تأثره بالثورة الفرنسية وآراء الفرنسيين، إذ اقتبس تعاريف "مونتين" و"منتسكو" و"جان جاك روسو١".
وأعنف كتاب نادى بالحرية هو "طبائع الاستبداد" للكواكبي، فقد وضح فيه أثر الاستبداد في فساد الأخلاق والدين والتربية، مبينًا طريق التخلص منه فيقول: "إن الأمة التي ضربت عليها الذلة والمسكنة حتى صارت كالبهائم لا تسأل قط عن الحرية، وقد تنقم على المستبد، ولكن طلبًا للانتقام من شخصه، لا طلبًا للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيد شيئًا، إنما تستبدل مرضًا بمرض كمغص بصداع, إذا كانت الغاية مبهمة في الأول، فلا بد أن يقع الخلاف في الآخر، فيفسد العمل أيضًا، وينقلب إلى فتن صماء، وانقسام مهلك، ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة وإخلاص، وإشهارها بين الناس، والسعي في إقناعهم، واستخلاص رضاهم بها، بل حملهم على النداء بها، وطلبها من عند أنفسهم٢".
وارتبطت مصر -حسب منطق الأحداث- بأوروبا صاحبة أكبر قدر من أسهم قناة السويس، مما ترتب عليه ظهور تيارات اجتماعية، وظواهر أدبية وسياسة في المجتمع المصري بواسطة من يذهبون لأوروبا أو يأتون منها, وشغلت الفكر -لأول مرة- مسائل مثل: رأى الدين في شرب الخمر ومشاهد الرقص والتمثيل، ولبس الزي الأوروبي، وحرية العقيدة والفكر، ومكانة المرأة في المجتمع، وموقف الدين من تعلم العلوم التطبيقية وغيرها، مما لا يستطيع الكثير إذ ذاك أن ينظر إليها نظرة بعيدة عن الدين، ودار حولها جدل ونقاش بين الكتاب والمفكرين وأصحاب المسارح، كانت ثمرته مقالات "حديث عيسى بن هشام" لمحمد المويلحي التي وضحت ما يجب أخذه أو تركه من الحضارة الأوروبية الوافدة.
ومع بوادر الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ دخلت مصر مرحلة جديدة في صراعها مع الاحتلال وبدت واضحة في ثورة الشعب ١٩١٩ التي اقترنت بثورة
стр. 247
فكرية ازدهرت في ظل الدستور الذي كفل حرية التفكير باعتباره العنوان الصحيح على حضارة أي أمة من الأمم.
والمعروف أن مصر شهدت -خلال هذه الفترة- أحزابًا ثلاثة.
الحزب الوطني المحافظ الذي يحترم الدين ويتمسك بمبادئه، والحزب الوفدي الذي لم يصل إلى درجة الحزب الوطني في المحافظة، وحزب الأحرار الدستوريين الذي مال إلى التجديد والتحررح؛ لأن معظم أعضائه تعلموا في فرنسا، وأشربوا معاني الحرية التي جاءت بها ثورتها.
وخرجت بعض الصحف -السياسة- من نطاق الحزبية الضيق إلى آفاق أرحب من التجديد والتثقيف بمدرسة الشعب، وعمل فيها معظم محرري "الجريدة" من أمثال: الشيخ مصطفى عبد الرازق وعلي عبد الرازق وطه حسين ومحمد حسين هيكل وغيرهم من أشربوا روح الحرية، على أن أحمد لطفي السيد جعلها قاعدة لكل إنتاج فكري وإصلاح عام, ومن ثم بدت صحيفة "السياسة" مدرسة فكرية، لها اتجاهاتها ومثلها، تجمع الرواد والأنصار والمؤيدين، مما دفع صحف المعارضة إلى مهاجمة هذا الاتجاه مثل "الأخبار" لأمين الرافعي، و"المنار" للشيخ رشيد رضا، و"البلاغ" لعبد القادر حمزة.
وقادت "السياسة" النضال بين القديم والحديث في اللغة والأدب والدين، وصلته بالعلم والحكم على نظم البحث الحديثة التي تبدأ بالشك: وتنتهي باختيار المذهب الرائق، مما أحدث تطورًا في التيارات الفكرية والأدبية، ومفهوم الحرية والحياة الدستورية، مما حقق ثورة فكرية شاملة، تجلت في قضايا عدة أهمها:
١- قضية المرأة. التي أثارها المرحوم قاسم أمين.
٢- كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق.
٣- كتاب "الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين.
٤- قضية "التبشير" وبطلها الدكتور محمد حسين هيكل.
فالي هذه القضايا، نقف على أسبابها، ونوضح جوانبها، وتبرر موقف الصحف والكتاب منها، ودور المقال فيها.
стр. 248
أولًا: قضية المرأة
ظلت المرأة العربية قعيدة البيت، بعيدة عن التعليم حتى منتصف القرن الماضي، تحتم تقاليد المجتمع عليها أن تستتر بالحجاب عن أعين الرجال، وفي الثلث الأخير من القرن بدأ الحديث عن تعليم الفتاة يتردد في البيئة العربية على لسان رفاعة الطهطاوي المتوفى ١٨٧٣ في كتابه "المرشد الأمين إلى تعليم البنات والبنين" ومما جاء فيه:
"فإن ذلك مما يزيدهن أدبًا وعقلًا، ويجعلهن بالمعارف أهلًا، ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في قلوبهم، ويعظم مقامهن لزوال ما فيهن من سخافة العقل والطيش، مما ينتج من معاشرة المرأة الجاهلة لمرأة مثلها" وطبع هذا الكتاب في ١٨٧٢. وترتب على دعوته أقامة مدرسة للبنات ١٨٧٣، ضمت مائة فتاة، وبعد عام استقبلت أربعمائة يتعلمن القراءة والكتابة والقرآن والحساب وشيئا من الجغرافيا والتاريخ والتطريز١".
ورأى الشيخ محمد عبده: "أن من محاسن الإسلام مساواة المرأة بالرجل في الأمور الجوهرية. وأما تعدد الزوجات فإن الإسلام لم يجوزه إلا لضرورات حقيقية، ولذلك ينبغي إصلاح الحياة الاجتماعية فيما يحسن حياة المرأة"٢. وتناول الموضوع نفسه عبد الله النديم على صفحات "الأستاذ"، وعلي مبارك في الجزء الثاني من كتابه "طريق الهجاء والتمرين على القراءة في اللغة العربية".
وفي الشام شارك بطرس البستاني ١٨١٩-١٨٨٣ الاهتمام بتعليم المرأة. ومن ثم بدأ الحديث عن تعليم المرأة ومساواتها بالرجل يتردد في الصحف والمجلات٣.
стр. 249
وانحصرت الدعوة في تعليم الفتاة مبادئ القراءة حتى يمكنها الاطلاع على كتب الأخلاق، يقول الكاتب الحلبي فرنسيس فتح الله المراش: "ولا عجيب من جعل تربية النساء مقصورة على أبسط العلوم؛ لأن توغلهن في عباب العلوم، ينتهي إلى عكس المطلوب, بحيث تحذو حذو الرجال، وتصبح غير مكترثة لالتزاماتها نحو البيت والعيال، وربما عنّ لها أن تضع نفسها فوق الرجال١. ويقول أحمد فارس الشدياق: "فأما تعليم نساء بلادنا القراءة والكتابة فعندي أنها محمدة، بشرط استعماله على شروطه، وهو مطالعة الكتب التي تهذب الأخلاق، وتحسن الإملاء٢".
وهكذا بدأت دعوة تعليم الفتاة تشيع في مصر والشام في أواخر القرن الماضي، ومن أجلها فتحت المدارس، ومن ثم أخذت الدعوة تشق طريقها في الشرق العربي حتى تلقفها المرحوم قاسم أمين، وتبين الدعوة لها، وضمنها مقالاته التي جمعت -فيما بعد- في كتابيه "تحرير المرأة" الصادر في ١٨٩٩ و"المرأة الجديدة" الذي ظهر بعده بعام.
أثارت كتابات قاسم أمين عن المرأة وحقوقها جدلًا عنيفًا، شغل الرأي العام العربي خاصة في مصر والشام والعراق, لاصطدامها بالتقاليد الموروثة في بلاد العروبة إذ ذاك، ووقف الناس من دعوة قاسم أمين بين معارض ومؤيد.
"رمى المعارضون قاسم أمين على صفحات "اللواء" بأنه ممن تخطف زخاف التمدن بصائرهم، يرى المحاسن ولا يبصر المساوئ، ويقنع بأراء الدوق دراكور، ولا يقنع بمن هم أكثر شهرة وأوسع ثقافة وأوضح عقلًا من كتاب الغرب، مثل: جول سيمون وموليير ولامنس وزولا وهوجو وأمثالهم ممن هاجموا المرأة الأوروبية في حريتها التي عبثت بها٣".
"وتساءل البعض على صفحات الجرائد كيف أمكن لليابان أن تصبح
стр. 250
إحدى الدول العظمى، والنساء فيها لم ينلن شيئًا من الحرية العربية؟ وأية امرأة مثقفة أوروبية اخترعت القطار أو اكتشفت الكهرباء"١.
"وفسحت صحيفة "المؤيد" المجال للمعارضين والمؤيدين معًا، فنشرت لمحمد فريد وجدي -كما نشرت اللواء له- بضع مقالات بدأها متسائلًا:
هل المرأة مساوية للرجل في سائر الحيثيات؟ ويجيب متسائلًا: وهل لدينا دليل حسي على هذا الجواب السلبي أصدق منذ وجود المرأة من ابتداء الخليقة للآن تحت سيطرة الرجل يوجهها كيف شاء، ويحكم عليها بما تقتضي أمياله، إذا كانت المرأة مساوية للرجل من الجهتين الجسمية والعقلية، فلماذا خضعت كل هذه الألوف من الأعلام لسلطان الرجل وجبروته٢".
"ويتهكم أحد الكتاب بدعوة قاسم أمين، ويصور خروج المرأة إلى معترك الحياة، فإذا البيوت مقفرة، والشوارع مزدحمة بالرجال والنساء، والمحال التجارية وقف بها المتحككون بالنساء البائعات، أما الزي فخليط عجيب امرأة بقبعة وامرأة بغيرها، والمقصى قد تحيف الجيوب والذيول والأكمام، والتصقت الملابس بالمرأة حتى صارت كبعض جسمها، أهذا ما تريده؟ إن ما تريده حقا هو تربية المرأة قبل كل شيء".
تلك صورة موجزة للثورة التي دارت بين الكتاب في مصر عقب كتابات المرحوم قاسم أمين حول تحرير المرأة من التقاليد التي فرضت عليها أن تعيش بعيدة عن التعليم، مكبلة بقيود الحجاب.
