثمانين، رحمه الله تعالى.
٣١٥ - محمد بن أحمد
بن عمر بن الحسين بن خلف البغدادى القطيعى الأزجى، المؤرخ، أبو الحسن بن أبى العباس. وقد سبق ذكر أبيه.
ولد فى رجب سنة ست وأربعين وخمسمائة.
وبكّر به والده، وأسمعه من أبى الحسن بن الخل الفقيه، وأبى العباس أحمد بن محمد بن عبد العزيز المكى، وأبى بكر بن الزاغونى، ونصر بن نصر العكبرى وسلمان بن حامد الشحام، وتفرد فى وقته بالرواية عن هؤلاء. وأسمعه أيضا من أبى الوقت صحيح البخارى، وهو آخر من حدث به ببغداد كاملا عنه سماعا، ومن جماعة آخرين. ثم طلب هو بنفسه، وسمع من جماعة بعد هؤلاء، وقرأ على الشيوخ، وكتب بخطه.
ورحل، وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل وغيره، وأقام بها مدة.
وسمع بدمشق من محمد بن حمزة بن أبى الصقر، وأبى المعالى بن صابر وغيرهما.
وسمع بحران من حامد بن أبى الحجر وغيره.
ثم رجع إلى بغداد، ولازم أبا الفرج بن الجوزى مدة، وأخذ عنه، وقرأ عليه كثيرا من تصانيفه ومروياته، وجمع تاريخا فى نحو خمسة أسفار، ذيّل به على تاريخ أبى سعد بن السمعانى سماه «درة الإكليل فى تتمة التذييل» رأيت أكثره بخطه، وقد نقلت منه فى هذا الكتاب كثيرا، وفيه فوائد جمة، مع أوهام وأغلاط.
وقد بالغ ابن النجار فى الحط على تاريخه هذا، مع أنه أخذه عنه واستفاده منه، ونقل منه فى تاريخه أشياء كثيرة، بل نقله كله، وقال: لم يكن محققا فيما ينقله ويقوله. وكان لحنة، قليل المعرفة بأسماء الرجال.
стр. 652
وكان قد استنابه يوسف بن الجوزى فى الحسبة بباب الأزج، وسوق العجم، وما والاهما، سوى الحريم. فأقام على ذلك مدة يسيرة ثم عزل.
وشهد عند القضاة مدة، واستخدم فى عدة خدم المخزن وغيره. ونظر فى المارستان التفشى، ثم عزل عن الشهادة، وأسن وانقطع فى منزله إلى حين وفاته.
وكان يخضب بالسواد، ثم ترك الخضاب قبل موته بمدة.
قلت: وقد ذكر فى تاريخه: أنه قرأ شيئا من المذهب على القاضى أبى يعلى ابن القاضى أبى خازم وحضر درسه، وأنه تكلم فى بعض مسائل الخلاف مع الفقهاء
قال: وحملنى والدى إلى أبى النجيب السهروردى بجامع المدينة فى يوم جمعة، وأنا طفل فاستدل أبو النجيب فى مسألة بيع الرطب بالتمر، وذكرت على دليله عدة أسئلة علمنى والدى إياها قبل ذلك. فلما أنهيت الكلام خلع قميصه بالجامع فألبسنى إياه: وقال: هذه خرقة التصوف، وأجاز لى، وكتب بخطه بذلك.
ولما عمر المستنصر مدرسته المعروفة به: جعل القطيعى شيخ دار الحديث بها، وكان ابن النجار بها مفيدا للطلبة. وهذا من جملة الأسباب التى أوجبت تحامله عليه. وقد وصفه غير واحد من الحفاظ وغيرهم بالحافظ
وأثنى عمر بن الحاجب على تاريخه، فقال: وقفت على تراجم من بعضه، فرأيته قد أحكمها، واستوفى فى كل ترجمة ما لم يعمله أحد فى زمانه، يدل على حفظه وإتقانه، ومعرفته بهذا الشأن.
وحدث بالكثير ببغداد والموصل. وروى عنه جماعة كثيرون، منهم الشيخ تقى الدين الواسطى، والفاروتى، ولأبرقوهى، والقرافى.
قال ابن النجار: توفى ليلة السبت لأربع خلون من ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وستمائة. وصلّى عليه من الغد بعدة مواضع. ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى.
قرئ على جدى أبى أحمد رجب بن الحسن غير مرة ببغداد - وأنا حاضر -
стр. 653
فى الثالثة والرابعة والخامسة: أخبركم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزار - سنة ست وثمانين وستمائة - أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعى
ح وأخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصارى - بدمشق - أخبرنا عبد الحميد بن أحمد ابن الزجاج أخبرنا القطيعى.
ح وأخبرنا أبو الفضل محمد بن إسماعيل بن الحموى أخبرنا أبو القاسم على ابن بلبان أخبرنا القطيعى أخبرنا أبو الوقت عبد الأول ابن عيسى أخبرنا أبو الحسن الداودى أخبرنا أبو محمد السرخسى أخبرنا أبو عبد الله الفربرى حدثنا البخارى حدثنا المكى بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع قال:
سمعت النبى ﷺ يقول «من يقل علىّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار».
