والشيخ مجد الدين الحرانى، وجالسهم. وقرأ على ابن أبى الفتح البعلى بعض ألفية ابن مالك.
ثم سافر إلى ديار مصر سنة خمس وسبعمائة، فسمع بها من الحافظ عبد المؤمن ابن خلف، والقاضى سعد الدين الحارثى. وقرأ على أبى حيان النحوى، مختصره لكتاب سيبويه، وجالسه.
ثم سافر إلى الصعيد، ولقى بها جماعة، وحج، وجاور بالحرمين الشريفين، وسمع بها. وقرأ بنفسه كثيرا من الكتب والأجزاء، وأقام بالقاهرة مدة، وولى بها الإعادة بالمدرستين: المنصورية، والناصرية، فى ولاية الحارثى.
وصنف تصانيف كثيرة. ويقال: إن له بقوص خزانة كتب من تصانيفه فإنه أقام بها مدة.
ومن تصانيفه «بغية السائل فى أمهات المسائل» فى أصول الدين، وقصيدة فى العقيدة وشرحها، «مختصر الروضة» فى أصول الفقه، وشرحه فى ثلاث مجلدات، «مختصر الحاصل» فى أصول الفقه، «القواعد الكبرى» و «القواعد الصغرى» «الإكسير فى قواعد التفسير»، «الرياض النواضر فى الأشباه والنظائر»، «بغية الواصل إلى معرفة الفواصل» مصنف فى الجدل، وآخر صغير، «درء القول القبيح فى التحسين والتقبيح»، «مختصر المحصول»، «دفع التعارض عما يوهم التناقض» فى الكتاب والسنة، «معراج الوصول إلى علم الأصول» فى أصول الفقه، «الرسالة العلوية فى القواعد العربية»، «غفلة المجتاز فى علم الحقيقة والمجاز»، «الباهر فى أحكام الباطن والظاهر»، «رد على الاتحادية»، «مختصر المعالين» جزءين فيه: أن الفاتحة متضمنة لجميع القرآن، «الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة»، «الرحيق السلسل فى الأدب المسلسل»، «تحفة أهل الأدب فى معرفة لسان العرب»، «الانتصارات الإسلامية فى دفع شبه النصرانية»، «تعاليق» على الرد على جماعة من النصارى «تعاليق» على الأناجيل وتناقضها، شرح نصف «مختصر
стр. 807
الخرقى» فى الفقه، «مقدمة فى علم الفرائض»، «شرح مختصر التبريزى»، «شرح مقامات الحريرى» مجلدين، «موائد الحيس فى شعر امرئ القيس»، «شرح أربعين النووى». واختصر كثيرا من كتب الأصول، ومن كتب الحديث أيضا، ولكن لم يكن له فيه يد. ففى كلامه تخبيط كثير.
وله نظم كثير رائق، وقصائد فى مدح النبى ﷺ ، وقصيدة طويلة فى مدح الإمام أحمد. وكان مع ذلك كله شيعيا منحرفا فى الاعتقاد عن السنة، حتى إنه قال فى نفسه:
حنبلى رافضى أشعرى؟ … هذه أحد العبر
ووجد له فى الرفض قصائد، وهو يلوح فى كثير من تصانيفه، حتى إنه صنف كتابا سماه «العذاب الواصب على أرواح النواصب».
ومن دسائسه الخبيثة: أنه قال فى شرح الأربعين للنووى: اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء: تعارض الروايات والنصوص، وبعض الناس يزعم أن السبب فى ذلك: عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة استأذنوه فى تدوين السنة من ذلك الزمان، فمنعهم من ذلك وقال: لا أكتب مع القرآن غيره، مع علمه أن النبى ﷺ قال «اكتبوا لأبى شاه خطبة الوداع» وقال: «قيدوا العلم بالكتابة». قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبى ﷺ لا نضبطت السنة، ولم يبق بين آخر الأمة وبين النبى ﷺ فى كل حديث إلا الصحابى الذى دون روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخارى ومسلم ونحوهما.
فانظر إلى هذا الكلام الخبيث المتضمن: أن أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه هو الذى أضل الأمة، قصدا منه وتعمدا. ولقد كذب فى ذلك وفجر.
ثم إن تدوين السنة أكثر ما يفيد صحتها: وتواترها. وقد صحت بحمد الله تعالى، وحصل العلم بكثير من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها - أو أكثرها -
стр. 808
لأهل الحديث العارفين به من طرق كثيرة، دون من أعمى الله بصيرته، لاشتغاله عنها بشبه أهل البدع والضلال. والاختلاف لم يقع لعدم تواترها، بل وقع من تفاوت فهم معانيها. وهذا موجود، سواء دونت وتواترت أم لا. وفى كلامه إشارة إلى أن حقها اختلط بباطلها، ولم يتميز. وهذا جهل عظيم.
وقد كان الطوفى أقام بالمدينة النبوية مدة يصحب الرافضة: السكاكينى المعتزلى، ويجتمعان على ضلالتهما، وقد هتكه الله، وعجل الانتقام منه بالديار المصرية
قال تاج الدين أحمد بن مكتوم القيسى فى حق الطوفى: قدم علينا - يعنى الديار المصرية - فى زىّ أهل الفقر، وأقام على ذلك مدة، ثم تقدم عند الحنابلة، وتولى الإعادة فى بعض مدارسهم، وصار له ذكر بينهم. وكان يشارك فى علوم، ويرجع إلى ذكاء وتحقيق، وسكون نفس، إلا أنه كان قليل النقل والحفظ، وخصوصا للنحو على مشاركة فيه، واشتهر عنه الرفض، والوقوع فى أبى بكر وابنته عائشة رضى الله عنهما، وفى غيرهما من جملة الصحابة رضى الله عنهم، وظهر له فى هذا المعنى أشعار بخطه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويظهر موافقة له، منها قوله فى قصيدة:
كم بين من شك فى خلافته … وبين من قيل: إنه الله
فرفع أمر ذلك إلى قاضى قضاة الحنابلة سعد الدين الحارثى، وقامت عليه بذلك البينة، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيزه وإشهاره، وطيف به، ونودى عليه بذلك، وصرف عن جميع ما كان بيده من المدارس، وحبس أياما، ثم أطلق. فخرج من حينه مسافرا، فبلغ إلى «قوص» من صعيد مصر، وأقام بها مدة، ثم حج فى أواخر سنة أربع عشرة. وجاور سنة خمس عشرة.
ثم حج، ثم نزل إلى الشام إلى الأرض المقدسة، فأدركه الأجل فى بلد الخليل ﵇ فى شهر رجب سنة ست عشرة وسبعمائة.
قلت: وقد ذكر بعض شيوخنا عمن حدثه عن آخر: أنه أظهر له التوبة
стр. 809
وهو محبوس. وهذا من تقيته ونفاقه؛ فإنه فى آخر عمره لما جاور بالمدينة كان يجتمع هو والسكاكينى شيخ الرافضة، ويصحبه. ونظم فى ذلك ما يتضمن السب لأبى بكر الصديق رضى الله عنه.
وقد ذكر ذلك عنه شيخنا المطرى، حافظ المدينة ومؤرخها. وكان قد صحبه بالمدينة، وكان الطوفى بعد سجنه قد نفى إلى الشام، فلم يمكنه الدخول إليها؛ لأنه كان قد هجا أهلها وسبهم، فخشى منهم، فسار إلى دمياط، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى الصعيد.
٤٧٧ - أبو القاسم بن محمد
بن خالد بن إبراهيم، الحرانى، الفقيه التاجر بدر الدين، أخو الشيخ تقى الدين ابن تيمية لأمه.
ولد سنة خمسين وستمائة تقريبا - أو سنة إحدى وخمسين - بحران.
وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبى اليسر، وابن الصيرفى، وابن أبى عمر، وغيرهم. وتفقه، ولازم الاشتغال على شيوخ المذهب مدة وأفتى، وأمّ بالمدرسة الجوزية، بمسجد الرماحين، ودرس بالمدرسة الحنبلية نيابة عن أخيه الشيخ تقى الدين مدة.
قال البرزالى: كان فقيها مباركا، كثير الخير، قليل الشر، حسن الخلق، منقطعا عن الناس. وكان يتجر ويتكسب، وخلف لأولاده تركة، وروى جزء ابن عرفة مرات عديدة.
وقال الذهبى: كان فقيها عالما إماما بالجوزية. وله رأس مال يتجر فيه.
وكان قد تفقه على أبى زكريا بن الصيرفى، وابن المنجى، وغيرهما بدمشق. سمعنا منه جزء ابن عرفة غير مرة، ودرس بالحنبلية ثمانية أعوام. وكان خيرا متواضعا.
قال البرزالى: وتوفى يوم الأربعاء ثامن جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة. ودفن من يومه بمقابر الصوفية عند والدته، وحضر جمع كثير.
رحمه الله تعالى.
стр. 810
٤٧٨ - عبد الله بن أحمد
بن تمام بن حسان المكى الصالحى، الأديب الزاهد، تقى الدين أبو محمد.
ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة.
سمع الحديث من ابن قميرة، والمرسى، وإبراهيم بن خليل، والبلدانى، وخطيب مردا. وجماعة.
وقرأ النحو والأدب على الشيخ جمال الدين بن مالك وعلى والده بدر الدين، وصحبه ولازمه مدة، وأقام بالحجاز مدة. واجتمع بالشيخ تقى الدين الحورانى الزاهد وغيره، وسافر إلى الديار المصرية، وأقام بها مدة. وله نظم كثير حسن رائق.
قال البرزالى: كان شيخا فاضلا، بارعا فى الأدب، حسن الصحبة، مليح المحاضرة، صحب الفقراء والفضلاء، وتخلق بالأخلاق الجميلة، وخرج له فخر الدين ابن البعلبكى مشيخة قرأتها عليه وكتبنا عنه من نظمه وكان زاهدا متقللا من الدنيا، لم يكن له أثاث ولا طاسة ولا فراش، ولا سراج ولا زبدية، بل كان بيته خاليا من ذلك كله. حدثنى بذلك أخوه الشيخ محمد.
