← Адаб

Адаб · id 10540

المقال وتطوره في الأدب المعاصر

السيد مرسي أبو ذكري

Полный текст (374 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مصر نتيجة لتعدد الأحزاب, كتب بعنوان "الملك، الدستور، الوفد، سعد زغلول" فقال: "نحن نرى ونجهر بما نرى أن هذا الدستور في جملته خير يحقق سلطة الأمة, وأن تنفيذه وحده هو الذي سيمكن من ظهور ما فيه من عيوب يمكن تعديلها، هذا رأينا في الدستور فنحن لا ننكره, ولا نطالب بتعديله الآن، ولكن سعدًا ينكر الدستور ويطالب بتعديل الدستور، ونسيم يصفق لهذا الإنكار وهذا التعديل, ولكن الناس لا يقرءون الضمائر، وإنما يأخذون رجال السياسة بما يكتبون وما يخبطون١". ويوضح موقفه من الصراع الحزبي واتهام الوفديين له بالخيانة وبالمروق من الوطنية٢ فيقول: "نكيل لهم الصاع صاعين، من غير أن ندفع تهمة بتهمة أو باطلًا بباطل، كنا نصيح بهم: أن من اتهم مصريا بالخيانة فهو الخائن؛ لأنه يزعزع عقيدة الأمة في أكرم بنيها، فيفشي فيها أسباب العنف والهزيمة٣". ومن هذا اللون مقال المرحوم عباس محمود العقاد المسرف في الطول الذي عنوانه: "مطالب الشطط ومقالب الخطط، أو جوانب العبط في مخالب القطط" رد فيه على طائفة من مقالات محمد نجيب الهلالي التي نشرها بجريدة "المصري" تحت عنوان "مخالب القط" نكتفي بهذا القدر منه. قالت الببغاء الخضراء وهي تكثر من الهراء، وتلتفت إلى الوراء "يعني بالببغاء نجيب الهلالي" عندئذ ألقى عليهم الوزير الأكبر درسًا بل دروسًا في الرسم والهندسة والهيئة والفلك, فعلمهم أن الخط المنحني خير من الخط المستقيم، وأن الزاوية المنفرجة الكبرى أضيق من الزاوية الحادة أو الصغرى، وأن القطع خير من الوصل وأن أجمل الدوائر هي الدائرة المخروطة: إما عرض من غير طول وإما طول من غير عرض، ولا بأس من

стр. 282

من أن تبتدئ الدائرة من مسطح مستدير، ثم تستدق حتى تبقى إلى نقطة إلى آخر ما قالت الببغاء يحرف نظامها ونص نظامها، فالتفت إليها الراوي يقول وهو يسأل الله حسن القبول لك الله يا ببغاء من حكيمة وعناء، إنك لا تنسين ما تصبحين فيه وتمسين من دوائر وخطوط وزاوية ومخروط، فهل خرجت من هذه الطفولة إلى حد الرجولة قبل أن تنكشف الفولة؟ قالت الببغاء: أن قول الحق لم يدع لي صديقًا، فهل تركتم من المقال طريقًا؟. قال الراوي: بل لعل الباطل -لا قول الحق- هو الذي جنبك الأصدقاء، وأكسبك عداوة الأعداء، وإليك حقيقة الأنباء: قالت الببغاء: وما حقيقة الأنباء؟ ". "قال الراوي: حقيقة الأنباء يا صاحبتي الببغاء هي أنك حمقاء وإن حسبوك من الأذكياء. فقد كنت في وظيفة غير صغيرة، فأعرضت عنها لتصبحي وزيرة, وتلك حماقة منك أيتها الببغاء فيها من خلل الحساب وما فيها من قبح الرياء. قالت الببغاء: أيها الراوي الذي هو للتاريخ حاوي، إن كان ما زعمت خللا في حساب وقبيحًا في رياء، فلماذا رضي عنهم زعيم الزعماء، ودخلت من أجله في زمرة الأولياء؟ قال الراوي: لأن زعيم الزعماء صغير السن صغير الزكاء، صغير الهمة، صغير الرجاء، نسي جنايتك على الدستور؛ لأنك أسأت إلى "وفدي مشهور" كل ذنبه أنه صديق النقراشي وماهر، وتلك عند الزعيم كبيرة الكبائر، وآفة البواطن والظواهر, وهكذا يكون الجزاء عند زعيم الزعماء إذا كان صغير النفس صغير الزكاء". "قالت الببغاء: ثم ماذا من مثل هذا، يا من لا يزال للعقل ملاذًا, وللباطل نباذًا؟ قال الراوي: الذي هو للعقل ملاذ، وللباطل نباذ: ثم فاتك الدخول في المنصب المأمول، فملأت الأرض والسماء بالقدح والبذاء -أيتها الببغاء الرعناء- وجعلت تخرجين من قهوة إلى قهوة، ومن ندوة إلى ندوة، ولا حديث لك إلا الطعن المقصود في الزعيم المعبود والمجاهد المحسود، حتى انفصل النقراشي من تلك الزعامة, وقامت على رأسها القيامة، فعاد الزعيم كما كان في الابتداء صغير النفس صغير الزكاء، ولجأ إلى كيد الأطفال، ودق الكف وإخراج اللسان وحك الأنف وتلقيح المقال، وظني أن دخولك الوزارة يغيظ العدا، ويدل على الشطارة, وما درى أنها نكبة جناها عليك، ونقمة ساقها إليك, ولا تزالين فيهما ولم تزالي، ولو أنفقت في السجع الليالي والحديث الخيالي، والجنون القمري الهلالي١. شاع هذا اللون من الكتابة بين كتاب الأحزاب السياسية، وأججته العداوة الشخصية بينهم وسلك الكتاب طرقًا متغايرة تقوم على التهكم حينًا، والسخرية حينًا آخر.

стр. 283

المقال في صحف اليوم مدخل ... المقال في صحف اليوم: أصبح للمقال الصحفي أصول ثابتة وقواعد مرعية بعد إنشاء قسم الصحافة بجامعات مصر، وبرز أساتذة متخصصون في مجال الصحافة، وبذلك تحولت الصحافة من الممارسة المكتسبة بالتلقي، إلى الممارسة القائمة على النظم والتقاليد الجامعية. ومن ثم أصبحت صحف اليوم من أقوى وسائل الإعلام، وأقدرها على تكوين الرأي العام لتأثرها به وتأثيرها فيه. وتهتم صحف اليوم في المقام الأول بالأعمدة الافتتاحية والأخبار والتعليق عليها، ونشر الصور الهزلية والرسوم الكاريكاتورية, ويصوغ كتابها موادها في شكل طرائف أو أحاديث أو تحقيقات أو تقريرات أو مقالات في استطلاعات ذات ألوان شتى بقصد التوجيه والإرشاد والتثقيف كما أنها تضم أركانًا عديدة مثل: ركن المرأة والطلبة والأطفال والعمال والرياضة وغيرها مما يمثل بعض قطاعات الأمة, وبذا احتلت الصحف مكانًا مرموقًا في المجتمع، واعتمد الجمهور عليها في حل مشاكله، واستعانت الحكومة بها في سياستها الداخلية والخارجية. وظلت الصحف ملكًا للأفراد حى صدر قرار في مايو ١٩٦٠ بتنظيم الصحافة، بحيث تئول إلى الاتحاد القومي -وألا تصدر صحيفة إلا بترخيص منه- وهو الذي تطور إلى الاتحاد الاشتراكي حينًا، ثم حزب مصر حينًا آخر ثم الحزب الوطني القائم اليوم, واقتضى هذا التعبير اختلاف

стр. 284

في مفهوم الصحافة، فلم تعد أداة للدعاية الفردية أو الحزبية أو التحريض أو الإثارة، وإنما أصبحت تنظيمًا جماعيا، يهدف في موضوعية إلى تزويد القارئ بالأخبار العامة، وخدمة الجماهير ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وصحيا ونفسيا حتى تخلق الجو الذي تنمو فيه الشخصيات القيادية التي يحتاجها الوطن في مراحله الحاسمة. ومن الطبيعي أن تنهج كل صحيفة سياسة خاصة، وتلتزم بطريقة معينة تجذب القراء بها عن طريق الافتتاحيات التي تميزها في معالجة المشكلات الهامة بالعنف والشدة حينًا، والاعتدال واللين حينًا آخر، أو تمزج بين السياستين حينًا ثالثًا، فتؤثر الطريق الأول في بعض القضايا التي تشغل الجمهور أو تكف يدها عن بعض القضايا الأخرى، أو تعالجها برفق ولين وهكذا. ولما كان بعض الناس يصلح لمهنة الأدب دون الصحافة أو العكس، والبعض الآخر يأبى الجمع بين شخصية الأديب وشخصية الصحفي في وقت واحد. كما أن بعض الصحف ترقى في بعض صفحاتها إلى صفة الأدب الخالص، لزم أن تضم أسرة الصحيفة الواحدة إخباريين ومعلقين صحفيين على الأخبار ومسئولين عن نظام الصحيفة الواحدة, ومن بين أفراد الأسرة أدباء تغلب عليهم نزعة الأدب أكثر من نزعة الصحافة، وأوضح ما يكون ذلك في المجالات الأدبية الأسبوعية أو النصف شهرية أو الشهرية أو الفصلية؛ لأنها تتيح للكاتب فرصة أطول في التفكير والكتابة وتجويدها، وتلك طبقة من الكتاب يميزون بين ما يقدم للمطبعة على أنه كتاب أو مقال صحفي. وبجانب الصحف اليومية التي تنقل الأخبار بصفة موضوعية، تهتم الحكومة بالصحف المتخصصة التي تعالج فنا واحدًا لا يتعداه إلى غيره، وتخاطب من خلاله فئة معينة من أفراد المجتمع، لهم ثقافاتهم الخاصة، وطموحهم نحو التعمق في البحوث الخاصة بهم وهم بذلك يشبعون رغباتهم بالقدر الذي تتسع به الصحف المتخصصة في أغلب الأحيان. لهذا كله لزم أن نقف على أشهر الصحف التي نطالعها اليوم حتى نكون على بصيرة مما تضم من مواد وطرائف في شكل مقالات أو دراسات أو أعمدة وغيرها مما تزخر صحف اليوم بها. وسنقصر الحديث على أهم الصحف اليومية الثلاث: الأهرام, الأخبار, الجمهورية.

стр. 285

١- الأهرام: صحيفة عاصرت الأحداث الجسام التي مرت مصر بها منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، ولا تزال حتى اليوم تؤدي رسالتها في وفاء ودقة وأمانة وحذق والتزام. تأسست ١٨٧٥ بمدينة الأسكندرية بجهود سليم تقلا ١٨٤٩-١٨٩٢ وأخوه بشار تقلا ١٨٥٢-١٩٠١ وكانت أسبوعية في أول أمرها, ثم أصبحت يومية، ولما توفي سليم تقلا استقل أخوه بشارة بها ثم نقلها إلى القاهرة، ولما توفي بشارة تقلا ١٩٠١ آلت إلى ابنه جبرائيل, وبعد تنظيم الصحافة في ١٩٦٠ أصبحت مؤسسة صحافية أشرفت الدولة عليها، ولا تزال -كعهدها- تؤدي رسالتها على الوجه الأكمل. تولى شيخ الصحافة داود بركات المتوفى ١٩٣٣ رياسة تحرير الأهرام فترة، حرص خلالها على كتابة مقال افتتاحي يومي عنوانه: "السياسة في العالم العربي" ولما لحق بربه خلفه -فيما بين الثلاثينات والأربعينات- أنطون الجميل ١٨٨٧-١٩٤٨، فأحل مكان سلفه موضوعًا إخباريا، يظهر من أسبوع لآخر يشير فيه إلى شيء سياسي هام، يوهم قارئه أن وراء الأفق حدثا ما، وكان من طبيعة الرجل ألا يتجاوز الثلاثين سطرًا في مقالاته، وبذا كان يفرض على القارئ أن يقف طويلًا أمام كل سطر، مما زاد من شأن الأهرام وزيادة توزيعه فوق المائة ألف نسخة, وهذا رقم أسطوري في مجال توزيع الصحف خلال تلك الفترة, وأجمع رجال الصحافة -حينئذ- على أن أنطون الجميل أنسى الناس اسم داود بركات، بعد أن ملأ فراغه من الأدب والسياسة والكياسة. وحرص أنطون الجميل على عقد ندوات أدبية بدار الأهرام، ولا غرابة