"ورأى أهل الشام أن دعوة قاسم أمين اقتداء بالغربية لا يقوم على حجة مقبولة؛ لأنها لم تناد بخروج المرأة إلى العمل والحرية المطلقة، وإنما الرجال هم الذين دفعوا المرأة إلى العمل للانتفاع بها، فكانت النتيجة أن هوت، وفقدت بيتها وأنوثتها، وإذا كان التاريخ استفظع وأد بعض رعاع العرب لبناتهم دفعًا للعار، فكم يكون استفظاعه لحياة كثيرات من الفتيات في هذه المدينة التي يريد البعض أن يقتدي بها".
стр. 251
"ومع ذلك فقد طالب أهل الشام بثقافة محدودة للفتاة ولا حاجة لها بالثقافة العريضة لمركزها في الأسرة كأم، واعتبروا مساواتها بالرجل خدعة كبرى، للاختلاف الطبيعي بينها وبين الرجل، والعلم نفسه أثبت ضعف المرأة١".
أما أهل العراق فقد رموا قاسم أمين بالفساد والخروج عن سنن الدين، محتجين بأن السفور يقود إلى المجون وهدم القيم، مما يترتب عليه تفكك الروابط الاجتماعية٢ ولما كان شاعر العراق جميل صدقي الزهاوي شغوفًا بالاطلاع على كل ما يدعو إلى التحرر الفكري والاجتماعي، فقد وجد في دعوة قاسم أمين نصرة المرأة والدفاع عنها، فلم تمض أربع سنوات على تلك الدعوة حتى بعث بمقال جريء إلى جريدة "المؤيد الأسبوعي" القاهرية، ونشر في ١٧ أغسطس ١٩١٠ بعنوان "المرأة والدفاع عنها" ناقش فيه موضوع الطلاق فقال:
"أجاز المسلمون أن يقسو الرجل فيطلق المرأة، ويستبدلها بغيرها كسقط المتاع" ثم يتساءل قائلًا: "لماذا لم يجز المسلمون أن تطلقه لتنجو من شراسته، وقد قال تعالى في كتابه المبين بعد آية الطلاق ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ ؟ لماذا لا يكون لها هذا الطلاق مثلما هو عليها، لتعم المساواة، وتسود العدالة، كما هو مدلول الآية؟! ".
ثم ناقش "حقوق المرأة المهضومة" مناقشة صريحة فقال: "ليست المرأة المسلمة مهضومة من جهة واحدة، بل هي مهضومة من جهات عديدة: فهي مهضومة؛ لأن "عقدة الطلاق" بيد الرجل يحلها وحده، ولا أدري لماذا يجب رضاء المرأة في الاقتران، ولا يجب رضاها في الفراق الذي يعود تبعته عليها وحدها؟! وهي مهضومة؛ لأنها لا ترث من أبويها إلا نصف ما يرثه الرجل، وهي مهضومة؛ لأنها تعد نصف إنسان، وشهادتها نصف شهادة، وهي مهضومة؛ لأن الرجل يتزوج عليها بثلاث أخر، وهي لا تتزوج إلا به. وهي مهضومة؛ لأنها وهي في الحياة مقبورة في حجاب كثيف، يمنعها من شم الهواء ويمنعها من الاختلاط ببني نوعها".
وختم مقاله ببيان "مضار الحجاب" فيما يسببه من مشاق ومتاعب في المجتمع، وختم مقاله بقوله: "أخر المسلمين عن أمم الأرض حجاب تشقى به المسلمات! " فثار رجال الدين عليه ثورة عارمة، مما جعله يختفي في بيته خوفًا على حياته، واعتبره الشيخ سعيد النقشبندي -من كبار علماء بغداد- كافرًا زنديقًا، وألف رسالة في الرد عليه سماها "السيف البارق، في عنق المارق" وطالب البعض بعزله من وظيفته من والي بغداد "ناظم باشا" مما دفع جميل صدقي الزهاوي أن يتراجع عن رأيه وينكر كتابته للمقال.
ويلاحظ أن نقاش أهل الشام لقضية المرأة أهدأ من نقاش أهل العراق؛ لأن المرأة عندهم أكثر حرية من المرأة العراقية، لأثر الجاليات الأجنبية في الحياة الشامية.
أضافت المعركة التي أثيرت حول "قضية المرأة" إلى تراثنا العربي المعاصر مقالات عديدة، وكتب متنوعة، وبحوث مختلفة أهمها ما يلي:
стр. 252
وهي مهضومة؛ لأن الرجل يتزوج عليها بثلاث أخر، وهي لا تتزوج إلا به. وهي مهضومة؛ لأنها وهي في الحياة مقبورة في حجاب كثيف، يمنعها من شم الهواء ويمنعها من الاختلاط ببني نوعها".
وختم مقاله ببيان "مضار الحجاب" فيما يسببه من مشاق ومتاعب في المجتمع، وختم مقاله بقوله: "أخر المسلمين عن أمم الأرض حجاب تشقى به المسلمات! " فثار رجال الدين عليه ثورة عارمة، مما جعله يختفي في بيته خوفًا على حياته، واعتبره الشيخ سعيد النقشبندي -من كبار علماء بغداد- كافرًا زنديقًا، وألف رسالة في الرد عليه سماها "السيف البارق، في عنق المارق" وطالب البعض بعزله من وظيفته من والي بغداد "ناظم باشا" مما دفع جميل صدقي الزهاوي أن يتراجع عن رأيه وينكر كتابته للمقال.
ويلاحظ أن نقاش أهل الشام لقضية المرأة أهدأ من نقاش أهل العراق؛ لأن المرأة عندهم أكثر حرية من المرأة العراقية، لأثر الجاليات الأجنبية في الحياة الشامية.
أضافت المعركة التي أثيرت حول "قضية المرأة" إلى تراثنا العربي المعاصر مقالات عديدة، وكتب متنوعة، وبحوث مختلفة أهمها ما يلي:
أولًا: كتب المعارضين
١- تربية المرأة والحجاب لمحمد طلعت حرب.
٢- السنة والكتاب في حكم التربية والحجاب لمحمد إبراهيم الغاياتي.
٣- الجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس لمحمد أحمد حسنين البولاقي.
٤- خلاصة الأدب لحسين الرفاعي.
٥- نظرات السفور والحجاب لمصطفى الفلايني.
٦- قولي في المرأة لمصطفى صبري.
٧- رسالة "مشروعية الحجاب" لمصطفى نجا.
٨- رسالة "الفتى والفتاة" لعبد الرحمن الحمصي.
стр. 253
وغيرها من الكتب التي عارضت دعوة قاسم أمين في تحرير المرأة, وأهم هذه الكتب وأكثرها عنفا الكتاب الأول، ولذا سنقف عنده قليلًا, بدأ المرحوم محمد طلعت حرب كتابه -تربية المرأة والحجاب- بالحديث عن مستوى المرأة ووظيفتها خلص منه إلى أن الطبيعة فرقت بين عمل المرأة وعمل الرجل فقال:
"إن للمرأة أعمالًا غير ما للرجل، ليست بأقل أهمية من أعماله ولا بالأدنى منها فائدة، وهي تستغرق معظم زمن المرأة إن لم تقل كلمة: رجل يسعى ويكد ويشقي ويتعب ويشتغل ليحصل على رزقه ورزق عياله، وامرأته ترتيب له بيته وتنظف له فرشه، وتجهز له أكله، وتربي له أولاده، وتلاحظ له خدمه، وتحفظ عينه عن المحارم، وهو يسكن إليها١".
وفي الباب الثاني يتناول "تربية المرأة" وما يكاد يبسط القول فيه حتى يسلم برأي قاسم أمين فيقول: "على أن لا شيء يمنع المرأة من التوسع في العلوم والمعارف إذا وجدت عندها قابلية من نفسها, وكان وقتها يسمح لها به كما أنه لا شيء يمنعها عند اقتضاء الحاجة من أن تتعاطى من الأعمال بعض ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقاتها٢".
ويختم المؤلف كتابه بعد مناقشة موضوعية هادئة حول "مشروعية الحجاب" متمسكًا برأي قاسم أمين نفسه حين قال: "الحجاب أصل من أصول الأدب، إلا أن المطلوب أن يكون منطقيا على ما جاء به الشرع٣".
ثانيًا: كتب المؤيدون
١- المرأة في الشرائع والتاريخ - لمحمد جميل بهيم.
٢- تحرير المرأة في الإسلام - لمجدي الدين ناصف.
٣- رسالة نهضة المرأة المصرية والمرأة العربية - عبد الفتاح عبادة.
стр. 254
٤- أكليل غار على رأس المرأة - لجورجي نقولا باز.
٥- النسائيات - لملك حفن ناصف.
وغيرها من الكتب التي ألفها النساء بعد ذلك في الدفاع عن قضية المرأة.
وكان أنصار قاسم أمين يقابلون تهكم المعارضين بتهكم أشد، وهجوم أعنف، مثل قول ولي الدين يكن: "قالوا إن تعليم البنات مهبع إلى إفسادهن وما القائلين بذلك من تعلمت أمة وعرفت فسادها، إن هو إلا لجاج مبين، أبى القدماء مزايلة عاداتهم فضلوا وأضلوا، وحسبوا عصر أبنائهم مثل عصرهم فشقوا وأشقوا، حتى إذا كانت العاقبة فإذا هم في أجدائهم راقدون لا يسمعون فنقص عليهم قصص من خلفوا، ولا يتعظ بمصارعهم من عاش بعدهم, ورأى خطأهم، ومن لم تعظه العبر لا تؤالمه وقعات الصروف١".
ولم تمض سنوات على دعوة قاسم أمين لتعليم الفتاة وخروجها للعمل حتى سارت بعده خطوات واسعة، ووجدت أعوانًا وأنصارًا: "لم يعد ذلك الذي دعا إليه قاسم أمين هو شغل الناس بعد الحرب، فقد أخذت الأمور تتطور تطورًا سريعًا حتى أصبحت دعوة قاسم أمين وقد استنفدت في وقت وجيز كل أغراضها، واندفع الناس إلى ما وراءها في سرعة غير منظمة، فقد خلعت المرأة النقاب، ثم استبدلت المعطف الأسود بالحبرة، ثم لم تلبث أن نبذت المعطف وخرجت بالثياب الملونة، ثم أخذ المقص يتحيف هذه الثياب في الديول وفي الأكمام وفي الجيوب، ولم يزل يجور عليها فيضيقها على صاحبتها حتى أصبحت كبعض جلدها, ثم إنها تجاوزت ذلك كله إلى الظهور على شواطئ البحر في المصايف بما لا يكاد يستر شيئًا. ولم تعد عصمة النساء في أيدي أزواجهن، ولكنها أصبحت في أيدي صانعي الأزياء في باريس من اليهود ومشيعي الفجور، وقطعت المرأة مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي، واقتحمت الجامعة مزاحمة فيما يلائمها وفيما لا يلائمها من ثقافات وصناعات،
стр. 255
وشاركت في وظائف الحكومة، ثم لم تقف مطالبتها عند حد في الجري وراء ما سماه أنصارها "حقوق المرأة أو مساواتها بالرجل" وكأنما كان عبثًا أن خلق الله سبحانه الذكر والأنثى، وأقام كلا منهما فيما أراد، وامتلأت المصانع والمتاجر بالعاملات والبائعات، وحطم النساء الحواجز التي كانت تقوم بينهن وبين الرجال في المسارح وفي الترام وفي كل مكان, فاختفت المقاعد التي جرت العادة على تخصيصها للسيدات، بعد أن أصبحن يفضلن مشاركة الرجال١".
