← Тараджим

Тараджим · id 1053

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (893 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وروى عنه الدمياطى، والحارثى، وابنه، والمزى، وأبو الفتح اليعمرى، والبرزالى، وغيرهم. وحدثنا عنه محمد بن أبى القاسم الفارقى الشاهد بالقاهرة وتوفى يوم الخميس سادس صفر سنة خمس وتسعين وستمائة بالقاهرة. وتوفى أخوه: - ٤٣٨ - تقى الدين شبيب، الأديب البارع، الشاعر المفلق، الطبيب الكحال - فى ربيع الآخر من السنة أيضا. وهو فى عشر الثمانين. سمع من ابن روزبة، وطائفة، وقد عارض «بانت سعاد» بقصيدة عظيمة يقول فيها: مجد كبا الوهم عن إدراك غايته … ورد عقل البرايا، وهو معقول طوبى لطيبة، بل طوبى لكل فتى … له بطيب ثراها الجعد تقبيل ٤٣٩ - المنجى بن عثمان بن أسعد بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخى، المعرى الأصل، الدمشقى، الفقيه الأصولى، المفسر النحوى، زين الدين أبو البركات بن عزّ الدين أبى عمر بن القاضى وجيه الدين أبى المعالى، وقد سبق ذكر أبيه وجده. ولد فى عاشر ذى القعدة سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وحضر على أبى الحسن بن المقير، وجعفر الهمدانى، وسالم بن صصرى. وسمع من السخاوى، وابن مسلمة، والقرطبى، وجماعة. وتفقه على أصحاب جده، وأصحاب الشيخ موفق الدين، وقرأ الأصول على كمال الدين التفليسى، وغيره. وقرأ النحو على ابن مالك، وبرع فى ذلك كله، ودرس وأفتي، وناظر وصنف، وانتهت إليه رئاسة المذهب بالشام فى وقته. ومن تصانيفه «شرح المقنع» فى أربع مجلدات «وتفسير القرآن الكريم» وهو كبير، لكنه لم يبيضه، وألقاه جميعه دروسا، وشرع فى «شرح المحصول»

стр. 772

ولم يكمله. واختصر نصفه. وله تعاليق كثيرة، ومسودات فى الفقه والأصول وغير ذلك لم تبيض. وكان له فى الجامع حلقة للاشتغال والفتوى نحو ثلاثين سنة، متبرعا لا يتناول على ذلك معلوما. وكانت له أوراد صالحة من صلاة وذكر. وله إيثار كثير وبر، يفطر عنده الفقراء فى بعض الليالى، وفى شهر رمضان كله. وكان حسن الأخلاق. ذكر ذلك بمعناه الذهبى، وقال: كان معروفا بالذكاء، وصحة الذهن، وجودة المناظرة، وطول النفس فى البحث. وقال البرزالى: كان عالما بفنون شتى: من الفقه، والأصلين، والنحو. وله يد فى التفسير. وانتهت إليه رئاسة مذهبه، وله مصنف فى «أصول الفقه» وشرح المقنع فى الفقه، وتعاليق فى التفسير. واجتمع له العلم والدين، والمال والجاه وحسن الهيئة. وكان صحيح الذهن، جيد المناظرة صبورا فيها. وله بر وصدقة. وكان ملازما للاقراء بجامع دمشق من غير معلوم. وسئل الشيخ جمال الدين بن مالك أن يشرح ألفيته فى النحو؟ فقال: ابن المنجى بشرحها لكم. قلت: درس الشيخ زين الدين بالحنبلية والصدرية. وأخذ عنه الفقه الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والشيخ شمس الدين بن الفخر البعلى، والشيخ تقى الزريرانى وحدث. وسمع منه ابن العطار، والمزى، والبرزالى. وحدثنا عنه أبو الفضل ابن الحموى وغيره. وتوفى يوم الخميس رابع شعبان سنة خمس وتسعين وستمائة بدمشق. وتوفيت زوجته أم محمد ست البهاء بنت الصدر الخجندى ليلة الجمعة خامس الشهر، وصلّى عليهما معا عقيب صلاة الجمعة بجامع دمشق، ودفنا بتربة بيت المنجى بسفح قاسيون. رحمهما الله تعالى.

стр. 773

٤٤٠ - الحسن بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى الصالحى، قاضى القضاة، شرف الدين، أبو الفضل بن الخطيب شرف الدين ابن أبى بكر بن الشيخ أبى عمر، وقد سبق ذكر أبيه وجده. ولد فى شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وسمع من ابن القميرة، ولكن لم يظهر سماعه منه فى حياته، ومن المرسى ابن مسلمة، وغيرهم. وقرأ بنفسه على الكفرطابى. وتفقه وبرع فى المذهب. وشارك فى الفضائل. وولى القضاء بعد نجم الدين أحمد بن الشيخ شمس الدين. واستمر إلى حين وفاته. قال البرزالى: كان قاضيا بالشام على مذهب الإمام أحمد، ومدرسا بدار الحديث الأشرفية بسفح قاسيون، ومدرسة جده. وكان مليح الشكل، حسن المناظرة، كثير المحفوظ، عنده فقه ونحو ولغة. روى لنا عن ابن مسلمة. وقال الذهبى: كان من أئمة المذهب، بقى فى القضاء ست سنين. ومات فى ليلة الخميس ثانى عشر شوال سنة خمس وتسعين وستمائة، ودفن ضحى يوم الخميس بمقبرة جده بسفح قاسيون، وحضر جنازته نائب السلطنة، والقضاة والأكابر، وعمل عزاؤه بكرة الجمع بالجامع المظفرى. وحضره خلق كثير ذكره البرزالى. وهو والد الشيخ شرف الدين أبى العباس أحمد، المعروف بابن قاضى الجبل. ٤٤١ - عبد السلام بن محمد بن مرزوع بن أحمد بن عزاز المصرى البصرى، الفقيه، المحدث الحافظ، نزيل المدينة النبوية، عفيف الدين أبو محمد ولد فى شوال سنة خمس وعشرين وستمائة بالبصرة. ورحل إلى بغداد، وسمع بها من ابن قميرة، وإبراهيم الزغبى، وعلى بن معالى الرصافى، والمبارك الخواص، وعلى بن الخيمى، وفضل الله الجيلى. وعنى بالأثر. وقرأ بنفسه.

стр. 774

وتفقه على الشيخ كمال الدين بن وضاح. وقرأ عليه «المحرر» فى الفقه. ثم انتقل إلى المدينة، واستوطنها نحوا من خمسين سنة، إلى أن مات بها. وحج منها أربعين حجة على الولاء، ودرس بها الفقه بالمدرسة الشهابية للحنابلة، والشافعية. وحدث بالكثير بالحجاز، وببغداد، وبمصر، ودمشق. وسمع منه جماعة من شيوخنا ببغداد، وبالحجاز: على بن جابر الهاشمى، وعتيق العمرى، والقاضى أبو عبد الله بن مسلم، وبدمشق: البرزالى، وابن الخباز شيخنا وغيره، وبالقاهرة الحارثى، وجماعة. ذكره الفرضى فى معجم شيوخه، فقال: إمام فاضل، عالم فقيه، زاهد عابد، عارف بفنون العلم والأدب. وقال البرزالى: شيخ عالم، متدين، عارف بفن الأدب. جاور بالمدينة مدة طويلة، ودرس بها، وأفتى على مذهب الإمام أحمد. وقال أيضا: الشيخ الإمام الحافظ، السيد القدوة، عفيف الدين. كان رجلا فاضلا، عاقلا خيرا، حسن الهيئة. سمع وحدث. وذكر: أنه سمع منه بدمشق والمدينة النبوية، وبرابغ، وخليص. قال: وتوفى بالمدينة يوم الثلاثاء بعد الصبح، سابع عشرين صفر سنة ست وتسعين وستمائة. ودفن من يومه بالبقيع وقيل: إنه مات فى ثالث عشرين صفر، وصلّى عليه بجامع دمشق صلاة الغائب فى شهر رمضان وفى صفر أيضا من هذه السنة: توفى قاضى القضاة بالديار المصرية: - ٤٤٢ - عزّ الدين أبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسى بالقاهرة. ودفن بتربة الحافظ عبد الغنى، وله ست وستون سنة. حضر على ابن اللتى. وسمع من جعفر الهمدانى، وابن رواح ودرس، وأفتى وكان محمود القضايا، مشكور السيرة، متثبتا فى الأحكام، مليح الشكل.

стр. 775

قرأت بخط الذهبى: إمام، جامع للفضائل، محمود القضايا، متثبت. كان ابن جماعة يعتمد على إثباتاته، وسمع منه الذهبى بالقاهرة. وفى ذى الحجة من السنة: توفى الفقيه الزاهد القدوة: - ٤٤٣ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن حازم بن حامد بن حسن المقدسى بنابلس، فى رجوعه من زيارة المسجد الأقصى، وهو فى عشر الثمانين. وكان كثير الذكر، حسن السمت، فقيها فاضلا، عابدا. سمع من ابن صصرى، والناصح بن الحنبلى، وابن الزبيدى، وابن غسان، والضياء الحافظ، وأكثر عنه، حدث بالكثير. رحمه الله تعالى. ٤٤٤ - أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة، المقدسى، النابلسى العابد الفقيه المحدث، شهاب الدين أبو العباس، ابن الشيخ جمال الدين. وقد سبق ذكر أبيه. ولد ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة بنابلس. وسمع بها من عمه تقى الدين يوسف، ومن الصاحب محى الدين بن الجوزى وحضر فى الرابعة على سليمان الأسعردى، وسمع من ابن الحميرى، وابن رواح، والساوى، وسبط السلفى وغيرهم. ورحل إلى مصر، ودمشق، والإسكندرية. وقرأ بنفسه على القوصى، وأجاز له محمود بن منده، ومحمد بن عبد الواحد المدينى والسهروردى، وابن روزبة. وتفقه فى المذهب، وبرع فى معرفة تعبير الرؤيا، وانفرد بذلك بحيث لم يشارك فيه، ولم يدرك شأوه. وكان الناس يتحيرون منه إذا عبر الرؤيا، لما يخبر الرائى بأمور جرت له، وربما أخبره باسمه وبلده ومنزله، ويكون من بلد ناء. وله فى ذلك حكايات كثيرة غريبة مشهورة، وهى من أعجب العجب. وكان جماعة من العلماء يقولون: إن له رئيّا من الجن، وكان - مع ذلك -