стр. 286

في ذلك فهو أديب كان يحرر منذ ١٩١٠ مجلة "الزهور" المتخصصة في الشعر، وفنون الأدب العربي الجديد الذي ظهرت طلائعه عقب الحركات الوطنية التي سادت العالم العربي، وفي إحدى ندواتها ناقش عباس العقاد أستاذ جامعيا في الزراعة، انتهت الندوة بتبرم الأستاذ الجامعي من معارضة أديب لا صلة له بالزراعة، مما دفع العقاد إلى الانصراف، وعاد بعد أسبوعين يحمل رسالة من تأليفه في المادة الزراعية موضوع المناقشة، وأجمع نفر من أساتذة الجامعة المختصين على صواب العقاد، كما كان كامل الشناوي يحرص على حضور ندوات الأهرام الأدبية وغيرهما من رجال الفكر والثقافة والأدب بمصر. استقطبت الأهرام العديد من كبار الأدباء والمفكرين في مصر وغيرها من أمثال الدكتور أحمد زكي الملقب بشيخ العروبة ١٨٦٧-١٩٣٤، فقد نشر مقالات عديدة عن رحلاته إلى أوروبا والأندلس خلال سنوات حياته "١٨٩٢-١٩٣٤" وظلت الأهرام مجاله الواسع، وميدانه الطليق في نشر مقالاته وتعليقاته وتحقيقاته في أي وقت. وكتب فيها كذلك محمد توفيق دياب ١٨٨٧-١٩٦٧ بعد توقف جريدته "الجهاد" ١٩٣٩ وظل ينشر مقالاته الوطنية على صفحات الأهرام حتى قامت ثورة يوليو ١٩٥٢. وعمل الدكتور محمود عزمي ١٨٨٩-١٩٥٤ مستشارًا للشئون الخارجية بها, ونجح خلال عمله بها من تطوير الصحافة العربية ونقلها إلى الأسلوب البسيط السهل. وعمل كذلك بها محمود أبو الفتح ١٨٨٥- ١٩٥٨ محررًا، وحقق واثنين من الصحافيين العالميين أكبر نصر صحفي في أول رحلة جوية للمنطاد الألماني "زيان" في وقت لم يؤلف الطيران العادي في مصر أو خارجها. ولما اختلف مع جبرائيل تقلا لحياد الأهرام في بعض المواقف السياسية، قرر محمود أبو الفتح إنشاء صحيفة يومية تواجه الأهرام، فكانت جريدة المصري ١٩٣٦، وفي الحرب العالمية الثانية كان محمود أبو الفتح أحد ثلاثة من الصحفيين العالميين سمح لهم بدخول خط "ماجينو" في فرنسا، فحقق عن طريق هذه الرحلة النجاح الفني والسياسي والمادي لصحيفة "المصري" وأصبحت ذات خطر على الأهرام أكثر الصحف العربية انتشارًا إذ ذاك.

стр. 287

ونشرت "مي زيادة" ١٨٩٠-١٩٤١ مقالات لها في الأهرام في مقابل شقة فسيحة في عمارتها التي كانت إلى عهد قريب تشغل أقسام إدارة الأهرام، وحاول القائمون في الأهرام جذب "مي" إليها لتكون عضوًا في أسرة تحريرها، لكنها آثرت أن تحكون صلتها بالأهرام صلة الكاتبة الحرة التي لا تختلط بأي من في الجريدة التي تنشر مقالاتها بها، كما حررت منيرة ثابت المتوفية ١٩٧٤ المقالات النسوية بجريدة الأهرام، وشاركت في شئون التحرير على الرغم من أنها لم تكن من هيئة التحرير. وعمل الشاعر كامل الشناوي مندوبًا بالأهرام في البرلمان يصف جلسات المجلس ولم تمض شهور حتى أصبح كل شيء في الصفحة البرلمانية بالأهرام، وتدرج في المناصب حى أصبح أحد رؤساء التحرير بها. وحرر الأديب أسعد داغر المتوفى ١٩٥٨ بالأهرام ركنًا خاصا بالقضايا العربية، قبل أن تعرفه الصحف الأخرى، وظل يعمل بها حتى نقل مستشارًا إعلاميا للجامعة العربية عند إنشائها ١٩٤٥. وبرز أزهري يسمى "محمد خالد" في صحيفة الأهرام، وأخذ يعقد الصداقات بينه وبين الدبلوماسيين العرب، ويستقي منهم معلومات تعد جديدة في الصحافة إذ ذاك، ثم طاف بالبلاد العربية وعاد منها بحصيلة وافرة من الأخبار والتعليقات مما رفع مقامه في الأهرام، فأفرد له غرفة خاصة حتى يتمكن من استقبال مصادر أخباره. ومنذ ١٩٦١ تولى مجلس إدارتها نفر يتحملون تبعة تحريرها كان منهم محمد حسنين هيكل، وعلي أمين، وعلي حمدي الجمال وعبد الله عبد الباري. وها هي نماذج من مقالاتها العديدة. أولًا: كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد بعد أحداث الزاوية الحمراء مقالًا عنوانه: "مصريون قبل الأديان ومصريون بعد الأديان ومصريون إلى آخر الزمان" جاء فيه: "شاءت قدرة الله أن يخلق الناس أمما شتى وألوانًا شتى, وألسنة شتى دليلًا على قدرته, وسبيلًا إلى إدراك حكمته من وراء هذا التباين في الأشكال والطباع والمواهب والعقول, وما دام الناس مختلفين في التكوين، فهم مختلفون أيضًا في التصرف والسلوك. يحدث

стр. 288

هذا الخلاف في البيت الواحد, ويحدث في المدينة الواحدة، يحدث هذا على مستوى الأشقاء، ويحدث هذا على مستوى الزوجين، بل يحدث هذا بين الأبناء والآباء حتى بين الرسل منذ اختلف نوح مع ابنه، وإبراهيم مع أبيه, لماذا هذه الظاهرة الجديدة علينا, والجديدة بيننا, كلما اختلف مصريان تحول الخلاف إلى دينين سمحين ليست في طبيعتهما الصافية النقية ما يحصل عليهما حملًا أو يلصق بهما إلصاقا؟ وفي مصر خاصة تعانق الدينان منذ البداية، فنبي الإسلام ﷺ أصهر إلى مسيحي مصر وأنجب من المصرية الرقيقة مارية القبطية ابنه إبراهيم فصرنا لها أصهارًا ولابنه أخوالًا, والإسلام من دون الأديان جميعًا جعل الإيمان برسالات السماء جميعًا شرطًا للإيمان به, وحماية الرسول ﷺ ، منهم بلال الحبشي، وسليمان الفارسي، وأبو رافع القبطي المصري، وأشهر وأيسر قراءة في القرآن الكريم قراءة "ورش" وهو مصري قبطي". "وحين تكلمت مصر العربية ووقفت وراءها بالعطاء العلمي والفني، كانت لها وللإسلام بيئة حضارية قام عليها بناؤه، فجمعت مصر الحديث الشريف، وفسرت القرآن الكريم، ورتلت الأذان، وكتبت الموسوعات، وكيفت المذاهب الفقهية كمذهب الإمام الشافعي والإمام مالك، وأعملت رأيها في كل شيء، ووضعت بصمتها على كل شيء, بل وضعت قاموس العربية الأكبر: "لسان العرب" من ٢٤ جزءًا وضعه ابن منظور المصري, حين فعلت مصر هذا من خلال الرجال العلماء كان من بين هؤلاء من المسلمين: علي بن منجب الصيرفي الذي نقل عنه صاحب خريدة القصر, ومنهم القفطي والسخاوي والبوصيري صاحب البردة والإمام الليث بن سعد ومنهم من المسيحيين ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونيين وملوي وأول من ألف بالعربية من الأقباط، وكتابة "تاريخ البطارقة" موسوعة استمد منها المقريزي الكثير من خططه كما نقل عنه القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى". ومن رجال مصر من الأقباط الذين أسهموا في التأليف في علوم العربية وأدابها سعيد بن بطريق، وبنو العسال، وجرجس بن العميد المعروف بابن المكين صاحب كتاب "تاريخ المسلمين" والمفضل بن أبي المفضال، وبطرس أبو شاكر ويعرف بابن الراهب، وابن كير وهو شمس الرياسة أبو البركات

стр. 289

وأسعد بن مماني الشاعر الأديب صاحب الخطوة في الدولة الأيوبية". "وحين نهضت مصر بالفن الإسلامي كانت تستمد إبداعها فيه من وراثاتها في الفن المصري القديم، والفن المصري القبطي، بل إن الأقباط في أول عهد الإسلام بمصر هم الذين نهضوا بزخرفة الكتب، وزخرفة الخشب بل استعان بهم الوليد بن عبد الملك في بناء مسجد دمشق والمسجد الأقصى وقصر أمير المؤمنين, بل يضيف "البلاذري" في "فتوح البلدان" مسجد المدينة فيما أعانوا عليه, ونهض المصريون أقباطًا ومسلمين في العصر الفاطمي أي: في العصر الذي تم فيه إسلام مصر وتعريبها بالفن المصري الإسلامي نهضة فيها من إحساس مصر ووجدانها وذوقها الحضاري، ما أضفى على فن مصر الإسلامية طابعًا مميزًا، وشخصية فذة. يقول الأستاذ محمد شفيق غبريال في كتابه "تكوين مصر": "إن طرائق الفن القبطي وأساليبه كانت عاملًا من العوامل المؤثرة في فنون مصر الإسلامية وصناعاتها. وهذا دليل على أهمية العنصر المسيحي في تكوين مصر". "هل يعلم هذا ضحايا عتاة الانشقاق وهواة الصيد في الماء العكر؟. جاءت المسيحية من بيت لحم بفلسطين وبعد تفكير وتمحيص للدين الوافد ولموقفها هي من الرومان، اختارت مصر المسيحية ودافعت عنها بالرأي والروح, وبما تمثل المسيحية من وقفة مصر وموقفها، نعتز بالمسيحية مسلمين وأقباط لأننا مصريون, وجاء الإسلام من الجزيرة العربية ولم يكن غربيا عن طبيعة مصر ولا عن مسيحيتها. ولهذا لم يكن إسلامها تسليمًا بل كان إسلامها موقفًا واستجابة وإيجابًا فدافعت عنه بالرأي والروح، وبما يمثل الإسلام من سماحة مصر وتفتحها، نعتز بالإسلام أقباطًا ومسلمين لأننا مصريون". "آمنت مصر بالدينين؛ لأنها اهتدت منذ ألوف السنين بالفطرة السليمة والدافع الحضاري معًا، إلى عقيدة البعث والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، بل اهتدت إلى التوحيد وابتهلت وتبتلت وشكرت وأفضلت, اهتدت مصر إلى هذا كله, ولهذا وقفت بوجدانها الدين وراء الأديان، وفعلت للمسيحية والإسلام ما لم يفعله أتباعهما في أي مكان, لم تعرف مصر

стр. 290

الحروب التي دارت بين المدن اليونانية, ولم تعرف مصر محاكم التفتيش أو ديوان التحقيق وما وقع في إسبانيا عقب خروج العرب من الأندلس، ولم يحدث في مصر ما حدث في محاكمة الليدي جان جراي في إنجلترا التي كان الدافع القوي على إعدامها كونها بروتستانتية حين كانت الملكة ماري التي حاكمتها كاثوليكية". "لقد عرفت مصر حياة التدين ولكنها لم تعرف التعصب في الدين أو الضغينة بسببه، فسلم الدين فيها كما يقول الأستاذ العقاد في كتابه عن "سعد زغلول": "من لوثة العصبية العمياء وقسوة الهمجية الرعناء سلم تاريخ مصر كله من المذابح الطائفية إلا ما يتسلل إليها من طائفة غريبة أو نحلة دخيلة". وكم عانت مصر من المتسللين مثل "جورست" خلفه "كرومر وكتشنر" وكاتب استعماري مثل "جون بورنج" في القرن التاسع عشرن وشايعه "إدوارد وكين" في الستينات من القرن العشرين في كتابه "أقلية متوحدة" وإن لم يستطع أمثال هؤلاء أن ينكروا التماثل بين الأقباط والمسلمين حتى "كرومر" في كتابه "مصر الحديثة" لم يستطع الفكاك من هذه الحقيقة حيث يقول في الفصل السادس والثلاثين من كتابه، وأنا هنا أترجم حرفيا "القبطي من قمة رأسه إلى أخمص قدمه في السلوك واللغة والروح مسلم وإن لم يدر كيف فالقبطيات يتشبهن بالمسلمات، والأطفال تكيفوا عامة، وعادات الزواج والجنائز تشبه ما عند المسلمين". "وقد لاحظ عبد الله النديم في "الأستاذ" -الجزء الرابع من السنة الأولى- أن الحروب الصليبية أو الثورة العرابية لم تشب إحداهما ما بين المسلمين والأقباط من صفاء أو ترابط, لقد كنا غداة الفتح نتبادل قناديل المساجد والكنائس في الاحتفالات الدينية في الجانبين. ونحن اليوم تجمعنا عادات واحدة وأعياد مشتركة مثل عيد الربيع ووفاء النيل وليلة النفطة وكلها أعياد مصرية قديمة صاحبتنا مع الزمن وصاحبناها إلى يومنا هذا؛ لأننا مصريون, مصريون قبل الأديان ومصريون بعد الأديان ومصريون إلى آخر الزمان١".