لعبت الصحف دورها في معركة تحرير المرأة بما كانت تنشره من استفسارات تبغي من ورائها الأنظار ومشاركة أنصار التحرر مثل رد الدكتور "فيليب متى" فيما تستبقيه المرأة الشرقية من أخلاقها التقليدية وما تقتبسه من المرأة الغربية يقول: "للمرأة كما للرجل سواء كانت المرأة شرقية أم غربية، الحق المطلق في الاستمتاع بكل الوسائل الضرورية لحفظ حياتها التامة ولنموها المستمر وتقدمها المطرد جسديا وعقليا وروحيا, وكل ما وقف في سبيل ذلك هو شر يجب إزالته, هنا تأتي مشاكل البرنيطة والحجاب والمشد وقص شعر الرأس والرقص والغناء والتياترات. ولعب الورق إلى آخر ما هنالك, من المسائل التي تشغل في هذه الأيام أفكارنا, كل هذه المشاكل -في نظري- يجب أن تقرر بموجب هذا المبدأ الأخير, هل هذه الأمور تساعد المرأة على النمو الجسدي والعقلي والأدبي، أو تعوقها عنه، لكل امرأة -ولكل رجل- أن تحكم نفسها أو يحكم نفسه, فإن كان لعب الورق مثلًا لا يقف عثرة في سبيل تقدم الفرد بل يساعده على النمو فهو جائز حلال وإلا فهو خطيئة، ولا نستطيع في أحوال كهذة أن نضع أحكامًا عامة تتناول الجميع، بل يجب الحكم في كل حادثة لنفسها، وعلى كل فرد لنفسه٢".
تلك هي قضية تعليم المرأة التي أثارها المرحوم قاسم أمين، ولم تكن كما قال المرحوم شكيب أرسلان١ مسألة شعور وحجاب وتعليم وجهل. وإنما سلسلة متصلة دفع دعاة المدنية الغربية المجتمع إليها دفعًا حتى لا يكونوا في مجتمع يختلف تقاليده عن تقاليدهم التي اكتسبوها من معايشتهم لغيرهم من أبناء المجتمعات الأوروبية.
стр. 256
ثانيًا: كتاب "الإسلام وأصول الحكم "
مؤلف هذا الكتاب الشيخ علي عبد الرازق ١٨٨٨-١٩٦٦ تلميذ الإمام محمد عبده، والحائز على العالمية من الأزهر الشريف ١٩١١.التحق بجامعة "اكسفورد" للحصول على درجة علمية في الاقتصاد والعلوم السياسية، لكن الحرب العالمية حالت دون تحقيق رغبته فعاد لمصر، وأقام زمنًا بالأسكندرية ألقى خلالها دروسًا في الأدب العربي وتاريخ الإسلام بالمعهد الأسكندري, وعمل بالقضاء الشرعي ١٩١٥، وظل به حتى فصل ١٩٢٥ بعد نشر كتابه هذا, وتولى وزارة الأوقاف مرتين: الأولى في وزارة النقراشي والثانية في وزارة إبراهيم عبد الهادي ١٩٤٧. كانت تربطه صداقة وطيدة بالدكتور محمد حسين هيكل، دعمها انتماؤهما لمدرسة التجديد التي ضمت أكثر المنادين بالتجديد والتحرر في الفكر الغربي الإسلامي.
أثار الكتاب منذ نشر ١٩٢٥ معركة دينية وفكرية وسياسية؛ لأنه هاجم الخلافة الإسلامية والنظام الملكي في صراحة وجرأة، ومما جاء فيه: "والحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيئوا حولها من رغبة ورهبة وعزة وقوة, والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية, كلا ولا القضاء ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة, وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نص عليها, إنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة" واستند في هدم الخلافة على الأدلة التالية:
стр. 257
أولًا: الخلافة هي الرياسة العامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن محمد ﷺ وخلفائه من بعده مع الالتزام بحدود الشرع، مؤكدًا أن الأدلة في تأييد الخلافة لا تكفي لفرض هذا الحكم أو تأييده على الأقل١.
ثانيًا: خلو القرآن والسنة من العبارات التي تؤيد الخلافة تأييدًا صريحًا، بحيث يلتزم المسلمون، ويقرر أن الخلافة لم توجد بالإجماع، ولم تقم بعد أبي بكر وعمر وعثمان على الاختيار الحر، وإنما قامت على السيف "فلذلك الذي يسمى عرشًا لا يرتفع إلا على رءوس البشر، ولا يستقر إلا فوق أعناقهم, وذلك الذي يسمى تاجًا لا حياة له إلا بما يأخذه من حياة البشر، ولا قوة إلا بما يغتال من قوتهم٢".
ثالثًا: يرى أن الرأي القائل بتنصيب الإمام أو الخليفة، يتوقف على إظهار الشرائع الدينية وصلاح الرعية فيقول: "معاذ الله ... لا يريد الله جل شأنه لهذا الدين الذي كفل له البقاء أن يجعل عزه وذله مرتبطين بنوع من الحكومة، ولا يصنف من الأمراء! ولا يريد الله جل شأنه بعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن لخلافة ولا تحت رحمة الخلفاء٣". ويذهب إلى أن القرآن الكريم لم يحدد شكلًا معينًا من أشكال الحكومة.
رابعًا: الأنظمة والقواعد التي شرعها الإسلام ليست من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية، وإنما هو شرع ديني خاص لمصلحة البشر الدينية، فلا حاجة لنا في الخلافة في أمور الدين أو الدنيا؛ لأن الخلافة كانت وما زالت نكبة على الإسلام والمسلمين.
стр. 258
خامسًا: لا حاجة لزعيم يخلف محمدًا في زعامة إسلامية؛ لأنه رسول نبي فقط، واستدل من القرآن بخمس وأربعين آية منها: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ١ وأكد من السنة النبوية أن محمدًا -كالرسل- ليس ملكًا ولا مؤسس دولة، وخلص إلى الأسباب التي أدت إلى تسمية أبي بكر ومن جاء بعده بلقب "الخليفة" ثم استغل من جاء بعدهم كلمة "الخلافة" لما يحيط بها من قداسة، فتمسكوا باللقب ليحموا مقاصدهم من الثائرين.
وختم المؤلف كتابه قائلًا: "وتلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين أضلوهم عن الهدى، وعموا عليهم وجوه الخير، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضًا استبدوا بهم وأذلوهم، وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعًا"٢.
أثارت هذه الآراء عاصفة هوجاء، واشتد الجدل حولها، وهاجمت قوى عديدة الكتاب وصاحبه. وكانت بداية لكثير من الدراسات والمؤلفات عن مبادئ السياسة ونظام الحكم في الإسلام، ونشط رجال الدين فألفوا الكتب، ونشروا المقالات من أمثال:
١- كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم لشيخ محمد الخضر حسين.
٢- كتاب "نقض علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم لمحمد طاهر بن عاشور مفتي المالكية في تونس".
٣- كتاب "حقيقة الإسلام وأصول الحكم" للشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية.
стр. 259
٤- كتاب "نظام الحكم في الإسلام" لمحمد يوسف موسى.
٥- كتاب "النظريات الإسلامية السياسية" لضياء الدين الريس.
٦- كتاب "الحكومة الإسلامية" لمحمد حسين هيكل.
٧- كتاب "الإسلام والسياسة" لحسين فوزي النجار.
٨- كتاب "الدولة والإسلام" لخالد محمد خالد.
٩- كتاب "ثلاث معارك فكرية" لمختار التهامي. وتدور موضوعات هذا الكتاب حول كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين، وكتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وكتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق.
ومما أضعف موقف هؤلاء العلماء حرصهم على إرضاء الملك فؤاد. أهدى الشيخ محمد الخضر حسين كتابه على النحو التالي: "إلى خزانة حاضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر المعظم, راجيًا أن يتفضل عليه بالقبول، والله يحرص ملكه المجيد، ويثبت دولته على دعائم العز والتأييد" في الوقت الذي صدر علي عبد الرازق كتابه بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله، ولا أعبد إلا إياه، ولا أخشى أحدا سواه".
وانتهى الأمر بمحاكمة علي عبد الرازق أمام هيئة من كبار العلماء بالأزهر، وإخراجه من زمرتهم، وإقصائه عن القضاء، وتجريده من العالمية التي تؤهله للوظائف الحكومية، ولعب المقال دوره في هذه المعركة الفكرية التي خاض غمارها نفر من الكتاب بين ميؤدين ومعارضين، كتب طه حسين مقالًا ساخرًا يهنئ الشيخ بخروجه من زمرة الأزهريين ونشرته صحيفة "السياسة" يقول فيه: "إيه أيها الطريد من الأزهر، تعال إلي نتحدث ضاحكين من هذه القضية المضحكة، قصة كتابك والحكم عليه وعليك وطردك من الأزهر. ما بال رجال الأزهر لم يقضوا على كتابك بالتمزيق، فقد كان يلذنا أن نرى نسخه في صحن الأزهر أو أمام "باب المزينين" -اسم حارة في حي الأزهر- أو في ناحية من هذه الأنحاء التي لا يأتيها ولا يصل إليها المنكر ولا يسمى الأخيار والأبرار، ثم تضرم فيها النار ... ودعنا نتحدث في حرية ولا تكن أزهريا، فقد أخرجت من الأزهر، ثم تعالى نجد،
стр. 260
فقد آن لنا أن نجد, ما هذه الهيئة التي أخرجتك من الأزهر؟ وما سلطتها الدينية على أي آية من كتاب الله، أركن هي من أركان الإسلام كالإمامة، كلا إنما هي بدعة لا يعرفها القرآن الكريم، ولا تعرفها السنة المطهرة ولا النظم الإسلامية, وهي بدعة فليس تحكمها صفة دينية، ومن قال غير ذلك فهو آثم؛ لأن هذا النظام يشبه أن يكون من نظم النصارى لا من نظم المسلمين, للنصارى مجلس للأساقفة، ومجلس للكرادلة ولهم باب، أما نحن فليس لنا من هذا كل شيء، فسلام عليك أيها الطريد, وإلى اللقاء"١.