стр. 776

كثير العبادة والأوراد والصلاة. لكن يقال: إنه كان يتعبد على وجوه غير مشروعة، كالصلاة فى وقت النهى. وذكر عنه بعض أقاربه: أنه رأى عنده شيئا من آثار الجن. وقد رأيت لأبى العباس القرافى المالكى صاحب «القواعد» كلاما حسنا فى التعبير، فرأيت أن أذكره ههنا. قال: اعلم أن تفسير المنامات قد اتسعت تقييداته، وتشعبت تخصيصاته، وتنوعت تفريعاته بحيث صار لا يقدر الإنسان يعتمد على مجرد المنقولات لكثرة التخصيصات بأحوال الرائين، بخلاف تفسير القرآن الكريم، والتحدث فى الفقه، والكتاب والسنة، وغير ذلك من العلوم. فإن ضوابطها محصورة، أو قريبة من الحصر. وعلم المنامات منتشر انتشارا شديدا، لا يدخل تحت ضبط. لا جرم ان احتاج الناظر فيه - مع ضوابطه وقوانينه - إلى قوة من قوى النفس المعينة على الفراسة والاطلاع على المغيبات، بحيث إذا توجه الحزر إلى شئ لا يكاد يخطئ، بسبب ما يخلفه الله تعالى فى تلك النفس من القوة المعينة على تقريب الغيب أو تحقيقه. فمن الناس من هو كذلك. وقد يكون ذلك عاما فى جميع الأنواع. وقد يهبه الله تعالى ذلك باعتبار المنامات فقط، أو بحسب علم الرمل فقط، فلا يفتح له صحة القول والنطق فى غيره. ومن ليس له قوة نفس فى هذا النوع، صالحة فى ذلك لعلم تعبير الرؤيا لا يكاد يصيب إلا على الندور، فلا ينبغى له التوجه لعلم التعبير. ومن كانت له قوة نفس هو الذى ينتفع بتعبيره. وقد رأيت من له قوة نفس مع القواعد. فكان يتحدث بالعجائب والغرائب فى المنام اللطيف، ويخرج منه الأشياء الكثيرة، والأحوال المتباينة، ويخبر فيه عن الماضيات والحاضرات والمستقبلات، وينتهى فى المنام اليسير إلى نحو مائة من الأحكام بالعجائب والغرائب، حتى يقول من لا يعلم أحوال قوى النفوس: إن هذا من الجان والمكاشفة، وليس كما قال، بل هو قوة نفس، تجد بسببها تلك

стр. 777

الأحوال عند توجهه للمنام. ورأيت أنا جماعة من هذا النوع واختبرتهم انتهى كلامه. وأظنه يشير إلى الشيخ شهاب الدين المذكور، فإنه كان معاصره. وله مصنف فى هذا العلم، سماه «النور المنير». قال الذهبى: كان إماما فاضلا. وله مصنف نفيس فى الأحكام. وأقام مدة بالقاهرة، ومدة بدمشق. وبها مات. وولى بها مدة شهور مشيخة دار الحديث الأشرفية بسفح قاسيون، وأسمع بها الحديث، ثم صرف عنها. وذكر مدة لقضاء الحنابلة. وحدث بدمشق ومصر وغيرها. وسمع منه خلق من الحفاظ وغيرهم، كالمزى، والبرزالى، والذهبى، وشيخنا ابن القيم. وحدثنا عنه غير واحد. توفى يوم الأحد تاسع وعشرين ذى القعدة سنة سبع وتسعين وستمائة بدمشق، ودفن من يومه بمقابر باب الصغير بتربة ابن أبى الطيب. وكانت جنازته حافلة. وخرج نائب السلطنة للصلاة عليه والقضاة والأكابر. رحمه الله تعالى. ٤٤٥ - عبد العزيز بن أبى القاسم بن عثمان بن عبد الوهاب البابصرى الفقيه الأديب الصوفى، عزّ الدين أبو محمد. نزيل دمشق. ولد فى صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة ببغداد. وسمع بها من أبى الفضل يحيى بن محمد بن الأجل مشيخة الباقرجى سماعه من ذاكر بن كامل، ولم يظهر هذا إلا بعد موته. وسمع أيضا من إبراهيم بن أبى المفاخر الخياط، وبدمشق من الصيرفى ابن الفقيه، وغيره. وأجاز له عبد الصمد بن أبى الجيش، والداعى الرشيدى. قال الذهبى: سكن دمشق، وأقام بالخانقاه. وكان فقيها عالما صالحا. وقال فى تاريخه: كان عارفا بالفقه، بصيرا بالأدب والشعر وأيام الناس،

стр. 778

ضعف بصره. وطلب من الجماعة أن يسمعوا منه شيئا لتناله بركة الحديث. وقال البرزالى فى معجمه: كان له نظم جيد، ومعرفة بالتاريخ، وكتب لنفسه استجازات منظومة. وأجابه جماعة من الشيوخ نظما، منهم: ابن وضاح، وأبو اليمن بن عساكر. وكان فقيها فاضلا، من أعيان الحنابلة، وانقطع فى آخر عمره بالخانقاه الشميساطية. وبها مات. وقال غيره: سمع منه صديقه شمس الدين بن الفخر البعلى، والبرزالى، والذهبى، وغيرهم. وتوفى يوم الأحد سابع عشر شوال سنة سبع وتسعين وستمائة. ودفن من الغد ضحى بمقابر الصوفية. رحمه الله تعالى. ٤٤٦ - أحمد بن محمد بن الأنجب بن الكسار، الواسطى الأصل، البغدادى المحدث الحافظ، صدر الدين أبو عبد الله. ولد سنة ست وعشرين وستمائة. وسمع ببغداد من ابن القطيعى، وابن اللتى، وابن القبيطى، وابن قميرة، وغيرهم. وأكثر عن المتأخرين بعدهم. وسمع بواسطة من الشريف الداعى الرشيدى، وقرأ كثيرا من الكتب والأجزاء، وعنى بالحديث، وكانت له معرفة حسنة به. قال شيخنا بالإجازة صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق: تفرد فى زمانه بمعرفة الحديث وأسماء الرواة، وكتب بخطه كثيرا، وحصل أصولا كثيرة، وكان ضنينا بالفوائد، سمعت عليه كتاب «الفرج بعد الشدة» لابن أبى الدنيا، عن ابن قميرة، بقراءة أبى العلاء الفرضى. وقال الذهبى: قال لنا الفرضى: كان فقيها محدثا حافظا، له معرفة بشئ من الشيوخ والعلل وغير ذلك.

стр. 779

وقال الذهبى: وبلغنى أنه تكلم فيه، وهو متماسك، وله عمل كثير فى الحديث، وشهرة بطلبه. قلت: وكان قارئا بدار الحديث المستنصرية، أو معيدا بها. وكان حافظا، ذا معرفه بالحديث وفقهه ومعانيه. وبلغنى: أن رجلا من أهل «سامرّا» أشكل عليه الجمع بين حديثين، وهما قوله ﷺ «من همّ بسيئة فلم يعملها: كتبت له حسنة» وقوله فى الذى رأى ذا المال الذى ينفقه فى المعاصى «لو أن لى مثل ما لفلان لفعلت مثل ما فعل. فقال النبى ﷺ : هما فى الوزر سواه» فقدم بغداد، فلم يجبه أحد بجواب شاف، حتى دلّ على ابن الكسار، فقال له على الفور ما معناه: إن المعفوّ عنه إنما هو الهمّ المجرد. فأما إذا اقترن به القول أو العمل: لم يكن معفوا عنه. وذكر قوله ﷺ «إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت بها أنفسها، ما لم تكلّم به، أو تعمل». وكان ﵀ زرىّ اللباس، وسخ الثياب، على نحو طريقة أبى محمد بن الخشاب النحوى، كما سبق ذكره. وكان بعض الشيوخ الأكابر يتكلم فيه، وينسبه إلى إلى التهاون فى الصلاة. وكان الدقوقى يقول: إنهم كانوا يحسدونه؛ لأنه كان يبرز عليهم فى الكلام فى المجالس. والله أعلم بحقيقة أمره. سمع منه خلق كثير من شيوخنا وغيرهم. وحدثنا عنه محمد بن عبد الرزاق ابن الفوطى ببغداد. وقد سبقت الرواية عنه فى ترجمة ابن هبيرة الوزير. وتوفى فى رجب سنة ثمان وتسعين وستمائة. ودفن بمقبرة باب حرب رحمه الله تعالى. وفى هذه السنة توفى الفقيه: - ٤٤٧ - كمال الدين أبو غالب هبة الله بن أبى القاسم علي بن عبد الله بن محمد ابن أحمد السامرى الأصل، البغدادى، الأزجى ببغداد. وقد سبق ذكر جده.

стр. 780

ولد سنة ست عشرة وستمائة. وسمع من محاسن الحرانى، وابن القبيطى. وحدث. وسمع منه ابن شامة، والفرضى، وقال فى معجمه: كان شيخا عالما، فقيها، زاهدا عابدا، جليلا ثقة، من بيت العلم والحديث. وفى ذى الحجة من هذه السنة أيضا: توفى الفقيه الزاهد القدوة عماد الدين أبو محمد: - ٤٤٨ - عبد الحافظ بن بدران بن شبل بن طرخان، المقدسى، النابلسى بها. ودفن بزاويته بطور عسكر، وله نحو تسعين سنة. سمع من الشيخ الموفق، والبهاء، وموسى بن عبد القادر، وأبى المعالى بن طاوس. وأجاز له ابن الحرستانى، وابن ملاعب. قال الذهبى: إمام فقيه عابد، بنى بنابلس مدرسة وطهارة. وكان مواظبا على التلاوة والانقطاع. قال: ورحلت إليه. قلت: حدثنا عنه جماعة من أصحابه بدمشق ونابلس. وقرأت «سنن» ابن ماجة بدمشق على الشيخ جمال الدين يوسف بن عبد الله بن محمد النابلسى الفقيه الفرضى بسماعه منه. ٤٤٩ - محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن محمد، البعلى، ثم الدمشقى الفقيه، المناظر المتفنن، شمس الدين أبو عبد الله بن الشيخ فخر الدين أبى محمد. وقد سبق ذكر أبيه. ولد فى أواخر سنة أربع وأربعين وستمائة. وسمع الكثير من خطيب مردا، وشيخ شيوخ حماة، وابن عبد الدائم، والفقيه اليونينى، وغيرهم. وتفقه، فبرع، وأفتى وناظر، وحفظ عدة كتب، ودرس بالمسمارية، وحلقة بالجامع، وكان موصوفا بالذكاء المفرط، والتقدم فى الفقه وأصوله، والعربية، والحديث، وغير ذلك، قاله الذهبى.

