ابن أحمد الحرانى، وسليمان بن حمزة القاضى، وله نظم حسن، وله ديوان، حدث به ببغداد. ومن شعره:
فضل النبيين الرسول محمد … شرفا يزيد، وزادهم تعظيما
يكفيه أن الله ﷻ … آوى، فقال: ﴿(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً)﴾
در يتيم فى الفخار، وإنما … خير اللآلى ما يكون يتيما
ولقد سما الرسل الكرام فكلهم … قد سلموا لجلاله تسليما
والله قد صلّى عليه كرامة … صلوا عليه وسلموا تسليما
ﷺ . والثانى: -
٣٦٧ - شرف الدين عبد الله.
ولى الحسبة أيضا، ثم تزهد ودرس بالبشيرية، وولى ولايات ديوانية.
وكان المستعصم بعثه بخطه إلى هولاكو، وعاد إلى بغداد، ثم قتل مع أبيه عند وصول هولاكو. والثالث: -
٣٦٨ - تاج الدين عبد الكريم.
ولى الحسبة أيضا لما تركها أخوه، ودرس بالمدرسة الشاطبية، وقتل ولم يبلغ عشرين سنة، رحمة الله عليهم أجمعين.
٣٦٩ - يحيى بن يوسف
بن يحيى بن منصور بن المعمر بن عبد السلام الأنصارى الصرصرى، الزريرانى، الضرير الفقيه، الأديب اللغوى الشاعر الزاهد جمال الدين، أبو زكريا، شاعر العصر، وصاحب الديوان السائر فى الناس فى مدح النبى ﷺ ، كان حسان وقته.
ولد فى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
وقرأ القرآن بالروايات على أصحاب ابن عساكر البطائحى، وسمع الحديث من الشيخ على بن إدريس اليعقوبى الزاهد، صاحب الشيخ عبد القادر، وصحبه وسلك به، ولبس منه الخرقة. وأجاز له الشيخ عبد المغيث الحربى وغيره، وحفظ
стр. 702
الفقه واللغة. ويقال: إنه كان يحفظ «صحاح الجوهرى» بكماله.
وكان يتوقد ذكاء، ونظمه فى الغاية، ويقال: إن مدائحه فى النبى ﷺ تبلغ عشرين مجلدا.
وقد نظم فى الفقه «مختصر الخرقى» ونظم «زوائد الكافى» على الخرقى، ونظم فى العربية، وفى فنون شتى.
وكان صالحا قدوة، عظيم الاجتهاد، كثير التلاوة، عفيفا صبورا قنوعا، محبا لطريقة الفقراء ومخالطتهم. وكان يحضر معهم السماع، ويرخص فى ذلك. وكان شديدا فى السنة، منحرفا على المخالفين لها. وشعره مملوء بذكر أصول السنة، ومدح أهلها، وذم مخالفيها. وله قصيدة طويلة لامية فى مدح الإمام أحمد وأصحابه.
وقد ذكرنا بعضها مفرقا فى تراجم بعض الأصحاب الذين ذكرهم فيها.
وكان قد رأى النبى ﷺ فى منامه وبشره بالموت على السنة، ونظم فى ذلك قصيدة طويلة معروفة. وقد حدث.
وسمع منه الحافظ الدمياطى، وذكره فى معجمه، وعلى بن حصين الفخرى.
وأجاز للقاضى سليمان بن حمزة، وأحمد بن على الجزرى، وزينب بنت الكمال
ولما دخل هولاكو وجنده الكفار إلى بغداد كان الشيخ يحيى بها. فلما دخلوا عليه قاتلهم. ويقال: إنه قتل منهم بعكازه. ثم قتلوه شهيدا رضى الله عنه سنة ست وخمسين وستمائة برباط الشيخ على الخباز بالعقبة، وحمل إلى صرصر فدفن بها. وزرت قبره بها حين توجهنا إلى الحجاز سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
وممن قتل فى تلك السنة ببغداد من أصحابنا الصالحين: الشيخ الزاهد العابد أبو الحسن: -
٣٧٠ - على بن سليمان
بن أبى العز الخباز.
وكان زاهدا صالحا، كبير القدر، قدوة. له أتباع ومريدون. وله زاوية ببغداد، وأحوال وكرامات.
стр. 703
قال الذهبى: كان شيخنا الدباهى يصفه ويعظمه. وكان قد سمع من الشيخ على بن أبى بكر بن إدريس اليعقوبى الزاهد أيضا. وحدث عنه.
وسمع منه الدمياطى، وحدث عنه فى معجمه، وقال: قتل شهيدا فى وقعة التّتر فى محرم سنة ست وخمسين وستمائة. ويقال: إنه ألقى على باب زاويته على مزبلة ثلاثة أيام، حتى أكلت الكلاب من لحمه، وأنه كان قد أخبر عن نفسه بذلك فى حياته رضى الله عنه.
وكان المستنصر بالله يزوره، ويرسل الشيخ محمد الركاب دار يأتيه من خبزه، فيستشفى به، وعمر بن البعلا التاجر فى رباطه ولازمه.
٣٧١ - عبد الرحمن بن رزين
بن عبد العزيز بن نصر بن عبيد بن على ابن أبى الجيش الغسانى، الحوارى الحوارانى، ثم الدمشقى، الفقيه سيف الدين أبو الفرج.
سمع بدمشق من أبى العباس أحمد بن سلامة النجار الحرانى، وببغداد من أبى المظفر محمد بن مقبل بن المنى. وكان فقيها فاضلا.
صنف تصانيف، منها: كتاب «التهذيب» فى اختصار «المغنى» فى مجلدين. وسمى فيه الشيخ موفق الدين شيخنا، ولعله اشتغل عليه. ومنها «اختصار الهداية» واختصره أيضا، وله تعليقة. فى الخلاف مختصرة. وتصانيفه غير محررة.
وكان يصاحب أستاذ الدار ابن الجوزى ويلازمه، وتوكل له فى بناء مدرسته بدمشق، ثم ذهب إلى بغداد لأجل رفع حسابها إليه. وكان بها سنة ست وخمسين. فقتل شهيدا بسيف التتار. رحمه الله تعالى.
٣٧٢ - عبد القاهر بن محمد
بن على بن عبد الله بن عبد العزيز الفوطى البغدادى الأديب، موفق الدين أبو محمد.
قال ابن الساعى: كان إماما ثقة، أديبا فاضلا، حافظا للقرآن، قيما بعلم العربية
стр. 704
واللغة والنجوم، كاتبا شاعرا صاحب أمثال. وكان فقيرا ذا عيال، ولم يوافق نفسه على خيانة. ولى كتابة ديوان العرض.
قتل صبرا فى الواقعة ببغداد سنة ست وخمسين وستمائة، وقد بلغ ستين سنة. رحمه الله تعالى.
سمعت أبا العباس أحمد بن على بن عبد القاهر بن الفوطى - ببغداد - سنة ثمان وأربعين، أو سنة تسع يقول - وكتبه لنا بخطه - لما توفى العلامة أبو الفضائل الحسن بن محمد الصنعانى اللغوى ببغداد رضى الله عنه: أوصى أن يحمل إلى مكة ليدفن بها. فلما حمل عمل جدى موفق الدين عبد القاهر بن الفوطى فيه ارتجالا وكان ممن قرأ عليه الأدب:
أقول، والشمل فى ذيل النأى عثرا … يوم الوداع، ودمع العين قد كثرا
أبا الفضائل قد زودتنى أسفا … أضعاف ما زدت قدرى فى الورى أثرا
قد كنت تودع سمعى الدر منتظما … فخذه من جفن عينى اليوم منتثرا
هكذا أنبأنا بها شيخنا منقطعة. فإنه لم يدرك جده.
٣٧٣ - محمد بن نصر
بن عبد الرزاق بن عبد القادر بن أبى صالح، الجيلى البغدادى، الفقيه الزاهد، محيى الدين أبو نصر. قاضى القضاة، عماد الدين أبو صالح. وقد سبق ذكر آبائه.
سمع من والده، ومن الحسين بن على المرتضى العلوى، وأبى إسحاق يوسف بن أبى حامد محمد بن أبى الفضل الأرموى، وعبد العظيم بن عبد اللطيف ابن أبى نصر الأصبهانى، وابن المشترى، وغيرهم.
وطلب بنفسه، وقرأ وتفقه. وكان عالما ورعا زاهدا، يدرس بمدرسة جده، ويلازم الاشتغال بالعلم إلى أن توفى.
ولما ولى أبوه قضاء القضاة: ولاه القضاء والحكم بدار الخلافة. فجلس فى مجلس
стр. 705
الحكم مجلسا واحدا وحكم، ثم عزل نفسه ونهض إلى مدرستهم بباب الأزج.
ولم يعد إلى ذلك تنزها عن القضاء وتورعا.
وحدث، وسمع منه الحافظ الدمياطى، وذكره فى معجمه. وذكر ابن الدواليبى:
أنه سمع عليه.
توفى ليلة الاثنين ثانى عشر شوال سنة ست وخمسين وستمائة ببغداد.
ودفن إلى جنب جده الشيخ عبد القادر بمدرسته ﵀. وكانت وفاته بعد انقضاء الواقعة.
وقد روى الدمياطى أيضا فى المعجم عن أخيه يحيى بن نصر بن عبد الرزاق الفقيه الواعظ عن أحمد بن صرما، ولم يذكر وفاته.
٣٧٤ - عبد الرحمن بن عبد المنعم
بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع ابن حسن بن جعفر، المقدسى النابلسى، الفقيه المحدث، جمال الدين أبو الفرج.
ولد يوم عاشوراء سنة أربع وتسعين وخمسمائة.
وسمع بالقدس من أبى عبد الله بن البناء، وحدث بنابلس.
قال الشريف عزّ الدين: كان له سعة، وفيه فضل.
توفى فى ذى القعدة سنة ست، وخمسين وستمائة بنابلس. رحمه الله تعالى.