وكتب الشيخ علي عبد الرازق عقب حكم هيئة كبار العلماء عليه بصحيفة "السياسة" فقال: "لا جرم أننا تقبلنا مسرورين إخراجنا من زمرة العلماء، وقلنا كما يقول القوم الذين إذا خلصوا من الأذى قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الأذى وعافانا"٢.
ودافع محمد حسين هيكل عن الكتاب وصاحبه فقال: "وماذا نقول في عالم من علماء الإسلام يريد ألا يكون للمسلمين خليفة في وقت يطمع فيه كل ملك من ملوك المسلمين، وكل أمير من أمرائهم في أن يكون خليفة؟ ثم ماذا تقول في عالم مسلم مصري يقول بوجوب ارتباط مصر وإنجلترا برباط الصداقة، ويذهب في ذلك مذهب المتطرفين ثم يقف في وجه إقامة خليفة، وأن يكون هذا الخليفة واحدًا من الملوك والأمراء الواقعين تحت نفوذها؟! أو لم يكن الأولى له والأجدر به أن يترك الخلق للخالق حتى ينام الخليفة فيرضى أمير، وأن غضب أمراء! وترضى إنجلترا. وقد يكون في رضاها ما يقرب المسائل المعلقة بيننا وبينها؟! ما أظن واحدًا من أصدقاء الشيخ علي عبد الرازق، بل ما أظن الشيخ نفسه إلا يرى أمام هذه الاعتبارات. أن الشيخ قد أخطأ خطأ بينا يستحق عليه المحاكمة؟! "٣.
стр. 261
وأدرك الناس أن القضية سياسية في المقام الأول، ولكنها ليست ثوبًا دينيا، يقول المرحوم عبد الرحمن الرافعي في كتابه "في أعقاب ثورة ١٩١٩" "أن كتاب الإسلام وأصول الحكم كان في ظاهره يعارض الخلافة الإسلامية، أما في حقيقته فإنه يعارض النظام الملكي, وقد هاجمه الملك والحكومة بأساليب تستثير العواطف الدينية, ولكن الرأي العام كان أنضج من أن يتأثر بالدعاية الدينية التي كثيرًا ما يستخدمها دعاة الحكم المطلق وسيلة للتضليل بالشعب، فلم يكترث لهذه الدعاية التي ليست من الدين في شيء، وذلك على تقدمه في الوعي السياسي والديني معًا، وظل منكرًا متهاونًا لهذا النظام الذي أهدر حقوقه السياسية".
وبلور الدكتور محمد حسين هيكل -في تلك الفترة- مفهوم "حرية الفكر" من خلال مقالاته التي نشرتها صحيفة "السياسة", وأروع مقالاته المقال الذي كتبه بعد صدور الحكم على الشيخ علي عبد الرازق بعنوان "بعد قرار العلماء" خاطبه فيه في أسلوب ساخر فقال: "تعال نضحك فقد كان كتابك مصدرًا لتغير الأرثوذكسية في الإسلام١، ولست أنت الذي غيرها أيها الطريد المسكين، وإنما غيرها الذين طردوك وأخرجوك من الأزهر نعم كان أهل السنة، وما زالوا يرون أن الخلافة ليست ركنًا من أركان الدين، وأن الشيعة فسقوا حين عدوها كذلك, فلما قلت للناس في كتابك ما أجمع عليه أهل السنة، غضب عليك أهل الأزهر، ورموك بالابتداع والإلحاد، وأخذوا يقولون: إن الخلافة أصل من أصول الدين، وقد كنا نعلم أن القاهرة مركز أهل السنة وموطن الأشاعرة ومستقر الأرثوذكسية الإسلامية، فسبحان من يغير ولا يتغير: أصبحت "القاهرة" "كطهران" مركز الشيعة، وإنها بناء صلاح الدين؟! ولم لا؟ ... الشيعة هم الذين بنوا القاهرة وهم الذين بنوا الأزهر وشيدوه، أليس الفاطميون هم الذين أنشئوا المدينة ومسجدها الجامع؟ فأي عجب أن تعود مدينة القاهرة شيعية كما كانت يوم أسسها الفاطميون؟! وأي عجب في أن يعود الأزهر شيعيا كما كان يوم بناه الفاطميون؟! "٢.
واستمر هيكل يدافع عن حرية الرأي اعتمادًا على ما قرره الدستور، حتى تسود البلاد وتستقيم الأمور.
وعلى أي حال فقد كان كتاب "الإسلام وأصول الحكم" نقطة تحول في البحث عن الإسلام والسياسة بعد أن انقطع الحديث عنهما قرونًا منذ ابن تيمية وابن حزم وابن خلدون وغيرهم، وبدأت المكتبة المصرية تحفل بالكتب القيمة التي بسطت المبادئ والقواعد المتعلقة بشئون الدولة الإسلامية، كما كان الكتاب نقطة انطلاق شارك فيها علماء الدين وكبار الساسة وأصحاب الفكر بمقالاتهم، فاتسعت دائرة الجدل، ولم يعد الموضوع الأساسي هو الخلافة الإسلامية، وإنما أصبح موضوع الدولة في نظر الإسلام دينا وشريعة وتاريخًا.
стр. 262
ثالثًا: كتاب "في الشعر الجاهلي "
مؤلف هذا الكتاب الدكتور طه حسين ١٨٨٩-١٩٧٣ أستاذ اللغة العربية بالجامعة المصرية بعد أن تحولت حكومية في ١٩٢٤. كان متفتحًا للأراء المجددة في الأدب والحياة على الرغم من تنشئته في بيئة الأزهر المحافظة, ارتبط بعد عودته من باريس بأحمد لطفي السيد والمثقفين من حزب الأحرار الدستوريين، وبدأ ينشر في "السياسة" دراسات في شكل مقالات أسبوعية، جمعت -فيما بعد- في كتاب "حديث الأربعاء" منذ تولى التدريس بالجامعة، بدأ يدرس الشعر الجاهلي مطبقًا موازين النقد الأوروبي, مختارًا منهج "ديكارت" الفلسفي الذي يقوم على الشك حتى يصل الباحث به إلى اليقين، وانتهى من دراسته إلى نظرية انتحال الشعر الجاهلي، وأنه يمثل حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم أكثر من حياة الجاهليين، وأن ما ينسب من شعر إلى امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم وغيرهم، إنما هو من انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صفة النحاة، أو تكلف القصاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين وعلماء الجدل، أو جاء لنشر دعوة سياسية أو إرضاء للعصبيات.
أثار كتاب "الشعر الجاهلي" حين نشر ١٩٢٦ عاصفة سياسية،
стр. 263
انعكست على البرلمان الوفدي برياسة سعد زغلول ضد صاحبه، وكادت تعصف بوزارة عدلي يكن، وانتهى الأمر بمصادرة الكتاب، وتقديم مؤلفه إلى القضاء للنظر في هذه القضية.
اتهم طه حسين بالطعن في الدين الإسلامي دين الدولة، وأنه أنكر وجود إبراهيم قبل محمد ﷺ ، وأنه وإسماعيل لم يبنيا الكعبة، لكن طه حسينا أنكر ما وجه إليه من تهم، وأنه مسلم لا يرتاب في وجود إبراهيم وإسماعيل، وما يتصل بهما مما جاء في القرآن الكريم، لكنه كباحث مضطر إلى أن يذعن لمناهج البحث العلمي الذي لا يسلم بالوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل إلا إذا أثبت وجودهما بالدليل الذي يقبله العلم.
وشرح طه حسين رأيه في صحيفة "السياسة الأسبوعية" فقال: "كل امرئ منا يستطيع لو فكر أن يجد نفسه شخصيتين متميزتين، إحداهما عاقلة تبحث وتنقد وتحلل، وتغير اليوم ما ذهب إليه أمس، وتهدم اليوم ما بنته أمس, والأخرى شاعرة تلذ وتألم، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب وترهب، كل ذلك في غير نقد ولا بحث ولا تحليل، وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا لا نستطيع أن نخلص من إحداهما، فما الذي يمنع من أن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة، وأن تكون الشخصية الثانية ممتعة مطمئنة وطامحة إلى المثل الأعلى"١.
رد كثير من الكتاب على كتاب طه حسين في الصحف باعتدال تارة، وعنف أخرى. جمعت مقالات الردود في كتب نشرت فيما بعد، فكان منها "الشهاب الراصد" لمحمد لطفي جمعة، وكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد الخضر حسين، وكتاب "نقد كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد فريد وجدي، ونشرت مقالات هذه الكتب في صحف المعارضة للأحرار الدستوريين.
وعلى الرغم من إعادة طبع الكتاب بعد حذف أشياء منه، وأضافت
стр. 264
أخرى عليه، وخرج باسم "في الأدب الجاهلي" فقد ظلت الثورة قائمة عليه نحو ما عرف عن أحمد الغمراوي في كتاب "النقد التحليلي في الأدب الجاهلي" ومصطفى صادق الرافعي في كتابه "تحت راية القرآن".
ناقش هؤلاء الكتاب طه حسين في تطبيقه لمنهج "ديكارت" على الشعر الجاهلي، وهل يجعل الشك وسيلة للشك نفسه، أم هو وسيلة لليقين، وراجعوه في بعض الفروض والنتائج والأدلة والبراهين؛ لأن طه حسين عدد دوافع الشك في الشعر الجاهلي فيما يلي:
١- عدم تمثيله الحياة الدينية والعقلية والسياسية والاقتصادية.
٢- عدم تمثيله ما أشيع في الجنوب من اللغة الحمرية.
٣- لا يحتوي على ما يجري في لغة العدنانيين الشماليين من لهجات متفاوتة.
٤- رد أسباب الانتحال إلى السياسة والدين والقصص والشعوبية واختلاف الرواة الوضاعين.
وحملت صحيفة "السياسة" اليومية والأسبوعية أمانة الفكر، ودافعت عن الكتاب ومؤلفه، وردت على مزاعم مهاجميه في الصحف الأخرى. ويؤيد محمد حسين هيكل طه حسين في حرية رأيه بعد تقديمه إلى النيابة للتحقيق، فيقول: "ما يميز البحث العلمي عن سائر البحوث إمكان تحقيقه، كما يكون التحقيق في العلوم الطبيعية بالتجربة أو الملاحظة فهو في العلوم النظرية وفي التاريخ بالرجوع إلى المصادر ودقة تفسيرها ومقارنتها بغيرها، وقد يستغنى عن هذا التثبت في بعض الآحايين بما يقتضيه البحث العلمي من الإشارة في هامش الكتاب١".
