← Адаб

Адаб · id 10540

المقال وتطوره في الأدب المعاصر

السيد مرسي أبو ذكري

Полный текст (374 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أولًا: مصطفى لطفي المنفلوطي ١٨٧٦-١٩٢٤ رائد من رواد النهضة الحديثة، وصاحب رسالة وفكر، يحمل أدبه سمات المجتمع، وتتوفر فيه خلال البيئة وصفات صاحبه، وهذا لا يتوفر لدى الكثير من أترابه ولداته، علت منزلته، وارتقت مكانته بين أدباء عصره لكثرة ما كتب قلمه، ودبج براعه، وفاض به خاطره، فترسم الناشئة خطاه، وساروا على هداه، ونسجوا على منواله. كان المنفلوطي كلفًا بالقراءة، يجد سلوة في الكتاب مما وثق المحبة بينه وبين الثقافة، لذا فقد ترك أعمالًا أدبية كبيرة، تعرب عن موهبة أصيلة، وتشهد له بالفطنة والخلود, أشهرها "النظرات" التي جاءت حصيلة كتاباته في صحيفة "المؤيد" وكان لها من الأثر ما كان، بفضل حسن العرض، وسلامة التراكيب، وإيحاء الجمل، وجمال التعبير، وجلال التصوير. أسلوب المنفلوطي: المنفلوطي من أشهر كتاب المقال منذ راد الكتابة الشيخ محمد عبده، نالت مقالاته رضا القراء، وتقدير الجمهور لتصويرها ما يلائم العصر، مع إشراق الديباجة، وسلامة الأسلوب, وصف أحمد حسن الزيات أسلوب المنفلوطي وديباجته فقال: "أشرق أسلوب المنفلوطي على وجه "المؤيد" إشراق البشاشة، وسطع في أندية الأدب سطوع العبير، ورن في أسماع الأدباء رنين القلم، ورأى القراء الأدباء في هذا الفن الجديد ما لم يروا في فقرات الجاحظ، وسبحات البديع، وما لا يرون في غثاثة الصحافة، وركاكة الترجمة"١.

стр. 177

وعرف المنفلوطي بميله إلى المبالغة في إيراد الصفات المؤكدة التي تكسب الكلام قوة وتأثيرًا، والاهتمام بجمال العبارة، والعناية بالصياغة، وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي: ١- إيثار الجمل القصيرة الموجبة التي تمتاز بالسلامة، وتخلو من كل ما يشين التعبير، ويصم الأسلوب. ٢- الاهتمام بحسن الصياغة، وجمال الإيقاع، والاعتماد على الألفاظ العربية، والعبارات الفصيحة، والأساليب الصحيحة. ٣- البعد عن التكلف والتقليد والقصد إلى الصدق والأصالة، والجمع بين الجدة والطرافة، والتفوق على الأساليب التي عاصرها. ٤- يتسم بالرقة والدقة، والروعة والقوة، ويميل إلى السهولة والترسل، مع الخلو مما يعيب التراكيب والصياغة، بطريقة بيانية أخاذة. ٥- رعاية جمال الأسلوب دون الاعتماد على المحسنات، باستثناء السجع المطبوع للإسهام في موسيقى الصياغة، والعناية بتحرك العاطفة وهزها بمختلف الأساليب. وهذا نموذج من مقالاته عنوانه "أيها المحزون" يقول المنفلوطي فيه: "إن كنت تعلم أنك قد أخذت على الدهر عهدًا أن يكون لك كما تريد في جميع شئونك وأطوارك، وألا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي, لجدير بك أن تطلق لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب، أو استعصى عليك مطلب، وإن كنت تعلم أخلاق الأيام في أخذها وردها وعطائها ومنحها، وأنها لا تنام من منحة تمنحها، حتى تكر عليها راجعة فتستردها، وأن هذه سنتها، وتلك خلتها في جميع أبناء آدم، سواء في ذلك ساكن القصر، وساكن الكوخ، ومن يطأ بنعله هام الجوزراء، ومن ينام على بساط الغبراء، فخفض من حزنك، وكفف من دمعك، فما أنا أول عرض أصابه سهم الزمان، وما مصابك بأول بدعة طريفة في جريدة المصائب والأحزان". "أنت حزين؛ لأن نجمًا زاهرًا من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينيك نورًا، وقلبك سرورًا، وما هي إلا كره الطرف أن افتقدته فما وجدته, ولو أنك أجملت في أملك، لما غلوت في حزنك، ولو أنك أنعمت نظرك فيما تراءى لك، لرأيت برقًا خاطفًا، ما نظنه نجمًا زاهرًا، وهناك لا يبهرك طلوعه، فلا يفجعك أفوله. أسعد الناس في هذه الحياة من إذا وافته النعمة تنكر لها، ونظر إليها نظر المستريب بها، وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها، فإن بقيت في بدء فذاك، وإلا فقد أعد لفراقها عدته من قبل لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا الوثوق بدوام الغنى، ما كان الجزع من الفقر، ولولا فرحة التلاقي، ما كانت ترحة الفراق". من ثم يتبين لك أن الأسلوب المنفلوطي يتميز بأنه ذاتي مستقل، أنشأه بقوة طبعه، وسلامة فطرته، وحسن ذوقه على أحسن مثال. وإذا كان الأدب الفرنسي يعتبر "ميشيل دي مونتين" رائد المقال الأدبي الحديث، والأدب الإنجليزي يفخر بفرانسيس يبكون في هذا المجال، فإن المنفلوطي رائد المقال الأدبي في العصر الحديث.

стр. 178

ثانيًا: مصطفى صادق الرافعي ١٨٨٠-١٩٣٧ كاتب بأدق معاني الكلمة وأوسع مدلولاتها، عاش فترة الجدل الأدبي، وتحويل النقد إلى طعن وتجريح، ولوم وتفريع، وأصبح وسيلة للشهرة, وتحطيم الأصنام، وبلوغ الرفعة، وهدم الكيان، ومن هنا أغمط حقه، وغدا أدبه موضع شك وارتياب، ومع ذلك لا يختلف اثنان أنه من الكتاب السلفيين، نقرأ له فيخيل لك أنك تقرأ لكاتب عباسي. يقول سعيد العريان -تلميذه- عنه: "تقرأ له فتحسبه رجلًا من التاريخ، قد فر من ماضيه البعيد، وطوى الزمان القهقرى، ليعيش في هذا العصر، ويصل حياة جديدة بحياة كان يحياها منذ ألف سنة أو يزيد في عصر بعيد ... "١.

стр. 179

أسلوب الرافعي: تحقق في أسلوب الرافعي خصائص الأسلوب الأدبي العالي من حيث جمال الإيقاع، وسلامة الجرس، وعروبة اللفظ. يتحدث سعيد الرافعي عن الإيقاع في أسلوب أستاذه الرافعي فيقول: "كانت له عناية واحتفالها بموسيقية القول، حتى ليقف عند بعض الجمل من إنشائها برهة طويلة، ويحرك بها لسانه حتى يبلغ بها سمعه الباطني، ثم لا يجد لها وقعا من نفسه، فيردها وما بها من عيب، ليبدل بها جملة تكون أكثر رنينًا وموسيقى، وكان له ذوقه الخاص في اختيار كلماته، يحسه القارئ في جملة ما يقرأ من منشأته، وكنت أجد الإحساس به في نفسي عند كل كلمة، وهو يملي على هذا الذوق الفني الذي اختص به، هو الذي هيأه إلى أن يفهم القرآن، ويعرف سر إعجازه في كل آية، وكل كلمة من آية، وكل حرف من كلمة, وحسب القارئ أن يعود إلى تفسير الرافعي لقوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ ليرى نموذجًا من هذا الذوق الفني العجيب، في فهم اللفظ، ودلالة المعنى، يقابله وجه آخر من هذا الذوق في اختيار ألفاظه عند الإنشاء١. ومن أروع آثار الرافعي -وهي عديدة- المقالات والقصص والأحاديث الدينية التي نشرها في الصحف والمجلات، وضمها كتابه "وحي القلم" وفيها بدت طريقته في الاهتمام بالناحية البيانية وجمال الصياغة، وروعة الديباجة، وتحس خلالها بجمال وجمال، ومتعة وفن. وأهم سمات أسلوبه ما يلي: ١- يزدحم أسلوبه بالاستعارات والمجازات والكتابات في جدة وطرافة، وإتقان وإبداع. ٢- استلهام لفظة أو عبارة من القرآن الكريم، أو جملة من الحديث النبوي الشريف، أو مثل مشهور، أو بيت شعر مأثور.

стр. 180

٣- الاقتصاد في استخدام بعض ألوان البديع الذي يخدم الجانب المعنوي في توكيد الأفكار كالمقابلة والتورية، والجانب البياني في روعة الصياغة كالسجع والجناس. ٤- تشيع فيه الخواطر النفسية، والمشاعر الإنسانية، والمواقف الإسلامية، والصور الوصفية، والنظرات الإصلاحية، ممزوجة بالطابع العربي الإسلامي. وهذا جزء من مقال له بعنوان "حقيقة الإسلام" يظهر من خلاله خصائص أسلوبه، يقول فيه: "لا يعرف التاريخ غير محمد ﷺ رجلًا أفرغ الله وجوده في الوجود الإنساني كله، كما تصب المادة في المادة، لتمتزج بها فتحولها، فتحدث منها الجديد، فإذا الإنسانية تتحول وتنمو، وإذا هو ﷺ وجود سار فيها، فما تبرح الإنسانية تنمو به وتتحول, كان المعنى الآدمي في هذه الإنسانية، كأنما وهن من طول الدهر عليه، يتحيفه ويمحوه ويتعاوره بالشر والمنكر، فابتعث الله تاريخ العقل بآدم جديد, بدأت به الدنيا تطورها الأعلى, من حيث يرتفع الإنسان عن ذاته, كما بدأت من حيث يوجد الإنسان في ذاته، فكانت الإنسانية دهرها بين اثنين: أحدهما فتح له طريق المجيء من الجنة والثاني فتح الله لها طريق العودة إليها، كان في آدم سر وجود الإنسانية، وكان محمد سر كمالها". "ولذا سمي الدين "بالإسلام" لأنه إسلام النفس إلى واجبها، أي: إلى الحقيقة من الحياة الاجتماعية، كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها، فلاحظ له هو من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه، ولكن للإنسانية به الحظ". "وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ، مبدأ إنكار الذات و"إسلامها" طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها، وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني، أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي، وهو أبدًا بروضها على هذه الحركة ما دام حيا، فينزعها كل يوم من أوهام دنياها ليضعها ما بين يدي حقيقتها الإلهية، يروضها على ذلك كل يوم وليلة خمس مرات مسماه.