стр. 781

وقال أيضا عنه: طلب الحديث، وقرأ وعلق، ولم يتفرغ له، كان مشغولا بأصول المذهب وفروعه، حضرت بحوثه مع شيخنا ابن تيمية، ولى منه إجازة. انتهى. وبلغنى: أنه كان يحفظ «الكافى» فى الفقه. قال البرزالى: كان من فضلاء الحنابلة فى الفقه، والأصول، والنحو، والحديث، والأدب، وله ذهن جيد وبحث فصيح، ودرس وأعاد، وأفتى، وروى الحديث. توفى ليلة الأحد بين العشاءين تاسع رمضان سنة تسع وتسعين وستمائة بدمشق، وصلّى عليه من الغد بالجامع الأموى وقت الظهر، ودفن بمقابر باب توما، قبل مقبرة الشيخ رسلان، وحضر جنازته جمع كثير، رحمه الله تعالى. ٤٥٠ - محمد بن عبد القوى بن بدران بن عبد الله المقدسى، المرداوى، الفقيه المحدث النحوى، شمس الدين أبو عبد الله. ولد سنة ثلاثة وستمائة بمردا وسمع الحديث من خطيب مردا، وعثمان بن خطيب القرافة، وابن عبد الهادى، وإبراهيم بن خليل، وغيرهم. وطلب وقرأ بنفسه. وتفقه على الشيخ شمس الدين ابن أبى عمر وغيره، وبرع فى العربية واللغة، واشتغل ودرس، وأفتى وصنف قال الذهبى: كان حسن الديانة، دمث الأخلاق، كثير الإفادة، مطرحا للتكلف. ولى تدريس الصاحبية مدة. وكان يحضر دار الحديث، ويشتغل بها، وبالجبل. وله حكايات ونوادر. وكان من محاسن الشيوخ. قال: وجلبست عنده، وسمعت كلامه، ولى منه إجازة. قلت: درس بالمدرسة الصاحبية بعد ابن الواسطى. وتخرج به جماعة من الفضلاء. وممن قرأ عليه العربية: الشيخ تقى الدين ابن تيمية. وله تصانيف، منها فى الفقه «القصيدة» الطويلة الدالية، وكتاب «مجمع البحرين» لم يتمه،

стр. 782

وكتاب «الفروق» وعمل طبقات للأصحاب. وحدث. روى عنه إسماعيل ابن الخباز فى مشيخته. وتوفى فى ثانى عشر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى. ٤٥١ - عبد الله بن عبد الولي بن جبارة بن عبد الولى، المقدسى، ثم الصالحى، تقى الدين أبو محمد. قال الذهبى: إمام مفت، مدرس صالح، عارف بالمذهب، متبحر فى الفرائض، والجبر والمقابلة، كبير السن. توفى فى العشر الأوسط من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستمائة بجبل قاسيون. رحمه الله تعالى. وممن عدم فى هذه السنة من أصحابنا: الفقيه سيف الدين: - ٤٥٢ - أبو بكر بن الشهاب أبى العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم النابلسى، لما انجفل من التتار بأهله عند دخولهم الشام. وكان مولده سنة سبعين وستمائة أو بعدها. روى عنه الذهبى فى معجمه، وقال: كان فقيها، مناظرا صالحا، يتوسوس فى الماء. سمع بمصر من جماعة، وتفقه على ابن حمدان. وسمع بدمشق بعد الثمانين. وسمع معنا كثيرا. وكان مطبوعا. وقال أيضا عنه: كتب الطباق، ودار على الشيوخ. وكان عارفا بالمذهب، مناظرا ذكيا، حسن المذاكرة. وقتل فيها الشيخ: - ٤٥٣ - أبو الحسن على بن الشيخ شمس الدين بن عبد الرحمن بن أبى عمر المقدسى، قتله التتر على مرحلتين من البيرة.

стр. 783

قال البرزالى: كان رجلا حسنا، درس بحلقة الحنابلة، بجامع دمشق، وبمدرسة الشيخ أبى عمر، وأمّ بالجامع المظفرى، وقتل معه جماعة من الحنابلة - رحمهم الله تعالى. وكان ببغداد فى حدود السبعمائة جماعة لا أتحقق وفاتهم، فمنهم: ٤٥٤ - داود بن عبد الله بن كوشيار الحنبلى الفقيه، المناظر الأصولى، شرف الدين أبو أحمد. كان فقيها بارعا، عارفا بالفقه والأصلين، درس ببغداد بالمدرسة المستعصمية ثم درس المستنصرية بعد وفاة الشيخ نور الدين البصرى المتقدم ذكره، وصنف فى أصول الفقه كتابا سماه «الحاوى» وفى أصول الدين كتابا سماه «تحرير الدلائل». وتوفى - فيما يغلب على ظنى - بعد التسعين وستمائة، ﵀. ومنهم: - ٤٥٥ - عبد الرحمن بن سليمان بن عبد العزيز المجلخ الحربى، الضرير، الفقيه، مفيد الدين أبو محمد، معيد الحنابلة بالمستنصرية. سمع من الشيخ مجد الدين ابن تيمية، وغيره من المتأخرين، وروى كتاب «الخرقى» عن فضل الله بن عبد الرزاق الجيلى. وكان من أكابر الشيوخ وأعيانهم، عالما بالفقه والحديث. والعربية، قرأ عليه الفقه جماعة، وسمع منه ابن الدقوقى، وجماعة من شيوخنا. وبقى إلى قريب السبعمائة. وبلغنى: أنه توفى سنة سبعمائة. ﵀.

стр. 784

وفيات المائة الثامنة من سنة ٧٠١ إلى سنة ٧٥١ ٤٥٦ - على بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد اليونينى البعلى، الفقيه المحدث الزاهد شرف الدين أبو الحسين، ابن الشيخ الفقيه أبى عبد الله المتقدم ذكره. ولد فى حادى عشر رجب سنة إحدى وعشرين وستمائة ببعلبك. وحضر بها عدة أجزاء على البهاء عبد الرحمن المقدسى. وسمع بها من عبد الواحد بن أبى المضاو الأربلى، وابن رواحة، ووالده الشيخ الفقيه، وغيرهم. وتردد إلى دمشق. وسمع بها من ابن الزبيدى، وابن اللتى، وابن الصلاح وجعفر الهمدانى، ومكرم بن أبى الصقر، وابن الشيرازى، وغيرهم. وارتحل بعد الأربعين إلى مصر لطلب العلم والحديث. فسمع بها من ابن الجميزى، وابن رواح، والسارى، وغيرهم. ولازم الحافظ عبد العظيم المنذرى، وتخرج به، وعنى بعلم الحديث. وارتحل إلى مصر خمس مرات. واستنسخ «صحيح البخارى» واعتنى بأمره كثيرا. قال الذهبى: حدثنى أنه فى سنة واحدة قابله، وأسمعه إحدى عشر مرة. وقرأ بنفسه. وكتب بخطه كثيرا. وتفقه. وأفتى ودرس، وعنى باللغة، وحصل أطرافا من العلوم. وقال البرزالى: كان شيخا جليلا، حسن الوجه، بهىّ المنظر. له سمت حسن، وعليه سكينة. ولديه فضل كثير. يحفظ كثيرا من الأحاديث بلفظها، ويفهم معانيها، ويعرف كثيرا من اللغة. وكان فصيح العبارة، حسن الكلام وكان له قبول من الناس. وهو كثير التوذد إليهم، قاض للحقوق. وقال الذهبى: كان إماما محدثا، متقنا مفيدا، فقيها مفتيا، خبيرا باللغة

стр. 785

والغريب، غزير الفوائد، كثير التحرى فيما يورده، مكرما بين الملوك والأئمة، مهيبا كثير التواضع، حسن البشر، حلو المجالسة، يعطى كل ذى فضيلة حقه. وقال أيضا: كان ذا عناية بالغريب، والأسماء وضبطها، مديما للمطالعة، كثير المحاسن، منور الشيبة، عظيم الهيبة. وقال فى آخر طبقات الحفاظ: انتفعت به، وتخرجت به. وكان عارفا بقوانين الرواية، حسن الدراية، جيد المشاركة فى الألفاظ والرجال، صاحب رحلة وأصول، وكتب وأجزاء ومحاسن اهـ. حدث بالكثير. وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة. وأكثر عنه البرزالى والذهبى بدمشق وبعلبك. وسمعنا من جماعة من أصحابه. وقد خرج له ابن أبى الفتح البعلى النحوى مشيخة فى ثلاثة عشر جزءا، والحافظ الذهبى عوالى. وحدث بالجميع وتوفى يوم الخميس حادى عشر رمضان سنة أحد وسبعمائة ببعلبك. ودفن من يومه بباب سطحا. وصلّى عليه يوم الجمعة بجامع دمشق صلاة الغائب، وأسف الناس عليه. وكان موته بشهادة ﵀، فإنه دخل إليه - يوم الجمعة خامس رمضان وهو فى خزانة الكتب بمسجد الحنابلة - شخص، فضربه بعصى على رأسه مرات وجرحه فى رأسه بسكين، فاتقى بيده، فجرحه فيها، وأمسك الضارب، وضرب ضربا عظيما، وحبس. وأظهر الاختلال. وحمل الشيخ إلى داره، وأقبل على أصحابه يحدثهم، وينشدهم على عادته، وأتم صيامه يومه. ثم حصل له بعد ذلك حمى، واشتد مرضه حتى توفى يوم الخميس المذكور فى الساعة الثامنة منه. وغبطه الناس بموته شهيدا فى رمضان ليلة الجمعة عقب رجوعه من دمشق، وإفادته الناس، وإسماعه الحديث رضى الله عنه.