ويأخذ على المؤلف إهماله التثبت والإشارة في الهوامش فيقول هيكل: "والبحث العلمي يقضي إمكان تحقيقه علميا بتحقيق مراجعه والمقارنة بينها، ولهذا نرى العلماء لا يكتفون أكثر الأحيان بالإشارة في هوامش كتبهم
стр. 265
إلى المراجع التي أخذوا عنها والتي يناقشوها بل يذكرون لك كذلك أسماء المراجع الأخرى التي قد تتفق في الرأي معهم، كما يذكرون المراجع التي تخالفهم١".
والخلاصة أن قضية الشعر الجاهلي أسفرت عن وضع أصول جديدة للبحث الأدبي، ترجع إلى جانب علمي يقوم على فحص النصوص الأدبية وتحقيقها واستنباط دلالاتها مع الدقة في التفسير، والتعليل في الأحكام، والتحليل السليم، ومعرفة ما يحيط بها من ظروف ومؤثرات, والجانب الآخر فني يتصل بنقد النصوص وتصوير شخصيات أصحابها، حتى يحيل التاريخ الأدبي إلى عمل ممتع يلذ العقل والشعور معًا.
ويمكن القول بأن قضية الشعر الجاهلي قد أسفرت عن طبيعة الخلاف بين رجال الدين ورجال العلم، يؤكد هذا هيكل ويوجزه في أنه "خلاف على السلطة ونظام الحكم، وقد انتصر رجال العلم ونظموا الحكم واستأثر أنصارهم به في كل أنحاء العالم المتمدن، وبقي لرجال الدين الإشراف على قيام جوهر الدين في النفوس إشراف نصيحة وإرشاد لا إشراف حكم وسلطان٢".
стр. 266
رابعًا: قضية التبشير
ترتبط هذه القضية بالفترة من ١٩٣٠-١٩٣٣ التي تولي إسماعيل صدقي الوزارة فيها، ضاقت البلاد خلالها من أساليب الفساد والتعسف والقهر والبطش والقوة وتعطيل الدستور وكبت الحريات وتكبيل الأفكار. ناهيك بالأزمة المالية التي اجتاحت البلاد، وكادت تعصف بجموع الأمة. وترتب على سياسة وزارة إسماعيل صدقي أن "اضطرب الجو وحفل ببواعث القلق ودواعي الخوف من المستقبل -القريب فضلًا عن البعيد- واكفهر الأفق، واكتظ بالاحتمالات المخيفة، فقبض أصحاب الأموال أيديهم،
стр. 267
وركدت الأسواق، ووقفت حركة التجارة، وبدت الوزارة أعجز ما تكون حتى عن علاح حالتها هي فضلًا عن حالة البلاد، وضعفت الثقة واشتد الخطب بما لجأت إليه الوزارة وانصرفت له من إنشاء حزبها وجمع المال له ومطاردة خصومها واضطهادهم١".
في هذه الأجواء المخيفة شهدت مصر الحملة التبشيرية، فارتاع الناس، وأخذوا ينظرون إلى موقف الحكومة منها، تألفت جمعية لمقاومة هذا التبشير، واتخذت دار الشبان المسلمين مقرا لها، وكان من أعضائها الشيخ محمد مصطفى المراغي، والدكتور محمد حسين هيكل وغيرهما.
اشتركت الصحف المصرية في مقاومة هذه الحملة، والوقوف في وجهها مهما كلفها ذلك سوى صحيفتي "الشعب والاتحاد٢. قالت صحيفة "البلاغ" عن حوادث التبشير: "لقد كثرت حوادث المبشرين، ولم ينس الناس بعد حادث صمويل زوعر في الأزهر، ولا حادث خطف الفتاة من شبين القناطر، ولا نظن حكومة مهما ضعفت ترضى لنفسها ولشعبها هذا الهوان بدعوى الامتيازات الأجنبية، ولكن كيف يطمع أحد في أن تقف الوزارة الحاضرة موقفًا جادا إزاء هذه الحوادث, وهؤلاء المبشرون يلقون -باعتراف صحف الوزارة- في دور الحكومة كل مجاملة وكل مساعدة٣".
وقالت صحيفة "الجهاد": "الواقع أن التبشير حركة استعمارية وليست حركة هداية إلى دين إلهي أيا كان الذي تدعو إليه، فإننا لا نعرف دينًا من الأديان يوصي بالفن والخيانة، إنها أحاييل للعيش ينصبها المستعمرون لخدمة المطامع السياسية، ويتوسلون إليها بإناس يرتزقون من هذه المواد٤".
стр. 268
واهتمت الصحف بكشف ما تستهدفه حركة التبشير من إضعاف معنويات الشعب، وزعزعة عقيدته، وتطالب الحكومة بحماية الناس من خطورتها لا سيما على السذج والصغار منهم. يقول هيكل: "إغراء الناس بالوسائل المادية لحملهم على تغيير مذهبهم أو عقيدتهم أو رأيهم، هو محاربة دنيئة لهذه الحرية، وهو استغلال للضعف الإنساني كاستغلال المرابي حاجة مدينه ليقرضه بالربا الفاحش, والتبشير فضلًا عن هذا مناف لقواعد الخلق، ما دام يتم في الظلام، ولا يصارح القائم به الناس برأيه ليناقشوه هذا الرأي، وليبينوا ما فيه من زيف أو إفساد١".
ووقفت صحيفة "السياسة" من حركة التبشير موقفًا عنيفًا، ففتحت صفحاتها لنفر من رجال الفكر والدين معًا، فنشرت عشرات المقالات التي دبجت في هذه الحملة مثل المحاضرة التي ألقاها الشيخ علي عبد الرازق عن الدين، تعرض فيها لحملة التبشير في جرأة بالغة، وقال فيها إن الإسلام قوي ولا يؤثر فيه التبشير٢ وجاءت مقالاتها على النحو التالي:
- التبشير والسياسة التي تؤازره. ٣
- حديث المراغي عن التبشير. ٤
- التبشير بالتعذيب. ٥
- حديث عن التبشير. ٦
- حول التبشير. ٧
- تصريح الحكومة عن التبشير. ٨
стр. 269
- انتشار مآسي التبشير.١
- رجال الدين والأزهر وموقفهم من التبشير.٢
- تغريب الشرق والتبشير.٣
- حوادث التبشير في مصر حلقة من سلسلة الغارات على العالم الإسلامي٤.
- حركة التبشير، حملة على المبشرين ومؤيديهم.٥
- غزو العقيدة الإسلامية غاية التبشير.٦
- العذاب في سبيل العقيدة: حديث الأستاذ الأكبر عن التبشير.٧
- خطر الحركة التبشيرية وعقد مؤتمر إسلامي.٨
- تبعاتنا كمصريين عما يقع من التبشير. ٩
- حديث عن التبشير مع إبراهيم الهلباوي.١٠
- مسئولية الوزارة الحاضرة عن حوادث التبشير.١١
- ملايين الجنيهات للهيئات التبشيرية.١٢
- التبشير والأقليات ... إلخ.١٣
стр. 270
وكان من أثر حركة التبشير أن اندفع هيكل إلى مقاومتها بطريقة مثلى فرضت عليه أن يبحث حياة محمد ومبادئه بحثًا علميا, ويعرضه على الناس في صورة رائعة، وثوب قشيب، يرضي المسلم وغيره، فبدأ يقرأ كتاب الكاتب الفرنسي "أميل درمنجم" عن حياة محمد، ونشر عنه بحثًا في السياسة الأسبوعية١ فأقبل الناس عليه إقبالًا لا نظير له.
استمر محمد حسين هيكل أربعة أعوام يمحص حياة محمد وتعاليمه، فأزكى الثورة الأدبية والصحفية والدينية يقول هيكل: "ليقتحم أدبنا إذن ماضينا، وليقتحم هذا الماضي بأدوات البحث الأدبي وبأساليب الكتابة الحاضرة وليقتحم هذه الميادين غير هياب ولا متردد، وليقتحمها بروح الثورة التي اقتحم الأدب العربي تراث اليونان، وليقلب في هذا الماضي ما شاء له التقلب والتنقيب بروح البحث والتمحيص والحرص على الحق لوجه الحق وحده, الحق في أسمى صوره التي تلتمسه الإنسانية على الأجيال، فتكاد تلمسه أحيانًا حين يكشف عنه أنبياء الإنسانية وشعراؤها وكتابها، ثم لا يلبث أن يفلت من يدها لأول ما تقر بها المادة وتلهبها عن جادة هذا الحق الصحيح". وقال: "الحق الذي تقوم الحضارات على أساسه والذي يدعمه الأدب أسنة أقلام كبار الموهوبين من كتاب، هو الحق في صلة الإنسان بالوجود كله، بهذه الأقلام التي ترى، وبهذه السموات التي تغمرها، وبالروح الفياض بالضياء فالذي يحيط بذلك كله ويبعث إليه الحياة والنور، هذا الروح الذي لا نور ولا حياة ولا وجود من دونه، وصلة الإنسان بالوجود وبهذا الروح الذي ينتظم الوجود جميعًا، هي الحقيقة العليا التي يجب أن تكون مطمح كل باحث وكل كاتب٢".
بهذا الأسلوب العلمي مضى هيكل يدافع عن الإسلام، ويرد حملات
стр. 271
التبشير عنه في سلسلة من المقالات في ملاحق "السياسة" تدور في فلك الدفاع عن الإسلام، وتكشف عن روحه الخالدة. من هذه المقالات:
- حول حياة محمد.١
- كيف ولماذا أكتب عن محمد.٢
- أثر المستشرقين في البحث الإسلامي.٣
- بين مصر وبلاد الشرق العربي.٤
- الاجتهاد والتقليد ... إلخ.٥
كما كتب سلسلة من المقالات عن كتاب "وجهة الإسلام" الذي ألفه المستشرقون "جب، ماسينيون، كاسفاير، فرار٦" وغيرهم من كبار المستشرقين بأوروبا.
وهكذا وقفت الصحافة وكتابها تدافع عن الإسلام ورجاله، وشغلت الرأي العام بما نشرت من مقالات ترتبط بالدعامات والأصول التي تستند إليها الشخصية المصرية عامة والإسلامية بصورة خاصة، وفي الوقت نفسه تدافع عن مكونات الأدب والفكر والثقافة، والعقيدة المرتبطة ببلاد العروبة والإسلام.
من هنا سخرت الصحافة الأقلام وحفلت بالمقالات في الدفاع عن كل ما يمس الشخصية الإسلامية، فاستيقظت المشاعر، والتهبت العواطف
стр. 272
لدى الشباب الحائر، ودفعته إلى النهج القويم والطريق المستقيم الذي دعا رجال العالم الإسلامي إليه.