стр. 291

ثانيًا: كتب الدكتور الدكتور محمد نصر منها عن "لقاء الأوروبية بالعربية في فكر الطهطاوي السياسي" فقال: "تعتبر تجربة رفاعة رافع الطهطاوي تجربة ثرية في التقاء الحضارة الغربية بالحضارة المصرية الإسلامية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وقد اتسمت هذه الفترة بثراء الترجمة من علوم الغرب وأدابه ونظمه في معالجة الشئون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ففي الفترة التالية لعام ١٨٠٥ كان محمد علي يحث أعضاء البعثات على تعريب الكتب الأجنبية، وكانت الحكومة تعلق على أعمال الترجمة أهمية كبرى لكي تظفر بأكبر عدد من الكتب المترجمة في أقل زمن". وقد قضى رفاعة الفترة ١٨٢٥-١٨٣١ في باريس التي أوفد إليها في بعثة تعليمية للعلم وعاش في باريس, وقد أخذ على نفسه أن ينقل إلى اللغة العربية تجربة الحياة الفرنسية وفيما يتعلق بالسياسة وأصولها، فإن رفاعة قرأ كتبا للمفكرين السياسيين الذين مهدوا للثورة الفرنسية كمونتسكيو وجان جاك روسو, وانعكس جهد رفاعة في هذا الخصوص على تأليف كتابي "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" و"مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية" وقد نشر رفاعة فيها آراءه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهناك أيضًا كتابا "المرشد الأمين للبنات والبنين" و"أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل" الذي يبين فيهما موقفه من الحكم على ضوء التجربة الفرنسية، ويمكن أن نتبين آراءه السياسية فيما يلي: كان رفاعة ذا ميل فطري إلى النظم الحرة، والحياة السياسية المقيدة بالقوانين، ويدلنا على ذلك أنه ترجم دستور فرنسا الذي كان معمولًا به عندما كان في باريس وما أدخل عليه من تعديلات، وكان بترجمته لهذا الدستور يرفع أمام بني وطنه مثلًا يقتدى به في الحياه السياسية المثالية، ولا سيما أنه ترجم هذا الدستور مبديًا رأيه فيه إذ قال: "ومن ذلك يتضح لك أن ملك فرنسا ليس مطلق التصرف، وأن السياسة الفرنساوية هي قانون مقيد بحيث إن الحاكم هو الملك بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القوانين التي يرضى بها أهل الدواوين". "ويبدو هذا الإعجاب من تعليقه على مواد هذا الدستور، فعلق على المادة الأولى منه وهي التي تنص على أن سائر الفرنسيين يتساوون أمام

стр. 292

الشريعة بقول معناه أن سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع أو وضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون, حتى إن الدعوى الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره" وعلق على المادة الثانية الخاصة بالمساواة في الضرائب بقوله: "وأما المادة الثانية فإنها محض سياسة ويمكن أن يقول إن المساواة في الضرائب ونحوها لو كانت مرتبة في بلاد الإسلام كما هي في تلك البلاد لطابت النفس ومن الحكم المقررة عند قدماء الحكماء الخراج عمود الملك". "وعلق على المادة الثالثة من الدستور الفرنسي التي تنص على أن كل واحد من الفرنسيين متأهل لأخذ أي منصب كان وأي رتبة كانت فقال: "وأما المادة الثالثة فلا ضرر فيها أبدًا بل من مزاياها أنها تحمل كل إنسان على تعهد تعلمه حتى يقرب من منصب أعلى من منصبه، وبهذا كثرت معارفهم ولم يقف تمدنهم على حالة واحدة". وعلق على المادة الثامنة الخاصة بحرية الرأي والنشر فقال: "وأما المادة الثامنة فإنها تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله مما لا يضر غيره فيعلم الإنسان أن سائر ما في نفس صاحبه". "وهكذا يمكن فهم فكر رفاعة السياسي من ثنايا وصفه السابق وتعليقاته على الدستور الفرنسي وعناصره الملكية والأورستقراطية وإثاره الثورة الفرنسية، وهو في وصفه للنظام القائم في فرنسا في ظل ميثاق لويس الثامن عشر وفي وصفه للثورة الفرنسية عندما نقض شارل العاشر ذاك الميثاق. إنما يصدر دائمًا عن منهج مقارن بين الحكم في فرنسا والحكم في مصر، وعن استهداف أن يكون تدبيرهم العجيب عبرة لمن اعتبر في بلاده فهو تسجيله للقيود على الحكم المطلق وللضمانات والحقوق التي كفلها الدستور الفرنسي للفرد, إنما ينقل إلى بلاده الطابع التحرري الذي تشرب به بين الفرنسيين والمثال الواقعي الذي اتخذته التحررية في السياسة الفرنسية". "وقد يبدو أن ما يثير العجب أن يلتفت رفاعة إلى الجانب السياسي التحرري من السياسة الفرنسية وأن يأخذ به ويتأثر به, ولكن طبيعته

стр. 293

وثقافته الإسلامية جعلته يدرك بعمق تفوق الفرنسيين في نظم الحكم. فالإسلام قد درج منذ البدء على أن يكون الحكم جانبًا هاما من جوانب الدين, ولقن هذا الدرس في مراكز الثقافة الإسلامية علماء المسلمين على مر العصور، ولقنوه لأجيالهم المعاصرة والمتعاقبة جيلًا بعد جيل, ويعد رفاعة الطهطاوي من هذه الناحية وارثًا للتراث الإسلامي وداعيًا لدروسه ومجتهدًا في المزاوجة بينه وبين التجربة العقلية على أسس من المنهج العلمي التاريخي المقارن, وهو في هذا إنما يسير على المنهج الذي سار عليه مفكرو العرب منذ البدء حين عملوا على بناء الحضارة العربية الجديدة من مزج بين تراث العرب وبين ما نقلوه من عناصر الحضارة المتعددة الجوانب والأصول١". ثانيًا: كتب الباحث يوسف ميخائيل أسعد مقالًا عنوانه: "لماذا تراجع الفن والأدب" وضح خلاله أسباب هذا التراجع فقال: "وقع هذا التراجع بالفعل من جانب الفن والأدب أمام تطورات العلم وتطبيقاته التكنولوجية، ولنضرب خمسة أمثلة فقط لتراجع الأدب أمام التيار العلمي التكنولوجي, والأمثلة التي نسوقها لنؤكد بها تراجع الفن أمام العلم والتكنولوجيا هي: أولًا: اختراع التصوير الفوتوغرافي، وكيف أنه ضرب التصوير الفني في الصميم لدرجة أن الفنانين من أصحاب الفرش والألوان قد هربوا من أمام هذا الطغيان الفوتوغرافي إلى معقل جديد هو التصوير الإبداعي التشكيلي. ثانيًا: اختراع الآلات الموسيقية ذاتية التشغيل بدءًا بالفونوغراف وانتهاء إلى الراديو وأجهزة التسجيل والكاست, لقد عملت هذه المخترعات على إحجام معظم الناس العاديين عن محاولة تعلم العزف الموسيقي، بل أنها ضربت معظم الناس بالسلبية. فصاروا يتلقون دون أن يقدموا. فكبار الموسيقيين احتلوا مكان الصدارة وصاروا هم الذين يعزفون فحسب، والجموع الغفيرة تستمع إلى ما يقومون بعزفه.

стр. 294

ثالثًا: لقد دخل الكومبيوتر حديثًا في مجال التأليف الموسيقي فصرنا نستمع إلى موسيقى لم يقم أحد الموسيقيين بوضع ألحانها، بل إن الكمبيوتر هو الذي دبج أنغامها. ولسوف تشيع بعد وقت قريب أو بعيد آلات موسيقية إلكترونية تضغط أنت على أزرارها لكي تقوم هي بتقديم الأنغام الجديدة المبتكرة إليك، فأنت سوف تصنع الألحان بنفسك، ولكن ليس بفنك في التلحين وليس اعتمادًا على موهبتك الموسيقية، بل بمجرد معرفتك طريقة تشغيل ذلك الجهاز الإلكتروني وبمجرد الضغط على أزراره البسيطة غير المعقدة التي تسمح بتشغيله فيقوم هو بالمهمة، وذلك بالتوفيق والتبادل بين أنغامه التي سبق له استيعابها. رابعًا: لقد قضت الآلة الكاتبة والمطبعة بكافة أنواعها على فنون الخط العربي, لقد كان الخط من الفنون التي لا تقل إبداعًا وعمقًا عن فنون التصوير المتباينة, ولكنك الآن تستطيع أن تدق على حروف الآلة الكاتبة بغير أن تتعلم فنون الخط فتخرج كتابتك مقننة على المستوى العالمي، أو قل إن خطك يكون نموذجيا بحيث لا تكون بحاجة إلى مزيد من تعلم فنون الخط, لقد صار الخط الكوفي والخط النسخ وخط الرقعة وغيرها في خبر كان, وسارت القاعدة هي أن تكتب بأي خط يتسنى لسكرتيرك أن تقرأه لتحيله إلى خط جميل مقنن على الآلة الكاتبة. خامسًا: لقد صارت الآلات المستخدمة في صناعات البلاستيك كفيلة بأن تقدم إليك التماثيل الجميلة التي تريدها لتزيين بيتك أو مكتبك بغير ما حاجة إلى التماس التماثيل الرائعة التي كان يقوم أحد مشاهير فناني النحت بصنعتها. أما الأمثلة التي نسوقها للبرهنة على تراجع الأدب أمام التدفقات العلمية والتكنولوجية فإنها تتلخص فيما يلي: أولًا: الترجمة وهذا الفن قد بدأ ينسلخ وينسحب ويهرب من أيدي الأدباء والمترجمين بعد أن بدأت أجهزة الكومبيوتر في تولي زمامه والسيطرة على مقاليده, صحيح أن هناك بعض التعديلات يجب أن تدخل

стр. 295

على الأجهزة الإلكترونية التي تعمل الآن بالفعل في هذا المضمار، ولكنها تعديلات بسيطة على كل حال. ثانيًا: هناك نوع من الطغيان العلمي على أقلام الأدباء من شعراء وناثرين, فلقد انتحى كثير من الأدباء إلى العلوم المتباينة يكتبون فيها, وبخاصة علم النفس، وبتعبير آخر صار العلم المتأدب يحتل مكانة رئيسية في المجالات الأدبية, وهذا معناه أن الرومانسية والتعبير عن الذات قد اأنزويا أو كاد أمام تيارات العلم المتأدب. ثالثًا: لا شك أيضًا أن التذرع بالعلم والتكنولوجيا أكسب ماديا ويبشر بالمستقبل الباسم لمن يقضي وقته فيهما, ومن ثم فإن الكثير من الشباب من ذوي الاستعدادات الأدبية النادرة، قد اختاروا طريق العلم والتكنولوجيا، وقد أشاحوا تمامًا عن طريق الأدب الذي لا يبشر بكسب أو بمستقبل, وهكذا نجد أن قياس النجاح في هذا العصر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاشتغال بالعلم والتكنولوجيا. وها أنت ترى أن الكليات العلمية والتطبيقية وقد غصت بالطلاب والدارسين، بينما خف الضغط نسبيا عن كليات الآداب. رابعًا: يظن البعض أن التليفزيون والسينما يشجعان الأعمال الأدبية القصصية التي يعرضانها, والواقع في رأينا أنهما يقومان بقتل تلك الأعمال واغتيالها وإفراغها من مضمونها الأدبي, فإذا أنت قارنت بين العمل الأدبي كما ألفه صاحبه، وبين نفس ذلك العمل الأدبي بعد إخضاعه للسيناريو ثم للإخراج والتمثيل، فإنك ستجد أن الأصل كان عملًا أدبيا رائعًا، أما العمل المعروض على الشاشة فإنه عمل تجاري أو جماهيري. ذلك أن القائمين على الأعمال السينمائية والتليفزيونية لهم قواعدهم التي يخضعون لها عندما يقومون بإعادة صياغته لعرضه على الشاشة، فما يصلح للإبقاء عليه للسينما والتليفزيون هي القشور لا الجوهر, أو قل هي الفكرة العامة وليس الدقائق التي تعطي العمل الأدبي أو القصة الروعة والحلاوة الأدبية. وهذه شهادة الكثيرين من أصحاب الأعمال القصصية أنفسهم التي عرضت على الشاشتين الكبيرة والصغيرة. خامسًا: لا شك أن وسائل الأعلام المسموعة والمرئية -وهي نتاجات علمية وتكنولوجية بالدرجة الأولى- قد استولت على أسماع وأنظار الغالبية العظمى من المواطنين، فهي بذلك تكون قد نبهت غالبية وقت فراغ الناس, وهو الوقت الذي كانوا يقضون جله في القراءة الأدبية وفي الإبداع الأدبي, ناهيك عن أن مجالات النشر قد سدت أمام شباب الأدباء الذين يرغبون في نشر ما يبدعون، وذلك لأن الإقبال على شراء المواد المطبوعة -وبخاصة المواد الجادة منها- قد قل بدرجة خطيرة مما يهدد الأدب والإنتاج الأدبي بالاضمحلال. وهكذا نجد أن الفن والأدب قد تراجعا ويتراجعان أمام تيار العلم والتكنولوجيا, والله وحده يعلم ما سيكون مصيرهما بعد أن تستولي الأجهزة الإلكترونية على مقاليد الإنتاج الفني والأدبي استيلاء تاما١.

