← Адаб

Адаб · id 10540

المقال وتطوره في الأدب المعاصر

السيد مرسي أبو ذكري

Полный текст (374 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التفتيش في المطارات عذابًا لهم, وأصبح الراكب في نظر المطار "مختطفا" إلى أن يثبت العكس. ومع زيادة حوادث السفارات الجديدة أتوقع أن تتحول السفارات إلى قلاع وموظفوها إلى فتوات وأن يدفع زوارها ثمنًا جديدًا من العذاب والتفتيش والمراجعة وسوء المعاملة, ففي مجتمع حائر لا يعرف كيف يحمي نفسه, يرتكب المجرمون الجرائم, ويدفع الأبرياء الثمن"١. جـ- رأي الأهرام: عنوان ثابت في الأهرام، يضم أشتاتًا مختلفة في مناسبات عديدة، ولا ينسب لكاتب معين، فقد تناول قضية الرهائن الأمريكيين في إيران، فجاء فيه ما يلي: "الخطأ لا يؤدي إلا إلى خطأ آخر, ولا شك أن القيادات الإيرانية قد ارتكبت خطأ جسيمًا ضد المجتمع الدولي وقوانينه وقواميسه الدبلوماسية عندما باركت ذلك الاعتداء الذي قامت به مجموعة من الطلاب على السفارة الأمريكية, كان تصرف تلك المجموعة الطلابية منذ البداية خطأ كبير, وكان أبسط مسئوليات القيادات الإيرانية هو تصحيح هذا الخطأ فورًا، واستنكار هذا العمل والتصدي له. لكن هذا الخطأ من جانب الطلاب قابله خطأ أكبر من جانب القيادة الإيرانية عندما خرجت لا تستنكر هذا العمل، وإنما لتباركه وتؤيده وتربطه بقضية إنسانية هي قضية المطالبة بالشاة السابق الذي ذهب إلى أمريكا للعلاج من مرض حقيقي ثبت بالقطع أنه مرض خطير". "وتتابعت الأخطاء بعد ذلك من جانب السلطة الإيرانية المتنازعة، وبدا واضحًا أنه لم يكن هناك مسئول يملك اتخاذ القرار في إيران وهو الأمر الذي أدى بعد ذلك إلى المصادمات العنيفة التي جرت بعد ذلك في الشارع الإيراني والجامعة الإيرانية, وكان من الطبيعي بل ومن الضروري أن

стр. 317

تدافع أمريكا عن سياسيتها المعتدى عليها في سفارتها ودبلوماسيها المقبوض عليهم، ومن ثم كان التفكير في تلك العملية التي لم يكتب لها التنفيذ لأسباب لا تزال غامضة، وإن كان من المؤكد أن الإيرانيين أنفسهم لم يكن لهم دخل فيها, وإذا كان العالم يواجه اليوم قضية هذا العمل العسكري، فمن الطبيعي أن يبدأ بالبحث عن الأساس، ويسأل: من الذي بدأ الخطأ وتتابعت على يديه الأخطاء, هذا هو جوهر القضية"١. د- مواقف: عمود يحرره الأستاذ أنيس منصور في الصفحة الأخيرة من صحيفة الأهرام يتناول فيه مواضع عديدة وأحداثًا شتى وانطباعات مختلفة، وقد تحدث فيه عن طيبة المصريين فقال: "كثيرًا ما أشعر أننا نحن المصريين "عبطاء" أي، طيبون أكثر من اللازم، وليس لذلك علاج، فمن مظاهر عبط المصريين التسامح مع من شتمهم وأهانهم، وليس أسهل عليك من أن تعانق من أهانك -أنت الذي تعانقه- وتقول: صافية كاللبن. مع أن المفروض هو أن تنتظر من أهانك حتى يعتذر لك ويطلب منك الصفح عنه، ولكنا نبادر بالصفح والسماح عملًا بالمثل الشعبي الذي يقول: أقصر الش, الباب الذي يجيء منه الريح أقفله لتستريح, ويا بخت من بات مظلومًا لا ظالمًا, العفو من شيم الكرام, ويا بخت من قدر وعفا, مثلًا في مصر الآن فنانون عرب, انفتح لهم التليفزيون والحفلات العامة، ومن المؤكد أنهم قد أهانوا مصر في مناسبات معروفة بالصوت والصورة، وينسى المصريون ذلك لا لأن المصريين ضعاف الذاكرة، ولكن لأنهم أكبر من هؤلاء الانتهازيين من النساء والرجال؛ ولأن وجودهم في مصر يكفي عقابًا لهم ولهن, فلو كانت بلادهم كريمة عليهم لعاشوا فيها، ولكنهم ضاقوا ببلادهم وضاقت بهم، واتسعت لهم صدور المصريين وموائدهم ومحلاتهم". "أما الشيء المدهش حقا فهو أن يتصور هؤلاء السفلة أن وجودهم