وقال لى القاضى شهاب الدين محمود الكاتب: صحبته أكثر من خمسين سنة. وأثنى عليه ثناء جميلا، وعظمه وبجلّه، ووصفه بالزهد والفراغ من الدنيا، وذكر نحو ما ذكر أخوه.
توفى ليلة السبت ثالث ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وسبعمائة، ودفن من الغد بمقابر المرداويين بالقرب من تربة الشيخ أبى عمر. رحمه الله تعالى.
أنشدنا أبو العباس المقدسى. أنشدنا عبد الله بن تمام لنفسه:
أشاهد من محاسنكم منارا … يكاد البدر يشبهه شقيقا
وأصحب من جمالكم خيالا … فأنّى سرت يرشدنى الطريقا
أرى نجم الزمان بكم سعيدا … ومعنى حسنكم معنى دقيقا
стр. 811
وبدر التّم يزهى من سناكم … وشمس جمالكم برزت شروقا
وروض عبير أرضكم نهارا … جرى ذهب الأصيل به خلوقا
حديثى والغرام بكم قديم … وشوقى يزعج القلب المشوقا
وأنفاسى بعثت بها إليكم … سلوا عنها النسيم أو البروقا
ولي صدق المودة فى حماكم … سقى الله الحمى، ورعى الصديقا
وأنشدنا أيضا عن ابن تمام لنفسه:
أكرر فيكم أبدا حديثى … فيحلوا، والحديث بكم شجون
وأنظمه عقودا من دموعى … فتنثره المحاجر والجفون
وأبتكر المعانى فى هواكم … وفيكم كل قافية تهون
وأعتنق النسيم؛ لأن فيه … شمائل من معاطفكم تبين
وأسأل عنكم النكباء سرا … وسر هواكم عندى مصون
وكم لى فى محبتكم غرام؟ … وكم لى فى الغرام بكم فنون؟
وفى ثالث ذى القعدة سنة ثمان عشرة أيضا: توفى الفقيه الفاضل: -
٤٧٩ - برهان الدين أبو إسحاق
إبراهيم بن الشيخ عماد الدين عبد الحافظ ابن أبى محمد عبد الحميد بن محمد بن أبى بكر، قاضى القدس الحنبلى. ودفن بتربة الشيخ موفق الدين. وكان من أبناء السبعين.
حضر على خطيب مردا بنابلس. وأقام بدمشق. وتفقه بها وسمع.
وكتب بخطه كثيرا.
وكان عدلا وفقيها فى المدارس، من أهل الدين والعفاف والفضيلة. وكان كثير السكوت، قليل الكلام. وله قصيدة حسنة رثى بها الشيخ شمس الدين ابن أبى عمر. ذكر ذلك البرزالى.
وقال الذهبى: كان فقيها إماما، عارفا بالفقه والعربية، وفيه دين وتواضع
стр. 812
وصلاح. قال: وسمعت منه قصيدته التى رثى بها الشيخ شمس الدين، ثم روى عنه حديثا.
٤٨٠ - محمد بن عمر
بن عبد المحمود بن زباطر الحرانى، الفقيه الزاهد، شمس الدين أبو عبد الله. نزيل دمشق.
ولد سنة سبع وثلاثين وستمائة بحران.
وسمع بها من عيسى الخياط، والشيخ مجد الدين ابن تيمية.
وسمع بدمشق من إبراهيم بن خليل، ومحمد بن عبد الهادى، والبلدانى، وابن عبد الدائم، وخطيب مرادا. وعنى بسماع الحديث إلى آخر عمره. وكان يردّ على القارئ وقت القراءة أشياء مفيدة، ولديه فقه وفضائل، وأمّ بمسجد الوزير ظاهر دمشق.
قال الذهبى: كان فقيها زاهدا ناسكا، سلفى الجملة، عارفا بمذهب الإمام أحمد. وحدث، سمع منه جماعة، منهم: الذهبى، وصفى الدين عبد المؤمن ابن عبد الحق. وسافر سنة إحدى عشرة إلى مصر لزيارة الشيخ تقى الدين ابن تيمية، فأسر من سبخة بردويل، وبقى مدة فى الأسر.
ويقال: إن الفرنج لما رأوا ديانته وأمانته واجتهاده أكرموه واحترموه، وبقى عندهم مدة، وانقطع خبره قبل العشرين. ويقال: إن وفاته كانت بقبرص سنة ثمان عشرة وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
٤٨١ - أحمد بن حامد
المعروف بابن عصية، البغدادى، القاضى:
جمال الدين.
قال الطوفى: حضرت درسه. وكان بارعا فى الفقه والتفسير والفرائض.
وأما معرفة القضاء والأحكام: فكان أوحد عصره فى ذلك.
قلت: كان ذا هيبة، وحسن شيبة. ولى القضاء بالجانب الشرقى ببغداد،
стр. 813
ودرس للحنابلة بالبشيرية، ثم عزل، ونالته محنة، ثم أعيد إلى التدريس سنة ثلاث عشرة. وأظنه توفى فى حدود العشرين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
٤٨٢ - عبد الرزاق بن أحمد
بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبى المعالى محمد بن محمود بن أحمد بن محمد بن أبى المعالى الفضل بن العباس بن عبد الله بن معن ابن زائدة الشيبانى، المروزى الأصل، البغدادى الأخبارى، المؤرخ الكاتب الأديب، كمال الدين أبو الفضل بن الصابونى، ويعرف بابن الفوطى، وهو جد أبيه لأمه.
ولد فى سابع عشر المحرم سنة اثنتين وأربعين وستمائة بدار الخلافة من بغداد.
وسمع بها من الصاحب محيى الدين بن الجوزى، ثم أسر فى وقعة بغداد، وخلصه النصير الطوسى الفيلسوف وزير الملاحدة، فلازمه، وأخذ عنه علوم الأوائل، وبرع فى الفلسفة وغيرها، وأمره بكتابة الزيج وغيره من علم النجوم، واشتغل على غيره فى اللغة والأدب، حتى برع ومهر فى التاريخ والشعر وأيام الناس، وأقام بمراغة مدة، وولى بها خزن كتب الرصد بضع عشرة سنة، وظفر بها بكتب نفيسة، وحصل من التواريخ ما لا مزيد عليه.
وسمع بها من المبارك بن المستعصم بالله سنة ست وستين، ثم عاد إلى بغداد، وولى خزن كتب المستنصرية، فبقى عليها إلى أن مات. ويقال: إنه ليس بالبلاد أكثر من كتب هاتين الخزانتين اللتين باشرهما.
وسمع ببغداد الكثير من محمد بن أبى الرينية وطبقته. وعنى بالحديث.
وقرأ وكتب الكثير بخطه المليح، وصنف فى الأخبار والتاريخ والأنساب شيئا كثيرا. ذكره الذهبى فى طبقات الحفاظ، وقال: له النظم والنثر، والباع الأطول فى ترصيع تراجم الناس، وله ذكاء مفرط، وخط منسوب رشيق، وفضائل كثيرة.
стр. 814
سمع الكثير، وعنى بهذا الشأن، وجمع وأفاد، فلعل الحديث أن يكفّر به عنه، وكتب من التواريخ ما لا يوصف. ومصنفاته وقر بعير.
عمل تاريخا كبيرا لم يبيضه، ثم عمل آخر دونه فى خمسين مجلدا، سماه «مجمع الآداب فى معجم الأسماء على معجم الألقاب» وألف كتاب «درر الأصداف فى غرر الأوصاف» وهو كبير جدا، وذكر: أنه جمعه من ألف مصنف من التواريخ والدواوين، والأنساب والمجاميع، عشرون مجلدا، بيض منها خمسة، وكتاب «المؤتلف والمختلف» رتبه مجدولا. وله كتاب «التاريخ على الحوادث» وكتاب «حوادث المائة السابعة» وإلى أن مات، وكتاب نظم «الدرر الناصعة فى شعراء المائة السابعة» فى عدة مجلدات.
وذكر الذهبى أيضا فى «المعجم المختصر»: أن ابن الفوطى خرج معجما لشيوخه، وبلغوا نحو خمسمائة شيخ بالسماع والإجازة.
وذكر غيره: أنه جمع الوفيات من سنة ستمائة، سماه «الحوادث الجامعة، والتجارب النافعة، الواقعة فى المائة السابعة» وهذا هو الذى أشار إليه الذهبى.
قال: وذيّل على تاريخ ابن الساعى شيخه نحوا من ثمانين مجلدة، عمله للصاحب عطاء الملك. وله «تلقيح الأفهام فى تنقيح الأوهام» وله وفيات أخر، وأشياء كثيرة فى الأنساب وغيرها، ونظم كثير حسن، وخطه فى غاية الحسن.
وقد تكلّم فى عقيدته وفى عدالته.
وسمعت من بعض شيوخنا ببغداد شيئا من ذلك. وقد ذكر الذهبى طرفا من ذلك، وأنه كان يترخص فى إثبات ما يرصعه، ويبالغ فى تقريظ المغول وأعوانهم.
قال: وهو فى الجملة إخبارى علامة، ما هو بدون أبى الفرج الأصبهاني.
وكان ظريفا متواضعا، حسن الأخلاق، فالله يسامحه.
وقلت: حدث. سمع منه جماعة.
стр. 815
روى لنا عنه ولده أبو المعالى محمد، وغيره ببغداد. وقد سمع منه محمود بن خليفة، وغيره من أهل الشام.
وأصابه فالج فى آخر عمره فوق سبعة أشهر. ثم توفى فى آخر نهار الاثنين غرة المحرم - وقيل: ثالث المحرم، وقيل: فى ثانى عشره - سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ببغداد. ودفن بالشونيزية. سامحه الله تعالى.