стр. 296

ب- الأخبار: صحيفة فرضتها الأحداث، ارتبطت بكفاح الأمة المصرية وشعبها المناضل من أجل حريته وكرامته واستقلاله. أصدرها في البداية الشيخ يوسف الخازن أحد كبار الأدباء اللبنانيين، وتنازل عنها لدى عودته لبلاده لعبد الحميد حمدي صاحب جريدة "السفور" الذي أصدرها في أخريات ١٩١٨ وشاركه فيها حسن الشيخة أحد مدرسي مدرية الغربية. بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كانت ثورة ١٩١٩، وجاءت "الأخبار" ثمرة من ثمارها في فبراير ١٩٢٠ -وشغلت المدرسة اليونانية الموجودة بميدان الفلكي- وجعلها صاحبها المرحوم أمين الرافعي ١٨٨٦- ١٩٢٧ لسان صدق للحركة الوطنية، وصحيفة الحق والمسئولية. وقادت "الأخبار" الرأي العام، واهتمت بأفكار الوفد وخططه، وعنيت بنشاط رئيسه وأحاديثه, ثم أدمجت في صحيفة "اللواء" بسبب الظروف المالية -في اسم واحد هو "اللواء والأخبار" في ١٠ من مايو ١٩٢٥، وبعد العدد الصادر في ٢٢ من أغسطس ١٩٢٥ عادت كل صحيفة إلى استقلالها.

стр. 297

وظلت "الأخبار" تواصل رسالتها وتواكب الأحداث حتى تعرضت لأزمة مالية توقفت على أثرها في فبراير ١٩٢٦ ثم عادت إلى الظهور في ١٢ من مارس ١٩٢٦، واحتلت مكانتها بين الصحف المصرية، تولى أمين الرافعي كتابة مقال فيها كل يوم، وأحيانًا أكثر من مقال في اليوم، وبجانب هذا كانت له دراسات وافية عن المفاوضات وسياسة الإنجليز في مصر، وخص الدستور بمقالات تعد من أروع ما كتب عن حق الشعب في حكم نفسه. وحملت "الأخبار" دعوته ١٩٢٥ للساسة وأعضاء البرلمان أن يعقد اجتماعاته دون الالتفات إلى رأي الحكومة المخالف للدستور، فاستجابوا له، وفرضت مقالاته على القصر والحكومة إعادة الحياة النيابية في مصر. استكتبت "الأخبار" الشخصيات البارزة من أمثال حسين رشدي، وعبد الخالق ثروت، وعبد الرحمن الرافعي وغيرهم، وجاءت مقالاتهم في مفاوضات "ملز" والمشروع الذي قدمته اللجنة مرجعًا سياسيا في ذلك المشروع الذي كان له أثره في تطور الأحداث في مصر. وظلت "الأخبار" محتجبة عن الجماهير بعد رحيل أمين الرافعي ١٩٢٧ حتى تنازل شقيقه المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي عن ممتلكاتها للمرحوم علي أمين ١٩١٤- ١٩٧٧ وشقيقه مصطفى أمين الذي لا زال يواصل عطاءه الصحفي حتى اليوم, ومن ثم عادت إلى الظهور باسم "أخبار اليوم" ١٩٤٤ الأسبوعية و"الأخبار" اليومية ١٩٥٢. ولقد أحدثت سلسلة مقالات مصطفى أمين في "أخبار اليوم" دويا هائلًا، وسببت له أزمات عديدة مثل: سلسلة مقالات قصة فاروق التي وافق الزعيم الراحل جمال عبد الناصر على نشرها، ثم عاد وأمر بوقف نشرها، وسلسلة مقالات "قصة التسعة" التي تحكي تفاصيل ثورة يوليو ١٩٥٢ وأسرارها وأسماء التسعة الذين يؤلفون مجلس الثورة، ثم توقفت بناء على أوامر عبد الناصر الذي ألح -بواسطة جمال سالم- ألا يعرف إنسان أن عبد الناصر مصدر هذه المعلومات؛ لأن المقالات أحدثت فتنة بين أفراد القوات المسلحة إذ ذاك وهذه نماذج من المقالات التي حفلت الأخبار.

стр. 298

أولًا: كتب الأستاذ موسى صبري رئيس تحرير الأخبار مقالًا عنوانه: "الرفيق المفاضل حافظ الأسد" جاء فيه: "هل يمكن لنزوة معارضة عند المشتغل بالسياسة، أن تحجب عينيه عن النظرة العادلة، وأن توقف عقله عن التفكير الطبيعي, وهل يمكن لهذه النزوة أن تنطق لسانه، بما يجب أن يثير الضحك، حيث كان يريد أن يبعث على الجد. سألت نفسي هذا السؤال وأنا أقرأ خطابًا لخالد محيي الدين رئيس حزب التجمع الماركسي، أذاعه راديو دمشق والخطاب كان في حضرة الرئيس حافظ الأسد, والخطاب كان موجهًا من خالد محيي الدين إلى حافظ الأسد، وموضوع الخطاب إهداء جائزة سلام إلى رجل السلام حافظ الأسد. الذي يهديه خالد محيي الدين جائزة سلام باسم "مجلس السلام العالمي". نعرف أن مجلس السلام العالمي هو إحدى المنظمات الشيوعية، التي اتخذت هذا الاسم الخادع, بل نعرف أن رجال الدين في أوروبا وغيرها، قد جذبهم الشعار وتصوره صدقًا وأصبحوا أعضاء في هذا المجلس الشيوعي, وهم ليسوا بشيوعيين, وقد مررت بنفسي بهذه التجربة". "ولكننا نعرف أيضًا أن خالد محيي الدين وهو عضو مبرز في هذا المجلس، يعرف تمامًا، كيف تحصد الأرواح في مدن سوريا, وكيف تقتحم الدبابات بيوت السكان الآمنين, ويخرجون الرجال والشباب الذين يقفون تحت رهبة السلاح ووجوههم إلى الحيطان، لكي ينطلق الرصاص -رصاص السلام في عرف خالد محيي الدين- إلى ظهورهم, وتقع الضحايا بالمئات وينتقل الغزو البربري من مدينة إلى أخرى!. ولكننا نعرف أيضًا أن خالد محيي الدين يعرف تمامًا، قصة الوجود السوري المسلح على أرض لبنان من بدايتها, ومن التكرار الممل أن تعيد أن قوات حافظ الأسد -رجل السلام في عرف خالد محيي الدين- دخلت بحجة الدفاع عن الفلسطينيين، وعادت فقتلت الفلسطينيين نساء وأطفال في تل الزعتر, ثم رفعت حجة الدفاع عن المسلمين وقتلت المسلمين, ثم زعمت دفاعًا عن المسيحيين فقتلت المسيحيين, ثم ادعت دفاعًا عن التقدميين فقتلت زعيم التقدميين كمال جمبلاط! ".

стр. 299

"كل هذا الدم العربي الذي خضب أرض لبنان، من قوات حافظ الأسد استحق جائزة سلام يهديها إليه خالد محيي الدين باسم مجلس السلام الشيوعي! ولأنه سلام شيوعي فلا بد أن يتميز عن السلام الذي يؤمن به كل البشر، ويسعى إليه الإنسان في كل مكان, إنه سلام من يعارضون السلام.. إنه سلام من يحصدون الأرواح في أفغانستان, وهذا السلام في أفغانستان قد حظي بتأييد رجل السلام حافظ الأسد, وأما السلام الذي ينادي بأن حرب أكتوبر هي آخر الحروب, فهو سلام يرفضه خالد محيي الدين "والرفيق المناضل" حافظ الأسد -وهذا تعبير خالد عنه- وهو يقول عنه أمام الأسد: إنه ليس سلامًا ولكنه مؤامرة! لقد ضحكت وأنا أقرأ هذه المسرحية, ولكنني لا أنكر أنني تساءلت, إذا كان هذا -في عرف المعارضة "الوطنية الشريفة"- هو المستباح فهل أستطيع في تعليقي إلا أن أخرج باللفظ عن حدود المباح!! أحمد الله أنني استطعت١". ثانيًا: وكتب الدكتور حسن شلبي عن "إعجاز القرآن من الروماني إلى الشعراوي" فقال: "يأتي رمضان يدق الأبواب، وينزل على الأحباب، ويتخير من المنازل أسخاها كرمًا، ومن القلوب أصفاها ودا، ومن النفوس أعلاها هوى ورضا، ويهتم فيه الجميع بالقرآن؛ لأنه شهر القرآن أنزله الله فيه بينات من الهدى والفرقان, وأرجع بخاطري إلى العلماء الأفذاذ الذين اهتموا بإعجاز القرآن في عصور ماضيه وفي عصرنا الحديث أيضًا, أما العصور الماضية فيلفتني من بينهم علي بن عيسى الروماني المتوفى ٣٨٦هـ ألف: "النكت في إعجاز القرآن" نجده يرجع وجوه إعجاز القرآن إلى سبعة مواضع: ترك المعارضة مع توافر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصرفة، والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة، ونقض العادة، وقياس القرآن بكل معجزة، فكلام الله كلام يتلى فيستقر في القلب، وهو معجز ومغمم للخاصة والعامة أيضًا. وأبو سليمان حمدين محمد الخطابي المتوفى ٣٨٨هـ في رسالته عنه: "إعجاز

стр. 300

القرآن" يعرض فيها أراء القائلين في إعجاز القرآن مثل الجمع بين القصص وغيرها في سورة واحدة، وصرف الله قلوب المشركين عن معارضتها، وإخباره عن الأحداث المستقبلة, ثم يثبت رأيه في إعجاز القرآن، فيبين أن الكلام الفاصل ثلاثة أقسام: بديع رصين جزل، فصيح قريب، سهل جائز مطلق، ومن هنا: إعجاز القرآن؛ لأنه أخذ من كل قسم، وجمع ذلك في قوة واحدة، فكان إعجازه وبلاغته". "وأبو بكر محمد الطيب البقلاني المتوفى ٤٠٣هـ ألف كتابه: "إعجاز القرآن" تكلم فيه عن سبل البلاغة، وبلاغة الرسول، وإعجاز القرآن، ولا يوافق من قال بالصرفة؛ لأن التحدي لا يتفق معها، ثم يرد إعجاز القرآن إلى ثلاثة: ما تضمنته الأخبار عن الغيب، وما فيه من قصص الأنبياء مع أمية الرسول وبلاغته, فلما جاء أمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني المتوفى ٤٧١هـ فقد ألف رسالة وكتابة: أ- رسالة الشافية في الإعجاز مضمونها أن القرآن أعجز العرب ولكنه لم يتعرض لتفصيل سبب الإعجاز الذي بسطه في: ب- كتابه "دلائل الإعجاز" عني فيه بنظم القرآن، مرجعًا إعجاز القرآن إليه، ويقصد أن القرآن في حروفه وألفاظه وتراكيبه، وما ضم ذلك من معان، وجاء على أحسن صورة، لا يستطيع أحد معها أن يأتي بمثلها، فكل ما جاء في القرآن معلق بعضه على بعض، مبني بعضه على بعض، وذلكم سر الإعجاز في النظم القرآني الذي وضع الكلام الذي يقتضيه علم النحو". "أما في عصرنا الحديث فقد كتب العديد من العلماء المصريين في إعجاز القرآن كالرافعي ومتولي الشعراوي، أما رأي مصطفى صادق الرافعي في كتابه "إعجاز القرآن والبلاغة النبوية" فيوجزه في ثلاث نقاط: فالقرآن معجز لاستقرار القرآن وثباته على الزمان، وهو شريعة وأخبار وآداب، ولدفعه النسيان عن اللغة العربية، فهو وجود لغوي ركب كل ما فيه على أن يبقى خالدًا مع الإنسانية: يدفع عن هذه اللغة العربية النسيان الذي لا يدفع عن شيء؛ ولأن معانيه تتوالد وتتكاثر، وتتجدد حسب قدرته على كل عصر في استخلاص معانيه". "أما رأي الشيخ محمد متولي الشعراوي فمنثور في كتابه القيم "معجزة القرآن" موجز في خمس نقاط، فالقرآن معجز لعطائه الذي يتجدد مع كل

