← Адаб

Адаб · id 10540

المقال وتطوره في الأدب المعاصر

السيد مرسي أبو ذكري

Полный текст (374 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أفرغ الحياة من مبررها، فأصبح لسان الحال عند الناس يصيح قائلًا: إن الحياة عبث في عبث، وإلا فأين هو الهدف الذي يبرر وجودها, وهو قول لا يمكن أن ينبثق من إنسان يؤمن بوجود الذات الإلهية". "وهكذا نرى مما سبق رؤية جلية واضحة أولًا: بأن وجود الله والاعتقاد فيه، أمر مقرر ثابت لا عن طريق الديانات وحدها، بل عن طريق الفلسفة متمثلة في رجالها ومذاهبها، وإذا قلنا الفلسفة فقد قلنا العقل. وثانيًا: رأينا أن الاعتقاد في الله ووجوده ليس مجرد اعتقاد يخلو من التأثير على توجيه السلوك البشري في الحياة العملية، بل هو اعتقاد كما أسلفنا يعطي هدفًا للحياة من جهة، ويعطي خطة للسلوك البشري من جهة أخرى. ولو تحقق هذان الجانبان، أعني الهدف والسلوك الأمثل، لعالجنا ما يعاني منه عصرنا، وخصوصًا الشباب من هذا العصر، من قلق وشعور بالاغتراب، وشعور بالعبث إلى آخر تلك السمات التي يتميز بها إنسان عصرنا١". لا يختلف اثنان أن زكي نجيب محمود من كتاب المقال البارزين، ويمثل لونا جديدًا من ألوان كتابة المقال عامة والفلسفي بصورة خاصة في أدبنا المعاصر.

стр. 212

الفصل السابع: المقال والأسلوب السياسي مدخل ... الفصل السابع: المقال والأسلوب السياسي حال العصر: اقترنت اليقظة في مصر بظهور جمال الدين الأفغاني ١٨٧١-١٨٧٩ الذي حرك الأحداث بدعوته إلى تحرير الشعوب، وفهم الدين الصحيح، وفتح باب الاجتهاد، وتنقية الإسلام من البدع والخرافات فاستيقظت المشاعر، ونما شعور بالرابطة الإسلامية بعد أن نضج الوعي وتفجر في ثورة عرابي التي وقفت في وجه الخديوي توفيق ١٨٧٩-١٨٩٢ تطالب بالدستور والقضاء على الفساد، لكن سرعان ما أخفقت الثورة، وعاد توفيق إلى الحكم في ظل احتلال نفى الزعماء، وكمم الأفواه وتجاوز معتمده اللورد كرومر حده خلال وجوده بمصر من ١٨٨٣-١٩٠٧. يصور الكواكبي -في أم القرى- مؤتمرا بمكة لممثلي الأقطار الإسلامية، يبحثون سبل الإصلاح وعبر فيه عن أماني الأمة الإسلامية وأملها في وجود هذا المؤتمر. كما أوضح -في طبائع الاستبداد- أثر الاستبداد في فساد الأخلاق والدين، وأن الأغنياء دعائم المستبد، والفقراء يخافونهم، كما تخاف الطيور الصغيرة من النسر, ورأى أن التخلص منه يكون بالتوعية الفكرية وحب الحق والعدالة. وجاء عباس حلمي ١٨٩٢-١٩١٤، وفي نفسه ألم من الإنجليز وأعوانهم، ولوم على تبذير جده إسماعيل، وضعف والده توفيق، وذل رجال الحاشية والحكومة من أمثال مصطفى فهمي ومصطى رياض ونوبار وبطرس غالي. فالتف الشباب حوله، وشجعته جموع الأمة بعد أن ساند

стр. 213

عبد الله النديم في إصدار جريدة "الأستاذ" وشجع -الطالب- مصطفى على مواقفه الوطنية وحماسته وشجاعته. وارتفع صوت الوطن والوطنية في صحيفة "المؤيد" على يد الأقلام الملتهبة من أمثال سعد زغلول وإبراهيم اللقاني وإبراهيم المويلحي وعبد الكريم سلمان ومحمد عبده وتوفيق البكري وفتحي زغلول وغيرهم من قادة الحركة الوطنية. وبدأت الفكرة الوطنية تأخذ شكلين: الأول -الحزب الوطني- يدعو إلى جامعة إسلامية دون التنكر للرابطة العثمانية، والآخر يدعو إلى جامعة مصر ولا يعترف بالجامعة الإسلامية؛ لأنها وهم لا يمكن تحقيقه، واختلطت الوطنية بالدين حتى كانت الحرب العالمية الأولى فاصلًا بين عهدين متباينين في مفهوم الوطنية. في هذه المرحلة أدرك العقلاء أن النهضة تكون بإصلاح عيوب الشعوب، وأخذوا يكشفون عن مواطن الضعف في حياتنا في لين ورفق حينًا، وفي عنف وشدة حينًا آخر، وبرزت طائفتان: الأولى تدعو إلى الأخذ بأسباب الحضارة الغربية ونبذ التقاليد الشرقية، واستخفت بعاداتنا ومثلنا الروحية. كتب عدلي يكن مقالات في "المقطم" وجمعها في كتاب "الصحائف السود" طالب فيه بالحرية المطلقة, وسخر من عادات الحجاب، وجاهر بالإفطار في رمضان، ونشر مقالًا عنوانه "أكذوبة إبريل، وأكذوبة رمضان" والأخرى دعت إلى الاحتفاظ بتقاليدنا الشرقية وقيمنا الإسلامية ونادى أفراد هذه الطائفة بأن تقوم النهضة على التمسك بقيمنا والحضارة الإسلامية، وحذروا من التقليد الذي لا يستند إلى واقع حياتنا، فكتب عبد الله النديم في "التنكيت والتبكيت" مجموعة من القصص مثل: مجلس طبي ... لمصاب بالإفرنجي، و"عربي تفرنج" تصور مدى اندفاع البعض في تقليد الأوروبيين. ويصور محمد المويلحي الخلاف بين الطائفتين في "حديث عيسى بن هشام" الذي صدر ١٩٠٧ أوضح فيه الجيلين: الجيل الذي عاش في النصف الأول من القرن الماضي، وتركز السلطة فيه في يد الوالي، وأن للباشوات حقوقًا ليست لغيرهم، وعليهم واجبات أقل من غيرهم, أما الجيل الذي عاش في النصف الثاني من القرن الماضي وأوائل القرن العشرين، فقد أخذ بالمفاهيم الغربية، وعرف المساواة والحرية أمام القانون، مما جعل الباشا -بطل الجيل الماضي- يصطدم بالحياة الجديدة التي لا تفرق بينه وبين غيره من الناس. وينتقل إلى الجانب الثاني حيث سيئات المدنية, وإقبال الموسرين على اللهو والمجون بلا رادع ولا حساب لما ينفقون في فنون الخلاعة, ويدعو في نهاية كتابه بأن يقتدي الشرق بالغرب في التقدم الصناعي والتطور العلمي مع التمسك بفضائله التي تنبع من روحانيته الخصبة. تلك هي الحالة السياسية للعصر الذي عاش المقال فيه، يحمل دعوات الإصلاح الاجتماعي على أساس إسلامي، أو يدعو إلى الإصلاح السياسي في نطاق الجامعة الإسلامية. وسنقصر الحديث في هذا الفصل على كتاب المقال السياسي فإلى صفحاته لنتعرف على أعلامه وجهودهم في هذا السبيل:

стр. 214

أولًا: عبد القادر حمزة ١٨٨٠-١٩٤١ كاتب حلو الحديث، يستحوذ على قارئه ويستولي على مشاعره، شديد الاعتزاز برأيه حتى لو أغضب أصدقاءه، بدأ حياته محاميًا، ثم انصرف إلى الصحافة، فأنشأ جريدة "الأهالي" ١٩١٠-١٩٢١ بالأسكندرية، تعبر عن أرائه وأفكاره, تضمنت مقالاته بها هجومًا عنيفًا على الأوضاع الشاذة في البلاد، وأدلى برأيه خلالها في جميع الأمور بصراحة واعتدال وواقعية ونزاهة في مجال السياسة، ولما شبت ثورة ١٩١٩ تحول من اعتداله إلى ثورة عارمة ضد الاحتلال، ونقل "الأهالي" إلى القاهرة قلب المعركة ومصدر الثورة، والتزم بمبادئ الثورة حتى عصف الطغيان بجريدته. ثم أنشأ "البلاغ" ١٩٢٣-١٩٣٠، وجعل شعارها قول سعد زغلول "الحق فوق القوة"، "والقوة فوق الحكومة". ودارت

стр. 215

مقالاته حول هذا المعنى، ولما رحل سعد ووقع خلفاءه معاهدة ١٩٣٦ مع الإنجليز، كان أول صحفي يهاجم المعاهدة، فخسر صداقة الوفديين خلفاء سعد. رغم عمله الصحفي فقد أرخ في التاريخ المصري بعد زيارته للأقصر ١٩٢٣ لمشاهدة قبر توت عنخ آمون الذي اكتشفه الأثريان "كارتر" و"كارنارفون" ووقوفه على قبور وادي الملوك ومعبد الكرنك, منذ ذلك التاريخ وهو يهتم بدراسة التاريخ المصري القديم واللغة المصرية، فكان كتابه "على هامش التاريخ المصري" وصدره بمقدمة تدعو المصريين لتوثيق الصلات بين مصر القديمة والحديثة، ودافع عن الحضارة المصرية القديمة، وعالج قضايا هامة مثل: تاريخ المدنية المصرية، واهتداء المصريين إلى التقديم، وعقيدة الحساب والموت، فكان لكتابه ثقل ووزن في هذا المجال، مما حدا بحافظ محمود أن ينقل رأي محمد حسين هيكل عنه فيقول: "هذا جهد رجل لم يجلس على كراسي الأستاذية في الجامعة، لكني أتمنى أن يكون للذين يجلسون فوق الكرسي جهدًا مثله١". أسلوب عبد القادر حمزة: كتب عبد القادر حمزة مقالات عديدة تعكس نشاطه في مجال المجتمع والسياسة، لا سيما في الصحف التي انفرد بتحريرها وهي: الأهالي. والبلاغ والبلاغ الجديدة، وهو في جميع كتاباته عف اللسان، نزيه اللفظ، معتدل النقد, بعيد عن التعالي على القارئ، تميزه الصفات التالية: ١- الإيجاز والتركيز -في أول حياته- فتراه يعالج أصول الموضوعات بأقل الكلمات، ولم يتجاوز مقاله عمودًا وبضعة أسطر، والميل إلى الإطناب -فيما بعد- عندما يناقش مسائل السياسة، وقضايا المجتمع. ٢- يختار كلماته اختيارًا يتفق مع أسلوبه الذي يتميز بالموضوعية والواقعية في المجالين: السياسي والاجتماعي.

