ومنها: قول الحق، وإنكار المنكر على من كان، لم يكن عنده من المداهنة والمراءاة شيء أصلا، يقول الحق ويصدع به.
لقى الكبار: كالسامرى، مصنف المستوعب، والشيخ أبي البقاء، والشيخ الموفق. وكان حسن المناظرة والمحاضرة، حلو العبارة، عالى الإسناد، له مختصران، ومجاميع حسنة.
قال الذهبى: كان له حلقة بجامع دمشق. وتخرج به جماعة. وروى الكثير.
حدث بجامع الترمذى، وبمعالم السنن للخطابى، وأشياء كثيرة.
قلت: له تصانيف عدة، منها: كتاب «نوادر المذهب» فيها قواعد عربية. وكتاب «دعائم الإسلام فى وجوب الدعاء للامام» كتبه للمستنصر، و «انتهاز الفرص فيمن أفتى بالرخص» جزء، جزء فى «عقوبات الجرائم» كتبه للافتخار الحرانى وإلي دمشق. وكان له به اختصاص. وكان صالحا عادلا.
وله جزء فى «آداب الدعاء».
وسمع منه الحافظ الدمياطى، وذكره فى معجمه، والحافظ الحارثى.
وأظنه أخذ عنه العلم أيضا، والشيخ على الموصلى، وابن أبى الفتح البعلى، والقاضى سليمان بن حمزة، والشيخ تقى الدين ابن تيمية، وأبو الحسن بن العطار وخلق. وحدثنا عنه محمد بن إسماعيل بن الخباز. وكان قد عمر وتغير من الهرم قبل موته بعامين أو أكثر. فحجبه ولده.
ذكره الذهبى. وروى عنه بالإجازة.
وتوفى عشية الجمعة رابع صفر سنة ثمان وسبعين وستمائة بدمشق. ودفن يوم السبت بمقبرة باب الفراديس. رحمه الله تعالى.
قال اليونينى: كانت له جنازة مشهودة جدا.
٤٠٨ - إسحاق بن إبراهيم
بن يحيى الشقراوى، القاضى، صفى الدين، أبو محمد.
стр. 737
ولد بشقرا من ضياع زرا - المعروفة بزرع - سنة خمس وستمائة.
وسمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ موفق الدين، وأحمد بن طاوس، وابن الزبيدى، وجماعة.
وتفقه. وحدث. وولى الحكم بزرع نيابة عن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر. وكان فقيها فاضلا، حسن الأخلاق.
قال الذهبى: كان رجلا خيرا فقيها، حفظة للنوادر والأخبار. ولى قضاء زرع مدة. وأعاد بمدرستها.
توفى يوم السبت تاسع عشر ذى الحجة سنة ثمان وسبعين وستمائة. ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.
٤٠٩ - عبد الله بن إبراهيم
بن محمود بن رفيعا الجزرى، المقرئ الفرضى، نزيل الموصل. وأبو محمد. ويلقب ضياء الدين.
قرأ بالسبع على علي بن مفلح البغدادى نزيل الموصل. وأخذ الحروف عن أبى عمرو بن الحاجب، وأبى عبد الله الفاسى، والسديد عيسى بن أبى الحزم.
وسمع الحديث من جماعة.
وصنف تصانيف فى القراءات. ونظم فى القراءات وغيرها، وفى الفرائض قصيدة معروفة لامية، وكان شيخ القراء بالموصل. قرأ عليه ابن خروف الموصلي الحنبلى، وأكثر عنه، وسمع منه «الأحكام» للشيخ مجد الدين ابن تيمية عنه. وأجاز لشيخنا على بن عبد الصمد بن أبى الجيش غير مرة.
وتوفى فى سادس جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وستمائة بالموصلى ﵀.
٤١٠ - عبد السائر بن عبد الحميد
بن محمد بن أبى بكر بن ماضى المقدسى الفقيه، تقى الدين، أبو محمد.
стр. 738
سمع من موسى بن عبد القادر، وابن الزبيدى، والشيخ موفق الدين وغيرهم.
وتفقه على التقى بن العز، ومهر فى المذهب، وعنى بالسنة. وجمع فيها.
وناظر الخصوم وكفّرهم. وكان صاحب جرأة، وتحرق على الأشعرية، فرموه بالتجسيم.
قال الذهبى: ورأيت له مصنفا فى الصفات. فلم أر به بأسا. قال: وكان منابذا للحنابلة. وفيه شراسة أخلاق، مع صلاح ودين يابس.
توفى فى ثامن شعبان سنة تسع وسبعين وستمائة عن نيف وسبعين سنة ﵀.
قلت: حدثنا عنه ابن الخباز، وعن إسحاق بن الشقراوى المتقدم ذكره.
أخبرنا محمد بن إسماعيل الأنصارى أخبرنا عبد الساتر بن عبد الحميد، وإسحاق بن إبراهيم قالا: حدثنا الحسين بن الزبيدى أنبأنا أبو الوقت أنبأنا الداودى أخبرنا الحموى أخبرنا الفربرى حدثنا البخارى قال: حدثنا المكى بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبى عبيد عن سلمة بن الأكوع قال «كنا نصلى مع النبى ﷺ المغرب إذا توارت بالحجاب».
وفى حادى عشرين رمضان سنة تسع وسبعين أيضا: توفى الفقيه شمس الدين أبو عبد الله: -
٤١١ - محمد بن داود
بن إلياس البعلى الحنبلى، ودفن بظاهر بعلبك.
ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وسمع من الشيخ موفق الدين، وابن المنى، وطائفة، وخدم الشيخ الفقيه اليونينى مدة.
قال القطب ابن اليونينى: سمع من حنبل، والكندى، وابن الزبيدى، ورحل إلى البلاد للسماع، وخدم والدى مدة، وقرأ عليه القرآن، واشتغل عليه، وحفظ «المقنع» وعرف الفرائض.
стр. 739
وكان ذا ديانة وافرة، وصدق، وأمانة، وتحرّ فى شهاداته وأقواله، وحدث بمسموعاته.
٤١٢ - عبد الجبار بن عبد الخالق
بن محمد بن أبى نصر بن عبد الله بن عبد الباقى بن عكبر الزاهد بن عبد الخالق بن محمد بن عبد الباقى بن أحمد بن منصور بن سالم بن تميم بن أبى نصر بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر ابن الخطاب. هكذا رأيت نسبه، وفيه نظر، والله أعلم، البغدادى، العكبرى، الفقيه المفسر الأصولى، الواعظ، جلال الدين أبو محمد.
ولد سنة تسع عشرة وستمائة ببغداد.
ونسبه الذهبى فى المشتبه: عبد الجبار بن عبد الخالق بن محمد بن عبد الباقى ابن عكبر بن مهلهل بن عكبر العكبرى، - بفتح العين - البغدادى، شيخ الحنابلة، وشيخ الواعظ فى زمانه، صنف التفسير وكتاب «إيقاظ الوعاظ» وكتاب «المقدمة فى أصول الفقه».
وسمع من ابن اللتى، والقاضى أبى صالح الجيلى، وأحمد بن يعقوب بن المارستانى، ومحمد بن أبى السهل الواسطى، وأحمد بن عمر القادسى، وغيرهم.
واشتغل بالفقه والأصول، والتفسير، والوعظ، وبرع فى ذلك، وله النظم والنثر، والتصانيف الكثيرة، منها: تفسير القرآن فى ثمان مجلدات، ودرس بالمستنصرية.
قال شيخنا بالإجازة صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، فى حقه:
شيخ الوعاظ ببغداد، ومتقدمهم. كان فى صباه خياطا، واشتغل بالطب مدة، ثم رتب فقيها بالمستنصرية، واشتغل بالفقه والتفسير، وطالع. وكان يجلس للوعظ بمجلس القاعوس بدرب الحب، ثم اختير فى أواخر زمن الخليفة للوعظ بباب بدر، تحت منظرة الخليفة، ولم يزل على ذلك إلى واقعة بغداد، واستؤسر فاشتراه بدر الدين صاحب الموصل، فحمله إلى الموصل فوعظ بها، ثم حدّره إلى
стр. 740
بغداد، فرتب مدرسا للحنابلة بالمدرسة المستنصرية، ولم يزل يعقد مجلس الوعظ فى الجمعات بجامع الخليفة إلى أن توفى، وله تفسير الكتاب الكريم، ومسائل خلاف، وأربعون حديثا تكلم عليها، وله مسموعات كثيرة ومجازات.
قلت: سمع منه جماعة، منهم: نسيبه نصير الدين أحمد بن عبد السلام ابن عكبر.
وروى عنه بالإجازة جماعة من شيوخنا، منهم: صفى الدين عبد المؤمن المذكور فى مشيخته. وقال: توفى يوم الاثنين سابع عشرين شعبان سنة إحدى وثمانين وستمائة، ودفن فى دويرة له مجاور مسجد ابن بورنداز. وكان يوما مشهودا، رحمه الله تعالى.
٤١٣ - عبد الله بن أبي بكر
بن أبى البدر محمد، الحربى البغدادى الفقيه، الفقير، الزاهد القدوة، بقية شيوخ العراق. ويعرف بكتيلة، ووجدت فى طبقته:
سماع أبيه أبى بكر بن أبى البدر من درة بنت الحلاوى. وأنه يعرف بكتيلة.
ولد الشيخ عبد الله سنة خمس وستمائة.
وسمع الحديث بدمشق من الحافظ الضياء المقدسى، وسليمان الأسعردى.
وأجاز له الشيخ موفق الدين. وتفقه فى المذهب ببغداد على القاضى أبى صالح.
وارتحل.
وتفقه بحران على الشيخ مجد الدين ابن تيمية، وابن تميم صاحب «المختصر» وبدمشق على الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، وغيره. وبمصر على أبى عبد الله ابن حمدان، ونقل عنهم فوائد، وشرح كتاب «الخرقى» وسماه «المهم» وله تصانيف أخر، منها: مجلد فى أصول الدين، سماه «العدة للشدة» وله مصنف فى السماع.
وحدث وسمع منه عبد الرزاق بن القوطى، وغيره.
وكان قدوة زاهدا عابدا ذا أحوال وكرامات. وكان أرباب الدولة وغيرهم
стр. 741
يعظمونه ويحترمونه، وله أتباع وأصحاب، وصحب الشيخ أحمد المهندز وغيره من الصالحين، وحكى عنه أبو عبد الله بن الدباهى الزاهد.