стр. 301

جيل من الأجيال بمعنى أن أسرار الوجود وضعت في القرآن، لذلك يعطينا جديدًا في كل عصر حسب قدرة كل جيل في تناوله وفهم أسراره، ولتأثيره القوي في الناس على اختلافهم، وتباين بيئاتهم، وتعدد ثقافاتهم، وتنوع اتجاهاتهم، ويعني هذا تقديمه لكل عقل ما يرضيه، ولبلاغته التي مثل لها بدقة التعبير المعجز في كثير من آيات القرآن ولتحديه العرب يلقنه عندما نزل وتحدى البشر جميعًا، والعالم أجمع بالمغيبات مثل إننا لن نخلق ذبابة، لن نخلق نهرًا مع أن مكونات الماء بين أيديكم، والإخبار عن المغيبات مثل تمزيقه حواجز الغيب: المكان والزمان ماضيًا أو مستقبلًا، فأخبرنا من ذلكم بما لم نكن نعرفه، ولاستوائه وعدم تناقضه في ذاته، وعدم تصادمه مع الحقائق الكونية والعلمية، فالتقدم العلمي -مثلًا- غير كثيرًا من مفاهيم الكون، لكنه لم يستطع تغيير مفاهيم معنى الآيات الكريمة, إأن الإعجاز في القرآن إعجاز دائم، وأسراره لا تتناهى، إنه معجزة يوم أنزل، وفي هذا العصر، وفي العصور القادمة إلى أن تقوم الساعة ستظل أرواحنا خاشعة أمام جلال القرآن وبهائه وقدرته وهيمنته وسلطانه١". ثالثًا: كتب الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف مقالًا تناول فيه الحديث عن كتاب "محاكمة عرابي" للصحفي إسماعيل يونس، وحلقات "فواكه الشعراء التي قدمتها للتليفزيون الأستاذة أمينة الصاوي فقال عن الكتاب: "لذيذة هي قراءة التاريخ الحق، وألذ ما يكون هذا التاريخ إذا كان إنصافًا لبطل مظلوم، أو إثباتًا لحق مهضوم، أو تصحيحًا لحكم طاش به الهوى، وصدر عن غرض لئيم, لهذا سعدت كثيرًا بقراءة كتاب "محاكمة عرابي" الذي كتبه زميلنا الأستاذ إسماعيل يونس إنصافًا للزعيم الوطني الثائر أحمد عرابي، وعاش من أجله خمسة عشر عامًا يفتش في دهاليز الوثائق، ويحقق الوقائع، ويمحص الروايات، وكان لا بد أن يكتب شيئًا، فكتب هذا الكتاب إنصافًا لذلك الذي خلق الثورة في وجدان هذا الشعب". "لقد قام الزعيم أحمد عرابي بثورته الوطنية على أساسين: أولهما

стр. 302

مصر للمصريين, وثانيهما أننا أحرار ولسنا عبيدًا نورث بعد اليوم، وإذا كان الحكم على الأشياء بأسبابها ونتائجها فلا شك أن عرابي قد نجح نجاحًا باهرًا في دعم هذين الأساسين وتأصلهما في كيان الشعب المصري. ومن هنا كانت الثورة العرابية هي الأصل في كل ثوارتنا الوطنية، وهي الطريق الذي سار عليه الشعب في معارك الكفاح والنضال الوطني. ولكن الخيانة غدرت بالزعيم البطل وهو في حومة المعركة، ومكنت الاستعمار من أن يحيط به بعد أن عجز عن أن ينال منه في موقف البطولة والشجاعة، وفوجئ بالهزيمة التي دخلت عليه من باب الغدر والخيانة فاستسلم، وصنع له الاستعمار والوخونة الذين جاءوا بالاستعمار محكمة ومحاكمة، واتهموه بالخيانة، وحكموا عليه بالإعدام، ثم قذفوا به في مهاوي النفي تسعة عشر عامًا، وعاشوا يلوثون شخصه وتاريخه بالافتراءات والأكاذيب". "ولقد كانوا يلقون في أذهاننا الغضة ونحن على مقاعد الدرس روايات مزورة يتهمون فيها البطل عرابي بالخيانة لوطنه، ويزعمون أن الخونة من الخديويين ومن بعدهم من الأمناء على هذا الوطن، وأن الاستعمار هو الذي نهض بمصر، وحرر المصريين، ومما يدعو إلى الأسى والألم أن المؤرخين المصريين الذين كتبوا تاريخنا المعاصر كانوا يتملقون الأسرة الحاكمة أو يرهبون بأسها كانوا يسكتون على هذا الافتراء على عرابي، وفي يوم استقدم الملك فؤاد مؤرخًا أجنبيا ليكتب كتابًا سماه "إسماعيل المفترى عليه" ودفعتنا الغيرة الوطنية، وكنا مجموعة من الشباب في مجلة الرسالة التي كان يصدرها الأستاذ الزيات إلى أن نرد الافتراء على عرابي، وبدأ المرحوم الأستاذ "محمود الخفيف" ينشر فصوله المتتابعة في الرسالة تحت عنوان: "عرابي المفترى عليه" وقامت قيامة السراي أو القصر الملكي على هذا الكتاب الذي بدأ يكشف عن مواقع الخيانة، وطلبوا وقف نشر هذه الفصول وهي التي جمعها وأضاف إليها كل ما كتبه في كتابه "عرابي المفترى عليه"". "لقد عرض الزميل الأستاذ إسماعيل يونس قضية عرابي مع الخونة والاستعماريين في معرض التاريخ الحق، فرد إلى الرجل اعتباره في البطولة والشرف والنزاهة والوطنية، وكشف الحقيقة في تلك المحاكمة المزيفة التي

стр. 303

صنعها الاستعمار والخونة على هواهم، وحاولوا أن يستروا بها أغراضهم المريبة، والحق أن المؤلف الفاضل قد وفق توفيقًا كبيرًا في أن يقدم صورة صادقة نقية عن الزعيم العظيم، لا تشرف عرابي فحسب بل إنها تشرف وطنه وأبناء شعبه على امتداد التاريخ". وعن حلقات "فواكه الشعراء" قال: "تراثنا من الأدب العربي حافل بألوان ممتعة من الفكاهات والمسامرات والقصص والنوادر الأدبية والشعرية التي تعتبر مادة خصبة لأدب روائي رائع، وعروض تمثيلية تملأ النفلس بالبهجة والبشاشة، وتقدم إلى العقل زاد من العلم والفهم لأسرار النفس الإنسانية، وقد اهتم القدماء بهذه الألوان التي شاعت وملأت المجالس والمحافل في العصر العباسي الزاهر، فجمعوا منها مادة وفيرة في مؤلفات كثيرة مثل "فاكهة الظرفاء" و"محاضرات الأصبهاني" و"نوادر الحصري" إلى آخر ما هناك. أحوج ما يحتاج إليه هذا التراث هو العرض في أسلوب يلائم روح العصر، وتصوير تمثيلي يكشف أسراره وما فيه من نزعات إنسانية، وقد كانت هذه القضية موضع مناقشة من قبل، وبدأ الأستاذ توفيق الحكيم التجربة في ذلك، فكتب صورًا تمثيلية من أدب الجاحظ، وجمع نسقًا من النوادر فسر به حياة "أشعب" الطماع في كتاب سماه "حياة معدة" وبقي الأمل مرتبطًا بهذا العمل حتى طال به الأمد، ولهذا شدني التليفزيون العربي ببرنامج جديد يعرضه بعنوان "فواكه الشعراء" إذا رأيت فيه بعثًا لذلك الأمل الذي انتظرنا تحقيقه". "وفواكه الشعراء" حلقات تتناول قصص ونوادر أبي الأسود الدؤلي واضع علم النحو، والشاعر زند بن الجون الذي اشتهر في الأدب العربي باسم أبو دلامة، ومطيع بن إياس الشاعر الفكه الذي نادم الأمراء وعاش مع الخلفاء ونال صلاتهم الجزيلة إلى آخر من هناك من الشعراء وأصحاب الفكاهة والظرف الذين ملئوا المجالس والمحافل بنوادرهم وسمرهم في العصرين الأموي والعباسي, أما التي تولت هذه العروض في كتابة القصة والسيناريو والحوار فهي أستاذة تمرست بهذا الفن، ولها فيه خبرة وثقافة وهي الأستاذة "أمينة الصاوي" والحق أنها كانت بارعة في حبكة القصة، وتسلسل الحوار، أمينة في تصوير الموقف وتوضيح مدلوله، كما كانت موفقة إذ حرصت على تجرد هذه القصص والمسامرات من حديث الخمر، ومن العبارات المبتذلة، والكلمات التي يمكن أن تقال على بساط الشراب، وليس من الجائز أن تعرض على الأنظار، وأن تخدش الأنظار, إنه في الحقيقة عمل أدبي رائع، وعرض جديد لبعث هذا الجانب من تراثنا الأدبي إلى الحياة من جديد، وهو أقرب ما يكون إلى الروح العربية والذوق العربي من تلك الألوان التي نستوردها من الخارج. وأنا أرجو الأديبة أمينة أن تثابر على تقديم هذه العروض فقد كان والدها يدرس لنا الأدب العربي، وأنا أعرف أنها أخذت عن والدها الكثير, وإنها تشبعت بهذا اللون الطريف من فواكه الشعراء ومسامرات الأدباء، وأن يحرص التليفزيون العربي على أن يقدم إلى المشاهدين هذا الزاد الشهي من الفكاهة والثقافة والفن١".

стр. 304

جـ- الجمهورية: جاءت هذه الصحيفة ثمرة من ثمار ثورة يوليو ١٩٥٢ التي قضت على الملكية والملك والفساد، وأعلنت الجمهورية في ربوع البلاد، وأشركت العمال والفلاحين في مؤسسات الدولة، وكان لا بد من صحيفة تعبر عن هذا التغيير في جلاء ووضوح، فكانت "الجمهورية" ١٩٥٣، وتولى الإشراف عليها المرحوم صلاح سالم أحد ضباط مجلس قيادة الثورة. تولى الكتابة في هذه الصحيفة نفر من رجال الفكر والأدب والثقافة من أمثال: محمد توفيق دياب ١٨٨٧-١٩٦٧ العديد من المقالات على صفحاتها منذ إنشائها، وظل يواصل الكتابة فيها بدافع من وطنيته حتى أقعده المرض عن الكتابة فيها ١٩٦٠ كما كتب فيها الشاعر العاطفي كامل الشناوي واحتل مكانًا مرموقًا بين العاملين فيها حتى أمر المشرف -صلاح سالم- على الصحيفة أن يوضع اسمه فوق أسماء رؤساء التحرير باعتباره أبرز الصحفيين تفهما لإدارة التغيير الثوري في البلاد. ولا زال يكتب العديد