стр. 181

في اللغة خمس صلوات، لا يكون بالإسلام إسلامًا بغيرها، فلا غر وكانت الصلاة بهذا المعنى كما وصفها النبي ﷺ : هي عماد الدين بين ساعات وساعات في كل مطلع شمس من حياة المسلم صلاة، أي: إسلام النفس إلى الإرادة الاجتماعية الشاملة القائمة على الطاعة للفرض الإلهي، وإنكار لمعانيها الذاتية التي هي مادة الشر في الأرض، وإقرارها لحظات في حيز من الخير المحض البعيد عن الدنيا وشهواتها وآثامها ومنكراتها، ومعنى ذلك كله تحقيق المسلم لوجود روحه، إذ كانت أعمال الدنيا في جملتها طرفًا تتشتت فيها الأرواح وتتبعثر حتى تضل روح الأخ عن روح أخيه، فتنكرها ولا تعرفها". "وهذا الوجود الروحي هو مبعث الحالة العقلية التي جاء بها الإسلام، ليهدي الإنسانية إليها، حالة السلام الروحاني الذي يحمل حرب الدنيا المهلكة حربًا خارج النفس لا في داخلها، ويجعل ثروة الإنسان مقدورة بما يعامل الله والإنسانية عليه، فلا يكون ذهبه وفضته مما كتب عليه: "ضرب في مملكة كذا" ولكن ما يراه هو قد كتب عليه "صنع في مملكة نفسي" ومن ثم لا يكون وجوده الاجتماعي للأخذ فحسب، بل للعطاء أيضًا، فإن قانون المال هو الجمع، أما قانون العمل فهو البذل"١. أسلوب الرافعي -كما ترى- مغرق في المحافظة على القديم، وعلى الرغم من تشبثه به فقد تحرر من الحلى اللفظية أو الزخارف البديعية، وجاءت ألفاظه محكمة، ومعانيه دقيقة، وأفكاره طريفه، مما يدل على قدرته وتمكنه من اللغة ووقوفه على أسرارها، ولا عجب في ذلك فقد تمرس بأساليب أمراء البيان في العصور الأولى للأدب.

стр. 182

ثالثًا: جبران خليل جبران ١٨٨٣-١٩٣١ شاعر وناثر ورسام وفيلسوف، لبناني الأصل، انصهرت في نفسه ثقافات شتى، فنطقت روحه بمعاني الإنسانية الشاملة، وتضافرت في ذاته سلسلة من التأثيرات صادفت روحًا مرهفة، وإنسانية متدفقة فأنتج أدبًا رائعًا هو أدب الحرية والثورة والتمرد والحزن والألم. بلغت شهرته في الغرب مداها بعد ظهور كتابه "النبي" الذي رسم صوره بنفسه وبدت شهرته في الشرق بعد نشر كتابه "الروح الثائرة" الذي آثار سخط الكنيسة والدولة العثمانية. كان يعشق الطبيعة فيقول: "لو أن في العالم شجرة واحدة لحج إليها الناس من جميع الأمم". نشر مقالات عديدة بجريدة "المهاجر" التي أسسها أمين الغريب في مدينة "بوسطن" الأمريكية، وأقام المعارض للوحاته، ونشر الكثير من كتبه، وغذى الصداقات في دنيا الفن والأدب، كما كتب في مجلة "الفنون" وجريدة "السائح" وغيرهما من الجرائد العربية في بلاد المهجر. خلف جيران مؤلفات عديدة باللغتين: العربية والإنجليزية، يعنينا منها مجموعتين ضمتا العديد من مقالاته هما: "دمعة وابتسامة" و"العواصف" التي تعد مجموعة من المقالات الثائرة الجامحة، هزت -حين صدورها- الأوساط الأدبية في العالم العربي، ويكفي أن تقرأ مقالات "حفار القبور" و"العبودية" و"المليك المسجون" و"مات أهلي" لتدرك مدى تلك العواصف الهوجاء التي كانت تدور في رأس جبران، وتكاد تؤدي بطمأنينيته وسكينته. أسلوب جبران: لجبران أسلوب جديد وطريف ومبتكر في الكتابة العربية، يخالف المألوف مما جعل البعض يتهمونه بالغموض، ويعتمد على صور خيالية، ويجسد المعاني أشكالًا حية متحركة في أسلوب مجنح. وصفته "مي زيادة" فقالت: "يلخص الجملة والمعنى رسمًا على هامش القرطاس، أو يشرحه في صورة عجيبة" ويقول عنه صلاح لبكي: "تنكب عن المألوف من الجناس والمجاز، ومحاولة لتحميل الكلمات فوق ما تعودت جملة من المعاني، ولتجريدها من التفاهة والفضول" وأهم ما يميز أسلوب جبران ما يلي:

стр. 183

١- يحلق في أجواء عليا من الخيال، تسمو به إلى الشعر المنثور. ٢- معرض زاخر بمقاطع مختلفة لا حد لها مثل ما جاء بمقاله "مساء العيد" "قلت ومن أنت؟ قال وفي صوته هدير مياه غزيرة: أنا الثورة التي تقيم ما أقعدته الأمم, أنا العاصفة التي تقتلع الأنصاب التي أثبتها الخيال, أنا الذي جاء ليلقي في الأرض سيفًا لا سلامًا". ٣- يعتمد على العاطفة المتأججة، والمشاعر الملتهبة، كأنه يتقلب على جمرات نار. ٤- لا يقف عند لون واحد، فتراه متهكمًا وساخرًا حينًا، ولاذعًا ومتمردًا حينًا آخر، وجريئًا وصريحًا ومتجددًا حينًا ثالثًا. ٥- تتوفر فيه عناصر الجمال، وأسباب الجاذبية، وقد لخصها في كتابه "رمل وزبد": "إذا وجدت في نفسك ميلا للكتابة -ولا يعلم سر هذا الميل إلا القديسون- فلتكن فيك المعرفة والفن والسحر معرفة موسيقى الألفاظ، وفن البساطة والسذاجة، وسحر محقيه قرائك". ونسوق إليك صورة بيانية من صور جبران المنبثة في كتبه التي أربت على العشرين، لكي تقف على أسلوبه في نثره المجنح. وصف مدينة "نيويورك" عندما يطلع الصباح فقال: "قد جاء الصباح وانبسطت فوق المنازل المكردسة أكف النهار الثقيلة، فأزيحت الستائر عن النوافذ، وانفتحت مصاريع الأبواب، فأتت الوجوه الكالحة والعيون المعروكة، وذهب التعساء إلى المعامل، وداخل أجسامهم يقطن الموت بجوار الحياة، وعلى ملامحهم المنقبضة قد بان ظل القنوط والخوف، كأنهم منقادون قهرًا إلى عراك هائل مهلك, ها قد غصت الشوارع بالمسرعين الطامعين، وامتلأ الفضاء من تلقلة الحديد، ودوي الدواليب، وعويل البخار، وأصبحت المدينة ساحة قتال، يصرع فيها القوي الضعيف، ويستأثر الفتى المظلوم بأتعاب الفقير المسكين". وحسب جبران أن معظم أبناء العالم العربي احتذوا أسلوبه، وحاكوا عبارته على الرغم من بعده عنهم في مهجره البعيد، كا اجتذب أسلوبه الأنجليزية الناطقين بها، فأصبح علما في الادبيين: العربي والانجليزي، ويتمتع بمكان مميز ملحوظ.

стр. 184

رابعًا: أحمد حسن الزيات ١٨٨٥-١٩٦٨ عملاق من عمالقة الأدب المعاصرين، وصاحب مدرسة نهل الأدباء والمتأديون من معينها بعد منتصف القرن الحالي. سطر العديد من المقالات في الدعوة إلى التحرير من قيود الماضي، والاهتمام بدراسة الأدب بطريقة منهجية منظمة، دون إهدار تراثنا الإسلامي العظيم، له مقالات ممتعة في الأدب والنقد والسياسة والاجتماع، عامرة بألوان الفكر النير، والرأي السديد، تفيض بإحساس دافق، وشعور متألق، وحماس هادر. أسلوب الزيات: يقوم أسلوب الزيات على البيان المنسق القائم على هندسة كلامية فريدة: الجملة تعادل الجملة، والكلمة تقابل الكلمة، والفقرة توازي الفقرة حتى يأتي الأسلوب لوحة بيانية تتقابل خطوطها، وتتعادل مساحاتها، وتتوازن ألوانها، وصف محمد يوسف نجم أسلوب الزيات فقال: "أسلوب الزيات يعتمد على الصنعة المحكمة ... فهو ضفيرة منسقة من الألفاظ الموسيقية المجلجلة، أو قطعة من الفسيفساء أبدعتها يد فنان صناع، أو هو قالب جاهز يلبسها لكل فكرة، ويلقيها على كل موضوع، دون أن يحاول الخروج عن النسق المعتاد، أو السنة المقررة، ودون أن يعنى بتحوير القوالب وتهذيبه بحيث يلائم الشكل المطلوب١". وعلى الرغم من اطلاع الزيات على روائع الغرب، فلم يفقد طابعه العربي، ونسق الأسلوب العالي الذي عرف به، ويتميز بالسمات التالية: ١- الاهتمام ببعض المحسنات لتحقيق التناسق الصوتي كالسجع والجناس، وبعضها لتحقيق التناسق المعنوي كالمقابلة والطباق.

стр. 185

٢- العناية بالحرف والكلمة، والمقطع عنايته بالجملة والعبارة والفقرة مما يجعل القارئ يحسن تنسيق عمله. ٣- الموازنة بين الكلمات والعبارات، فلا مكان لجزء دون مقابل له، فتكون عملًا جماليا، يقوم على التناسق والتعادل. ٤- العناية بالإطار العام، ورعاية جانب الشكل، حتى يتضاءل الزاد الفكري، ويتبعه المضمون في أكثر الأحيان، لكنها تبقى رغم ذلك باهرة بإشراق صياغتها، أخاذة بروعة بيانها. وهذا جزء من مقاله "أوروبا والإسلام" نتعرف من خلاله على أهم سمات طريقة الزيات في الكتابة، وفيه يقول: "شيع الناس بالأمس عاما قالوا إنه نهاية حرب، واستقبلوا اليوم عامًا يقولون إنه بداية السلم، وما كانت تلك الحرب التي حسبوها انتهت، ولا هذه السلم التي زعموها ابتدأت إلا ظلمة أعقبتها عمى، وإلا ظلا ما سيعقبه دمار, حاربت الديمقراطية وحليفتها الشيوعية عدوتهما الدكتاتورية، وزعمتا للناس أن أولاهما تمثل الحرية والعدالة، وأخراهما تمثل الإخاء والمساواة، فالحرب بينهما وبين الدكتاتورية التي تمثل العلو في الأرض والتعصب للجنس، والتطلع إلى السعادة أنما هي حرب بين الخير والشر، وصراع بين الحق والباطل، ثم أكدوها هذا الزعم بميثاق خطوه على مياه "الأطلس". حتى وهم ضحايا القوة، وفرائس الاستعمار أن الملائكة والروح ينزلون في كل ليلة بالهدى والحق على روزفلت وتشرشل وستالين وأن الله قد عاد فأرسل هؤلاء الأنبياء الثلاثة في واشنطن ولندن وموسكو، ليدرءوا عن أرضه فساد الأبالسة الثلاثة في برلين وروما وطوكيو. ثم تمت المعجزة وصرع الجبارون، ووقف الأنبياء الثلاثة على رءوس الشياطين الثلاثة يضربون الأستار على العالم الموعود، وتطلعت شعوب الأرض إلى مشارق الحي في الوجوه القدسية، فإذا اللحى تتساقط، والقورن تنتأ، والمسابح تنفرط، والمسوح تنهتك، وإذا التسابيح والتراتيل عواء وزئير، والوعود والمواثيق خداع وتقرير، وإذا الديمقراطية والشيوعية والنازية والفاشية كلها ألفاظ تترادف على معنى واحد، وهو استعمار الشرق، واستعباد أهله! إذن برح الخفاء، وافتضح الرياء، وعادت أوروبا إلى الاختلاف والاتفاق على حساب العرب والإسلام١". وأعم الزيات في أسلوبه بين الفكرة والصورة، فلا يطغى أحدهما على الآخر، وجمع في طريقته بين الصفات الأساسية للأسلوب الفني التي هي: الأصالة والوجازة والتلاؤم. ولا يختلف اثنان في أن الرجل رائد مدرسة وطريقه ينهل من معينها المتأديون، ويحاكيها الناشئون كي ترتقي أساليبهم وتسلم طرائقهم في التعبير والتصوير، وحينئذ يبلغون الجودة، ويصلون إلى حد الحذق والمهارة والإبداع.