قال الذهبى: حدثنا ابن الدباهى عن الشيخ: أنه - مع جلالته - كان فى بعض الأوقات يترنم ويغنى لنفسه، وأنه كان فيه كيس وظرف وبشاشة، وقال: سمعته يقول: كنت على سطح ببغداد يوم عرفة، وأنا مستلق على ظهرى، قال: فما شعرت إلا وأنا واقف بعرفة مع الركب سويعة، ثم لم أشعر إلا وأنا على حالتى الأولى مستلق، قال: فلما قدم الركب جاءنى إنسان صارخا، فقال: يا سيدى، أنا قد حلفت بالطلاق: أنى رأيتك بعرفة العام، وقال لى واجد وجماعة: أنت واهم، الشيخ ما حج فى هذا العام، قال: فقلت له: امض، لم يقع عليك طلاق (١)
توفى ﵀ يوم الجمعة منتصف رمضان سنة إحدى وثمانين وستمائة ببغداد، ﵀، وهو فى عشر الثمانين.
٤١٤ - يوسف بن جامع
بن أبى البركات البغدادى القفصى الضرير، المقرئ، النحوى الفرضى، جمال الدين، أبو إسحاق.
ولد سابع رجب سنة ست وستمائة بالقفص، من قرى دجيل، من أعمال بغداد. وقرأ القرآن بالروايات على أبى عبد الله محمد بن سالم صاحب البطائحى، وعلى بن الحسين اليوسفى، صاحب أبى طالب العكبرى، وغيرهم.
وسمع الحديث من عمر بن عبد العزيز بن الناقد، وأخته تاج النساء عجيبة، وأجاز له عبد العزيز بن منينا، وريحان بن تيكان، وأبو منصور بن عفيجة،
стр. 742
والشرف الخالصى، وعبد اللطيف بن القبيطى، وزكريا العلثى، وطائفة.
وبرع فى العربية والقراءة والفرائض، وغير ذلك. وانتفع الناس به فى هذه العلوم. وصنف فيها التصانيف.
قال شيخنا بالإجازة صفى الدين عبد المؤمن فى مشيخته: شيخ عالم بالقراءة والعربية من مشايخ القراء. وصنف فى القراءات وغيرها. وله قصيدة فى التجويد وشروحه. وشرح كتاب «التلقين» لأبى البقاء العكبرى فى النحو. وله مصنفات غير ذلك.
قال إبراهيم الجعبرى: جمّاعة لعلوم القرآن. قرأت عليه «المصباح» فى القراءات. ورواة التذكرة. ووقف ابن الأنبارى، و «اللباب» عن مؤلفه أبى البقاء
ثم رحل إلى الشام، فقرأ على العلم المايوقى شرح «المفصل» و «الخرولية» و «الشاطبية» وصنف «الشافى» فى العشرة، وأرجوزة وغيرهما.
وقال أبو العلاء الفرضى فى معجمه: كان شيخا فقيها عالما، إماما فاضلا، مقرئا، عارفا بروايات السبعة والشواذ وعللها، جامعا للعلوم، وله فى ذلك تصانيف كثيرة.
وقال الشريف عزّ الدين الحافظ: متفنن، له معرفة باللغة العربية، ووجوه القراءات، وطرق القراء. وله فى ذلك تصانيف تدل على فضله.
وقال الذهبى فى تاريخه: كان مقرئ بغداد، عارفا باللغة والنحو، بصيرا بعلل القراءات، متصديا لإقرائها، ودخل دمشق ومصر، وسمع من شيوخها،
وقال فى الطبقات: كان عارفا باللغة والنحو، جم الفضائل، وكان لا يتقدمه أحد فى زمانه فى الإقراء. أخذ عنه على بن أحمد بن موسى الجزرى.
وسمع منه أبو العلاء الفرضى، وأحمد بن القلانسى.
وحدثنى البرازلى: أنه قدم دمشق فى الكهولة، وقرأ ختمة السبعة فى نحو ثمانية أيام على العلم القاسم بن أحمد، وإنما قصد اتصال طريق التيسير له، وإلا فشيوخه أسند من العلم.
стр. 743
قلت: أجاز لغير واحد من شيوخنا، كالعلم البرزالى، وعبد المؤمن بن عبد الحق، وعلى بن عبد الصمد.
وتوفى يوم الجمعة تاسع عشرين - أو يوم السبت سلخ صفر - سنة اثنين وثمانين وستمائة ببغداد، وصلّى عليه يوم السبت، ودفن بباب حرب رحمه الله تعالى.
٤١٥ - عبد الرحمن بن محمد
بن أحمد بن قدامة المقدسى، الجماعيلى الأصل الصالحى، الفقيه الامام، الزاهد الخطيب، قاضى القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين، أبو محمد، وأبو الفرج، ابن الشيخ أبى عمر.
ولد فى المحرم سنة سبع وتسعين وخمسمائة بالدير بسفح قاسيون.
وسمع من أبيه، وعمه الشيخ موفق الدين، وبإفادتهما من عمر بن طبرزد، وحنبل، وأبى اليمن الكندى، وأبى القاسم بن الحرستانى، وابن ملاعب، وجماعة. أو جاز له الصيدلانى، وابن الجوزى، وجماعة ثم سمع نفسه من أصحاب السلفى. وقرأ الناس على ابن الزبيدى، وابن اللتى وجماعة. وعنى بالحديث وكتب بخطه الأجزاء والطباق.
وتفقه على عمه شيخ الإسلام موفق الدين. وعرض عليه كتاب «المقنع» وشرحه عليه. وأذن له فى إقرائه، وإصلاح ما يرى أنه يحتاج إلى إصلاح فيه.
ثم شرحه بعده فى عشر مجلدات. واستمد فيه من «المغنى» لعمه.
وأخذ الأصول عن السيف الآمدى. ودرس وأفتى. وأقرأ العلم زمانا طويلا وانتفع به الناس، وانتهت إليه رياسة المذهب فى عصره، بل رياسة العلم فى زمانه.
وكان معظما عند الخاص والعام، عظيم الهيبة لدى الملوك وغيرهم، كثير الفضائل والمحاسن، متين الديانة والورع.
وقد جمع المحدث إسماعيل بن الخباز ترجمته وأخباره فى مائة وخمسين جزءا، وبالغ، وبقى كلما أثنى عليه بنعت من الفقه، أو الزهد، أو التواضع: سرد ما ورد
стр. 744
فى ذلك بأسانيده الطويلة الثقيلة، ثم تحول إلى ذكر شيوخه، فترجمهم، ثم إلى ذكر الإمام أحمد، فأورد سيرته ومحنته كلها، كما أوردها ابن الجوزى، ثم أورد السيرة النبوية، لكونه من أمة النبى ﷺ .
قال الحافظ الذهبى: وما رأيت سيرة عالم أطول منها أبدا.
وقال الذهبى فى معجم شيوخه، فى ترجمة الشيخ شمس الدين: شيخ الحنابلة، بل شيخ الإسلام، وفقيه الشام، وقدوة العباد، وفريد وقته. من اجتمعت الألسن على مدحه والثناء عليه. حدث نحوا من ستين سنة. وكتب عنه أبو الفتح ابن الحاجب.
وقال: سألت عنه الحافظ محمد بن عبد الواحد - يعنى الضياء - فقال: إمام عالم، خير دين.
قال الذهبى: وكان الشيخ محيى الدين - يعنى النووى - يقول: هذا أجل شيوخى.
وأول ما ولى: مشيخة دار الحديث سنة خمس وستين. حدث عنه بها فى حياته
قلت: وروى عنه الشيخ محيى الدين فى كتاب «الرخصة فى القيام» له.
وقال: حدثنا الشيخ الإمام العالم المتفق على إمامته وفضله وجلالته: الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ الإمام العالم، العامل الزاهد أبى عمر المقدسى رضى الله عنه.
قال الذهبى: وروى عنه أيضا الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم، وهو أكبر منه وأسند. وذكره فى تاريخه الكبير. وأطال ترجمته. وذكر فضائله وعبادته وأوراده، وكرمه ونفعه العام، وأنه حج ثلاث مرات. فكان آخرها: قد رأى النبى ﷺ فى المنام يطلبه، فحج ذلك العام.
وحضر الفتوحات، وأنه كان رقيق القلب، سريع الدمعة، كريم النفس، كثير الذكر لله، والقيام بالليل، محافظا على صلاة الضحى. ويصلى بين العشاءين ما تيسر، ويؤثر بما يأتيه من صلة الملوك وغيرهم. وكان متواضعا عند العامة،
стр. 745
مترفعا عند الملوك. وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والمحدثين وأهل الدين. وأوقع الله محبته فى قلوب الخلق. ولم يكن فى زمانه من يصلى أحسن منه، ولا أتم خشوعا.
وكان كثير الدعاء والابتهال، لا سيما فى الأماكن المرجو فيها الإجابة، وبعد قراءة آيات الحرس بالجامع بعد العشاء، كثير الاهتمام بأمور الناس، لا يكاد يعلم بمريض إلا افتقده، ولا مات أحد من أهل الجبل إلا شيعه.
وذكر فخر الدين البعلبكى: أنه منذ عرفه ما رآه غضب، وعرفه نحو خمسين سنة.
وقد ولى القضاء مدة تزيد على اثنى عشرة سنة، على كره منه. ولم يتناول معلوما ثم عزل نفسه فى آخر عمره. وبقى قضاء الحنابلة شاغرا مدة، حتى ولى ولده نجم الدين فى آخر حياة الشيخ. وكان الشيخ نزل فى ولايته للحكم على بهيمة إلى البلد.
وقد ذكر أبو شامة فى ذيله: ولاية الشيخ سنة أربع وستين، قال: جاء من مصر ثلاثة عهود بقضاء القضاة لثلاثة من القضاة: ابن عطاء، والزواوى، وابن أبى عمر. فلم يقبل المالكى والحنبلى، وقبل الحنفى. ثم ورد الأمر بإلزامها بذلك، وقيل: إن لم يقبلاها وإلا يؤخذ ما بأيديهما من الأوقاف. ففعلا، وامتنعا من أخذ جامكية، وقالا: نحن فى كفاية، فأعفيا منها.
وذكر الذهبى عن أبى إسحاق اللوزى المالكى - وكان شيخ المالكية، ومن أهل العلم والدين والحديث - أنه قال: كان شيخنا شيخ الإسلام شمس الدين قدوة الأنام، حسنة الأيام، ممن تفتخر به دمشق على سائر البلدان، بل يزهو به عصره على متقدم العصور والأزمان، لما جمع الله له من المناقب والفضائل التى أوجبت للأواخر الافتخار على الأوائل.