стр. 305

فيها من الكتاب اللامعين والعلماء النابهين من أمثال حافظ محمود، ومحسن محمد، وإبراهيم الورداني، وعبد المنعم الصاوي، وعبد الرحمن فهمي، ومختار الوكيل، وعواطف عبد الجليل وغيرهم من قادة الفكر والثقافة، وسنضع أمام ناظريك بعض المقالات التي حفلت صحيفة "الجمهورية" بها في أوقات مختلفة: أولًا: كتب شيخ الصحفيين حافظ محمود مقالًا عنوانه: "ما وراء ١٨ يونيو" فقال: "ينبغي أن تذكر اليوم -١٨ يونيو- كما تذكر سلسلة الأيام التاريخية التي غيرت مجرى الحياة في مصر, وهذه الأيام في تاريخنا الحديث هي: يوم قيام الثورة في ٢٣ يوليو ١٩٥٢ يوم إعلان الإصلاح الزراعي في ٩ سبتمبر ١٩٥٢ يوم إعلان النظام الجمهوري وسقوط النظام الملكي في ١٨ يونيو ١٩٥٣. ومن هذه الأيام يبرز يوم الثامن عشر من شهر يونيو، وهو يحمل قيمتين ضخمتين من قيم التاريخ المعاصر. فيوم أعلنا النظام الجمهوري في الثامن عشر من يوليو ١٩٥٣ كان هذا الإعلان تحولًا عن أسلوب الحكم الذي ساير الحياة السياسية في مصر آلاف السنين, ويوم أتممنا جلاء القوات المحتلة عن مصر في الثامن عشر من يوليو ١٩٥٦ كان نقطة تحول ليس في تاريخنا فحسب، بل في تاريخ العالم كله؛ لأن جلاء هذه القوات كان البداية الحقيقية لتصفية الاستعمار القديم، ذلك الاستعمار الذي لم يستطع أن يسترد مكانته القديمة بعد هذا التاريخ؛ لأن ما تم يومئذ كان من معقباته أن عقلية الدولة الغربية الكبرى قد تغيرت، ولم تعد ترى أن هناك جدوى من تحقيق مصالحها بأسلوب الاستعمار". "جدير بنا في هذا اليوم أن نتدبر عبر التاريخ، كيف تم التحول الكبير في تاريخنا, ففي بداية القرن التاسع عشر اجتمع أولو الرأي من المصريين ليولوا عليهم حاكمًا غير مصري, وفي ثورة الشعب المصري في بداية ثمانينات القرن التاسع عشر كانت كل الظروف مهيأة لتغيير نظام الحكم، لكن الزعماء الوطنيين أنفسهم تهيبوا عند هذا التغيير، وفي ثورة ١٩١٩ كان الشعب ينادي أحيانًا بالثورة على العرش، لكن الزعماء الوطنيين أنفسهم تهيبوا من اتخاذ هذه الخطوة, وهكذا نستطيع أن نقول أن إسقاط الحكم الملكي وإعلان الحكم الجمهوري في الثامن عشر من يونيو ١٩٥٣ كان تغييرًا

стр. 306

جذريًا في عقلية القيادة السياسية الحديثة في مصر, وبتغيير هذه العقلية تغيرت ملامح وجه السياسة المصرية تغيرًا كاملًا". "لقد عمل الشعب المصري كل ما يمكن عمله لإخراج قوات الاحتلال, وترجم الساسة إرادة الشعب في مفاوضات بدأت منذ ١٩٢٠ وتكررت هذه المفاوضات مرات ومرات إلى أن جاءت بمعاهدة ١٩٣٦ التي نص فيها على الجلاء بعد عشرين سنة من هذا التاريخ، لكن هذه السنوات العشرين لم تكن تخلو من أسباب صنعها الاستعمار للبقاء على وجوده, وهنا لا بد أن نذكر أن شعب مصر كان في مكافحة إرادة الاستعمار وحيدًا لا تمتد إليه يد العون من أحد لدرجة أننا حين ذهبنا إلى مجلس الأمن في ١٩٤٧ كي ينتصف لنا من الدولة المحتلة، أحالنا مجلس الأمن إلى مائدة التفاوض معها من جديد، وظلت هذه المفاوضات تتعثر إلى أن بلغت الغاية باتفاقية أكتوبر ١٩٥٤ وهي الاتفاقية الوحيدة التي نفذت فعلًا في يونيو ١٩٥٦ نتيجة للمتغيرات التي طرأت على السياسية المصرية وما كان لها من أثر في المحيط الدولي وصدى في السياسة البريطانية ذاتها. "من هذا كله يتعين لنا مبلغ أهمية الثامن عشر من شهر يونيو ١٩٥٦ ولقد أرادت القوى المضادة أن تفقد مصر مزية هذا اليوم، فدبرت العدوان الثلاثي على مصر في آخر أكتوبر من نفس السنة، لكن التغيير الذي كان قد طرأ على الإرادة المصرية بدد هذا التدبير، ثم جاءت إسرائيل في يونيو ١٩٦٧ لتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وكان التدبير المضاد هذه المرة أكثر إحكامًا حتى خيل للعالم أننا قد رجعنا إلى الوراء أجيالًا، لكن الإرادة المصرية الجديدة قد استردت قوتها في أكتوبر ١٩٧٣ فحولت الهزيمة إلى نصر، واستردت مصر مكانتها مضاعفة، وأصبحت ضلعًا من الأضلاع المرموقة في السياسة الدولية. فمن الناحية العسكرية أصبحت الخطط المصرية من الدروس العسكرية في العالم كله, ومن الناحية السياسية أصبح الأسلوب الذي استثمرنا به النصر مضرب الأمثال على الصعيد العالمي، وأصبح الذين يتكلمون الآن عن حلول المشاكل الدولية يحاولون أن يتمثلوا بما صنعته مصر على طريق السلام بعد نصر أكتوبر".

стр. 307

"إذن فيوم الثامن عشر من يونيو الذي نحتفل به اليوم كان من أيام المقدمات المجيدة في التاريخ المعاصر، وشاء الله ألا تكون هذه المقدمات لمصر وحدها، بل والعالم الثاني وهذه المنطقة, وتلك حقائق تاريخية ينبغي أن نسجلها وأن ننشرها وأن نعلنها لأبنائنا وأبناء الشعوب المحيطة بنا ليعلموا ماذا صنع شعب مصر لحركة التحرير داخل مصر وخارجها"١. ثانيًا: كتب الدكتور كمال جعفر أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم عقب أحداث الزاوية الحمراء بين المسلمين والمسيحيين مقالًا عنوانه: "هذا الخلاف افتراء على الإسلام والمسيحية" جاء فيه: "لا يجوز أن يقال أبدًا ما حدث في حي الزاوية الحمراء بالقاهرة أخيرًا جاء عن مشاعر دينية، فهذا القول أبعد ما يكون عن تعاليم الدين أي دين فضلًا عن أن يكون الإسلام أو المسيحية. والبشر دائمًا يختلفون ويتفقون فهذه سنة الحياة ما دامت مصالح الناس يطرأ عليها التعارض أو تتوفر لأحدهما عوامل الترجيح تجاه الآخر, لكن أصحاب المشاعر الدينية المتمسكين بتعاليم السماء يرفضون العدو عند الاختلاف أو الخصومة، فأخلاق الأديان السماوية جميعًا السماحة والتسامح والعفو عند المقدرة. ولسنا في حاجة إلى ضرب الأمثال من حياة نبي الله عيسى أو نبي الله محمد عليهما الصلاة والسلام، فالأول واجه من عناد قومه وآذاهم الكثير والكثير، فلم يرفع عصا في وجه أحد، ولم يقذف بحجر، والثاني حيثما اشتد به أذى قومه وعجزت منه الوسائل لم يفعل إلا أن توجه إلى الله قائلًا: $"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون". بل إن المسيحية ذهبت في التسامح إلى الحد الذي اشتهر معه مقولتها بأن"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر" والإسلام عندما شرع القصاص ورد الاعتداء حبب في العفو، وجاء في كتابه الكريم ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ و ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .

стр. 308

"ويحفظ لنا التاريخ حوار بين النبي ﷺ ووفد نصارى "نجران" حينما جاءوا إليه في المدينة في عام الوفود لمناقشته ما جاء به، لقد سمح لهم بالصلاة في مسجده، وطال النقاش بين الطرفين, هو يشرح لهم رسالته الخاتمة، وهم يرفضون، فلم يؤذهم ولم يحرض عليهم، وإنما دعاهم في النهاية إلى "المباهلة" وهي صلاة مشتركة يدعو فيها الطرفان الله على الكاذب منهما، ويحكيها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فاعتذر وفد نصارى نجران عن الاشتراك في هذه "المباهلة" ورضوا لأنفسهم البقاء على عقيدتهم، فتركهم النبي وما أرادوا، وكفوا هم أيديهم عنه، وزاد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه على ذلك بأن أعطاهم الأمان على أنفسهم وديارهم وأموالهم. أمام هذا التسامح الديني والمنطق التشريعي لا يحل لمختلفين دينا أن يتشاجرا ويتقاتلا، وإذا لم يستطيعا قضى خلافهما بالتسامح أو الحسنى فإن القانون كفيل بأن يعطي كل ذي حق حقه". "هكذا يعرف المسلمون الإسلام، ويعرف المسيحيون المسيحية، ويعرف كل منهما الآخر بحقائق دينه، ولم يستطع شعب من شعوب الأرض على مدى تاريخه أن يترجم هذه المعرفة إلى حياة عملية وواقعية مثالية أكثر من شعب مصر، فعلى الرغم مما حدث في الزاوية الحمراء فإن المسلمين والمسيحيين يتعايشون ويتعاملون ويتزاورون في الصحة والمرض, ويتحابون في كل حي في القاهرة وفي غيرها من المدن والقرى، يعلنون أسفهم لما حدث ويطلبون التحاكم إلى القانون والضرب على أيدي المذنبين وأنصار الفتنة، ومن هنا فإن إلصاق ما حدث أخيرا بنزاع بين أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية هو محض افتراء١". ثالثًا: كتب الأستاذ أبو الحجاج حافظ مقالا، تضمن قصة قصيرة

стр. 309

عنوانها: "المركب.... والبلاليص!! " جاء فيه: "يجلس الفقي أمام منزل شقيقته في الساحل المطل على النيل، تتعلق عيناه بهذا المراكب التي لا ينقطع انسيابها فوق صفحة الماء الهادئ المتلألئ بشمس الصعيد الحارة الواضحة القريبة جدا من الناس، ويسرح طرفه بعيدًا بعيدًا مع تلك الموجات المتحدية القادمة من الجنوب إلى الشمال تحمل الري والنماء. وكانت المراكب تتزود بالزاد قبل أن تطلق الشراع لرحلة الشمال تحمل معها هذه الأواني التي لا ينقطع سيلها أبدًا, البلاليص فهي تارة تحمل عسلًا أسود, وتارة تحمل مشّا أبيض, وتارة ملوحة حمراء, والعسل الأسود من قصب السكر, وكانت عملية ملء هذه المراكب بهذه البلاليص تشكل مهرجانًا في المركب بطريقة رائعة وبسيطة وسط أغان لا جدال أن ألحانها قديمة قدم هذا الشط وهذا الإنسان". "وكان يحلو للفتى أن يقض كل وقته في هذا المكان يتصيد من فوق صفحة النيل نسماته المنعشة، وتتعلق عيناه بكل ما يرى وتدور في رأسه الذكريات والآمال تلو الآمال، فوالده الشيخ يذكر له أنه سافر القاهرة بحرًا على هذه المراكب ليدرس في الأزهر الشريف ويعود عالمًا من علماء الدين قبل أن تسير القطارات إلى هذه البلاد, وكثير من القصص عما رأى بابنه هذه المراكب في رحلاتهم إلى الشمال, وحديثهم عن البحر الكبير أكبر من النيل, الذي هو في نظر الفتى كبير كبير أكبر بكثير من القنوات والترع". "وكان الفتى يأمل أن تحمله إحدى هذه المراكب يومًا معها ليرى حقيقة كل ما سمع ويشاهد بنفسه ما لم تصدقه أذنه من قبل، ومرت أيامه في أقصى الصعيد وجاء يوم الرحيل لاستكمال دراسته وسط معارضة قوية تخاف على الابن الوحيد وتراث والده والمندرة والتقاليد, وبقدرة سعادة الفتى بقرار استكمال تعليمه بقدر خيبة أمله في عدم السفر على ظهر إحدى هذه المراكب فالقطارات الآن كثيرة متعددة، وتقطع المسافة إلى القاهرة في يوم واحد بدلًا من أسبوعين أو ثلاثة بالمراكب والبلاليص". "وفي القاهرة كان يحلو له أن يتوجه إلى روض الفرج حيث تصل مراكب الصعيد. وقد فوجئ بمرساة وميناء خاص لهذه المراكب، وكان

стр. 310

يتطلع إلى الوجوه السمراء على هذه المراكب عليه يرى "بلدياته" فيدعوهم إلى مقهى صغير في روض الفرج، ويقضي معهم ساعات يستمع فيها إلى أخبار الصعيد والساحل. وتمر الأيام والفتى يكبر ويتعلم وتتسع مداركه وهو يحاول البحث عن الحقيقة في المدينة الكبيرة وفي دراسته في كلية الحقوق واتصالاته بأبناء بلدته في القاهرة, ومنهم من كان يحلو له أن يسميهم دائمًا "بناة الحضارة" ويقول: جنت عليهم الحضارة وهم عمال التراحيل, بناة العمارات والمعاهد ودور العلم والمعرفة والثقافة, كل مبنى دليل حضارة, وهم بناة حضارة, بنوها منذ الفراعنة هناك في الأقصر والعرابة المدفونة، وبنوها الآن في القاهرة والأسكندرية والمدن الحديثة". "وتمر الأيام وتقل مراكب البلاليص وتتحول البلاليص إلى صفائح معدنية لامعة عليها كتابات وإشارات تدل على ما تحمله. ويعود الفتى إلى الساحل ويجلس مع بناة المراكب ويستمع إلى القصة, لقد عدل التجار عن استعمال البلاليص، لقد كانت البلاليص تحمل الملوحة الحمراء والعسل الأسود, ولم يعد أحد يجد لماء النيل طعمًا مقبولًا ... ربما خافوا أن تحمل تياراته هذا الطعم إلى الشمال أو إلى حيث يشرب الزائر أو السائح فلا يعود ليشرب مرة أخرى, ويرد الفتى ساخرًا: لو كانت القنبلة أصابت بلاليص العسل فقط ربما كنتم قد تركتموها, فماء النيل سيكون حلو المذاق لذيذ الطعم, أم أن ضرورة التطور وحركة الحياة هي التي أحالت ما تحمله المراكب من فخار إلى صفيح؟؟ "١.