стр. 186

خامسًا: عباس محمود العقاد ١٨٨٩-١٩٦٤ مفكر وأديب وشاعر وناقد ذو طبيعة جدية، حلق في آفاق سامية نبيلة، لا يتدنى إلى مشكلات الحياة اليومية العادية، تضم مقالاته كل رصيد من الموضوعات التي توحي بكتاباته الجادة. خالط الأوروبيين -عن طريق القراءة- في أدبهم وفنونهم وعلومهم وفلسفاتهم وشاعت هذه المخالطة في جميع كتاباته، حتى برز دوره الأصيل في نهضتنا الفكرية، وهو دور يقوم على نقل الفكر الغربي إلى أوعية لغتنا مع فحصه وطرح ما لا يلائمنا منه. أغزر كتاب مصر إنتاجًا، فقد كتب حوالي أحد عشر ألف مقال خلال نصف قرن، بدأ الكتابة ١٩٠٧ وظل من ١٩٢٢ حى ١٩٣٥ يكتب مقالًا صحفيا يوميا عدا يوم واحد في الأسبوع، والأشهر التسعة التي قضاها في السجن بحجة العيب في الذات الملكية ومن ١٩٣٧ إلى ١٩٥٢ كان يكتب ما بين ثلاثة وأربعة مقالات صحفية في الأسبوع، هذا إلى جانب مئات المقالات غير الصحفية التي نشرت في الصحف والمجلات, ويتميز العقاد بكثرة الصحف والمجلات التي عمل بها وهي على سبيل المثال: الدستور والمؤيد والبيان والأفكار والبلاغ والأساس والأهرام. ويقول شوقي ضيف عن العقاد: "وقد ظل منذ باكورة حياته الأدبية

стр. 187

يعكف على الفلسفات والأدب والفنون الغربية، وتمثلها جميعًا تمثلًا رائعًا، وهو تمثل أخضعها فيه لسلطان عقله، فإذا هو يحللها وينقدها، مكونًا لنفسه فيها صورًا ظل ينشرها تارة في مقالات، وتارة في مؤلفات١". أسلوب العقاد: تناول العقاد أكثر من لون من ألوان المقالة: سياسية وأدبية واجتماعية ووصفية. اعتمد أسلوبه فيها على التعبير المحكم الذي يؤثر الألفاظ الموحية والجمل المحكمة التي تقوم على الدقة في التصوير، والقصد في التعبير، والتركيز في كتاباته، ورغم ذلك كله فإن أسلوبه يتميز بما يلي: ١- عدم الإفراط في المقدمات، أو اللجوء إلى التكرار، أو اللف أو التوكيد بالكلمة أو الجملة. ٢- العناية بوفرة المعاني وغزارة المادة. وحسب الكلمة والعبارة أن تؤدي المعنى، وتنقل الخاطرة، وتفصح عن الشعور، لتزيد المعنى وتضيف إلى الفكرة جديدًا. ٣- طول بعض الجمل أكثر من المألوف، مما يجعل شيئًا من الغموض أو الجفاف أو الالتواء في الأسلوب، مما يتطلب من القارئ تنبيها عظيمًا. ٤- الإبانة والإفصاح مع الجمال الطبيعي الذي قد يصل أحيانًا إلى حد الشاعرية. ٥- استخدام التديلات الضابطة والاحتراسات المتحفظة، حتى يضمن إحكام التعبير، ويصون دقة المعنى. ٦- يتسم بالجدل المنطقي، والحجاج العقلي، والتحليل الدقيق، واختيار الألفاظ المتشامخة ذات الجرس والطنين. ٧- البعد عن زخرفة اللفظ سوى السجع الذي تحتاجه المواقف كالسخرية والتحدي والدعاية حتى يفزع رنينه الأسماع.

стр. 188

وفي النص التالي سمات أسلوب العقاد، وهو جزء من مقال العقاد في "الألم واللذة" وفيه يقول: "أما أن الألم موجود في هذه الدنيا، فمما لا يختلف فيه اثنان، وأما أنه كثير فوق ما تقبله النفوس، فمما لا يختلف فيه إلا القليل، وأما أنه نافع أو غير نافع، ومقدم للحياة أو مثبط لها فذلك ما يختلف فيه الكثيرون. ورأيت في هذا الخلاف أن الألم ضرورة من ضرورات الحياة، وحسنة من حسناتها في بعض الأحيان، وحالة لا تتخيل الإنسانية بدونها على وجه من الوجوه. أما تفضيل هذا الرأي فهو أن الشعور يستلزم الشعور بغير النفس، فهذه أل "أنا" التي تقولها وتحمل فيها خصائص حياتك، ومميزات وجودك، وتعرف بها نفسك، مستقلا عما حولك، منفردًا بإحساسك. هي نصيبك من الحياة الذي لا نصيب لك غيره، وهي تلك "الذات" التي لا تشعر بها إلا إذا شعرت بشيء مخالف في هذا العالم الذي يحيط بها. فأنت لا تكون شيئًا له حياة ولذات وآلام ومحاب ومكاره إلا إذا كانت في هذا العالم أشياء أخرى، ولا تكون هذه الأشياء الأخرى معك إلا إذا كان منها ما يلائمك وما لا يلائمك، أو ما يسرك وما يؤلمك١". يكشف لك هذا المقال وغيره عن قدرة العقاد في هضم الفلسفات والآداب الغربية، وإخضاع ما يقرؤه لعقله وفكره العربي، واستنباط صور ضمنها مقالاته وكتاباته في الصحف التي عمل بها.

стр. 189

سادسًا: طه حسين ١٨٨٩-١٩٧٣ كاتب من الطراز الأول، جمع في أسلوبه بين موضوعية العلم وذاتية الفن. ويمتاز بتلون العبارة، وتنويع الصور والأفكار، مما ينفي الملل عن القارئ. برز نشاطه الأدبي منذ تولي تحرير الصفحة الأدبية بجريدة "السياسة" الأسبوعية فكان ينشر مقالًا ممتعًا في الشعر كل يوم أربعاء، ويلخص قصة من أدب الغرب كل يوم أحد، ويناقشها مناقشة أدبية, وكان محصول ذلك بحوثًا مبتكرة في طبيعة الأدب العربي، فثار أعلام الكتابة عليه، وبدأ احتدام الصراع بين زعماء القديم بقيادة الرافعي، وأنصار الجديد بزعامته، فكان بداية بعث أدبي جديد. أسلوب طه حسين: غلبت عليه العناية بالألفاظ والجمل، وتقديم المشاهد والصور المتعاقبة. "لا يهجم عليك برأيه فيلقيه إلقاء الآمر، وإنما يلقاك صديقًا لطيفًا، ثم يأخذ بيدك أو بعقلك وشعورك، ويدور معك مستقصيًا المقدمات، محللًا ناقدًا، يشركك معه في البحث حتى يسلمك الرأي ناضجًا ويلزمك به في حيطة واحتياط، ثم يتركك ويقف غير بعيد متحديًا لك أو ضاحكًا منك, وذلك في عبارات رقيقة عذبة أو قوية جزلة، فيها ترديد الجاحظ وتقسيمه، فإذا قص أو وصف أخذ عليك أقطار الحوادث والأشياء، ودخل في أعماق الشعور وجوانب النفوس مدققًا مقتضيًا، يخشى أن يفوته كل شيء ولا يخشى الملال من شيء، دقيق الشعور، صاف النفس، نبيل الجدل حاده، يسير مع خصمه بعقله حتى إذا أنس منه الغضب أو التوى تركه وانصرف١" أو هو كما قال محمد مندور: "أسلوب سمح تسلم الصفحة منه عند أول قراءة كل ما تملك، فلا تشعر بالحاجة إلى أن تعود تستوحيها جديدًا، ولكنك رغم ذلك تحمد للكاتب يسره، أسلوب واضح الموسيقى، يكشف في سهولة عن أصالته٢". لهذا كله سمى بعض الدارسين٣ أسلوب طه حسين بأسلوب التصوير المتتابع وأهم ما يميزه عن غيره ما يلي: ١- الاعتماد على الجمل القصار، وإيرادها فيما يشبه التكرار أو الإعادة للمعنى الواحد دون أن يحس القارئ بشيء من الملل أو الضيق أو السآمة، لامتلاكه ثروة لغوية عريضة.

стр. 190

٢- يكثر من صيغ الاستنكار والنفي والتعليل والاستطراد الخفيف مما يخفف على القارئ عند قراءة موضوع واسع أو مقال طويل. ٣- يتوجه بالحديث إلى المخاطب، حتى يبدو كأنه يحدث قارئه ولا يكتب إليه، مع الترفع عن الابتذال والإسفاف مهما كان الموضوع الذي يتناول، والابتعاد عن استعمال الألفاظ الغربية، والأساليب العامية. ٤- يؤثر لوازم معينة عند البدء والانتقال والتفصيل لم تؤلف في كتابات غيره مثل: مهما يكن من شيء، تستطيع أن تسميه كذا، وإنما هو شيء آخر غير كذا، ومما لا شك فيه, ومثل: الرغم والسخط والرضى والإسراف والبراعة، وغير ذلك من الألفاظ التي يلحظها القارئ، ويتميز بها عن غيره. ٥- تبدو فيه شخصيته الأدبية فيما يكتب -قصة أو مقالًا أو كتابًا- فتراه يؤدب العلم والمنطق والتاريخ، مع إشراق الديباجة، ووضوح العبارة، وسهولة الألفاظ، وتوقيع موسيقى وجرس خفيف على الأذان، ومن هنا عجز الجميع عن محاكاته أو تقليده. ٦- يحتفظ بصورة بديعية واحدة -رغم تحرره من صور البديع- هي فن المطابقة، ويؤثر السجع عند الحاجة، ويأتي به بين كلمتين متجاورتين في الجملة الواحدة، وقد يتجاور مع سجع بين نهاية جملتين مثل: "كان الشيخ مهيبًا رهيبًا، وكان فخمًا ضخمًا، قد ارتفعت قامته في السماء، وامتد جسمه في الفضاء١" وهذا جزء من مقال له عن: "الحب في شعر عمر بن أبي ربيعة" يقول فيه: "وكان كل شيء في حياة عمر وسيلة إلى الاتصال بالمرأة وذكرها، والتحدث إليها ولا سيما الحج، فلم يكن ابن أبي ربيعة يفهم من موسم الحج إلا أنه معرض إسلامي للجمال، كان إذا قرب الموسم اتخذ أجمل ما كان