وأنشد لنفسه فى تاريخه:
أهديت قلبى إليكم خذوه … وقتلى حرام، فلا تقربوه
وها هو ذا عندكم واقف … يروم الوصال، فلا تحرموه
وأيضا كتب بها إلى أبى المظفر بن مهاجر فقيه الموصل:
فى كل يوم نقلة ورحيل … وشوق لقلبى مزعج ومزيل؟
يعزّ علينا أن يعز وصولنا … إلى بلد فيه الحبيب نزيل؟
٣١٦ - مكى بن عمر
بن نعمة بن يوسف بن سيف بن عساكر بن عسكر ابن شبيب بن صالح، الروبتى المقدسى الأصل، المصرى الفقيه الزاهد، أبو الخير ابن أبى حفص.
ولد فى شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بمصر.
وسمع من والده أبى حفص، ومن أبى محمد بن برى النحوى، وأبى الفتح محمود بن أحمد الصابونى، وأبى إبراهيم القاسم بن إبراهيم المقدسى، وهبة
стр. 654
البوصيرى، وأبى عبد الله الأرتاحى، وجماعة كثيرة من أهل البلد والقادمين عليها
وسمع بمكة من أبى عبد الله محمد بن الحسين الهروى الحنبلى، وأبى الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن أبى تمام الدباس، وأبى زكريا يحيى بن عمر بن بهليقا، ويونس بن يحيى الهاشمى. وتفقه فى المذهب بمصر.
قال المنذرى: اشتهر بمعرفة المذهب، وجمع مجاميع فى الفقه وغيره، وانتفع به جماعة. وحدث، وأمّ بالمسجد المعروف به بدرب البقالين بمصر، سمعت منه.
وكان يبنى ويأكل من كسب يده.
قلت: وهو الذى جمع سيرة الحافظ عهد الغنى، كما ذكره الضياء فى ترجمته
وتوفى فى العشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة بمصر.
ودفن من الغد إلى جانب والده بشفير الخندق، بسفح المقطم. رحمه الله تعالى
و «الروبتى» بضم الراء المهملة وسكون الواو بعدها باء موحدة مفتوحة مخففة وتاء تأنيث. وكان يذكر أنه منسوبا إلى «روبة» ويذكر نسبا متصلا به ويقول: هو صحابى.
قال المنذرى: ولست أعرف «روبة» هذا، ولا رأيت من ذكره. وكان بعض شيوخنا يقول: إن «روبة» بلد بالشام. والله أعلم.
وقد تقدم ذكر أخيه أبى الطاهر إسماعيل الأديب، وأبوهما أبو حفص.
٣١٧ - عمر
المعروف بابن البناء.
كان رجلا صالحا مقرئا. أقرأ القرآن سنين كثيرة بمصر. وكان صابرا على تعليم الطلبة ليلا ونهارا، مع علو سنه. وحدث عن أبى الفتح الكروخى.
وتوفى فى ثامن شوال سنة أربع وثمانين وخمسمائة بمصر رحمه الله تعالى.
٣١٨ - عبد الله بن إسماعيل
بن علي بن الحسين البغدادى، الأزجى، الواعظ شمس الدين، أبو طالب بن أبى محمد، المعروف والده بالفخر، غلام ابن المنى. وقد سبق ذكره.
стр. 655
سمع أبو طالب هذا من ابن كليب وغيره. وتفقه فى المذهب، واشتغل بالوعظ ووعظ ببغداد ومصر، وحدث. وله نظم.
قال المنذرى: سمعت منه شيئا من شعره.
وتوفى فى ثانى عشرين شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة ببغداد. وهو فى سن الكهولة.
٣١٩ - عبد العزيز بن عبد الملك
بن عثمان المقدسى، الفقيه، عزّ الدين أبو محمد.
سمع من أسعد بن سعيد بن روح، وعمر بن طبرزد، وغيرهما. وتفقه فى المذهب، ودرس بمدرسة الشيخ أبى عمر مدة. وحدث.
توفى فى حادى عشر ذى القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
٣٢٠ - عبد الكريم بن أبى عبد الله
بن مسلم بن أبى الحسن بن أبى الجواد، الفارسى الزاهد، أبو بكر. واسم أبيه: المبارك بن أخى الحسن بن مسلم الزاهد المتقدم ذكره.
ولد سنة ثلاث وستين وخمسمائة بالفارسية، قرية على نهر عيسى.
وقرأ القرآن وسمع الحديث من أبى الفتح البردانى، وابن بوش، وغيرهما.
وتفقه فى المذهب. وحدث.
سمع منه ابن النجار، وعبد الصمد بن أبى الجيش وغيرهما. ووصفاه بالصلاح والديانة.
قال ابن النجار: كان شيخا صالحا، ورعا متدينا، منقطعا عن الناس فى قريته يقصده الناس لزيارته والتبرك به، وحوله جماعة من الفقراء، ويضيف من يمر به.
وتوفى يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة خمس وثلاثين وستمائة. ودفن من يومه عند عمه بالفارسية رحمه الله تعالى.