أنبأني البرزالى - ونقلته من خطه - قال: أنبأنى الإمام العالم جمال الدين عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة، وأنشدنى لنفسه:
يا طالبا علم خير العلم مجتهدا … علم الحديث تحوز اليمن والرشدا
ما فى العلوم له مثل يماثله … فاطلبه مقتصدا، تسعد به أبدا
فالفقه يبنى عليه، حيث كان إذ ال … أحكام مأخذها منه إذا وجدا
وكيف لا؟ وهو لولاه لما اتضحت … سبل الرشاد، ولا بان الزمان هدى
وأهله خير أهل العلم قاطبة … فكن محبا لهم كيما تفوز غدا
ترى سواهم إذا جاء الحديث لما … قالوه متبعا ما تبسطن يدا
стр. 706
أو كان متنا تراهم راجعين إلى … أقوالهم، وكذا إن أسندوا سندا
لولاهم زاد قوم فى الشريعة ما … شاءوا، ولكن حماها كونهم أسدا
هل يستوى من نأى عن أرضه طلبا … لها، وآخر عن تحصيلها قعدا؟
شتان بين امرئ ثاو بموطنه … وبين من كان عن أوطانه بعدا
ومن ضرورة تفضيل الحديث على … سواه: أن لا يرى شبها لهم أحدا
شانيهم لالقيت الدهر محمدة … ولا وقيت مصابا لا ولا فندا
وفى ذى الحجة من هذه السنة توفى من أصحابنا خطيب مردا الفقيه المسند المعمر: -
٣٧٥ - أبو عبد الله محمد
بن إسماعيل بن أحمد بن أبى الفتح المقدسى عن تسعين سنة.
حدث عن يحيى الثقفى، وابن صدقة الحرانى، والبوصيرى، وإسماعيل بن ياسين. وله مشيخة. وحدث بالكثير.
وأبو المعالى وأبو اليمن سعد، ويسمى: -
٣٧٦ - محمد بن عبد الوهاب
بن عبد الكافى بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الحنبلى، الواعظ ببلبيس. ودفن بها.
سمع من يحيى الثقفى. وأجاز له أبو موسى المدينى، وأبو العباس الترك، وغيرهما. وخرج له أبو حامد بن الصابونى مشيخة. وحدث.
وكان مولده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بدمشق.
٣٧٧ - إبراهيم بن محاسن
بن عبد الملك بن على بن نجا، التنوخى الحموى ثم الدمشقى، الأديب الكاتب، نجم الدين أبو إسحاق، وأبو طاهر بن الشيخ ضياء الدين. وقد سبق ذكر أبيه
سمع من ابن طبرزد، والكندى، وأبى الفتوح البكرى، وحدث.
стр. 707
وكان أديبا. وله نظم حسن.
توفى فى العشر الأواخر من المحرم سنة سبع وخمسين وستمائة بتل ناشر من أعمال حلب. ودفن به. رحمه الله تعالى.
وفى نصف صفر من هذه السنة توفى الشيخ: -
٣٧٨ - مجد الدين أبو العباس
أحمد بن على بن أبى غالب الأربلى النحوي الحنبلى، المعدل بدمشق.
سمع بأربل من محمد بن هبة الله بن الكرم الصوفى، وسكن دمشق.
وحدث بها، واشتغل مدة فى العربية بالجامع.
قرأ عليه جماعة من الأصحاب وغيرهم، منهم الفخر البعلبكى، والتاج الفزارى وابن الفركاح.
وفى تاسع عشر رمضان من هذه السنة: توفى الرئيس صدر الدين: -
٣٧٩ - أبو الفتح أسعد بن عثمان
بن أسعد بن المنجى. التنوخى الدمشقى واقف المدرسة الصدرية بدمشق. ودفن بها. وقد سبق ذكر أبيه وجده.
ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بدمشق، وسمع بها من حنبل، وابن طبرزد.
وحدث. وكان أحد المعدلين ذوى الأموال والثروة والصدقات. وولى نظر الجامع مدة. وثمر له أموالا كثيرة، واستجد فى ولايته أمورا.
٣٨٠ - عبد الله بن أحمد
بن أبى بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن ابن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن، الأنصارى السعدى، المقدسى ثم الصالحى، المحدث الرحال الحافظ، محب الدين أبو محمد، مفيد الجبل.
سمع بدمشق من الشيخ الموفق، وابن البنى، وابن الزبيدى، وخلق.
ورحل إلى بغداد. وسمع بها من عبد اللطيف بن القبيطى، وعلى بن أبى الفخار، وعبد الملك بن قينا، وفضل الله الجيلى، وإبراهيم بن الخير، وأبى المظفر
стр. 708
ابن المنى، وخلق من هذه الطبقة، وعنى بالحديث أتم عناية وأكثر السماع والكتابة، وحدث.
توفى فى ثانى عشرين جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وستمائة. وله أربعون سنة. رحمه الله تعالى.
٣٨١ - محمد بن أحمد
بن عبد الله بن عيسى بن أبى الرجال أحمد بن على اليونينى البعلبكى، الشيخ الفقيه المحدث الحافظ، الزاهد العارف الربانى، تقى الدين أبو عبد الله بن أبى الحسين، أحد الأعلام وشيوخ الإسلام.
ولد فى سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بيونين من قرى بعلبك.
ونشأ يتيما بدمشق، فأقعدته أمه فى صنعة النشاب، ثم حفظ القرآن.
وسمع الحديث من أبى طاهر الخشوعى، وأبى التمام القلانسى، وحنبل المكبر، وأبى اليمن الكندى، والحافظ عبد الغنى وغيرهم. وتفقه بالشيخ موفق الدين.
وأخذ الحديث عن الحافظ عبد الغنى، والعربية عن أبى اليمن الكندى وبرع فى الخط المنسوب، ولبس خرقة التصوف من الشيخ عبد الله البطائحى صاحب الشيخ عبد القادر. ولزم خدمة الشيخ عبد الله اليونينى الزاهد، صاحب الأحوال والكرامات الذى يقال له: أسد الشام، وانتفع به.
وكان الشيخ عبد الله - هذا - يثنى على الشيخ الفقيه ويقدمه، ويقتدى به فى الفتاوى. وكذلك كان شيخه الحافظ عبد الغنى يثنى عليه. وبرع فى الحديث وحفظ فيه الكتب الكبار حفظا متقنا «كالجمع بين الصحيحين» للحميدى «وصحيح مسلم».
قال ولده قطب الدين موسى صاحب التاريخ: حفظ والدى «الجمع بين الصحيحين» وأكثر «المسند» يعنى مسند الإمام أحمد. وحفظ «صحيح مسلم» فى أربعة أشهر. وحفظ سورة الأنعام فى يوم واحد، وحفظ ثلاث مقامات من الحريرية فى بعض يوم.
стр. 709
وذكره عمر بن الحاجب الحافظ، فأطنب فى وصفه وأسهب، وقال: اشتغل بالفقه والحديث، إن إلى صار إماما حافظا - إلى أن قال: ولم ير فى زمانه مثل نفسه فى كماله وبراعته، وجمع بين على الشريعة والحقيقة.
وكان حسن الخلق والخلق، نفّاعا للخلق، مطرحا للتكلف. من جملة محفوظه «الجمع بين الصحيحين» وحدثنى أنه حفظ «صحيح مسلم» جميعه، وكرر عليه فى أربعة أشهر.
وكان يكرر على أكثر «مسند» أحمد من حفظه. وأنه كان يحفظ فى الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثا.
وقال الحافظ عزّ الدين الحسينى: هو أحد المشايخ المشهورين، الجامعين بين العلم والدين. وكان حفظ كثيرا من الحديث النبوى، مشهورا بذلك. انتهى.
وكان حريصا على سماع الحديث وقراءته، مع علو سنة، وعظم شأنه. وكان أهل بعلبك يسمعون بقراءته على المشايخ الواردين عليهم، كالقزوينى، وبهاء الدين المقدسى، وابن رواحة الحموى، وغيرهم.
وكان ذا أحوال وكرامات، وأوراد وعبادات. لا يخل بها، ولا يؤخرها عن وقتها لورود أحد عليه، ولو كان من الملوك. وكان لا يرى إظهار الكرامات، ويقول: كما أوجب الله على الأنبياء إظهار المعجزات أوجب على الأولياء إخفاء الكرامات، ويروى عن الشيخ عثمان شيخ دير ناعس - وكان من أهل الأحوال - قال: قطب الشيخ الفقيه ثمان عشرة سنة.
وكان له ﵀ منزلة عالية عند الملوك، ويحترمونه احتراما زائدا، حتى كان مرة بقلعة دمشق فى سماع البخارى، عند الملك الأشرف. فقام الشيخ الفقيه مرة يتوضأ. فقام السلطان ونفض تخفيفته لما فرغ الشيخ من الوضوء، وقدمها إليه ليتنشف بها، أو ليطأ عليها برجله، وحلف أنها طاهرة. وأنه لا بد أن يفعل ذلك.
стр. 710
قال الحافظ الذهبى: حدثنى بذلك شيخنا أبو الحسين بن اليونينى. أو ابن الشيخ الفقيه. قال الحافظ: والشك منى.
قال: وسار الملك الأشرف إلى بعلبك مرة، فبدأ قبل كل شئ، فأتى دار الشيخ الفقيه، ونزل فدق الباب، فقيل: من ذا؟ فقال: موسى.
قال: ولما قدم الملك الكامل على أخيه الأشرف جعل الأشرف يذكر للكامل محاسن الشيخ الفقيه. فقال: أشتهى أن أراه. فأرسل إليه إلى بعلبك بطاقة فاستحضره، فوصل إلى دمشق. فنزل الكامل إليه، وتحادثا بدار السعادة، وتذاكرا شيئا من العلم.
فذكروا مسألة القتل بالمثقل، وجرى ذكر حديث «الجارية التى قتلها اليهودى، فرضّ رأسها بين حجرين. فأمر رسول الله ﷺ بقتله» فقال الملك الكامل: إنه لم يعترف. فقال الشيخ الفقيه: فى صحيح مسلم «فاعترف» فقال الكامل: أنا اختصرت صحيح مسلم، ولم أجد هذا فيه.
فقال: بلى، فأرسل الكامل، فأحضر اختصاره لمسلم فى خمس مجلدات. فأخذ الكامل مجلدا، والأشرف آخر، وعماد الدين بن موسك آخر. وأخذ الشيخ الفقيه مجلدا، فأول ما فتحه: وجد الحديث، كما قال، فتعجب الكامل من سرعة استحضاره، وسرعة كشفه. وأراد أن يأخذه معه إلى الديار المصرية.
فأرسله الأشرف سريعا إلى بعلبك. فقال للكامل: إنه لا يؤثر ببعلبك شيئا.
فأرسل الكامل إليه ذهبا كثيرا.