وعلى الجملة فقد شغلت هذه القضايا وغيرها الصحافة، وأطلقت الأقلام من عقالها، وأفسحت المجال أمام الكتاب الذين وقفوا من بعض هذه القضايا مؤيدين ومعارضيين مما أحدث نشاطًا فكريا, ساعد على تأججة حرية الفكر التي كفلها الدستور، ودور السياسة الحزبية في مثل هذا المجال.
стр. 273
الفصل الثاني: المقال المعاصر
مدخل
...
الفصل الثاني: المقال المعاصر
عرفنا من قبل أن الذين يخلدون إلى أنفسهم ويتأملون فيما يحيط بهم يحسون بمتعة فائقة، فغذا اجتازوا مرحلة التأمل والاستيعاب، انتقلوا إلى مرحلة التعبير والتصوير، وسبيلهم في ذلك المقال الذي لا يعدو أن يكون فكرة تصيدها من البيئة التي تحيط به، ثم انفعل بها وعبر عنها.
وإذا تأملنا الكتابات في بداية نهضتنا الصحفية الأولى نجد أن قالب المقال طغى على معظم المواد التي تؤلف الجريدة، فجاءت كل من المادة العلمية والأدبية على أنها مقال، ونشر الخبر الداخلي والخارجي على شكل مقال، كما برز الإعلان عن كتاب أو استقبال صحيفة جيدة على أنه مقال. وبذا اختلطت المواد التي تؤلف الصحيفة خلطًا لم يعرف التنظيم والتنسيق، ومرجع ذلك إلى أن رجال الصحافة الأول لم يدركوا المراد بالمقال الصحفي، ولم يفرقوا بين مادة المقال الصحفي ومادة الأخبار والإعلانات وغير ذلك من المواد التي تتألف الصحيفة منها.
ولما كان المقال تعبيرا عن وجدانيات غيرية أكثر منه تعبيرًا عن وجدانيات ذاتية، صعب على الباحث أن يخضعه لنظم معينة أو أسس ثابتة، يلتزم الكاتب بها، وليس بشرط أن يتضمن مقدمة وعرضًا وخاتمة، ولا يعني هذا أن المقال موضوعي إنشائي أو فصل من كتاب أو غير ذلك من الكتابات التي لا تخضع لضوابط تعين عليه وتحقق الغاية منه, وسيظل المقال "لمحة عقلية" كما قال جونسون الإنجليزي: "لا ينبغي أن يكون لها ضابط من
стр. 274
نظام، أو قطعة لا تجري على نسق معين، ولم يتم هضمها في نفس كاتبها, وليس الإنشاء المنظم من المقالة الأدبية في شيء١".
ومع ذلك فيمكن مراعاة أمور عند كتابة المقال من مثل: القدرة على مشاركة من يتحدث عنهم، والعناية بأمورهم الصغيرة والكبيرة، والانفعال والتأثر بما يشعرون به من أمل وألم ورضا وغضب، والتعبير عنه بحيث يساق المقال كالحديث العادي في سهولة لفظه، وقرب معناه، وحسن عرضه، مع ضرورة إقناع القارئ بوجهة نظره، حتى يتخيل أنها وجهة نظر الرأي العام كله في الموضوع الذي يعرض، وعلى الرغم من أن الصحيفة لا تدع للكتاب مجالًا يلاحظ وينفعل ثم يكتب، لكن طول الممارسة يجعل الكتابة الصحفية حرفة لديه، وفنا يملك عليه نفسه، ويستأثر بمحبته.
وعلى الرغم من أن كاتب المقال يشارك الأديب في التأمل والاستيعاب، والانفعال والتأثير، إلا أن بينهما فرقًا كبيرًا، فإذا تأثر الأول بفكرة سجلها مقالًا صحفيا، يخاطب الجماهير به من خلال صحيفة لا تهمله لوحي يأتيه, وبجانب ذلك إلحاح مطبعة الصحيفة عليه ليقدم ما فاض به طبعه، وجاءت به قريحته، ولذا فهو مضطر -دائمًا- أن يظل قرطاسه بين يديه حتى يمد المطبعة والصحيفة بما لا غنى عنه من المادة الصحفية اللازمة. أما الأديب فيطلق العنان لخياله وشعوره وقلمه فيما يكتب لعنايته بنفسه أكثر من غيره، ويمكنه -دون غيره- أن يكتب متى شاء، ويستوحي عاطفته أو عقله متى أراد، ويعاود ما كتبه إذا شاء.
لذا يطلب من الصحفي غير ما يطلب من الشاعر؛ لأنه يخاطب الوجدان ويؤجج المشاعر، والخطيب الذي يلهب الحماس أو يعين برأي في قضايا المجتمع أو مشاكل السياسة، وكذلك الأديب الذي لا يحترف الصحافة؛ لأنه أقرب إلى الشاعر، وإنما يطلب منه أن يتحدث في هدوء ورزانة حديثًا يشعر
стр. 275
القارئ بلذة، ويشركه معه في المسائل التي ترتبط بالحياة العامة، وبعرضها عرضًا يحس القارئ خلاله برضاه أو سخطه، ومن هنا اعتبر مؤرخو الأدب أن الصحافة وسط بين الأدب الخالص والحديث العادي، أو هي "أدب غير خالد" لأن قارئ الصحيفة اليومية يتركها دون رجعة، بينما قارئ الفصل الأدبي أو العلمي يعاوده مرة بعد أخرى، من وقت لآخر.
ويعنى المقال المعاصر بالألفاظ والأسلوب، وعلى كاتبه أن يكون سلس العبارة، عذب الحديث، واضح الفكرة، وأن يبتعد عما يجهد ذهن القارئ، أو يلوي عنان فكره. ويلاحظ على كتاب المقال في الصحف التي برزت بعد ثورة الشعب ١٩١٩ أنهم أدركوا واقع الحياة الزاخرة بالحركة الذاتية، والسرعة الفائقة، وتنوع الأعمال فيها، فلم يفرطوا في طول ما يكتبون، إذ لم يعد وقت لدى المحامي والطبيب والمدرس والمهندس والعامل والتاجر حتى يتصفحوا المقالات المسهبة في الطول. ومن ثم بدأ الكتاب يسايرون أحداث العصر وتطوره، فمالوا إلى المقالات المركزة التي تناسب فئات الشعب ومعظم طبقاته؛ لأن الصحافة "تحدثنا عن أمور تتصل بحياتنا العامة، وتصف لنا وقائعها، وتنقل إلينا صدى ذلك كله في الناس على اختلاف طبقاتهم، وهي بهذا كله لسان "الرأي العام" وترجمان "الوعي القومي" فإذا أقبلنا على قراءة عدد من أعداد صحيفة من الصحف لم تلبث أن تترك هذا العدد إلى غير رجعة١".
ولقد حفلت فترة ما بين الحربين العالميتين بنفر من الكتاب اهتموا بمجالات الفكر والأدب، عني بعضهم بالمضمون والصورة مثل مصطفى صادق الرافعي وأحمد حسن الزيات وغيرهما، واهتم آخرون بالتحليل في كتاباتهم أكثر من الصورة واللفظ من مثل: عباس محمود العقاد، وإبراهيم عبد القادر المازني وغيرهما، وأثرت مجموعة ثالثة الصورة الفنية على المضمون من مثل: محمد حسين هيكل، وطه حسين وغيرهما. كما برزت جماعة تعتبر أساتذة الجيل الصحفي المعاصر من أمثال: محمود أبو الفتح ١٨٨٥-١٩٥٨، ومحمود عزمي ١٨٨٩-١٩٥٤ الذي أسس معهد الصحافة بكلية الأداب، ومحمد التابعي ١٨٩٥-١٩٧٦، وفكري أباظة ١٨٩٧-١٩٧٩ شيخ الصحفيين المصريين، وعلي أمين ١٩١٤- ١٩٧٧ صاحب "فكرة" في الأخبار وأخبار اليوم، وحافظ محمود المولود في ١٩١٧ولا زال يواصل عطاءه الصحفي حتى اليوم، وقد أمد تاريخ الصحافة والإعلام بمؤلفات عدة أهمها: أسرار الصحافة المصرية، وذكريات صحفية، وأسرار الماضي في السياسة والصحافة، ومعارك صحفية.
ويغلب على المقال منذ مطلع هذا القرن أن يكون عرضيا أو نقديا أو نزاليا، وسنضع أمام ناظريك تعريفا ومثالًا لكل لون من هذه الألوان.
стр. 276
أولًا: المقال العرضي
الذي يعرض الكاتب فيه فكرة عرضت له، ويحاول من خلال صحيفته أن يحللها بطريقته الخاصة، ويقدمها لقراءة بأسلوبه المعروف.
خصت صحيفة "الأهالي" ١٩١٠-١٩٢١ التعليم بسلسلة من المقالات، وجاء في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة عن التعليم ما يلي: "أربع وعشرون سنة حوربت فيها اللغة العربية فانهزمت وحلت محلها اللغة الإنجليزية, وشعرت الأمة بخطر هذه الهزيمة لا على اللغة وحدها بل على وجودها نفسها, فتحركت تريد أن تدفع عوادي السوء, وتردد صدى حركتها في الوزارة فارتاح لها الأحرار، فتأهبت الوزارة الحرة لأن تصغي إليه, ولكن لورد كرومر ظن أن في طوقه أن يقطع على هذه الحركة كل سبيل إذا هو سخر الجمعية العمومية لغايته, وكانت الجمعية إذا ذاك منعقدة, وكان من بين الاقتراحات المقدمة إليها اقتراح من سعادة الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد طلب فيه جعل التعليم باللغة العربية, فطمع اللورد أن ترفض الجمعية هذا الاقتراح لتقتل به كل ما تردد من أنفاس ذلك الصدى في الوزارة, بيد أن الجمعية العمومية قبلت الاقتراح، وعلمت بقبوله وزارة الأحرار، فالتوى على اللود قصده وخابت أمنيته".
"وجيء على أثر ذلك بغورست فانقلبت الحال, وبعد أن كانت
стр. 277
القاعدة المضطردة أن تحل اللغة الإنجليزية محل العربية رأينا لأول مرة علومًا أصبحت تدرس بالعربية، ثم سمعنا غورست يقول: في أول تقرير له: "أن أقصى المرغوب هو أن يكون التدريس على قدر الطاقة العربية، وهو المطلب الذي يجب على نظارة المعارف أن تسعى إليه والذي نسعى إليه أيضًا".
"كانت العلوم كلها ما عدا العربية تدرس بالإنجليزية, وفي ١٩٠٧ -على أثر تبديل عميد بعميد- بدئ بتدريس الجغرافيا للسنتين الثالثة والرابعة بالمدارس الابتدائية باللغة العربية, وفي مفتتح ١٩٠٨ أصبحت كل العلوم في المدارس الابتدائية وعلما الحساب والهندسة في المدارس الثانوية تدرس بالعربية, وفي السنة الثالثة بالمدارس الثانوية أصبحت العلوم الرياضية تدرس كذلك بالعربية، وقيل في تقرير تلك السنة إن المراد أن يتصل تعليم سائر العلوم على هذا النحو بالعربية شيئًا فشيئًا".