стр. 656
٣٢١ - عثمان بن نصر
بن منصور بن هلال البغدادى، المسعودى، الفقيه الواعظ، أبو الفتوح. ويقال: أبو الفرج. ويقال: أبو عمرو، ويلقب ضياء الدين المعروف بابن الوتار.
ولد سنة خمسين وخمسمائة تقريبا.
وسمع من أبى الفتح بن المنى، وعيسى الروشابى وعبد الله بن عبد الرزاق السلمى ومسلم بن ثابت الوكيل، وشهدة الكاتبة، وخديجة النهروانية وغيرهم.
وتفقه على أبى الفتح بن المنى، ووعظ، وشهد عند قاضى القضاة أبى صالح نصر بن عبد الرزاق. ودرس وأفتى وكان فقيها فاضلا، إماما عالما، حسن الأخلاق
وحدث، وأجاز للمنذرى، وعبد الصمد بن أبى الجيش، ولسليمان بن حمزة، وأبى بكر بن عبد الدائم، والقاسم بن مظفر بن عساكر، وأحمد بن أبى طالب الحجار.
وتوفى فى سابع عشرين جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وستمائة. ودفن بباب حرب، وقد ناهز السبعين.
والمسعودى نسبة إلى «المسعودة» محلة شرقى بغداد من نواحى المأمونية.
٣٢٢ - تقى الدين بن طرخان
ابن أبى الحسن السلمى، الدمشقى الصالحى الحنبلى.
ولد بالجبل سنة إحدى وستين وخمسمائة.
وسمع من أبى المعالى بن صابر، ويحيى السلفى، وابن صدقة وغيرهم.
وسمع بمكة والمدينة واليمن، وحدث.
وتوفى فى تاسع محرم سنة سبع وثلاثين وستمائة بالجبل ﵀.
٣٢٣ - عبد العزيز بن دلف
بن أبى طالب بن دلف بن أبى القاسم البغدادى المقرئ، الناسخ الخازن، أبو محمد. ويقال: أبو الفضل. ويلقب عفيف الدين.
стр. 657
ولد سنة إحدى - أو اثنتين - وخمسين وخمسمائة.
وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على أبى الحارث أحمد بن سعيد العكبرى العسكرى وأبى جعفر بن القاصين وأبى الحسن البطائحى، وصاحبه. وقرأ عليه كثيرا، وعلى جماعة آخرين.
وسمع الحديث من أبى على الرحبى، والأسعد بن يلدرك، ولاحق بن كاره وشهدة، وخديجة النهروانية، وابن شاتيل، والقزاز، وابن كليب. وقرأ بنفسه الكثير على من بعدهم، وسمع الناس بقراءته. وكتب الكثير بخطه الحسن لنفسه وللناس توريقا.
وولى نظر خزانة الكتب بمسجد الشريف الزيدى، ثم خزانة كتب التربة السلجوقية، ثم صرف عنها، ثم أعيد إليها.
وشهد عند الزنجانى فى ولايته زمن الناصر. وكان الخليفة الناصر لما أذن لولده الظاهر برواية مسند الإمام أحمد عنه بالإجازة. وأذن لأربعة نفر من الحنابلة بالدخول إليه للسماع: كان عبد العزيز هذا منهم، فحصل له به أنس. فلما أفضت إليه الخلافة ولاه النظر فى ديوان التركات الحشرية، فسار فيها أحسن سيرة، وردت تركات كثيرة على الناس كان قد استولى عليها بمساعدة الخليفة الظاهر على ذلك.
ومن جملة ذلك: تركة رجل من همدان مات ببغداد، فتصرف ديوان التركات فى ميراثه، بناء على أنه لا وارث له، ثم بعد سنة أثبت ابن عمه نسبه واستحقاقه للتركة عند الحاكم. فأنهى الحال الشيخ عبد العزيز فى ولايته إلى الظاهر، فتقدم بتسليم التركة إليه بموجب الشرع، وأن لا يراجع فيما هذا سبيله، مع ثبوته شرعا.
وكانت التركة ألوفا من العين، وبقى الشيخ عبد العزيز على هذا مديدة. ثم سأل أن يقيم برباط الحريم منقطعا به إلى العبادة، وأن يكون ولده الأصغر عمر عوضه فى ديوان التركات. فأجيب إلى ذلك. ورتب الشيخ شيخا بالرباط المذكور،
стр. 658
فأقام به إلى حين وفاته. ورتب ولده فى الديوان. فسار بسيرة أبيه فيه.
قرأت بخط الناصح ابن الحنبلى: الشيخ عبد العزيز إمام فى القراءة، وفى علم الحديث. سمع الكثير، وكتب بخطه الكثير، وهو يصوم الدهر. لقيته ببغداد فى المرتين.