وقال ولده قطب الدين موسى: كان والدى يقبل بر الملوك، ويقول:
أنا لى فى بيت المال أكثر من هذا، ولا يقبل من الأمراء ولا الوزراء شيئا، إلا أن يكون هدية مأكول ونحوه. ويرسل إليهم شيئا من ذلك، فيقبلونه على سبيل التبرك والاستشفاء.
وذكر أنه أثرى وكثر ماله، وأن الأشرف كتب له كتابا بقرية يونين.
стр. 711
فأعطاه لمحيى الدين بن الجوزى ليأخذ عليه خط الخليفة. فلما شعر الشيخ بذلك أخذ الكتاب ومزقه. وقال: أنا فى غنية عن ذلك.
قال: وكان والدى لا يقبل شيئا من الصدقة. ويزعم أنه من ذرية جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين بن على رضى الله عنهم.
قال: وكان قبل ذلك فقيرا لا مال له.
وكان للشيخ عبد الله زوجة لها ابنة جميلة. فكان الشيخ عبد الله يقول لها:
زوجيها من الشيخ محمد، فتقول له: إنه فقير، وأنا أحب أن تكون ابنتى سعيدة. فيقول: كأنى أراه وإياها فى دار، وفيها بركة، وله رزق كثير، والملوك يترددون إلى زيارته. فزوجتها منه. فكان الأمر كذلك. وكانت أول زوجاته. وكانت الملوك كلهم يحترمونه ويعظمونه. بنو العادل وغيرهم. وكذلك مشايخ العلماء، كابن الصلاح، وابن عبد السلام، وابن الحاجب، والحصرى.
والقضاة، كابن سناء الدولة، وابن الجوزى، وغيرهم.
وكان الناس ينتفعون بعلومه وفنونه، ويتلقون عنه الطريقة الحسنة.
وكان عظيم الهيبة، منور الشيبة، مليح الصورة، ضخما، حسن السمت والوقار.
وكان يلبس قبعا صوفه إلى الخارج، على طريقة شيخه الشيخ عبد الله.
وكان كثير الاقتداء به، والطاعة له.
حكى مرة: أنه كان قد عزم على الرحلة إلى حران، قال: وكان قد بلغنى أن بها رجلا يعرف علم الفرائض جيدا. فلما كانت الليلة التى أريد فى صبحتها أن أسافر: جاءتنى رسالة الشيخ عبد الله اليونينى. فعزم على إلى القدس الشريف.
فكأنى كرهت ذلك، وفتحت المصحف، فطلع قوله تعالى (٢١:٣٦ ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ)﴾ قال: فخرجت معه إلى القدس. فوجدت ذلك الحرانى بالقدس. فأخذت عنه علم الفرائض، حتى خيل إلىّ أنى قد صرت أبرع منه فيه.
стр. 712
وقد وقع بين الشيخ وبين أبى شامة الشافعى منازعة فى الكلام على حديث الإسراء. وصنف كل منهما فى ذلك شيئا. وحدث الشيخ بالكثير.
وروى عنه ابناه: أبو الحسين الحافظ، والقطب المؤرخ، وأبو عبد الله ابن أبى الفتح، وإبراهيم بن حاتم البعلى الزاهد، ومحمد بن المحب، وأبو عبد الله ابن الزراد، وإبراهيم بن القرشية البعلى، خاتمة أصحابه بالسماع. وبالإجارة:
زينب بنت الكمال، وغيرها.
وتوفى ليلة تاسع عشر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة ببعلبك. ودفن عند شيخه عبد الله اليونينى رحمة الله عليهما.
٣٨٣ - [¬*] حسن بن عبد الله
بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، الصالحى الفقيه، شرف الدين، أبو محمد بن الحافظ أبى موسى بن الحافظ أبى محمد.
ولد سنة خمس وستمائة. وسمع الكثير من أبى اليمن الكندى، وجماعة بعده.
وتفقه على الشيخ الموفق، وبرع وأفتى، ودرس بالجوزية مدة.
قال أبو شامة: كان رجلا خيرا.
توفى ليلة ثامن المحرم سنة تسع وخمسين وستمائة بدمشق. ودفن بالجبل.
وفى رابع عشر رجب من السنة: توفى الشيخ الصالح أبو العباس: -
٣٨٤ - أحمد بن أبى الثناء
حامد بن أحمد بن حمد بن حامد بن مفرح بن غياث، الأنصارى الأرتاحى، المصرى المقرئ الحنبلى، بمصر. ودفن بسفح المقطم
ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
وقرأ بالروايات على والده. وسمع من جده لأمه أبى عبد الله محمد بن أحمد الارتاحى، والبوصيرى، وإسماعيل بن ياسين، وأبى الحسن بن نجا، والحافظ
стр. 713
عبد الغنى ولازمه. وأكثر عنه. وكتب عنه بعض تصانيفه. وتصدر بالجامع العتيق. وأقرأ القرآن مدة. وانتفع به جماعة. وكان خيرا صالحا. وأبوه: -
٣٨٥ - أبو الثناء
قرأ. بالروايات على أبى الجود وغيره. وسمع بمصر من أبى عبد الله محمد بن الحسين البرمكى، وبمكة من المبارك بن الطباخ. وتصدر للاقراء بالجامع العتيق وغيره. وحدث وأفاد، وانتفع به جماعة.
قرأ عليه بالسبع: الحافظ المنذرى وغيره. وكان حسن الأداء والصوت ذا مروءة وتفقد لإخوانه.
توفى فى صفر سنة اثنى عشرة وستمائة بمصر.
وكان مولده سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.
٣٨٦ - عبد الرزاق بن رزق الله
بن أبى بكر بن خلف بن أبي الهيجاء الرسعنى، الفقيه المحدث المفسر، عزّ الدين، أبو محمد.
ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة برأس عين الخابور.
وسمع الحديث ببلده من أبي المجد القزوينى، وغيره، وببغداد من عبد العزيز ابن منينا، والداهرى، وعمر بن كرم، وغيرهم.
وبدمشق من أبى اليمن الكندى، وابن الحرستانى، والخضر بن كامل، والشيخ موفق الدين، وأبى الفتوح بن الجلاجلى، وغيرهم.
وبحلب من الافتخار الهاشمى، وببلدان أخر. وعنى بالحديث وطلب، وقرأ بنفسه.
وذكره الذهبى فى طبقات الحفاظ.
وتفقه على الشيخ موفق الدين، وحفظ كتابه «المقنع» فى الفقه، وصحب الشيخ العماد، وطائفة من أهل الدين والعلم والصلاح.
وقرأ العربية والأدب، وتفنن فى العلوم. وولى مشيخة دار الحديث بالموصل.
وكانت له حرمة وافرة عند بدر الدين صاحب الموصل، وغيره من ملوك
стр. 714
الجزيرة. وصنف تفسيرا حسنا فى أربع مجلدات ضخمة سماه «رموز الكنوز» وفيه فوائد حسنة. ويروى فيه الأحاديث بإسناده. وصنف كتاب «مصرع الحسين» ألزمه بتصنيفه صاحب الموصل. فكتب فيه ما صح من القتل دون غيره. وكان لما قدم بغداد أنعم عليه المستنصر، وصنف هذا التفسير ببلده. وأرسله إليه. وهو فى ثمان مجلدات، وقف المدرسة البشيرية ببغداد.
وكان فاضلا فى فنون من العلم والأدب، ذا فصاحة وحسن عبارة. وله فى تفسيره مناقشات مع الزمخشرى وغيره فى العربية وغيرها.
وكان متمسكا بالسنة والآثار، ويصدع بالسنة عند المخالفين من الرافضة وغيرهم.
وله نظم حسن. ومن نظمه: القصيدة النونية المشهورة فى الفرق بين الظاء والضاد.
وذكر شيخنا بالإجازة الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق فى مشيخته: أن له تصانيف غير تفسيره المشهور: فى التفسير، والفقه، والعروض، وغير ذلك.
وحدث. وسمع منه جماعة. وقدم دمشق رسولا. فقرأ عليه أبو حامد محمد ابن الصابونى جزءا.
وروى عنه ابنه أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق، والدمياطى الحافظ فى معجمه، وغير واحد. وبالإجازة: أبو المعالى الأبرقوهى، وأبو الحسن بن البندنيجى الصوفى، وزينب بنت الكمال.
روى عنه العلامة أبو الفتح ابن دقيق العيد، وأخوه، وأبوه.
قال الحافظ أبو محمد عبد الكريم الحلبى فى تاريخ مصر له: نقلت من خط الحافظ اليغمورى - يعنى يوسف بن أحمد بن محمود الدمشقى - أنشدنا شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن أبى بكر الجزرى، أنشدنى ابن دقيق
стр. 715
العيد بقوص، أنشدنى عزّ الدين عبد الرزاق الرسعنى لنفسه:
وكنت أظن فى مصر بحارا … إذا ما جئتها أجد الورودا
فما ألفيتها إلا سرابا … فحينئذ تيممت الصعيدا
قال شيخنا صفى الدين عبد المؤمن: توفى بسنجار فى رجب بخط أبى العلاء الفرضى.
وقال ابن الفوطى: فى السابع والعشرين من ذى الحجة سنة ستين وستمائة.
وذكر الذهبى وغيره: أنه توفى ليلة الجمعة ثانى عشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة. وقيل: فى ثامن عشر ربيع الآخر منها بسنجار.
٣٨٧ - عبد الرحمن بن سالم
بن يحيى بن خميس بن يحيى بن هبة الله ابن مواهب الأنصارى الانبارى، ثم الدمشقى، الفقيه جمال الدين، أبو محمد، وأبو القاسم.
سمع من أبى اليمن الكندى، وأبى القاسم بن الحرستانى، وداود بن ملاعب، وعبد الجليل بن مندويه، والحافظ عبد القادر الرهاوى.
وتفقه على الشيخ موفق الدين، وبرع وأفتى، وحدث. وسمع منه جماعة.
وكان يسكن بالمنارة الغربية من جامع دمشق.
قال أبو شامة: وكان يصلى فى الجامع بالمتأخرين صلاة الصبح، فيطيل بهم إطالة مفرطة، خارجا عن المعتاد بكثير إلى أن تكاد تطلع الشمس وهو فى تطويله، لا يتركه كل يوم. ﵀.
توفى ليلة سلخ ربيع الآخر سنة إحدى وستين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
٣٨٨ - عبد الرحمن بن محمد
بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، المحدث الفاضل، عزّ الدين، أبو محمد وأبو القاسم وأبو الفرج، ابن الحافظ عزّ الدين أبى الفتح، ابن الحافظ الكبير أبى محمد.