стр. 216

٣- يتسم بالهدوء والاتزان في إبداء الرأي، والاعتدال الذي يصل إلى حد الحذر الشديد، مع الحد في الكتابة، والنزاهة في اللفظ، والبعد عن الفحش في القول. ٤- الاستغناء -أحيانًا- عن المقدمات بسؤال يلفت نظر القارئ، مع التفكير المنطقي الذي لا يتقيد بألفاظ المناطقة. ٥- الاعتدال في استخدام الألفاظ الساخرة في عصر بلغت السخرية فيه غايتها في الأدب. ٦- السهولة والبعد عن الغرابة، مع التحرر من قيود الزينة البديعية. ٧- الإطالة في عناوين بعض المقالات، حتى ليخيل للقارئ أن عبارة كاملة من المقال تغني عنه. ولقد جاء في مقاله "آفة المحسوبية" ما يلي: "نعت علينا إحدى الزميلات أننا نذكر المحسوبية والمحاسيب، ونمثل لذلك ونعقب عليه. وزعمت أن هذا لصغار وإسفاف في النقد، وإهمال للمسائل الكبيرة والسياسة العامة، والشئون الحيوية والمشروعات الخطيرة, وأننا نمعن في هذا الوجه السقيم من النقد والمعارضة إمعانًا يجعلهما مرزولين وجديرين بالإعراض والاشمئزار والنفور". "وكلام الزميلة كله من هذا القبيل, ولكنا لا نظن بها إلا أن تدرك أن الوظائف أساس الحكم في البلاد، وأن مراعاة الحق والعدل والمساواة فيها يجب أن تقدم على كل أمر سواها، وأن الموظفين هم الآلة الحكومية وهم الذين يكون بهم العمل وعليهم المعول في هذه الشئون الخطيرة التي تذكرها الزميلة، وتطالبنا بقصر العناية عليها. ولكن الزميلة من شيعة الوزارة, فهي ترى أن واجبها نحوها، وأن حق الوزارة عليها أن تنصرها وتدافع عنها ظالمة أو مظلومة, أما نحن فمستقلون لا نعرف إلا حق الوطن، ولا نبالي بمن غضب أو بمن رضي إذا كان ما نقوله حقا، وما ندعو إليه هو الواجب: وهذا الفرق بيننا وبين الزميلة كان الله في عونها". "ومن دواعي الأسف أن نحتاج في هذا الزمن أن نبين أن الوظائف

стр. 217

هي أساس الحكم في البلاد، وأن العناية بها ليست اشتغالًا بالتوافه بل بالأصل، وأن العمل على وقايتها من تغلغل الفساد فيها وقاية للدولة كلها في حاضرها ومستقبلها كذلك. وقد كنا نظن أن هذه من البداهة التي لا يحتاج المرء أن يكلف نفسه عناء شرحها وبيانها وإثباتها, ومع ذلك تحرينا في كلامنا عن هذه الأمور كلها الرفق الشديد والتلطف الشديد, فلم يجر قلمنا بما يثقل على النفس ويستنكره في السمع أو ينبو عن الذوق؛ لأن غايتنا هي الإصلاح لا الإيلام، وطريقتنا هي الإقناع لا الإيجاع، وليس في أسلوب التناول الذي نتوخاه ما يمكن أن يشكو منه أدق الناس إحساسًا وأرقهم شعورًا، إذ لا جفوة في العبارة، ولا عنف في اللفظ، ولا إغلاظ في القول، ولا شيء إلا الموضوع. ووجهة نظرنا فيه مبسوطة ومؤيدة بالحجج والبراهين, فأين سوء النية إذن، وفساد الطوية، وحب المعارضة للمعارضة١". وعلى الجملة فإن عبد القادر حمزة كاتب سياسي من الطراز الأول، وصحفي موهوب ملك القدرة على الإثارة وحسن اختيار الخبر الذي يثير اهتمام الناس، ويشد اهتمامات الجماهير إلى ما جاد به خاطره، ودبجه يراعه، وسال على شبا قلمه، وصوره بيانه. ومن ثم تدرك السر في رواج صحيفة الأهالي -التي كان يحررها- رواجًا لم تعرفه صحيفة أخرى إذ ذاك.

стр. 218

٣- وضوح فكرته وتبسيطها حتى تصبح جذوة متوهجة من نور، يتلقاها القارئ في رضا وارتياح. ٤- اتسامه بالعالمية فيما يعالج من موضوعات، دون أثر للعصبية أو الإقليمية، أو العرفية. ٥- يذيب التصورات العامة، ويخضعها للأفهام في وضوح الفكرة وشفافيتها ونغمة العبارة. ٦- سلامة الأداء، وسهولة العرض، وحسن الترتيب، مما يترتب عليه صحة النتائج، والوصول إلى الحقائق. وهذا جزء من مقال له عن "الله وحياة الإنسان في فكره وسلوكه" جاء فيه: "إذا استثنينا عددًا من الرجال قد لا يزيدون على أصابع اليد الواحدة، منذ عرفت الدنيا فكرًا ومفكرين، فتستطيع القول على سبيل اليقين، لا على سبيل الظن بأن صحائف الفكر البشري، لم تشهد إنسانًا بغير عقيدة في إله, وكل ما حدث من أوجه الاختلاف في هذا الصدد، فهو منحصر في الصورة التي تصور بها هذا الإنسان أو ذاك الله كيف يكون, وإلا فما الذي فعله شيخ الفلاسفة أفلاطون، إذا لم يكن قد أخذ يقيم بناءه الفكري على شكل هرمي، أعني أنه أخذ يصعد بالأفكار الدنيا إلى طبقة أعلى، فأعلى فأعلى حتى بلغ ذروة الهرم، وإذا بهذه الذروة هي الله كما تصوره وهي "فكرة الخير الخالص". فالله هو ذلك الخير المجرد الذي رأى أفلاطون أنه ما من كائن على وجه الأرض، إلا وقد يسعى نحو تحقيق ذلك الخير". "فلو وضعنا هذا التصور الأفلاطوني، في لغة قريبة من اللغة التي نستخدمها نحن اليوم، في إطار عقيدتنا، لقلنا: إن ذلك التصور إن هو إلا تصوير يوضح معنى الآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إن كل من في السماء والأرض وما في السماء والأرض إنما ينحو نحو غاية عليا، هي الله : "بلغتنا نحن" وهي الخير الأسمى بلغة أفلاطون، ثم ماذا فعل أرسطو من بعد أفلاطون إذا لم يكن قد كرس أهم ما في فلسفته لكي يصور فكرته الأساسية التي تجعل هذا العالم مسيرة تظل ترتقي إلى ما هو أعلى ثم أعلى ثم أعلى، بحيث يكون طرف الابتداء هو

стр. 219

مادة غير ذات خصائص تميزها، وهو ما يسمونه اصطلاحًا "الهيولا" ويكون الطرف النهائي لشوط تلك المسيرة صورة غير مختلطة بمادة أعني كمالًا، لا تشوبه نواقص المادة، تلك الصورة هي بمثابة الغاية المثلى التي تجذب إليها: العالم بكل من فيه وما فيه، وهي الله . فإذا تركنا العصر اليوناني القديم، ونظرنا إلى خمسة عشر قرنًا تمتد من القرن الأول للميلاد إلى القرن الخامس عشر فلا نكاد نقع على مفكر واحد، أو على فكرة واحدة من الأفكار الكبرى، خلال تلك الفترة الطويلة إلا ونجد أن الموضوع الأساسي المطروح للنظر، إنما هو حقيقة الخالق جل وعلا كما وردت في الكتب المنزلة، سواء كان ذلك كتبًا منزلة على الرسل قبل الإسلام، أو كان ذلك الكتاب هو القرآن الكريم الذي آمن به المسلمون، وذلك هو أن محور التفكير خلال تلك القرون هو بصفة أساسية محاولة النظر في الكتاب المنزل عند المسلمين أو عند غيرهم إما لشرحه ومحاولة فهمه الفهم الصحيح، وإما للنظر فيما يربطه بالفكر العقلي كما ورد عند الفلاسفة الأقدمين بمعنى أن يسأل المفكر نفسه قائلًا: هل في هذا الكتاب المنزل، ما يتعارض مع ما أملاه العقل والعرف على رجال العقل؟!. ومعنى ذلك كله هو أن فكرة الخالق جل وعلا، كانت مشغلة الفكر البشري في تلك الفترة، سواء كان ذلك بصورة مباشرة، أو بصورة غير مباشرة". "ثم جاء العصر الحديث بادئًا بما يسمى بالنهضة الأوروبية منذ القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر ... فماذا نجد عند مستهل تلك الفترة الأخيرة! نجد عند الباب عملاقًا في دنيا الفلسفة هو "ديكارت" ولعلنا نعلم أن الفلسفة "الديكارتية" ركزت على الاعتقاد بوجود الله؛ لأنه اعتقاد لا يمكن فهم الوجود الإنساني بفكرة من الداخل، ويجسمه من الخارج إلا إذا كان الوجود الإلهي متضمنًا. وحتى الفلاسفة المعاصرون الذين تغلب عليهم النزعة الطبيعية التي ملخصها أنه ليس وراء هذه الطبيعة شيء، فلا يفوتهم أن يتصوروا الله على هذه الخلفية نفسها بصورة ملائمة لمذهبهم كأن يقولوا مثلًا: إنه هو بمثابة القوانين الخافية عن البصر، والتي تنبث في الكون فتنظمه، أو أن يقولوا إنه بمثابة الدفعة الباطنية التي تدفع

стр. 220

ثانيًا: أمين الرافعي ١٨٨٦- ١٩٢٧ كاتب مصري ذو سليقة صحفية بارعة، اشتغل بالصحافة عقب تخرجه من مدرسة الحقوق ١٩٠٧ بجريدة "اللواء" واستمر جهاده الوطني وعمله السياسي مستفيدًا من ثقافته القانونية في معارضة المشروعات التي تستغل الشعب وتبدد ثرواته مثل مد امتياز قناة السويس ١٩١٠ هاجم الفساد والمفسدين منذ أول مقال كتبه بعنوان "سياسة الاعتدال" وأعقبه بمقال ١٩١٠ خاطب الأجيال فيه فقال: "برهنوا للملأ أن الأمم الخليقة بالحرية في استطاعتها أن تتحمل الآلالم والأهوال والخطوب حتى تصل إلى استقلالها، واعلموا أن الأمم التي تريد الحياة كبيرة يجب أن تربيها المصائب وتهذبها النائبات". ومن ثم اتجهت الأنظار إليه؛ لأنه نذير جهاد ورفيق كفاح في أمة وشعب يتمرد على الظلم ويضيق بالضيم. ولما سقطت "اللواء" أنشأ جريدة "الشعب" ١٩١٣. وحين أوقفها قانون الأحكام العرفية إبان الحرب العالمية الأولى، أعلن احتجاجه، وشهر قلمه في وجه الاحتلال دون خوف أو وجل، ولما قامت ثورة ١٩١٩ أصدر جريدة "الأخبار" تضمنت مقالاته السياسية، وحملت دعوته ١٩٢٥ لرجال السياسة وأعضاء البرلمان أن يعقدوا اجتماعهم ولا يعبئوا بموقف الحكومة المخالف للدستور، فاستجابوا له، فكان له دوي عظيم في الداخل والخارج، مما فرض على الحكومة والقصر إعادة الحياة النيابية. أسلوب أمين الرافعي: كان أمين الرافعي كاتبا صحفيا شهيرًا، كتب العديد من المقالات ناقش فيها الأحداث السياسية والاجتماعية بصراحة وجرآة وإخلاص. دعم أراءه فيها بالحجج الدامغة، والبراهين القاطعة، والوثائق المحققة، والإحصائيات الدقيقة، والبيانات الوافية وتميز أسلوبه فيها بسمات عامة. تجعله فريدًا في دنيا الصحافة السياسية، وأهم خصائصه ما يلي: ١- معظم مقالاته مصدرة بآية قرآنية، وختمت بأخرى. ٢- مقال على شرف الكلمة، ونزاهة الغرض، وسلامة القصد، وعفة اللسان، مما حبب فيه جموع السياسيين والصحافيين. ٣- كان نذير جهاد، وبعث ثورة، حرص خلاله على تعبئه المشاعر. وتأجيج العواطف حتى حقق ما أراد. ٤- حسن الترتيب، وجمال التنسيق، وسلامة العرض، وتسلسل الأفكار، مما يفضي بنتائج مقنعة.