منها: التواضع، مع عظمته فى الصدور، وترك التنازع فيما يفضى إلى التشاجر والنفور، والاقتصاد فى كل ما يتعاطاه من جميع الأمور، لا عجرفة فى كلامه
стр. 746
ولا تقعر، ولا تعظم فى مشيته ولا تبختر، ولا شطط فى ملبسه ولا تكثر، ومع هذا فكانت له صدور المجالس والمحافل، وإلى قوله المنتهى فى الفصل بين العشائر والقبائل، مع ما أمده الله عليه من سعة العلم، وفطره عليه من الرأفة والحلم. وكان لا يوفر جانبه عمن قصده، قريبا كان أو أجنبيا. ولا يدخر شفاعته عمن اعتمده، مسلما كان أو ذميا. ينتاب بابه الأمراء والملوك. فيساوى فى إقباله عليهم بين المالك والملوك.
ولى الشيخ قضاء القضاة فى جمادى الأولى سنة أربع وستين على كره منه.
وكان الشيخ ﵀ رحمة على المسلمين، ولولاه لراحت أملاك الناس لما تعرض إليها السلطان. فقام فيها قيام المؤمنين وأثبتها لهم. وعاداه جماعة الحكام، وعملوا فى حقه المجهود. وتحدثوا فيه بما لا يليق. ونصره الله عليهم بحسن نيته. ويكفيه هذا عند الله.
وقال البرزالى فى تاريخه: كان الشيخ شيخ الوقت، وبركة العصر. ولى الحكم والخطابة، والمشيخة والتدريس مدة طويلة، ومراده خطابة الجبل ومشيخة دار الحديث الأشرفية به.
وقال اليونينى فى تاريخه: شيخ الإسلام، علما وزهدا وورعا، وديانة وأمانة، كبير القدر، جم الفضائل. انتهت إليه الرياسة فى الفقه على مذهب الإمام أحمد، وشرح كتاب «المقنع» لعمه الشيخ موفق الدين، وإن كان معظم الشرح مأخوذ من كلام عمه. وكانت له اليد الطولى فى معرفة الحديث، والأصول والنحو وغير ذلك من العلوم الشرعية، مع العبادة الكثيرة، والتواضع واللطف بكرم الأخلاق، ولين الجانب، والإحسان إلى القريب والبعيد، والاحتمال. وولى قضاء القضاة مكرها. وباشر ذلك مدة. ثم عزل نفسه، وامتنع من الحكم، وبقى متوفرا على العبادة والتدريس، وإشغال الطلبة والتصنيف. وكان أوحد زمانه فى تعدد الفضائل، والتفرد بالمحامد، ولم يكن له نظير فى خلقه ورياضته وما هو عليه،
стр. 747
وانتفع به خلق كثير. وكان على قدم السلف الصالح فى معظم أحواله.
اشتغل على الشيخ شمس الدين ﵀ خلق كثير.
وممن أخذ عنه العلم: الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والشيخ مجد الدين إسماعيل ابن محمد الحرانى، وكان يقول: ما رأيت بعينى مثله.
وحدث بالكثير. وخرج له أبو الحسن ابن اللبان مشيخة فى أحد عشر جزءا. وأخرج له الحافظ الحارثى أخرى. وحدث بهما.
وروى عنه خلق كثير من الأئمة والحفاظ، منهم: الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وأبو محمد الحارثى، وأبو الحسن بن العطار، والمزى، والبرزالى.
وحدثنا عنه جماعة، منهم: داود بن العطار أخو أبى الحسن، وأبو عبد الله ابن الخباز، وأحمد بن عبد الرحمن الحريرى، وغيرهم.
وتوفى ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ودفن من الغد عند والده بسفح قاسيون. وكانت جنازته مشهودة، حضرها أمم لا يحصون ويقال: إنه لم يسمع بمثلها من دهر طويل.
قال الذهبي: ورأيت وفاة الشيخ شمس الدين بن أبى عمر بخط شيخنا شيخ الإسلام تقى الدين بن تيمية. فمن ذلك: توفى شيخنا الإمام، سيد أهل الإسلام فى زمانه، وقطب فلك الأنام فى أوانه، وحيد الزمان حقا حقا، وفريد العصر صدقا صدقا، الجامع لأنواع المحاسن، والمعافى البرئ عن جميع النقائص والمساوى، القارن بين خلتى العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخلق والخلق، ذى الأخلاق الزكية، والأعمال المرضية، مع سلامة الصدر والطبع، واللطف والرفق، وحسن النية، وطيب الطوية، حتى إن كان المتعنت ليطلب له عيبا فيعوزه - إلى أن قال - وبكت عليه العيون بأسرها، وعم مصابه جميع الطوائف، وسائر الفرق. فأى دمع ما انسجم، وأى أصل ما جذم، وأى ركن ما هدم، وأى فضل ما عدم؟! يا له من خطب ما أعظمه، وأجل ما أقدره، ومصاب ما أقحمه؟ وأكبر ذكره.
стр. 748
وبالجملة: فقد كان الشيخ أوحد العصر فى أنواع الفضائل، بل هذا حكم مسلم من جميع الطوائف. وكان مصابه أجل من أن تحيط به العبارة، فرحمه الله ورضى عنه، وأسكنه بحبوحة جنته، ونفعنا بمحبته. إنه جواد كريم. انتهى.
وقد رثاه نحو ثلاثين شاعرا، منهم الشهاب محمود، وكان من تلامذته، فقال:
ما للوجود، وقد علاه ظلام؟ … أعراه خطب أم عداه مرام؟
أم قد أصيب بشمسه فقدا؟ وقد … لبست عليه حدادها الأيام
لم أدر: هل نبذ الظلام نجومه؟ … أم حل للفلك الأثير نظام؟
أترى درى صرف الردى لما رمى … أن المصاب بسهمه الإسلام؟
أو أنه ما خص بالسهم الذى … أصمى به دون العراق الشام
سهم تقصد واحدا فغدا وفى … كل القلوب لوقعه آلام
ما خلت أن يد المنون لها على … شمس المعارف والهدى إقدام
من كان يستسقى بغرة وجهه … إن عاد وجه الغيث وهو جهام
وتنير للسارى أسرّة فضله … فكأنما هى للهدى أعلام
كانت تطيب لنا الحياة بأنسه … وبقربه. فعلى الحياة سلام
كانت ليالينا بنور بقائه … فينا تضيء كأنها أيام
من للعلوم؟ وقد علت وغلت به … أضحت تسامى بعده وتسام
من للحديث؟ وكان حافظ سربه … من أن يضم إلى الصحاح سقام
وله إذا ذكر العلوم مراتب … تسمو فتقصر دونها الأوهام
يروى فيروى كل ذى ظمأ له … يحمى الحديث تعلق وهيام
من للقضايا المشكلات إذا نبت … عنها العقول وحارت الأفهام؟
هل للفتاوى من إذا وافى بها … قضى القضاء وجفت الأقلام؟
من للمنابر وهو فارسها الذى … تحيى القلوب به وهن رمام؟
وله إذا أمّ الدروس مواقف … مشهودة ما نالهن إمام
стр. 749
ولديه فى علم الكلام جواهر … غرر بحير بحسنها النظام
من للزمان؟ وكان طول حياته … لليل يحيى والهجير يصام
وذوو الحوائج ما أتوه لحادث … إلا ونالوا عنده ما راموا
وهى طويلة. ومما أفتى به الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، ونقلته من خطه فى رجل استأجر أرض قرية فى زمن الأمن، ثم وقع فيها الخوف من الإفرنج، وتعذر عليه زرع أكثر أراضيها بسبب الخوف: أنه يجوز له الفسخ بذلك. ووافقه عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعى. وهو أبو شامة، وكذلك على الشافعى، ولا أعرف من هو.
وأفتى أيضا فى وقف على جماعة مقربين فى قرية، حصل لهم حاصل من فعل القرية، فطلبوا أن يأخذوا ما استحقوه عن الماضى - وهو سنة خمس مثلا - فهل يصرف إليهم الناظر بحساب سنة خمس الهلالية، أو بحساب سنة المغل؟ مع أنه قد نزل بعد هؤلاء المتقدمين جماعة، وشاركوهم فى حساب سنة المغل، فإن أخذ أولئك على حساب السنة الهلالية لم يبق للمتأخرين إلا شئ يسير.
أجاب هو، وأبو شامة، وابن رزين الشافعى، وسليمان الحنفى: لا يحسب إلا بسنة المغل دون الهلالية.
٤١٦ - عبد الحليم بن عبد السلام
بن عبد الله بن أبى القاسم بن محمد ابن الخضر ابن تيمية الحرانى، نزيل دمشق، الشيخ شهاب الدين أبو المحاسن، وأبو أحمد بن الشيخ مجد الدين أبى البركات، وقد سبق ذكر أبيه، وهو والد شيخ الإسلام تقى الدين أبى العباس.
ولد سنة سبع وعشرين وستمائة بحران.
وسمع من والده وغيره. ورحل فى صغره إلى حلب، وسمع بها من ابن اللتى وابن رواحة، ويوسف بن خليل، ويعيش النحوى. وقرأ العلم على والده، وتفنن فى الفضائل.
стр. 750
قال الذهبى: قرأ المذهب حتى أتقنه على والده، ودرس وأفتى وصنف، وصار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبه وحاكمه. وكان إماما محققا لما ينقله، كثير الفوائد، جيد المشاركة فى العلوم، له يد طولى فى الفرائض، والحساب والهيئة، وكان دينا متواضعا، حسن الأخلاق جوادا، من حسنات العصر، تفقه عليه ولداه: أبو العباس، وأبو محمد، وحدثنا عنه على المنبر ولده، وكان قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه مهاجرا سنة سبع وستين.
قال: وكان الشيخ شهاب الدين من أنجم الهدى. وإنما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس، يشير إلى أبيه وابنه، فإن فضائله وعلومه انغمرت بين فضائلهما وعلومهما.
وقال البرزالى: كان من أعيان الحنابلة، عنده فضائل وفنون، وباشر بدمشق مشيخة دار الحديث السكرية بالقضاعيين، وبها كان يسكن. وكان له كرسى بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه، ولما توفى خلفه فيها ولده أبو العباس
وله تعاليق وفوائد، وصنف فى علوم عديدة.
توفى ﵀ ليلة الأحد، سلخ ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ودفن بدمشق من الغد بسفح قاسيون.
٤١٧ - مظفر بن أبى بكر
بن مظفر بن على الجوسقى، ثم البغدادى، الفقيه الأصولى النظار، تقى الدين أبو الميامن. ويعرف بالحاج.
ولد فى مستهل رجب سنة ثلاث عشرة وستمائة.
وسمع من أبى الفضل محمد بن محمد بن الحسن السباك.
وتفقه وبرع فى المذهب والخلاف والأصول، وناظر وأفتى، ودرس بالمدرسة البشيرية لطائفة الحنابلة. وكان من أعيان الفقهاء وأئمة المذهب.