وقال ابن النجار: كان كثير العبادة، دائم الصوم والصلاة، وقراءة القرآن منذ كان شابا، وإلى حين وفاته. وكان مسارعا إلى قضاء حوائج الناس، والسعى بنفسه إلى دور الأكابر فى الشفاعات، وفك العناة، وإطلاق المعتقلين، ودفع المؤن والتنقيل من جهة العمال، يفعل ذلك مع القريب والبعيد والغريب بصدر منشرح، وقلب طيب. وكان محبا لإيصال الخير إلى الناس، ودفع الضرر عنهم، كثير الصدقة والمعروف، والمواساة بماله حال فقره وقلة ذات يده، وبعد يساره وسعة ذات يده. وكان على قانون واحد فى ملبسه لم يغيره، وفى أخلاقه وتواضعه للناس. كتبت عنه.
وكان ثقة صدوقا نبيلا غزير الفضل، أحسن الناس تلاوة للقرآن، وأطيبهم نغمة. وكذلك فى قراءة الحديث.
وقال ابن الساعى: كان شيخا صالحا عابدا، مشكور السيرة، محمود الطريقة، لم يزل مواظبا على الخير والعبادة والتلاوة. وكان يسرد الصوم، ويديم القيام بالليل، قل أن تمضى عليه ليلة إلا وختم فيها القرآن فى الصلاة. وكان له حرمة عند الدولة، خصوصا عند المستنصر. وكان لا يمل من الشفاعة، وقضاء حوائج الناس، حتى لو قيل: إنه لم يبق ببغداد من غنى ولا فقير إلا قضاه حاجة:
لكان حقا: وفوض إليه المستضر أمر خزانة الكتب بمدرسته.
وقرأ عليه القراءات عبد الصمد بن أبى الجيش، وسمع منه الحديث. وكتب عنه ابن النجار، وابن الحاجب.
وقال ابن نقطة: كان ثقة صالحا.
стр. 659
وقال الضياء أيضا: كان خيرا دينا، له مروءة، من أهل القرآن.
قال ابن النجار: توفى ليلة الاثنين السادس والعشرين من صفر سنة سبع وثلاثين وستمائة. وحمل ليلا إلى تربة معروف الكرخى. فدفن إلى جانبه، تحت القبة، من غير أن يعلم به أحد.
وقال عبد الصمد: توفى ليلة الاثنين العشرين من صفر. وقال غيره:
ليلة تاسع عشر.
ورثاه غير واحد، منهم الأسعد بن إبراهيم الكاتب بقصيدة، أولها:
ما قضى الحزن بالمدامع دينا … حين حاز المصاب رزءا وحينا
عدم الدين من فتى دلف قلبا … وسمعا للمكرمات وعينا
٣٢٤ - أحمد بن محمد
بن طلحة بن الحسن بن طلحة بن حسان، البصرى الأصل، البغدادى المضرى، الفقيه المحدث، المعدل، أبو بكر. وقد يكنى أبا عبد الله أيضا. ويلقب أمين الدين.
ولد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة تقديرا.
وطلب الحديث قبل التسعين وخمسمائة، فسمع الكثير من، ابن كليب.
وذاكر بن كامل، ويحيى بن بوش، وأبى الفرج بن الجوزى، وابن المغطوش، وابن سكينة، وابن الأخضر، وخلق كثير من هذه الطبقة، وجد واجتهد فى الطلب. وكتب بخطه كثيرا. وتفقه فى المذهب وتكلم فى مسائل الخلاف وحصل طرفا صالحا من الأدب، وصحب محيى الدين بن الجوزى، واختص به، وصار حاجبا له أيام حسبته. وسافر معه لما نفذ فى الرسائل إلى الشام ومصر وبلاد الروم وبلاد فارس. وشهد عند ابن اللمعانى.
وله مجموعات وتخاريج فى الحديث، وجمع الأحاديث السباعيات والثمانيات التى وقعت له، ومعجما لشيوخه. وحدث بقطعة من مسموعاته ببغداد وغيرها.
стр. 660
ذكر ذلك ابن النجار، وقال: سمعت منه. وهو فاضل عالم ثقة، صدوق متدين أمين نزه، حسن الطريقة، جميل السيرة، طاهر السريرة، سليم الجانب، مسارع إلى فعل الخير، محبوب إلى الناس. ثم روى عنه حديثا عن ابن بوش.
وقال المنذرى: قدم مصر، وحدث بها. سمعت منه حديثا واحدا بظاهر السويداء. قرأته عليه من حفظى.
وأخبرنى أبو الربيع على بن عبد الصمد البغدادى - سماعا بها - أخبرنى أبو أحمد عبد الصمد بن أحمد بن أبى الجيش، قال: أخرج شيخنا الفقيه الإمام العدل أمين الدين أبو بكر أحمد بن محمد بن طلحة لنفسه أربعين حديثا، وقرأتها عليه.
وسمع منه ببغداد منصور بن سليم الإسكندرى الحافظ وغيره. وأجاز للبهاء القاسم بن مظفر بن عساكر.
وتوفى ليلة الأحد ثالث شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ودفن من الغد بمقبرة باب حرب. رحمه الله تعالى.
٣٢٥ - يوسف بن عبد المنعم
بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن حسن ابن جعفر، المقدسى النابلسى، الفقيه المحدث، أبو عبد الله، ويلقب تقى الدين.
ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة - تقديرا - بيت المقدس.