стр. 221

ثالثًا: محمد حسين هيكل ١٨٨٨-١٩٥٦ كاتب وأديب، وباحث ومؤرخ، ترك مجموعة من الكتب الأدبية والدراسات الإسلامية، استهلها بقصته المشهورة "زينب". كتب أول ما كتب بصحيفة "الجريدة" التي أنشأها أحمد لطفي السيد ١٩٠٧، ثم تضاعف نشاطه الكتابي بعد ثورة ١٩١٩، ولاسيما بعد أن اختير لرياسة تحرير جريدة "السياسة" واشترط عدلي يكن أن تكون المقالات هادئة، ولكن هيكل لم يقابل الأحداث بأسلوب هادئ فغضب عدلي منه فاستقال. وعلق قائلًا: فلنسر في طريقنا ندافع عن الحرية، والعدل والقانون ولهذا قام الحزب، ولهذا يجب أن يبقى ... دون نظر إلى الأشخاص الذين ينضمون إليه أو الذين يتركونه". أسلوب هيكل: من خلال مقالاته العديدة تبدو ملامح أسلوبه السياسي العنيف في الدفاع من الحرية والعدل والقانون، وهو أسلوب مرتب ترتيبًا دقيقًا، نظرًا لدراسته وثقافته القانونية، وأهم ما يميزه السمات التالية: ١- كثرة المقدمات بشكل يلفت النظر في المقال الأدبي والسياسي على حد سواء نتيجة لدراسة القانون، وممارسة البحث العلمي. ٢- صب الأفكار في قالب موضوعي، يعتمد على تحليل الجزئيات، حتى ينتهي لنتيجة حتمية دون إحساس بفتور أو ملل. ٣- يخضع للتقسيم والتحليل والتعليل، وتقديم المقدمات، واستخلاص النتائج. ٤- يجمع بين موضوعية العلم وذاتية الفن، ولذا يحس القارئ بلذة العقل والذوق معًا.

стр. 222

٥- الجنوح إلى التنظيم والتنسيق الفكري، ما يكشف عن شخصيته. ٦- شيوع الاستطراد في معظم كتاباته، واتخاذه وسيلة لتوضيح الأفكار والتدليل على صحتها، ما يعرب عن اتساع ثقافته. وهذا جزء من مقال له بعنوان "بعد قرار العلماء" يخاطب فيه الشيخ علي عبد الرازق، ويسخر من الحملات ضد كتابه "الإسلام وأصول الحكم" يقول: "تعال نضحك ... فقد كان كتابك مصدرًا لتنفير الأرثوذكسية في الإسلام١، ولست أنت الذي غيرها أيها الصديق المسكين، وإنما غيرها الذين طردوك وأخرجوك من الأزهر نعم. كان أهل السنة وما زالوا يرون أن الخلافة ليست ركنًا من أركان الدين، وأن الشيعة فسقوا حين عدوها كذلك، فلما قلت للناس في كتابك ما أجمع عليه أهل السنة غضب عليك أهل الأزهر، ورموك بالابتداع والإلحاد. وأخذوا يقولون: إن الخلافة أصل من أصول الدين. وقد كنا نعلم أن القاهرة مركز أهل السنة وموطن الأشاعرة، ويستقر الأرثوذكسية الإسلام، فسبحان من يغير ولا يتغير! ". أصبحت "القاهرة" "كطهران" مركز الشيعة، وأنها بناء صلاح الدين! ولم لا؟! الشيعة هم الذين بنوا الأزهر وشيدوه, أليس الفاطميون هم الذين بنوا المدينة ومسجدها الجامع؟! فأي عجب أن تعود مدينة القاهرة شيعية كما كانت يوم أسسها الفاطميون؟! وأي عجب في أن يعود الأزهر شيعيا كما كان يوم بناه الفاطميون؟! ٢. وبهذا المقال وغيره من المقالات أخذ هيكل يدافع عن حرية الرأي، ويبلور مفهوم حرية الفكر بأسلوب موضوعي، يتسم بجمال التنظيم وروعة التنسيق، ويتخذ من الوسائل ما يكفي لتوضيح أفكاره.

стр. 223

رابعًا: محمد التابعي ١٨٩٥-١٩٧٦ كاتب سياسي فذ، امتاز بحسن الدعاية وخفة الظل، يعتبر أستاذ الجيل الصحفي المعاصر. استهوته الصحافة وهو طالب بالحقوق. ترجم الروايات المسرحية التي مثلها يوسف وهبي, عرف منذ صغره بحب الابتكار. فجاء توقيعه -حندس- على مقالاته شيئا جديدا، مما لفت الأنظار إليه في الأوساط الصحفية والفنية. أنشأ مع عبد المجيد حلمي مجلة "المسرح" وكانت جديدة في الأسلوب والخبر والتعليق، ونحت منحى الأسلوب الكاريكاتوري الذي يحمل رسم الشخصية التي يرسمها. وهو نفس الأسلوب الذي أدار به مجلة "روز اليوسف" منذ إنشائها ١٩٢٦ مع أنها مجلة فنية تهتم بأدب المسرح، وتعنى بقضايا الأدب، وتولى رياسة تحريرها ١٩٢٨، فانتقل بها من فن النقد المسرحي إلى فن النقد السياسي. وبذا ظهر أسلوب سياسي جديد في صحافة مصر في مواجهة صحف المعارضة، وظل بها حتى ١٩٣٤ ثم تركها حيث أنشأ مجلة "آخر ساعة" مع علي ومصطفى أمين، شارك محمود أبو الفتح ١٨٨٥-١٩٨٥ وكريم ثابت في إنشاء جريدة "المصري" ١٩٣٦. نقد التابعي في كتاباته الساسة والوزراء، ووصفهم بأوصاف لاذعة مثل وصفه لأحد الوزراء "وزير الفاصوليا" وآخر بأنه "وزير الأذية وقطع العيش" وثالث بأنه "وزير الإسبرين" وأطلق على إسماعيل صدقي بأنه "وزير الكليشيه" وعلى مصطفى النحاس بأنه "حامل عمامة التقى والورع". أسلوب التابعي: كتب التابعي العديد من المقالات السياسية منذ انخرط في سلك الصحافة، وعلى الرغم من مرضه ١٩٦٥ ظل يتابع الكتابة حتى أقعده المرض تماما ١٩٧١. وحملت مقالات نقد لاذعة للساسة والوزراء. وتضمنت لمحات كاريكاتورية بارعة تعين أي رسام أن يفرغها في رسوم لماحة وأشكال موحية، في أسلوب سهل ممتع متجدد، يعتبر الأسلوب المتطور

стр. 224

للكتابة الصحفية المصرية والعربية الحديثة، وأهم ما ينفرد به من سمات ما يلي: ١- البساطة والبعد عن التعقيد، قريب من الحديث العادي، مما جعل له جاذبية خاصة. ٢- تتسم مقالاته وكتاباته وخواطره بأسلوب متجدد. ٣- حول أسلوب النقد المسرحي إلى نقد سياسي. ٤- تميزه بعبارات يصف بها الساسة الذين كان ينقدهم أكثر من اشتهارهم بصفاتهم الأصلية. كتب التابعي عن "الخلاف بين مصطفى النحاس ومكرم عبيد" فقال: "حسنين السياسي الداهية يزعم أنه سعى لدى فاروق حتى أقنعه بالموافقة على مقابلة مكرم عبيد رغبة منه في "تصفية الجو وتحسين العلاقات بين الوفد وفارق. هذا ما قاله أو زعمه حسنين غفر الله له. والحقيقة أن غرض حسنين كان أبعد ما يكون عن الصفاء والوئام والسلام. لقد كان غرض رئيس الديوان -في تنفيذ أو تحقيق سياسة الانتقام من مصطفى النحاس- كان غرضه أن يوقع بين النحاس ومكرم، وبين النحاس وأمين عثمان، أو بعبارة أخرى أن ينزع من رئيس الوفد ذراعيه الاثنتين يستند إليهما في إدارة شئون البلاد الداخلية والخارجية. ويا له من انتصار يمحو على هزيمة ٤ فبراير، يوم ينجح حسنين في ضم مكرم وأمين عثمان إلى جانب القصر ضد الوفد ومصطفى النحاس, أو على أقل القليل، يوم يستطيع أن يستغل نفوذ مكرم عند النحاس في تحقيق أغراض السراي الموافقة على طلباتها, ويوم يستطيع أن يستغل حظوة أمين عثمان عند الإنجليز في إقناعهم بتعديل سياستهم الجافة أو موقفهم المتعنت المتشدد من القصر". "كان هذا هو الغرض الحقيقي من هذه الخطوة التي خطاها حسنين وجمع فيها بين فاروق ومكرم, وبينه وبين أمين عثمان. ولقد نجح فوق ما كان يأمل, ويوم عرف مصطفى النحاس أن السراي قد حددت موعدًا