قال عبد الرزاق بن الفوطى: سمعت شيخنا الإمام أبا حامد محمد بن المطرزى - لما قدم من بغداد إلى مراغة، وقد سئل عمن بقى ببغداد من الأئمة؟ - فقال: لم
стр. 751
أعرف بها فاضلا فقيها عالما بالأصول والفروع، غير تقى الدين الجوسقى. قال:
وكفاك شهادة مثل هذا الكامل لهذا الفاضل.
وحدث. وسمع منه القلانسى، والفرضى. وأجاز لشيخنا على بن عبد الصمد.
وتوفى فى آخر نهار السبت رابع عشرين ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وصلّى عليه من الغد بالبشيرية. ودفن بحضرة قبر الإمام أحمد إلى جانب الشيخ عبد الصمد. رحمهم الله تعالى.
٤١٨ - محمد بن عبد الولى
بن جبارة بن عبد الولى المقدسى، الفقيه تقى الدين.
سمع بدمشق من أبى القاسم بن صصرى وغيره، وببغداد من أبى الحسن القطيعى وطبقته. وكان فاضلا متقنا صالحا. وهو والد الشيخ شهاب الدين أحمد ابن جبارة الآتى ذكره إن شاء الله تعالى.
توفى فى ذى الحجة سنة ثلاث وثمانين وستمائة بسفح قاسيون. ودفن به رحمه الله تعالى.
٤١٩ - عبيد الله بن محمد
بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الفقيه شمس الدين.
ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة.
وسمع من كريمة القرشية، وغيرها. وتفقه وبرع فى المذهب، وأفتى ودرس.
قال اليونينى فى تاريخه: كان من الفضلاء، الصلحاء الأخيار. سمع الكثير، وكتب بخطه. وشرع فى تأليف كتاب فى الحديث مرتبا على أبواب الفقه، ولو تم لكان نافعا.
ورأى بعض الصلحاء فى جبل الصالحية النبى ﷺ فى المنام، وقد جاء إلى الجبل، فقال له الرائى: يا رسول الله، فيم جئت إلى هنا؟ فقال: جئنا نقبس عبيد الله من نورنا.
стр. 752
وكان شيخنا شمس الدين عبد الرحمن - يعنى ابن أبى عمر - يحبه كثيرا، ويفضله على سائر أهله. وكان أهلا لذلك: ولقد كان من حسنات المقادسة، كثير الكرم والخدمة والتواضع، والسعى فى قضاء حوائج الإخوان والأصحاب.
توفى يوم الاثنين ثامن عشر شعبان سنة أربع وثمانين وستمائة، بقرية جماعيل، من عمل نابلس، ودفن بها. رحمه الله تعالى.
وفى جمادى الأولى من السنة المذكورة توفى: -
٤٢٠ - إسماعيل بن إبراهيم
بن على الفراء الصالحى بالسفح.
وكان صالحا، زاهدا ورعا، ذا كرامات ظاهرة، وأخلاق طاهرة، ومعاملات باطنة. صحب الشيخ الفقيه اليونينى.
وكان يقال: إنه يعرف الاسم الأعظم، رحمه الله تعالى.
٤٢١ - عبد الرحمن بن عمر
بن أبى القاسم بن على بن عثمان البصرى، الفقيه الضرير، الإمام نور الدين أبو طالب. نزيل بغداد.
ولد يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة بناحية عبدليان، من قرى البصرة.
وحفظ القرآن بالبصرة سنة إحدى وثلاثين على الشيخ حسن بن دويرة المذكور.
وقدم بغداد. وسكن بمدرسة أبى حكيم، وحفظ بها كتاب «الهداية» لأبى الخطاب، وجعل فقيها بالمستنصرية، ولازم الاشتغال حتى أذن له فى الفتوى سنة ثمان وأربعين.
وسمع ببغداد من أبى بكر الخازن، ومحمد بن على بن أبى السهل، والصاحب أبى محمد بن الجوزى، وغيرهم.
وسمع من الشيخ مجد الدين بن تيمية أحكامه، وكتابه «المحرر» فى الفقه. وكان بارعا فى الفقه. وله معرفة فى الحديث والتفسير.
стр. 753
ولما توفى شيخه ابن دويره بالبصرة ولى التدريس بمدرسة شيخه، وخلع عليه ببغداد خلعة، وألبس الطرحة السوداء فى خلافة المستعصم سنة اثنين وخمسين.
وذكر ابن الساعى: أنه لم يلبس الطرحة أعمى بعد أبى طالب بن الحنبلى سوى الشيخ نور الدين هذا. ثم بعد واقعة بغداد: طلب إليها ليولى تدريس الحنابلة بالمستنصرية، فلم يتفق. وتقدم الشيخ جلال الدين بن عكبر - الذى سبق ذكره - فرتب الشيخ نور الدين مدرسا بالبشيرية. فلما توفى ابن عكبر المذكور نقل إلى تدريس المستنصرية فى شوال سنة إحدى وثمانين.
وله تصانيف عديدة، منها: كتاب «جامع العلوم فى تفسير كتاب الله الحى القيوم» كتاب «الحاوى» فى الفقه، فى مجلدين «الكافى» فى شرح الخرقى «الواضح» فى شرح الخرقى، «الشافى» فى المذهب «مشكل كتاب الشهادات» طريقه فى الخلاف يحتوى على عشرين مسألة.
تفقه عليه جماعة، منهم: الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، وسمع منه. وكان يكتب عنه فى الفتاوى، ثم أذن له فكتب عن نفسه، وقال عنه: كان شيخنا من العلماء المجتهدين، والفقهاء المنفردين.
وروى عنه جماعة من شيوخنا بالإجازة. وكانت له فطنة عظيمة، وبادرة عجيبة.
أنبأنى محمد بن إبراهيم الخالدى - وكان ملازما للشيخ نور الدين حتى زوجه الشيخ ابنته - قال: عقد مرة مجلس بالمستنصرية للمظالم، وحضر فيه الأعيان، فاتفق جلوس الشيخ إلى جانب بهاء الدين بن الفخر عيسى، كاتب ديوان الإنشاء، وتكلم الجماعة. فبرز الشيخ نور الدين عليهم بالبحث، ورجع إلى قوله، فقال له ابن الفخر عيسى: من أين الشيخ؟ قال: من البصرة. قال:
والمذهب؟ قال: حنبلى. قال: عجبا! بصرى حنبلى؟ فقال الشيخ: هنا أعجب
стр. 754
من هذا: كردى رافضى. فخجل ابن الفخر عيسى وسكت. وكان كرديا رافضيا.
والرفض فى الأكراد معدوم أو نادر.
توفى الشيخ نور الدين ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة أربع وثمانين وستمائة.
ودفن فى دكة القبور بين يدى قبر الإمام أحمد رضى الله عنه.
ومن فوائده: أنه اختار: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان قليلا.
وفاقا للامام. وأن الترتيب يجب فى التيمم إذا تيمم بضربتين، ولا يجب إذا تيمم بواحدة. وأن الريق يطهر أفواه الحيوانات والولدان. وأن بنى هاشم يجوز لهم أخذ الزكاة إذا منعوا حقهم من الخمس.
وحكى فى جواز التيمم لصلاة العيد إذا خيف فواتها روايتين.
٤٢٢ - عبد الرحيم بن محمد
بن أحمد بن فارس بن راضى بن الزجاج العلثى، ثم البغدادى، الفقيه، المحدث الزاهد الأثرى، عفيف الدين أبو محمد، أحد مشايخ العراق.
ولد فى ربيع الأول سنة اثنتى عشرة وستمائة بالمأمونية ببغداد.
وسمع من عبد السلام بن يوسف العبرتى، من أصحاب ابن ناصر، والفتح ابن عبد السلام، وأحمد بن صرما، وعلى بن بورنداز، والقطيعى، وابن روزبة وابن اللتي، والكاشغرى، وابن الخازن، ونصر بن عبد الرزاق القاضى، وابن القبيطى، وابن السباك، والمبارك بن بيبا، وأحمد بن الشاذلى، وغيرهم.
وسمع بماردين من النشتبرى، وأجاز له من دمشق أبو القاسم بن الحرستاني والافتخار الهاشمى وجماعة، وعنى بالحديث أتم عناية، وقرأ بنفسه الكثير، والعالى والنازل، وسمع الناس بقراءته، وكتب بخطه الكثير.
قال أبو العلاء الفرضى: كان شيخنا عالما، فقيها محدثا، مكثرا مفيدا، زاهدا عابدا، من بيت الحديث، تابعا للسنة، شديدا على المبتدعة، ملازما لقراءة القرآن والعبادة.
стр. 755
وقال محب الدين محمد بن عمر خطيب غرناطة - وقد سمع منه - فقيه، نحوى، لغوى، مفت، وأثنى عليه كثيرا.
قال شيخنا - بالإجازة - صفى الدين عبد المؤمن: كان شيخا جليلا، عالما، عارفا من أجل شيوخ الحديث، ملتزما بالسنة، زاهدا ذا فضل وورع، وأدب وعلم.
وقال البرزالى عنه: محدث بغداد فى وقته؛ موصوف باتباع السنة ونصرها، والذّبّ عنها.
قال الذهبى: وله أتباع وأصحاب، يقومون فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حدث بالكثير ببغداد وبدمشق.
سمع منه بدمشق الكبار، كالشيخ على بن النفيس الموصلى، ومحمود الأرموى، والمزى، والبرزالى، والشيخ تقى الدين ابن تيمية، وغيرهم.
وببغداد خلق؛ منهم: إبراهيم الجعبرى، والفرضى، وابن الغوطى، وشيخنا على بن عبد الصمد.
حدثنا عنه ببغداد العفيف محمد بن السابق. شيخ المستنصرية. وبدمشق محمد بن الخباز.
وتوفى بطريق مكة الشامى، بذات عرق - عند عوده من الحج - يوم الجمعة وقت الصلاة سابع عشر المحرم سنة خمس وثمانين وستمائة.
وحكى عنه: أنه لما مر على الوادى المذكور متوجها إلى مكة - شرفها الله تعالى - من دمشق رأى قبور جماعة ماتوا هناك من قبل، فقرأ واستغفر لهم، وقال: طوبى لمن دفن معكم، فتوفى لما عاد، ودفن معهم، رحمه الله تعالى.
٤٢٣ - خليل بن أبى بكر
بن صديق المراغى، المقرئ الفقيه، الأصولى القاضى، صفى الدين أبو الصفاء، نزيل مصر.
ولد بمراغة سنة بضع وتسعين وخمسمائة.
стр. 756
وقدم دمشق وله نحو عشرين سنة، فقرأ بها القرآن بالعشرة على ابن تاسونة.