وسمع بدمشق من عمر بن طبرزد، وأبى اليمن الكندى، وأبى القاسم بن الحرستانى، وست الكتبة بنت ابن الطراح، وجماعة آخرين، وتفقه.
قال المنذرى: ترافقنا فى السماع كثيرا. وولى الإمامة بالجامع الغربى بمدينة نابلس. وحدث. وهو ابن عم الحافظ عبد الغنى المقدسى. وكان على طريقة حسنة.
توفى فى عاشر ذى القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة بمدينة نابلس.
стр. 661
٣٢٦ - عبد الغنى بن محمد
بن القاسم بن محمد بن تيمية الحرانى، خطيب حران، وابن خطيبها، سيف الدين أبو محمد، ابن الشيخ فخر الدين أبى عبد الله.
وقد سبق ذكر والده.
ولد فى ثانى صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بحران.
وسمع بها من والده، وعبد القادر الرهاوى، وعبد الوهاب بن أبى حبة، وحماد الحرانى، وغيرهم. وأخذ العلم بها عن والده.
ورحل إلى بغداد سنة ثلاث وستمائة، فسمع بها من عبد الوهاب بن سكينة وضياء بن الخريف، وعمر بن طبرزد، وعبد العزيز بن منينا، وعبد الواحد بن سلطان، ويحيى بن الحسين الأوانى، وأبى الفرج محمد بن هبة الله الوكيل، وعبد الرزاق بن عبد القادر الحافظ، ومسمار بن الفويش، وسعيد بن محمد بن عطاف، وأحمد بن الحسن العاقولى، وغيرهم.
وطلب، وقرأ بنفسه، وأخذ الفقه عن الفخر إسماعيل غلام ابن المنى وغيره.
ورجع إلى حران، وقام مقام أبيه فى وظائفه بعد وفاته، وكان يخطب ويعظ ويدرس، ويلقى التفسير فى الجامع على كرسى.
قال ابن حمدان: الشيخ الإمام العالم الفاضل، سيف الدين قام مقام والده فى التفسير والفتوى، والوعظ والخطابة. وكان خطيبا فصيحا، رئيسا ثابتا، رزين العقل. وله تصنيف «الزائد على تفسير الوالد» و «إهداء القرب إلى ساكنى الترب»
قال: ولم أسمع منه، ولا قرأت عليه شيئا. وسمعت بقراءته على والده كثيرا.
وقال المنذرى: لقيته بحران وغيرها، وعلقت عنه بنهر الجوز بالقرب من شاطئ الفرات شيئا. وأجاز للقاضى أبى الفضل سليمان بن حمزة المقدسى.
وتوفى فى سابع عشر المحرم سنة تسع وثلاثين وستمائة بحران
стр. 662
٣٢٧ - أحمد بن محفوط
بن مهيا بن شكر بن الصابونى، الرصافى البغدادى الفقيه المحدث، أبو العباس.
سمع الكثير، وعنى بالسماع، وكتب الطباق بخطه، وهو حسن.
وتفقه على القاضى أبى صالح نصر بن عبد الرزاق. وكان خيرا صالحا، متعبدا من خيار الطلبة.
توفى يوم الأحد تاسع عشرين صفر سنة تسع وثلاثين وستمائة، ودفن بمقبرة معروف الكرخى. رحمهما الله تعالى.
٣٢٨ - سليمان بن إبراهيم
بن هبة الله بن رحمة الأسعردى، المحدث الخطيب، أبو الربيع.
ولد سنة سبع وستين وخمسمائة بإسعرد.
ورحل. وسمع بدمشق من الخشوعى، وابن طبرزد، وجماعة كثيرة، وبمصر من إسماعيل بن ياسين، وهبة الله البوصيرى، وأبى عبد الله الأرتاحى، وخلق كثير وبالإسكندرية من أبى القاسم عبد الرحمن بن علاس. وانقطع إلى الحافظ عبد الغنى المقدسى مدة، ويخرج به، وسمع منه الكثير، وكتب بخطه كثيرا. وكان كثير الإفادة، حسن السيرة.
وسئل عنه الحافظ الضياء؟ فقال: خير دين ثقة، وأقام ببيت لهيا، وتولى الخطابة والإمامة بجامعه، ويقال: إنهم كانوا يؤذونه، فيكشطون الدال من الأسعردى، ويعجمون السين فيصير الأشعرى، فيغضب لذلك.
قال المنذرى: اجتمعت به، ولم يتفق لى السماع منه، وأفادنا إجازة وجماعة من شيوخ المصريين وغيرهم. شكر الله سعيه وجزاه خيرا.
وتوفى فى ثانى عشرين ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وستمائة ببيت لهيا، رحمه الله تعالى، و «رحمة» اسم أم جده، وبها عرف جده.
стр. 663
٣٢٩ - إسماعيل بن ظفر
بن أحمد بن إبراهيم بن مفرح بن منصور بن ثعلب ابن عتيبة بن ثابت بن بكار بن عبد الله بن شرف بن مالك بن المنذر بن النعمان ابن المنذر المنذرى، النابلسى الأصل، الدمشقى المولد، المحدث أبو الطاهر.
ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة بدمشق.
وارتحل فى طلب الحديث إلى الأمصار، فسمع بمكة من ابن الحصرى.