стр. 191

يستطيع من زينة, وظهر في مظهر الفتوة والقوة وفارق مكة، فتعرض للحجيج في طريق المدينة والشام والعراق، يتلمس نساءهم، ويتبين هوادجهن، ويعرض منها لمن تظهر عليها آثار النعمة والترف، فإذا وافى الحجيج مكة وغيرها من مواضع المناسك كان عمر قد أحصى النساء اللاتي يجب أن يكون بينه وبينهن لقاء أو حديث أو مكاتبة، وكان له رسل تعمل في ذلك فتأتيه المواعيد في مكة حينا, وفي منى حينًا آخر، وكان أحب ساعات الدهر إليه أوائل الليل من أيام الموسم حيث ينتهز النساء فرصة الليل فيخرجن للطواف, هناك كان عمر بن أبي ربيعة يترصدهن، ومنهم من كانت تترصده، وهنالك كانت تبتدي الأحاديث لتتم بعيدًا عن البيت، حتى إذا انتهى الموسم، وأزمع الحجيج العودة إلى بلادهم". "رأيت عمر مقسمًا بين نساء المدينة ونساء الشام ونساء العراق، يشيع هذه ثم يعود، فيشيع تلك، ثم يترك هاتين ليشيع امرأة أخرى, وهو لا يفرغ من تشييع امرأة إلا قال الشعر الجيد يسبقها إلى موطنها، ولا يلبث أن يسقط بين أيدي المغنيين، فإذا هو مصدر للهو والطرب لهذه الاستقراطية المترفة من أبناء قريش والأمصار، فكان موسم الحج موسم شعر وغناء في الحجاز١". على الرغم من أن أسلوب طه حسين يحفل برنين الألفاظ، وجرس العبارات أكثر من الفكرة المدروسة، والمعنى العميق فقد كان شيئًا جديدًا، متميزًا في الكتابة العربية الحديثة، فيه من لغة العرب البيان والإشراق واللمح، ومن الفرنسية الوضوح والإبانة والدقة.

стр. 192

سابعًا: عمر فاخوري ١٨٩٥-١٩٤٦ كاتب مبدع، فيه روح شاعر ملهم، وأديب لبناني موسوعي الثقافة والفكر، ألم بفنون العربية، وتجاوزها إلى الأدب الغربي وبخاصة فرنسا، فألف بين تراث الشرق والغرب تأليفًا، تلمح فيه دقة الملاحظة، وتدرك منه مواضع الربط بين لغات الفكر، واهتمامه بآثار الفكر واللغة والتحقيق. ترك آثارًا مطبوعة في كتب خفيفة، ضمت مقالاته وخطبه وأحاديثه التي نشرتها الصحف والمجلات، وضم كل طائفة ذات موضوع واحد في كتاب، وحملت كتبه عناوين طريفة تدل على محتوياتها، وتمثل مرحلة من مراحل التطور والتحول في حياة عمر فاخوري هي: كيف ينهض العرب؟ ١٩١٣، وأراء غربية في مسائل شرقية ١٩٢٥، والباب الموصود ١٩٣٨، والفصول الأربعة ١٩٤١، ولا هوادة ١٩٤٢، وأديب في السوق ١٩٤٤، والحقيقة اللبنانية ١٩٤٤ وحجر الزاوية ١٩٤٦. وترجع أهمية هذه الآثار لما تضمنته من أراء تحررية وسطور تشع بالفكر المتجدد، وتعبر عن الشخصية العربية الحرة، وتسخر ممن تكلفوا الأدب، فجاء أجوف الفكرة، لا تنبض فيه الحياة. أسلوب عمر فاخوري: سطر عمر فاخوري مقالات نقدية وفكرية بأسلوب ساخر حينًا، ولاذع حينًا آخر، فنبه الأذهان على أدب حديث تناول قضايا الحياة والإبداع، وأدرك المثقفون من خلاله أنهم أمام مثقف كبير، ارتوى من ينابيع شتى، وسكبها في أفكاره التحررية، وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي: ١- الجمع بين الإيجاز والدساسة. ٢- التعبير عن صميم الموضوع، بحيث يحس القارئ بمتعة، وينتهي منه إلى مكتسب فكري وذوقي، فتدخل في محتواه النفس والشعور. ٣- موضوعاته طريفة، وتعبيره بليغ، بعد عن الركاكة، وسلم من العجمة ويتسم بالجدة والابتكار، على الرغم من ترادف الموضوعات وتعددها. ٤- يمثل النموذج الفني والفكري، المتأثر بأدب المغرب وثقافته، مع المقارنة والموازنة والاقتباس. ٥- يحتوي على صور العصر، ويمثل أدب صاحبه ومجتمعه الذي عاش فيه خير تمثيل، أو قل يستمد المعاني والصور من ينابيع الحياة.

стр. 193

٦- يتسم بالإبداع الفني، ويتم عن شخصية صاحبه بكل مقوماتها وخصائصها، ويعبر عن أهدافه ومراميه، ومطبوعًا بطابع السخرية والتوثب. ٧- يجد القارئ في عبارته جلجلة غير مؤذية، وروعة لا يشاركه فيها أديب. ٨- يتميز برهافة الإحساس، وسحر التأثير، والانفراد بطريقة لاذعة في النقد. ٩- يعتمد على تحليل الشعور والأفكار تحليلا يوصله إلى الحقيقة. وهذا جزء من مقال له بعنوان "ربيعي الأول" جاء فيه: "منذ أغريت نفسي بأن تتحدث عن الربيع فأجابت بعد لأي، وأنا اكتشف أشياء وأشياء، وكأني لا عهد لي بها من قبل، ففي جنة البيت أبصرت فجأة شجيرة مشمش "يزعمون أنها حضرت مولدي" أعجبني منها أول وهلة، هذا الزهر الأحمر الضارب إلى صفرة، عالقًا بأغصانها قناديل صغيرة مضاءة في رائعة النهار، لأطفال في عيد، لكن ما لبث أن عرفت سر القناديل، فإذا كل واحد منهما لحظة عتب ساخر، ترمقني به الزهراء شذرًا، وهي تقول: "الآن رأيتني؟ " "الآن رأيتني؟ " تقولها وهي تتعمد شدى، كأنما يسوؤها أن أتقدم، فأشارك الأطفال أفراح عيدهم". وخطر ببالي أن أذكر الشجرة أمسها القريب حين لم تكن سوى عيدان جرداء ممتدة في الأفق القاسي، أبدى تبسطها الفاقة في السؤال، لا لحم عليها ولا دم فغاظني أنها صدفت عني غير مبالية، وطفقت ترفل في خيلائها، كالصبية الحسناء ليلة عرسها، ترسل أخطر نظرة صادقة على حلتها متهادية ذات اليمين وذات الشمال، وودعتني بنفخة من أرج ساطع خيل إلي أنها تقهقه به ضاحكة". "وسولت لي نفسي أن أثأر لها، فخرجت إلى الجنينة وأخذت بجصر الشجرة السعيدة فهصرته وهزهزته، فتساقطت المسكينة على رأسي وفوق كتفي وبين أقدامي، زهرات يتامى، وفيما أنا واقف أرجو أن أراها مجهشة

стр. 194

بالبكاء، إذا بها تتلملم بأسرع من لمح البصر، كأن لم يك شيء فتصلح زيها الذي تشعث قليلًا، ثم تعود في خيلائها، مضاءة بأنوار الربيع". "قلت لنفسي وأنا أتكلف سرورًا ظاهرًا: "هلمي بنا في هذا اليوم المشرق من أيام البعث.. لنطرح الكتاب جانبًا، ولنمضي إلى الضاحية فنستقبل بشائر الربيع" فتبعتني نفسي كالمرغمة، وكنت أتلفت ورائي، حينًا بعد حين، لا أنظر إلي أين هي, ومشيت على مهل، وأنا أسرح الطرف معجبًا، كأني أفتح على الكون عينين جديدتين، لم يسبق أن استعملهما أحد كمثل نافذتين في دار مهجورة أقفلتا زمنًا طويلًا، فلما آت إلى الدار أهلها؛ وفتحت النافذتان أخذتا تنظران، وكأن الأرض بدلت والسماء غير السماء". "وفيما نحن في الضاحية نبحث عن موكب الربيع تدق فيه البشائر، إذ تجهم وجه الدنيا وتريد بالسحاب، ثم أنزل المطر علينا مدرارًا, وهكذا عدنا من حيث أتينا، ونحن نقص على الناس أننا رأينا الربيع يدخل البلد متنكرًا في ثوب الشتاء، مشمرًا أذياله بين الوحل والماء". - ذهب ربيع وجاء ربيع. قالت ماري: ماري قرطيا التي لا تعرف شيئًا عن البروج لأختها. - تعالى ... انظري إلى هذه الشجرة الزاهرة في جنينة الجيران ... سألني: "ما هذه الشجرة يا ماري؟ " أجبت شجرة مشمش. يا معلمي، قال: أواثقة أنت؟ نعم. وأعاد على السؤال ثم أخذ في الكتابة ليلة بطولها ... فمزق كثيرًا من الورق، قبل أن يملأ صفحة واحدة١". وهكذا كان عمر فاخوري كاتبًا مبدعًا في روح شاعر ملهم، عبر في مقالاته عن الأدب والحياة في ذاتية عميقة، وموهبة فنية طاوعته في معاناة الفكر والبيان، تجلى فيها إخلاصه للأدب، وتجافيه عن التكلف والتقليد.