وهو آخر من بقى من أصحابه.
وسمع بها من ابن الحرستانى بعض مشيخته، ولم يظهر ذلك.
وسمع من أبى الفتوح البكرى، وابن ملاعب، والعطار، والشيخ موفق الدين، وموسى بن عبد القادر، والشيخ العماد، وابن أبى لقمة، وابن البنى والقزوينى، وابن صصرى، والزبيدى، وابن الصباح، وغيرهم.
وتفقه على الشيخ موفق الدين، وبرع وأفتى.
وقرأ أصول الفقه على السيف الآمدى ولازمه، وأقام بدمشق مدة، ثم توجه إلى الديار المصرية، فأقام بها إلى أن مات، وناب فى القضاء بالقاهرة، فحمدت طرائقه، وشكرت خلائقه.
قال الذهبى: كان مجموع الفضائل، كثير المناقب، متين الديانة، عارفا بالقرآن بعض المعرفة، صحيح الأخذ، بصير بالمذهب، عالما بالخلاف والطب
قرأ عليه بالروايات: بدر الدين بن الجوهرى، وأبو بكر الجعبرى، وجماعة من البصريين.
وسمع منه ابن الظاهرى، وابنه أبو عمر، والقاضى أبو محمد الحارثى، والحافظ المزى، وأبو حيان، والحافظ عبد الكريم بن منبر، وخلق سواهم.
وخرج له الحارثى مشيخة، سمعها منه أبو الحسن محمد بن نباتة.
وقال اليونينى: كان فاضلا، عارفا بالمذهب.
توفى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة سنة خمس وثمانين وستمائة بالقاهرة.
ودفن من الغد بمقابر باب النصر. رحمه الله تعالى.
وفى رجب من هذه السنة توفى الشيخ: -
٤٢٤ - موفق الدين أبو الحسن
على بن الحسين بن يوسف بن الصياد المقرئ الفقيه الحنبلى، المعدل ببغداد، ببعض أعمالها، وكان أحد المعيدين بالمستنصرية.
стр. 757
حدث عن ابن اللتى، وأجاز لجماعة من شيوخنا، وأبو العباس أحمد بن سنان ابن تغلب، المؤدب الصالحى الكاتب، أحد المسندين فى صفر بفاسيون.
روى عن حنبل، وابن طبرزد، والكندى، والطبقة، وله نظم جيد، وكذلك كان أبوه.
وفى آخر السنة توفى: -
٤٢٥ - أبو الفضل محمد بن محمد
بن على بن الزيات البابصرى البغدادى الواعظ، أحد شيوخ بغداد المسندين.
حدث عن ابن صرما، والمبارك بن أبى الجود، والفتح بن عبد السلام، وغيرهم.
وسمع منه خلق كثير، منهم الفرضى.
قال: وكان عالما زاهدا، عارفا، ثقة عدلا، مسندا، من بيت الحديث والزهد. وعظ فى شبابه، ثم ترك.
وفى جمادى الأولى من السنة توفى: -
٤٢٦ - القاضى جلال الدين
أبو إسحاق إسماعيل بن جمعة بن عبد الرزاق قاضى سامرّا.
وكان فاضلا أدبيا، له نظم حسن.
سمع من الشيخ جمال الدين عبد الرحمن بن طلحة بن غامم العلثي «فضائل القدس» لابن الجوزى بسماعه منه، وأجاز لغير واحد من أشياخنا.
٤٢٧ - أحمد بن أحمد
بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الصالحى الفقيه، الزاهد الفرضى، شرف الدين أبو العباس.
ولد فى رابع عشر المحرم سنة أربع عشرة وستمائة.
وسمع من الشيخ موفق الدين - وهو جده لأمه، وعم أبيه - ومن البهاء عبد الرحمن، وابن أبى لقمة، ومن ابن اللتى، وابن صصرى، والحسين بن
стр. 758
الزبيدى. وحضر على موسى بن عبد القادر. وأجاز له ابن الحرستانى، وجماعة.
وتفقه على التقى ابن العز.
وكان شيخا صالحا، زاهدا عابدا، ذا عفة وقناعة باليسير. وله معرفة بالفرائض، والجبر والمقابلة. وله حلقه بالجامع المظفرى، يشتغل بها احتسابا بغير معلوم، وانتفع به جماعة. حدث. روى عنه جماعة.
توفى ليلة الثلاثاء خامس المحرم سنة سبع وثمانين وستمائة. ودفن من الغد عند جده الشيخ موفق الدين بالروضة بالجبل. رحمه الله تعالى.
٤٢٨ - عبد الرحمن بن يوسف
بن محمد بن نصر البعلى، الفقيه المحدث الزاهد، فخر الدين أبو محمد.
ولد سنة إحدى عشرة وستمائة ببعلبك.
وقرأ القرآن على خاله صدر الدين عبد الرحيم بن نصر قاضى بعلبك.
وسمع الحديث من أبى المجد القزوينى، والبهاء المقدسى، وابن اللتى، والناصح بن الحنبلى، ومكرم بن أبى الصقر، وغيرهم.
وتفقه على تقى الدين أحمد بن العزوانى سليمان بن عبد الرحمن بن الحافظ، وشمس الدين عمر بن المنجى. وحفظ «علوم الحديث» وعرضه من حفظه على مؤلفه الحافظ تقى الدين بن الصلاح. وقرأ الأصول وشيئا من الخلاف على السيف الآمدى، والقاضى نجم الدين بن راجح اللذين انتقلا إلى مذهب الشافعى.
وقرأ النحو على أبى عمرو بن الحاجب، ثم على مجد الدين بن الأربلى الحنبلى. وصحب الشيخ الفقيه اليونينى، وإبراهيم البطائحى، والنووى، وغيرهم.
وكان الشيخ الفقيه يحبه، ويقدمه على أولاده، حتى جعله إماما لمسجد الحنابلة إلى أن انتقل إلى دمشق. ودرس بدمشق بالجوزية نيابة عن القاضى نجم الدين ابن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، وبالصدرية والمسمارية نيابة عن بنى المنجى.
وباشر حلقة الجامع. وولى مشيخة الحديث بمشهد عروة، وبدار الحديث النورية وبالصدرية. وتخرج به جماعة من الفقهاء.
стр. 759
وكان دائم البشر، يحب الخمول ويؤثره، ويلازم قيام الليل من الثلث الآخر، ويتلو بين العشائين، ويصوم الأيام البيض، وستا من شوال، وعشر ذى الحجة والمحرم. ولا يخل بذلك. ذكر ذلك كله ولده الشيخ عزّ الدين.
قال: ولقد أخبر بأشياء، فوقعت كما قال لخلائق. وذلك مشهور عند من يعرفه. ولقد قال لى فى صحته وعافيته: أنا أعيش عمر الإمام أحمد، لكن شتان ما بينى وبينه، فكان كما قال. وقال لى: يا بنى، تنزهت عن الأوقاف، إذ كان يمكننى. وكان لى شئ، فلما احتجت تناولت منها.
وقال ابن اليونينى: كان رجلا صالحا زاهدا، فاضلا عابدا، وهو من أصحاب والدى، اشتغل عليه، وقدمه يصلى به فى مسجد الحنابلة، رافقته فى طريق مكة، فرأيته قليل المثل فى ديانته وتعبده، وحسن أوصافه، وكان من خيار الشيوخ علما وعملا، وصلاحا وتواضعا، وسلامة صدر، وحسن سمت، وصفاء قلب، وتلاوة قرآن وذكر. وكان أحد عباد الله الصالحين، ثم ذكر نحوا مما قال ولده، وقال: حدث بالكثير. وسمع منه جماعة من الأئمة والحفاظ.
وقال البرزالى: كان من خيار المسلمين، وكبار الصالحين.
توفى ليلة الأربعاء سابع رجب سنة ثمان وثمانين وستمائة بدمشق. ودفن من الغد بالقرب من قبر الشيخ موفق الدين بروضة الجبل. رحمه الله تعالى.
٤٢٩ - محمد بن عبد الرحيم
بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدى المقدسى، الصالحى، المحدث، الزاهد القدوة، شمس الدين، أبو عبد الله بن الكمال وهو ابن أخى الحافظ الضياء.
ولد فى ليلة الخميس حادى عشر ذى الحجة سنة سبع وستمائة بقاسيون. وحضر على ابن الحرستانى، والكندى.
وسمع من ابن ملاعب، وابن أبى لقمة، والشيخ موفق الدين، وابن البنى،
стр. 760
والقزوينى، وموسى بن عبد القادر، وابن صباح، وابن الزبيدى، وابن اللتى، وخلق كثير.
وقيل: إنه سمع ببغداد من المهذب ابن منده، وتحقق ذلك. ولازم عمه الحافظ الضياء، وتخرج به. وكتب الكثير بخطه. وخرج وانتخب، وقرأ على الشيوخ، وعني بالحديث، وتمم تصنيف «الأحكام» الذى جمعه عمه الحافظ ضياء الدين وخرج غير ذلك من الأجزاء والتخاريج، منها كتاب «فضل العيدين».
وكان يدرس الفقه بمدرسة عمه الشيخ ضياء الدين، وشيخ الحديث أيضا بها وبدار الحديث الأشرفية بالسفح، وكان للطلبة عليه مواعيد يعلمهم فيها قراءة الحديث ويفيدهم، ويرد عليهم الغلط. انتفع به جماعة.
قال الذهبى: كان إماما فقيها، محدثا زاهدا عابدا، كثير الخير، له قدم راسخ فى التقوى، ووقع فى النفوس.
وقال اليونينى: كان صالحا زاهدا عابدا، متقللا من الدنيا. وعنده فضيلة.
وكان من سادات الشيوخ علما وعملا، وصلاحا وعبادة.
وحكى لى عنه: أنه كان يحضر مكانا فى جبل الصالحية لبعض شأنه، فوجد جرة مملوءة دنانير، وكانت زوجته معه تعينه فى الحفر، فاسترجع وطم المكان كما كان أولا، وقال لزوجته: هذه فتنة، ولعل لها مستحقين لا نعرفهم، وعاهدها على أنها لا تشعر بذلك أحدا، ولا تتعرض إليه. وكانت صالحة مثله، فتركا ذلك تورعا مع فقرهما وحاجتهما. وهذا غاية الورع والزهد. رحمهما الله تعالى.
حدث ﵀ بالكثير نحوا من أربعين سنة. وسمع منه خلق كثير.
وروى عنه جماعة من الأكابر.
وحدثنا عنه جماعة، منهم: ابن الخباز، وعبد الله بن محمد بن قيم الضيائية، وأحمد الحريرى، وأبو الفضل بن الحموى، وعمر بن عثمان بن سالم المقدسى.