стр. 311

الفصل الثالث: الوان من المقال في صحف اليوم مدخل ... الفصل الثالث: ألوان من المقال في صحف اليوم تطالعنا الصحف اليومية بمقالات شتى، وخواطر متنوعة، وأفكار عديدة، وصور موحية في موضوعات مختلفة، وبأساليب متباينة لكتاب عديدين، يعرضون خلالها أفكارهم وانطباعاتهم، ويتناولون فيها أوضاع المجتمع وأحوال الناس بالتوجيه تارة، والنقد أخرى، أو يحاولون بث المثل الفاضلة والصفات الحسنة، ويعمدون في كتاباتهم إلى الوضوح، ولا سيما إذا كانوا يصورون عاطفة وطنية، أو وجدانًا دينيا. ويعنى المقال الصحفي اليوم أول ما يعنى بأخبار العالم وأهم الحوادث اليومية: داخلية أو خارجية أو رسمية أو شعبية؛ لذا كان لا بد أن ينزل الكاتب لمستوى الجمهور في الفهم والإدراك، بحيث لا يتكلف في ألفاظه فتأتي أفكاره واضحة، ومعانيه سهلة أثناء قراءتها. ولم تعد الصحف اليوم تفتتح بمقال يومي -كما كان الحال منذ مطلع هذا القرن- لكاتب مشهور أو رئيس تحرير. وإنما حل مكانه "الريبورتاج" والتعليق على الأخبار وما أشبه ذلك. وأهم ما يميز صحف اليوم اشتمالها على العمود الصحفي الذي يقوم على الخاطرة التي هي بداية الأفكار والحقائق. العمود الصحفي: أبرز ما يميز الصحف المعاصرة العمود الصحفي الذي ظهر خلال الفترة ١٩٢٢-١٩٤٢ موزعًا على أبواب شتى بعناوين ثابتة تتضمن سياسة وأدبًا واجتماعًا وعلومًا واقتصادًا وزراعة وصناعة ورياضة، وتساق في شكل قصة قصيرة تدور حول مسائل تشغل أفراد المجتمع كله

стр. 312

أو طائفة منه. ويعنى كتاب الأعمدة -في المقام الأول- بالموضوعات الإنسانية التي تحتاج إلى غزارة العواطف، والقدرة على التأمل في سلوك الناس، وتحليل هذا السلوك تحليلًا يقوم على قواعد علم النفس الحديث, ومن ثم أشبه كاتب العمود بالأديب في الأول -التأمل- والفيلسوف في الثاني -التحليل- وهو في الحالين يحتاج إلى قوة البيان وجمال الأسلوب وحلاوة التعبير والقدرة على ربط الأحاسيس وإدماج التأملات، حتى يستخرج منها مادة إنسانية تمتع العقول، وتريح المشاعر. وتغذي الوجدان. ومن هنا كانت الأعمدة ذات الموضوعات الإنسانية أقرب المواد الصحفية إلى الأدب الخالص؛ لأنها تضم القيم الفنية الثلاث: عمق التفكير وغزارة الشعور، وجمال التعبير، ولذا لزم أن يتمتع الكاتب بتجارب ذاتية ومعارف إنسانية، واطلاع واسع وثقافة عريضة، وقدرة على التأمل حتى يحقق إسعاد الآخرين. ويحتل العمود الصحفي مكانًا مرموقًا في صحفنا اليوم، ويأتي متطرفًا في أقصى الصحيفة على اليسار، أو في أعلى الصفحة الأخيرة من اليمين، وقد يحتل مكانًا واسعًا من الصحيفة. المهم في العمود الصحفي أن يكون مكانه وعنوانه وكاتبه ثابتًا, ولما كان العمود الصحفي لا يعدو أن يكون خاطرة عابرة أو فكرة طارئة أو رأيًا محددًا في مشكلة من مشكلات القراء في سطور قليلة لا استطراد فيها. لذا لزم أن نقف على العنصرين الأساسيين للعمود الصحفي وهما: الخاطرة والفكرة، ونضيف إليهما فن الصور والكاريكاتير. تلك هي الألوان التي تحمل مشاعر الكاتب وعواطفه إزاء صور الحياة ومشاكلها، ونطالعها في الصحف كل يوم.

стр. 313

أولًا: الخاطرة مدخل ... أولا: الخاطرة هي لمحة ذهنية خاطفة لحادث عرض، تحمل مشاعر الكاتب ازاءه، وتخلو من الاسانيد، ولا تحتاج الى حجج على صدقها، ولا تتجاوز - غالبًا- عمودًا في الصحيفة. ويحتاج هذا اللون من الكتابة الصحفية إلى ذكاء الكاتب، وقوة ملاحظته، ويقظة وجدانه، ومجاراة الطابع الصحفي الذي يهتم بالأشياء القصيرة ذات الدلالة الكبيرة، ويؤثرها على الكتابة المطولة التي تتسم بالإسهاب والإفاضة. عالج هذا اللون من الكتابة المرحوم أحمد أمين، فكتب أربع عشرة خاطرة، ونشرها بمجلة "الثقافة" تباعًا ١٩٥٢ تحت عنوان "مدرسة جديدة"١. ويعد -كذلك- المرحوم زكي مبارك صاحب خطرات، إذ كان يتحدث عن خاطرة، ثم يستطرد منها إلى أخرى، ثم يعود إلى ما كان بصدد الحديث عنه. والخاطرة من الألوان النثرية التي نشأت في ظل الصحافة المعاصرة، وجاءت تحت عناوين ثابتة، لا تتغير من يوم لآخر على النحو الذي سنوضحه بعد. ومن كتاب هذا اللون في الصحف المصرية اليوم: أحمد الصاوي محمد وأنيس منصور، ومحمد زكي عبد القادر، وإبراهيم الورداني، ونعمان عاشور، ومختار الوكيل، ومحسن محمد، وعبد الرحمن فهمي، وصلاح منتصر، وعبد السلام داود، وإبراهيم سعدة، وعلي شحاته، وعبد العاطي حامد، ومحمد الطنطاوي، وعواطف عبد الجليل وغيرهم من رجال الصحافة المعاصرين. وسنحاول أن تقف على الخواطر التي تضمها صحفنا اليومية الشهيرة: الأهرام, الأخبار, الجمهورية.

стр. 314

في الأهرام: تطالعنا صحيفة "الأهرام" بالعناوين الثابتة كل يوم: صندوق الدنيا لأحمد بهجت، ومجرد رأي لصلاح منتصر، ورأي الأهرام، وموقف لأنيس منصور. تحت هذه العناوين يكتب الكتاب ما يدور بخلدهم، أو يقع حولهم من أمور الدين والسياسة والاجتماع والأدب، وها هي نماذج من هذه العناوين: أ- صندور الدنيا: يحرره الأستاذ أحمد بهجت، ويتناول فيه أشياء عديدة، تحدث عن البنوك الإسلامية فقال: "نشرت الصحف صورة للمؤسسين في المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية، وتفاءل الناس خيرًا بميلاد بنك إسلامي جديد, وتأكد ذلك بتقديم طلب لهيئة الاستثمار لإصدار القرار القاضي بإنشاء البنك, ثم اختلفت أقلية من المؤسسين نسبتهم ٤.٦% أي: أقل من ٥% حول انتخاب مجلس الإدارة, قدمت شكوى لهيئة الاستثمار كان المفروض ألا يؤثر هذا الخلاف في الإجراءات القانونية لإنشاء البنك، لكن الإدارة القانونية لهيئة الاستثمار اعتبرت أن هذا العائق يحول دون المضي في إمضاء إجراءات الإنشاء، وللآن لم يصدر القرار بإنشاء البنك". "وتصور أن واجب الدولة هو التدخل لحل الخلافات التي تنشأ بين مؤسسي البنوك الإسلامية، وتشجيع هذه البنوك على الميلاد والعمل، لا الوقوف منها موقف المتفرج، ولا ريب أن المساعدة في إنشاء البنوك الإسلامية هو الطريق الجاد لإنشاء المجتمع الإسلامي والمساهمة في تحقيق الشريعة الإسلامية, والمعروف أن الشريعة الإسلامية كل لا يتجزأ بمعنى أنها ليست أجزاء يمكن الأخذ ببعضها أو طرح البعض الآخر، وإنما هو جوهر حياة عام يبدأ من الاقتصاد، وينتهي بالسلوك اليومي في البيع والشراء والعمل والحب والزواج". "ولكن القاعدة العريضة لهذا كله هي الاقتصاد. والأصل أن الإسلام يقوم على نظام ينكر الربا ولا يتعامل به, ومن ثم فإن المساعدة في إنشاء البنوك الإسلامية يعتبر إسهامًا حقيقيا في تحقيق الشريعة، ولو لاحظنا الاتجاه العام سواء على المستوى الشعبي أو المستوى الرسمي فسوف ندرك أن هناك اتجاهًا لتطبيق الشريعة الإسلامية, إن المادة الثانية من الدستور، وهي المادة التي ستعرض على مجلس الشعب لتعديلها تقضي بأن "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" وكان الأصل أنها مصدر من مصادر لا المصدر الرئيسي؛ لتشجيع قيام البنوك الإسلامية

стр. 315

إذن ولتتدخل لحل الخلافات التي تنشأ بين موسيسها، وأخيرًا تريد من الإدارة القانونية لهيئة الاستثمار أن تتعاون من أجل هذا الهدف العام"١. ب- مجرد رأي: يتابع كتابة خواطر هذا الباب الأستاذ صلاح منتصر، ويتناول أشياء في مناسبات مختلفة، فقد تحدث عن لعبة السفارات فقال: "الذين شاهدوا سفارة السويد في قلب القاهرة. قالوا إنها ليست سفارة ولكنها قلعة تعمل أبوابها الحديدية أوتوماتيكيا، ويجتاز الداخل إليها نقط مراجعة عديدة, ولم تكن القاهرة هي المقصودة ببناء هذه القلعة الدبلوماسية، ولكنه قرار للحكومة السويدية اتخذ منذ سنوات مضت يقضي بأن تقام كل سفارة جديدة للسويد في أي بلد بصورة تمكن هذه السفارة من مواجهة احتمال هجوم عليها, وتصادف أن كانت سفارتهم في القاهرة هي أول سفارة ينطبق عليها القرار، ولذلك تم بناؤها بهذا الشكل". "ويبدو أن السويد كانت على حق في تفكيرها بالنسبة للسفارات, ففي السنتين الأخيرتين تحولت السفارات في عدد كبير من دول العالم إلى أسهل مكان لممارسة الإرهاب, وبعد أن كانت هذه السفارات تعيش في أذهان البشر كدور العبادة المحرم انتهاكها أصبح من السهل أن يقتحم أي مسلح أي سفارة ويشد انتباه العالم إليه، ويعلن مطالبه ويفرض بالبندقية التي يحملها لغة جديدة من عالم معروف أنه وصل إلى قمة النظم في العدالة وتطبيق القوانين وحماية المجتمع من الخارجين على هذا القانون". "وقبل موضة السفارات الجديدة كانت الموضة من قبل "خطف الطائرات" وبعد أن كان لا يخطف الطائرات إلا المحترفون، دخل الهواة اللعبة ووصل الهزار السخيف إلى استخدام بعض المختطفين بنادق اللعب لتخويف الطيارين وإرغامهم على تغيير مسارهم. وقد دفع ملايين الركاب الأبرياء الذين يستقلون الطائرات ثمن هذه العمليات، وأصبحت إجراءات