٤٨٣ - محمد بن سعد
بن عبد الأحد بن سعد الله بن عبد القاهر بن عبد الأحد ابن عمر بن نجيح الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه الإمام، شرف الدين أبو عبد الله ابن سعد الدين.
سمع من الفخر بن البخارى وغيره. وطلب الحديث. وقرأ بنفسه. وتفقه وأفتى. وصحب الشيخ تقى الدين ابن تيمية، ولازمه. وكان صحيح الذهن، جيد المشاركة فى العلوم، من خيار الناس وعقلائهم وعلمائهم.
توفى فى ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة بوادى بنى سالم فى رجوعه من الحج، وحمل إلى المدينة النبوية على أعناق الرجال. ودفن بالبقيع. وكان كهلا. رحمه الله تعالى.
وفى يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين أيضا: توفى
الشيخ الإمام الفقيه شمس الدين أبو عبد الله: -
٤٨٤ - محمد بن محمود
الجيلى. نزيل بغداد، المدرس للحنابلة بالبشيرية بها.
وكان فقيها فاضلا. له مصنف فى الفقه، سماه «الكفاية» لم يتمه. وذكر فيه: أن أحمد نص على أن من وصى بقضاء الصلاة المفروضة عنه نفذت وصيته
٤٨٥ - محمد بن عثمان
بن يوسف بن محمد بن الحداد الآمدى، ثم المصرى الخطيب، الإمام، الصدر، الرئيس، الفقيه، بدر الدين أبو عبد الله، خطيب دمشق وحلب.
стр. 816
سمع الحديث. وتفقه بالديار المصرية، وحفظ «المحرر» وشرحه على ابن حمدان، ولازمه مدة من السنين حتى قرأه عليه، وبرع فى الفقه. وكان ابن حمدان يشكره، ويثنى عليه كثيرا، ثم اشتغل بالكتابة، واتصل بالأمير قراسنقر المنصورى بحلب، فولاه نظر الأوقاف، وخطابة جامع حلب.
ثم لما صار قراسنقر نائبا بدمشق ولاّه خطابة جامعها فى آخر ذى القعدة سنة تسع وسبعمائة، وصرف عنه جلال الدين القزوينى، فاستمر يباشر الخطابة والإمامة بالجامع إلى ثانى عشر محرم سنة عشر، فأعيد القزوينى بمرسوم السلطان وولى ابن الحداد حينئذ نظر المارستان، ثم ولى حسبة دمشق، ونظر الجامع، واستمر فى نظره إلى حين وفاته، وعين لقضاء الحنابلة فى وقت.
توفى ليلة الأربعاء سابع جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى.
٤٨٦ - محمد بن المنجى
بن عثمان بن أسعد بن المنجى التنوخى، الدمشقى، الشيخ شرف الدين أبو عبد الله، ابن الشيخ زين الدين أبى البركات. وقد سبق ذكر آبائه.
ولد سنة خمس وسبعين وستمائة.
وأسمعه والده الكثير من المسلم بن علان، وابن أبى عمر، وجماعة من طبقتهما، وسمع «المسند» والكتب الكبار. وتفقه وأفتى، ودرس بالمسمارية.
وكان من خواص أصحاب الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وملازميه حضرا وسفرا ومشهور بالديانة والتقوى، ذا خصال جميلة، وعلم وشجاعة.
روى عنه الذهبى فى معجمه. وقال: كان فقيها إماما، حسن الفهم صالحا متواضعا، كيس الجملة.
توفى إلى رضوان الله تعالى فى رابع شوال سنة أربع وعشرين وسبعمائة وشيعه الخلق الكثير. ودفن بسفح قاسيون. ﵀.
стр. 817
٤٨٧ - محمود بن سليمان
بن فهد الحلبى، ثم الدمشقى، شهاب الدين أبو الثناء، كاتب السر، وعلامة الأدب.
ولد سنة أربع وأربعين وستمائة بحلب، وانتقل مع والده إلى دمشق سنة أربع وخمسين.
وسمع بها من الرضى بن البرهان، وابن عبد الدائم، ويحيى بن الناصح بن الحنبلى وغيرهم. وتعلم الخط المنسوب، ونسخ بالأجرة بخطه الأنيق كثيرا.
واشتغل بالفقه على الشيخ شمس الدين بن أبى عمر. وأخذ العربية عن الشيخ جمال الدين بن مالك، وتأدب بالمجد بن الظهير وغيره. وفتح له فى النظم والنثر، ثم ترقت حاله، واحتيج إليه، وطلب إلى الديار المصرية، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وصار المشار إليه فى هذا الشأن فى الديار الشامية والمصرية. وكان يكتب التقاليد الكبار بلا مسودة.
وله تصانيف فى الإنشاء وغيره، ودون الفضلاء نظمه ونثره. ويقال:
إنه لم يكن بعد القاضى الفاضل مثله، وله من الخصائص ما ليس للفاضل من كثرة القصائد المطولة الحسنة الأنيقة، وبقى فى ديوان الإنشاء نحوا من خمسين سنة بدمشق ومصر، وولى كتابة السر بدمشق نحوا من ثمان سنين قبل وفاته.
وحدث. وروى عنه الذهبى فى معجمه، وقال: كان دينا متعبدا، مؤثرا للانقطاع والسكون، حسن المحاورة، كثير الفضائل.
توفى ليلة السبت ثانى عشرين شعبان سنة خمس وعشرين وسبعمائة بدمشق بداره، وهى دار القاضى الفاضل بالقرب من باب الناطفانيين. وشيعه أعيان الدولة. وحضر الصلاة عليه بسوق الخيل نائب السلطنة، ودفن بتربته التى أنشأها بالقرب من اليغمورية. رحمه الله تعالى.
стр. 818
٤٨٨ - يوسف بن عبد المحمود
بن عبد السلام بن البتى البغدادى، المقرئ الفقيه، الأديب النحوى، المتفنن جمال الدين.
قرأ بالروايات، وسمع الحديث من محمد بن حلاوة، وعلى بن حصين، وعبد الرزاق بن الفوطى، وغيرهم.
وقرأ بنفسه على ابن الطبال. وأخذ عن الشيخ عزّ الدين عبد العزيز ابن جماعة بن القواس الموصلى شارح ألفية ابن معطى: الأدب والعربية والمنطق، وغير ذلك، واستفاد فى الفقه من الشيخ تقى الدين بن الزريرانى. ويقال:
إنه قرأ عليه. وكان معيدا عنده بالمستنصرية.
وقال الطوفى: استفدت منه كثيرا. وكان نحوى العراق ومقرئه، عالما بالقرآن والعربية والأدب. وله حظ من الفقه والأصول والفرائض والمنطق.
قلت: ودرس للحنابلة بالبشيرية غربى بغداد، ونالته فى آخر عمره محنة، واعتقل بسبب موافقته الشيخ تقى الدين ابن تيمية فى مسألة الزيارة. وكاتبه عليها مع جماعة من علماء بغداد، وتخرج به جماعة، وأقرأ العلم مدة، ولا يعرف أنه حدث.
وتوفى فى حادى عشر شوال سنة ست وعشرين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد رضى الله عنه. وكان كهلا. رحمه الله تعالى.
وفى هذا الشهر ليلة الخميس ثالث عشرة توفى المؤرخ: -
٤٨٩ - قطب الدين موسى
بن الشيخ الفقيه أبى عبد الله محمد بن أبى الحسين اليونينى ببعلبك. ودفن عند أخيه بباب سطحا.
وكان مولده فى ثامن صفر سنة أربعين وستمائة بدمشق.
وسمع من أبيه، وبدمشق من ابن عبد الدائم، وعبد العزيز شيخ شيوخ حماة، وبمصر من الرشيد العطار، وإسماعيل بن صارم، وجماعة. وأجاز له ابن رواج، والتشتبرى.
стр. 819
قال الذهبى: كان عالما فاضلا، مليح المحاضرة، كريم النفس، معظما جليلا.
حدثنا بدمشق وبعلبك، وجمع تاريخا حسنا، ذيل به على «مرآة الزمان» واختصر «المرآة».
قال: وانتفعت بتاريخه، ونقلت منه فوائد جمة. وقد حسنت فى آخر عمره حالته، وأكثر من العزلة والعبادة وكان مقتصدا فى لباسه وزيّه، صدوقا فى نفسه، مليح الشيبة، كثير الهيبة، وافر الحرمة. رحمه الله تعالى.
٤٩٠ - محمد بن مسلم
بن مالك بن مزروع بن جعفر الزينى الصالحى، الفقيه الصالح الزاهد، قاضى القضاة، شمس الدين أبو عبد الله.
ولد سنة اثنتين وستين وستمائة.
وتوفى أبوه سنة ثمان وستين - وكان من الصالحين - فنشأ يتيما فقيرا. وكان قد حضر على ابن عبد الدائم، وعمر الكرمانى. ثم سمع من ابن البخارى وطبقته، وأكثر عن ابن الكمال. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وعنى بالحديث، وتفقه وبرع وأفتى، وبرع فى العربية، وتصدى للاشغال والإفادة، واشتهر اسمه، مع الديانة والورع، والزهد والاقتناع باليسير.
ثم بعد موت القاضى تقى الدين سليمان: ورد تقليده للقضاء فى صفر سنة ست عشرة عوضه. فتوقف فى القبول. ثم استخار الله وقبل، بعد أن شرط أن لا يلبس خلعة حرير، ولا يركب فى المواكب، ولا يقتنى مركوبا. فأجيب إلى ذلك.
ولما لبس الخلعة بدار السعادة: خرج بها ماشيا إلى الجامع، ومعه الصاحب.
وجماعة من الأعيان مشاة، فقرئ تقليده، ثم خلعها، وتوجه إلى الصالحية.
قال الذهبى فى معجمه المختصر برع فى المذهب والعربية. وأقرأ الناس مدة.
على ورع وعفاف. ومحاسن جمة. ثم ولى القضاء بعد تمنع، وشكر وحمد.