стр. 225

يتشرف فيه معالي وزير المالية مكرم عبيد باشا بمقابلة جلال الملك فاروق, قال النحاس باشا لجلسائه: "أنا عارف إنهم عايزين يفرقوا بيني وبين مكرم، ثم عاد وقالها لمكرم نفسه قال: "يا مكرم خذ بالك.. عاوزين يفرقوا بيننا". "ومشت الحوادث سريعة تلتهب، خرج مكرم باشا من مقابلة فاروق مغتبطًا مسرورًا، واتصل به زميل له يعمل في "الأهرام" وسأله عن المقابلة وما دار فيها وأثرها في نفس "معاليه" وكان اتصاله بناء على إيحاء من حسنين باشا، وكان مكرم كما قلت مغتبطًا مسرورًا، ومن هنا أفاض في وصف العطف السامي الكريم الذي لقيه إلى آخره ... وقال مكرم باشا: إنه سيملي الجريدة تصريحًا مكتوبًا، وكان هذا هو الفصل الثاني في المؤامرة أو الشباك التي نصبها أحمد حسنين لمصطفى النحاس، ومكرم عبيد، ولم تكن العادة قد جرت بأن يخرج الوزير -أي وزير من مقابلة الملك أي ملك في أي بلد- ويصف المقابلة مقال ينشر في الصحف. ولكن هذا هو ما حدث، فقد طالعت جريدة "الأهرام" في عددها الصادر بتاريخ يوم الجمعة ١٣ مارس ١٩٤٢ وفيها الكلمة أو المقال التالي: وزير المالية ... في الحضرة الملكية: "تشرف معالي الأستاذ مكرم عبيد وزير المالية بمقابلة صاحب الجلالة الملك بعد ظهر أمس، فعرض على المسامع الملكية بعض الشئون المالية والاقتصادية، فلقى من لدن جلالته كل عطف ورعاية، وقد أفضى معاليه إلى مندوب الأهرام بالتصريح التالي: "تشرفت مساء أمس بمقابلة جلالة الملك المحبوب، وعرضت على مسامعه الكريمة أهم شئون التموين والسياسة التي ندرسها الآن تمهيدًا لإقرارها وتطبيقها على محصول القمح الجديد، كا عرضت على جلالته بعض التعديلات في الميزانية التي أعتزم عرضها على الوزراء، وفي مقدمتها المشروع الذي يرمي إلى تخفيف الأعباء المالية عن صغار الفلاحين والمزارعين ورفع مستوى معيشتهم وغير ذلك من المشاريع التي تؤدي أو أرجو أن

стр. 226

تؤدي إلى موازنة الميزانية موازنة حقيقية لا حسابية، بحيث لا تمهل المشاريع الحيوية وتكون جباية المال وإنفاقه في حدود العدالة الاجتماعية, ثم تشرفت بعرض ما تم في مسألة القطن والحبوب ومبلغ ما وفقت إليه حكومة جلالته في هذا الصدد, بالتعاون مع الدولة الحليفة. "وأطلعت جلالته على نموذج من أوراق النقد الجديدة التي لوحظت في طبعها وإعدادها تعذر تزييفها، فنالت رضائه السامي.. وقصارى القول فقد تناول حديثي في حضرة جلالته حالة البلاد المالية من مختلف وجوهها -وهي حالة بفضل الله مرضية- ولقيت من جلالته لا مجرد عطف فحسب أو تشجيع فحسب -مما ألهج لساني بالشكر والحمد- بل لقيت ما هو أعظم من ذلك وأهم، فقد لقيت اطلاعًا واسعًا وإرشادًا، نافعًا ونظرة دقيقة وعميقة إلى جوهر المسائل المعروضة رغم تباينها وبعد نواحيها، فلم ألبث طويلًا حتى أدركت أن ملكنا الشاب، قد ملك زمام الأمور، بفضل ما أدى من رجولة مبكرة، وخبرة منوعة نادرة قلما أتيحت لملك من الملوك". "ولذلك لم يلبث طويلًا حتى انتقلت دفته إلى يديه الكريمتين، فكان ينتقل من موضوع إلى آخر ومن نصح إلى عطف ووداعة وصراحة أخاذة ونفاذة معًا. وغاية القول أنه قد أتيح لي في هذه المقابلة الملكية السامية أن أعرف الرجل الملك، فكان الرجل في رجولته لا يقل جلالة عن الملك في مملكته، وقد تفضل جلالته فأكد لي في بساطة وديمقراطية أنه ملك الجميع، لا يفرق بين طوائف أو أحزاب أو طبقات في شعبه الوافي، وقد خرجت من لدنه وهذا اعتقادي بل يقيني١". وقاوم التابعي طغيان "فاروق" وهو ملك وحاكم بأمره في مقال عنوانه "يحيا الظلم" جاء فيه: "نعم "يحيا الظلم" ... ظلم كل جبار عاتية مغتر بسلطانه وسطوته، يدوس القوانين ولا يبالي، وظلم كل كبير

стр. 227

فاسق وكل عظيم فاجر يسرق ولا يبالي، ويختلس ولا يبالي, ويثلم الأعراض ولا يبالي, ويهدد الكرامات ودم الوطن، ويجعل من مصر أمثولة السوء وبصفة كريهة في فم الزمان". "نعم "يحيا الظلم" ظلم كل مطالب باحترام القائمون ولا يحترمه, وكل قادر على حماية القانون لا يحميه, وظلم كل عابث ماجن إباحي مستهتر يضرب للناس أسوأ الأمثال". "نعم "يحيا الظلم" لأنه خير مربي للنفوس, ونفوس المصريين تجيش اليوم بمعنى واحد: لقد صبرنا، ولن نصبر بعد اليوم, وتحملنا كثيرًا، ولن نتحمل بعد اليوم"١. يعتبر التابعي من أبرز الكتاب المعاصرين في فن النقد السياسي عرفته الصحافة المعاصرة. وقد اهتم منذ بداية كتاباته الصحفية بأسلوب جديد برسم السياسيين والوزراء في صور تعبر عما هم عليه، ويصفهم -كما قلنا- بأوصاف لاذعة، ظلت تلازمهم طوال حياتهم.

стр. 228

خامسًا: فكري أباظة ١٨٩٧-١٩٧٩ وطني غيور، وصحافي مبدع، وسياسي لامع، ابتدع ولم يتبع، وابتكر ولم يقلد, كان له أسلوب فريد فرض نفسه على أهل القلم، وسما به بين جهابذة الكتابة وأئمة الفكر والسياسية من كتاب الصفحة الأولى, بدأ العمل الصحفي خلال دراسته بكلية الحقوق في جريدة "المؤيد" والأهرام، موقعًا على ما يكتب "عابر سبيل". تجلت مواهبه الصحفية في المقالات التي كتبها بمجلة "الهلال" وصور فيها الملامح الشخصية لرجال السياسة حينذاك من أمثال: مصطفى النحاس وإسماعيل صدقي ومحمد محمود، وأحمد حسنين وغيرهم. وتناولهم بقلمه اللاذع في عفة ودقة، ونزاهة واعتدال, ومنذ انتقل من الأهرام إلى مجلة "المصور" عند إنشائها ١٩٢٦ لم يتخلف عن مقاله الأسبوعي، يحلل فيه السياسة الدولية وآثارها على مصر وقضيتها الوطنية، ويؤكد من خلاله أن مصر لم تحل قضيتها إلا بالاعتماد على نفسها؛ لأن الدول الكبرى تساوم من أجل مصالحها الخاصة. أسلوب فكري أباظة: جاءت مقالات فكري أباظة مفاجأة لأصحاب الأساليب السياسية؛ لأنه قاد بها مدرسة صحفية لا تتحزب في التفكير، على الرغم من أنه من الحزب الوطني، ومع ذلك فله ملامحه المميزة، وسماته الواضحة كما يلي: ١- يتسم بالعفة والرقة والمرح والسخرية التي شاعت فيه للبناء لا للهدم، والتقويم لا للتجريح. ٢- يتميز بالبساطة المدعمة بالحقائق والوقائع والأرقام، وبروح سمح جميل. ٣- له شكل ومضمون مميز، ففي الشكل عني بالنقط وعلامات التعجب والاستفهام، وفي المضمون اهتم بتقديم الموضوع السياسي في إطار حينًا، وعاطفي حينًا آخر. ٤- يفيض صدقًا وعذوبة وحيوية، ويكشف عن خصوبة فكره، وتبدو من خلاله شخصيته النقادة الواعية. ٥- ضاحك حينًا، وباك حينًا آخر، يجذب النفوس، ويثير فيها أصداء بعيدة المدى كأنه وقع موسيقي يصغي إليه من يسمعه. وهذا جزء من مقاله الحماسي الذي رد فيه على مقال بجريدة: "التيمس" اللندنية، أكبر الصحف الإنجليزية، التي زعمت فيه أن ثورة ١٩١٩ ثورة أفندية يريدون الوظائف، فأثبت العكس، موضحًا السيطرة الأجنبية قبيل الثورة، وأن طلاب الوظائف بمصرهم شباب الإنجليز لا المصريين فقال:

стр. 229

"خيل إلي أن التيمس تقترض ضمنًا أن عدد الإنجليز في الوظائف الكبيرة بمصر ضئيل، أو على الأقل لا يذكر بجانب المصريين, بحثت وبحثت حتى وصلت إلى نتيجة وقفت أمامها مذهولًا متحيرًا ... في مكتبات الوزارة كتيب صغير، غير الكتيب الأصفر، حصرت فيه أسماء الموظفين المصريين والأجانب، حدقت في كتيب منهما، وأخذت أجمع وأطرح، ١٥٠ مصريون ... أي: إن عدد الإنجليز ثلاثة أضعاف المصريين, وقد وفد علينا في هذين ليومين جيش جرار من شباب إنجليز زاحمنا حتى في أصغر وظائف مصرنا العزيزة". "وصارت حكومتنا مع الوافدين على النصف الثاني من المبدأ المشهور: "أحرار في بلادنا، كرماء لضيوفنا" فألحقتهم بالوظائف الفنية وغير الفنية ... وترتب على ذلك خروج عدد من الموظفين المصريين, التجئوا للمحاكم طالبين العدل، وكان دفاع الحكومة، ولا يزال يتلخص في كلمتين "رفتناه للاستغناء" ولو أنصفت لقالت: "رفتناه للاستبدال""١. وجاء المقال مفاجأة لأصحاب الأساليب الصحفية السياسية، وأخذ يتردد في الأوساط والأندية، مما جعل "تقلا باشا" صاحب الأهرام، يبرق إليه، ويضمه لأسرة التحرير في يناير ١٩٢٠، وأخذ يزود الأهرام بمقال أسبوعي متتابع. بهذا المقال وغيره جعل فكري أباظة من قضية الوطن قضيته الأولى الذي يهتم بها فوقف في البرلمان المصري -مجلس الشعب- يدافع عن الحرية والاستقلال، وهاجم في كتاباته الانحراف الحزبي والاستغلال للجامعة المصرية، وتبنى مشاكل العمال والفلاحين، فاستحق أن يكون -بحق- فارس المعارضة في البرلمان المصري، وفارس القلم النبيل في عالم الصحافة في جو تسوده الجهامة والجو المضطرب الصاخب في كل مظهر من مظاهر الحياة اليومية إذ ذاك.