стр. 716
ولد فى ربيع الآخر سنة اثنين وستمائة. وحضر على أبى حفص بن طبرزد.
وسمع من الكندى وطبقته.
وارتحل إلى بغداد. فسمع من الفتح بن عبد السلام وطائفة. ثم إلى مصر.
وكتب الكثير وعنى بالحديث. وكان يفهم ويذاكر، وتفقه على الشيخ الموفق وكان فاضلا صالحا ثقة، انتفع به جماعة. وحدث
توفى فى نصف ذى الحجة سنة إحدى وستين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون رحمة الله تعالى عليه.
٣٨٩ - أبو القاسم بن يوسف
بن أبى القاسم بن عبد السلام، الأموى، الحوارى الصوفى، الزاهد المشهور، صاحب الزاوية بحوارى. كان خيرا صالحا، له أتباع وأصحاب ومريدون فى كثير من قرايا حوران فى الجبيل والثبنية.
ولا يحضرون سماعا بالدف.
توفى ببلده حوارى سنة ثلاث وستين وستمائة فى آخر السنة. وصلّى عليه يوم عيد النحر ببيت المقدس صلاة الغائب. وصلّى عليه بدمشق تاسع عشر ذى الحجة.
رحمه الله تعالى.
وقام مقامه بعده: ولده الشيخ عبد الله. فكان عنده تفقه وزهادة. وله أصحاب. وكان مقصودا يزار ببلده. وعمر حتى بلغ التسعين من عمره. خرج لتوديع بعض أهله إلى ناحية الكرك من جهة الحجاز. فأدركه أجله هناك فى أول ذى القعدة سنة ثلاثين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
٣٩٠ - إبراهيم بن عبد الله
بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الصالح الزاهد، الخطيب عزّ الدين أبو إسحاق، ابن الخطيب شرف الدين أبى محمد، ابن الشيخ أبى عمر.
ولد فى رمضان سنة ست وستمائة.
стр. 717
وسمع من الشيخ موفق الدين، والشيخ العماد، وأبى اليمن الكندى، وأبى القاسم بن الحرستانى، وخلق. وأجاز له القاسم الصفار وجماعة.
وكان إماما فى العلم والعمل، بصيرا بالمذهب، صالحا عابدا مخلصا، صاحب أحوال وكرامات، وآمرا بالمعروف، وقوالا بالحق. وقد جمع المحدث أبو الفداء ابن الخباز سيرته فى مجلد.
وحدث. وسمع منه جماعة، وحدثنا من أصحابه: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الحريرى عنه حضورا. وهو آخر أصحابه.
توفى فى ليلة تاسع عشر ربيع الأول سنة ست وستين وستمائة. ودفن من الغد بسفح قاسيون. ﵀.
وهو والد الإمامين: عزّ الدين الفرائضى. وعزّ الدين محمد خطيب الجامع المظفرى. رحمهم الله تعالى.
٣٩١ - مظفر بن عبد الكريم
بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد ابن الحنبلى، تاج الدين، أبو منصور.
ولد فى سابع عشر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة بدمشق.
وسمع بها من أبى طاهر الخشوعى، وعمر بن طبرزد، وحنبل، وغيرهم.
وتفقه وأفتى. ودرس بمدرسة جده شرف الإسلام مدة. وكان عارفا بالمذهب. وحدث بدمشق ومصر.
وروى عنه جماعة، منهم: الحافظ الدمياطى.
توفى فى ثالث صفر سنة سبع وستين وستمائة فجأة بدمشق. ودفن بسفح قاسيون ﵀.
٣٩٢ - أحمد بن عبد الدائم
بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن أحمد بن بكر، المقدسى الصالحى، الكاتب المحدث المعمر، الخطيب زين الدين أبو العباس.
стр. 718
ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة بفندق الشيوخ من أرض نابلس.
وسمع الكثير بدمشق، ومن يحيى الثقفى، وأبى عبد الله بن صدقة، وأبى الحسن بن الموازينى، وعبد الرحمن الخرقى، وإسماعيل الجنزوى، وغيرهم
وانفرد فى الدنيا بالرواية عنهم.
ودخل بغداد. وسمع بها من أبى الفرج بن كليب، والمبارك بن المعطوش، وأبى الفرج بن الجوزى، وأبى الفتح بن المندائى، وعبد الله بن أبى المجد، وعبد الوهاب بن سكينة، وغيرهم.
وسمع بحران من خطيبها الشيخ فخر الدين، وأجاز له خطيب الموصل أبو الفضل، وعبد المنعم الفراوى، وابن شاتيل، والقزاز. وتفرد بالرواية عنهم أيضا.
وقرأ بنفسه، وعنى بالحديث. وتفقه على الشيخ موفق الدين. وخرج لنفسه مشيخة عن شيوخه، وجمع تاريخا لنفسه. وكان فاضلا متنبها. وله نظم
ولى الخطابة بكفر بطنا بضع عشرة سنة.
وكان يكتب خطا حسنا، ويكتب سريعا. فكتب ما لا يوصف كثرة من الكتب الكبار، والأجزاء المنثورة لنفسه وبالأجرة، حتى كان يكتب فى اليوم إذا تفرغ تسعة كراريس أو أكثر، ويكتب مع اشتغاله بمصالحه الكراسين والثلاثة. وكتب «الخرقى» فى ليلة واحدة. وكتب «تاريخ الشام» لابن عساكر مرتين و «المغنى» للشيخ موفق الدين مرات. وذكر: أنه كتب بيده ألفى مجلدة، وأنه لازم الكتابة أزيد من خمسين سنة.
وكان حسن الخلق والخلق، متواضعا دينا. وحدث بالكثير بضعا وخمسين سنة. وانتهى إليه علو الإسناد. وكانت الرحلة إليه من أقطار البلاد.
وخرج له ابن الظاهرى مشيخة، وابن الخباز أخرى.
سمع منه الحافظ المقدسيون، كالحافظ ضياء الدين، والزكى البرزالى، والسيف بن المجد، وعمر بن الحاجب.
стр. 719
روى عنه الأئمة الكبار، والحفاظ المتقدمون والمتأخرون، منهم: الشيخ محيى الدين النووى، والشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والشيخ تقى الدين بن دقيق العيد، والشيخ تقى الدين ابن تيمية، وخلق كثير. آخرهم: شيخنا الشيخ محمد بن إسماعيل بن الخباز، حضر عليه أجزاء. وآخر من روى عنه بالإجازة:
أحمد بن عبد الرحمن الحريرى.
وتوفى يوم الاثنين سابع - كذا قاله الشريف - وقيل: تاسع رجب سنة ثمان وستين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون ﵀
ورأى رجل ليلة موته فى المنام: كأن الناس فى الجامع، وإذا ضجة. فسأل عنها؟ فقيل له: مات هذه الليلة مالك بن أنس، قال: فلما أصبحت جئت إلى الجامع، وأنا مفكر، وإذا إنسان ينادى: رحم الله من حضر جنازة الشيخ زين الدين بن عبد الدائم. ﵀.
٣٩٣ - يوسف بن على
بن أحمد بن البقال البغدادى الصوفى، عفيف الدين أبو الحجاج، شيخ رباط المرزبانية. كان صالحا عالما، ورعا زاهدا. له تصانيف فى السلوك. منها كتاب «سلوك الخواص».
وحكى عنه أنه قال: كنت بمصر زمن واقعة بغداد. فبلغنى أمرها.
فأنكرته بقلبى، وقلت: يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له؟ فرأيت فى المنام رجلا، وفى يده كتاب. فأخذته فإذا فيه:
دع الاعتراض فما الأمر لك … ولا الحكم فى حركات الفلك
ولا تسأل الله عن فعله … فمن خاض لجّة بحر هلك
أجاز لشيخنا على بن عبد الصمد البغدادى.
ونقلت من خطه: أنه توفى ليلة الخميس سادس المحرم سنة ثمان وستين وستمائة وصلّى عليه بجامع الحريم. ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
وذكر غيره: أنه توفى سنة ست وستين. والله أعلم.
стр. 720
٣٩٤ - عبد الرحمن بن سليمان
بن سعيد بن سليمان، البغدادى الأصل الحرانى المولد. الفقيه، جمال الدين أبو محمد. ويعرف بالبغدادى.
ولد فى أحد الربيعين سنة خمس وثمانين وخمسمائة بحران.
وسمع من عبد القادر الحافظ، وحنبل، وابن طبرزد، وغيرهم.
وتفقه بالشيخ الموفق، وبرع، وأفتى، وانتفع به جماعة. وحدث.
وروى عنه طائفة. حدثنا عنه ابن الخباز. وكان إماما بحلقة الحنابلة بالجامع.
قال الشيخ عزّ الدين: كان موصوفا بالفضل والدين، فقيها حسنا مشهورا.
ولى منه إجازة.
توفى فى رابع عشر شعبان سنة سبعين وستمائة بدمشق رحمه الله تعالى.
ودفن بسفح قاسيون.
٣٩٥ - محمد بن عبد المنعم
بن عمار بن هامل بن موهوب الحرانى، المحدث الرحال، شمس الدين، أبو عبد الله، نزيل دمشق.
ولد بحران سنة ثلاث وستمائة.
وسمع ببغداد من القطيعى، وابن روزبة، والداهرى، وعمر بن كرم، ونصر بن عبد الرازق القاضى، وابن القبيطى، والمهذب بن فهيدة.
وبدمشق من القاضى أبى نصر بن الشيرازى، ومكرم بن أبى الصقر، والحسين بن الزبيدى، وابن اللتى، وابن صباح وغيرهم. وبالإسكندرية من الصفراوى، وجعفر الهمدانى، وابن راح.
وبالقاهرة من مرتضى بن العفيف، والعلم بن الصابونى، وغيرهم.
قال الشريف عزّ الدين: كتب بخطه، وطلب بنفسه. وكان أحد المعروفين بالطلب والإفادة. وحدث. ولى منه إجازة.
قال الذهبى: عنى بالحديث عناية كلية، وكتب الكثير. وتعب وحصل.
стр. 721
وأسمع الحديث. وتألف الناس على روايته. وفيه دين وحسن عشرة، ولديه فضيلة، ومذاكرة جيدة.
أقام بدمشق، ووقف كتبه وأجزاءه بالضيائية.