стр. 318

هنا ضعف مصري؛ لأنهم ضرورة فنية, ولأنه لو كان في مصر من هو أحسن منهم ما سمحت لهم بالبقاء والتعالي على أمثالهم من المصريين, ولكنهم لا يعرفون الحقيقة السياسية والأخلاقية, نحن بلد اللاجئين السياسيين من كل لون ودين ولأسباب إنسانية من ناحية ولأسباب سياسية أيضًا، فإذا كان قد لجأ الشاه إلينا، فمن الممكن أن نستقبل الخميني والقذافي وحافظ الأسد والملك حسين ولنفس السبب لا تسامحا ولا عفوًا، وإنما رحمة بالضعيف الذي هو "عزيز قوم ذل" ولن يقول أحد من المصريين -أدبا وحياء وأصالة- أيها الشاتمون لمصر عودًا إلى بلادكم"١. تلك نماذج من الخواطر التي جاءت بصحيفة الأهرام تحت عناوين ثابتة، لكتاب عديدين، وتناولت مختلف أسباب الحياة وقضايا المجتمع وأحداث العالم، فقد دعا أحمد بهجت في صندوق الدنيا إلى إنشاء البنوك الإسلامية؛ لأن الإسلام ينكر نظام الربا والتعامل به, ووصف صلاح منتصر في مجرد رأي الأبوب الحديدية الضخمة بسفارة السويد بالقاهرة حتى أصبحت قلعة حصينة بعد أن أصبحت السفارات في معظم دول العالم مكانًا لممارسة الإرهاب, وتابع محرر رأي الأهرام قضية الرهائن الأمريكيين بإيران، والأخطاء التي ارتكبتها القيادة الإيرانية ضد المجتمع الدولي وقوانينه الدبلوماسية، لمباركتها اعتداء بعض الطلاب على السفارة الأمريكية بإيران, وتحدث أنيس منصور في مواقف عن طيبة المصريين وتسامحهم حتى لمن شتمهم وأهانهم، مما جعل مصر بلد اللاجئين السياسيين من كل لون ودين.