стр. 230

الفصل الثامن: المقال والأسلوب الساخر مدخل ... الفصل الثامن: المقال والأسلوب الساخر الأسلوب الساخر وخصائصه: يراد بالأسلوب الساخر الذي يعتمد على التحليل والتصوير، ويبرز المعاني التي يريدها الكاتب دون التعرض لعقاب أو لوم. وهو -بلا شك- له تأثيره العميق في التوجيه والتقويم وخلق القدرة على الكفاح في معركة الحياة، وبذا يكون أبلغ أثرًا، وأقوى تأثيرًا من الأسلوب الجاد. برز هذا اللون في ظل الصحافة الهزلية منذ عهد إسماعيل، فقد أنشأ يعقوب صنوع ١٨٣٩-١٩١٢ أول صحيفة هزلية "أبو نضارة" ١٨٧٧، وأعقبه عبد الله النديم في "التنكيت والتبكيت" ١٨٨١، ثم "الأستاذ" في ١٨٩٢. وبعدها كانت مجلة "الأرغول" للزجال الأزهري محمد النجار، و"حمارة منيتي" ١٩٠٨ لمحمد توفيق، وأصدر أحمد عباس "المسامير" ١٩٠٨ وحسين علي "الشجاعة" ١٩٠٨ واستمرت حتى ١٩١٠، ثم استبدلها بصحيفة "السيف". وأنشأ مصطفى القشاشي مجلة "أبو الهول" ١٩١٨، وأصدر بيرم التونسي مجلة "المسلة" ١٩١٩. عبرت هذه الصحف -خلال هذه الفترة- عن روح الشعب بالأسلوب الضاحك، وشغلت الناس عن همومهم بالدعايات الساخرة, والفكاهات الاجتماعية الموحية، والانتقادات اللاذعة، وأخذت تخاطب الجماهير بالرسم والخبر والمقال، وتتعرض لفساد الحكام والساسة

стр. 231

وغطرسة الإنجليز وتصرفات مندوبيها، وتناولت الجانب الخلقي والاجتماعي بالنقد والتحليل والسخرية كما اهتمت بنقد بعض الشخصيات البارزة. وخلال الفترة من ١٩٢٠-١٩٤٠ وسعت الصحف اليومية بعض الفكاهات السياسية -في صحف الأحزاب- اللاذعة المتقنة تحريرًا وإعدادًا على يد نفر من كبار الأدباء وأمراء الفكاهة في مصر من أمثال: سليمان فوزي، ومحمد إبراهيم جلال، وعبد العزيز البشري، ومحمد الههياوي، وحسن شفيق المصري، وحافظ إبراهيم، وأحمد فؤاد، وإمام العبد، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومحمد السباعي، وفكري أباظة، وغيرهم من فرسان الفكاهة، وأصحاب الأقلام الساخرة، والأسلوب الضاحك. وأهم الصحف الفكاهية التي ظهرت في هذه الفترة، وكانت وعاء الأسلوب الساخر هي مجلة "الكشكول" التي أصدرها سليمان فوزي في ١٩٢١، و"خيال الظل" ١٩٢٤ لأحمد حافظ عوض، ومجلة "الفكاهة" ١٩٢٦ عن دار الهلال برياسة حسين شفيق المصري، ثم مجلة "ألف صنف والبغبغان" و"السيف والناس والمسامير" ثم أدمجت السيف مع الناس، وصدرًا باسم "السيف والناس" ولم تعمر طويلًا، ثم مجلة "الراديو والبعكوكة" ١٩٣٤ لمحمد عزت المفتي، كذلك كانت مجلتا "الصرخة والمطرقة" من المجلات الفكاهية التي لقيت رواجًا كبيرًا بين القراء لفترة طويلة. عبرت الصحف الفكاهية عن حياة الشعب المصري، ونقدت تقاليده البالية نقدًا لاذعًا، واتخذت الأسلوب الساخر السياسي وغير السياسي، واستهدفت من ورائه التنديد بالأغنياء والبخلاء والحكام المنحرفين، والساسة الذين يعملون لمصالحهم، واعتمد أصحاب الأسلوب الساخر -كتابًا ورسامين- على عدة أساليب أهمها: ١- المبالغة في القول عن طريق المعر أو الفشر أو النتش. ٢- المغالطة التي تقوم على تصوير الأشياء على غير حقيقتها، إما جملًا أو تجاهلًا لها. ٣- المفاجأة وتكون بحدوث ما لم يكن في حسبان المخاطب. ٤- التلاعب بالألفاظ، أي: استخدام التورية، وهو الإتيان بكلمة لها معنيان: أحدهما ظاهر غير مراد، وآخر خفي وهو المراد. ومن ثم كانت الصحافة الفكاهية مجال الأسلوب الساخر حينًا، والضاحك حينًا آخر، ونافذة تطل منها أوضاع المجتمع المضطربة، وتقدم النكتة الضاحكة، تفرج عن مكبوتات الشعب الذي يرى -أفراده- صورًا متفاوته بين غنى مسرف وفقر مدقع, وكان رجال الفكاهة وأصحاب الأقلام الساخرة فقراء غلبهم الفقر، فسخروا من الأغنياء، أو أذكياء أعماهم تفوق الأغبياء عليهم. وعلى الجملة فقد سيطر الأسلوب الضاحك الساخر على صحافتنا خلال الثلاثينات، وما أحوجنا إليه اليوم بعد إطلاق الحريات، لنعالج به ظواهر التسيب وعدم الالتزام بعاداتنا وتقاليدنا الحسنة لدى بعض الأفراد والجماعات في وطننا الغالي.

стр. 232

أولًا: محمد السباعي ١٨٨١-١٩٣١ أديب متعدد المواهب، كان كاتبًا وشاعرًا ومترجمًا وقاصا، اتخذ من السخرية والفكاهة فلسفة له في الحياة، تهون العسير، وتجلو صدأ العيش، وتذلل الصعب، كان يفيض من فكاهاته على كل من يقع عينه عليه حتى في مواقف الأسى، ومواقع الأسف، ومواضع النكباء، وأماكن الهول, ولذا انفرد بالظرف وطيب المعاشرة وحسن المراضاة، ولم يؤثر من الأصدقاء إلا الظريف القادر على النكتة. ترك أثارًا عديدة قيمة، منها كتاب "أسمر" و"الصور" وقد تضمنا وصفًا لصور مختلفة من الحياة بأسلوب تهكمي لاذع، وكتاب "خواطر في الحياة والأدب" ترجم فيه مختارت من روائع الأدب العالمية، وقصة "الفيلسوف" وغيرها من آثاره الخالدة التي تبدو فيها روحه الفكهة وخياله الخصب.

стр. 233

أسلوب السباعي: قال الدكتور طه حسين عنه في مقدمة روايته "الفيلسوف": "ما أعرف أحدًا صور حياة القاهريين من أوساط الناس بين الحربين في لغة عربية كأفصح ما تكون اللغة العربية، عامية أحيانًا كأشد ما تكون العامية إيغالًا في الشعبية، في غير تكلف ولا جهد كما صورها أديبنا الكبير, وما أعرف أحدًا سخر من وزارة المعارف وأساتذتها وطلابها ودكاترتها الذين يعودون من أوروبا دون أن يتعملوا شيئًا إلا الرقص والعبث والتملق والتهويش، وأخذ المرتبات الضخمة آخر الشهر على هذا كله, ما أعرف أحدا سخر من وزارة المعارف والمثقفين في تلك الأيام في هذه اللغة الرائعة المضطربة مع ذلك بين الفصحى والعامية، كما سخر أديبنا الكبير"١. ومع ذلك فأهم ما يميز أسلوب محمد السباعي ما يلي: ١- يتسم بالمرح مما يحبب المثقف العادي فيه، ويجذب المتخصص إليه. ٢- متأصل في فكره، ناصع في بيانه، جزل في كلماته، رقيع في تراكيبه. ٣- لا يخرج عن الأسلوب الساخر المعروف مع قوة ونصاعة، واستساغة وبيان. ٤- بعيد عن التكلف، ويعرب عن محصول وفير، ومع قدرة واقتدار، وجمال وجلال. ٥- الاهتمام بالموضوعات الحيوية المرتبطة باهتمامات المواطن اليومية. ٦- الصدق وعدم المبالغة، وتجنب الالتواء أو اللف أو الدوران. ٧- يتجسد بشكل واضح في القضايا الاجتماعية التي تتطلب اتخاذ الموقف الحاسم. وهذا جزء من مقالة جاء فيه: "أيها البراع.. إني أتعلق بك كما يتعلق الغريق في كسر من حطام السفين، أنت ملجاي في ذلك العباب

стр. 234

الأحم، وعصمتي من ذلك التلف المحيط، أنت ضئيل، ولكنك صلب القناة فاحملني على متنك، ونجني من الغرق". "إن لمصائب الدهر آفاعي أنيابها في الأحشاء، ولكن أذنابها تحت قدمي فلا جعلتك أيها اليراع سكينًا أعض به أذناب المصائب، كلما عضت في كبدي الأنياب ... ليس في الكون ما يذلل أنوفنا ولا القضاء والقدر, أنا ليضربنا القضاء بصرفه، فنضربه باحتقارنا, وتأكل فينا النوائب، فلا نلقاها إلا بإعراض المزدري أو سورة المصاول, لقد كانت لنا جلسات لهو فبادت، ولو عادت لنا لبادت مرة أخرى فما قيمة متاع هو أخدع من وميض المومس، وأسرع زوالًا، لقد رأينا النعيم عارية، سريعة المسترد، ورأينا المقيم الدائم هو البلاء، فأصبحنا مع كرهنا للشفاء نحترم منه الثبات والمصارحة، وأصبحنا مع ميلنا للنعيم نزدري منه التلون". ولخير للعاقل أن يصارحه البلاء من أن يبيت سخرته وضحكته. فأطرفينا يا نائيات الليالي، ستجدين عندنا فراك من الحمية والشعب الجاهلي، وزلزلي بنا ما استطعت، ولتثر فينا عواطفك حتى يحلها الوهن، ويميتها الكد, إنك ستقطعين قواك على جانبنا الوعر، كما تتفتت الأمواج الطاغية على الساحل الصخري". "سنصبر على الدهر, إنما الصبر ظهر، سيركبه الإنسان طوعًا أو قسرًا. من لم يسل حسبة واصطبارا، سلا غما واضطرارا. الوجود عبء لا مناص من حمله ... والحياة تدفع جذرها سواء في النفس الغنية الخصبة، وفي النفس اليابسة التربة، والعيش مرحلة يسكلها المرء، وأن أضحت خلاء قواه ... وهل للعطشان في البلد القفر إلا العزاء والتجمل"١. لمحمد السباعي فلسفة فريدة في الضحك والمرح والسخرية، عبر المازني عنها بقوله: "كان فيه فكاهة حلوة تهون العسير، وتذلك الصعب، وتجلو صدأ العيش، وهي التي يسرت له أن يكون ذلك الرجل العارف بالحياة الذي لا يعدله أحد في الظرف وحسن المراضاة وطيب المعاشرة فقد كان ضحوكًا أبدا"٢.