وقال البرزالى: كان فاضلا، كثير الديانة والتحرى، أحد المعروفين بالطلب والإفادة.
وقرأت بخط الدمياطى فى حقه: الإمام الحافظ.
وسمع منه جماعة من الأكابر، كأبى الحسين بن اليونينى، والحافظ الدمياطى، وإسماعيل بن الخباز، وابن أبى الفتح، وأبى الحسن بن العطار، وحدثنا عنه محمد بن الخباز.
وتوفى ليلة الأربعاء ثامن شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وستمائة بالمارستان الصغير بدمشق. ودفن من الغد بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
وفى حادى عشر شوال من السنة توفى الشيخ فخر الدين أبو الفرج: -
٣٩٦ - عبد القاهر بن أبى محمد عبد الغنى
بن الشيخ فخر الدين محمد بن أبى القاسم ابن تيمية بدمشق. ودفن من الغد بمقابر الصوفية.
وكان مولده: سنة اثنتى عشرة وستمائة بحران.
وسمع من جده وابن التى. وحدث بدمشق. وخطب بجامع حران.
٣٩٧ - على بن محمد
بن محمد بن أبى سعد بن وضاح الشهرايانى، ثم البغدادى، الفقيه المحدث، الزاهد الكاتب، كمال الدين أبو الحسن بن أبى بكر.
ولد فى رجب سنة إحدى وتسعين وخمسمائة - وقيل: سنة تسعين - بشهرايان، وسمع بها «صحيح مسلم» من أحمد بن محمد بن محمد بن نجم المروزى، قال: قدم علينا حاجا، وهو ابن أخى الذى روى عنه ابن الجوزى «صحيح مسلم» وكانا قد سمعاه من الفراوى.
стр. 722
وقدم بغداد، وسمع بها من أبوى الحسن: القطيعى، وابن روزبة «صحيح البخارى» عن أبى الوقت، ومن عمر بن كرم «جامع الترمذى» ومن عبد اللطيف ابن القطيعى «سنن الدار قطنى» وسمع من القاضى أبى صالح، وأبى حفص السهروردى، وإبراهيم الكاشغرى، وغيرهم.
وسمع من الشيخ العارف على بن إدريس اليعقوبى، ولبس منه الخرقة، وانتفع به، وسمع بأربل وغيرها.
وعنى بالحديث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الحسن. وسمع الكتب الكبار واشتغل بالعلم ببغداد، وتفقه وبرع فى العربية، وشارك فى فنون من العلم، وصحب الصالحين، وكان صديقا للشيخ يحيى الصرصرى.
قال شيخنا بالإجازة، الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق: كان شيخا صالحا، منور الوجه، كيسا طيب الأخلاق، سمع النفس، صحب المشايخ والصالحين. وكان عالما بالفقه، والفرائض، والأحاديث، ورتب عقب الواقعة مدرسا بالمدرسة المجاهدية، واستمر بها إلى أن مات.
وهو أحد المكثرين فى الرواية، فإنه سمع الكثير من الكتب الكبار والأجزاء، بقراءته وقراءة غيره، وخرج وصنف مصنفات.
ومن مصنفاته: كتاب «الدليل الواضح، فى اقتفاء نهج السلف الصالح» وكتاب «الرد على أهل الإلحاد» وغير ذلك.
وله إجازات من جماعة كثيرين، منهم من دمشق: الشيخ موفق الدين ابن قدامة، وأبى محمد بن عمرو بن الصلاح وغيرهما.
قلت: وله أجزاء فى مدح العلماء وذم الأغنياء، والفرق بين أحوال الصالحين وأحوال الإباحية، أكلة الدنيا بالدين، سمعه منه أبو الحسن على بن محمد البندنيجى نزيل دمشق.
وله جزء فى أن الإيمان يزيد وينقص، كتبه جوابا عن سؤال فيمن حلف
стр. 723
بالطلاق على نفى ذلك، فأفتى بوقوع طلاقه، وبسط الكلام على المسألة، وذلك فى زمن المستعصم، وقد أوذى بسبب ذلك، هو والمحدث عبد العزيز القحيطى، من بغداد، فإنه وافق على هذا الجواب. وأخرج الشيخ من المدرسة التى كان مقيما بها، وأخرج القحيطى من بغداد، وبذلك تحقق قوة إيمانهما، وكونهما إن شاء الله من خلفاء الرسل فى وقتهما.
وحدث الشيخ بالكثير، وسمع منه خلق، وروى عنه ابن حصين الفخرى، والحافظ الدمياطى فى معجمه، وأبو الحسن البندنيجى، وإبراهيم الجعبرى المقرئ، وأبو الثناء الدقوقى، وأحمد بن عبد السلام بن عكبر، وعلى بن عبد الصمد، وأبو عبد الله محمد بن عبد العزيز بن المؤذن الوراق، وروى عنه «صحيح البخارى» وسمعت عليه حضورا فى الرابعة منه كتاب النكاح بكماله.
وتوفى ﵀، ليلة الجمعة ثالث صفر، سنة اثنتين وسبعين وستمائة.
كذا ذكره غير واحد من أهل بغداد من شيوخنا وغيرهم. وهو أصح مما قاله الذهبى: إنه سنة إحدى وسبعين. وأبعد من ذلك: ما قال الدمياطى: إنه توفى سنة ثلاث، أو أربع، وهذا قاله بالظن والتقريب لبعد البلاد، وعدم من يراجعه فى تحقيق ذلك.
قال شيخنا صفى الدين: وكانت جنازته إحدى الجنائز المشهورة، اجتمع لها عالم لا يحصى، وغلقت الأسواق يومئذ، رشد تابوته بالحبال. وحمله الناس على أيديهم، وصلّى عليه بالمحال البرانية. ودفن بحضرة قبر الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه، مقابل رجليه.
٣٩٨ - على بن عثمان
بن عبد القادر بن محمد بن يوسف بن الوجوهى البغدادى المقرئ، الصوفى الزاهد، شمس الدين أبو الحسن، أحد أعيان أهل بغداد فى زمنه.
ولد فى ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
стр. 724
وقرأ بالروايات على الفخر الموصلى، صاحب ابن سعدون القرطبى، وسمع الحديث من ابن روزبة، والسهروردى وغيرهما. وكان بصيرا بالقرآن، متحققا بالأداء، دينا خيرا صالحا، وعين خازنا بدار الوزير زمن الخليفة، ثقة بدينه، وشهد فى ذلك العهد. وكان شيخ رباط ابن الأثير.
وله كتاب «بلغة المستفيد فى القراءات العشر» قرأه عليه ابن خيرون، وقرأ عليه بالسبع: إبراهيم الجعبرى، وقال: امتنع من كتابة الإجازة لى لحضورى سماعات الفقراء، وكان ينكر ذلك.
وروى عنه ابن خروف الموصلى، وشيوخنا بالإجازة: نجيب الدين على ابن محمد الرفاعى، وعلى بن عبد الصمد، ومحمد بن محمد بن الكوفى الهاشمى الواعظ وغيرهم.
وتوفى فى ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وستمائة، ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب.
أنبأنى غير واحد عن الظهير بن الكازرونى، قال: حكى لى الشيخ رشيد الدين بن أبى القاسم: أن العدل محب الدين مصدق حدثه، قال: رأيت ابن الوجوهى بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: نزلا عليّ، وأجلسانى وسألانى، فقلت: ألمثل ابن الوجوهى يقال ذلك؟ فأضجعانى ومضيا. ﵀.
وفى سابع عشر شوال سنة اثنتين وسبعين أيضا: توفى الشيخ: -
٣٩٩ - سيف الدين
بن الناصح عبد الرحمن بن نجم الحنبلى.
وكان مولده سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وقيل: سنة تسعين. وهو آخر من حدث بالسماع عن الخشوعى.
وسمع من حنبل، وابن طبرزد، والكندى، وغيرهم بدمشق، والموصل، وبغداد، وحدث بمصر ودمشق.
وسمع منه العلامة تاج الدين الفزارى، وأخوه الخطيب شرف الدين،
стр. 725
والحافظ الدمياطى، وذكره فى معجمه، وابن العطار، وابن أبى الفتح، والشهاب محمود كاتب السر، وغيرهم.
وحدثنا عنه ابنه شمس الدين يوسف مدرس الصاحبية بجزء ابن زبر الصغير، كان حضره على أبيه، ومحمد بن الخباز، وأحمد بن عبد الرحمن الحريرى.
٤٠٠ - على بن أبى غالب
بن على بن غيلان، البغدادى، الأزجى القطيعى، الفرضى المعدل، موفق الدين أبو الحسن.
ولد فى ذى الحجة، سنة ثلاث وستمائة، وسمع من ابن المنى وغيره، وأجاز له غير واحد.
وتفقه. وقرأ الفرائض، وشهد عند القاضى أبى الفضل بن اللمعانى. وكان من أعيان العدول. وكان خيرا، كثير التلاوة.
حدث وأجاز لشيخنا صفى الدين بن عبد المؤمن بن عبد الحق، وعلى بن عبد الصمد.
وتوفى يوم السبت ثالث شوال سنة أربع وسبعين وستمائة، ودفن بقبر الإمام أحمد.
٤٠١ - عثمان بن موسى
بن عبد الله الطائى الأربلى، ثم الآمدى، الفقيه الزاهد، إمام حطيم الحنابلة بالحرم الشريف تجاه الكعبة.
كان شيخا جليلا، إماما عالما، فاضلا، زاهدا عابدا ورعا، ربانيا متألها، منعكفا على العبادة والخير، والاشتغال بالله تعالى فى جميع أوقاته، أقام بمكة نحو خمسين سنة.
ذكره القطب اليونينى، وقال: كنت أود رؤيته، وأتشوق إلى ذلك، فاتفق أنى حججت سنة ثلاث وسبعين وزرته، وتمليت برؤيته، وحصل لى نصيب وافر من إقباله ودعائه. وقدرت وفاته إلى رحمة الله تعالى عقيب ذلك.
стр. 726
وقال الذهبى: سمع بمكة من يعقوب الكحال، ويعقوب سمع من ابن شاتيل وخطيب الموصل.
وسمع عثمان أيضا من محمد بن أبى البركات بن حمد.
وروى عنه شيخنا الدمياطى، وابن العطار فى معجميهما. وكتب إلينا بمروياته.