стр. 319

في الأخبار وأخبار اليوم: تطالعنا صحيفة الأخبار كل يوم بالخواطر ذات العناوين الثابتة التالية: كلمة اليوم, ما قل ودل للأستاذ أحمد الصاوي محمد، ونحو النور لمحمد زكي عبد القادر، وعلامة استفهام لعبد السلام داود. وتزيد أخبار اليوم التي تصدر صبيحة كل يوم سبت الخواطر التالية تحت العناوين الثابتة الآتية: آخر عمود لإبراهيم سعدة, العزف على الهواء لعلي شحاته، مواجهة لعبد العاطي حامد، رأي بالعربي لمحمد الطنطاوي، جولة الفكر لنعمان عاشور، نحو الغد لحسين فهمي. وهي خواطر تدور حول الأحداث التي تقع في المجتمع سواء كانت سياسية أو اجتماعية، أو هي انطباعات ذاتية حول موقف من المواقف، وها هي نماذج منها. أ- كلمة اليوم: لا يُنسب هذا العنوان الثابت لقائل معروف، ويتناول الأحداث التي تشهدها الساحة العربية أو ترتبط بها، ويضم موضوعات مختلفة. وقد جاء فيه عن المراحلة الجديدة بعد خطاب الرئيس أنور السادات في مجلس الشعب يوم الأربعاء ١٤/ ٥/ ١٩٨٠ ما يلي: "ليس من الصواب أن نصف العمل الذي نقوم به الآن في نطاق التحرك الوطني بأنه تغيير، فإننا لم نغير مسيرتنا الديمقراطية ولم نتحول عنها أبدًا، وليس القصد في تنظيم أجهزة الحكم وتوزيع مسئوليات العمل بأسلوب جديد هو تغيير أشخاص بأشخاص، وإنما نحن بصدد مرحلة جديدة تمضي فيها مسيرتنا الديمقراطية وعملنا للبناء الوطني إلى الأمام, وهكذا بدأنا حياتنا في العمل الوطني من الصفر أو ما تحت الصفر، وكان لا بد أن نمضي في هذا البناء بأسلوب التطور، وأن نقطع طريق البناء على مراحل، كل مرحلة لها ما يلائمها من أسلوب العمل وتحديد الأهداف وتركيز الاتجاه، وعلى هذا الأساس قطعنا طريقنا مرحلة بعد مرحلة، وكل مرحلة حققت أهدافها وأغراضها، وبهذا أخذت مسيرتنا طريقها إلى الأمام". "فالمرحلة التي نعمل لمواجهتا اليوم بداية من فراغ، ولا يمكن أن نقول إننا فشلنا، ونريد أن نصحح هذا الفشل بتنظيم جديد في شكله وفي أشخاصه، وإنما هو عمل متصل متطور، وبهذا التطور ننتقل إلى مرحلة تتسع فيها أبعاد العمل، وتزيد فيها المسئوليات والإيجابيات، وتلك هي سنة التطور، فإذا كنا نستقبل مرحلتنا الجديدة بكل ما فينا من عزيمة وثقة وإيمان، فنحن لا ننسى أبدًا تلك المرحلة التي قطعناها من قبل، ولن ننسى ما قامت به وزارة الدكتور مصطفى خليل من عمل بناء، وما بذلت من جهد

стр. 320

وجدان العالم الإسلامي، وما تلك المعاهد الدينية التي انتشرت في عهده المبارك إلا أثارًا لجهاده العظيم, والتي تزخر اليوم بالآف التلاميذ المؤمنين بالحياة الأخلاقية والتربية القرآنية". "رحم الله الإمام كان مثالًا للجهاد والنشاط، فلم يثنه كبر السن عن نظم الدعوة في المحافظات وفي خارج البلاد وافتتاح بيوت الله في كل مكان, والتشجيع على تشييدها والحث على عمارتها، وكان داعيًا مخلصًا يدعو إلى الله على بصيرة ويحبب في التوبة النصوح، والعودة إلى حياة الإيمان بأسلوبه الروحي الجميل، فتحمل هذه النسمات العاطرة ذلك الأسلوب الروحي إلى كل القلوب التي هي في حاجة ماسة إلى مثل هذا الغذاء الروحي ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ١. جـ- نحو النور: يحرره الأستاذ محمد زكي عبد القادر، وهو كغيره يتناول فيه أشياء شتى من السياسة والدين والاجتماع والمشاكل التي تعاني مصر والأمم منها، فقد كتب عن مشكلة "العقول المهاجرة" فقال: "تستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من مهارات ما يقرب من نصف المغتربين من أبناء العالم الثالث، ويقدر عددهم بنحو نصف مليون شخص، كانوا إضافة لثروة أمريكا من العقول المهاجرة، وفي الوقت نفسه أنشئوا ما أطلق عليه مشكلة "استنزاف العقول" وهي مشكلة تعاني منها الأمم المتقدمة والأمم النامية، إذ لا تقتصر هجرة هذه العقول على الأمم النامية فحسب، ولكنها تتناول أيضًا الأمم المتقدمة". "وقد بدأت هجرة العقول في أعقاب الحرب العالمية الأولى بأعداد قليلة لم تكن تشكل ظاهرة ذات أثر إلا أنها أخذت تنمو وتتزايد حتى أصبحت في الخمسينات والستينات من هذا القرن خطرًا حقيقيا لافتًا للنظر. وكانت منطقة الجذب الكبرى لهذه العقول هي الولايات المتحدة الأمريكية