"كان من الطبيعي أن تقوم في وجه هذا العمل عقبتان كانتا في الأربع والعشرين سنة الماضية لا يمكن اجتيازهما، فصارتا بعد ذلك مما يسهل تذليله واجتيازه:
أحدهما: قلة المعلمين الأكفاء.
والثانية: عدم وجود الكتب.
فأما الأول فقد اهتمت نظارة المعارف بها منذ ١٩٠٧ وزيدت ميزانيتها لهذا الغرض, وأما العقبة الثانية -وهي الكتب- فلأجلها أنشئ في النظارة قلم الترجمة، ظفرت الجمعية العمومية إذن بغايتها وأصبح التعليم كما طلبته وطنيا فتطلعت إلى غاية أخرى هي أن تعرض على مجلس شورى القوانين كل لوائح التعليم ليكون له أن يراقبها ويبدى رأيه فيها, ففازت الأمة بهذه الأمنية أيضًا وهكذا أصبحت للأمة رقابة على سير التعليم، وإن تكن كلمتها في هذه الرقابة لا تزال استشارية, وبينما هذا الإصلاح في التعليم يتم تدريجيا كانت مجالس المدريات تعطي ضريبة الخمسة في المائة، وتعطي الحق المطلق في إنفاقها على التعليم بجميع أنواعه، بعد أن كان يراد أن تضم الضريبة إلى ميزانيتها السنوية لتدخل في سلطة نظارة الداخلية بحيث لا يكون لمجالس المدريات من أنواع التعليم إلا تعليم الكتاتيب١.
غلب هذا اللون من الكتابة الصحفية على نفر من الكتاب في اهتمامهم بمشاكل الأمة ورصد قضاياها، وانطلقوا يحللونها موضحين محاسنها أو مساوئها، وبذلك يقبل المواطنون على ما يعود عليهم بالنفع، وينصرفوا عما يلحق الضرر بهم أو يحول دون تقدمهم.
стр. 278
ثانيًا: المقال النقدي
الذي يعمد الكاتب فيه إلى نقد فكرة معينة أو موضوع معروف، أو يتناول اتجاهًا خاصا في السياسة والاجتماع والأدب.
نشرت صحيفة "البلاغ" ١٩٢٣-١٩٣٠ طائفة من المقالات نقدت فيها معاهدة ١٩٣٦، منها مقال بعنوان "يطلبون الاحتلال ويدعون أنهم يعقدون معاهدة الاستقلال" جاء فيه: "أصبح من الواضح الآن أن الإنجليز يطلبون بقاء الاحتلال في نقط اختاروها، منها القاهرة والأسكندرية والقناة والعامرية ومرسى مطروح، كما يطلبون إنشاء سكة حديدة تخترق شمال الدلتا من القناة إلى الأسكندرية مباشرة بدون لف أو تعريج على بنها, وحجة الإنجليز أن الحالة التي أوجدتها الأزمة الإيطالية في البحر الأبيض المتوسط تستوجب ذلك، وأن تقدم فن الطيران الحربي وما أفضى إليه من الانقلاب في أساليب الحرب يحتمان هذا الاحتلال، ولو أن الطيران يرتقي ولم نجد هذه الحالة في البحر الأبيض المتوسط لما عدم الإنجليز حجة يبسطونها ويتعللون بها ويسوغون ما يرون من بقاء الاحتلال في مصر, ذلك أن طلبهم هذا قديم فليس داعية أن إيطاليا أحدثت حدثًا في البحر الأبيض، ولا أن الطيارات أصبحت سلاحًا قويا يجب أن يحسب حسابه في هذا الزمان".
فقد طلبوا بقاء الاحتلال على قريب من هذا النحو في المعارضات
стр. 279
الرسمية السابقة جميعًا، طلبوه من عدلي باشا ١٩٢١ وسعد زغلول ١٩٢٤، وثروت باشا ١٩٢٧، وطلبوه من دولة النحاس باشا ١٩٣٠، ورفضته مصر على كل حال وعلى هذا فإن الباعث على هذا الذي يطلبه الإنجليز وهو أنهم يريدون البقاء في مصر لا يبرحونها -لأنهم على ما صرح به المغفور له اللورد ملز- كانوا يدبرون أمر الاستيلاء على مصر منذ مائة عام، فلا معنى إذن لما تبدي فيه الصحف البريطانية وتعيد من أن الجانب المصري لا يظهر استعداده للاعتراف بأن الحالة تغيرت في البحر الأبيض تغيرًا تاما منذ ١٩٣٠ فإن الجانب المصري معذور إذا رفض الاعتراف بذلك".
"وهل كانت الحالة في هذا البحر قد نغيرت في ١٩٢١ أو إلى ١٩٢٤ أو ١٩٢٧، ١٩٣٠؟ بقاء الاحتلال إذن هو المقصود بالذات، لا دواعي الحالة التي جدت في البحر الأبيض المتوسط, وجوهر القضية هو أن الإنجليز يطلبون الاعتراف بالاحتلال تحت اسم من الأسماء الكثيرة التي لا يعجزون عن إطلاقها وابتكارها، فإنهم قوم عمليون وينظرون إلى حقائق الأمور لا إلى أسمائها، والمصريون يرفضونه في جميع المفاوضات التي آخرها مفاوضة ١٩٣٠ وهي المفاوضة التي حبطت بسبب السودان لا بسبب المسألة العسكرية التي يحق لنا أن نعدها أمرًا مفروغًا منه منذ تلك السنة, فنحن نذكر أن المستر هندرسون وزير الخارجية الإنجليزية في حكومة العمال، والذي كان على رأس المفاوضين البريطانيين في ١٩٣٠ أعلن في مجلس العموم بعد فشل المفاوضات أن المشروع ما يزال قائمًا، وأن في وسع الوفد المصري أن يوقعه في أي وقت يشاء، وكان كلامه باسم الحكومة البريطانية بلاغًا لا حاجة بنا إلى التنبيه إليه، ومعنى هذا أن ما فعلته بريطانا في هذا المشروع يعتبر من جانبها مقبولًا منها ومتفقًا عليه, ولو أن المفاوضات انقطعت فليس يجوز للحكومة البريطانية بعد هذا التصريح الرسمي أن ترجع بنا إلى ما قبل ١٩٣٠ وإلا كانت الاتفاقات نفسها قصاصات ورق لا قيمة لها".
ولو كان الاتفاق تم في ١٩٣٠ أفكان يسعى الإنجليز الآن في مطالبة مصر بدعوى تغير الحالة في البحر الأبيض بالانتقاص منه وبالرجوع بالبلاد إلى ما قبله؟ إن هذا غير معقول, وعلى أنهم ما كانوا يحتاجون إلى ذلك، لأن مشروع ١٩٣٠ يسمح لهم أن ينتظروا من مصر في حالة الحرب أو خطر الحرب أن يستخدموا موانيها ومطاراتها ومواصلاتها، وأن يعدوا عدتهم لنجدة مصر، والتهيؤ للدفاع عنها وعن الإمبراطورية البريطانية، والذي يطلبونه الآن شطط وعنت لا ترى مصر أن تجيبهم إليه، وأن طبيعة المحالفة تغني عنه؛ ولأن الاستقلال ينافي الاحتلال، ويجعل حق الدفاع وواجبه منوطين بأهل البلاد١".
هو لون من الكتابة يهتم برصد الأحداث والوقوف على مجريات الأمور، وما يزخر المجتمع به من أشياء، يحاول الكاتب خلالها أن يقوم المعوج، أو على الأقل ينقد الفاسد منها، مشيرًا إلى مواطن الضعف، ومواضع القبح حتى يقلع الناس عنها، فتستقيم الأمور وتصلح الأحوال.
стр. 280
ثالثًا: المقال النزالي
هو الذي ينازل الكاتب فيه خصيمه في الرأي, ويناوئه في عقيدة أو اتجاه، ويصارعه من خلال مقاله بطريقة تدل على قدرته الصحفية، ومهارته السياسية ودهائه العقلي.
كثيرًا ما ينازل صحفي خصيمه دون مبادلته رأيًا برأي، وإنما يوجه ضرباته حى يعني صاحبه، وهذا ما يطلق الصحفيون اليوم عليه "الحملة الصحفية" وتعد مقالات الشيخ علي يوسف التي كتبها بصحيفة "المؤيد" تحت عنوان "قصر الدوبارة بعد يوم الأربعاء" من هذا النوع، فقد حمل على اللورد "كرومر" ووجه إليه ضربات متوالية حتى شفى نفسه، وانتقم للوطن من سياسته الخرقاء التي فرضها على جموع الأمة، فنال منه كل منال، ومن أدب المقال النزالي المعركة التي دارت بين طه حسين والعقاد حول الأدب اللاتيني والأدب السكسوني.
وتعد مقالات محمد حسين هيكل التي واجه الوفد بها تحت عنوان "حديث اليوم" من المقالات النزالية التي ترسم حدة الصراع الذي شهدته
стр. 281
مصر نتيجة لتعدد الأحزاب, كتب بعنوان "الملك، الدستور، الوفد، سعد زغلول" فقال: "نحن نرى ونجهر بما نرى أن هذا الدستور في جملته خير يحقق سلطة الأمة, وأن تنفيذه وحده هو الذي سيمكن من ظهور ما فيه من عيوب يمكن تعديلها، هذا رأينا في الدستور فنحن لا ننكره, ولا نطالب بتعديله الآن، ولكن سعدًا ينكر الدستور ويطالب بتعديل الدستور، ونسيم يصفق لهذا الإنكار وهذا التعديل, ولكن الناس لا يقرءون الضمائر، وإنما يأخذون رجال السياسة بما يكتبون وما يخبطون١".
ويوضح موقفه من الصراع الحزبي واتهام الوفديين له بالخيانة وبالمروق من الوطنية٢ فيقول: "نكيل لهم الصاع صاعين، من غير أن ندفع تهمة بتهمة أو باطلًا بباطل، كنا نصيح بهم: أن من اتهم مصريا بالخيانة فهو الخائن؛ لأنه يزعزع عقيدة الأمة في أكرم بنيها، فيفشي فيها أسباب العنف والهزيمة٣".
ومن هذا اللون مقال المرحوم عباس محمود العقاد المسرف في الطول الذي عنوانه: "مطالب الشطط ومقالب الخطط، أو جوانب العبط في مخالب القطط" رد فيه على طائفة من مقالات محمد نجيب الهلالي التي نشرها بجريدة "المصري" تحت عنوان "مخالب القط" نكتفي بهذا القدر منه.