стр. 195

ثامنًا: مي زيادة ١٨٩٧-١٩٤١ كاتبة تتمتع بعقلية نادرة، وقدرة فائقة، وطريقة فاذة في الكتابة والخطابة، لقبها أدباء عصرها بالنابغة، أحدثت في الصحافة نشاطًا لم تسبق فيه، فقد ابتكرت في السياسة الأسبوعية -عند إنشائها- ١٩٢٦بابًا أطلقت عليه "خلية النحل" يتضمن أسئلة القارئات والقارئين, ويتولى غيرهم الرد عليها, واهتمت باختيار الأسئلة والأجوبة، وصاغتها صياغة لائقة، جذبت القراء في الإقبال على هذا الباب، مما روج الصحيفة. جذب صالونها الأدبي منذ العشرينات حتى الأربعينات الأدباء والمفكرين من مصر وبلاد العروبة، وكانت "مي" فيه البلبل المغرد، وكعية الخيال لكل رواده الذين أحبوها جميعًا. صنفت حب الرجال لها بأنه حب تختلط فيه مشاعر الأبوة بالأخوة، والصداقة العقلية بالصداقة النفسية، وكانت تكسب عواطفهم دون أن يكسبوا شيئًا منها، فهام الجميع يتغزلون فيها دون أن يجعل أحدهم غزله فيها عاريًا أو جارحًا. ومن هنا لم يتمكن محلل لحياة "مي" أن يحدد أفضل الرجال عندها، وتلك إحدى عبقرياتها التي جعلتها وضوحًا في صداقتها، وأكثر ما تكون عوضًا في أحاسيس الصداقة من جانبها. أرخ الرجال الكتاب عنها من أمثال: عباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وجبران خليل جبران، ومنصور فهمي، وكامل الشناوي، وطاهر الطناحي وغيرهم ممن اهتموا بحياتها بعد وفاتها. أسلوب مي زيادة: مي زيادة أديبة مقال تكتبه من وحي إحساسها الفني وبصيرتها الناقدة، وتأملاتها الذاتية والجباتية، ولذا يشف أسلوبها عن ثقافتها الفكرية والروحية, ويدل عليها، ويحتفل بتنسيق الأداء والإتقان والجودة وينساب حسب أفكارها، وينم عن الرصانة وسعة الثقافة، وصفت "مي"

стр. 196

زيادة" الكاتب الحق في حديثها عن صاحبتها "باحثة البادية" فقالت: "ليس بكاتب من كان ينقصه ما يسميه الإفرنج "قماش الكاتب" أي: السر الذي يقود الفكر إلى اختيار الألفاظ الصائبة، ويعرف صياغة الجملة الملائمة١". وعلى أي حال فأسلوب مي زيادة يتميز عن غيره بما يلي: ١- اختيار الألفاظ ذات الجرس المؤثر الملائمة، والعبارات الأنيقة الرشيقة الموائمة، والجمل الواضحة -التي لا لبس فيها- المناسبة. ٢- يحفل بتوازن العبارات في موسيقى عذبة هادئة، وتنسيق الجمل في وحدات مترادفة متساوية دون ملل أو رتابة. ٣- تتراوح نغماته بين الشدة واللين، والقوة والضعف، تبعًا لتغير الموضوعات واختلافها، ومع ذلك تجده مشرق أخاذ لتعبيراته رنين عذب وجرس خلاب. ٤- يتسم بالوضوح والسلاسة، وينم عن عناية فائقة بالصقل والتهذيب, وحرص على الجودة والإتقان. ٥- أقرب إلى المحسوس الداني منه إلى الخيال البعيد في لوحة مصورة وملحنة ومقسمة الكلام على تقاسيم شعر خفي تتحرك به النفس. وهذا جزء من مقال لها عنوانه "كلمات في الصداقة" جاء فيه: "قد تبدو هذه الكلمات غريرة للذين لا يرون في الصداقة إلا وسيلة نفعية تعود على كل المرتبطين بها بفائدة محسوسة كالظهور بمظهر العظمة، أو التمكن من دحر منافس أو التعاون على الإساءة إلى شخص أو أشخاص، أو جني ثمرة ملموسة، وتحقق غرض مالي أو اجتماعي". "ونخطئ إذا نسبنا إلى أهل هذا العصر وحدهم الصداقة المغرضة؛ لأن تلك كانت شيمة الكثيرين في جميع العصور، وعند جميع الأقوام،

стр. 197

قد تكون في هذا العصر أكثر شيوعًا، وإنما نحن أشد شعورا بها؛ لأننا نعيش في وسطها، ويجبهنا وجهها المخادع أنى توجهنا، فإذا أنت طلبت من الصداقة شيئًا غير تلك الفوائد المتداولة، إذا طلبت العاطفة الخالصة، والفائدة الأدبية المجردة، وتلك اللذة البريئة التي تجدها في محادثة الصديق بالكلام أو بالسكوت، وشعرت باحتياج ملح إلى ذلك، كاحتياج الدم إلى النور وإلى الهواء، إذا أنت طلبت هذا من الصداقة وعند الصديق فما أنت في نظر تلك الفصيلة من الناس إلا من أهل الشذوذ والغباوة ... على الأقل". "وعلى رغم كل ذلك فموضوع الصداقة من الموضوعات التي نقبل عليها في اهتمام ولهفة، ولو جاز لي أن أشير إلى خلو خالص في قلت: إني أشعر بشيء غير قليل من الأسف كلما انتهى إلي أن صديقين كريمين تجافيا بعد التصافي، وقد يكون أسفي ناجمًا عن نوع خاص من الأثرة لا أدركه تمام الإدراك، قد يكون ذلك, إن انفصام عرى الصداقة بين الآخرين، كأنما ينال من إيماني بالصداقة ويزعزع من رجائي فيها, لسنا في حاجة إلى دهور نعيشها لتدرك كم في هذه الحياة البشرية من خبث ومراوغة ونفاق، اختيارات قليلة تكفي لتدلنا على أن بعض المثل العليا تخذلنا وتصرعنا بلا رحمة ثم تنقلب مسوخًا ساخرة مزرية، لا تلبث أن تكثر عن أنيابها -مهددة متوعدة- وهي التي تجلب في نفوسنا من قبل جلباب القدسية والعبادة". "اختيارات قليلة في أحوال معينة وأحوال مفاجئة، تكفي لتظهر لنا أن من الناس من يتاجر بكل عاطفة صالحة لتنفيذ أغراض غير صالحة، ومن يستغل كل استعداد كريم لنتيجة غير كريمة، ومن لا يكتفي بالظلم والإجحاف، بل لا يتورع عن إيذاء الذين أخلصوا النية في معاملته، ولم ينله منهم إلا الخير، وكم من مذيع أنباء الصداقة لا لسبب آخر سوى التوغل في الإيذاء باسم الصداقة في أساليب سلبية أو إيجابية لا يعلم إلا هو كم هي خبيثة وكم هي مغالة"١.

стр. 198

من هذا يتبين لك أن مي زيادة كانت تجمع في كتاباتها بين الموضوعية والذاتية، فتستهوي القارئ بأسلوبها المطبوع بذوقها وأصالتها، وفي الوقت نفسه يكشف عن ثقافتها العريضة، ومحصولها الوفير، وقدرتها على التعبير والتصوير في رقة ودقة وفخامة وضخامة عرفت بها في كتاباتها وشتى أحاديثها.

стр. 199

الفصل السادس: المقال والأسلوب الفلسفي مدخل ... الفصل السادس: المقال والأسلوب الفلسفي يخضع الأسلوب الفلسفي لمنطق قويم، ومنهج منظم، وترتيب جيد. بحيث تسلم المقدمات فيه إلى النتائج، ويساق في صورة رائعة تظهر فيها آيات الفن. برز هذا اللون من الكتابة الصحفية على يد نفر من رجال الفكر أخذوا يطبقونه في أبحاثهم منطق أرسطو، وفلسفة ديكارت، ومنهج بيكون؛ لأنه لا غنى عن متابعة تطور وتقدم الأمم، ولا سبيل إلى النهوض والارتقاء إلا بترجمة آثار الأمم المتقدمة، كي نقف على ما وصلت إليه من ارتقاء علمي وفني وفكري، رجاء أن يبرز في الشرق مثل ما برز في الغرب، فكان هذا مفتاح التفكير العصري الذي أخرج كثير من المذاهب الفلسفية الحديثة. واعتمدت الكتابات الفلسفية في أول أمرها على النقل والاقتباس لإيمان البعض أن ذلك أجدى من الخلق والابتكار، ويحول دون عثرات الأمم الناشئة، وفي الترجمة ما يسد حاجة الأمة إلى نوع من المعرفة يهديها إلى سبيل الرشاد. وبرز في مجال الكتابة الفلسفية العديد من الكتاب، ففي مجال الفلسفة اليونانية يوسف كرم، وأحمد لطفي السيد، وزكي نجيب محمود وعلي أدهم. وفي مجال الفلسفة الإسلامية الشيخ مصطفى عبد الرازق، وإبراهيم مدكور، وأبو العلاء عفيفي, وفي مجال التراجم والمترجمات أحمد فؤاد الأهواني، ومحمد عبد الهادي أبو ريدة. وفي مجال الثقافة الموسوعية محمد فريد وجدي وإسماعيل مظهر وغيرهما. وسنحاول أن نوضح دور ثلاثة من الكتاب في هذا المضمار، نتعرف من خلال أثارهم على جمهودهم في مجال الكتابة الفلسفية، فالي صفحات هذا الفصل.

стр. 200

أولًا: أحمد لطفي السيد ١٨٧٢-١٩٦٢ أستاذ جيل وصاحب فكر، ورائد أسهم في هضة مصر الفكرية والسياسية والاجتماعية، اتخذ من "الجريدة" منبرًا لأفكاره وتقاليده واتجاهاته وفلسفته في النظر إلى الأشياء، تبوأ على صفحاتها مقعد المعلم والأستاذ الذي جلت مكانته بين تلاميذه، فكان أستاذ جيل، وأصل ما انقطع من رسالة الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي. كتب آلاف المقالات في صحيفة "الجريدة" منذ صدورها ١٩٠٧ حتى قبيل احتجابها ١٩١٥، نشر المرحوم إسماعيل مظهر مختارات منها في جزأين بعنوان "المنتخبات" وثالث بعنوان "تأملات في الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع" ومجموعة أخرى بعنوان "صفحات مطوية". استمد أحمد لطفي السيد كتاباته من منابع ثلاثة -تميل إلى العلوم المنطقية والفلسفية- من الفلسفة العربية، تأثر بفلسفة ابن رشد وابن سينا وابن حزم، ومن الفلسفة اليونانية تأثر بفلسفة أرسطو. ومن الفلسفة الأوروبية تأثر بالفلاسفة المحدثين مثل "كانت" الألماني، ثم فولتير وروسو من المفكرين الفرنسيين، وجون ستيوارت الفيلسوف الإنجليزي، فانطبع تفكيره بآثار هؤلاء المفكرين حتى لم يحل مقال كتبه من تأثيرهم. توفر على ترجمة آثار "أرسطو" بعد أن هجر الصحافة إلى دار الكتب لإيمانه أن حركة الترجمة تسبق حركة التأليف وتمهد لها، كما حدث في عصر النهضة الأوروبية، وإدراكه أن "أرسطو" أول من ابتدع علم المنطق، وأكبر مؤلف له أثر خالد في العلوم والآداب، وقصد بذلك أن يعرف الناس مبادئ المعلم الأول في السياسة؛ لأنها -عند أرسطو- أشرف العلوم، وبها يتم تدبير المدينة ليكون سكانها فضلاء، واستهدف من وراء ذلك نشر