وبمصر من البوصيرى، والأرتاحى، والحافظ عبد الغنى، وجماعة.
وببغداد من ابن كليب، والمبارك بن المغطوش، وابن الجوزى، وابن الأخضر وجماعة.
وبإصبهان من أبى المكارم اللبان، وأبى عبد الله الكرانى، وأبى جعفر الصيدلانى، وجماعة.
وبخراسان من منصور بن عبد المنعم الفراوى، والمؤيد الطوسى، وزينب الشعرية، وجماعة.
وبنيسابور من أبى سعد الصفار، ومنصور الفراوى، والمؤيد الطوسى.
وسمع بحران من الحافظ عبد القادر الرهاوى، وانقطع إليه مدة، وكتب الكثير بخطه، وحدث بالكثير.
قال المنذرى: سمعته بحران ودمشق.
وكتب عنه ابن النجار ببغداد، وقال: كان شيخا صالحا.
وقال عمر بن الحاجب: كان عبدا صالحا، صاحب كرامات، ذا مروءة مع فقر مدقع، سهل العاربة، وصحيح الأصول، وحدث.
وروى عنه الحافظ: الضياء، والمنذرى، والبرزالى، والقاضى سليمان بن حمزة.
توفى ﵀ فى رابع شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة، بسفح قاسيون، ودفن من يومه.
أخبرنا أبو الفضل محمد بن إسماعيل بن عمر بن الحموى - بقراءتى عليه -
стр. 664
أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن محفوظ الأزدى، أخبرنا أبو الطاهر إسماعيل ابن ظفر أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبى زيد الكرانى أخبرنا أبو منصور محمد ابن إسماعيل الصيرفى أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن شاذان أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك القباب أخبرنا أبو الحسن على بن سعيد العسكرى، حدثنا عباد بن الوليد حدثنا مطهر بن الهيثم بن الحجاج الطائى حدثنا علقمة بن أبى حمزة الضبعى عن أبيه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال «كان رسول الله ﷺ لا يكل طهوره ولا صدقته التى يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذى يتولاها بنفسه».
٣٣٠ - عمر بن أسعد
بن المنجى بن بركات بن المؤمل، التنوخى المقرئ، الحرانى المولد الدمشقى الدار. القاضى شمس الدين أبو الفتوح، وأبو الخطاب ابن القاضى وجيه الدين أبى المعالى، وقد سبق ذكر والده.
ولد بحران - إذ أبوه قاضيها فى الدولة النورية - سنة سبع وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها وتفقه على والده، وسمع من عبد الوهاب بن أبى حبة.
وقدم دمشق، وسمع بها من القاضيين: أبى سعد بن أبى عصرون، وأبى الفضل بن الشهرزورى، وأبى عبد الله بن صدقة، وأبى المعالى بن صابر.
ورحل إلى العراق وخراسان.
وسمع ببغداد من ابن بوش. وابن سكينة، واشتغل على أبى القاسم محمود ابن المبارك المعروف بالمجبر الشافعى، فى علم الخلاف والنظر، وأفتى ودرس. وكان عارفا بالقضاء بصيرا بالشروط والحكومات والمسائل الغامضات، صدرا نبيلا.
وولى القضاء بحران قديما، ثم انتقل إلى دمشق، واستوطنها، ودرس بها بالمسمارية.
وتولى خدما ديوانية فى الدولة المعظمية. وحدث.
روى عنه الحافظ أبو عبد الله البرزالى، ومجد الدين بن العديم، وسعد الخير
стр. 665
النابلسى، والحسن بن الخلال، ووزيرة ابنته. وهى خاتمة من روى عنه بالسماع
وأجاز لابن الشيرازى، ورأيت نسخة «المستوعب». وقد قرأها عمر بن المنجى على والده قراءة بحث. وعليها حواش علقها عنه بخطه.
منها: أنه ذكر عن والده أنه قال: مراد الأصحاب بقولهم: يؤجل العنين سنة: السنة الشمسية، لا الهلالية، لأن الشمس تجمع الفصول الأربع، تختلف فيها الفصول، وتتغير فيها الأمزجة، فيحصل فيها مقصود الاختبار، دون الهلالية. وهذا غريب.
ولعمر مصنف فى المذهب سماه «المعتمد والمعول» فى مجلد.
توفى فى سابع عشر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون ﵀. كذا قال أبو شامة. وقال الشريف: فى ثامن عشر.
وتوفى بعده فى مستهل ذى الحجة من السنة: أخوه عزّ الدين أبو الفتح، وأبو عمرو: -
٣٣١ - عثمان بن أسعد.
وكان فقيها فاضلا معدلا. درس بالمسمارية عن أخيه نيابة. وكان تاجرا ذا مال وثروة.
سمع ببغداد من ابن بوش، وابن سكينة، وبمصر من البوصيرى، ويوسف ابن الطفيل، وحدث.
سمع منه ابن الحاجب الحافظ، وابن الحلوانية، وولداه: وجيه الدين محمد، وزين الدين المنجى، والحسن بن الخلال، وأجاز لسليمان بن حمزة القاضى.