стр. 786

ومات قبله فى شعبان من السنة المذكورة: الشيخ وجيه الدين، صدر الرؤساء، أبو المعالى: - ٤٥٧ - محمد بن عثمان بن أسعد بن المنجى التنوخى، أخو الشيخ زين الدين بن المنجى بن عثمان المتقدم ذكره. وكان مولده سنة ثلاثين وستمائة. حضر على ابن اللتى، ومكرم، وابن المقير. وسمع من جعفر الهمدانى، والسخاوى، وجماعة. وكان شيخا عالما فاضلا، كثير المعروف والصدقات، والبر والتواضع للفقراء، موسعا عليه فى الدنيا، وله هيبة وسطوة، وجلالة وحرمة وافرة، عنده عبادة وخشوع، وبنى بدمشق دار قرآن معروفة به. ودرس فى أول عمره بالمسمارية والصدرية، ثم تركهما لولده، ومات فى حياته، وولى نظر الجامع، وأحسن فيه السيرة. وحدث، وروى عنه جماعة. وفى شعبان أيضا من السنة توفى ببعلبك: الفقيه المقرئ المحدث أمين الدين أبو عبد الله: - ٤٥٨ - محمد بن عبد الولى بن أبى محمد بن حولان، البعلى، التاجر وكان مولده سنة أربع وأربعين وستمائة. سمع من الشيخ الفقيه، ومن ابن عبد الدائم، وجماعة. وقرأ ونظر فى علوم الحديث. وقال الذهبى: سمعت منه ببعلبك والمدينة، وتبوك. وكان من خيار الناس وعلمائهم، وألّف كتابا سماه «العدة القوية فى اللغة التركية» جوده، وذكره فى معجمه. وقال: كان مقرئا فقيها، محدثا متقنا، صالحا عدلا، ملازما للتحصيل، كل يثنى عليه ببلده.

стр. 787

٤٥٩ - على بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، المقدسى النابلسى، الفقيه، الإمام فخر الدين أبو الحسن، ابن الشيخ جمال الدين المتقدم ذكره. ولد سنة ثلاثين وستمائة بنابلس. وسمع من ابن الجميزى، وابن رواج بمصر، ومن سبط السلفى بالإسكندرية، ومن خطيب مردا، ومحيى الدين بن الجوزى لما قدم إلى الشام رسولا. وتفقه بالمذهب، وأفتى. وكان مفتى الأرض المقدسة. قال البرزالى: كان شيخا صالحا عالما، كثير التواضع، محسنا إلى الناس أقام يفتى بنابلس مدة أربعين سنة. قال الذهبى: كان عارفا بالمذهب، ثقة صالحا ورعا، وذكر: أنه سمع منه بنابلس. توفى ليلة الأحد مستهل المحرم سنة اثنتين وسبعمائة بمدينة نابلس. ودفن من الغد عند والده بمقبرة الزاهرية. واجتمع خلق كثير فى جنازته، وحضر أهل القرى من البر. ﵀. ٤٦٠ - موسى بن إبراهيم بن يحيى بن علوان بن محمد الأزدى، الشقراوى، الصالحى، الفقيه المحدث، النحوى العدل، نجم الدين أبو إبراهيم. ولد فى رمضان سنة أربع وعشرين وستمائة. وسمع من أبيه والحافظين: إسماعيل بن ظفر، والضياء المقدسى، وخطيب مردا، ويوسف سبط ابن الجوزى. وقرأ الكثير على ابن عبد الدائم، ومن بعده، كابن أبى عمر، وطبقته. وعنى بالحديث. وقرأ بنفسه على الحافظ الضياء ومن بعده. وكتب بخطه ما لا يوصف. وتفقه وأفتى، وقرأ العربية واللغة والأدب، وولى مشيخة دار الحديث العالمية بالسفح، ودار الحديث المعزية بالشرف الأعلى.

стр. 788

قرأت بخط الذهبى: كان فقيها، إماما مفتيا. له معرفة بالحديث واللغة والعربية، كثير المحفوظ والنوادر. وقال غيره: كان ذا حظ من الأدب والنظم، ينقل كثيرا من اللغة، وعنده جملة من التاريخ، حسن المجالسة، مفيد المذاكرة. حدث وروى عنه الذهبى وجماعة توفى يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعمائة. ودفن من الغد بسفح قاسيون ﵀. ٤٦١ - إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معالى بن محمد بن عبد الكريم الرقى، الزاهد العالم، القدوة الربانى، أبو إسحاق. ولد سنة سبع وأربعين وستمائة - تقريبا - بالرقة. وقرأ ببغداد بالروايات العشر على يوسف بن جامع القفصى المقدم ذكره. وسمع بها الحديث بعد الستين من الشيخ عبد الصمد بن أبى الجيش، وصحبه. قال الذهبى: وعنى بتفسير القرآن، وبالفقه، وتقدم فى علم الطب، وشارك فى علوم الإسلام، فبرع فى التذكير. وله المواعظ المحركة إلى الله، والنظم العذب، والعناية بالآثار النبوية، والتصانيف النافعة، وحسن التربية، مع الزهد والقناعة باليسير فى المطعم والملبس. وقال أيضا: كان إماما زاهدا، عارفا قدوة، سيد أهل زمانه. له التصانيف الكثيرة فى الوعظ والطريق إلى الله تعالى [منها «أحاسن المحاسن» فى الوعظ. اختصره من صفوة الصفوة. قاله فى «كشف الظنون»] (١) والآثار والخطب. وله النظم الرائق، يستحق أن تطوى إلى لفياه مراحل. وكان كلمة إجماع. وكان ربما حضر السماع، وتواجد. وله اعتقاد فى سليمان الكلاب - يعنى رجلا كان

стр. 789

يخالط الكلاب، ولا يصلى - وكان يغلط فيه، وله يد طولى فى علوم كثيرة، ولقد كتب شيخنا كمال الدين - يعنى ابن الزملكانى - فى شأنه وبالغ، وأحسن ترجمته. وقال البرزالى: كان رجلا صالحا، عالما، كثير الخير، قاصدا للنفع، كبير القدر، زاهدا فى الدنيا، صابرا على مرّ العيش، عظيم السكون، ملازما للخشوع والانقطاع، قائما بعياله. وكان عارفا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين، وغير ذلك. ورزقه الله حسن العبارة، وسرعة الجواب. وله خطب حسنة، وأشعار فى الزهد، ومواعظ ومجموعات. قلت: صنف كثيرا فى الرقائق والمواعظ. واختصر جملة من كتب الزهد، وصنف تفسيرا للقرآن، ولا أعلم هل كمله أم لا؟ وحدث. سمع منه البرزالى، والذهبى، وغيرهما. وكان يسكن بأهله فى أسفل المأذنة الشرقية بالجامع. وهناك: توفى ليلة الجمعة خامس عشر محرم سنة ثلاث وسبعمائة. وصلّى عليه عقب الجمعة بالجامع، وحمل على الأعناق والرءوس إلى سفح قاسيون، فدفن بتربة الشيخ أبى عمر. وتأسف المسلمون عليه رضى الله عنه. ٤٦٢ - إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن ركاب بن سعد بن ركاب بن سعد بن كامل بن عبد الله بن عمر بن عبد البارى بن عبيد بن عبد الباقى - وقيل: باقى بن وفاء. ويقال: فايد - بن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصارى، العبادى، الصالحى، المحدث المكثر المؤدب، نجم الدين أبو الفداء. ولد سنة تسع وعشرين وستمائة. وسمع من الحافظ ضياء الدين، وعبد الحق بن خلف، وعبد الله بن الشيخ أبى عمر، والمرسى، ثم طلب بنفسه، وجد واجتهد من سنة أربع وخمسين، وإلى أن مات.

стр. 790

وسمع وكتب ما لا يوصف كثرة من الرقائق وغيرها. وخرج لنفسه مشيخة فى مائة جزء عن أكثر من ألفى شيخ؛ فإنه كتب العالى والنازل، وعمن دب ودرج. وخرج سيرة لابن أبى عمر فى مائة وخمسين جزءا. وخرج أجزاء كثيرة لنفسه من أصحاب ابن كليب، والخشوعى، وابن الجوزى، وحنبل، وابن طبرزد، وممن بعدهم. وبالغ حتى كتب عمن دونه أكثر من ستمائة جزء. وحدث بها أيام الجمع على كرسيه بالجامع، وخرج أحاديث كثيرة فى الملاحم والفتن، وخرج لابن عبد الدائم مشيخة، ولغيره من الشيوخ. ولم يكن بالمتقن فيما يجمعه، وخطه ردئ سقيم. وكان متوددا، حسن الأخلاق متواضعا، وحصل كتبا وأصولا جيدة. سمع منه خلق من الحفاظ وغيرهم، كالمزى، والذهبى، وحدثنا عنه ولده مسند وقته أبو عبد الله محمد، وغير واحد. توفى فى يوم الثلاثاء حادى عشر صفر سنة ثلاث وسبعمائة بدمشق. ودفن من الغد بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى. ٤٦٣ - علي بن مسعود بن نفيس بن عبد الله الموصلى، ثم الحلبى، الصوفى المحدث، الحافظ الزاهد أبو الحسن. نزيل دمشق. ولد سنة أربع وثلاثين وستمائة. وسمع بحلب من ابن رواحة، وإبراهيم بن خليل. وذكر أنه سمع بها من يوسف بن خليل الحافظ، لكنه لم يظفر بذلك. وسمع بمصر من الكمال الضرير، والرشيد العطار، وغيرهما من أصحاب البوصيرى، وابن ياسين وبدمشق: من ابن عبد الدائم، والكرمانى، وجماعة من أصحاب الخشوعى، وأكثر عن أصحاب حنبل، وابن طبرزد، وطبقتهما. وقرأ كتبا مطولة مرارا.