стр. 321

بما أفسحت من صدرها، وطوعت من قوانينها في الهجرة والإقامة واكتساب الجنسية، فضلًا عن تراثها الذي ساعد على دفع مرتبات ومزايا مغرية مع ارتفاع مستوى المعيشة ومستوى الكسب وانفتاح الأمل في مستقبل باهر، ليس من الناحية المادية فحسب، ولكن أيضًا من الناحية العلمية والفنية بتوافر الأجهزة العلمية والتكنولوجية، وتوافر الحرية وانطلاقها في البحث وبلوغ أية نتائج مهما تكن, وشعرت الدول والشعوب نامية ومتقدمة، بأن هذا النزوح المستمر للعقول سيجردها من بعض أسباب التقدم والتفوق، بينما يتيح للدول التي تنزع إليها هذه العقول مزيدًا من التقديم والتفوق". "ومن هنا كان تفكير بعضها وسعيها إلى الحد من هجرة هذه العقول وأخذت تسعة من البلدان النامية تسعى إلى مقاومة نزوح الأدمغة بدعوى ذوي الكتابة من أبنائها المغتربين من علماء ومهندسين ومتخصصين في الفروع الأخرى إلى العودة إلى أوطانهم لأداء مهام استشارية قصيرة الأجل وهذه البلاد هي تركيا وباكستان ومصر والهند واليونان وسريلانكا والصين والفلبين. وهناك برنامج يعرف اختصارًا باسم "توكتن" والكلمة مؤلفة من الأحرف الأولى لعبارة معناها "نقل المعرفة عن طريق المواطنين المغتربين" وهذا البرنامج أقل كلفة من الناحية المالية، وأكثر إغراء للمغتربين أن يعودوا إلى أوطانهم الأصلية لأداء خدمات وخبرات يسعدهم أن يؤدوها، ولكن تظل المشكلة الأساسية بغير حل جذري"١. د- علامة استفهام: الخواطر التي تأتي تحت هذا العنوان يحررها عبد السلام داود، يضمنها ملاحظاته أو انطباعاته تجاه موقف أو حدث أو مشاركة في رأي وغير ذلك يقع تحت عينه، ويتأثر به. وقد تناول "موقف المواطن من قصور أجهزة الدولة" فقال: "المواطن الذي يشكو من قصور أو تعقيد مس مصالحه بأحد الأجهزة

стр. 322

الحكومية، لا يختصم السلطة التنفيذية بأسرها، ولا يقصد اتهام الجهة المسئولة بصفة عامة، ولكنه عادة يوجه اتهامًا محددًا لموقف معين، وهو إذ يتظلم إنما يتوقع أن تنظر الرئاسة الأعلى التي تظلمه نظرة حيادية, فلا يدفعها شعورها بالمسئولية إلى اتخاذ موقف الدفاع تلقائيا". "أقول قولي هذا بمناسبة الرد الذي تلقيته من الدكتور منير شريف وكيل وزارة الصحة بشأن ما نشر في هذا المكان من اعتداء ممرضتين بمستشقى بولاق العام على مواطنة إثر شكواها من فقد سوارها الذهبي في حجرة العمليات، وطردها من المستشفى عقب إجراء العملية لها مباشرة". "يقول رد وكيل الوزارة أنه كان ينبغي على المواطنة أن تضع حليها في الأمانات، ويستدل على عدم صحة ادعائها بأن إحدى قريباتها كانت ترافقها, ويقول إن الجراحة التي أجريت لها عملية بسيطة لا تتطلب إقامتها في المستشفى أكثر من بضع ساعات, وأنها لم تخرج إلا بعد التأكد من أن حالتها الصحية تسمح بذلك، والحق أني لم أسترح لهذا الرد -الذي وصلني بعد ٤٨ ساعة فقط من نشر الشكوى- إذ بدا لي أنه لا يحمل دفاع المستشفى فحسب، بل يتضمن دفاعًا -تلقائيا- من الوزارة أيضًا. "ولا أحسب أحدًا يستريح للقول بأنه ينبغي على المريض -حتى وهو في طريقه لغرفة العمليات- أن يضع ما يحمله في الأمانات، وإلا فهو الملوم إذا لفقده, فليس هذا مبررًا مقنعًا لضياع ما يحمله المريض، كما أنه ليس مقنعًا القول بأن مرافقًا كان معها، إذ يعلم كل إنسان أن المرافق لا يدخل غرفة العمليات! لماذا -بحق السماء- يشكو المريض طبيبه بدلًا من أن يشكره إلا إذا كان هناك ما يستوجب الشكوى والاتهام"١.