وكان مولده فى محرم سنة سبع وستين وخمسمائة.
وفى جمادى الآخرة من السنة توفى: -
٣٣٢ - أبو الوفا عبد الملك
بن عبد الحق بن عبد الوهاب بن عبد الواحد ابن الحنبلى. ودفن بالجبل أيضا.
стр. 666
وكان مولده سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
سمع بالاسكندرية من السلفى، وبمكة من المبارك بن الطباخ، وبدمشق من أبى الحسين بن الموازينى، وحدث.
وفى سابع عشر شعبان من السنة توفى الأمهر: -
٣٣٣ - أبو منصور مهلهل
بن الأمير مجد الملك أبى الضياء بدران ابن يوسف بن عبد الله بن رافع بن يزيد بن أبى الحسن بن على بن سلامة ابن طارق بن ثعلب بن طارق بن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الحسانى، الجيتى، النابلسى الأصل، المصرى الحنبلى. ودفن بسفح المقطم.
سمع من إسماعيل بن ياسين، والبوصيرى، والأرتاحى، وأبى الحسن بن نجا والحافظ عبد الغنى، ولازمه كثيرا، وخلق كثير. وكتب بخطه وقرأ بلفظه وحدث.
قال المنذرى: سمعت منه، وسألته عن مولده؟ فذكر ما يدل تقديرا:
أنه سنة سبع وستين وخمسمائة بمصر.
وفى العشرين من شعبان من هذه السنة توفى: -
٣٣٤ - أبو محمد عبد الحق
بن خلف بن عبد الحق الدمشقى الحنبلى.
ويلقب بالضياء.
سمع الكثير بدمشق من أبى المعالى بن صابر، وأبى الفهم بن أبى العجائز، وابن صدقة، ويحيى الثقفى، والجزوى وخلق. وبحران من ابن أبى الوفاء.
وحدث.
وكان مشهورا بالخير والصلاح. وعجز فى آخر عمره عن التصرف.
﵀.
٣٣٥ - إبراهيم بن محمد
بن الأزهرى بن أحمد بن محمد الصريفينى،
стр. 667
الفقيه، المحدث، الحافظ أبو إسحاق. ويلقب تقى الدين. نزيل دمشق.
ولد ليلة حادى عشر محرم سنة اثنتين - وقيل سنة إحدى - وثمانين وخمسمائة بصريفين من قرى بغداد.
وقرأ القرآن على والده، وعلى أبى الفضل عوض الصريفينى.
ودخل بغداد. وسمع بها من ابن الأخضر، وابن طبرزد، وحنبل وطبقتهم.
ورحل إلى الأقطار. وسمع بإصبهان من علي بن منصور الثقفى، وبنيسابور من المؤيد الطوسى، وبمرو من عبد الرحيم بن السمعانى، وبهراة من أبى روح الهروى، وببوشنج من سهيل بن محمد البوشنجى.
وسمع بالكرخ، والدينور، ونهاوند، وتستر، وطبيس.
وسمع بالموصل من عبد المحسن الطوسى، وبدمشق من الكندى، وابن الحرستانى، وببيت المقدس من الأوقى، وببلد الخليل من الدربندى.
وسمع بحران من الرهاوى الحافظ، وصحبه وتخرج به، وسمع ببلدان أخر.
وتفقه ببغداد على الشيخ أبى محمد عبد الله بن أحمد البوازيجي. وقد سبق ذكره. وجالس أبا البقاء العكبرى.
وقرأ الأدب على هبة الله بن عمر الدودى الكواز من أصحاب الحسن ابن عبدة النحوى.
قال عمر بن الحاجب الحافظ: كان أحد حفاظ الحديث، وأوعية العلم، إماما فاضلا دينا صدوقا خيرا، ثبتا ثقة حجة، واسع الرواية، ذا سمت ووقار وعفاف، حسن السيرة. جميل الظاهر، سخى النفس مع القلة، كثير الرغبة فى فعل الخيرات.
سافر الكثير، واغترب. وجال فى الآفاق من العراق، وخراسان، والجزيرة والشام. وكتب الكثير، وأقرأ وأفاد، كثير التواضع، سليم الباطن. وكان يرجع إلى ثقة وزهد وورع.
وكان شيخا لدار حديث منبج، ثم تركها. واستوطن مدينة حلب، وولى
стр. 668
بها دار الحديث التى للصاحب ابن شداد. وكان يحدث بها ويتكلم على الأحاديث وفقهها ومعانيها.
سألت ابن عبد الواحد - يعنى الحافظ الضياء - عنه؟ فقال: إمام حافظ ثقة، أمين دين، حسن الصحبة. وله معرفة بالفقه.
وسألت البرزالى عنه؟ فقال: حافظ دين ثقة. انتهى.
ونقل الذهبى عن المنذرى: ولم أجد فى الوفيات ذكر الصريفينى بالكلية وأنه قال عنه: كان ثقة حافظا صالحا. له جموع حسنة لم يتمها. ولكن هذا قاله الشريف الحسينى فى ذيله على كتاب المنذرى. وزاد: كتب بخطه كثيرا.