стр. 235

ثانيًا: عبد العزيز البشري: ١٨٨٦-١٩٤٣ من رواد السخرية والتهكم ونقد المجتمع في أدبنا الحديث، ويعتبر من أرق الأدباء أسلوبًا، وأحلاهم دعاية، وألطفهم مجالسة، وأظرفهم نكتة, له قدرة على التصوير والتخيل والتعبير باللسان، والعلم بأحوال الهيئة والأشخاص والأزمان. عاش في بيئة أدبية، تتسم بالظرف، ويسيطر عليها سلطان الفكاهة، وتفتحت عينيه على العديد من الصحف الفكاهية، وعاصر زعماء النوادر، ورواد الفكاهة في مصر من أمثال: حفني ناصف، وحسين الترزي، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وإمام العبد، وغيرهم من أرباب الفكاهات، وفرسان النكات، وأصحاب القفشات التي ترج ضحكاتها وقهقهاتها أرجاء المكان، لما تمتاز به من مرح وظرف ودعاية وسخرية. يصف شوقي في كتابه "الفكاهة في مصر" فيقول: "الحق أن البشري أديب معروف، يحسن صناعة الفكاهة قولًا وكتابة, ولا نبالغ إذا قلنا إنه ترك لنا بكتبه متحفًا للضحك من كل شيء، ومن كل لون لذعًا ومرحًا ودعاية". أسلوب البشري: وصف جمال الدين الرمادي أسلوب البشري فقال: "رائق الأسلوب، ساحر العبارة، ساخر المعنى، يمثل الروح المرحة في أرق صورها وأرقى مظاهرها" و"الكتب التي ألفها البشري أو المقالات التي جمعها كانت فريدة في بابها. فكتابه "في المرآة" كان فتحًا جديدًا في هذا اللون من

стр. 236

الكتب في تصوير وتحليل الشخصيات, وكتابه "المختار" طريف يضم بحوثًا خصبة في الأدب، وتراجم ممتعة لأدباء اتصل بهم وتأثر بهم ونقل عنهم, أما كتابه "قطوف" ففريد في بابه؛ لأنه يضم دراسات إسلامية ممتعة، وانتقادات اجتماعية طريفة، وآراء فنية رائعة، لا تصل إلى ما وصلت إليه من روعة لو كتبها غير البشري من الكتاب أو الأدباء" وأهم ما يميز أسلوب البشري ما يلي: ١- اعتماده على التصوير والتحليل والتعليل والتفصيل. ٢- يتسم بالعذوبة والسحر حينًا، والسخرية والضحك أحيانًا. ٣- تأتي سخريته من باب العطف والإعلاء، لا من ناحية التقرير والازدراء. ٤- يجمع إلى عذوبة الروح عذوبة الحديث، على الرغم من طرافته وروعة عبارته. ٥- ينقد الأوضاع الاجتماعية والتقاليد البالية، بروح مرحة، ودعاية حلوة، وحديث فكه. ٦- يتحلى -أحيانًا- بعبارات علمية، لا تشوه جماله، ولا تفض من قيمته. يرسم البشري في مقال فريد بأسلوب ضاحك، ما كان يجري في المجتمع، ويشيع بين نوابه، ويهيمن على الباشوات وأصحاب الإقطاع فيه, ويدور حول كبير يطلب الشهرة، ويرغب في حديث الصحف عنه, وفي حوار لطيف وطريف سجل البشري ما دار بين الكبير وأحد محرري الصحف فقال: - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. - وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وأزكى تحياته. - محسوبك فلان ناظر زراعة سعادة فلان باشا. - تشرفنا. - بس من فضلك.

стр. 237

- من فضلك إيه. - من فضلك يعني. - من فضلك. أنت عايز من فضلي إيه؟ - بس تسمح تنشرني في الجرنال. - أنشرك بمناسبة إيه؟ - يعني تقول فلان؟ - أقول فلان ما له؟ - يعني تكتب فلان. - يا سيدي فلان ده مبتدأ، وكل مبتدأ لا بد له من خبر، فلا بد أن نكتب فلان جرى له حاجة. - نقول فلان جه عندنا في الإدراة. - كل يوم بيجي في الإدارة خمسمائة واحد، ولا جرتش العادة بكتابة واحد منهم في الجرنال. - أمال إيه الطريقة عشان تكتب. - ذكر الأشخاص في الجرائد إنما يكون لمناسبة كالقيام بعمل عام أو خاص من إقامة حل عرس، أو لا سمح الله مأتم ونحو ذلك، فهل عزمتم على الزواج؟ - أنا متزوج. - أعندك ولد قدمت على تزويجه، فتنشر لك نبأ عرسه؟ - ولدي ما زال صغيرًا. - إذن فاختنه، واحتفل بختانه. - سبق أن ختنته منذ مدة طويلة. - لم يبق يا صاحبي إلا أن تمرض وننشر خبر مرضك وإبلائك. - وحياة ابني، باين إن أشيتي عيانه. - عيان بإيه؟ - يعني ما فيش مرض زي زمان! - أنا لا أريد المرض الذي يلزم الفراش، ويستدعي الطبيب، وقلق الأهل والأصدقاء. - طيب وأعمل إزاي في الحكاية دي؟ - قلت لي تعمل إزاي، وما عليك إلا أنك تروح من هنا على البلد، وتخليهم يحمو لك الفرن، وتفضل قدامه حتى يسيل عرقك، ثم تقوم فتستحم بماء بارد، ونحن ولله الحمد في صميم الشتاء، فتعيا بالحمى يومين أو ثلاثة، وتطيب بعدها، فنسوق خبر مرضك، ونزف للقراء بشرى شفائك. - الله يخليك! الله يعمر بيتك؟ ١. وهكذا صور البشري في مقاله الساخر قصة ناظر العزبة في براعة فائقة، وحوار شائق، وأسلوب أخاذ، وختمها -كما ترى- بدعاء الرجل للمحرر, ومن هنا جاءت كتابات البشري مزيجًا من الجد والفكاهة، تلتقي البساطة والرصانة في أسلوبه وكتاباته.

стр. 238

ثالثًا: حسين شفيق المصري المتوفى ١٩٤٨ فنان أصيل متدفق الحيوية، وأديب مجدد غزير الإنتاج، وشخصية فريدة متعددة الجوانب والمواهب، قادرة على تقليد اللهجات العربية والمحلية، ومحاكاة المشاهير من الناثرين والناظمين في مواضع هزلية، فأجادها إجادة تامة, على الرغم من تركية والده ويونانية أمه، فقد نشأ وعاش بالقاهرة، يضرب في أعمال المجتمع المصري خلال النصف الأول من هذا القرن، فاكتسب معارف عصره واستلهم تجارب أيامه ولياليه، وتقلب في أعمال مختلفة، ومهن كثيرة حتى تفرغ للعمل في الصحافة محررًا لمجلة "الفكاهة" التي أصدرتها دار الهلال ١٩٢٦. تعد كتاباته المبدعة، وخواطره الشائعة، وأفكاره الرائعة، فتحًا جديدًا في عالم الأدب الضاحك، والفكر الساخر، وأبواب الصحافة

стр. 239

السياسية والفكاهية، فقد ابتكر الشخصيات الفكهة مثل شخصية الشاويش شعلان عبد الموجود، والأبواب الممتعة مثل: "محكمتنا العرفية" وما كان يكتبه كل أسبوع بعنوان "نظرات" و"ما قولكم" وغيرها من الكتابات التي تفيض بالصور المرحة، والفكاهة النادرة، والنقد الاجتماعي اللاذع، وبذا أخرج الفكاهة والسخرية من الدوائر الشخصية إلى المسائل العامة، فأضحك قراء العربية على مدى أربعين عامًا بأسلوب مضحك حينًا، وساخر أحيانًا. أسلوب المصري: خلف حسين شفيق المصري كنوزًا باهرة، ودررًا لامعة من فنون الشعر والزجل والفكاهة وأساليب الأدب الضاحك التي تتسم بطابع السخرية والنقد والإفحام. وأهم ما يميز أسلوب المصري في هذا اللون الساخر من الكتابة ما يلي: ١- الفكاهة الممتعة اللاذعة، والطريقة المثيرة المقنعة، مع توهج المشاعر، والنبض الدافق بالحيوية. ٢- يجمع بين الجد والهزل، والدعابة والسخرية، ولا يخلو من عبرة التجربة والنصيحة الواعية. ٣- يستخدم الفكاهة والنكتة -كسلاح خطير- في معارك السياسة والفن والأدب بطريقة مبتكرة في الضحك والسخرية. ٤- يعبر عن الشوارع المزدحمة، والحواري الضيقة، والمقاهي الغاصة، وأسواق الدرب الأحمر العامرة في حيوية نابضة. ٥- يتميز بمرحه ودعاباته ولذعه وسخريته، وفيض إنتاجه، وتدفق معانيه، فجاء مدرسة وحدة لخصائصه الفريدة، وسماته المميزة, وقسماته الفارقة. ومما يميز أسلوبه بكل خصائصه ومميزاته التحقيق الذي كتبه على الشاويش "شعلان" الشخصية التي ابتكرها، يقول في محضر التحقيق:

стр. 240

"في تاريخه أدناه وأعلاه.. أنا الشاويش شعلان عبد الموجود في الساعة كذا، وأنا قاعد في القسم، حضر قدامى جدع طويل عريض زي الشحط، متهم في جناية خطف فرخة, وبدأنا نعمل المحضر اللازم، آه يا ناري..! ". فهذا نموذج حافل بالصور المرحة، والفكاهة اللاذعة، والنقد الاجتماعي. وتناول حسين شفيق المصري قضية "الشعر الحر" بأسلوب نافذ مفحم، نال من دعاتها وسخر منهم دون أن ندرك تأييده لهم أو معارضته. كتب تحت عنوان "ما وراء الغيب" من قصائد الشعر المنثور فقال: ها هي الأبدية فاتحة ذراعيها لاحتضان الأجيال ... وها هي أمواج الحياة تنكسر على شاطئ الكينونة الدائمة ... وفي هذا المحيط الأثيري يسبح كل شيء ... وكل شيء يرسب ويطفو في هذا الأوقيانوس اللا نهائي ... والذين يصلون إلى الشاطئ تحتضنهم الأبدية، وتأخذهم إلى العالم اللا معروف ... وهناك وراء الغيب تقابلهم الطبيعة مبتسمة. ويجلس الكل على يسارها، إلا المحبين ... فإنهم يجلسون على اليمين ... وقصيدة أخرى عنوانها "ليلة الزفاف". الحياة تبتسم بشفتيها القرمزيتين. والسعادة مقبلة تجرجر أذيال الفخر السندسية. ذات النقوش البديعية والهناء واقف باسط ذراعيه يريد احتضان الفتاة البللورية الجبين ... ما أجمل هذه النجمة المتفردة في الشمال الشرقي. فوق منزل حبيبتي. ما اسمك أيتها النجمة البراقة؟ إني أطير إليك بروحي لا قبل فملك الضيائي: تلألئي أيتها النجمة كالوجه الجميل عند ابتسامة الفوز والغبطة, وليدم صفاؤك في السماء. وسواء تعمد حسين شفيق المصري أن يهاجم الشعر الحر وينال من شعرائه أم لا, فإن كتاباته في هذا المجال فيض متدفق متجدد، بطريقة عملية، وأسلوب ساحر ساخر، فقدم لخصوم الجديد سلاحًا نافذًا في الصميم. ومن هنا جمع المصري في أسلوبه بين الجد والهزل، والدعابة وخفة الروح ولا يخلو من عبرة التجربة، وتقديم النصيحة الواعية في أسلوب فني ساخر، يمنع ويثير ويقنع.