стр. 201

مبادئ الحرية بين أفراد الأمة حتى يتخذها الجميع المثل الأعلى في أمالهم الوطنية. أسلوب أحمد لطفي: لم يختلف اثنان على أستاذيته لجيله، وامتدت أستاذيته عبر الأجيال بعده حتى لحق بربه. وصفه صديق عمره المرحوم عبد العزيز فهمي فقال: "ديمقراطي الرأي والعقيدة، لكنه طول حياته ارستقراطي مع الأرستقراطيين١" وأهم ما يميز أسلوبه السمات التالية: ١- الجمع بين مأثورات بيئته وأفكار عصره. ٢- مزج الفكرة الفلسفية والاتجاه الفلسفي في نظرة موضوعية مجردة. ٣- وضوح التأثير العربي واليوناني والغربي في تفكيره وكتاباته. ٤- يتسم بالإيمان العميق بقداسة الحرية الفردية، ويشيع فيه احترامها. ٥- يصدر عن فلسفة سياسية واجتماعية متكاملة، تقوم من الناحية السياسية على الدولة والحكم ومن الناحية الاجتماعية على مضمون واحد هو الارتقاء الذي تحققه الأمة وتعمل الدولة له. تحدث عن عيوب المجمع المصري "الرياء" فقال: "أرأيت الذي يقول رأيه في مسألة بعينها، ولا يلبث أن يغيره من غيره سبب إلا شغفه بإرضاء عظيم ينتظر نفعه ويخشى غضبه، أو اتقاء لأن يعلن عنه أنه غير محب لوطنه، وبالجملة نعني ذلك الذي يتخذ رأيه قميصًا وقتيًا يلبسه كلما كان متفقًا مع "المودة" ويخلفه متى جاءت "مودة جديدة" يكره معًا لبس ذلك القميص القديم ... ثم قال: "لست أنتزع من الخيال صورة هذا الذي أصفه كما يصنع الشعراء، ولكني ناقل من الطبيعة صورة قد شاعت في الناس شيوعًا، لا أظن

стр. 202

السكوت على محاربتها إلا ضربًا من السكوت عن الحق، والساكت عن الحق شيطان أخرس، هذه الرذيلة -رذيلة الرياء- يستخدمها بعض الناس وسيلة للنجاح في الحياة". "وهي وسيلة نافعة في البلاد الاستبدادية التي يتوقف نجاح الفرد فيها -مهما كان كفوءًا- على رضا السلطان وأعوانه، ولا شيء يرضي السلطان غير العبادة. والذي يرضى بأنه يبيع نفسه عبدًا ليشتري بثمنها قوتًا يعيش به أستبعد كثيرًا أن يكون حافظًا للصورة التي خلقها الله عليها، صورة الإنسان ذي الشخصية صورة الحرية. وما مثل هذا الناجح بريائة إلا كمثل الذي ينجح في الحصول على الثروة عن طريق السرقة، فيئست الوسيلة ويئست الغاية". "قال أرسطو: خلق بعض الناس ليكون حاكمًا، وخلق بعض الناس ليكون محكومًا، ولكنا نظنه قد أخذ هذه القاعدة من ملاحظته الشخصية لبعض قومه، ولأخلاق جيرانهم من الأسيويين. وهذه الملاحظة لا تكفي وحدها لتقرير قاعدة عامة مثل هذه القاعدة، لذلك نقول: إن الله فطر الناس على فطرة واحدة أو متقاربة الفروق جدا، إنهم جميعًا نظروا على الحرية الشخصية"١. وفي مقال آخر تحدث عن "انتشار البغي" بين طبقات المجتمع المصري فقال: "أساس البغي في نفس الباغي قوة تخدعه، غير أن الأمثلة في هذا العالم قد يدل ظاهرها على خلاف هذه القاعدة، وأن النظر السطحي في هذه الأمثلة الكثيرة الوقوع بين ظهرانينا هو على ما أظن الهادم الأعظم لسياج الأخلاق الفاضلة، والقوض لدعائم الثقة في مبادئ الخير، بل المزعزع في بعض القلوب لقواعد الإيمان بالله الواحد القهار".

стр. 203

"ومتى اعتقد القاضي ذلك رأى استقلاله الذاتي خطرًا عليه، فيضحي به على مذبح القوة القاهرة، ويصبح لا يفكر إلا كما يفكر الحاكم، ولا يرى إلا بعين الحاكم، ولا يسمع إلا بإذن الحاكم، يطيعه الطاعة العمياء -لا في حدود القانون المكتوب- بل فيما يخرج به عن حدود القانون والمصلحة أيضًا. ولا شك أن هذا النظر هو الذي جعل الحكومات الاستبدادية خطرًا على أخلاق المحكومين؛ لأنها تورثهم دائمًا طبائع الاستبداد". "ولو أمعنا النظر لوجدنا أن جزاء البغي يقع على الباغي أولًا؛ لأن أول عمل من أعمال البغي هو بعينه أول سبب من أسباب سقوط الباغي وتحلل قوته. فإذا رأيت امرأ بغى على آخر، فاحكم بأن قوته بدأت تتحلل وسلطانه أخذ يتقلص، فإن أسباب قوة القوي رضى النفوس به، واجتماع القلوب إلى نصرته، فما يقيه إلا هدم لقوته، لذلك قالوا: "على الباغي تدور الدوائر"١. ومن خلال كتابات أحمد لطفي السيد تدرك أنه اتخذ من الصحافة والسياسة، وسيلة للخدمة العامة، التي يفرضها واجب الوطن على المواطن، وحقق بهما دعوته، وعلى الرغم من أن الفكرة الفلسفية كانت تحكمه، إلا أنه لم يقف عند حدود النظرية، بل كانت تنزع به إلى العمل والتنفيذ، فإذا كانت الصحافة وسيلة لنشر الفكرة، فإن السياسة وسيلة لتنفيذها.

стр. 204

ثانيًا: علي آدهم ١٨٩٧-١٩٨١ من أعلام الأدب والثقافة العربية، أثرى الكتابة العربية بالعديد من الكتب والمقالات في الأدب والنقد والتاريخ والفلسفة والاجتماع والتراجم. ألف حوالي اثنين وعشرين كتابًا، وترجم تسعة كتب عالمية، وراجع ستين كتابًا, ومن هنا كان علي أدهم موسوعي الثقافة، تقرأ له في التارخي وفلسفته، وفي المؤرخين العرب ومذاهبهم ومناهجهم، وفي الأدب الروسي بوجه عام وله دراسات وترجمات للأدب الغربي ذات ذوق واختيار بديع. عرف القراء علي أدهم من خلال كتبه التي ألفها، ومقالاته وخاصة على صفحات مجلة "الكتاب العربي" التي رأس تحريرها في الستينات، ترجم للأعلام الأماثل في الشرق والغرب من أمثال عبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الناصر، وأبي جعفر المنصور، والمعتمد بن عباد، كشف حديثه عنهم مدى التطور الداخلي لشخصياتهم وعلاقاتهم بتطور أحداث عصورهم. ويعتبر كتاب "صقر قريش" الذي نشر بجريدة "السياسة" ١٩٢٣، وجمع في كتاب ١٩٣٨ من أهم التراجم التي نبهت العديد من الأدباء إلى ترجمة عظماء الإسلام، كما يعد كتابه "محاورات رينان" الذي ترجمه في الثلاثينات من أسبق الكتب الفلسفية المترجمة التي لفت الأنظار فيما بعد إلى ترجمة الكتب الفلسفية١. يكشف هذا كله عن علم غزير، ومحصول وفير، وذوق رفيع، واختيار بديع، وهذا جوهر ما دار حوله النشاط الفكري والأدبي في الجيل الماضي. أسلوب علي أدهم: أثرى علي أدهم وجدان القارئ العربي بكتاباته العميقة، ومقالاته المثمرة التي تعد نموذجًا رفيعًا للأديب العالم في عالم عزت فيه النماذج المثلى في الأدب والفكر والحياة, وصف العقاد وضوح أسلوب علي أدهم في ترجمته لكتاب "مستقبل روسيا" فقال: "إنه استطاع أن يجعل هذا البحث السياسي قطعة أدبية ترضي ذوق الأديب، كما ترضي فكر الباحث المنقب عن تاريخ العالم في عصره الحديث٢" وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي:

стр. 205

١- السلاسة والسهولة والصفاء دون صخب أو ضجيج. ٢- البعد عن التكلف أو الاصطناع أو التعصب أو التحزب. ٣- شمولية النظرة، وإنسانية المذهب، وحرية الفكرة. ٤- علو الذوق، وحسن الاختيار، والتمكن من اللغة التي يترجم عنها أو إليها. مما وفر له إبراز مواطن القوة والمجد فيما تحدث عنهم من شخصيات أجنبية. ٥- الاهتمام الملحوظ بأحداث التاريخ، مع النضوج في تقدير النتائج الأدبية والفنية والغوص في أعماق الشخصيات، والوقوف على نزعاتها، وتقليل ذلك وتفسيره. ١- الجدة والطرافة على الرغم من كثرة ما كتب، وتنوع ما سطر، وتعدد ما دبج بحيث يقدم مادة أدبية خصبة ملهمة ومثيرة. وهذا جزء من مقاله "بين الفن والفلسفة" جاء فيه: "بحث العلاقة بين الفن والفلسفة يعني الفيلسوف أكثر مما يعني الفنان؛ لأنه داخل في دائرة اختصاصه، فإن كل نظام فلسفي مطالب بتفسير كل حقيقة وأن يتسع لكل مظهر من مظاهر النشاط العقلي، ولعل هذا هو السبب في أن كثيرًا من الفلاسفة قد أفسحوا للفن مكانًا في فلسفتهم, وخصوه بعناية ملحوظة في بحوثهم، وقد جعل ممثلو نهضة الفكر الألماني في أوائل القرن التاسع عشر كل من يطرق هذه البحوث مدينًا لهم وضيفًا على موائدهم الحافلة، ولا سيما كانت وهجل وشوبنهاور، واشتهر في العصر الحديث مذهب كروتشه أبعد فلاسفة إيطاليا المعاصرين شهرة، وقد أثر مذهبه في الحياة الفكرية برغم ما وجه إليه من نقد". "الفيلسوف يثير السؤال ويصف المشكل، ويروقه أن يتعاون مع الفنان في استجلاء غوامض الفن، والاهتداء إلى أسراره، ومن الاعتبارات التي تجنح بالفيلسوف إلى الوقوف على تاريخ الفن أنه في كل عصر من العصور ينعكس التصور السائد للحياة الدنيا في الإنتاجات الفنية, فالفن إذن من بعض الوجوه تعبير جميل عن فلسفة العصر".