стр. 323

هـ- آخر عمود: يحرره الكاتب إبراهيم سعدة في "أخبار اليوم" ويضمنه ملاحظاته على موقف أو شخص أو حدث أو رحلة أو اتجاه, فقد كتب عن مغرور يعمل رئيسًا لمجلس إدارة أحد البنوك في القاهرة فقال: "المغرور إياه الذي يراس مجلس إدارة أحد البنوك في القاهرة توهم أنه نجح في إسكات ما يثار حوله من انحرافات ارتكبها، وهدد بها الاقتصاد المصري، فهذا المغرور الذي يقيم بيننا، ويحمل جنسية أخرى -دول الخليج- بلغت به التفاهة فيعلن أنه نجح في استصدار قرار يمنعني من مواصلة الكتابة عنه وعن مهازله وعن انحرافاته! وكنت أتصور أن هذا المغرور قد عاد إليه صوابه بعد أن كتبت عنه في هذا المكان ثلاث مرات متواصلة، ولكن اتضح أنه لا يزال واهما مغرورًا". "فلم يحدث أن اتصل بي أي مسئول, وطلب التوقف من كشف مهازل هذا المغرور الكبير, فلدى جهاتنا العليا مهام أكبر من إضاعة ثانية واحدة للتفكير في حماية هذا المخلوق الذي يفكر بعقلية بدائية على الرغم من الملابس الأوروبية التي يرتديها، والرحلات العديدة التي طاف بها حول الكرة الأرضية على حساب البنك الذي شاء سوء حظ المتعاملين معه أن يرأس مجلس إدارته". "وفي نهاية مقالي الثالث عن هذا المغرور توقفت أربع أسابيع عن الكتابة في هذا الموضوع, وكنت أعتقد أن تحقيقًا واسعًا قد بدأ حول المخالفات والانحرافات التي ارتكبها هذا المغرور ويهدد بها سلامة البنك الذي تساهم مصر بجانب كبير في رأسماله, ولكن صاحبنا تصور أنني توقفت نتيجة لأمر قادم من الجهات العليا, ولا يهمني ما يقوله المغرور لمن حوله, كل ما يهمني -اليوم- هو ماذا فعل الدكتور حامد السايح وزير الاقتصاد المصري في تقرير الرقابة الإدارية الذي يتضمن عشرات المخالفات التي ارتكبها رئيس مجلس إدارة البنك عن جهل مرة، وعن عمد واستهتار بكل القيم مرات ومرات, كنت أتمنى لو أن الدكتور حامد السايح اهتم بما كتبته عن هذا الموضوع الهام ثلاث مرات".

стр. 324

"إن الدكتور على لطفي -وزير المالية- يهتم بكل كلمة تنشر في الصحف، ويرى أنها تتعلق بأي موظف أو مصلحة تحت إشرافه وسلطة وزارة المالية, وهو عمل مشكور من وزير المالية, أكسبه احترام وتقدير الصحافة, وكنت أتصور أن الدكتو حامد السايح سوف يأمر بالتحقيق في الموضوع وأنا أعلم أن صورة من تقرير الرقابة الإدارية قد رفع إلى مكتبه والمفروض أن يأمر وزير الاقتصاد بالرد عليها والتحقيق فيها في حالة ثبوت وقوعها". "هذا ما كنت أنتظره من الرجل المسئول عن اقتصاد بلادنا, إن هذا المنطق غير مقبول أما المعقول فهو أن تتصل وزارة الاقتصاد المصرية بالمسئولين في البلد العربي، وتشرح لهم ما فعله رئيس البنك من مخالفات وانحرافات خطيرة، وتقترح عليهم سحب هذا الرجل وترشيح آخر بدلًا منه هذا ما أنتظره من وزارة الاقتصاد, وحتى لا يكون الهدف مما نكتبه هو مجرد التسلية؛ لأن القضية قضية كرامة مصر التي توهم هذا المغرور أنه يستطيع النيل منها عن طريق ما توهمه أنه اتصالات وصداقات"١. ل- العزف على الهواء: يحرص على الكتابة فيه "علي شحاته" في أخبار اليوم، ويتناول فيه ملاحظاته من مواقف وانطباعات سياسية أو اجتماعية، ترتبط بالمجتمع المصري أو العالم العربي أو العالم الخارجي يبرز خلالها خواطره عنها في سهولة ويسر, فقد كتب عن "مظاهرات الإسرائيليين ضد بيجن رئيس الوزارة الإسرائيلية" فقال: "الإسرائيليون غاضبون، إنهم يتظاهرون في عز النهار، ويصرخون بأعلى أصواتهم: لا يا بيجين! إنهم يحتجون على سياسة حكومتهم، ويعلنون رفضهم للاحتلال الإسرائيلي للضفة وغزة وإبعاد عمد وقضاة الضفة، إنهم يتحدون حكومتهم ورجال البوليس الذي يقبض على عشرات