стр. 791

وعنى بالحديث عناية تامة. وكانت قراءته مفسرة حسنة. وحصل الأصول. وكان يجوع ويشترى الأجزاء، ويتعفف ويقنع بكسرة فيسوء خلقه، مع التقوى والصلاح. وكان فقيها على مذهب أحمد، ينقل منه، ووقف كتبه وأجزاءه. وحدث. وسمع منه الذهبى، وجماعة. وتوفى فى صفر سنة أربع وسبعمائة بالمارستان الصغير بدمشق، وحمل إلى سفح قاسيون، فدفن به مقابل زاوية ابن قوام، وشيعه الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وجماعة. رحمه الله تعالى. ٤٦٤ - محمد بن إسماعيل بن أبى سعد بن على بن المنصور بن محمد بن الحسين الشيبانى، الآمدى، ثم المصرى، الكبير الأديب، شمس الدين أبو عبد الله، ابن الصاحب الكبير شرف الدين بن أبى الفداء بن البنى. ولد بمصر بكرة الأحد ثالث عشر المحرم سنة سبع وثمانين وستمائة. وسمع بمصر: من ابن الجميزى، وابن المقير. وبدمشق: من جماعة. وبماردين: من عبد الخالق النشترى. ونشأ بماردين. وكان والده الصاحب شرف الدين من العلماء الفضلاء، جمع تاريخا لمدينة «آمد» وله نظم ونثر، وسمع الحديث ورواه. وكان محدثا فاضلا، متقنا. توفى سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وكان وزيرا للملك السعيد الأرتقى، صاحب ماردين، وصار ابنه شمس الدين هذا مع ابن الملك المظفر بن السعيد نائبا لمملكته، ومدبرا للدولة، إلى أن ذهب رسولا من عند أمير أحمد ملك التتر إلى الملك المنصور قلاوون صاحب مصر، فحبسه ست سنين، حتى ولى ابنه الملك الأشرف، فأخرجه وأنعم عليه، وولاه نيابته بدار العدل. فباشرها مدة. وكان عالما فاضلا أديبا منشئا، ذا معرفة بالحديث والتاريخ، والسّير والنحو

стр. 792

واللغة، وافر العقل مليح العبارة، حسن الخط والنظم والنثر. جميل الهيئة. له حبرة تامة بسير الملوك والمتقدمين ودولهم، لا تمل مجالسته. قال الإمام صفى الدين بن عبد المؤمن بن عبد الحق: سمعته يتكلم على الحديث بعلم ومعرفة بالأسانيد، وكان يحفظ فوائد حسنة من الحديث واللغة والنحو. وذكر الذهبى: أنه نسب إلى نقص فى دينه، والله أعلم. حدث. وسمع منه جماعة، منهم: الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والمزى، والبرزالى، والذهبى، وصفى الدين عبد المؤمن المذكور. وتوفى بمصر ليلة الثلاثاء ثامن جمادى الآخرة سنة أربع وسبعمائة. ودفن بالقرافة، وكان سبب موته: أنه سقط من فرس، فكسرت أعضاؤه، وبقى أياما ثم مات رحمه الله تعالى وسامحه. ٤٦٥ - أحمد بن على بن عبد الله بن أبى البدر القلانسى الباجسرى؛ ثم البغدادى جمال الدين أبو بكر محدث بغداد ومفيدها. ولد فى جمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة. وعنى بالحديث. وسمع الكثير من حدود الستين، وإلى حين وفاته. وسمع من ابن أبى الدينة، والشيخ عبد الصمد. وابن ورخز، والطبقة. وقرأ الكثير بنفسه، وكتب بخطه، وخطه جيد متقن، وخرج لغير واحد من الشيوخ. والظاهر: أنه كان قارئ الحديث بالمستنصرية. وسمعت بعض شيوخنا، القدماء ببغداد، يحكى أنه ولى حسبة بغداد، وحدث بالقليل. سمع منه بعض شيوخنا، وغيرهم. وأجاز لجماعة، منهم: الحافظ الذهبى. وتوفى فى رجب سنة أربع وسبعمائة، ودفن بباب حرب، رحمه الله تعالى. ٤٦٦ - محمد بن عبد الله بن عمر بن أبى القاسم البغدادى المقرئ، المحدث الصوفى الكاتب، رشيد الدين أبو عبد الله بن أبى القاسم.

стр. 793

ولد ليلة الثلاثاء ثالث عشر ذى القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة. وسمع الكثير من ابن روزبة، والسهروردى، وابن الخازن، وابن بهروز. وابن اللتى، والحسن بن مرتضى العلوى، وعمر بن كرم، وغيرهم. وعنى بالحديث. وسمع الكتب الكبار والأجزاء، وكتب بخطه الأجزاء والطباق، وكثيرا من الكتب المطولة، وخطه فى غاية الحسن. وخرج لنفسه سباعيات ضعيفة من طريق «خراش» ونحوه، وكان عالما صالحا من محاسن البغداديين وأعيانهم، ذا لطف وسهولة، وحسن أخلاق، ومن أجلاء العدول. ولى مشيخة رباط الأرجوانية بدرب راخى ببغداد، ومشيخة دار الحديث المستنصرية، ولبس خرقة التصوف من السهروردى، وحدث بالكثير. وسمع منه خلق من أهل بغداد والرحالين، وانتهى إليه علو الإسناد، سمعنا من جماعة من أصحابه ببغداد ودمشق. وتوفى فى تاسع جمادى الآخرة سنة سبع وسبعمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب رحمه الله تعالى. ٤٦٧ - علي بن عبد الحميد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد ابن بكير الفنيدقى الفقيه، نور الدين أبو الحسن. ولد سنة ست - أو خمس - وثلاثين وستمائة. وسمع من أبى عبد الله بن سعد المقدسى، وجده لأمه خطيب مردا، وعبد الحميد بن عبد الهادى، وبمصر من الرشيد العطار، وجماعة. وتفقه وبرع، وأفتى، وكتب بخطه كتبا كثيرة، ودرس مع دين وتواضع وصدق، وسكن بنابلس مدة، ثم قدم دمشق. وأضر بآخره. وسمع منه الذهبى، وروى عنه فى معجمه. وتوفى بجبل نابلس فى رجب سنة سبع وسبعمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 794

٤٦٨ - محمد بن عبد الرحمن بن شامة بن كوكب بن العز - أو ابن أبى العز - ابن حميد الطائى، السنتبسى السوادى الحكمى - و «حكمه» بالفتح قرية من قرى السواد - المحدث الحافظ، الزاهد العابد، شمس الدين أبو عبد الله. ولد فى رجب سنة اثنين وستين وستمائة. وحضر بدمشق على ابن عبد الدائم. وسمع من عبد الوهاب المقدسى. وطلب بنفسه، وسمع من أحمد بن أبى الخير، وابن أبى عمر، وإبراهيم بن الدرجى، ويحيى بن الصيرفى الفقيه، وابن البخارى، وخلق من هذه الطبقة. ورحل سنة ثلاث وثمانين إلى مصر. وسمع بها من العز الحرانى، وابن خطيب المزة، وغازى الحلاوى، وابن الأنماطى، وابن القسطلانى، وغيرهم. وسمع بالإسكندرية من ابن طرخان، وجماعة. ورحل إلى بغداد. وسمع بها من أبى الفضل بن الزيات، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف البزاز، وابن المالحانى، والرشيد بن أبى القاسم، وابن الطبال. وغيرهم وسمع بأصبهان، والبصرة، وحلب، وواسط. وعنى بهذا الفن، وحصل الأصول، وكتب العالى والنازل، وخرج لنفسه. قال الحافظ عبد الكريم الحلبى: كان إماما عالما، فاضلا حسن القراءة، فصيحا ضابطا متقنا، كتب الكثير بخطه وطاف البلاد. وقرأ الكثير. وسمع من صغره إلى حين وفاته. وقال البرزالى: سافر إلى حلب مرتين للسماع. وعلت همته، فسافر إلى العراق. ودخل أصبهان وغيرها من البلاد. وكان ثقة، ولديه فضل وقراءة حسنة فصيحة، صحيحة معربة، وخالط الفقراء. وصارت له أوراد كثيرة، وكثرة تلاوة. واستوطن ديار مصر. وتزوج وولد له بها، وصارت له بها حظوة وشهرة بالحديث وقراءته. وكان يسكن مصر، ويتردد إلى القاهرة لوظائفه ومواعيده. وكان ملازما

стр. 795

للتلاوة فى مشيه، مواظبا على قيام الليل، كثير القراءة للحديث والكتابة والنسخ، معمور الأوقات بالطاعات، ونسخ «الصحيحين» بخطه، وقابلهما وقرأهما، وبيعا فى تركته بألف درهم رغبة فيه، وفى تصحيحه، واعتقادا فى فضيلته وديانته. وقال الذهبى فى معجمه: أحد الرحالين والحفاظ والمكثرين. دخل إلى أصبهان، طمعا أن يجد بها رواة، فلم يلق شيوخا ولا طلبة فرجع. وكتب بخطه كتبا كبارا، وسمعها مررا. وكان ثقة، صحيح النقل، عارفا بالأسماء، من أهل الدين والعبادة، مفيدا للطلبة بمصر. وكان كثير التلاوة والصلاة، على طريقة السلف فى لبسه وتواضعه، وترك التكلف. ووصفه فى موضع آخر بالفضيلة. والفصاحة وسرعة القراءة. وحدث. وسمع منه البرزالى، والذهبى وعبد الكريم الحلبى؛ وذكروه فى معاجمهم، وابن المهندس، وغيرهم. توفى فى آخر نهار الثلاثاء رابع عشرى ذى القعدة سنة ثمان وسبعمائة بمصر. وصلّى عليه من الغد بجامع عمرو بن العاص، ودفن بالقرافة بالقرب من الشافعى. رضى الله عنه. ٤٦٩ - محمد بن أبى الفتح بن أبى المفضل البعلى، الفقيه المحدث، النحوى اللغوى. شمس الدين أبو عبد الله. ولد سنة خمس وأربعين وستمائة. قاله الذهبى. وقال غيره: فى أول سنة أربع وأربعين ببعلبك. وسمع بها من الفقيه محمد اليونينى. وبدمشق: من إبراهيم بن خليل، ومحمد ابن عبد الهادى، وابن عبد الدائم، وعمر الكرمانى، وابن مهير البغدادى صاحب ابن بوش، وجماعة من أصحاب الخشوعى، وابن طبرزد. وطبقته.

стр. 796

وعنى بالحديث. وطلب وقرأ بنفسه. وكتب بخطه، وتفقه على ابن أبى عمر وغيره، حتى برع وأفتى. وقرأ العربية واللغة على ابن مالك، ولازمه حتى برع فى ذلك. وصنف تصانيف. منها: كتاب «شرح الجرجانية» فى مجلدتين و «شرح الألفية» لابن مالك، وكتاب «المطلع على أبواب المقنع» فى شرح غريب ألفاظه ولغاته، وابتدأ فى «شرح الرعاية» فى الفقه، لابن حمدان. وله تعاليق كثيرة فى الفقه والنحو، وتخاريج كثيرة فى الحديث، يروى فيها الحديث بأسانيده. وتكلم على المتون من جهة الإعراب والفقه، وغير ذلك وخرج لغيره أيضا. وأمّ بمحراب الحنابلة بجامع دمشق مدة طويلة، ودرس به بحلقة الصالح بن صاحب حمص. ودرس بالصدرية، فأظنه درس الحديث بها، وأعاد بمدرسة الحنبلية وغيرها من المدارس. ودرس بالحنبلية وقتا. وأفتى زمنا طويلا. وتصدى للاشتغال، وتخرج به جماعة، وانتفعوا به. قال الذهبى: كان إماما فى المذهب، والعربية والحديث، غزير الفوائد متقنا. صنف كتبا كثيرة مفيدة. وكان ثقة صالحا، متواضعا على طريقة السلف، مطرح للتكلف فى أموره، حسن البشر، حدثنا بدمشق وبلعبك وطرابلس وتوفى بالقاهرة فى ثامن عشر المحرم سنة تسع وسبعمائة. وذلك بعد دخوله إياها بدون شهر. وكان زار القدس. وسار إلى مصر ليسمع ابنه، ويطلب له مدرسة، أو زيادة رزق. وذكر فى تاريخه: أنه توفى ليلة السبت وقت العشاء بالمدرسة المنصورية بمارستانها. ودفن عند الحافظ عبد الغنى بالقرافة. وحصل التأسف عليه ﵀.