توفى ضحى يوم الخميس ثانى عشرين محرم سنة أربع وسبعين وستمائة بمكة رحمه الله تعالى. ويقال: إن الدعاء يستجاب عند قبره (١).
وخلفه فى إمامة الحنابلة بمكة ولده:
٤٠٢ - الإمام جمال الدين محمد.
وكان إماما عالما دينا. وله رحلة إلى بغداد، أدرك فيها عبد الصمد بن أبى الجيش وغيره.
وحدث. وروى عنه جماعة من شيوخنا المكيين.
وتوفى سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.
٤٠٣ - محمد بن عبد الوهاب
بن منصور الحرانى، الفقيه، الأصولى المناظر القاضى شمس الدين، أبو عبد الله.
ولد بحران فى حدود العشر والستمائة. وتفقه بها على الشيخ مجد الدين ابن تيمية. ولازمه، حتى برع فى الفقه. وكان يستدل بين يديه بحران.
وقرأ الأصول والخلاف على القاضى نجم الدين بن المقدسى الشافعى الذى كان أولا حنبليا، فانتقل. وأقام مدة بدمشق يشتغل فى الأصول والعربية على علم الدين قاسم الكوفى.
ثم سافر إلى الديار المصرية. وأقام بها مدة يحضر دروس الشيخ عزّ الدين
стр. 727
ابن عبد السلام. وولى القضاء ببعض أعمال الديار المصرية نيابة عن قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز لفضيلته، وإن كان على غير مذهبه. وهو أول حنبلى حكم بالديار المصرية فى هذا الوقت.
ثم لما ولى الشيخ شمس الدين بن العماد قضاء القضاة الحنابلة استنابه مدة.
ثم ترك ذلك، ورجع إلى دمشق. وأقام بها مدة سنين إلى حين وفاته، يدرس الفقه بحلقة له فى الجامع. ويكتب خطه فى الفتاوى. وباشر الإعادة بالمدرسة الجوزية بدمشق قبل سفره إلى الديار المصرية، وبعد رجوعه. وباشر الإمامة بها أيضا.
ثم أمّ بمحراب الحنابلة بالجامع. ذكر ذلك قطب الدين اليونينى.
وقال: كان فقيها إماما عالما، عارفا بعلم الأصول والخلاف، حسن العبارة، طويل النفس فى البحث، كثير التحقيق، حسن المجالسة والمذاكرة. ويتكلم فى الحقيقة (١). وهو غزير الدمعة، رقيق القلب جدا، وافر الديانة، كثير العبادة. صحب الفقراء مدة. وله فيهم حسن ظن.
وكان عنده معرفة بالأدب. وله يد جيدة فى النظم. أنشدنى له صاحبنا تقى الدين بن عبد الله بن تمام:
طار قلبى يوم ساروا فرقا … وسواء فاض دمعى أو رقا
حار فى سقمى من بعدهم … كل من فى الحى داوى أو رقى
بعدهم لا طلّ وادى المنحنى … وكذا بان الحمى لا أورقا
стр. 728
وابتلى بالفالج قبل موته مدة أربعة أشهر. وبطل شقه الأيسر، وثقل لسانه بحيث لا يفهم من كلامه إلا اليسير. قرأ عليه جماعة الأصول والفروع.
وتوفى ليلة الجمعة بين العشائين لست خلون من جماد الأولى سنة خمس وسبعين وستمائة بدمشق. وصلّى عليه بالجامع. ودفن بمقابر الباب الصغير. ونيف على الستين من العمر رحمه الله تعالى.
ورأيت فى الفتاوى المنسوبة إلى الشيخ تاج الدين الفزارى: واقعة وقعت، وهى وقف وقفه رجل، وثبت على حاكم: أنه وقفه فى صحة بدنه وعقله. ثم قامت بينة أنه كان حينئذ مريضا مرض الموت المخوف. فأفتى النووى: أنه تقدم بيّنة المرض، ويعتبر الوقف من الثلث. ووافقه على ذلك ابن الصيرفى، وابن عبد الوهاب الحنبليان. وخالف الفزارى، وقال: تقدم بينة الصحة. قال:
لأن من أصلهم أن البينة التى تشهد بما يقتضيه الظاهر تقدم، ولهذا تقدم عندهم بينة الداخل والأصل. والغالب على الناس: الصحة. فتقدم البينة الموافقة له.
وعرض على الشيخ تاج الدين الفزارى أيضا فتاوى جماعة فى حادثة تعارضت فيها بينتان بالسفه والرشد، حال تصرف ما: أنه تقدم بينة السفه. فخطأهم فى ذلك. وقال: هذا عندى غلط.
وذكر فى موضع آخر: أن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر أفتى فى هذه المسألة بتقديم بينة الرشد على بينة استمرار الحجر.
ورأيت فتيا بخط محمد بن عبد الوهاب الحرانى فى وقف بأيدى أقوام من مدة سنين من غير كتاب بأيديهم. فادعاه آخرون، وأظهروا كتابا منقطع الإثبات بوقفه عليهم: أنه لا ينزع من يد الأولين بمجرد هذا الكتاب. ووافقه جماعة من الشافعية والحنفية وغيرهم.
стр. 729
٤٠٤ - محمد بن تميم
الحرانى الفقيه، أبو عبد الله، صاحب «المختصر» فى الفقه، المشهور. وصل فيه إلى أثناء الزكاة. وهو يدل على علم صاحبه، وفقه نفسه، وجودة فهمه.
وتفقه على الشيخ مجد الدين ابن تيمية، وعلى أبى الفرج بن أبى الفهم.
وبلغنى أن ابن حمدان ذكر عنه: أنه سافر - أظنه إلى ناصر الدين البيضاوى - ليشتغل عليه. فأدركه أجله هناك شابا. ولم أقف على تاريخ وفاته.
٤٠٥ - عبد الصمد بن أحمد
بن أحمد بن عبد القادر بن أبى الحسين ابن أبى الجيش بن عبد الله البغدادى القطفتى، المقرئ المحدث، النحوى اللغوى. الخطيب الواعظ الزاهد، شيخ بغداد وخطيبها، مجد الدين أبو أحمد، وأبو الخير، ابن أبى العباس. سبط الشيخ أبى زيد الحموى الزاهد، أبوه.
ولد عبد الصمد فى محرم سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ببغداد.
وقرأ القرآن بالروايات على الفخر الموصلى، وعبد العزيز بن الناقد، وعبد العزيز ابن دلف، والحسين بن الزبيدى، وغيرهم.
وعنى بالقراءات. وسمع كثيرا من كتبها. وسمع الحديث من ترك بن محمد الحلاج صاحب أبى البدر الكرخى، وعبد السلام بن البردغولي، وأبى القاسم ابن أبى الجود، صاحبى ابن الطلاية، وعبد السلام الداهرى، وعبد العزيز بن الناقد، وإسماعيل بن حمدى، وأبى نصر بن النرسى، والحسن والحسين ابنى المبارك الزبيدى، والحسين بن أبى بكر الخيارى، وثابت بن مشرف، وعبد اللطيف ابن القبيطى، والنفيس بن حقنى الزعيمى، وعبد اللطيف بن يوسف البغدادى وأبى حفص السهروردى، وابن الخازن، وابن رزوبة، وابن بهروز، وسعد بن محمد بن ياسين، والمهذب بن قنيدة، وابن اللتى، وأحمد بن يعقوب المارستانى، وابن الدبيثى الحافظ، وأبى صالح نصر بن عبد الرزاق، وغيرهم.
стр. 730
وسمع شيئا على سليمان بن محمد بن على الموصلى، وأخيه أبى الحسن على.
وسمع كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء. وقرأ بنفسه كثيرا على الشيوخ المتأخرين. وجمع أسماء شيوخه بالسماع والإجازة. فكانوا فوق خمسمائة وخمسين شيخا. فبعضهم بالإجازة العامة، وكثير منهم بالإجازة الخاصة من غير سماع.
وذكر فيه: أنه سمع جامع الترمذى على أبى الفتح أحمد بن على الفربرى بسماعه من الكرخى،. وهذا من أجود ما عنده. والعجب أنه خرج فى بعض تصانيفه حديثا من الترمذى عن أكمل بن مظفر العباسى بإجارة من الكرخى، وعن أبى المعالى بن شافع عن ابن كليب.
وأجاز له الحافظ أبو الفرج بن الجوزى، وعبد العزيز بن منينا، وأبو القاسم ابن الحرستانى، وأبو اليمن الكندى، والشيخ موفق الدين المقدسى، وغيرهم.
وأخذ العربية والأدب عن أبى البقاء العكبرى، قال: قرأت عليه من حفظى كتاب «اللمع» لابن جنى، «والتصريف المملوكى» و «القصيح» لثعلب. وأكثر كتاب «الإيضاح» لأبى على الفارسى. وسمعت عليه المفضليات.
وقال الجعبرى: قرأ - يعنى عبد الصمد - كتاب سيبويه، والإيضاح، والتكملة، واللمع، على الكندى. كذا قال. وهو غير صحيح. ولعله أراد أن يقول: العكبرى.
وقرأ طرفا من الفقه. وانتهت إليه مشيخة القراءات والحديث. وله ديوان خطب فى سبع مجلدات على الحروف. وولى فى زمن المستنصر مشيخة المسجد الذى بناه المستنصر، وجعله دار قرآن وحديث، ويعرف بمسجد قمرية.
ثم ولى فى زمن المستعصم مشيخة رباط سوسيان. وبعد الواقعة: ولى خزن الديوان والخطابة بالجامع الأكبر، جامع القصر.
وصار عين شيوخ زمانه، والمشار إليه فى وقته، مع الدين. والصلاح، والزهد والورع، والتقشف والتعفف، والصبر والتجمل.
стр. 731
قال الحافظ الذهبى: قرأت بخط السيف بن المجد قال: كنت ببغداد، فبنى المستنصر مسجدا وزخرفه، وجعل به من يقرأ ويسمع. فاستدعى الوزير جماعة من القراء، وكان منهم صاحبنا عبد الصمد بن أحمد. فقال له: تنتقل إلى مذهب الشافعى، فامتنع، فقال: أليس مذهب الشافعى حسنا؟ قال: بلى، ولكن مذهبى ما علمت به عيبا أتركه لأجله. فبلغ الخليفة ذلك، فأعجبه قوله. وقال: هو يكون إمامه دونهم. وعرض عليه العدالة فأباها.