وتوفى بعد عشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء تاسع جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين
стр. 761
وستمائة بمنزله بمدرسة عمه أبى عمر بالجبل. ودفن من الغد عند الشيخ موفق الدين بالروضة. رحمه الله تعالى.
٤٣٠ - أحمد بن عبد الرحمن
بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الصالحى، قاضى القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين أبى محمد، ابن الشيخ أبى عمر، وقد سبق ذكر أبيه وجده.
ولد فى شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة.
وسمع الحديث ولم يبلغ أوان الرواية. وتفقه على والده. وولى القضاء فى حياة والده بإشارته.
قال البرزالى: كان خطيب الجبل، وقاضى القضاة، ومدرس أكثر المدارس وشيخ الحنابلة، وكان فقيها فاضلا، سريع الحفظ، جيد الفهم، كثير المكارم شهما شجاعا، ولى القضاء ولم يبلغ ثلاثين سنة، فقام به أتم قيام.
وقال اليونينى: كانت له الخطابة بالجامع المظفرى، والإمامة بحلقة الحنابلة بجامع دمشق، ونظر أوقاف الحنابلة. وكان مشكور السيرة فى ولايته، وعنده معرفة بالأحكام، وفقه نفيس، وفضيلة ومشاركة فى كثير من العلوم من غير استقلال، وكان يركب الخيل، ويلبس السلاح، ويحضر الغزوات. وحج مرارا
وقال غيره: ودرس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، وشهد فتح طرابلس مع السلطان الملك المنصور. وكان شابا مليحا مهيبا، تام الشكل بدينا، ليس له من اللحية إلا شعيرات يسيرة، وكان مليح السيرة، ذكيا مليح الدروس، له قدرة على الحفظ، ومشاركة جيدة فى العلوم، وله شعر جيد، فمنه:
آيات كتب الغرام أدرسها … وعبرتى لا أطيق أحبسها
لبست ثوب الضنى على جسدى … وحلة الصبر لست ألبسها
وشادن ما رمى بمقلته … إلا سبى العالمين نرجسها
فوجهه جنة مزخرفة … لكن بنبل الجفون يحرسها
стр. 762
وريقه خمرة معتقة … دارت علينا من فيه أكؤسها
يا قمرا أصبحت ملاحته … لا يعتريها عيب يدنسها
صل هائما إن جرت مدامعه … تلحقها زفرة تيبسها
توفى يوم الثلاثاء ثانى عشر جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة، بمنزله بقاسيون. وصلّى عليه ضحوة يوم الأربعاء خارج جامع الجبل، وحضره نائب السلطنة والأمراء والقضاة والأعيان، ودفن عند أبيه وجده، رحمهما الله تعالى وكان عمره ثمانية وثلاثين سنة.
٤٣١ - عبد الرحمن بن أحمد
بن عبد الملك بن عثمان بن عبد الله بن سعد ابن مفلح بن هبة الله بن نمير المقدسى، ثم الصالحى، المحدث الزاهد، شمس الدين أبو الفرج ابن الزين.
ولد فى ذى القعدة سنة ست وستمائة بقاسيون.
وسمع بدمشق من الكندى، وابن الحرستانى، وابن مندويه، حضورا وسماعا من ابن البناء، وابن الجلاجلى، وابن ملاعب، والشيخ موفق الدين، وجماعة.
وببغداد من الفتح بن عبد السلام، والداهرى، والعلثى، والسهروردى، والحسن بن الجواليقى، وابن بورانداز، وغيرهم.
وسمع بحلب وحران والموصل، وعنى بالسماع. وكتب بخطه، وأثبت لنفسه وله إجازة من أسعد بن روح، وعائشة بنت الفاخر، وزاهر الثقفى، وغيرهم.
قال الذهبى: كان فقيها زاهدا، ثقة نبيلا.
وقال أيضا: كان من أولى العلم والعمل، والصدق والورع. وحدث بالكثير وأكثر عنه ابن نفيس، والمزى، والبرزالى، وحدثنى عنه جماعة.
وتوفى يوم الاثنين تاسع عشرين ذى القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، بالسفح، ودفن من يومه بالقرب من قبر الشيخ أبى عمر، ﵀.
стр. 763
وفى هذه السنة - أعنى سنة تسع وثمانين - توفى من أصحابنا: الشيخ شمس الدين أبو الفضائل: -
٤٣٢ - محمد بن عبد الرزاق
بن رزق الله الرسعنى، وقد سبق ذكر أبيه.
وكان ابنه هذا فقيها شاعرا، أديبا معدلا.
حدث عن ابن روزبة، وابن القبيطى، وغيرهم.
وذكر أبوه فى تفسير غير مرة: أنه كان يسأله عن غوامض فى التفسير، ويتكلم فيه بكلام جيد.
غرق بنهر الشريعة من الغور فى جمادى الآخرة من هذه السنة.
وكان أحد الشهود بدمشق، ويؤم بمسجد الرماحين. ومن شعره:
ولو أن إنسانا يبلغ لوعتى … ووجدى وأشجانى إلى ذلك الرشا
لأسكنته عينى، ولم أرضها له … ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا
وله:
أآيس من بر، وجودك واصل … إلى كل مخلوق، وأنت كريم؟
وأجزع من ذنب، وعفوك شامل … لكل الورى طرا، وأنت رحيم؟
وأجهد فى تدبير حالى جهالة … وأنت بتدبير الأنام حكيم؟
وأشكو إلى نعماك ذلى وحاجتى … وأنت بحالى يا عزيز عليم؟
وتوفى فى هذه السنة أيضا: -
٤٣٣ - شمس الدين أبو عبد الله
محمد بن عون الدين يحيى بن شمس الدين على بن عزّ الدين محمد بن الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، نزيل بلبيس، بها، وكان ناظرا على ديوانها.
حدث عن الداهرى، ونصر بن عبد الرزاق. وابن اللتى.
سمع منه الحارثى، والمزى، والقطب عبد الكريم، والبرزالى، والفرضى، وغيرهم. وكان فاضلا. وله شعر حسن.
стр. 764
٤٣٤ - [¬*] على بن أحمد
بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدى، المقدسى الصالحى، الفقيه المحدث المعمر، سند الوقت، فخر الدين أبو الحسن، ابن الشيخ شمس الدين البخارى، وقد سبق ذكر أبيه، وعمه الحافظ الضياء.
ولد فى آخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة، أو أول سنة ست وسبعين.
سمع بدمشق من ابن طبرزد، وحنبل، وأبى المحاسن بن كامل، وأبى اليمن الكندى، وابن الحرستانى، وابن الدنف، والخضر بن كامل، وابن ملاعب، وهبة الله بن طاوس، وأبى الفضل بن سيدهم، وأبى المعالى بن المنجى، وأخيه عبد الوهاب، والشيخ موفق الدين، وأخيه أبى عمر، وغيرهم.
وسمع بالقدس: من أبى على الأوقى، وبمصر: من أبى البركات بن الحباب، وأبى عبد الله بن الرداد، وبالإسكندرية: من جعفر الهمدانى، وظافر بن سحم، وابن رواح، وبحلب من ابن خليل الحافظ، وبحمص: من أبيه الشمس البخارى الفقيه، وببغداد: من عبد السلام الداهرى، وعمر بن كرم. وتفرد بالرواية عن جماعة منهم، وقرأ بنفسه.
وسمع كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء. واستجاز له عمه الحافظ الضياء من خلق، منهم: أبو المكارم اللبان، وأبو جعفر الصيدلانى، والكرانى، وعفيفة الفارقانية، وأبو سعد الصفار، وأسعد العجلى، وعبد الواحد الصيدلاني، وأبو طاهر الخشوعى، وأبو الفرج بن الجوزى، والمبارك بن المعطوش، وهبة الله ابن السبط وغيرهم. وتفرد فى الدنيا بالرواية العالية.
وتفقه على الشيخ موفق الدين، وقرأ عليه المقنع، وأذن له فى إقرائه، وقرأ مقدمة فى النحو، وصار محدث الإسلام وروايته، روى الحديث فوق ستين سنة وسمع منه الأئمة الحفاظ المتقدمون، وقد ماتوا قبله بدهر، وخرج له عمه الحافظ ضياء الدين جزءا من عواليه، وحدث كثيرا، سمعنا من أصحابه.
стр. 765
وذكر عمر بن الحاجب فى معجم شيوخه، فقال: تفقه على والده، وعلى الشيخ موفق الدين، قال: وهو فاضل، كريم النفس، كيس الأخلاق، حسن الوجه، فاض للحاجة، كثير التعصب، محمود السيرة، سألت عمه الشيخ ضياء الدين عنه؟ فأثنى عليه، ووصفه بالخلق الجميل، والمروءة التامة.
وقال الفرضى فى معجمه: كان شيخا عالما فقيها، زاهدا عابدا، مسندا مكثرا، وقورا، صبورا على قراءة الحديث، مكرما للطلبة، ملازما لبيته، مواظبا على العبادة، ألحق الأحفاد بالأجداد، وحدث نحوا من ستين سنة، وتفرد بالرواية عن شيوخ كثيرة.
وقال الشيخ تاج الدين الفراوى فى تاريخه: انتهت إليه الرياسة فى الرواية، وقصده المحدثون من الأقطار.
وقال الحافظ البرزالى: كان يحفظ كثيرا من الأحاديث وألفاظها المشكلة، وكثيرا من الحكايات والنوادر، ويرد على من يقرأ عليه مواضع، يدل رده على فضل ومطالعة ومعرفة، سألت ابن عبد القوى عنه؟ وعن ابن عبد الدائم؟ فرجح فضيلته على فضيلة ابن عبد الدائم.
وقال الذهبى: كان فقيها عارفا بالمذهب، فصيحا، صادق اللهجة. يرد على الطلبة، مع الورع والتقوى، والسكينة والجلالة.
وقال أيضا: كان فقيها إماما فاضلا، أديبا زاهدا صالحا خيّرا، عدلا مأمونا، وقال: سألت المزى عنه؟ فقال: أحد المشايخ الأكابر، والأعيان الأماثل، من بيت العلم والحديث قال: ولا يعلم أن أحدا حصل له من الحظوة فى الرواية فى هذه الأزمان مثل ما حصل له.
قال شيخنا ابن تيمية: ينشرح صدرى إذا أدخلت ابن البخارى بينى وبين رسول الله ﷺ فى حديث.