стр. 797

وفى ليلة الجمعة رابع عشر ربيع الأول من السنة: توفى قاضى قضاة الحنابلة بالديار المصرية الشيخ: - ٤٧٠ - شرف الدين عبد الغنى بن يحيى بن محمد بن قاضى حران عبد الله ابن نصر بن أبى بكر الحرانى. ودفن من بكرة الغد بالقرافة وكان مولده فى رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة. روى جزء ابن عرفة عن شيخ الشيوخ الأنصارى. سمع منه الطلبة. وولى نظر الخزانة السلطانية مدة. ثم أضيف إليه القضاء، وتدريس الصالحية. وكان مشكور السيرة، كثير المكارم، حسن الخلق والخلق، مزجى البضاعة من العلم. ٤٧١ - أحمد بن حسن بن عبد الله بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على ابن سرور المقدسى، ثم الصالحى، الفقيه، قاضى القضاة، شهاب الدين أبو العباس ابن الشيخ شرف الدين بن الحافظ أبى موسى بن الحافظ الكبير أبى محمد. وقد تقدم ذكر آبائه. ولد فى ثانى عشر صفر سنة ست وخمسين وستمائة بسفح قاسيون وسمع من ابن عبد الدائم وغيره. وتفقه وبرع، ودرس وأفتى، ودرس بالمدرسة الصاحبية، وبحلقة الحنابلة بالجامع، وأم بمحراب الحنابلة بالجامع أيضا. وولى القضاء بالشام نحو ثلاثة أشهر سنة تسع وسبعمائة فى دولة المظفر الششنكير. ثم عزل لما عاد الملك الناصر إلى الملك. وأعيد القاضى تقى الدين سليمان. قال البرزالى: كان رجلا جيدا من أعيان الحنابلة وفضلائهم. وكان فقيها، حسن العبارة. وقرأ الحديث، وروى لنا عن ابن عبد الدائم وتوفى يوم الأربعاء تاسع عشرين ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة. ودفن من الغد بتربة الشيخ أبى عمر بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى. ٤٧٢ - أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مسعود بن عمر الواسطى الحزامى، الزاهد القدوة العارف، عماد الدين أبو العباس، ابن شيخ الحزاميين

стр. 798

ولد فى حادى عشر - أو ثانى عشر - ذى الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة بشرقى واسط. وكان أبوه شيخ الطائفة الأحمدية. ونشأ الشيخ عماد الدين بينهم، وألهمه الله من صغره طلب الحق ومحبته، والنفور عن البدع وأهلها، فاجتمع بالفقهاء بواسط كالشيخ عزّ الدين الفاروتى وغيره. وقرأ شيئا من الفقه على مذهب الشافعى. ثم دخل بغداد، وصحب بها طوائف من الفقهاء، وحج واجتمع بمكة بجماعة منهم. وأقام بالقاهرة مدة ببعض خوانقها، وخالط طوائف الفقهاء، ولم يسكن قلبه إلى شئ من الطوائف المحدثة. واجتمع بالإسكندرية بالطائفة الشاذلية، فوجد عندهم ما يطلبه من لوايح المعرفة، والمحبة والسلوك (١)، فأخذ ذلك عنهم، وانتفع بهم، واقتفى طريقتهم وهديهم. ثم قدم دمشق، فرأى الشيخ تقى الدين ابن تيمية وصاحبه، فدله على مطالعة السيرة النبوية، فأقبل على سيرة ابن إسحاق تهذيب ابن هشام، فلخصها واختصرها، وأقبل على مطالعة كتب الحديث والسنة والآثار، وتخلى من جميع طرائفه وأحواله، وأذواقه وسلوكه، واقتفى آثار الرسول ﷺ وهديه، وطرائقة المأثورة عنه فى كتب السنن والآثار، واعتنى بأمر السنة أصولا وفروعا، وشرع فى الرد على طوائف المبتدعة الذين خالطهم وعرفهم من الاتحادية وغيرهم، وبين عوراتهم، وكشف أستارهم، وانتقل إلى مذهب الإمام أحمد. وبلغنى: أنه كان يقرأ فى «الكافى» على الشيخ مجد الدين الحرانى الآنى ذكره إن شاء الله تعالى. واختصره فى مجلد سماه «البلغة» وألف تآلف كثيرة فى الطريقة النبوية، والسلوك الأثرى والفقر المحمدى؛ وهى من أنفع كتب الصوفية للمريدين، انتفع بها خلق من متصوفة أهل الحديث ومتعبديها.

стр. 799

وكان الشيخ تقى الدين ابن تيمية يعظمه ويجله، ويقول عنه: هو جنيد وقته. وكتب إليه كتابا من مصر أوله «إلى شيخنا الإمام العارف القدوة السالك». قال البرزالى عنه فى معجمه: رجل صالح عارف، صاحب نسك وعبادة، وانقطاع وعزوف عن الدنيا. وله كلام متين فى التصوف الصحيح. وهو داعية إلى طريق الله تعالى، وقلمه أبسط من عبارته. واختصر السيرة النبوية. وكان يتقوت من النسخ، ولا يكتب إلا مقدار ما يدفع به الضرورة. وكان محبا لأهل الحديث، معظما لهم. وأوقاته محفوظة. وقال الذهبى: كان سيدا عارفا كبير الشأن، منقطعا إلى الله تعالى. وكان ينسخ بالأجرة وينقوت، ولا يكاد يقبل من أحد شيئا إلا فى النادر. صنف أجزاء عديدة فى السلوك والسير إلى الله تعالى، وفى الرد على الاتحادية والمبتدعة. وكان داعية إلى السنة، ومذهبه مذهب السلف الصالح فى الصفات، يمرّها كما جاءت. وقد انتفع به جماعة صحبوه، ولا أعلم خلف بدمشق فى طريقته مثله. قلت: ومن تصانيفه «شرح منازل السائرين» ولم يتمه، وله نظم حسن فى السلوك. كتب عنه الذهبى والبرزالى، وسمع منه جماعة من شيوخنا وغيرهم، وكان له مشاركة جيدة فى العلوم، وعبارة حسنة قوية، وفهم جيد، وخط حسن فى غاية الحسن. وكان معمور الأوقات بالأوراد والعبادات، والتصنيف، والمطالعة، والذكر والفكر، مصروف العناية إلى المراقبة والمحبة، والأنس بالله، وقطع الشواغل والعوائق عنه، حثيث السير إلى وادى الفناء بالله، والبقاء به، كثير اللهج بالأذواق والتجليات، والأنوار القلبية، منزويا عن الناس، لا يجتمع إلا بمن يحبه، ويحصل له باجتماعه به منفعة دينية. ولم يزل على ذلك إلى أن توفى آخر نهار السبت سادس عشر ربيع الآخر سنة إحدى عشر وسبعمائة. بالمارستان الصغير بدمشق، وصلّى عليه من الغد بالجامع، ودفن بسفح قاسيون، قبالة زاوية السيوفى، رضى الله عنه.

стр. 800

٤٧٣ - محمد بن أحمد بن أبى نصر بن الدباهى البغدادى، الزاهد شمس الدين، أبو عبد الله بن أبى العباس. ولد سنة ست - أو سبع - وثلاثين وستمائة ببغداد. وصحب الشيخ يحيى الصرصري، وكان خال والدته، والشيخ عبد الله كتيلة مدة، وسافر معه، وأجاز له التسترى من ماردين، وجاور بمكة عشر سنين، ودخل الروم، والجزيرة، ومصر، والشام، ثم استوطن دمشق، وتوفى بها. قال الشيخ كمال الدين بن الزملكانى عنه: شيخ صالح، عارف زاهد، كثير الرغبة فى العلم وأهله، والحرص على الخير، والاجتهاد فى العبادة، تخلى عن الدنيا، وخرج عنها، ولازم العبادة، والعمل الدائم والجد، واستغرق أوقاته فى الخير، وكان لديه فضل. وعنده مشاركات جيدة فى علوم. وله عبارة حسنة فيما يكتبه، وطلب الفوائد الدينية. متقشف ورع، صلب فى الدين، مجانب لمن يخشى على دينه منه، محب للصالحين وأهل الخير، منقطع عن الناس مهيب. يقوم الليل ويكثر الصوم، ويطيل الصلاة بخشوع وإخبات واستغراق، ويتلو القرآن العظيم، لا يرى خاليا من أفعال الخير وأعمال البر، ويتصدق فى السر، وينصح الإخوان، ويسعى فى مصالحهم، ويحسن القيام على عياله، ويلازم الجماعات فى الجامع، ولا يغشى السلاطين ولا الولاة، ولا أهل الدنيا، إلا عند ضرورة دينية. وكان يخشن مأكله وملبسه، ويحب طريق السلف الصالح، وإذا رآه إنسان عرف الجد فى وجهه، يقوم فيما يظهر له من الحق، ويأمر بما يمكنه من المعروف، وينهى عما يقدر على النهى عنه من المنكر، ولم يزل كذلك حتى توفى. قال البرزالى: أحد المشايخ العارفين الصالحين، وله كلام حسن. وجمع وتأليف، وهو حسن الجملة، عديم التكلف، وافر الإخلاص، متبع للسنة، حسن المشاركة فى العلم، سيد من السادات. وقال الذهبى: كان إماما فقيه النفس، عارفا بمعاملات القلوب، صحب