قال الذهبى: سمعت أبا بكر المقصاتى يقول: طلب منى شيخنا عبد الصمد مقصا، فعملته وأتيته به. فما أخذه حتى أعطانى فوق قيمته.
وذكره شيخنا صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق فى مشيخته، فقال:
هو شيخ بغداد كلها. إليه انتهت رياسة القراءات والحديث بها. كان من العلماء العاملين، والأئمة الموصوفين بالعلم والفضل والزهد. وصنف الخطب التى انفرد بفنها وأسلوبها، وما فيها من الصنعة والفصاحة. وجمع منها شيئا كثيرا. ذهب فى واقعة بغداد مع كتب له أخرى بخطه وأصوله، حتى كان يقول: فى قلبى حسرتان:
ولدى، وكتبى. فإنه كان له ولد اسمه أحمد - وبه يكنى - صالح فاضل حسن السمت. خلفه بمسجد قمرية، لما رتب هو شيخا برباط سوسيان فى زمن المستعصم.
وكان حسن الصوت حسن القراءة. وعدم فى الواقعة. وبقى يتأسف عليه وعلى كتبه.
قال الذهبى: قرأ عليه الشيخ إبراهيم الرقى الزاهد، والتقى أبى بكر الجزبور المقصاتى، وأبو عبد الله بن خروف، وأبو العباس أحمد بن موسى الموصليان، وجماعة. وكان إماما محققا، بصيرا بالقراءات وعللها وغريبها، صالحا زاهدا، كبير القدر، بعيد الصيت.
قلت: وحدث بالكثير، وسمع منه خلائق.
وحكى عنه الحافظ ابن النجار فى تاريخه، وكان شيوخ بغداد يقرءون عليه
стр. 732
كتب الحديث، وسمع الناس بقراءتهم، كالشيخ كمال الدين بن وضاح، مع علو شأنه، وكبر سنه - وقد توفى قبله - والشيخ عبد الرحيم بن الزجاح، وأحمد ابن الكسار الحافظ.
وروى عنه خلق كثير من الأعيان، منهم: ابن وضاح المذكور، والدمياطى الحافظ فى معجمه، والشيخ إبراهيم الرقى الزاهد، والمحدثان أبو العباس أحمد ابن على القلانسى، وأبو الثناء محمود بن على الدقوقى، والإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، وابنه أبو الربيع على بن عبد الصمد، وأكثر عن أبيه.
وقد سمعت منه فى الخامسة جزءا فيه أربعون حديثا، أخرجها أبوه لنفسه بسماعه من أبيه، وحصل فى سماع العشرة الأخيرة بعد عن مجلس القراءة، فلا أدرى، أسمعتها أم لا؟.
وحضرت أيضا كتاب النكاح من صحيح البخارى على أبى عبد الله محمد ابن عبد العزيز المؤذن بسماعه للكتاب، حضورا على الشيخ عبد الصمد.
وتوفى ضحوة يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول سنة ست وسبعين وستمائة وأخرج من يومه، وصلّى عليه بجامع ابن بهليقا وعدة مواضع، وأغلق البلد يومئذ.
وازدحم الخلق على حمله. ودفن بحضرة الإمام أحمد إلى جانب ابن القاعوس الزاهد. وكان يوما مشهودا. رحمه الله تعالى، ورثاه جماعة من الشعراء.
أنبأنا على بن عبد الصمد بن أحمد البغدادى - بها - أنبأنا أبى أنبأنى غير واحد أنبأنا أكمل بن مظفر العباسى، وعبد العزيز بن أحمد الجصاص، وشرف بن على الخالصى، وعبد السلام بن عبد الله الداهرى، وأبو بكر بن بهروز، قالوا:
أنبأنا أبو الوقت ثناء أبو الحسن الداودى أنبأنا أبو محمد بن حمويه أنبأنا أبو عمران السمرقندى حدثنا الدارمى أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا حميد عن أنس رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال «إن العبد إذا صلّى فإنما يناجى ربه - أو ربه بينه وبين القبلة - وإذا بزق أحدكم فليبصق عن يساره أو تحت قدمه،
стр. 733
أو يقول هكذا، وبزق فى ثوبه، وذلك بعضه ببعض».
٤٠٦ - محمد بن إبراهيم
بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، نزيل مصر، قاضى القضاة، شيخ الشيوخ، شمس الدين، أبو بكر وأبو عبد الله، ابن العماد، وقد سبق ذكر أبيه.
ولد فى يوم السبت رابع عشر صفر - وقيل: الأحد - سنة ثلاث وستمائة بدمشق. وحضر بها على ابن طبرزد.
وسمع من الكندى، وابن الحرستانى، وابن ملاعب، والشيخ موفق الدين. وتفقه عليه، ثم رحل إلى بغداد، وأقام بها مدة.
وسمع بها من أبى الفتح بن عبد السلام، والداهرى، والسهروردى، وجماعة وتفقه بها، وتفنن فى علوم شتى. وتزوج بها. وولد له.
ثم انتقل إلى مصر، وسكنها إلى أن مات بها. وعظم شأنه بها. وصار شيخ المذهب علما وصلاحا، وديانة ورياسة. وانتفع به الناس. وولى بها مشيخة خانقاه سعيد السعدا، وتدريس المدرسة الصالحية. وولى قضاء القضاة مدة. ثم عزل منه. واعتقل مدة. ثم أطلق، فأقام بمنزله يدرس بالصالحية ويفتى، ويقرئ العلم إلى أن توفى.
قال عبيد الأسعردى الحافظ: كان مشهورا بمكارم الأخلاق، وحسن الطريقة، والمناقب المرضية. تفقه بدمشق، وبغداد. وأفتى ودرس، وولى قضاء القضاة بالديار المصرية. وكان شيخ الشيوخ بها.
قال البرزالى فى تاريخه: كان حسن السمت وضئ الوجه، ونيّر الشيبة.
له معرفة بالفقه والأصول. وكان كثير البر والصلة والصدقة، كثير التواضع والتودد، وكان مدرسا بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، ثم ولى القضاء، ثم عزل وحبس مدة بسبب ودائع أكره على أخذها، أخذت من بيته سنة سبعين، واعتقل سنتين ثم أفرج عنه. ولزم بيته يدرس ويفتى ويقرئ ويتعبد، إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
стр. 734
وقال الذهبى: استوطن مصر بعد الأربعين، ورأس بها فى مذهب أحمد.
وصار شيخ الإقليم فى الأيام الظاهرية، وكان إماما محققا، كثير الفضائل، صالحا خيرا، حسن السيرة، مليح الشكل، كثير النفع والمحاسن.
وقال القطب اليونينى: كان من أحسن المشايخ صورة، مع الفضائل الكثيرة التامة، والديانة المفرطة، والكرم وسعة الصدر، وأظنه جعفرى السّب، وهو أول من درس بالمدرسة الصالحية للحنابلة. وأول من ولى قضاء القضاة منهم بالديار المصرية. وتولى مشيخة خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة مدة. وكان كامل الأدوات، سيدا صدرا من صدور الإسلام وأئمتهم، متبحرا فى العلوم، مع الزهد الخارج عن الحد، واحتقار الدنيا، وعدم الالتفات إليها. وكان الصاحب بهاء الدين - يعنى ابن جنا - يتحامل عليه، ويغرى الملك الظاهر به؛ لما عنده من الأهلية لكل شيء من أمور الدنيا والآخرة. وهو لا يلتفت إليه، ولا يخضع له.
حدث بالكثير. وسمع منه الكبار، منهم: الدمياطى، والحارثى، وعبيد الاسعردى، والشريف أبو القاسم الحسينى الحافظ، وعبد الكريم الحلبى.
توفى يوم السبت ثانى عشر محرم سنة ست وسبعين وستمائة بالقاهرة. ودفن من الغد بالقرافة، عند عمه الحافظ عبد الغنى. وكان الجمع متوفرا. رحمه الله تعالى.
٤٠٧ - يحيى بن أبى منصور
بن أبى الفتح بن رافع بن على بن إبراهيم الحرانى، الفقيه المحدث المعمر، جمال الدين، أبو زكريا بن الصيرفى. ويعرف بابن الجيشى أيضا، نزيل دمشق.
ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بحران.
وسمع بها من الحافظ عبد القادر الرهاوى، والخطيب فخر الدين وغيرهما.
وكان قد سمع من حماد الحرانى. ولكن لم يظهر سماعه منه.
ورحل إلى بغداد سنة سبع وستمائة. فسمع من ابن طبرزد، وابن الأخضر،
стр. 735
وأحمد بن الدبيقى، وعبد العزيز بن منينا، وعلى بن محمد الموصل. وثابت بن مشرف، وأبى البقاء العكبرى، ومحمد بن على القبيطى، وغيرهم.
وسمع بدمشق من أبى اليمن الكندى، وابن ملاعب، وابن الحرستانى، والشيخ موفق الدين، وغيرهم.
وسمع بالموصل من جماعة. وقرأ بنفسه. وكتب بخطه الأجزاء والطباق.
وأخذ الفقه بدمشق عن الشيخ موفق الدين، وببغداد عن أبى بكر بن غنيمة بن الحلاوى، وأبى البقاء العكبرى، والفخر إسماعيل، وغيرهم.
وأخذ العربية عن أبى البقاء. وقرأ عليه جميع كتابه «التبيان فى إعراب القرآن «وأقام ببغداد مدة فى رحلته الثانية إليها. وتزوج بها. وولد له. وكتب الكثير بخطه من الفوائد والنكت. وجمع وصنف، وعلق فوائد وغرائب حسنة. وأفتى وناظر ودرس. وجالس بحران الشيخ مجد الدين وفقه. وكان ذا عبادة وديانة.
قال البرزالى فى تاريخه: كان من الشيوخ والفقهاء المتعبدين والمعتبرين فى مذهبه، كثير الديانة والتعبد. وأشغل الناس وأفاد، وانتفع به.
وقال الذهبى: برع فى المذهب، ودرس وناظر، وتخرج به الأصحاب. وكان لطيف القدر جدا، ضخم العلم والعمل، صاحب تعبد وأوراد وتهجد.
قرأت بخط الشيخ شمس الدين بن الفخر: كان إماما كبيرا مفتيا. أفتى ببغداد، وحران، ودمشق. وله مناقب جمة.
منها: قيام الليل فى معظم عمره. كان يقوم فى وقت والله يعجز الشباب عن ملازمته، وهو جوف الليل. يجتهد فى إسرار ذلك، وسائر عمل التقرب.