وكان الشيخ فخر الدين فى أول أمره يتعاطى السفر للتجارة، فلما أسنّ لزم
стр. 766
بيته متوفرا على العبادة والرواية، ولم يتدنس من الأوقاف بشئ، بل هو وقف على مدرسة عمه الحافظ ضياء الدين من ماله، حدث من بعد العشرين والستمائة، وسمع منه الحفاظ والمتقدمون عمر بن الحاجب - ومات سنة ثلاثين وستمائة - والحافظ زكى الدين المنذرى، والرشيد العطار، حافظ الديار المصرية، وتكاثر عليه الطلبة من نحو الخمسين والستمائة، وازدحموا بعد الثمانين، حتى كان يكون لهم فى اليوم الواحد عليه ثلاثة مواعيد.
وحدث ببلاد كثيرة، بدمشق، ومصر، وبغداد، والموصل، وتدمر، والرحبة، والحديثة، وزرع.
وحدث بالغزوات أيام الملك الظاهر، وخرج له أبو القاسم على بن بلبان مشيخة حدث بها، سمعناها من أبى عبد الله محمد بن الخباز عنه.
وفى آخر عمره: خرج له الحافظ بن الظاهرى مشيخة بمصر، وأرسلها مع البريد ففودى لها بدمشق، وفوّه بذكرها المحدثون والفقهاء، وسارعوا إلى سماعها، وجمع لها صبيان كثير، وانتدب لقراءتها الشيخ شرف الدين الفزارى، فقرأها فى ثلاثة مجالس، اجتمع لها فى المجلس الأخير: ألف نفس أو أكثر، ولم يعهد فى هذه الأزمان مثل ذلك، ثم حدث بها مرارا عديدة. ورحل إليه الحفاظ والطلبة من الأقطار. وتكاثرت عليه الإجازات من أطراف البلاد، ولزمه المحدثون.
قال الذهبى: لا يدرى ما قرأه عليه الموصلى والمزى من الكتب والأجزاء.
فأما البرزالى، فقال: سمعت منه بقراءتى عليه وقراءة غيرى ثلاثة وعشرين مجلدا، وأكثر من خمسمائة جزء.
وممن سمع منه من الحفاظ والأكابر: الدمياطى، وابن دقيق العيد، والحارثى، والقاضى تقى الدين سليمان بن حمزة، والشيخ شمس الدين بن الكمال - قرأ عليه عدة أجزاء، ومات قبله - والشيخ تقى الدين ابن تيمية، وابن جماعة. ورحل إليه أبو الفتح بن سيد الناس. فوجده مات قبل وصوله بيومين، فتألم لذلك.
стр. 767
قال الذهبى: وهو آخر من كان فى الدنيا بينه وبين النبى ﷺ ثمانية رجال ثقات.
قلت: يريد بالسماع المتصل.
قال: وإن كان للدنيا بقاء فليتأخرن أصحابه إن شاء الله تعالى إلى بعد السبعين وسبعمائة - يريد لكثرتهم - وكذا وقع. فإنا نحن الآن بعد السبعين.
ومن أصحابه جماعة أحياء. وآخر من مات منهم: صلاح الدين محمد بن عبد الله ابن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن الشيخ أبى عمر المقدسى، أقام بمدرسة جده أبى عمر.
توفى فى شوال سنة ثمانين وسبعمائة. وله نظم جيد، فمنه، أى لابن البخارى:
تكررت السنون على حتى … بليت وصرت من سقط المتاع
وقل النفع عندى، غير أنى … أعلل للرواية والسماع
فإن بك خالصا فله جزاء … وإن يك مانعا فالى ضياع
وله رحمه الله تعالى:
إليك اعتذارى من صلاتى قاعدا … وعجزى عن سعى إلى الجمعات
وتركى صلاة الفرض فى كل مسجد … تجمع فيه الناس للصلوات
فيا رب لا تمقت صلاتى، ونجنى … من النار، واصفح لى عن الهفوات
وله أيضا رحمه الله تعالى:
أتتك مقدمات الموت تسعى … وقلبك غافل عنها وساهى
فجدّ، فقد دنت منك المنايا … ودع عنك التشاغل بالملاهى
فلا تأمن لمكر الله، واحذر … وكن متقاصرا عند التناهى
فكم ممن يساق إلى جحيم … صحائفه مسوّدة كما هى
وليس كمن يساق إلى نعيم … وجنات مزخرفة زواهى
فلا تظنن بربك ظنّ سوء … فحسن الظن جد غير واهى
стр. 768
وله:
أتاك الموت يا ولد البخارى … فقدم صالحا، واسمح ودارى
وأيقن أن يوم البعث يأتى … فيؤخذ بالصغار وبالكبار
كأنك فوق نعشك مستقر … وتحملك الرجال إلى الصحارى
وتنزل مفردا فى قعر لحد … ويحثى الترب فوقك بالمدارى
فلا، والله، ما ينفعك شئ … تخلف من متاع أو عقار
بلى إن كنت تتركه حبيسا … على الفقراء أطراف النهار
لعل الله أن يعفو ويغفر … لما أسلفت يا ولد البخارى
سمعنا الكثير من خلق من أصحابه.
وتوفى - رضى الله عنه - ضحى يوم الأربعاء ثانى شهر ربيع الآخر سنة تسعين وستمائة. وصلّى عليه وقت الظهر بالجامع المظفرى. ودفن عند والده بسفح قاسيون. وكانت له جنازة مشهودة. شهدها القضاة والأمراء والأعيان وخلق كثير. رحمه الله تعالى.
٤٣٥ - إبراهيم بن عبد الرحمن
بن أحمد بن المعرى، المعرى البعلى، الفقيه الزاهد العابد، زكى الدين أبو إسحاق.
حضر على الشيخ موفق الدين. وسمع من البهاء عبد الرحمن وغيره. وتفقه وحفظ «المقنع». وكان صالحا، عالما عابدا، زاهدا ورعا. اجتمعت الألسن على مدحه والثناء عليه. ذكره ابن اليونينى.
وقال الذهبى: كان من أعبد البشر.
توفى ليلة السبت سابع شوال سنة إحدى وتسعين وستمائة ببعلبك. وصلّى عليه من الغد. ودفن بمقابر باب بطحا، وله إحدى وثمانون سنة. رحمه الله تعالى.
٤٣٦ - إبراهيم بن على
بن أحمد بن فضل، الواسطى الصالحى، الفقيه الزاهد العابد، شيخ الإسلام، بركة الشام، قطب الوقت، تقى الدين أبو إسحاق
стр. 769
ولد سنة اثنتين وستمائة.
وسمع بدمشق من ابن الحرستانى، وابن البناء، وابن ملاعب، وابن الجلاجلى، والشمس العطار السلمى، وموسى بن عبد القادر، والشيخ موفق الدين وابن أبى لقمة، وجماعة آخرين. ورحل فى طلب الحديث والعلم.
وسمع ببغداد من الشيخ أبى الفتح بن عبد السلام، وابن الجواليقى، والداهرى، وعمر بن كرم، وعلى بن نورنداز، والسهروردى، وأبى منصور بن عفيجة، وأبى نصر النرسى، وابن الزبيدى، وخلق.
وسمع من عبد الرحمن بن علوان بحلب، ومن أحمد بن سلامة النجار بحران، ومحمود بن أبى العز بن الشطيطى بالموصل، وغيرهم.
وسمع كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء. وعنى بالحديث. وقرأ بنفسه.
وله إجازة من جماعة من الأصبهانيين والبغداديين، كأسعد بن روح، وعائشة بنت معمر، وزاهر الثقفى، وابن طبرزد، وابن سكينة، وابن الأخضر، وغيرهم.
وتفقه فى المذهب، وأفتى، ودرس بالمدرسة الصاحبية بقاسيون نحوا من عشرين سنة، وبمدرسة الشيخ أبى عمر. وولى فى آخر عمره مشيخة دار الحديث الظاهرية. وحدث بها مدة. وكان من خير خلق الله علما وعملا.
قال الذهبى: قرأت بخط العلامة كمال الدين بن الزملكانى فى حقه: كان كبير القدر، له وقع فى القلوب وجلالة، ملازم للتعبد ليلا ونهارا، قائم بما يعجز عنه غيره، مبالغ فى إنكار المنكر. بائع نفسه فيه، لا يبالى على من أنكر.
يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويعظم الشعائر والحرمات. وعنده علم جيد. وفقه حسن. وكان داعية إلى عقيدة أهل السنة والسلف الصالح، مثابرا على السعى فى هداية من يرى فيه زيغا عنها. وكانت جنازته مشهودة. إلى آخر كلامه.
وقال البرزالى: تفرد بعلو الإسناد، وكثرة الرواية والعبادة، ولم يخلق مثله.
стр. 770
قلت: حدث بالكثير. وروى عنه خلق كثير. وحدثنا عنه جماعة من أصحابه.
وتوفى فى آخر نهار يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وستمائة. وصلّى عليه بكرة السبت. ودفن بتربة الشيخ موفق الدين. وكانت جنازته مشهودة بكثرة الخلق. وحضرها القضاة والأمراء والصاحب بن السلعوس والأعيان. رحمه الله تعالى.
٤٣٧ - أحمد بن حمدان
بن شبيب بن حمدان بن شبيب بن حمدان بن محمود بن شبيب بن غياث بن سابق بن وثاب النمرى الحرانى، الفقيه الأصولى، القاضى نجم الدين، أبو عبد الله بن أبى الثناء، نزيل القاهرة، وصاحب التصانيف.
ولد سنة ثلاث وستمائة بحران.
وسمع الكثير بحران من الحافظ عبد القادر الرهاوى. وهو آخر من روى عنه، ومن الخطيب أبى عبد الله ابن تيمية، وابن روزبة، وغيرهم.
وسمع بحلب من الحافظ ابن خليل، وغيره، وبدمشق: من ابن غسان، وابن صباح، وبالقدس: من الاوتى، وغيرهم. وطلب بنفسه، وقرأ على الشيوخ
وتفقه على الناصحين الحرانيين: ابن أبى الفهم، وابن جميع. وأخذ عن الخطيب فخر الدين، وجالس ابن عمه الشيخ مجد الدين، وبحث معه كثيرا، وبرع فى الفقه، وانتهت إليه معرفة المذهب، ودقائقه وغوامضه.
وكان عارفا بالأصلين والخلاف والأدب. وصنف تصانيف كثيرة.
منها «الرعاية الصغرى» فى الفقه، و «الرعاية الكبرى» وفيها نقول كثيرة جدا، لكنها غير محررة، وكتابى «الوافى» فى أصول الفقه، ومقدمة أصول الدين، وقصيدة طويلة فى السنة، وكتاب «صفة المفتى والمستفتى».
وولى نيابة القضاء بالقاهرة. وأظنه ولى قضاء المحلة أيضا.
وتفقه به وتخرج عليه جماعة، وحدث بالكثير. وعمر وأسن وأضر.