стр. 316

التفتيش في المطارات عذابًا لهم, وأصبح الراكب في نظر المطار "مختطفا" إلى أن يثبت العكس. ومع زيادة حوادث السفارات الجديدة أتوقع أن تتحول السفارات إلى قلاع وموظفوها إلى فتوات وأن يدفع زوارها ثمنًا جديدًا من العذاب والتفتيش والمراجعة وسوء المعاملة, ففي مجتمع حائر لا يعرف كيف يحمي نفسه, يرتكب المجرمون الجرائم, ويدفع الأبرياء الثمن"١. جـ- رأي الأهرام: عنوان ثابت في الأهرام، يضم أشتاتًا مختلفة في مناسبات عديدة، ولا ينسب لكاتب معين، فقد تناول قضية الرهائن الأمريكيين في إيران، فجاء فيه ما يلي: "الخطأ لا يؤدي إلا إلى خطأ آخر, ولا شك أن القيادات الإيرانية قد ارتكبت خطأ جسيمًا ضد المجتمع الدولي وقوانينه وقواميسه الدبلوماسية عندما باركت ذلك الاعتداء الذي قامت به مجموعة من الطلاب على السفارة الأمريكية, كان تصرف تلك المجموعة الطلابية منذ البداية خطأ كبير, وكان أبسط مسئوليات القيادات الإيرانية هو تصحيح هذا الخطأ فورًا، واستنكار هذا العمل والتصدي له. لكن هذا الخطأ من جانب الطلاب قابله خطأ أكبر من جانب القيادة الإيرانية عندما خرجت لا تستنكر هذا العمل، وإنما لتباركه وتؤيده وتربطه بقضية إنسانية هي قضية المطالبة بالشاة السابق الذي ذهب إلى أمريكا للعلاج من مرض حقيقي ثبت بالقطع أنه مرض خطير". "وتتابعت الأخطاء بعد ذلك من جانب السلطة الإيرانية المتنازعة، وبدا واضحًا أنه لم يكن هناك مسئول يملك اتخاذ القرار في إيران وهو الأمر الذي أدى بعد ذلك إلى المصادمات العنيفة التي جرت بعد ذلك في الشارع الإيراني والجامعة الإيرانية, وكان من الطبيعي بل ومن الضروري أن

стр. 317

تدافع أمريكا عن سياسيتها المعتدى عليها في سفارتها ودبلوماسيها المقبوض عليهم، ومن ثم كان التفكير في تلك العملية التي لم يكتب لها التنفيذ لأسباب لا تزال غامضة، وإن كان من المؤكد أن الإيرانيين أنفسهم لم يكن لهم دخل فيها, وإذا كان العالم يواجه اليوم قضية هذا العمل العسكري، فمن الطبيعي أن يبدأ بالبحث عن الأساس، ويسأل: من الذي بدأ الخطأ وتتابعت على يديه الأخطاء, هذا هو جوهر القضية"١. د- مواقف: عمود يحرره الأستاذ أنيس منصور في الصفحة الأخيرة من صحيفة الأهرام يتناول فيه مواضع عديدة وأحداثًا شتى وانطباعات مختلفة، وقد تحدث فيه عن طيبة المصريين فقال: "كثيرًا ما أشعر أننا نحن المصريين "عبطاء" أي، طيبون أكثر من اللازم، وليس لذلك علاج، فمن مظاهر عبط المصريين التسامح مع من شتمهم وأهانهم، وليس أسهل عليك من أن تعانق من أهانك -أنت الذي تعانقه- وتقول: صافية كاللبن. مع أن المفروض هو أن تنتظر من أهانك حتى يعتذر لك ويطلب منك الصفح عنه، ولكنا نبادر بالصفح والسماح عملًا بالمثل الشعبي الذي يقول: أقصر الش, الباب الذي يجيء منه الريح أقفله لتستريح, ويا بخت من بات مظلومًا لا ظالمًا, العفو من شيم الكرام, ويا بخت من قدر وعفا, مثلًا في مصر الآن فنانون عرب, انفتح لهم التليفزيون والحفلات العامة، ومن المؤكد أنهم قد أهانوا مصر في مناسبات معروفة بالصوت والصورة، وينسى المصريون ذلك لا لأن المصريين ضعاف الذاكرة، ولكن لأنهم أكبر من هؤلاء الانتهازيين من النساء والرجال؛ ولأن وجودهم في مصر يكفي عقابًا لهم ولهن, فلو كانت بلادهم كريمة عليهم لعاشوا فيها، ولكنهم ضاقوا ببلادهم وضاقت بهم، واتسعت لهم صدور المصريين وموائدهم ومحلاتهم". "أما الشيء المدهش حقا فهو أن يتصور هؤلاء السفلة أن وجودهم

стр. 318

هنا ضعف مصري؛ لأنهم ضرورة فنية, ولأنه لو كان في مصر من هو أحسن منهم ما سمحت لهم بالبقاء والتعالي على أمثالهم من المصريين, ولكنهم لا يعرفون الحقيقة السياسية والأخلاقية, نحن بلد اللاجئين السياسيين من كل لون ودين ولأسباب إنسانية من ناحية ولأسباب سياسية أيضًا، فإذا كان قد لجأ الشاه إلينا، فمن الممكن أن نستقبل الخميني والقذافي وحافظ الأسد والملك حسين ولنفس السبب لا تسامحا ولا عفوًا، وإنما رحمة بالضعيف الذي هو "عزيز قوم ذل" ولن يقول أحد من المصريين -أدبا وحياء وأصالة- أيها الشاتمون لمصر عودًا إلى بلادكم"١. تلك نماذج من الخواطر التي جاءت بصحيفة الأهرام تحت عناوين ثابتة، لكتاب عديدين، وتناولت مختلف أسباب الحياة وقضايا المجتمع وأحداث العالم، فقد دعا أحمد بهجت في صندوق الدنيا إلى إنشاء البنوك الإسلامية؛ لأن الإسلام ينكر نظام الربا والتعامل به, ووصف صلاح منتصر في مجرد رأي الأبوب الحديدية الضخمة بسفارة السويد بالقاهرة حتى أصبحت قلعة حصينة بعد أن أصبحت السفارات في معظم دول العالم مكانًا لممارسة الإرهاب, وتابع محرر رأي الأهرام قضية الرهائن الأمريكيين بإيران، والأخطاء التي ارتكبتها القيادة الإيرانية ضد المجتمع الدولي وقوانينه الدبلوماسية، لمباركتها اعتداء بعض الطلاب على السفارة الأمريكية بإيران, وتحدث أنيس منصور في مواقف عن طيبة المصريين وتسامحهم حتى لمن شتمهم وأهانهم، مما جعل مصر بلد اللاجئين السياسيين من كل لون ودين.

стр. 319

في الأخبار وأخبار اليوم: تطالعنا صحيفة الأخبار كل يوم بالخواطر ذات العناوين الثابتة التالية: كلمة اليوم, ما قل ودل للأستاذ أحمد الصاوي محمد، ونحو النور لمحمد زكي عبد القادر، وعلامة استفهام لعبد السلام داود. وتزيد أخبار اليوم التي تصدر صبيحة كل يوم سبت الخواطر التالية تحت العناوين الثابتة الآتية: آخر عمود لإبراهيم سعدة, العزف على الهواء لعلي شحاته، مواجهة لعبد العاطي حامد، رأي بالعربي لمحمد الطنطاوي، جولة الفكر لنعمان عاشور، نحو الغد لحسين فهمي. وهي خواطر تدور حول الأحداث التي تقع في المجتمع سواء كانت سياسية أو اجتماعية، أو هي انطباعات ذاتية حول موقف من المواقف، وها هي نماذج منها. أ- كلمة اليوم: لا يُنسب هذا العنوان الثابت لقائل معروف، ويتناول الأحداث التي تشهدها الساحة العربية أو ترتبط بها، ويضم موضوعات مختلفة. وقد جاء فيه عن المراحلة الجديدة بعد خطاب الرئيس أنور السادات في مجلس الشعب يوم الأربعاء ١٤/ ٥/ ١٩٨٠ ما يلي: "ليس من الصواب أن نصف العمل الذي نقوم به الآن في نطاق التحرك الوطني بأنه تغيير، فإننا لم نغير مسيرتنا الديمقراطية ولم نتحول عنها أبدًا، وليس القصد في تنظيم أجهزة الحكم وتوزيع مسئوليات العمل بأسلوب جديد هو تغيير أشخاص بأشخاص، وإنما نحن بصدد مرحلة جديدة تمضي فيها مسيرتنا الديمقراطية وعملنا للبناء الوطني إلى الأمام, وهكذا بدأنا حياتنا في العمل الوطني من الصفر أو ما تحت الصفر، وكان لا بد أن نمضي في هذا البناء بأسلوب التطور، وأن نقطع طريق البناء على مراحل، كل مرحلة لها ما يلائمها من أسلوب العمل وتحديد الأهداف وتركيز الاتجاه، وعلى هذا الأساس قطعنا طريقنا مرحلة بعد مرحلة، وكل مرحلة حققت أهدافها وأغراضها، وبهذا أخذت مسيرتنا طريقها إلى الأمام". "فالمرحلة التي نعمل لمواجهتا اليوم بداية من فراغ، ولا يمكن أن نقول إننا فشلنا، ونريد أن نصحح هذا الفشل بتنظيم جديد في شكله وفي أشخاصه، وإنما هو عمل متصل متطور، وبهذا التطور ننتقل إلى مرحلة تتسع فيها أبعاد العمل، وتزيد فيها المسئوليات والإيجابيات، وتلك هي سنة التطور، فإذا كنا نستقبل مرحلتنا الجديدة بكل ما فينا من عزيمة وثقة وإيمان، فنحن لا ننسى أبدًا تلك المرحلة التي قطعناها من قبل، ولن ننسى ما قامت به وزارة الدكتور مصطفى خليل من عمل بناء، وما بذلت من جهد

стр. 320

وجدان العالم الإسلامي، وما تلك المعاهد الدينية التي انتشرت في عهده المبارك إلا أثارًا لجهاده العظيم, والتي تزخر اليوم بالآف التلاميذ المؤمنين بالحياة الأخلاقية والتربية القرآنية". "رحم الله الإمام كان مثالًا للجهاد والنشاط، فلم يثنه كبر السن عن نظم الدعوة في المحافظات وفي خارج البلاد وافتتاح بيوت الله في كل مكان, والتشجيع على تشييدها والحث على عمارتها، وكان داعيًا مخلصًا يدعو إلى الله على بصيرة ويحبب في التوبة النصوح، والعودة إلى حياة الإيمان بأسلوبه الروحي الجميل، فتحمل هذه النسمات العاطرة ذلك الأسلوب الروحي إلى كل القلوب التي هي في حاجة ماسة إلى مثل هذا الغذاء الروحي ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ١. جـ- نحو النور: يحرره الأستاذ محمد زكي عبد القادر، وهو كغيره يتناول فيه أشياء شتى من السياسة والدين والاجتماع والمشاكل التي تعاني مصر والأمم منها، فقد كتب عن مشكلة "العقول المهاجرة" فقال: "تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من مهارات ما يقرب من نصف المغتربين من أبناء العالم الثالث، ويقدر عددهم بنحو نصف مليون شخص، كانوا إضافة لثروة أمريكا من العقول المهاجرة، وفي الوقت نفسه أنشئوا ما أطلق عليه مشكلة "استنزاف العقول" وهي مشكلة تعاني منها الأمم المتقدمة والأمم النامية، إذ لا تقتصر هجرة هذه العقول على الأمم النامية فحسب، ولكنها تتناول أيضًا الأمم المتقدمة". "وقد بدأت هجرة العقول في أعقاب الحرب العالمية الأولى بأعداد قليلة لم تكن تشكل ظاهرة ذات أثر إلا أنها أخذت تنمو وتتزايد حتى أصبحت في الخمسينات والستينات من هذا القرن خطرًا حقيقيا لافتًا للنظر. وكانت منطقة الجذب الكبرى لهذه العقول هي الولايات المتحدة الأمريكية
следующие страницы →