ولم يغير زيه. ولا اقتنى دابة، ولا أخذ مدرسة. واجتهد فى الخير وفى عمارة أوقاف الحنابلة. اهـ
стр. 820
وكان من قضاة العدل، مصمما على الحق، لا يخاف فى الله لومة لائم. وهو الذى حكم على ابن تيمية بمنعه من الفتيا بمسائل الطلاق وغيرها مما يخالف المذهب.
وقد حدث. وسمع منه جماعة. وخرج له المحدثون تخاريج عدة. وحج ثلاث مرات. ثم حج رابعة فتمرض فى طريقه بعد رحيلهم من العلى. فورد المدينة النبوية يوم الاثنين ثالث عشرى ذى القعدة سنة ست وعشرين وسبعمائة وهو ضعيف، فصلى فى المسجد. ثم سلم على النبى ﷺ . وكان بالأشواق إلى ذلك فى مرضه. ثم مات عشية ذلك اليوم.
وقيل: من أواخر الليلة المقبلة. وصلّى عليه بالروضة. ودفن بالبقيع شرقى قبر عقيل رضى الله عنه. وتأسف أهل الخير لفقده. رحمه الله تعالى.
٤٩١ - محمد بن على
بن أبى القاسم بن أبى العشرين الوراق. الموصلى.
المقرئ الفقيه. المحدث النحوى. شمس الدين أبو عبد الله، ويعرف بابن خروف.
ولد فى حدود الأربعين وستمائة بالموصل، أو قبلها.
وقرأ بها القرآن على عبد الله بن إبراهيم الجزدى الزاهد. وقد تقدم ذكره.
وقصد الإمام أبا عبد الله شعلة، ليقرأ عليه، فوجده مريضا مرض الموت. ثم رحل ابن خروف إلى بغداد بعد الستين، وقرأ بها القراءات بكتب كثيرة فى السبع والعشر، على الشيخ عبد الصمد بن أبى الجيش، ولازمه مدة طويلة. وقرأ القراءات أيضا على أبى الحسن بن الوجوهى. وسمع الحديث منهما، ومن ابن وضاح
وذكر البرزالى: أنه عرض عليه «المقنع» فى الفقه للشيخ موفق الدين.
وذكر الذهبى: أنه حفظ «الخرقى» وعنى بالحديث، وقرأ بالموصل على أبى العباس الكواسى المفسر كتابه «التلخيص» فى التفسير. وقرأ بها على أبى عبد الله محمد بن مسعود بن عمر العجمى «جامع الترمذى» بسماعه من أبى الفتح الغزنوى. وقرأ عليه أيضا «معالم التنزيل» للبغوى، بسماعه من ابن أبى المجد القزوينى.
стр. 821
ونظر فى العربية، وشارك فى الفضائل، وله نظم حسن. تصدى للاشغال والإقراء فى بلده مدة. وقرأ عليه جماعة.
وقدم الشام سنة سبع عشرة، وولى بها مشيخة الإقراء بالتربة الأشرفية بعد المجد اليونينى. وحدث بها.
وسمع منه الذهبى، والبرزالى، وذكره فى معجمه، وقال: كان شيخا صالحا، متوددا إلى الناس، حسن المحاضرة، طيب المجالسة. مكرما عند كل أحد؛ لحسن خلقه، وشيخوخته وفضله. ونزل بالحلبية بالجامع.
وسمع منه أيضا أبو حيان. وعبد الكريم الحلبى. وذكره فى معجه.
وأظنه ذهب إلى الديار المصرية أيضا.
ورجع إلى بلده. وبها توفى فى ثامن جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة. ودفن بمقبرة المعافى ابن عمران رضى الله عنه.
٤٩٢ - عبد الله بن عبد الحليم
بن عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم ابن الخضر بن محمد بن تيمية الحرانى، ثم الدمشقى، الفقيه الإمام، الزاهد، العابد القدوة المتفنن، شرف الدين أبو محمد، أخو الشيخ تقى الدين
ولد فى حادى عشر محرم سنة ست وستين وستمائة بحران.
وقدم مع أهله إلى دمشق رضيعا، فحضر بها على ابن أبى اليسر، وغيره.
ثم سمع من ابن علان، وابن الصيرفى، وأحمد بن أبى الخير، ومن ابن أبى عمر، والقاسم الأربلى، وحلق من هذه الطبقة.
وسمع «المسند» و «الصحيحين» وكتب السنن. وتفقه فى المذهب حتى برع وأفتى. وبرع أيضا فى الفرائض والحساب، وعلم الهيئة، وفى الأصلين والعربية. وله مشاركة قوية فى الحديث. ودرس بالحنبلية مدة.
وكان صاحب صدق وإخلاص، قانعا باليسير، شريف النفس، شجاعا مقداما، مجاهدا زاهدا، عابدا ورعا، يخرج من بيته ليلا، ويأوى إليه ليلا،
стр. 822
ولا يجلس في مكان معين، بحيث يقصد فيه، لكنه يأوى إلى المساجد المهجورة خارج البلد، فيختلى فيها للصلاة والذكر. وكان كثير العبادة والتأله، والمراقبة والخوف من الله تعالى، ذا كرامات وكشوف.
ومما اشتهر عنه: أنه كثير الصدقات، والإيثار بالذهب والفضة فى حضره وسفره، مع فقره وقلة ذات يده. وكان رفيقه فى المحمل فى الحج يفتش رحله فلا يجد فيه شيئا، ثم يراه يتصدق بذهب كثير جدا. وهذا أمر مشهور معروف عنه. وحج مرات متعددة.
وكان له يد طولى فى معرفة تراجم السلف ووفياتهم، وفى التواريخ المتقدمة والمتأخرة. وحبس مع أخيه بالديار المصرية مدة. وقد استدعي غير مرة وحده إلى المناظرة، فناظر، وأفحم الخصوم.
وسئل عنه الشيخ كمال الدين بن الزملكانى؟ فقال: هو بارع فى فنون عديدة من الفقه، والنحو والأصول، ملازم لأنواع الخير، وتعليم العلم، حسن العبارة، قوى فى دينه، جيد التفقه، مستحضر لمذهبه، مليح البحث، صحيح الذهن، قوى الفهم. رحمه الله تعالى.
وذكره الذهبى فى «المعجم المختصر» فقال: كان بصيرا بكثير من علل الحديث ورجاله، فصيح العبارة، عالما بالعربية، نقالا للفقه، كثير المطالعة لفنون العلم، حلو المذاكرة، مع الدين والتقوى، وإيثار الانقطاع، وترك التكلف والقناعة باليسير، والنصح للمسلمين رضى الله عنه.
وذكره أيضا فى معجم شيوخه، فقال: كان إماما بارعا، فقيها عارفا بالمذهب وأصوله، وأصول الديانات، عارفا بدقائق العربية، وبالفرائض والحساب والهيئة كثير المحفوظ، له مشاركة جيدة فى الحديث، ومشاهير الأئمة والحوادث، ويعرف قطعة كثيرة من السيرة. وكان متقنا للمناظرة وقواعدها، والخلاف.
وكان حلو المحاضرة متواضعا، كثير العبادة والخير، ذا حظ من صدق وإخلاص
стр. 823
وتوجه وعرفان، وانقطاع بالكلية عن الناس، قانعا بيسير اللباس اهـ.
توفى رحمه الله تعالى يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة بدمشق. وصلّى عليه الظهر بالجامع، وحمل إلى باب القلعة فصلى عليه هناك مرة أخرى. وصلّى عليه أخوه الشيخ تقى الدين، وزين الدين عبد الرحمن، وهما محبوسان بالقلعة، وخلق معهما من داخل القلعة. وكان التكبير يبلغهم، وكثر البكاء تلك الساعة. فكان وقتا مشهودا. ثم صلّى عليه مرة ثالثة ورابعة، وحمل على الرءوس والأصابع إلى مقابر الصوفية، فدفن بها. وحضر جنازته جمع كثير، وعالم عظيم، وكثر الثناء والتأسف عليه. ﵀.
٤٩٣ - محمد بن عبد المحسن
بن أبى الحسن بن عبد الغفار بن الخراط، البغدادى، القطيعى، الأزجى، المحدث، الواعظ، عفيف الدين أبو عبد الله، ويعرف بابن الدواليبى.
قرأت بخطه: مولدى فى آخر سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان قد اختلف قوله فى ذلك.
فنقل البرزالى عنه: أن مولده فى ربيع الأول فى سنة ثمان وثلاثين فى ثالث عشره - أو رابع عشره - على الشك منه.
وذكر غيره عنه: أن مولده سنة تسع وثلاثين.
وسمع من عبد الملك بن قيبا، وإبراهيم بن الخير، والأعز بن العليق، ومحمد بن مقبل بن المنى، ويحيى بن قميرة، وأخيه أحمد، وعلى بن معالى الرصافى، وعبد الله بن على النعال.
وسمع من أحمد الباذييني «صحيح مسلم» ومن الشيخ مجد الدين ابن تيمية أحكامه، ونصف المحرر، ومن الصاحب أبى المظفر بن الجوزى، وعجيبة بنت الباقدارى، وغيرهم. وأجاز له جماعة كثيرون.
стр. 824
وسمع «المسند» من جماعة، ووعظ مدة طويلة، وشارك فى العلوم، وعمّر وصار مسند أهل العراق فى وقته.
وحدث بالكثير: وكان قد سمع كثيرا من الكتب العوالى على شيوخه القدماء، ولكن لم يظفر أهل بغداد بذلك. وإنما اشتهر عندهم سماعه للمسند، و «صحيح مسلم» وقد شاركه فى سماعهما بمثل إسناده خلق كثير، حتى أدركنا منهم جماعة. وسمعنا الكتابين على مثله.
سمع منه الفرضى، وذكره فى معجمه، مع تقدم وفاته، فقال: كان شيخا عالما، فقيها فاضلا، واعظا زاهدا، عابدا ثقة دينا. وقدم دمشق حاجا.