стр. 241

رابعًا: إبراهيم عبد القادر المازني ١٨٩٠- ١٩٤٩ من أعلام الشعر والفكر والأدب المعاصر، نظم وألف وترجم وكتب في الوطنيات والسياسة والقصة، ومشكلات المجتمع والمرأة والحب والزواج أو العاطفة على مدى ثلاثين عامًا كاملة. بدأت كتاباته منذ اشتعال الثورة المصرية ١٩١٩. وشارك الثائرين في كتابة المنشورات التي تؤجج أوارها حتى هددته السلطات بالنفي والتشريد، ومع ذلك ظل مشتغلًا بالسياسة والصحافة حتى آخر لحظات حياته. في حياة المازني أحداث ثلاثة، لها أثرها في شخصيته وأعمال فكره وأدبه هي: موت أمه، وإصابه ساقه، وموت زوجته. فعن موت أمه يقول: "إن موتها هدني، فقد كانت أما وأبا وأخا وصديقًا" وعن ساقه يقول: "كان هذا في ١٩١٤ فتغيرت الدنيا في عيني، وزاد عمري عشر سنوات في لحظة، وأدركتني الشيخوخة في عنفوان شبابي، فاحتشمت وصدفت مضطرًا عن مناعم الحياة، وملاهي العيش، وغمرت نفسي مرارة كان يخيل إلي أني أحسها على لساني. وعن زوجته يقول: "وها أنا

стр. 242

الآن بين الأحياء لا يدري الناس أني مت منذ سنين، وأني غير متحرك كشمشون ملتون، أو جثة لم تجد من يدفنها، أو صورة باهتة لما كنته في حياتي". وتحدثنا الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عن شخصية المازني رغم هذه الأحداث التي نزلت به فتقول: "إنما تستمد قوتها وأسرها من روحه الأدبية وثقافته الممتازة، لا من مظهره الجسماني أو هيئته، لهذا كله لم تخلف العلة في نفسه المرارة التي خلفتها في نفس "بيرون" وأثارت نقمته على الحياة والناس, بل لعل ساقه التي هيضت في شبابه، كان من أسباب انزوائه واعتزاله وتفرغه للقراءة، مما أتاح له أن يظفر بقدر ضخم من الثقافة وإعمال الفكر والتأمل، وأن يكون واحدًا من الرواد الذين مهدوا لنهضة أدبنا المعاصر، يتميز إنتاجه الضخم بالأصالة والدقة والعمق"١. أسلوب المازني: تكشف آثار المازني عن أسلوب مشرق فكه ساحر وساخر، محبب إلى النفس، نابع من ثقافة عريضة، وموهبة قادرة على إذابة العامية في الفصحى، وينفرد بسخرية ناعمة، تجلوها روح الفكاهة المصرية العذبة الخالصة، وأهم ما يميز أسلوبه ما يلي: ١- البساطة في التعبير، واستخدام المألوف من الألفاظ، والمشهور من العبارات، وإظهار الألفاظ الدارجة في ثوب فصيح. ٢- العناية بالأمثال الشعبية، ورسم صورة للبيئة المصرية عامة, والقاهرية بصورة خاصة، وإيثار الدعابة المساخرة التي تمثل روحه. ٣- جمله قصيرة متلاحقة، وعباراته سلسلة شائقة. ٤- إيثار الألفاظ الغربية في معارض السخرية، أو إظهار المفارقة، أو الإضحاك، فنراه يخاطب المتعالي قائلًا: "أيها الفطحل" ويتحدث عن المتحذلق فيقول إنه من "الجهابزة" وعند امتلاء البطن يقول: "إنه شعر الكظة".

стр. 243

٥- تشبيهاته جديدة دقيقة وطريفة فتراه يقول: "أقدم من هرم خوفو" و"معدتي طاعنة في السن كمخلاة قديمة" و"الزواج يشبه لبس الحذاء" و"الأعزب كالذي اعتاد الحفا" و"كانت لا تريد أن تتزوج، وصدقت فما تزوجت لأنها ماتت" و"كان شديد السكر حتى إنه كان يمشي متزنًا" وغيرها كثيرة وعديدة. ٦- المحافظة على الإطار اللغوي في قواعده وتراكيبه ومفرداته. وهذا جزء من مقاله "بين القراءة والكتابة" جاء فيه: "مضت شهور لم أكتب فيها كلمة في الأدب؛ لأني كنت أقرأ والقراءة والكتابة عندي نقيضان، وقد كنت -وما زلت- امرءًا يتعذر عليه ولا يتأتى له، أن يجمع بينهما في فترة واحدة, ولكم أطلت الفكر في ذلك فلا يفتح الله علي بتعليل يستريح إليه العقل، ويأنس له القلب. وما أظن بي إلا أن الله جلت قدرته قد خلقني على طراز "عربات الرش" التي تتخذها مصلحة التنظيم، وخزان ضخم يمتلئ ليفرغ، ويفرغ ليمتلئ، وكذلك أنا فيما أرى أحس الفراغ في رأس, وما أكثر ما أحس ذلك فأسرع إلى الكتب ألتهم ما فيها وأحشو بها دماغي هذا الذي خلقه الله خلقة عربات الرش كما قلت, حتى إذا شعرت بالكظة وضايقني الامتلاء، رفعت يدي عن ألوان هذا الغذاء، وقمت عنه متثاقلًا متثائبًا من التخمة، فلا يعجبني إلا أن أفتح الثقوب وأسح وهكذا دواليك, وأمري مع الكتب أغرب، كنت في أول عهدي بها أي منذ عشرين سنة، أو نحو ذلك أذهب في أول كل شهر إلى أحد باعتها، فيتقدم إلى العامل سائلا عن حاجتي فأبينها له وعلى شفته -دون عينيه- ابتسامة جهل وغباء ويهز لي رأسه أسفًا، فأنحيه عن الطريق، وأمضي إلى الوقوف، وأجيل عيني فيها، وآخذ منها ما يروقني، وأنصرف عن الحانوت بأثقل من حمل حمار، وأغرق فيها بقية الشهر إلى ما فوق الأذنين، أن كان فوقها شيء يستحق الذكر. ولكن الزامر يموت وأصابعه تلعب "كما يقول المثل العامي" وللعادة حكم لا يقوى المرء كل حين على مغالبته، والنفس لا تطاوع المرء دائمًا ما يريدها عليه الجمود والتبلد، وقد يزعج نفسه يقضي أيامه بطين الجسد وحده، أو بموتها على الأصح، فإن من الموت أن يستحيل الإنسان جثة خامدة المتقد، لا ينقصها إلا الرمى، وما لا يصلح سلوى ومتعة قد يصلح دواء، ويسير على

стр. 244

من تعود أنه يحس الحياة بأعصابه العارية أن يروض نفسه على التبلد، ويخلد إلى الركود، فلا عجب إذا كنت أقبل على المطالعة حينًا بعد حين١". وبذا وغيره كان المازني في فكاهاته وسخرياته فنانا رائدًا خلاقًا، عميق الغور، واسع الأفق، انطبعت مختلف مظاهر الحياة المصرية في نفسه، فعبر عن صورها في قوة ووضوح. وبعد فلعلك أدركت من خلال فصول هذا الباب أن بلاد العروبة حفلت منذ الثلث الأخير من القرن الماضي ينفر من الرواد والمصلحين والأدباء، أثروا الفكر العربي بما بذلوا من جهود، وقدموا من أراء في إصلاح اللغة والدين والسياسة والمجتمع، وترخوا البساطة في التعبير عنها حتى تؤدي الغرض المنشود منها. ومن الطبيعي أن تتنوع الأساليب وتختلف طرائق التعبير والتصوير، نظرًا لتنوع العلوم التي نهلوا منها، وتعدد الثقافات التي تأثروا بها، وتختلف في نفوس الأدباء، وتطورت تبعًا لها عقولهم، فكان فيهم العالم والأديب والناقد والقاص والمؤرخ والسياسي والمبدع. ومن هنا برز في المجتمع الثقافي في شتى بلاد العروبة طوائف عديدة في التصوير والتعبير، وكان للغوي أسلوبه، وللمصلح اتجاهاته، ولرجل الدين منحاه، وللعلمي منهجه، وللفني طريقته، وللفلسفي نظرياته، وللساخر تعبيره؛ لأن كل واحد منهم له خطه من الثقافة، وله أسلوبه الذي يميزه عن غيره، وتتضح فيه سماته وقسماته الفارقة، ومميزاته الواضحة.

стр. 245

الباب الثالث: المقال في الصحف المعاصرة الفصل الأول: المقال وقضايا الفكر مدخل ... الباب الثالث: المقال في الصحف المعاصرة الفصل الأول: المقال وقضايا الفكر بوادر حرية الرأي: جرت الأحداث بسرعة بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، ففي السودان ثورة المهدي، وفي الحجاز ثورة الوهابيين، وفي ليبيا ثورة السنوسى، وفي مصر الثورة العرابية، وكلها تحمل طابع الدعوات الفكرية، وتستهدف التحرر من الاستبداد, وبرز دور الرواد، فكان مجلس الإمام محمد عبده في مصر يضم المصريين والشاميين والعراقيين وغيرهم من أمثال: عبد العزيز جاويش، وولي الدين يكن، ورفيق العظمة، وعبد الرحمن الكواكبي، ورشيد رضا، وطاهر الجزائري وعبد المحسن الكاظمي يتذاكرون أحاديث الإمام في الشورى١. وفي الشام كانت مدرسة حسين الجسر، وطاهر الجزائري، وفي العراق كانت مدرسة محمود شكري الألوسي، وكلها مدارس حرة للفكر. وكانت مبادئ الثورة الفرنسية تسود المشرق العربي، يقول أنيس المقدسي: "فليس بغريب أن بعض الشباب المثقفين حتى في أواخر القرن الماضي، وفي إبان العهد الحميدي يندفعون إلى الجهر بحب الحرية والمساواة كما فعل إلياس صالح٢". ولعل في تفسير أديب إسحاق للحرية والمساواة ما يؤكد