стр. 801

خلقا من المشايخ، وأخذ عنهم أخلاق القوم وطريقهم، وكان حسن المجالسة، متبعا للسنة، محذرا من البدعة، كثير الطلب، ترك أباه ونعمته وتجرد، ودخل الروم، والجزيرة، والشام، ومصر، والحجاز، يصحب بقايا الصوفية، ويقتفى آثارهم، وحفظ كثيرا عنهم وعن مشايخ الطريق، وأنفق كثيرا من الأموال من ميراثه على الفقراء. وقرأ الفقه فى شبيبته على مذهب أحمد، وجاور بالحرمين بضع عشرة سنة، وتأهّل وولد له، فلما لمعت له أنوار شيخنا - يعنى: ابن تيمية - وظفر بأضعاف تطلبه: ارتحل إلى دمشق بأهله، واستوطنها. علقت عنه: أشياء، وسمعت من تأليفه خطبة بليغة، وصحبته بضع عشرة سنة، وسمعت منه جزءا بإجازته من التشتبرى. قلت: سمع منه البرزالى، والذهبي، وذكراه فى معجميهما. قال الذهبى: ابتلى بضيق النفس سبعة أشهر، ثم بالاستسقاء. وانتقل إلى رحمة الله يوم الخميس رابع عشر شهر ربيع الآخر، سنة إحدى عشر وسبعمائة. ودفن بقاسيون قبل الشيخ عماد الدين الواسطى بيومين. وأنشدنى بعضهم: الدهر ساومنى عمرى، فقلت له … لا بعت عمرى بالدنيا وما فيها ثم اشتراه تفاريقا بلا ثمن … تبّت يدا صفقة قد خاب شاريها وذكر البرزالى: أنه توفى آخر نهار الخميس المذكور عند الغروب، وصلّى عليه ضحى نهار الجمعة بالجامع، ودفن غربى تربة الشيخ أبى عمر، رضى الله عنهما. ٤٧٤ - مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد بن عياش الحارثى البغدادى، ثم المصرى الفقيه، المحدث الحافظ، قاضى القضاة سعد الدين أبو محمد، وأبو عبد الرحمن.

стр. 802

ولد سنة اثنين - أو ثلاث - وخمسين وستمائة. وسمع بمصر من الرضى بن البرهان، والنجيب الحرانى، وابن علاف، وجماعة من أصحاب البوصيرى وطبقته. وبالإسكندرية: من عثمان بن عوف، وابن الفرات، وبدمشق: من أحمد بن أبى الخير. وأبى زكريا بن الصيرفى. وخلق من هذه الطبقة. وعنى بالحديث. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه الكثير. وخرج لجماعة من الشيوخ معاجم. منهم: الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والأبرقوهى وغيرهما. وتفقه على ابن أبى عمر وغيره. وبرع وأفتى. وصنف، شرح بعض سنن أبى داود. وخرج لنفسه آمالى. وتكلم فيها على الحديث ورجاله. وعلى التراجم. فأحسن وشفى. وشرح قطعة من كتاب «المقنع» فى الفقه من العارية إلى آخر الوصايا، وكلامه فى الحديث أجود من كلامه فى الفقه؛ فإنه كان أجود فنونه. وكان يكتب خطا حسنا حلوا متقنا. وخطه معروف، وحج غير مرة. ودرس بعدة أماكن، كالمنصورية، وجامع الحاكم، وولى القضاء سنتين ونصفا. وكان سنّيّا اثريّا، متمسكا بالحديث. قال الذهبى فى معجمه: كان فقيها مناظرا مفتيا، عالما بالحديث وفنونه، حسن الكلام عليه وعلى الأسماء، ذا حظ من عربية وأصول. خرج لغير واحد، وأقرأ المذهب ودرس، ورأس الحنابلة. وروى عنه إسماعيل بن الخباز - وهو أسن منه - وأبو الحجاج المزى، وأبو محمد البرزالى. وذكره الذهبى أيضا فى طبقات الحفاظ، وقال: كان عارفا بمذهبه ثقة، متقنا صيتا، مليح الشكل. فصيح العبارة. وافر التجمل، كبير القدر. وروى عنه حديث من جزء ابن عرفة.

стр. 803

وقال فى المعجم المختصر: كان عارفا بمذهبه، بصيرا بكثير من الحديث وعلله ورجاله. مليح التخريج، من كبار أهل الفن. قلت: حدث بالكثير، وروى عنه جماعة من شيوخنا، وغيرهم. وتوفى فى سحر يوم الأربعاء رابع عشر ذى الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالقاهرة، ودفن من يومه بالقرافة، ﵀. والحارثى: نسبة إلى «الحارثية» قرية من قرى بغداد غربيها، كان أبوه منها، وكان تاجرا بخط حنش. ولد الشيخ بقرية قريبة من مقبرة معروف الكرخى غربى بغداد. ٤٧٥ - سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى. ثم الصالحى، قاضى القضاة، تقى الدين أبو الفضل. ولد فى منتصف رجب، سنة ثمان وعشرين وستمائة. وحضر على ابن الزبيدى صحيح البخارى، وعلى الفخر الأربلى. وابن المقير وجماعة. وسمع من ابن اللتى، وجعفر الهمدانى، وكريمة القرشية، وابن الجميزى، وإسماعيل بن ظفر، والحافظ ضياء الدين، وابن قميرة، وغيرهم. وأكثر عن الحافظ ضياء الدين، حتى قال: سمعت منه نحو ألف جزء. وقرأ بنفسه على ابن عبد الدائم وغيره كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء، وأجاز له خلق من البغداديين: كالسهروردى والقطيعى، وابن روزبة، وعمر ابن كرم، وإسماعيل بن باتكين، وزكريا العلثى، والأنجب الحمامى. ومن المصريين: كابن العماد، وعيسى بن عبد العزيز، وابن باقا. ومن الأصبهانيين: كمحمد بن عبد الواحد المدينى، ومحمد بن زهير شعرانة، وثابت بن محمد الخجندى، ومحمود بن منده، وطائفة وجماعة من الشاميين وغيرهم. ولازم الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، وأخذ عنه الفقه والفرائض، وغير ذلك.

стр. 804

قال البرزالى: شيوخه بالسماع نحو مائة شيخ، وبالإجازة: أكثر من سبعمائة، وخرجت له المشيخات، والعوالى والمصافحات، والموافقات، ولم يزل يقرأ عليه إلى قبيل وفاته بيوم. قال: وكان شيخا جليلا، فقيها كبيرا، بهى المنظر، وضئ الشيبة، حسن الشكل، مواظبا على حضور الجماعات، وعلى قيام الليل والتلاوة والصيام، له أوراد وعبادة. وكان عارفا بالفقه، خصوصا كتاب «المقنع» قرأه وأقرأه مرات كثيرة. وكانت له حلقه بالجامع المظفرى. وقرأ عليه جماعة، ودرس «الكافى» جميعه. وكان يذكر الدرس ذكرا حسنا متقنا، ويحفظه من ثلاث مرات ونحوها. وكان قوى النفس، لين الجانب، حسن الخلق، متوددا إلى الناس، حريصا على قضاء الحوائج، وعلى النفع المتعدى. وحدث بثلاثيات البخارى سنة ست وخمسين وستمائة، وحدث بجميع الصحيح سنة ستين، وولى القضاء سنة خمس وتسعين. قال الذهبى: كان فقيها إماما محدثا، أفتى نيفا وخمسين سنة، ودرس بالجوزية وغيرها. وبرع فى المذهب، وتخرج به الفقهاء، وروى الكثير، وتفرد فى زمانه، وكان كيسا متواضعا، حسن الأخلاق، وافر الجلالة، ذا تعبد وتهجد وإيثار. وقال أيضا: كان صاحب ليل ومعروف، ولين كلمة، وجبر للأرملة والضعيف، ولم يخلف مثله. وقال أيضا: ولكنه يجرى فى أحكامه ما الله به أعلم. والآفة من سبطه. والله المستعان. ولولا دخوله فى القضاء لعدّ من العلماء العاملين. وهو مع هذا مسلم، ذو حظ من عبادة، وتواضع ولين وفتوة. قلت: وسمعت شيخنا الحافظ أبا سعيد العلائى ببيت المقدس يقول: ﵀ شيخنا القاضى تقى الدين سليمان، سمعته يقول: لم أصل الفريضة قط منفردا إلا مرتين، وكأنى لم أصلهما قط.

стр. 805

حدث بالكثير. وسمع منه الأبيوردى، وذكره فى معجمه - وتوفى قبله بدهر - وابن الخباز - وتوفى قبله بمدة - وحدث عنه من بعد الستين. وسمع منه أئمة وحفاظ. وروى عنه خلق كثير. حدثنا عنه جماعة كثيرة من أصحابه. وتوفى ليلة الاثنين حادى عشر ذى القعدة سنة خمس عشرة وسبعمائة بمنزله بالدير فجأة. وكان قد حكم يوم الأحد بالمدينة. وطلع إلى الجبل إلى آخر النهار، فعرض له تغير يسير، وتوضأ للمغرب، ومات عقب الصلاة، ودفن من الغد بتربة جده الشيخ أبى عمر، وحضره خلق كثير رحمه الله تعالى. ٤٧٦ - سليمان بن عبد القوى بن عبد الكريم بن سعيد، الطوفى الصرصرى ثم البغدادى، الفقيه الأصولى، المتفنن، نجم الدين أبو الربيع. ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة بقرية «طوفى» من أعمال «صرصر» وحفظ بها «مختصر الخرقى» فى الفقه، و «اللمع» فى النحو لابن جنى. وتردد إلى صرصر. وقرأ الفقه بها على الشيخ زين الدين على بن محمد الصرصرى الحنبلى النحوى، ويعرف بابن البوقى. وكان فاضلا صالحا. ثم دخل بغداد سنة إحدى وتسعين فحفظ «المحرر» فى الفقه، وبحثه على الشيخ تقى الدين الزيرراتى. وقرأ العربية والتصريف على أبى عبد الله محمد بن الحسين الموصلى، والأصول على النصر الفاروقى وغيره. وقرأ الفرائض وشيئا من المنطق، وجالس فضلاء بغداد فى أنواع الفنون، وعلق عنهم. وسمع الحديث من الرشيد بن أبى القاسم، وإسماعيل بن الطبال، والمفيد عبد الرحمن بن سليمان الحرانى، والمحدث أبى بكر القلانسى وغيرهم. ثم سافر إلى دمشق سنة أربع وسبعمائة، فسمع بها الحديث من القاضى تقى الدين سلمان بن حمزة وغيره. ولقى الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والمزى