ومنها: سخاء النفس، وحسن الصحبة، والتعصب فى حق صاحبه بدعائه واجتهاده وتضرعه، ومساعدته بجاهه وحرمته.
ومنها التعصب فى السنة والمغالاة فيها، وقمع أهل البدع، ومجانبتهم ومنابذتهم
стр. 736
ومنها: قول الحق، وإنكار المنكر على من كان، لم يكن عنده من المداهنة والمراءاة شيء أصلا، يقول الحق ويصدع به.
لقى الكبار: كالسامرى، مصنف المستوعب، والشيخ أبي البقاء، والشيخ الموفق. وكان حسن المناظرة والمحاضرة، حلو العبارة، عالى الإسناد، له مختصران، ومجاميع حسنة.
قال الذهبى: كان له حلقة بجامع دمشق. وتخرج به جماعة. وروى الكثير.
حدث بجامع الترمذى، وبمعالم السنن للخطابى، وأشياء كثيرة.
قلت: له تصانيف عدة، منها: كتاب «نوادر المذهب» فيها قواعد عربية. وكتاب «دعائم الإسلام فى وجوب الدعاء للامام» كتبه للمستنصر، و «انتهاز الفرص فيمن أفتى بالرخص» جزء، جزء فى «عقوبات الجرائم» كتبه للافتخار الحرانى وإلي دمشق. وكان له به اختصاص. وكان صالحا عادلا.
وله جزء فى «آداب الدعاء».
وسمع منه الحافظ الدمياطى، وذكره فى معجمه، والحافظ الحارثى.
وأظنه أخذ عنه العلم أيضا، والشيخ على الموصلى، وابن أبى الفتح البعلى، والقاضى سليمان بن حمزة، والشيخ تقى الدين ابن تيمية، وأبو الحسن بن العطار وخلق. وحدثنا عنه محمد بن إسماعيل بن الخباز. وكان قد عمر وتغير من الهرم قبل موته بعامين أو أكثر. فحجبه ولده.
ذكره الذهبى. وروى عنه بالإجازة.
وتوفى عشية الجمعة رابع صفر سنة ثمان وسبعين وستمائة بدمشق. ودفن يوم السبت بمقبرة باب الفراديس. رحمه الله تعالى.
قال اليونينى: كانت له جنازة مشهودة جدا.
٤٠٨ - إسحاق بن إبراهيم
بن يحيى الشقراوى، القاضى، صفى الدين، أبو محمد.
стр. 737
ولد بشقرا من ضياع زرا - المعروفة بزرع - سنة خمس وستمائة.
وسمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ موفق الدين، وأحمد بن طاوس، وابن الزبيدى، وجماعة.
وتفقه. وحدث. وولى الحكم بزرع نيابة عن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر. وكان فقيها فاضلا، حسن الأخلاق.
قال الذهبى: كان رجلا خيرا فقيها، حفظة للنوادر والأخبار. ولى قضاء زرع مدة. وأعاد بمدرستها.
توفى يوم السبت تاسع عشر ذى الحجة سنة ثمان وسبعين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.
٤٠٩ - عبد الله بن إبراهيم
بن محمود بن رفيعا الجزرى، المقرئ الفرضى، نزيل الموصل. وأبو محمد. ويلقب ضياء الدين.
قرأ بالسبع على علي بن مفلح البغدادى نزيل الموصل. وأخذ الحروف عن أبى عمرو بن الحاجب، وأبى عبد الله الفاسى، والسديد عيسى بن أبى الحزم.
وسمع الحديث من جماعة.
وصنف تصانيف فى القراءات. ونظم فى القراءات وغيرها، وفى الفرائض قصيدة معروفة لامية، وكان شيخ القراء بالموصل. قرأ عليه ابن خروف الموصلي الحنبلى، وأكثر عنه، وسمع منه «الأحكام» للشيخ مجد الدين ابن تيمية عنه. وأجاز لشيخنا على بن عبد الصمد بن أبى الجيش غير مرة.
وتوفى فى سادس جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وستمائة بالموصلى ﵀.
٤١٠ - عبد السائر بن عبد الحميد
بن محمد بن أبى بكر بن ماضى المقدسى الفقيه، تقى الدين، أبو محمد.
стр. 738
سمع من موسى بن عبد القادر، وابن الزبيدى، والشيخ موفق الدين وغيرهم.
وتفقه على التقى بن العز، ومهر فى المذهب، وعنى بالسنة. وجمع فيها.
وناظر الخصوم وكفّرهم. وكان صاحب جرأة، وتحرق على الأشعرية، فرموه بالتجسيم.
قال الذهبى: ورأيت له مصنفا فى الصفات. فلم أر به بأسا. قال: وكان منابذا للحنابلة. وفيه شراسة أخلاق، مع صلاح ودين يابس.
توفى فى ثامن شعبان سنة تسع وسبعين وستمائة عن نيف وسبعين سنة ﵀.
قلت: حدثنا عنه ابن الخباز، وعن إسحاق بن الشقراوى المتقدم ذكره.
أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا عبد الساتر بن عبد الحميد، وإسحاق بن إبراهيم قالا: حدثنا الحسين بن الزبيدى أنبأنا أبو الوقت أنبأنا الداودى أخبرنا الحموى أخبرنا الفربرى حدثنا البخارى قال: حدثنا المكى بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع قال «كنا نصلى مع النبى ﷺ المغرب إذا توارت بالحجاب».
وفى حادى عشرين رمضان سنة تسع وسبعين أيضا: توفى الفقيه شمس الدين أبو عبد الله: -
٤١١ - محمد بن داود
بن إلياس البعلى الحنبلى، ودفن بظاهر بعلبك.
ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وسمع من الشيخ موفق الدين، وابن المنى، وطائفة، وخدم الشيخ الفقيه اليونينى مدة.
قال القطب ابن اليونينى: سمع من حنبل، والكندى، وابن الزبيدى، ورحل إلى البلاد للسماع، وخدم والدى مدة، وقرأ عليه القرآن، واشتغل عليه، وحفظ «المقنع» وعرف الفرائض.
стр. 739
وكان ذا ديانة وافرة، وصدق، وأمانة، وتحرّ فى شهاداته وأقواله، وحدث بمسموعاته.
٤١٢ - عبد الجبار بن عبد الخالق
بن محمد بن أبى نصر بن عبد الله بن عبد الباقى بن عكبر الزاهد بن عبد الخالق بن محمد بن عبد الباقى بن أحمد بن منصور بن سالم بن تميم بن أبى نصر بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب. هكذا رأيت نسبه، وفيه نظر، والله أعلم، البغدادى، العكبرى، الفقيه المفسر الأصولى، الواعظ، جلال الدين أبو محمد.
ولد سنة تسع عشرة وستمائة ببغداد.
ونسبه الذهبى فى المشتبه: عبد الجبار بن عبد الخالق بن محمد بن عبد الباقى ابن عكبر بن مهلهل بن عكبر العكبرى، - بفتح العين - البغدادى، شيخ الحنابلة، وشيخ الواعظ فى زمانه، صنف التفسير وكتاب «إيقاظ الوعاظ» وكتاب «المقدمة فى أصول الفقه».
وسمع من ابن اللتى، والقاضى أبى صالح الجيلى، وأحمد بن يعقوب بن المارستانى، ومحمد بن أبى السهل الواسطى، وأحمد بن عمر القادسى، وغيرهم.
واشتغل بالفقه والأصول، والتفسير، والوعظ، وبرع فى ذلك، وله النظم والنثر، والتصانيف الكثيرة، منها: تفسير القرآن فى ثمان مجلدات، ودرس بالمستنصرية.
قال شيخنا بالإجازة صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، فى حقه:
شيخ الوعاظ ببغداد، ومتقدمهم. كان فى صباه خياطا، واشتغل بالطب مدة، ثم رتب فقيها بالمستنصرية، واشتغل بالفقه والتفسير، وطالع. وكان يجلس للوعظ بمجلس القاعوس بدرب الحب، ثم اختير فى أواخر زمن الخليفة للوعظ بباب بدر، تحت منظرة الخليفة، ولم يزل على ذلك إلى واقعة بغداد، واستؤسر فاشتراه بدر الدين صاحب الموصل، فحمله إلى الموصل فوعظ بها، ثم حدّره إلى
стр. 740
بغداد، فرتب مدرسا للحنابلة بالمدرسة المستنصرية، ولم يزل يعقد مجلس الوعظ فى الجمعات بجامع الخليفة إلى أن توفى، وله تفسير الكتاب الكريم، ومسائل خلاف، وأربعون حديثا تكلم عليها، وله مسموعات كثيرة ومجازات.
قلت: سمع منه جماعة، منهم: نسيبه نصير الدين أحمد بن عبد السلام ابن عكبر.
وروى عنه بالإجازة جماعة من شيوخنا، منهم: صفى الدين عبد المؤمن المذكور فى مشيخته. وقال: توفى يوم الاثنين سابع عشرين شعبان سنة إحدى وثمانين وستمائة، ودفن فى دويرة له مجاور مسجد ابن بورنداز. وكان يوما مشهودا، رحمه الله تعالى.
٤١٣ - عبد الله بن أبي بكر
بن أبى البدر محمد، الحربى البغدادى الفقيه، الفقير، الزاهد القدوة، بقية شيوخ العراق. ويعرف بكتيلة، ووجدت فى طبقته:
سماع أبيه أبى بكر بن أبى البدر من درة بنت الحلاوى. وأنه يعرف بكتيلة.
ولد الشيخ عبد الله سنة خمس وستمائة.
وسمع الحديث بدمشق من الحافظ الضياء المقدسى، وسليمان الأسعردى.
وأجاز له الشيخ موفق الدين. وتفقه فى المذهب ببغداد على القاضى أبى صالح.
وارتحل.
وتفقه بحران على الشيخ مجد الدين ابن تيمية، وابن تميم صاحب «المختصر» وبدمشق على الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، وغيره. وبمصر على أبى عبد الله ابن حمدان، ونقل عنهم فوائد، وشرح كتاب «الخرقى» وسماه «المهم» وله تصانيف أخر، منها: مجلد فى أصول الدين، سماه «العدة للشدة» وله مصنف فى السماع.
وحدث وسمع منه عبد الرزاق بن القوطى، وغيره.
وكان قدوة زاهدا عابدا ذا أحوال وكرامات. وكان أرباب الدولة وغيرهم