стр. 206

"ولقد كان بعض الفلاسفة الألمان يرى أن الاستمتاع بالفن رياضة نفسية هامة، وأنه من أقوى وسائل التهذيب ومن أحسن الذرائع إلى التوجيه العلمي والسمو الأخلاقي، وذلك لأن تأمل الجمال يطأ من غلواء الحس، ويجرده من الخشونة والجفوة, ويعلمنا كيف نرقب الأشياء رقابة تأملية هادئة دون أن تغلي نفوسنا حرارة الرغبات، وهذا مما يطلق النفس من أسر المطالب واللبانات ويجعلها قابلة لإدراك القيم السامية: قيم الحق والخير والجمال". "والمتحضر المثقف لا يكتفي بمشاهدة الحقائق سواء في العالم المادي المتطور أو في عالم الوعي المحجب، ووفقًا لذلك نشأت من ناحية العلوم الطبيعية ومن ناحية أخرى نشأت مذاهب الأخلاق والسلوك والآراء الدينية ونظريات الفن والجمال, والباعث إليها جميعها تلك الضرورة الملحة التي ترغمنا على تفهم الحوادث ودراسة حركات الوعي، وقد روع الباحث كثرة مذاهب الفلاسفة في الفن والجمال، ويرى في عدم انتهائها إلى نتيجة حاسمة دليلًا على قلة جدواها، ولكن يندر أن يستعرض مفكر تلك الفلسفات ولا يقدر ما بها من خواطر مضيئة وأفكار لامعة، وقد لا يخلو من صواب قول ولتر باتر "قيمة فلسفة الفنون كانت في الغالب في الأفكار الموحية النافذة التي وردت خلالها عرضًا" وليست فلسفة الفن ساحة جميلة في أقطار مطروقة وبلاد مأهولة, وإنما هي أشبه برحلة استكشاف يرود فيها الباحثون مجاهل خفية وأقاليم غير معروفة، والتفكير الفلسفي لا يرمي من وراء ذلك إلى تحسين الفن وخلق مقاييس له وإقامة حواجز تحد من حريته، وإنما غرضه إجادة التفكير في الإنتاجات الفنية والوقوف على سر الإعجاب بها والإحساس بجمالها، وربما كانت هذه المحاولة النزيهة أنفس نتائجه وأشهى ثمراته، والذي يقبل على الفلسفة وفي حسبانه أنها ستقدم له المفتاح لكل مستغلق من الأمور وتلقنه كلمة السر التي يعلم بها جيئية مجهول، لا شك واقع تحت تأثير وهم باذخ سرعان ما تتجلى عنه غشاوته ويستفيق من تأثره عند مواجهتها ومعالجة مشكلاتها". "وقد أصبحت مناطق العلوم بارزة المعالم، والفلسفة تتناول المسائل

стр. 207

للشيء يتركها كل علم وهذا يضفي على الفلسفة أهمية خاصة وينزلها منزلة سامية ويفرض عليها واجبًا خطيرًا، وهي تستمد أهميتها من مختلف العلوم, وتستورد منها الحقائق المقررة والمعلومات الممحصة لتستعين بها في أبنيتها الفكرية وتكوين نظرياتها، فهي إلى حد ما تعيش عالة على العلوم وإن كانت لها وظيفتها الشاقة المستقلة، وتاريخها أبعد أعراقًا في التقدم من تاريخ العلوم وإن لم يكن أقدم من تاريخ الفنون". "واتجاه الفلسفة إلى معالجة المسائل الخاصة بطبيعة الجمال والفن كان باعثه في بعض الأوقات ارتباطها بمسائل ما وراء الطبيعة، وفي أوقات أخرى ما كان يلاحظ من تأثير الذوق الفني في حياة الفرد وتقدم الحضارة، وقد كثر الالتفات إليها منذ منتصف القرن الثامن عشر، وذلك أن بومجارتن أحد تلامذة الفيلسوف كريستان ولف لاحظ وجود ثغرة في نظام العلوم السائدة، فقد كانت جميع العلوم النظرية يتقدمها بحث ضاف عن استعمال العقل في ضروب المعرفة العلمية، وكان يطلق على هذا البحث اسم المنطق، ولكن إلى جانب هذه المعرفة السامية القائمة على الفهم والنظر فإن للإنسان ملكة أقل شأنًا وأنزل منزلة وهي الإدراك الحسي، وهذه الملكة هي التي تجتلب الحقائق اللازمة لفرع آخر من فروع العلوم وهي العلوم التي قوامها التجربة, فمن الواجب إذن محافظة على الإنسان الفلسفي أن تسبق البحث في هذه العلوم التجريبية فحص محكم دقيق لهذه الملكة، وحاول بومجارتن أن يتعهد هذا العلم ويكفله وينشئه أخًا صغيرًا للمنطق، وقد استرشد في ذلك بأراء الفيلسوف لينبتز؛ لأنه كان يرى أن الجمال هو كمال التصوير الحسي، كما أن الحق هو كمال التفكير النظري، على أن هذا العلم الذي أحاطه بومجارتن لم يقتصر على مسألة الإدراك الحسي بل أصبح شاملًا لنظرية الجمال والاستمتاع به". وأهم ما يشغل الفلاسفة ويستغرق أكثر جهدهم في المسائل المتعلقة بالفنون هو البحث عن حقيقة الجمال سواء في الفن أو الطبيعة والاهتداء إلى تعريف له، والبحث عن الصلة بين الجمال الذي يطالعنا عند مشاهدة صور جميلة أو رؤية بناء أنيق البنيان أو منظر طبيعي فاتن والجمال الذي ندركه عنه سماعنا منظومة من الشعر الجيد أو قطعة من الموسيقى الشجية، وهل

стр. 208

هناك شيء واحد يبدو من وراء الألوان والخطوط والألفاظ والأصوات؟ وهل الجمال كامن في الأشياء أو أنه متوقف على شعورنا إزاءها؟ وليس غرض الفلسفة تمييز معالم الجمال وتعيين مواقعه وإنما غرضها أشمل من ذلك وهو تحليل صفة الجمال ذاته ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، ويرى البعض أن الجمال غير قابل للتحليل وأنه صفة ملازمة للأشياء الجميلة لا يسبر عمقها ولا يدرك مداها، والذي يجعل قيمة لمثل هذا الرأي هو أن بعض الحقائق العلمية أو التاريخية قد تكون من التعقيد والغموض بحيث تتشعب فيها الآراء ويطول حولها الجدل، وعندما تتوافر المعلومات تتقارب وجهات النظر ويبطل الخلاف، ولكننا نحارب كيف نثبت لإنسان جمال الزهرة أو نقنعه بروعة النجوم ورغم ذلك فإننا نعتقد أنه لا بد أن يكون هناك فيصل بين الحق والباطل في هذه المسائل، والفلسفة لا تكتفي بإرجاع الأمر إلى الذوق وإنما تحاول أن تعلل وتفسر"١. وبهذا وغيره كان المرحوم علي أدهم رائدًا من رواد الفكر المتنوع والثقافة الموسوعية الشاملة، قرب منابع الثقافة الأوروبية لأبناء العربية. ومن ثم قال العقاد عنه في المقدمة التي كتبها لكتابه "صقر قريش" إنه "رجل يدرس التاريخ ينظر الفيلسوف، ورؤية العالم، وحماسة الأديب، ويعرف مذاهب الفلاسفة العظام في أسرار التاريخ ما ليس يعرفه عندنا غير أفراد معدودين".

стр. 209

ثالثًا: زكي نجيب محمود ١٩٠٥ ؟ من أكبر الوجوه التي لعبت دورًا رئيسيا في حياتنا الجماعية والثقافية وخاصة في الفكر العربي منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. شارك في العمل الثقافي من خلال لجنة التأليف والترجمة والنشر التي قدمت عددًا كبيرًا من الكتب الجادة في الفلسفة والأدب والاجتماع إلى اللغة العربية، فحقق معنى التعاون الفكري مما أكسبه ثقة الجميع. اهتم منذ الستينات بتعريف المذاهب الفلسفية المعاصرة وتعميق المفاهيم العامة، فتخطى الحواجز الجغرافية والإقليمية. حاول من خلال اتجاهه أن يوجد صلات بين الفكر العربي والفكر الغربي في منهج عقلي، دون نظر إلى العصبيات الإقليمية أو العرفية, وبرز هذا الاتجاه في كتبه: تجديد الفكر العربي، وثقافتنا في مواجهة العصر، والمعقول واللا معقول في تراثنا الفكري. يقاس فكر زكي نجيب محمود بالكم الضخم من الإنتاج، وبالتأثير الشامل الذي أحدثته أراؤه وإضافاته إلى عالمنا بوضعيته الحقيقية القائمة من حولنا. وتعد كتب هذا المفكر من الأدب العالمي لتناولها الشخصيات العالمية الفلسفية، وتقريب الوضعية والتجريبية والتحليلية، والمذاهب الغربية والعربية. وجهوده في الإشراف على الترجمات والموسوعات وأمهات الكتب لا تحتاج إلى تعريف. أسلوب زكي نجيب محمود: جمع زكي نجيب محمود مقالاته في كتب منها: الثورة على الأبواب، وقشور ولباب وجنة العبيط، وفلسفة وفن، أكد في كتابه الأخير مذهبه الوصفي العلمي في الفلسفة، وعمقه خلال فكرته عن الأدب والفن باعتبارهما من ضروب الخلق المبتكر الجديد. وليست مقالاته سردًا لغويا، أو صورًا بيانية، ولكنها فنون أدبية تعبر عن أهم التصورات التي تسيطر على العقل الإنساني في إحدى الفترات، وتناولت مقالاته مجال التطور التاريخي الاجتماعي للمنطقة العربية، وقضايا المعرفة، وطبيعة العقل ومنهجه في التفكير، وجاء أسلوبه فيها أجمل ما عرفته العربية في هذا المجال، ولا زال حتى اليوم أنفذ الأساليب وأقربها إلى قلب القارئ في أدبنا المعاصر، وأهم سماته ما يلي: ١- دسامة الموضوع، وخصوبة التفكير، وسهولة التعبير، مما يكشف عن سعة اطلاعه، وكثرة قراءته. ٢- تغلب عليه نزعة الفكرة، لطول معالجته للفلسفة، وعكوفه على دراستها، وتفهم قضاياها.

стр. 210

الحياة إلى التطور. ولكن فليقولوا في الأمر ما يقولون؛ لأن النتيجة في النهاية هي اختلاف في التصور، لا اختلاف في أساس الاعتقاد بوجود الله". "إننا إذا تأملنا صفة الحياة عندما نقول الله هو الحي، أو صفة العلم عندما نقول الله هو العليم، أو صفة الإرادة عندما نقول عن الله "فعال لما يريد" أو صفة الرحمة عندما نقول الله هو الرحيم أو صفة العدل عندما نجد أن العدل اسم من أسماء الله تعالى وهكذا إلى آخر تلك الأسماء المباركة، فإننا إنما نشير ضمنًا إلى الأهداف العليا التي يجب أن يتغياها الإنسان بسلوكه ... ونقف عند صفة الحياة وحدها لنتأمل ماذا يجب على الإنسان أن يفعله ليكون "حيا" بالمعنى المطلوب والمتضمن في ذلك الاسم من أسماء الله الحسنى، بالطبع ليس المقصود هو حياة الطعام والشراب والنسل ولا هو حياة الزراعة والصناعة والتجارة, ولا هو أي وجه من أوجه الحياة التي ينشط بها الإنسان ويكاد ينشط بمثلها الحيوان أيضًا، لكننا نعني بالحياة هنا، حياة الوعي والإدراك والتعقل، وما إلى ذلك من صفات؛ لأنها هي الصفات المتضمنة عندما نقول: إن الله هو الحي، أي: إنه هو المحيط بكل شيء علمًا وإدراكًا ونورًا إلى آخره". "فإذا وجدنا إنسانًا لا يجعل اهتمامه الأول هو حياته العقلية الواعية المدركة عرفنا أنه قد انحرف عن الخطة السلوكية المثلى، التي رسمها له أسماء الله الحسنى، وألخص هذا الذي قتله أخيرًا في عبارة موجزة فأقول: إن الاعتقاد في الله من جانب صفاته هو في الوقت نفسه اعتقاد في الإنسان من جانب سلوكه إذا اتخذ ذلك السلوك صورة مثلى. وأما الاعتقاد في وجود الذات الإلهية الموصوفة بتلك الصفات، فهو اعتقاد ينعكس بدوره على حياة الإنسان, وليست المسألة مقصورة على مجرد الاعتقاد وكفى، وإلا لما كان هناك فرق كبير في الحياة العملية بين المعتقد وغير المعتقد". "وانعكاس ذلك الاعتقاد على الحياة العملية هو الذي يتمثل في وجود هدف أمام الإنسان, ولعل الأزمة الحادة التي يعانيها عصرنا هي أنه لما غاب الاعتقاد الحقيقي بوجود الله من صدور الناس، غاب في الوقت نفسه وجود هدف أسمى تتجه نحوه الحياة. وغياب الهدف على هذا النحو،