وسمع منه جماعة، منهم: البرزالى. وذكره فى معجمه، فقال: شيخ فاضل فى الوعظ، تكلم على الناس مدة طويلة، وحفظ «الخرقى» فى الفقه، و «اللمع» لابن جنى، وحج مرات، وهو من أهل الصلاح، كثير القناعة والتعفف، ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وحرمته وافرة، ومكانته معروفة. قدم علينا حاجا سنة ثمان وتسعين، ونزل ظاهر البلد، فخرجنا إليه، وسمعنا منه، وجلس للوعظ بجامع دمشق فى أواخر رمضان من هذه السنة. وحضرنا مجلسه، وسمعنا تذكيره. وتفرد فى زمانه، وولى مشيخة المستنصرية، وهو قادرى. كان أبوه من أصحاب الشيخ أبى صالح نصر بن عبد الرزاق.
وذكره الذهبى فى معجمه، وقال: كان عالما واعظا، حسن المحاضرة، صحبناه فى طريق الحج. حدث ببغداد، ودمشق، والمدينة، والعلا.
وذكره شيخنا بالإجازة صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق فى معجمه، فقال: شيخ جليل، كثير المسموعات، سكن براط ابن الغزال بالقطيعة، من باب الأزج، ولازم الوعظ به مدة طويلة، ووعظ بجامع الخليفة: ورتب مسمعا بدار الحديث المستنصرية بعد وفاة ابن حصين سنة ثمان عشرة.
قلت: سمع منه خلق كثير من شيوخنا وغيرهم، كأبى حفص القزوينى،
стр. 825
ومحمود بن خليفة، وابن الفصيح الكوفى؛ ووالدى، وعمر البزار. وكان ينظم الشعر
توفى يوم الخميس رابع عشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وشيعه خلق كثير ودفن بمقابر الشهداء من باب حرب. ﵀.
قال لى: وعظت زمن المستعصم. وأنشدنى لنفسه - كان وكان - عند سماعى منه «صحيح مسلم»:
ترى ربيع التواصل يقدم وتفنى شقوتى … ويقبل الصيف وجيشو على الشتاء منصور
وابصر مجيمر هجرى على المزابل مكسرة … وبيت كانون حزنى أرجع ازّىّ مهجور
وأخلع بنفسج صبرى على عواذل سلوتى … وياسمين انتظارى ورى العدى منثور
٤٩٤ - أحمد بن محمد
بن عبد الولى بن جبارة المقدسى المقرئ، الفقيه الأصولى النحوى، شهاب الدين، أبو العباس بن الشيخ تقى الدين أبى عبد الله.
وقد سبق ذكر والده.
ولد سنة سبع - أو ثمان - وأربعين وستمائة
وقال البرزالى: سنة تسع وأربعين. أظنه بقاسيون
وسمع من خطيب مردا حضورا، ومن ابن عبد الدائم، وجماعة
وارتحل إلى مصر بعد الثمانين - كذا فى الطبقات - وفى التاريخ: سنة ثلاث وسبعين، فقرأ بها القراءات على الشيخ حسن الراشدى، وصحبه إلى أن مات، وقرأ الأصول على شهاب الدين القرافى المالكى، والعربية على بهاء الدين ابن النحاس، وبرع فى ذلك، وتفقه فى المذهب، لعله على ابن حمدان.
وقدم دمشق بعد التسعين، فأقرأ بها القراءات، ثم تحول إلى حلب، فأقرأ بها أيضا، ثم استوطن بيت المقدس، وتصدّر لإقراء القرآن، والعربية، وصنف شرحا كبيرا للشاطبية، وشرحا آخر للرائية فى الرسم. وشرحا لألفية ابن معطى، ولا أدرى أكمله أم لا؟ وصنف تفسيرا وأشياء فى القراءات.
стр. 826
قال الذهبى فى طبقات القراء: هو صالح متعفف، خشن العيش، جمّ الفضائل، ماهر بالفن، قلّ من رأيت بعد رفيقه مجد الدين - يعنى التونسى - مثله، وذكره فى معجم شيوخه، فقال: كان إماما مقرئا بارعا، فقيها متقنا، نحويا، نشأ إلى اليوم فى صلاح وزهد ودين. سمعت منه مجلس البطاقة، وانتهت.
إليه مشيخة بيت المقدس.
وذكره البرزالى فى تاريخه، وذكر: أنه حج وجاور بمكة، قال: وكان رجلا صالحا، مباركا عفيفا منقطعا، يعد فى العلماء الصّالحين الأخيار، قرأت عليه بدمشق والقدس، عدة أجزاء.
وتوفى بالقدس سحر يوم الأحد رابع رجب سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
ودفن فى اليوم المذكور بمقبرة ماملا، وصلّى عليه بجامع دمشق صلاة الغائب، فى سادس عشر الشهر.
وذكر الذهبى: أنه مات فجأة، رحمه الله تعالى.
٤٩٥ - أحمد بن عبد الحليم
بن عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم ابن الخضر بن محمد ابن تيمية الحرانى، ثم الدمشقى، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولى الزاهد. تقى الدين أبو العباس، شيخ الإسلام وعلم الأعلام، وشهرته تغنى عن الإطناب فى ذكره، والإسهاب فى أمره.
ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران.
وقدم به والده وبإخوته إلى دمشق، عند استيلاء التتر على البلاد، سنة سبع وستين.
فسمع الشيخ بها من ابن عبد الدائم، وابن أبى اليسر، وابن عبد، والمجد ابن عساكر، ويحيى بن الصيرفى الفقيه، وأحمد بن أبى الخير الحداد، والقاسم الأربلى، والشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والمسلم بن علان، وإبراهيم بن الدرجى، وخلق كثير.
стр. 827
وعنى بالحديث. وسمع «المسند» مرات، والكتب الستة، ومعجم الطبرانى الكبير، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء. وقرأ بنفسه، وكتب بخطه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم فى صغره. فأخذ الفقه والأصول. عن والده، وعن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر، والشيخ زين الدين بن المنجى. وبرع فى ذلك، وناظر. وقرأ فى العربية أياما على سليمان بن عبد القوى، ثم أخذ كتاب سيبويه، فتأمله ففهمه. وأقبل على تفسير القرآن الكريم، فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من العلوم، ونظر فى علم الكلام والفلسفة، وبرز فى ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر فى هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة، وأفتى من قبل العشرين أيضا، وأمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبطء النسيان، حتى قال غير واحد:
إنه لم يكن يحفظ شيئا فينساه.
ثم توفى والده الشيخ شهاب الدين، المتقدم ذكره، وكان له حينئذ إحدى وعشرين سنة. فقام بوظائفه بعده. فدرس بدار الحديث السكرية فى أول سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
وحضر عنده قاضى القضاة بهاء الدين بن الزكى. والشيخ تاج الدين الفزارى، وزين الدين بن المرجل. والشيخ زين الدين بن المنجى، وجماعة، وذكر درسا عظيما فى البسملة. وهو مشهور بين الناس، وعظّمه الجماعة الحاضرون، وأثنوا عليه ثناء كثيرا.
قال الذهبى: وكان الشيخ تاج الدين الفزارى، يبالغ فى تعظيمه الشيخ تقى الدين، بحيث إنه علق بخطه درسه بالسكرية.
ثم جلس عقب ذلك مكان والده بالجامع على منبر أيام الجمع، لتفسير القرآن العظيم، وشرع من أول القرآن. فكان يورد من حفظه فى المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقى يفسر فى سورة نوح، عدة سنين أيام الجمع.
стр. 828
وفى سنة تسعين: ذكر على الكرسى يوم جمعة شيئا من الصفات، فقام بعض المخالفين، وسعوا فى منعه من الجلوس، فلم يمكنهم ذلك.
وقال قاضى القضاة شهاب الدين الخوى: أنا على اعتقاد الشيخ تقى الدين، فعوتب فى ذلك. فقال: لأن ذهنه صحيح، ومواده كثيرة. فهو لا يقول إلا الصحيح.
وقال الشيخ شرف الدين المقدسى: أنا أرجو بركته ودعاءه، وهو صاحبى، وأخى. ذكر ذلك البرزالى فى تاريخه.
وشرع الشيخ فى الجمع والتصنيف، من دون العشرين، ولم يزل فى علو وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره.
قال الذهبى فى معجم شيوخه: أحمد بن عبد الحليم - وساق نسبه - الحرانى، ثم الدمشقى، الحنبلى أبو العباس، تقى الدين، شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد العصر علما ومعرفة، وشجاعة وذكاء، وتنويرا إلهيّا، وكرما ونصحا للأمة، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر. سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب وخرج، ونظر فى الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصله غيره. برع فى تفسير القرآن، وغاص فى دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها. وبرع فى الحديث وحفظه، فقلّ من يحفظ ما بحفظه من الحديث، معزوا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل. وفاق الناس فى معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقوم بما دليله عنده.
وأتقن العربية أصولا وفروعا، وتعليلا واختلافا. ونظر فى العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وردّ عليهم، ونبّه على خطئهم، وحذّر منهم ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين. وأوذى فى ذات الله من المخالفين، وأخيف فى نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته
стр. 829
والدعاء له، وكبت أعداءه، وهدى به رجالا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب لملوك والأمراء على الانقياد له غالبا، وعلى طاعته، وأحيا به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتثبيت أولى الأمر لما أقبل حزب التتر والبغى فى خيلائهم، فظنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشرأبّ النفاق وأبدى صفحته. ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلى، فلو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت: أنى ما رأيت بعينى مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه.
وقد قرأت بخط الشيخ العلامة شيخنا كمال الدين بن الزملكانى، ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم «ابن تيمية» كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائى والسامع: أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله.
وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه فى مذهبهم أشياء، ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع منه، ولا تكلم فى علم من العلوم - سواء كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
وقال الذهبى فى معجمه المختصر: كان إماما متبحرا فى علوم الديانة، صحيح الذهن، سريع الإدراك، سيال الفهم، كثير المحاسن، موصوفا بفرط الشجاعة والكرم، فارغا عن شهوات المأكل والملبس والجماع، لا لذة له فى غير نشر العلم وتدوينه. والعمل بمقتضاه.
قلت: وقد عرض عليه قضاء القضاة قبل التسعين، ومشيخة الشيوخ، فلم يقبل شيئا من ذلك. قرأت ذلك بخطه.
قال الذهبى: ذكره أبو الفتح اليعمرى الحافظ - يعنى ابن سيد الناس - فى جواب سؤالات أبى العباس بن الدمياطى الحافظ، فقال: ألفيته ممن أدرك من العلوم حظا. وكاد يستوعب السنن والآثار حفظا، إن تكلم فى التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى فى الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه،
стр. 830
وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم ير أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته.
برزقى كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه
وقد كتب الذهبى فى تاريخه الكبير للشيخ ترجمة مطولة، وقال فيها: وله خبرة تامة بالرجال، وجرحهم وتعديلهم، وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالى والنازل، والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه، الذى انفرد به، فلا يبلغ أحد فى العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجيب فى استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى فى عزوه إلى الكتب الستة، والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.
وقال: ولما كان معتقلا بالإسكندرية: التمس منه صاحب سبتة أن يجيز لأولاده، فكتب لهم فى ذلك نحوا من ستمائة سطر، منها سبعة أحاديث بأسانيدها، والكلام على صحتها ومعانيها، وبحث وعمل ما إذا نظر فيه المحدث خضع له من صناعة الحديث. وذكر أسانيده فى عدة كتب. ونبّه على العوالى. عمل ذلك كله من حفظه، من غير أن يكون عنده ثبت أو من يراجعه.
ولقد كان عجيبا فى معرفة علم الحديث. فأما حفظه متون الصحاح وغالب متون السنن والمسند: فما رأيت من يدانيه فى ذلك أصلا.
قال: وأما التفسير فمسلم إليه. وله من استحضار الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على المسألة - قوة عجيبة. وإذا رآه المقرئ تحيز فيه. ولفرط إمامته فى التفسير، وعظم اطلاعه. يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين. ويوهى أقوالا عديدة. وينصر قولا واحدا، موافقا لما دل عليه القرآن والحديث. ويكتب فى اليوم والليلة من التفسير، أو من الفقه، أو من الأصلين، أو من الرد على الفلاسفة والأوائل: نحوا من أربعة كراريس أو أزيد.
قلت: وقد كتب «الحموية» فى قعدة واحدة. وهى أزيد من ذلك.
وكتب فى بعض الأحيان فى اليوم ما يبيض منه مجلد.
стр. 831
وكان ﵀ فريد دهره فى فهم القرآن. ومعرفة حقائق الإيمان. وله يد طولى فى الكلام على المعارف والأحوال. والتمييز بين صحيح ذلك وسقيمه.
ومعوجه وقويمه.
وقد كتب ابن الزملكانى بخطه على كتاب «إبطال التحليل» للشيخ ترجمة الكتاب واسم الشيخ. وترجم له ترجمة عظيمة. وأثنى عليه ثناء عظيما.
وكتب أيضا تحت ذلك:
ماذا يقول الواصفون له … وصفاته جلّت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة … هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية للخلق ظاهرة … أنوارها أربت على الفجر
وللشيخ أثير الدين أبى حيان الأندلسى النحوى - لما دخل الشيخ مصر واجتمع به - ويقال: إن أبا حيان لم يقل أبياتا خيرا منها ولا أفحل:
لما رأينا تقى الدين لاح لنا … داع إلى الله فردا. ماله وزر
على محياه من سيما الأولى صحبوا … خير البرية نور دونه القمر
حبر تسر بل منه دهره حبّرا … بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية فى نصر شرعتنا … مقام سيّد تيم إذ عصت مضر
فأظهر الدين إذ آثاره درست … وأخمد الشرك إذ طارت له شرر
يا من تحدث عن علم الكتاب أصخ … هذا الإمام الذى قد كان ينتظر
وحكى الذهبى عن الشيخ: أن الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد قال له - عند اجتماعه به وسماعه لكلامه -: ما كنت أظن أن الله بقى يخلق مثلك
ومما وجد فى كتاب كتبه العلامة قاضى القضاة أبو الحسن السبكى إلى الحافظ أبى عبد الله الذهبى فى أمر الشيخ تقى الدين المذكور: أما قول سيدى فى الشيخ فالملوك يتحقق كبر قدره. وزخارة بحره. وتوسعه فى العلوم الشرعية والعقلية. وفرط ذكائه واجتهاده. وبلوغه فى كل من ذلك المبلغ الذى يتجاوز
стр. 832
الوصف. والمملوك يقول ذلك دائما. وقدره فى نفسى أكبر من ذلك وأجلّ. مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة. ونصرة الحق. والقيام فيه لا لغرض سواه. وجريه على سنن السلف. وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى. وغرابة مثله فى هذا الزمان. بل من أزمان.
وكان الحافظ أبو الحجاج المزى: يبالغ فى تعظيم الشيخ والثناء عليه، حتى كان يقول: لم ير مثله منذ أربعمائة سنة.
وبلغنى من طريق صحيح عن ابن الزملكانى: أنه سئل عن الشيخ؟ فقال: لم ير من خمسمائة سنة، أو أربعمائة سنة - الشك من الناقل. وغالب ظنه:
أنه قال: من خمسمائة - أحفظ - منه.
وكذلك كان أخوه الشيخ شرف الدين يبالغ فى تعظيمه جدا، وكذلك المشايخ العارفون، كالقدوة أبى عبد الله محمد بن قوام. ويحكى عنه أنه كان يقول: ما أسلمت معارفنا إلا على يد ابن تيمية.
والشيخ عماد الدين الواسطى كان يعظمه جدا، وتتلمذ له، مع أنه كان أسن منه. وكان يقول: قد شارف مقام الأئمة الكبار، ويناسب قيامه فى بعض الأمور قيام الصديقيين.
وكتب رسالة إلى خواص أصحاب الشيخ يوصيهم بتعظيمه واحترامه، ويعرفهم حقوقه، ويذكر فيها: أنه طاف أعيان بلاد الإسلام، ولم ير فيها مثل الشيخ علما وعملا، وحالا وخلقا واتباعا، وكرما وحلما فى حق نفسه، وقياما فى حق الله تعالى، عند انتهاك حرماته. وأقسم على ذلك بالله ثلاث مرات.
ثم قال: أصدق الناس عقدا، وأصحهم علما وعزما، وأنفذهم وأعلامهم فى انتصار الحق وقيامه، وأسخاهم كفا، وأكملهم اتباعا لنبيه محمد ﷺ .
ما رأينا فى عصرنا هذا من تستجلى النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، بحيث يشهد القلب الصحيح: أن هذا هو الاتباع حقيقة.
стр. 833
ولكن كان هو وجماعة من خواص أصحابه ربما أنكروا من الشيخ كلامه فى بعض الأئمة الأكابر الأعيان، أو فى أهل التخلى والانقطاع ونحو ذلك.
وكان الشيخ ﵀ لا يقصد بذلك إلا الخير، والانتصار للحق إن شاء الله تعالى.
وطوائف من أئمة أهل الحديث وحفاظهم وفقائهم: كانوا يحبون الشيخ ويعظمونه، ولم يكونوا يحبون له التوغل مع أهل الكلام ولا الفلاسفة، كما هو طريق أئمة أهل الحديث المتقدمين، كالشافعى وأحمد وإسحاق وأبى عبيد ونحوهم، وكذلك كثير من العلماء من الفقهاء والمحدثين والصالحين كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التى أنكرها السلف على من شذبها (١)، حتى إن بعض قضاة العدل من أصحابنا منعه من الإفتاء ببعض ذلك.
قال الذهبى: وغالب حطه على الفضلاء والمتزهدة فبحق، وفى بعضه هو مجتهد، ومذهبه توسعة العذر للخلق، ولا يكفر أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه.
قال: ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات، وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابى، بل يقول الحق المرّ الذى أدّاه إليه اجتهاده، وحدة ذهنه، وسعة دائرته فى السنن والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكر، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله.
فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة، فينجيه الله فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة،
стр. 834
والاستعانة به، قوى التوكل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدمنها بكيفية وجمعية. وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائر العامة تحبه؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلا ونهارا، بلسانه وقلمه.
وأما شجاعته: فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال.
ولقد أقامه الله تعالى فى نوبة قازان. والنقى أعباء الأمر بنفسه. وقام وقعد وطلع، ودخل وخرج، واجتمع بالملك - يعنى قازان - مرتين، وبقطلو شاه، وبولاى. وكان قبجق يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول.
وله حدة قوية تعتريه فى البحث، حتى كأنه ليث حرب. وهو أكبر من أن ينبه مثلى على نعوته. وفيه قلة مداراة، وعدم تؤدة غالبا، والله يغفر له. وله إقدام وشهامة، وقوة نفس توقعه فى أمور صعمة، فيدفع الله عنه.
وله نظم قليل وسط. ولم يتزوج، ولا تسرى، ولا له من المعلوم إلا شئ قليل. وأخوه يقوم بمصالحه، ولا يطلب منهم غذاء ولا عشاء فى غالب الوقت.
وما رأيت فى العالم أكرم منه، ولا أفرغ منه عن الدينار والدرهم، لا يذكره، ولا أظنه يدور فى ذهنه. وفيه مروءة، وقيام مع أصحابه، وسعى فى مصالحهم.
وهو فقير لا مال له. وملبوسه كآحاد الفقهاء: فرّجيّه، ودلق، وعمامة تكون قيمة ثلاثين درهما، ومداس ضعيف الثمن. وشعره مقصوص.