قالت الببغاء الخضراء وهي تكثر من الهراء، وتلتفت إلى الوراء "يعني بالببغاء نجيب الهلالي" عندئذ ألقى عليهم الوزير الأكبر درسًا بل دروسًا في الرسم والهندسة والهيئة والفلك, فعلمهم أن الخط المنحني خير من الخط المستقيم، وأن الزاوية المنفرجة الكبرى أضيق من الزاوية الحادة أو الصغرى، وأن القطع خير من الوصل وأن أجمل الدوائر هي الدائرة المخروطة: إما عرض من غير طول وإما طول من غير عرض، ولا بأس من
стр. 282
من أن تبتدئ الدائرة من مسطح مستدير، ثم تستدق حتى تبقى إلى نقطة إلى آخر ما قالت الببغاء يحرف نظامها ونص نظامها، فالتفت إليها الراوي يقول وهو يسأل الله حسن القبول لك الله يا ببغاء من حكيمة وعناء، إنك لا تنسين ما تصبحين فيه وتمسين من دوائر وخطوط وزاوية ومخروط، فهل خرجت من هذه الطفولة إلى حد الرجولة قبل أن تنكشف الفولة؟ قالت الببغاء: أن قول الحق لم يدع لي صديقًا، فهل تركتم من المقال طريقًا؟. قال الراوي: بل لعل الباطل -لا قول الحق- هو الذي جنبك الأصدقاء، وأكسبك عداوة الأعداء، وإليك حقيقة الأنباء: قالت الببغاء: وما حقيقة الأنباء؟ ".
"قال الراوي: حقيقة الأنباء يا صاحبتي الببغاء هي أنك حمقاء وإن حسبوك من الأذكياء. فقد كنت في وظيفة غير صغيرة، فأعرضت عنها لتصبحي وزيرة, وتلك حماقة منك أيتها الببغاء فيها من خلل الحساب وما فيها من قبح الرياء. قالت الببغاء: أيها الراوي الذي هو للتاريخ حاوي، إن كان ما زعمت خللا في حساب وقبيحًا في رياء، فلماذا رضي عنهم زعيم الزعماء، ودخلت من أجله في زمرة الأولياء؟ قال الراوي: لأن زعيم الزعماء صغير السن صغير الزكاء، صغير الهمة، صغير الرجاء، نسي جنايتك على الدستور؛ لأنك أسأت إلى "وفدي مشهور" كل ذنبه أنه صديق النقراشي وماهر، وتلك عند الزعيم كبيرة الكبائر، وآفة البواطن والظواهر, وهكذا يكون الجزاء عند زعيم الزعماء إذا كان صغير النفس صغير الزكاء".
"قالت الببغاء: ثم ماذا من مثل هذا، يا من لا يزال للعقل ملاذًا, وللباطل نباذًا؟ قال الراوي: الذي هو للعقل ملاذ، وللباطل نباذ: ثم فاتك الدخول في المنصب المأمول، فملأت الأرض والسماء بالقدح والبذاء -أيتها الببغاء الرعناء- وجعلت تخرجين من قهوة إلى قهوة، ومن ندوة إلى ندوة، ولا حديث لك إلا الطعن المقصود في الزعيم المعبود والمجاهد المحسود، حتى انفصل النقراشي من تلك الزعامة, وقامت على رأسها القيامة، فعاد الزعيم كما كان في الابتداء صغير النفس صغير الزكاء، ولجأ إلى كيد الأطفال، ودق الكف وإخراج اللسان وحك الأنف وتلقيح المقال، وظني أن دخولك الوزارة يغيظ العدا، ويدل على الشطارة, وما درى أنها نكبة جناها عليك، ونقمة ساقها إليك, ولا تزالين فيهما ولم تزالي، ولو أنفقت في السجع الليالي والحديث الخيالي، والجنون القمري الهلالي١.
شاع هذا اللون من الكتابة بين كتاب الأحزاب السياسية، وأججته العداوة الشخصية بينهم وسلك الكتاب طرقًا متغايرة تقوم على التهكم حينًا، والسخرية حينًا آخر.
стр. 283
المقال في صحف اليوم
مدخل
...
المقال في صحف اليوم:
أصبح للمقال الصحفي أصول ثابتة وقواعد مرعية بعد إنشاء قسم الصحافة بجامعات مصر، وبرز أساتذة متخصصون في مجال الصحافة، وبذلك تحولت الصحافة من الممارسة المكتسبة بالتلقي، إلى الممارسة القائمة على النظم والتقاليد الجامعية. ومن ثم أصبحت صحف اليوم من أقوى وسائل الإعلام، وأقدرها على تكوين الرأي العام لتأثرها به وتأثيرها فيه.
وتهتم صحف اليوم في المقام الأول بالأعمدة الافتتاحية والأخبار والتعليق عليها، ونشر الصور الهزلية والرسوم الكاريكاتورية, ويصوغ كتابها موادها في شكل طرائف أو أحاديث أو تحقيقات أو تقريرات أو مقالات في استطلاعات ذات ألوان شتى بقصد التوجيه والإرشاد والتثقيف كما أنها تضم أركانًا عديدة مثل: ركن المرأة والطلبة والأطفال والعمال والرياضة وغيرها مما يمثل بعض قطاعات الأمة, وبذا احتلت الصحف مكانًا مرموقًا في المجتمع، واعتمد الجمهور عليها في حل مشاكله، واستعانت الحكومة بها في سياستها الداخلية والخارجية.
وظلت الصحف ملكًا للأفراد حى صدر قرار في مايو ١٩٦٠ بتنظيم الصحافة، بحيث تئول إلى الاتحاد القومي -وألا تصدر صحيفة إلا بترخيص منه- وهو الذي تطور إلى الاتحاد الاشتراكي حينًا، ثم حزب مصر حينًا آخر ثم الحزب الوطني القائم اليوم, واقتضى هذا التعبير اختلاف
стр. 284
في مفهوم الصحافة، فلم تعد أداة للدعاية الفردية أو الحزبية أو التحريض أو الإثارة، وإنما أصبحت تنظيمًا جماعيا، يهدف في موضوعية إلى تزويد القارئ بالأخبار العامة، وخدمة الجماهير ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وصحيا ونفسيا حتى تخلق الجو الذي تنمو فيه الشخصيات القيادية التي يحتاجها الوطن في مراحله الحاسمة.
ومن الطبيعي أن تنهج كل صحيفة سياسة خاصة، وتلتزم بطريقة معينة تجذب القراء بها عن طريق الافتتاحيات التي تميزها في معالجة المشكلات الهامة بالعنف والشدة حينًا، والاعتدال واللين حينًا آخر، أو تمزج بين السياستين حينًا ثالثًا، فتؤثر الطريق الأول في بعض القضايا التي تشغل الجمهور أو تكف يدها عن بعض القضايا الأخرى، أو تعالجها برفق ولين وهكذا.
ولما كان بعض الناس يصلح لمهنة الأدب دون الصحافة أو العكس، والبعض الآخر يأبى الجمع بين شخصية الأديب وشخصية الصحفي في وقت واحد. كما أن بعض الصحف ترقى في بعض صفحاتها إلى صفة الأدب الخالص، لزم أن تضم أسرة الصحيفة الواحدة إخباريين ومعلقين صحفيين على الأخبار ومسئولين عن نظام الصحيفة الواحدة, ومن بين أفراد الأسرة أدباء تغلب عليهم نزعة الأدب أكثر من نزعة الصحافة، وأوضح ما يكون ذلك في المجالات الأدبية الأسبوعية أو النصف شهرية أو الشهرية أو الفصلية؛ لأنها تتيح للكاتب فرصة أطول في التفكير والكتابة وتجويدها، وتلك طبقة من الكتاب يميزون بين ما يقدم للمطبعة على أنه كتاب أو مقال صحفي.
وبجانب الصحف اليومية التي تنقل الأخبار بصفة موضوعية، تهتم الحكومة بالصحف المتخصصة التي تعالج فنا واحدًا لا يتعداه إلى غيره، وتخاطب من خلاله فئة معينة من أفراد المجتمع، لهم ثقافاتهم الخاصة، وطموحهم نحو التعمق في البحوث الخاصة بهم وهم بذلك يشبعون رغباتهم بالقدر الذي تتسع به الصحف المتخصصة في أغلب الأحيان.
لهذا كله لزم أن نقف على أشهر الصحف التي نطالعها اليوم حتى نكون على بصيرة مما تضم من مواد وطرائف في شكل مقالات أو دراسات أو أعمدة وغيرها مما تزخر صحف اليوم بها. وسنقصر الحديث على أهم الصحف اليومية الثلاث: الأهرام, الأخبار, الجمهورية.
стр. 285
١- الأهرام:
صحيفة عاصرت الأحداث الجسام التي مرت مصر بها منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، ولا تزال حتى اليوم تؤدي رسالتها في وفاء ودقة وأمانة وحذق والتزام. تأسست ١٨٧٥ بمدينة الأسكندرية بجهود سليم تقلا ١٨٤٩-١٨٩٢ وأخوه بشار تقلا ١٨٥٢-١٩٠١ وكانت أسبوعية في أول أمرها, ثم أصبحت يومية، ولما توفي سليم تقلا استقل أخوه بشارة بها ثم نقلها إلى القاهرة، ولما توفي بشارة تقلا ١٩٠١ آلت إلى ابنه جبرائيل, وبعد تنظيم الصحافة في ١٩٦٠ أصبحت مؤسسة صحافية أشرفت الدولة عليها، ولا تزال -كعهدها- تؤدي رسالتها على الوجه الأكمل.
تولى شيخ الصحافة داود بركات المتوفى ١٩٣٣ رياسة تحرير الأهرام فترة، حرص خلالها على كتابة مقال افتتاحي يومي عنوانه: "السياسة في العالم العربي" ولما لحق بربه خلفه -فيما بين الثلاثينات والأربعينات- أنطون الجميل ١٨٨٧-١٩٤٨، فأحل مكان سلفه موضوعًا إخباريا، يظهر من أسبوع لآخر يشير فيه إلى شيء سياسي هام، يوهم قارئه أن وراء الأفق حدثا ما، وكان من طبيعة الرجل ألا يتجاوز الثلاثين سطرًا في مقالاته، وبذا كان يفرض على القارئ أن يقف طويلًا أمام كل سطر، مما زاد من شأن الأهرام وزيادة توزيعه فوق المائة ألف نسخة, وهذا رقم أسطوري في مجال توزيع الصحف خلال تلك الفترة, وأجمع رجال الصحافة -حينئذ- على أن أنطون الجميل أنسى الناس اسم داود بركات، بعد أن ملأ فراغه من الأدب والسياسة والكياسة.
وحرص أنطون الجميل على عقد ندوات أدبية بدار الأهرام، ولا غرابة