стр. 211

أفرغ الحياة من مبررها، فأصبح لسان الحال عند الناس يصيح قائلًا: إن الحياة عبث في عبث، وإلا فأين هو الهدف الذي يبرر وجودها, وهو قول لا يمكن أن ينبثق من إنسان يؤمن بوجود الذات الإلهية". "وهكذا نرى مما سبق رؤية جلية واضحة أولًا: بأن وجود الله والاعتقاد فيه، أمر مقرر ثابت لا عن طريق الديانات وحدها، بل عن طريق الفلسفة متمثلة في رجالها ومذاهبها، وإذا قلنا الفلسفة فقد قلنا العقل. وثانيًا: رأينا أن الاعتقاد في الله ووجوده ليس مجرد اعتقاد يخلو من التأثير على توجيه السلوك البشري في الحياة العملية، بل هو اعتقاد كما أسلفنا يعطي هدفًا للحياة من جهة، ويعطي خطة للسلوك البشري من جهة أخرى. ولو تحقق هذان الجانبان، أعني الهدف والسلوك الأمثل، لعالجنا ما يعاني منه عصرنا، وخصوصًا الشباب من هذا العصر، من قلق وشعور بالاغتراب، وشعور بالعبث إلى آخر تلك السمات التي يتميز بها إنسان عصرنا١". لا يختلف اثنان أن زكي نجيب محمود من كتاب المقال البارزين، ويمثل لونا جديدًا من ألوان كتابة المقال عامة والفلسفي بصورة خاصة في أدبنا المعاصر.

стр. 212

الفصل السابع: المقال والأسلوب السياسي مدخل ... الفصل السابع: المقال والأسلوب السياسي حال العصر: اقترنت اليقظة في مصر بظهور جمال الدين الأفغاني ١٨٧١-١٨٧٩ الذي حرك الأحداث بدعوته إلى تحرير الشعوب، وفهم الدين الصحيح، وفتح باب الاجتهاد، وتنقية الإسلام من البدع والخرافات فاستيقظت المشاعر، ونما شعور بالرابطة الإسلامية بعد أن نضج الوعي وتفجر في ثورة عرابي التي وقفت في وجه الخديوي توفيق ١٨٧٩-١٨٩٢ تطالب بالدستور والقضاء على الفساد، لكن سرعان ما أخفقت الثورة، وعاد توفيق إلى الحكم في ظل احتلال نفى الزعماء، وكمم الأفواه وتجاوز معتمده اللورد كرومر حده خلال وجوده بمصر من ١٨٨٣-١٩٠٧. يصور الكواكبي -في أم القرى- مؤتمرا بمكة لممثلي الأقطار الإسلامية، يبحثون سبل الإصلاح وعبر فيه عن أماني الأمة الإسلامية وأملها في وجود هذا المؤتمر. كما أوضح -في طبائع الاستبداد- أثر الاستبداد في فساد الأخلاق والدين، وأن الأغنياء دعائم المستبد، والفقراء يخافونهم، كما تخاف الطيور الصغيرة من النسر, ورأى أن التخلص منه يكون بالتوعية الفكرية وحب الحق والعدالة. وجاء عباس حلمي ١٨٩٢-١٩١٤، وفي نفسه ألم من الإنجليز وأعوانهم، ولوم على تبذير جده إسماعيل، وضعف والده توفيق، وذل رجال الحاشية والحكومة من أمثال مصطفى فهمي ومصطى رياض ونوبار وبطرس غالي. فالتف الشباب حوله، وشجعته جموع الأمة بعد أن ساند

стр. 213

عبد الله النديم في إصدار جريدة "الأستاذ" وشجع -الطالب- مصطفى على مواقفه الوطنية وحماسته وشجاعته. وارتفع صوت الوطن والوطنية في صحيفة "المؤيد" على يد الأقلام الملتهبة من أمثال سعد زغلول وإبراهيم اللقاني وإبراهيم المويلحي وعبد الكريم سلمان ومحمد عبده وتوفيق البكري وفتحي زغلول وغيرهم من قادة الحركة الوطنية. وبدأت الفكرة الوطنية تأخذ شكلين: الأول -الحزب الوطني- يدعو إلى جامعة إسلامية دون التنكر للرابطة العثمانية، والآخر يدعو إلى جامعة مصر ولا يعترف بالجامعة الإسلامية؛ لأنها وهم لا يمكن تحقيقه، واختلطت الوطنية بالدين حتى كانت الحرب العالمية الأولى فاصلًا بين عهدين متباينين في مفهوم الوطنية. في هذه المرحلة أدرك العقلاء أن النهضة تكون بإصلاح عيوب الشعوب، وأخذوا يكشفون عن مواطن الضعف في حياتنا في لين ورفق حينًا، وفي عنف وشدة حينًا آخر، وبرزت طائفتان: الأولى تدعو إلى الأخذ بأسباب الحضارة الغربية ونبذ التقاليد الشرقية، واستخفت بعاداتنا ومثلنا الروحية. كتب عدلي يكن مقالات في "المقطم" وجمعها في كتاب "الصحائف السود" طالب فيه بالحرية المطلقة, وسخر من عادات الحجاب، وجاهر بالإفطار في رمضان، ونشر مقالًا عنوانه "أكذوبة إبريل، وأكذوبة رمضان" والأخرى دعت إلى الاحتفاظ بتقاليدنا الشرقية وقيمنا الإسلامية ونادى أفراد هذه الطائفة بأن تقوم النهضة على التمسك بقيمنا والحضارة الإسلامية، وحذروا من التقليد الذي لا يستند إلى واقع حياتنا، فكتب عبد الله النديم في "التنكيت والتبكيت" مجموعة من القصص مثل: مجلس طبي ... لمصاب بالإفرنجي، و"عربي تفرنج" تصور مدى اندفاع البعض في تقليد الأوروبيين. ويصور محمد المويلحي الخلاف بين الطائفتين في "حديث عيسى بن هشام" الذي صدر ١٩٠٧ أوضح فيه الجيلين: الجيل الذي عاش في النصف الأول من القرن الماضي، وتركز السلطة فيه في يد الوالي، وأن للباشوات حقوقًا ليست لغيرهم، وعليهم واجبات أقل من غيرهم, أما الجيل الذي عاش في النصف الثاني من القرن الماضي وأوائل القرن العشرين، فقد أخذ بالمفاهيم الغربية، وعرف المساواة والحرية أمام القانون، مما جعل الباشا -بطل الجيل الماضي- يصطدم بالحياة الجديدة التي لا تفرق بينه وبين غيره من الناس. وينتقل إلى الجانب الثاني حيث سيئات المدنية, وإقبال الموسرين على اللهو والمجون بلا رادع ولا حساب لما ينفقون في فنون الخلاعة, ويدعو في نهاية كتابه بأن يقتدي الشرق بالغرب في التقدم الصناعي والتطور العلمي مع التمسك بفضائله التي تنبع من روحانيته الخصبة. تلك هي الحالة السياسية للعصر الذي عاش المقال فيه، يحمل دعوات الإصلاح الاجتماعي على أساس إسلامي، أو يدعو إلى الإصلاح السياسي في نطاق الجامعة الإسلامية. وسنقصر الحديث في هذا الفصل على كتاب المقال السياسي فإلى صفحاته لنتعرف على أعلامه وجهودهم في هذا السبيل:

стр. 214

أولًا: عبد القادر حمزة ١٨٨٠-١٩٤١ كاتب حلو الحديث، يستحوذ على قارئه ويستولي على مشاعره، شديد الاعتزاز برأيه حتى لو أغضب أصدقاءه، بدأ حياته محاميًا، ثم انصرف إلى الصحافة، فأنشأ جريدة "الأهالي" ١٩١٠-١٩٢١ بالأسكندرية، تعبر عن أرائه وأفكاره, تضمنت مقالاته بها هجومًا عنيفًا على الأوضاع الشاذة في البلاد، وأدلى برأيه خلالها في جميع الأمور بصراحة واعتدال وواقعية ونزاهة في مجال السياسة، ولما شبت ثورة ١٩١٩ تحول من اعتداله إلى ثورة عارمة ضد الاحتلال، ونقل "الأهالي" إلى القاهرة قلب المعركة ومصدر الثورة، والتزم بمبادئ الثورة حتى عصف الطغيان بجريدته. ثم أنشأ "البلاغ" ١٩٢٣-١٩٣٠، وجعل شعارها قول سعد زغلول "الحق فوق القوة"، "والقوة فوق الحكومة". ودارت

стр. 215

مقالاته حول هذا المعنى، ولما رحل سعد ووقع خلفاءه معاهدة ١٩٣٦ مع الإنجليز، كان أول صحفي يهاجم المعاهدة، فخسر صداقة الوفديين خلفاء سعد. رغم عمله الصحفي فقد أرخ في التاريخ المصري بعد زيارته للأقصر ١٩٢٣ لمشاهدة قبر توت عنخ آمون الذي اكتشفه الأثريان "كارتر" و"كارنارفون" ووقوفه على قبور وادي الملوك ومعبد الكرنك, منذ ذلك التاريخ وهو يهتم بدراسة التاريخ المصري القديم واللغة المصرية، فكان كتابه "على هامش التاريخ المصري" وصدره بمقدمة تدعو المصريين لتوثيق الصلات بين مصر القديمة والحديثة، ودافع عن الحضارة المصرية القديمة، وعالج قضايا هامة مثل: تاريخ المدنية المصرية، واهتداء المصريين إلى التقديم، وعقيدة الحساب والموت، فكان لكتابه ثقل ووزن في هذا المجال، مما حدا بحافظ محمود أن ينقل رأي محمد حسين هيكل عنه فيقول: "هذا جهد رجل لم يجلس على كراسي الأستاذية في الجامعة، لكني أتمنى أن يكون للذين يجلسون فوق الكرسي جهدًا مثله١". أسلوب عبد القادر حمزة: كتب عبد القادر حمزة مقالات عديدة تعكس نشاطه في مجال المجتمع والسياسة، لا سيما في الصحف التي انفرد بتحريرها وهي: الأهالي. والبلاغ والبلاغ الجديدة، وهو في جميع كتاباته عف اللسان، نزيه اللفظ، معتدل النقد, بعيد عن التعالي على القارئ، تميزه الصفات التالية: ١- الإيجاز والتركيز -في أول حياته- فتراه يعالج أصول الموضوعات بأقل الكلمات، ولم يتجاوز مقاله عمودًا وبضعة أسطر، والميل إلى الإطناب -فيما بعد- عندما يناقش مسائل السياسة، وقضايا المجتمع. ٢- يختار كلماته اختيارًا يتفق مع أسلوبه الذي يتميز بالموضوعية والواقعية في المجالين: السياسي والاجتماعي.
следующие страницы →