وهو ربع القامة، بعيد ما بين المنكبين، كأن عينيه لسانان ناطقان، ويصلى بالناس صلاة لا يكون أطول من ركوعها وسجود. وربما قام لمن يجئ من سفر أو غاب عنه، وإذا جاء فربما يقومون له، الكل عنده سواء، كأنه فارغ من هذه الرسوم، ولم ينحن لأحد قط، وإنما يسلم ويصافح ويبتسم. وقد يعظم جليسه مرة، ويهينه فى المحاورة مرات.
قلت: وقد سافر الشيخ مرة على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان
стр. 835
عند مجئ التتر سنة من السنين، وتلا عليهم آيات الجهاد، وقال: إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله، والذّبّ عنهم، فإن الله تعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم سواكم. وتلا قوله تعالى (٣٨:٤٧ ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ)﴾ وقوله تعالى (٣٩:٩ ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً)﴾.
وبلغ ذلك الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد - وكان هو القاضى حينئذ - فاستحسن ذلك، وأعجبه هذا الاستنباط، وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام.
وأما محن الشيخ: فكثيرة، وشرحها يطول جدا.
وقد اعتقله مرة بعض نواب السلطان بالشام قليلا، بسبب قيامه على نصرانى سبّ الرسول ﷺ ، واعتقل معه الشيخ زين الدين الفاروقى، ثم أطلقهما مكرمين.
ولما صنف المسألة «الحموية» فى الصفات: شنّع بها جماعة، ونودى عليها فى الأسواق على قصبة، وأن لا يستفتى من جهة بعض القضاة الحنفية. ثم انتصر للشيخ بعض الولاة، ولم يكن فى البلد حينئذ نائب، وضرب المنادى وبعض من معه، وسكن الأمر.
ثم امتحن سنة خمس وسبعمائة بالسؤال عن معتقده بأمر السلطان؟ فجمع نائبة القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر الشيخ، وسأله عن ذلك؟ فبعث الشيخ من أحضر من داره «العقيدة الواسطية» فقرءوها فى ثلاث مجالس، وخافقوه، وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعا، ومنهم من قاله كرها.
وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف.
стр. 836
ثم إن المصريين دبروا الحيلة فى أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث معه، ولكن يعقد له مجلس، ويدّعى عليه، وتقام عليه الشهادات. وكان القائمون فى ذلك منهم: بيبرس الجاشنكير، الذى تسلطن بعد ذلك، ونصر المنبجى وابن مخلوف قاضى المالكية، فطلب الشيخ على البريد إلى القاهرة، وعقد له ثانى يوم وصوله - وهو ثانى عشرين رمضان سنة خمس وسبعمائة - مجلس بالقلعة، وادّعى عليه عند ابن مخلوف قاضى المالكية، أنه يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية.
وقال المدعى: أطلب تعزيره على ذلك، التعزير البليغ - يشير إلى القتل على مذهب مالك - فقال القاضى: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أأمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضى:
أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ، فقال: أجب. فقال الشيخ له:
من هو الحاكم فىّ؟ فأشاروا: القاضى هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمى، كيف تحكم فىّ؟ وغضب، ومراده: إنّي وإياك متنازعان فى هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها؟ فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد الشيخ، وقال: رضيت أن تحكم فىّ، فلم يمكّن من الجلوس، ويقال:
إن أخاه الشيخ شرف الدين ابتهل، ودعا الله عليهم فى حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نورا يهتدون به إلى الحق.
ثم حبسوا فى برج أياما، ونقلوا إلى الجب ليلة عيد الفطر، ثم بعث كتاب سلطانى إلى الشام بالحط على الشيخ، والزم الناس - خصوصا أهل مذهبه - بالرجوع عن عقيدته، والتهديد بالعزل والحبس، ونودى بذلك فى الجامع والأسواق. ثم قرئ الكتاب بسدّة الجامع بعد الجمعة، وحصل أذى كثير للحنابلة بالقاهرة، وحبس بعضهم، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع. وكان قاضيهم الحرانى قليل العلم.
стр. 837
ثم فى سلخ رمضان سنة ست: أحضر سلار - نائب السلطان بمصر - القضاة والفقهاء، وتكلم فى إخراج الشيخ، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور، ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره، وليتكلموا معه فى ذلك، فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه فى ذلك ست مرات، وصمم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس، فانصرفوا من غير شئ.
ثم فى آخر هذه السنة وصل كتاب إلى نائب السلطنة بدمشق من الشيخ، فأخبر بذلك جماعة ممن حضر مجلسه، وأثنى عليه: وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه. وذكر ما هو عليه فى السجن: من التوجه إلى الله تعالى، وأنه لا يقبل شيئا من الكسوة السلطانية، ولا من الأدرار السلطانى، ولا تدنس بشئ من ذلك.
ثم فى ربيع الأول من سنة سبع وسبعمائة دخل مهنا بن عيسى أمير العرب إلى مصر، وحضر بنفسه إلى السجن، وأخرج الشيخ منه، بعد أن استأذن فى ذلك، وعقد للشيخ مجالس حضرها أكابر الفقهاء، وانفصلت على خير
وذكر الذهبى والبرزالى وغيرهما: أن الشيخ كتب لهم بخطه مجملا من القول وألفاظا فيها بعض ما فيها، لما خاف وهدد بالقتل، ثم أطلق وامتنع من المجئ إلى دمشق. وأقام بالقاهرة يقرئ العلم، ويتكلم فى الجوامع والمجالس العامة، ويجتمع عليه خلق.
ثم فى شوال من السنة المذكورة: اجتمع جماعة كثيرة من الصوفية، وشكوا من الشيخ إلى الحاكم الشافعى، وعقد له مجلس لكلامه فى ابن عربى وغيره، وادعى عليه ابن عطاء بأشياء، ولم يثبت منها شيئا، لكنه اعترف أنه قال:
لا يستغاث بالنبى ﷺ ، استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يتوسل به، فبعض الحاضرين قال: ليس فى هذا شئ.
ورأى الحاكم ابن جماعة: أن هذا إساءة أدب، وعنقه على ذلك، فحضرت
стр. 838
رسالة إلى القاضى: أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة فى ذلك، فقال القاضى: قد قلت له ما يقال لمثله.
ثم إن الدولة خيروه بين أشياء، وهى الإقامة بدمشق، أو بالاسكندرية، بشروط، أو الحبس، فاختار الحبس. فدخل عليه أصحابه فى السفر إلى دمشق، ملتزما ما شرط عليه، فأجابهم، فأركبوه خيل البريد، ثم ردوه فى الغد، وحضر عند القاضى بحضور جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلا بالحبس. فقال القاضى: وفيه مصلحة له، واستناب التونسى المالكى وأذن له أن يحكم عليه بالحبس، فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شئ، فأذن لنور الدين الزواوى المالكى، فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضى إلى الحبس، وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال الزواوى المذكور: فيكون فى موضع يصلح لمثله، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القاضى وأجلس فى الموضع الذى أجلس فيه القاضى تقى الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن أن يكون عنده من يخدمه.
وكان جميع ذلك بإشارة نصر المنبجى.
واستمر الشيخ فى الحبس يستفتى ويقصده الناس، ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس.
وكان أصحابه يدخلون عليه أولا سرا، ثم شرعوا يتظاهرون بالدخول عليه، فأخرجوه فى سلطنة الششنكير الملقب بالمظفر، إلى الإسكندرية على البريد، وحبس فيها فى برج حسن مضئ متسع، يدخل عليه من شاء، ويمنع هو من شاء» ويخرج إلى الحمام إذا شاء. وكان قد أخرج وحده، وأرجف الأعداء بقتله وتفريقه غير مرة، فضاقت بذلك صدور محبيه بالشام وغيره، وكثر الدعاء له. وبقى فى الإسكندرية مدة سلطنة المظفر.
فلما عاد الملك الناصر إلى السلطنة وتمكن، وأهلك المظفر، وحمل شيخه نصر المنبجى، واشتدت موجدة السلطان على القضاة لمداخلتهم المظفر، وعزل بعضهم:
стр. 839
بادر بإحضار الشيخ إلى القاهرة مكرما فى شوال سنة تسع وسبعمائة، وأكرمه السلطان إكراما زائدا، وقام إليه، وتلقاه فى مجلس حفل، فيه قضاة المصريين والشاميين، والفقهاء وأعيان الدولة. وزاد فى إكرامه عليهم، وبقى يسارّه ويستشيره سويعة، وأثنى عليه بحضورهم ثناء كثيرا، وأصلح بينه وبينهم. ويقال:
إنه شاوره فى أمرهم به فى حق القضاة، فصرفه عن ذلك، وأثنى عليهم، وأن ابن مخلوف كان يقول: ما رأينا أفتى من ابن تيمية، سعينا فى دمه. فلما قدر علينا عفا عنا.
واجتمع بالسلطان مرة ثانية بعد أشهر، وسكن الشيخ بالقاهرة، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند، وطائفة من الفقهاء، ومنهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع.
قال الذهبى: وفى شعبان سنة إحدى عشرة: وصل النبأ: أن الفقيه البكرى - أحد المبغضين للشيخ - استفرد بالشيخ بمصر، ووثب عليه، ونتش بأطواقه، وقال:
احضر معى إلى الشرع، فلى عليك دعوى، فلما تكاثر الناس انملص، فطلب من جهة الدولة، فهرب واختفى
وذكر غيره: أنه ثار بسبب ذلك فتنة، وأراد جماعة الانتصار من البكرى فلم يمكنهم الشيخ من ذلك.
واتفق بعد مدة: أن البكرى همّ السلطان بقتله، ثم رسم بقطع لسانه؛ لكثرة فضوله وجراءته، ثم شفع فيه، فنفى إلى الصعيد، ومنع من الفتوى بالكلام فى العلم. وكان الشيخ فى هذه المدة يقرئ العلم، ويجلس للناس فى مجالس عامة.