стр. 806

والشيخ مجد الدين الحرانى، وجالسهم. وقرأ على ابن أبى الفتح البعلى بعض ألفية ابن مالك. ثم سافر إلى ديار مصر سنة خمس وسبعمائة، فسمع بها من الحافظ عبد المؤمن ابن خلف، والقاضى سعد الدين الحارثى. وقرأ على أبى حيان النحوى، مختصره لكتاب سيبويه، وجالسه. ثم سافر إلى الصعيد، ولقى بها جماعة، وحج، وجاور بالحرمين الشريفين، وسمع بها. وقرأ بنفسه كثيرا من الكتب والأجزاء، وأقام بالقاهرة مدة، وولى بها الإعادة بالمدرستين: المنصورية، والناصرية، فى ولاية الحارثى. وصنف تصانيف كثيرة. ويقال: إن له بقوص خزانة كتب من تصانيفه فإنه أقام بها مدة. ومن تصانيفه «بغية السائل فى أمهات المسائل» فى أصول الدين، وقصيدة فى العقيدة وشرحها، «مختصر الروضة» فى أصول الفقه، وشرحه فى ثلاث مجلدات، «مختصر الحاصل» فى أصول الفقه، «القواعد الكبرى» و «القواعد الصغرى» «الإكسير فى قواعد التفسير»، «الرياض النواضر فى الأشباه والنظائر»، «بغية الواصل إلى معرفة الفواصل» مصنف فى الجدل، وآخر صغير، «درء القول القبيح فى التحسين والتقبيح»، «مختصر المحصول»، «دفع التعارض عما يوهم التناقض» فى الكتاب والسنة، «معراج الوصول إلى علم الأصول» فى أصول الفقه، «الرسالة العلوية فى القواعد العربية»، «غفلة المجتاز فى علم الحقيقة والمجاز»، «الباهر فى أحكام الباطن والظاهر»، «رد على الاتحادية»، «مختصر المعالين» جزءين فيه: أن الفاتحة متضمنة لجميع القرآن، «الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة»، «الرحيق السلسل فى الأدب المسلسل»، «تحفة أهل الأدب فى معرفة لسان العرب»، «الانتصارات الإسلامية فى دفع شبه النصرانية»، «تعاليق» على الرد على جماعة من النصارى «تعاليق» على الأناجيل وتناقضها، شرح نصف «مختصر

стр. 807

الخرقى» فى الفقه، «مقدمة فى علم الفرائض»، «شرح مختصر التبريزى»، «شرح مقامات الحريرى» مجلدين، «موائد الحيس فى شعر امرئ القيس»، «شرح أربعين النووى». واختصر كثيرا من كتب الأصول، ومن كتب الحديث أيضا، ولكن لم يكن له فيه يد. ففى كلامه تخبيط كثير. وله نظم كثير رائق، وقصائد فى مدح النبى ﷺ ، وقصيدة طويلة فى مدح الإمام أحمد. وكان مع ذلك كله شيعيا منحرفا فى الاعتقاد عن السنة، حتى إنه قال فى نفسه: حنبلى رافضى أشعرى؟ … هذه أحد العبر ووجد له فى الرفض قصائد، وهو يلوح فى كثير من تصانيفه، حتى إنه صنف كتابا سماه «العذاب الواصب على أرواح النواصب». ومن دسائسه الخبيثة: أنه قال فى شرح الأربعين للنووى: اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء: تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب فى ذلك: عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه فى تدوين السنة من ذلك الزمان، فمنعهم من ذلك وقال: لا أكتب مع القرآن غيره، مع علمه أن النبى ﷺ قال «اكتبوا لأبى شاه خطبة الوداع» وقال: «قيدوا العلم بالكتابة». قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبى ﷺ لا نضبطت السنة، ولم يبق بين آخر الأمة وبين النبى ﷺ فى كل حديث إلا الصحابى الذى دون روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخارى ومسلم ونحوهما. فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن: أن أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه هو الذى أضل الأمة، قصدا منه وتعمدا. ولقد كذب فى ذلك وفجر. ثم إن تدوين السنة أكثر ما يفيد صحتها: وتواترها. وقد صحت بحمد الله تعالى، وحصل العلم بكثير من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها - أو أكثرها -

стр. 808

لأهل الحديث العارفين به من طرق كثيرة، دون من أعمى الله بصيرته، لاشتغاله عنها بشبه أهل البدع والضلال. والاختلاف لم يقع لعدم تواترها، بل وقع من تفاوت فهم معانيها. وهذا موجود، سواء دونت وتواترت أم لا. وفى كلامه إشارة إلى أن حقها اختلط بباطلها، ولم يتميز. وهذا جهل عظيم. وقد كان الطوفى أقام بالمدينة النبوية مدة يصحب الرافضة: السكاكينى المعتزلى، ويجتمعان على ضلالتهما، وقد هتكه الله، وعجل الانتقام منه بالديار المصرية قال تاج الدين أحمد بن مكتوم القيسى فى حق الطوفى: قدم علينا - يعنى الديار المصرية - فى زىّ أهل الفقر، وأقام على ذلك مدة، ثم تقدم عند الحنابلة، وتولى الإعادة فى بعض مدارسهم، وصار له ذكر بينهم. وكان يشارك فى علوم، ويرجع إلى ذكاء وتحقيق، وسكون نفس، إلا أنه كان قليل النقل والحفظ، وخصوصا للنحو على مشاركة فيه، واشتهر عنه الرفض، والوقوع فى أبى بكر وابنته عائشة رضى الله عنهما، وفى غيرهما من جملة الصحابة رضى الله عنهم، وظهر له فى هذا المعنى أشعار بخطه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويظهر موافقة له، منها قوله فى قصيدة: كم بين من شك فى خلافته … وبين من قيل: إنه الله فرفع أمر ذلك إلى قاضى قضاة الحنابلة سعد الدين الحارثى، وقامت عليه بذلك البينة، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيزه وإشهاره، وطيف به، ونودى عليه بذلك، وصرف عن جميع ما كان بيده من المدارس، وحبس أياما، ثم أطلق. فخرج من حينه مسافرا، فبلغ إلى «قوص» من صعيد مصر، وأقام بها مدة، ثم حج فى أواخر سنة أربع عشرة. وجاور سنة خمس عشرة. ثم حج، ثم نزل إلى الشام إلى الأرض المقدسة، فأدركه الأجل فى بلد الخليل ﵇ فى شهر رجب سنة ست عشرة وسبعمائة. قلت: وقد ذكر بعض شيوخنا عمن حدثه عن آخر: أنه أظهر له التوبة

стр. 809

وهو محبوس. وهذا من تقيته ونفاقه؛ فإنه فى آخر عمره لما جاور بالمدينة كان يجتمع هو والسكاكينى شيخ الرافضة، ويصحبه. ونظم فى ذلك ما يتضمن السب لأبى بكر الصديق رضى الله عنه. وقد ذكر ذلك عنه شيخنا المطرى، حافظ المدينة ومؤرخها. وكان قد صحبه بالمدينة، وكان الطوفى بعد سجنه قد نفى إلى الشام، فلم يمكنه الدخول إليها؛ لأنه كان قد هجا أهلها وسبهم، فخشى منهم، فسار إلى دمياط، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى الصعيد. ٤٧٧ - أبو القاسم بن محمد بن خالد بن إبراهيم، الحرانى، الفقيه التاجر بدر الدين، أخو الشيخ تقى الدين ابن تيمية لأمه. ولد سنة خمسين وستمائة تقريبا - أو سنة إحدى وخمسين - بحران. وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبى اليسر، وابن الصيرفى، وابن أبى عمر، وغيرهم. وتفقه، ولازم الاشتغال على شيوخ المذهب مدة وأفتى، وأمّ بالمدرسة الجوزية، بمسجد الرماحين، ودرس بالمدرسة الحنبلية نيابة عن أخيه الشيخ تقى الدين مدة. قال البرزالى: كان فقيها مباركا، كثير الخير، قليل الشر، حسن الخلق، منقطعا عن الناس. وكان يتجر ويتكسب، وخلف لأولاده تركة، وروى جزء ابن عرفة مرات عديدة. وقال الذهبى: كان فقيها عالما إماما بالجوزية. وله رأس مال يتجر فيه. وكان قد تفقه على أبى زكريا بن الصيرفى، وابن المنجى، وغيرهما بدمشق. سمعنا منه جزء ابن عرفة غير مرة، ودرس بالحنبلية ثمانية أعوام. وكان خيرا متواضعا. قال البرزالى: وتوفى يوم الأربعاء ثامن جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة. ودفن من يومه بمقابر الصوفية عند والدته، وحضر جمع كثير. رحمه الله تعالى.

стр. 810

٤٧٨ - عبد الله بن أحمد بن تمام بن حسان المكى الصالحى، الأديب الزاهد، تقى الدين أبو محمد. ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة. سمع الحديث من ابن قميرة، والمرسى، وإبراهيم بن خليل، والبلدانى، وخطيب مردا. وجماعة. وقرأ النحو والأدب على الشيخ جمال الدين بن مالك وعلى والده بدر الدين، وصحبه ولازمه مدة، وأقام بالحجاز مدة. واجتمع بالشيخ تقى الدين الحورانى الزاهد وغيره، وسافر إلى الديار المصرية، وأقام بها مدة. وله نظم كثير حسن رائق. قال البرزالى: كان شيخا فاضلا، بارعا فى الأدب، حسن الصحبة، مليح المحاضرة، صحب الفقراء والفضلاء، وتخلق بالأخلاق الجميلة، وخرج له فخر الدين ابن البعلبكى مشيخة قرأتها عليه وكتبنا عنه من نظمه وكان زاهدا متقللا من الدنيا، لم يكن له أثاث ولا طاسة ولا فراش، ولا سراج ولا زبدية، بل كان بيته خاليا من ذلك كله. حدثنى بذلك أخوه الشيخ محمد. وقال لى القاضى شهاب الدين محمود الكاتب: صحبته أكثر من خمسين سنة. وأثنى عليه ثناء جميلا، وعظمه وبجلّه، ووصفه بالزهد والفراغ من الدنيا، وذكر نحو ما ذكر أخوه. توفى ليلة السبت ثالث ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وسبعمائة، ودفن من الغد بمقابر المرداويين بالقرب من تربة الشيخ أبى عمر. رحمه الله تعالى. أنشدنا أبو العباس المقدسى. أنشدنا عبد الله بن تمام لنفسه: أشاهد من محاسنكم منارا … يكاد البدر يشبهه شقيقا وأصحب من جمالكم خيالا … فأنّى سرت يرشدنى الطريقا أرى نجم الزمان بكم سعيدا … ومعنى حسنكم معنى دقيقا
следующие страницы →