стр. 246

تأثره بالثورة الفرنسية وآراء الفرنسيين، إذ اقتبس تعاريف "مونتين" و"منتسكو" و"جان جاك روسو١". وأعنف كتاب نادى بالحرية هو "طبائع الاستبداد" للكواكبي، فقد وضح فيه أثر الاستبداد في فساد الأخلاق والدين والتربية، مبينًا طريق التخلص منه فيقول: "إن الأمة التي ضربت عليها الذلة والمسكنة حتى صارت كالبهائم لا تسأل قط عن الحرية، وقد تنقم على المستبد، ولكن طلبًا للانتقام من شخصه، لا طلبًا للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيد شيئًا، إنما تستبدل مرضًا بمرض كمغص بصداع, إذا كانت الغاية مبهمة في الأول، فلا بد أن يقع الخلاف في الآخر، فيفسد العمل أيضًا، وينقلب إلى فتن صماء، وانقسام مهلك، ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة وإخلاص، وإشهارها بين الناس، والسعي في إقناعهم، واستخلاص رضاهم بها، بل حملهم على النداء بها، وطلبها من عند أنفسهم٢". وارتبطت مصر -حسب منطق الأحداث- بأوروبا صاحبة أكبر قدر من أسهم قناة السويس، مما ترتب عليه ظهور تيارات اجتماعية، وظواهر أدبية وسياسة في المجتمع المصري بواسطة من يذهبون لأوروبا أو يأتون منها, وشغلت الفكر -لأول مرة- مسائل مثل: رأى الدين في شرب الخمر ومشاهد الرقص والتمثيل، ولبس الزي الأوروبي، وحرية العقيدة والفكر، ومكانة المرأة في المجتمع، وموقف الدين من تعلم العلوم التطبيقية وغيرها، مما لا يستطيع الكثير إذ ذاك أن ينظر إليها نظرة بعيدة عن الدين، ودار حولها جدل ونقاش بين الكتاب والمفكرين وأصحاب المسارح، كانت ثمرته مقالات "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي التي وضحت ما يجب أخذه أو تركه من الحضارة الأوروبية الوافدة. ومع بوادر الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ دخلت مصر مرحلة جديدة في صراعها مع الاحتلال وبدت واضحة في ثورة الشعب ١٩١٩ التي اقترنت بثورة

стр. 247

فكرية ازدهرت في ظل الدستور الذي كفل حرية التفكير باعتباره العنوان الصحيح على حضارة أي أمة من الأمم. والمعروف أن مصر شهدت -خلال هذه الفترة- أحزابًا ثلاثة. الحزب الوطني المحافظ الذي يحترم الدين ويتمسك بمبادئه، والحزب الوفدي الذي لم يصل إلى درجة الحزب الوطني في المحافظة، وحزب الأحرار الدستوريين الذي مال إلى التجديد والتحررح؛ لأن معظم أعضائه تعلموا في فرنسا، وأشربوا معاني الحرية التي جاءت بها ثورتها. وخرجت بعض الصحف -السياسة- من نطاق الحزبية الضيق إلى آفاق أرحب من التجديد والتثقيف بمدرسة الشعب، وعمل فيها معظم محرري "الجريدة" من أمثال: الشيخ مصطفى عبد الرازق وعلي عبد الرازق وطه حسين ومحمد حسين هيكل وغيرهم من أشربوا روح الحرية، على أن أحمد لطفي السيد جعلها قاعدة لكل إنتاج فكري وإصلاح عام, ومن ثم بدت صحيفة "السياسة" مدرسة فكرية، لها اتجاهاتها ومثلها، تجمع الرواد والأنصار والمؤيدين، مما دفع صحف المعارضة إلى مهاجمة هذا الاتجاه مثل "الأخبار" لأمين الرافعي، و"المنار" للشيخ رشيد رضا، و"البلاغ" لعبد القادر حمزة. وقادت "السياسة" النضال بين القديم والحديث في اللغة والأدب والدين، وصلته بالعلم والحكم على نظم البحث الحديثة التي تبدأ بالشك: وتنتهي باختيار المذهب الرائق، مما أحدث تطورًا في التيارات الفكرية والأدبية، ومفهوم الحرية والحياة الدستورية، مما حقق ثورة فكرية شاملة، تجلت في قضايا عدة أهمها: ١- قضية المرأة. التي أثارها المرحوم قاسم أمين. ٢- كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق. ٣- كتاب "الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين. ٤- قضية "التبشير" وبطلها الدكتور محمد حسين هيكل. فالي هذه القضايا، نقف على أسبابها، ونوضح جوانبها، وتبرر موقف الصحف والكتاب منها، ودور المقال فيها.

стр. 248

أولًا: قضية المرأة ظلت المرأة العربية قعيدة البيت، بعيدة عن التعليم حتى منتصف القرن الماضي، تحتم تقاليد المجتمع عليها أن تستتر بالحجاب عن أعين الرجال، وفي الثلث الأخير من القرن بدأ الحديث عن تعليم الفتاة يتردد في البيئة العربية على لسان رفاعة الطهطاوي المتوفى ١٨٧٣ في كتابه "المرشد الأمين إلى تعليم البنات والبنين" ومما جاء فيه: "فإن ذلك مما يزيدهن أدبًا وعقلًا، ويجعلهن بالمعارف أهلًا، ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في قلوبهم، ويعظم مقامهن لزوال ما فيهن من سخافة العقل والطيش، مما ينتج من معاشرة المرأة الجاهلة لمرأة مثلها" وطبع هذا الكتاب في ١٨٧٢. وترتب على دعوته أقامة مدرسة للبنات ١٨٧٣، ضمت مائة فتاة، وبعد عام استقبلت أربعمائة يتعلمن القراءة والكتابة والقرآن والحساب وشيئا من الجغرافيا والتاريخ والتطريز١". ورأى الشيخ محمد عبده: "أن من محاسن الإسلام مساواة المرأة بالرجل في الأمور الجوهرية. وأما تعدد الزوجات فإن الإسلام لم يجوزه إلا لضرورات حقيقية، ولذلك ينبغي إصلاح الحياة الاجتماعية فيما يحسن حياة المرأة"٢. وتناول الموضوع نفسه عبد الله النديم على صفحات "الأستاذ"، وعلي مبارك في الجزء الثاني من كتابه "طريق الهجاء والتمرين على القراءة في اللغة العربية". وفي الشام شارك بطرس البستاني ١٨١٩-١٨٨٣ الاهتمام بتعليم المرأة. ومن ثم بدأ الحديث عن تعليم المرأة ومساواتها بالرجل يتردد في الصحف والمجلات٣.

стр. 249

وانحصرت الدعوة في تعليم الفتاة مبادئ القراءة حتى يمكنها الاطلاع على كتب الأخلاق، يقول الكاتب الحلبي فرنسيس فتح الله المراش: "ولا عجيب من جعل تربية النساء مقصورة على أبسط العلوم؛ لأن توغلهن في عباب العلوم، ينتهي إلى عكس المطلوب, بحيث تحذو حذو الرجال، وتصبح غير مكترثة لالتزاماتها نحو البيت والعيال، وربما عنّ لها أن تضع نفسها فوق الرجال١. ويقول أحمد فارس الشدياق: "فأما تعليم نساء بلادنا القراءة والكتابة فعندي أنها محمدة، بشرط استعماله على شروطه، وهو مطالعة الكتب التي تهذب الأخلاق، وتحسن الإملاء٢". وهكذا بدأت دعوة تعليم الفتاة تشيع في مصر والشام في أواخر القرن الماضي، ومن أجلها فتحت المدارس، ومن ثم أخذت الدعوة تشق طريقها في الشرق العربي حتى تلقفها المرحوم قاسم أمين، وتبين الدعوة لها، وضمنها مقالاته التي جمعت -فيما بعد- في كتابيه "تحرير المرأة" الصادر في ١٨٩٩ و"المرأة الجديدة" الذي ظهر بعده بعام. أثارت كتابات قاسم أمين عن المرأة وحقوقها جدلًا عنيفًا، شغل الرأي العام العربي خاصة في مصر والشام والعراق, لاصطدامها بالتقاليد الموروثة في بلاد العروبة إذ ذاك، ووقف الناس من دعوة قاسم أمين بين معارض ومؤيد. "رمى المعارضون قاسم أمين على صفحات "اللواء" بأنه ممن تخطف زخاف التمدن بصائرهم، يرى المحاسن ولا يبصر المساوئ، ويقنع بأراء الدوق دراكور، ولا يقنع بمن هم أكثر شهرة وأوسع ثقافة وأوضح عقلًا من كتاب الغرب، مثل: جول سيمون وموليير ولامنس وزولا وهوجو وأمثالهم ممن هاجموا المرأة الأوروبية في حريتها التي عبثت بها٣". "وتساءل البعض على صفحات الجرائد كيف أمكن لليابان أن تصبح

стр. 250

إحدى الدول العظمى، والنساء فيها لم ينلن شيئًا من الحرية العربية؟ وأية امرأة مثقفة أوروبية اخترعت القطار أو اكتشفت الكهرباء"١. "وفسحت صحيفة "المؤيد" المجال للمعارضين والمؤيدين معًا، فنشرت لمحمد فريد وجدي -كما نشرت اللواء له- بضع مقالات بدأها متسائلًا: هل المرأة مساوية للرجل في سائر الحيثيات؟ ويجيب متسائلًا: وهل لدينا دليل حسي على هذا الجواب السلبي أصدق منذ وجود المرأة من ابتداء الخليقة للآن تحت سيطرة الرجل يوجهها كيف شاء، ويحكم عليها بما تقتضي أمياله، إذا كانت المرأة مساوية للرجل من الجهتين الجسمية والعقلية، فلماذا خضعت كل هذه الألوف من الأعلام لسلطان الرجل وجبروته٢". "ويتهكم أحد الكتاب بدعوة قاسم أمين، ويصور خروج المرأة إلى معترك الحياة، فإذا البيوت مقفرة، والشوارع مزدحمة بالرجال والنساء، والمحال التجارية وقف بها المتحككون بالنساء البائعات، أما الزي فخليط عجيب امرأة بقبعة وامرأة بغيرها، والمقصى قد تحيف الجيوب والذيول والأكمام، والتصقت الملابس بالمرأة حتى صارت كبعض جسمها، أهذا ما تريده؟ إن ما تريده حقا هو تربية المرأة قبل كل شيء". تلك صورة موجزة للثورة التي دارت بين الكتاب في مصر عقب كتابات المرحوم قاسم أمين حول تحرير المرأة من التقاليد التي فرضت عليها أن تعيش بعيدة عن التعليم، مكبلة بقيود الحجاب. "ورأى أهل الشام أن دعوة قاسم أمين اقتداء بالغربية لا يقوم على حجة مقبولة؛ لأنها لم تناد بخروج المرأة إلى العمل والحرية المطلقة، وإنما الرجال هم الذين دفعوا المرأة إلى العمل للانتفاع بها، فكانت النتيجة أن هوت، وفقدت بيتها وأنوثتها، وإذا كان التاريخ استفظع وأد بعض رعاع العرب لبناتهم دفعًا للعار، فكم يكون استفظاعه لحياة كثيرات من الفتيات في هذه المدينة التي يريد البعض أن يقتدي بها".
следующие страницы →