قدم إلى الشام هو وإخوته سنة اثنتى عشرة بنية الجهاد، لما قدم السلطان لكشف التتر عن الشام. فخرج مع الجيش، وفارقهم من عسقلان، وزار البيت المقدس.
стр. 840
ثم دخل دمشق بعد غيبته عنها فوق سبع سنين، ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه، وسرّ الناس بمقدمه، واستمر على ما كان عليه أولا، من إقراء العلم، وتدريسه بمدرسة السكرية، والحنبلية، وإفتاء الناس ونفعهم.
ثم فى سنة ثمان عشرة: ورد كتاب من السلطان بمنعه من الفتوى فى مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير، وعقد له مجلس بدار السعادة، ومنع من ذلك، ونودى به فى البلد.
ثم فى سنة تسع عشرة عقد له مجلس أيضا كالمجلس الأول، وقرئ كتاب السلطان بمنعه من ذلك، وعوتب على فتياه بعد المنع، وانفصل المجلس على تأكيد المنع.
ثم بعد مدة عقد له مجلس ثالث بسبب ذلك، وعوتب وحبس بالقلعة.
ثم حبس لأجل ذلك مرة أخرى. ومنع بسببه من الفتيا مطلقا، فأقام مدة يفتى بلسانه، ويقول: لا يسعنى كتم العلم.
وفى آخر الأمر: دبروا عليه الحيلة فى مسألة المنع من السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وألزموه من ذلك التنقص بالأنبياء، وذلك كفر، وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء، وهم ثمانية عشر نفسا، رأسهم القاضى الإخنانى المالكى وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرا. وبها مات رحمه الله تعالى.
وقد بين ﵀: أن ما حكم عليه به باطل بإجماع المسلمين من وجوه كثيرة جدا، وأفتى جماعة بأنه يخطئ فى ذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة من علماء بغداد، وغيرهم. وكذلك ابنا أبى الوليد شيخ المالكية بدمشق أفتيا: أنه لا وجه للاعتراض عليه فيما قاله أصلا، وأنه نقل خلاف العلماء فى المسألة، ورجح أحد القولين فيها.
стр. 841
وبقى مدة فى القلعة يكتب العلم ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه الرسائل، ويذكر ما فتح الله به عليه فى هذه المرة من العلوم العظيمة، والأحوال الجسيمة
وقال: قد فتح الله على فى هذا الحصن فى هذه المرة من معانى القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتى فى غير معانى القرآن، ثم إنه منع من الكتابة، ولم يترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر.
قال شيخنا أبو عبد الله ابن القيم: سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه، يقول: إن فى الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. قال: وقال لى مرة: ما يصنع أعدائى بى؟ أنا جنتى وبستانى فى صدرى، أين رحت فهى معى، لا تفارقنى، أنا حبسى خلوة. وقتلى شهادة، وإخراجى من بلدى سياحة.
وكان فى حبسه فى القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل عندى شكر هذه النعمة - أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لى فيه من الخير - ونحو هذا.
وكان يقول فى سجوده، وهو محبوس: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله.
وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه
ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه، وقال (١٣:٥٧ ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ)﴾.
قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا، وأسرهم نفسا، تلوح نضرة النعيم على وجهه وكنا إذا
стр. 842
اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها فى دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قولهم لطلبها، والمسابقة إليها اهـ.
وأما تصانيفه ﵀: فهى أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر.
سارت مسير الشمس فى الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار. قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها.
ولنذكر نبذة من أسماء أعيان المصنفات الكبار: كتاب «الايمان» مجلد، كتاب «الاستقامة» مجلدان «جواب الاعتراضات المصرية على الفتاوى الحموية» أربع مجلدات، كتاب «تلبيس الجهمية فى تأسيس بدعهم الكلامية» فى ست مجلدات كبار، كتاب «المحنة المصرية» مجلدان «المسائل الاسكندرانية» مجلد «الفتاوى المصرية» سبع مجلدات.
وكل هذه التصانيف ما عدا كتاب «الإيمان» كتبه وهو بمصر فى مدة سبع سنين صنفها فى السجن. وكتب معها أكثر من مائة لفّة ورق أيضا، كتاب «درء تعارض العقل والنقل» أربع مجلدات كبار. والجواب عما أورده للشيخ كمال الدين بن الشريشى على هذا الكتاب، نحو مجلد كتاب «منهاج السنة النبوية فى نقض كلام الشيعة والقدرية» أربع مجلدات «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» مجلدان «شرح أول المحصل للرازى» مجلد «شرح بضعة عشر مسألة من الأربعين للرازى» مجلدان «الرد على المنطق» مجلد كبير «الرد على البكرى فى مسألة الاستغاثة» مجلد «الرد على أهل كسروان الروافض» مجلدان «الصفدية»، «جواب من قال: إن
стр. 843
معجزات الأنبياء قوى نفسانية» مجلد «الهلاونية» مجلد «شرح عقيدة الأصبهانى» مجلد «شرح العمدة» للشيخ موفق الدين. كتب منه نحو أربع مجلدات «تعليقة على المحرر» فى الفقه لجده عدة مجلدات «الصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد، «بيان الدليل على بطلان التحليل» مجلد «اقتضاء الصراط المستقيم فى مخالفة أصحاب الجحيم» مجلد «التحرير فى مسألة حفير» مجلد فى مسألة من القسمة، كتبها اعتراضا على الحوى فى حادثة حكم فيها «الرد الكبير على من اعترض عليه فى مسألة الحلف بالطلاق» ثلاث مجلدات، كتاب «تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان» مجلد كبير «الرد على الاخنائى فى مسألة الزيارة» مجلد. وأما القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوى: فلا يمكن الإحاطة بها، لكثرتها وانتشارها وتفرقها. ومن أشهرها «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» مجلد لطيف «الفرقان بين الحق والبطلان» مجلد لطيف «الفرقان بين الطلاق والأيمان» مجلد لطيف «السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والرعية» مجلد لطيف «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» مجلد لطيف.
ذكر نبذة من مفرداته وغرائبه
اختار ارتفاع الحديث بالمياه المتعصرة، كماء الورد ونحوه، واختار جواز المسح على النعلين، والقدمين، وكل ما يحتاج فى نزعه من الرجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخر، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين.
واختار أن المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك فى ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد ويتوقف مع إمكان النزع وتيسره.
واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها.
واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت فى حق غير المعذور، كمن أخر
стр. 844
الصلاة عمدا حتى تضايق وقتها. وكذا من خشى فوات الجمعة والعيدين وهو محدث. فأما من استيقظ أو ذكر فى آخر وقت الصلاة: فإنه يتطهر بالماء ويصلى، لأن الوقت متسع فى حقه.
واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال فى البيت، أو شق عليها النزول إلى الحمام وتكرره: أنها تتيمم وتصلى.
واختار أن لا حدّ لأقلّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقلّ الطهر بين الحيضتين، ولا لسنّ الإياس من الحيض. وأن ذلك راجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها.
واختار أن تارك الصلاة عمدا: لا يجب عليه القضاء (١). ولا يشرع له. بل يكثر من النوافل، وأن القصر يجوز فى قصير السفر وطويله، وأن سجود التلاوة لا يشترط له طهارة.
ذكر وفاته
مكث الشيخ فى القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذى القعدة سنة ثمان وعشرين، ثم مرض بضعة وعشرين يوما، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته
وكانت وفاته فى سحر ليلة الاثنين عشرى ذى القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
وذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلم به الحرس على الأبراج، فتسامع الناس بذلك، وبعضهم أعلم به فى منامه، وأصبح الناس، واجتمعوا حول القلعة حتى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئا، ولا فتحوا
стр. 845
كثيرا من الدكاكين التى من شأنها أن تفتح أول النهار. وفتح باب القلعة.
وكان نائب السلطنة غائبا عن البلد، فجاء الصاحب إلى نائب القلعة، فعزاه به وجلس عنده، واجتمع عند الشيخ فى القلعة خلق كثير من أصحابه، يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زين الدين عبد الرحمن: أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا فى الحادية والثمانين، فانتهيا إلى قوله تعالى (٥٤:٥٤، ٥٥ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)﴾
فشرع حينئذ الشيخان الصالحان: عبد الله بن المحب الصالحى، والزرعى الضرير - وكان الشيخ يحب قراءتهما - فابتدأ من سورة الرحمن حتى ختما القرآن.
وخرج الرجال، ودخل النساء من أقارب الشيخ، فشاهدوه ثم خرجوا، واقتصروا على من يغسله، ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصالحين وأهل العلم، كالمزى وغيره، ولم يفرغ من غسله حتى امتلأت القلعة بالرجال وما حولها إلى الجامع، فصلى عليه بدركات القلعة: الزاهد القدوة محمد بن تمام. وضج الناس حينئذ بالبكاء والثناء، وبالدعاء والترحم.
وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق فى الساعة الرابعة أو نحوها. وكان قد امتلأ الجامع وصحته، والكلاسة، وباب البريد، وباب الساعات إلى الميادين والفوارة. وكان الجمع أعظم من جمع الجمعة، ووضع الشيخ فى موضع الجنائز، مما يلى المقصورة، والجند يحفظون الجنازة. من الزحام، وجلس الناس على غير صفوف، بل مرصوصين، لا يتمكن أحد من الجلوس والسجود إلا بكلفة. وكثر الناس كثرة لا توصف.
فلما أذن المؤذن الظهر أقيمت الصلاة على السدة، بخلاف العادة، وصلوا الظهر، ثم صلوا على الشيخ. وكان الإمام نائب الخطابة علاء الدين ابن الخراط لغيبة القزوينى بالديار المصرية، ثم ساروا به، والناس فى بكاء ودعاء وثناء، وتهليل وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يدعين ويبكين