стр. 771
وروى عنه الدمياطى، والحارثى، وابنه، والمزى، وأبو الفتح اليعمرى، والبرزالى، وغيرهم. وحدثنا عنه محمد بن أبى القاسم الفارقى الشاهد بالقاهرة
وتوفى يوم الخميس سادس صفر سنة خمس وتسعين وستمائة بالقاهرة.
وتوفى أخوه: -
٤٣٨ - تقى الدين شبيب،
الأديب البارع، الشاعر المفلق، الطبيب الكحال - فى ربيع الآخر من السنة أيضا. وهو فى عشر الثمانين.
سمع من ابن روزبة، وطائفة، وقد عارض «بانت سعاد» بقصيدة عظيمة يقول فيها:
مجد كبا الوهم عن إدراك غايته … ورد عقل البرايا، وهو معقول
طوبى لطيبة، بل طوبى لكل فتى … له بطيب ثراها الجعد تقبيل
٤٣٩ - المنجى بن عثمان
بن أسعد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخى، المعرى الأصل، الدمشقى، الفقيه الأصولى، المفسر النحوى، زين الدين أبو البركات بن عزّ الدين أبى عمر بن القاضى وجيه الدين أبى المعالى، وقد سبق ذكر أبيه وجده.
ولد فى عاشر ذى القعدة سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
وحضر على أبى الحسن بن المقير، وجعفر الهمدانى، وسالم بن صصرى.
وسمع من السخاوى، وابن مسلمة، والقرطبى، وجماعة. وتفقه على أصحاب جده، وأصحاب الشيخ موفق الدين، وقرأ الأصول على كمال الدين التفليسى، وغيره. وقرأ النحو على ابن مالك، وبرع فى ذلك كله، ودرس وأفتي، وناظر وصنف، وانتهت إليه رئاسة المذهب بالشام فى وقته.
ومن تصانيفه «شرح المقنع» فى أربع مجلدات «وتفسير القرآن الكريم» وهو كبير، لكنه لم يبيضه، وألقاه جميعه دروسا، وشرع فى «شرح المحصول»
стр. 772
ولم يكمله. واختصر نصفه. وله تعاليق كثيرة، ومسودات فى الفقه والأصول وغير ذلك لم تبيض.
وكان له فى الجامع حلقة للاشتغال والفتوى نحو ثلاثين سنة، متبرعا لا يتناول على ذلك معلوما. وكانت له أوراد صالحة من صلاة وذكر. وله إيثار كثير وبر، يفطر عنده الفقراء فى بعض الليالى، وفى شهر رمضان كله. وكان حسن الأخلاق.
ذكر ذلك بمعناه الذهبى، وقال: كان معروفا بالذكاء، وصحة الذهن، وجودة المناظرة، وطول النفس فى البحث.
وقال البرزالى: كان عالما بفنون شتى: من الفقه، والأصلين، والنحو.
وله يد فى التفسير. وانتهت إليه رئاسة مذهبه، وله مصنف فى «أصول الفقه» وشرح المقنع فى الفقه، وتعاليق فى التفسير. واجتمع له العلم والدين، والمال والجاه وحسن الهيئة. وكان صحيح الذهن، جيد المناظرة صبورا فيها. وله بر وصدقة.
وكان ملازما للاقراء بجامع دمشق من غير معلوم.
وسئل الشيخ جمال الدين بن مالك أن يشرح ألفيته فى النحو؟ فقال: ابن المنجى بشرحها لكم.
قلت: درس الشيخ زين الدين بالحنبلية والصدرية. وأخذ عنه الفقه الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والشيخ شمس الدين بن الفخر البعلى، والشيخ تقى الزريرانى
وحدث. وسمع منه ابن العطار، والمزى، والبرزالى. وحدثنا عنه أبو الفضل ابن الحموى وغيره.
وتوفى يوم الخميس رابع شعبان سنة خمس وتسعين وستمائة بدمشق. وتوفيت زوجته أم محمد ست البهاء بنت الصدر الخجندى ليلة الجمعة خامس الشهر، وصلّى عليهما معا عقيب صلاة الجمعة بجامع دمشق، ودفنا بتربة بيت المنجى بسفح قاسيون. رحمهما الله تعالى.
стр. 773
٤٤٠ - الحسن بن عبد الله
بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى الصالحى، قاضى القضاة، شرف الدين، أبو الفضل بن الخطيب شرف الدين ابن أبى بكر بن الشيخ أبى عمر، وقد سبق ذكر أبيه وجده.
ولد فى شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
وسمع من ابن القميرة، ولكن لم يظهر سماعه منه فى حياته، ومن المرسى ابن مسلمة، وغيرهم. وقرأ بنفسه على الكفرطابى. وتفقه وبرع فى المذهب.
وشارك فى الفضائل. وولى القضاء بعد نجم الدين أحمد بن الشيخ شمس الدين.
واستمر إلى حين وفاته.
قال البرزالى: كان قاضيا بالشام على مذهب الإمام أحمد، ومدرسا بدار الحديث الأشرفية بسفح قاسيون، ومدرسة جده. وكان مليح الشكل، حسن المناظرة، كثير المحفوظ، عنده فقه ونحو ولغة. روى لنا عن ابن مسلمة.
وقال الذهبى: كان من أئمة المذهب، بقى فى القضاء ست سنين.
ومات فى ليلة الخميس ثانى عشر شوال سنة خمس وتسعين وستمائة، ودفن ضحى يوم الخميس بمقبرة جده بسفح قاسيون، وحضر جنازته نائب السلطنة، والقضاة والأكابر، وعمل عزاؤه بكرة الجمع بالجامع المظفرى. وحضره خلق كثير ذكره البرزالى. وهو والد الشيخ شرف الدين أبى العباس أحمد، المعروف بابن قاضى الجبل.
٤٤١ - عبد السلام بن محمد
بن مرزوع بن أحمد بن عزاز المصرى البصرى، الفقيه، المحدث الحافظ، نزيل المدينة النبوية، عفيف الدين أبو محمد
ولد فى شوال سنة خمس وعشرين وستمائة بالبصرة.
ورحل إلى بغداد، وسمع بها من ابن قميرة، وإبراهيم الزغبى، وعلى بن معالى الرصافى، والمبارك الخواص، وعلى بن الخيمى، وفضل الله الجيلى. وعنى بالأثر.
وقرأ بنفسه.
стр. 774
وتفقه على الشيخ كمال الدين بن وضاح. وقرأ عليه «المحرر» فى الفقه.
ثم انتقل إلى المدينة، واستوطنها نحوا من خمسين سنة، إلى أن مات بها. وحج منها أربعين حجة على الولاء، ودرس بها الفقه بالمدرسة الشهابية للحنابلة، والشافعية.
وحدث بالكثير بالحجاز، وببغداد، وبمصر، ودمشق.
وسمع منه جماعة من شيوخنا ببغداد، وبالحجاز: على بن جابر الهاشمى، وعتيق العمرى، والقاضى أبو عبد الله بن مسلم، وبدمشق: البرزالى، وابن الخباز شيخنا وغيره، وبالقاهرة الحارثى، وجماعة.
ذكره الفرضى فى معجم شيوخه، فقال: إمام فاضل، عالم فقيه، زاهد عابد، عارف بفنون العلم والأدب.
وقال البرزالى: شيخ عالم، متدين، عارف بفن الأدب. جاور بالمدينة مدة طويلة، ودرس بها، وأفتى على مذهب الإمام أحمد.
وقال أيضا: الشيخ الإمام الحافظ، السيد القدوة، عفيف الدين. كان رجلا فاضلا، عاقلا خيرا، حسن الهيئة. سمع وحدث. وذكر: أنه سمع منه بدمشق والمدينة النبوية، وبرابغ، وخليص.
قال: وتوفى بالمدينة يوم الثلاثاء بعد الصبح، سابع عشرين صفر سنة ست وتسعين وستمائة. ودفن من يومه بالبقيع وقيل: إنه مات فى ثالث عشرين صفر، وصلّى عليه بجامع دمشق صلاة الغائب فى شهر رمضان
وفى صفر أيضا من هذه السنة: توفى قاضى القضاة بالديار المصرية: -
٤٤٢ - عزّ الدين أبو حفص
عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسى بالقاهرة. ودفن بتربة الحافظ عبد الغنى، وله ست وستون سنة.
حضر على ابن اللتى. وسمع من جعفر الهمدانى، وابن رواح ودرس، وأفتى وكان محمود القضايا، مشكور السيرة، متثبتا فى الأحكام، مليح الشكل.
стр. 775
قرأت بخط الذهبى: إمام، جامع للفضائل، محمود القضايا، متثبت. كان ابن جماعة يعتمد على إثباتاته، وسمع منه الذهبى بالقاهرة.
وفى ذى الحجة من السنة: توفى الفقيه الزاهد القدوة: -
٤٤٣ - شمس الدين أبو عبد الله
محمد بن حازم بن حامد بن حسن المقدسى بنابلس، فى رجوعه من زيارة المسجد الأقصى، وهو فى عشر الثمانين.
وكان كثير الذكر، حسن السمت، فقيها فاضلا، عابدا.
سمع من ابن صصرى، والناصح بن الحنبلى، وابن الزبيدى، وابن غسان، والضياء الحافظ، وأكثر عنه، حدث بالكثير. رحمه الله تعالى.
٤٤٤ - أحمد بن عبد الرحمن
بن عبد المنعم بن نعمة، المقدسى، النابلسى العابد الفقيه المحدث، شهاب الدين أبو العباس، ابن الشيخ جمال الدين. وقد سبق ذكر أبيه.
ولد ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة بنابلس.
وسمع بها من عمه تقى الدين يوسف، ومن الصاحب محى الدين بن الجوزى وحضر فى الرابعة على سليمان الأسعردى، وسمع من ابن الحميرى، وابن رواح، والساوى، وسبط السلفى وغيرهم.
ورحل إلى مصر، ودمشق، والإسكندرية. وقرأ بنفسه على القوصى، وأجاز له محمود بن منده، ومحمد بن عبد الواحد المدينى والسهروردى، وابن روزبة. وتفقه فى المذهب، وبرع فى معرفة تعبير الرؤيا، وانفرد بذلك بحيث لم يشارك فيه، ولم يدرك شأوه. وكان الناس يتحيرون منه إذا عبر الرؤيا، لما يخبر الرائى بأمور جرت له، وربما أخبره باسمه وبلده ومنزله، ويكون من بلد ناء. وله فى ذلك حكايات كثيرة غريبة مشهورة، وهى من أعجب العجب.
وكان جماعة من العلماء يقولون: إن له رئيّا من الجن، وكان - مع ذلك -