وكان من العارفين بهذا الشأن.
وقال أبو شامة: كان عالما بالحديث. دينا متواضعا.
وقرأت بخط ناصح الدين بن الحنبلى سبب ولاية الصريفينى دار الحديث بحلب، قال: كان القاضى بهاء الدين بن شداد له غلو فى إعلاء مذهب الشافعى.
فرأى فى منامه رسول الله ﷺ ، قال: فسألته: أى المذاهب خير؟ ثم كتم جواب رسول الله ﷺ .
قال الناصح: الظاهر أنه أشار إلى مذهب أحمد؛ لأن تعصبه على مذهب أبى حنيفة ما تغير، ومال إلى الحنابلة، وأجلس التقى إبراهيم الحافظ الصريفينى فى دار الحديث، وقال: ندمت إذ وسمتها بالشافعية.
قال: ولو كان الجواب «مذهب الشافعى» لأظهره؛ لأنه كان داعية إليه، مبالغا فى تعظيمه، وإظهاره عند الملوك، والملوك على مذهبه.
وقد وقفت على جزء صغير للحافظ الصريفينى استدركه، على الحافظ ضياء الدين فى الجزء الذى استدركه فيه على الحافظ أبى القاسم ابن عساكر، فى كتاب «ذكر المشايخ النبل» فاعتذر الصريفينى عن ابن عساكر، واستدرك على الضياء أسماء فاتت ابن عساكر لم يستدركها. وقد نبه الحافظ أبو الحجاج
стр. 669
المزى على أوهام كثيرة فيها للصريفينى، بل بين أن غالب ما استدركه وهم منه.
قال أبو شامة: توفى الحافظ الصريفينى فى خامس عشر جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وستمائة. وحضرت الصلاة عليه بجامع دمشق، وشيعته إلى مصلى باب الفراديس. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
٣٣٦ - على بن الأنجب
بن ما شاء الله بن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله العلوى، الحسينى، البغدادى، المأمونى، الفقيه المقرئ الجصاص، أبو الحسن.
ولد أوائل سنة ست وستين وخمسمائة.
قرأ القرآن على ابن الباقلانى الواسطى بها. وسمع الحديث من ابن شاتيل، وشهدة، وابن بوش. وابن كليب، وغيرهم.
وتفقه على أبى الفتح بن المنى، وتكلم فى مسائل الخلاف. وناظر. وحدث.
وروى عنه ابن النجار، وأجاز لسليمان بن حمزة، وأبى نصر بن الشيرازى، والقاسم بن عساكر.
وتوفى فى سادس عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وستمائة.
٣٣٧ - محمد بن يوسف
بن سعيد بن مسافر بن جميل، البغدادى، الأزجى الأديب، أبو عبد الله بن أبى محمد.
ولد فى سابع شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
وسمع بإفادة والده المحدث، وأبى محمد بن أبى العلا محمد بن جعفر بن عقيل، وأبى الفتح بن شاتيل، ونصر الله القزاز، وابن كليب، وأبى الغنائم عبد الرحمن ابن جامع بن غنيم الفقيه.
وكان لديه فضل وأدب. وله تصانيف. وحدث.
وسمع منه المحب المقدسى، وعلى بن أحمد بن عبد الدائم.
стр. 670
وتوفى فى ثالث رجب سنة اثنتين وأربعين وستمائة ببغداد. وأبوه سمع الكثير من ابن البطى وطبقته، وعنى بالطلب. وقرأ بنفسه. وكتب بخطه إلى حين وفاته. وحدث وتوفى.
٣٣٨ - عبد الرحمن بن عبد الغنى
بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، الفقيه الزاهد، محيى الدين، أبو سليمان ابن الحافظ أبى محمد.
ولد سنة ثلاث - أو أربع - وثمانين وخمسمائة فى شوال.
وسمع بدمشق من الخشوعى وغيره. ورحل. وسمع بمصر من البوصيرى والأرتاحى، وإسماعيل بن ياسين، وغيرهما.
وسمع ببغداد من ابن الجوزى وطبقته.
وتفقه على الشيخ الموفق حتى برع فى الفقه. وكان يؤم معه فى جامع بنى أمية بمحراب الحنابلة. وأفتى ودرس الفقه.
وكان إماما عالما، فاضلا ورعا، حسن السمت دائم البشر، كريم النفس، مشتغلا بنفسه، وبإلقاء الدروس المفيدة على أصحابه، وطلبته.
وسئل عنه الحافظ الضياء؟ فقال: فاضل خير دين، كثير التلاوة.
وقال أبو شامة: كان من أئمة الحنابلة رحمه الله تعالى. وكان من الصالحين وحدث. وروى عنه ابن النجار.
وتوفى فى تاسع عشرى صفر سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودفن بسفح قايسون رحمه الله تعالى.
أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد أخبرنا أبو سليمان بن الحافظ.
ح وأخبرناه عاليا محمد بن محمد بن إبراهيم - بمصر - أخبرنا عبد الله بن عبد الواحد بن علاق. قالا: أخبرنا أبو القاسم البوصيرى أخبرنا مرشد بن يحيى المدينى
следующие страницы →