стр. 325

منهم، وتحرك الشارع الإسرائيل الغاضب ضد حكومته ليس جديدًا. ولقد ارتفعت أصوات الاستنكار بالآلاف وعشرات الآلاف -ضد سياسة بيجن- منذ أن تحركت مصر تجاه السلام الشامل, ولا ينس أحد مواقف "حركة السلام الآن" ولا أصوات المعارضة القوية داخل إسرائيل -في الشارع وفي المؤسسات وفي البرلمان- لاستمرار الاحتلال للأرض العربية وبناء المستوطنات". "لقد ضاق الآلاف في إسرائيل من مواقف حكومتهم المترددة التي تعرقل عملية السلام. وهؤلاء الإسرائيليون الذين تطاردهم قوى الأمن، وتعتقل الكثيرين منهم يعكسون النبض الجديد الذي يسري داخل إسرائيل وخارجها تجاه أول فرصة حقيقية تلوح بعد سنوات الحرب والقطيعة والدمار". "وإذا كان بيجين وجماعته يحاولون أن يصموا أذانهم ويغمضوا عيونهم عن الحق العربي, أفلا يسمعون الأصوات القادمة من عندهم، المتصاعدة من مدنهم وقراهم, الأصوات التي ترى -كما يرى العالم- أن فرصة السلام قد لاحت, ولا يجب أن تعفيها نكسة, وفي نفس الوقت الذي كان الشارع الإسرائيلي يموج فيه بالغضب, ورجال الأمن يطاردون مواطنيهم لإسكات أصواتهم المعارضة, كان الوفد المصري المفاوض في "هرتزيليا" يصطدم بالمواقف السياسية المتعنة, كان يطلب موقفًا إسرائيليا واضحًا محددًا بالنسبة لموضوع الأمن وتحديد سلطة الحكم الذاتي, ولم يجد الرد المقنع؛ لأن "الجماعة" ما زالوا يناورون ويفكرون بأسلوب المذعور، ويكررون مطالبهم المرفوضة تمامًا بأن "يبقى الأمن الداخلي للفلسطينيين في قبضة السلطات الإسرائيلية، وأن يكون دور قوة البوليس المحامي الفلسطيني محددًا للغاية". "وعاد الوفد المصري إلى القاهرة دون أن يعتقد اجتماعًا رسميا واحدًا طول أسبوع كامل أمضاه هناك، ورحل الوفد الأمريكي المشارك في مفاوضات السلام, ولكن بقيت الأصوات المعارضة داخل إسرائيل تقوى

стр. 326

وتشتد؛ لأنها أصوات حق تبزع كخيوط الضوء، وتتسلل وسط جحافل ظلام الواقع المرفوض"١. م- مواجهة: يتولى كتابة خواطر هذا العمود الصحفي في "أخبار اليوم" الصحفي عبد العاطي حامد، يتناول فيه مظاهر الاستهتار، ويستقصى فيه أسباب الانحراف في أي مرفق من مرافق الدولة أو خروج عن المألوف, وقد تحدث عن ظاهرة تعطل التليفونات في أنحاء بلاد الجمهورية فقال: "اتصل بي أحد الزملاء وقال لي: "إن تليفوننا في المنزل- وهو يتبع منطقة الزمالك -معطل منذ عام، ولقد شكوت لكل المسئولين ومع ذلك لم تفلح جهودي، وأن ألجأ إليك اليوم؛ لأن والدتي مريضة بالسرطان في الدم، وتحتاج إلى نقل دم مستمر، ووجود التليفون ضرورة هامة, واتصلت بالمهندس علي فهمي الدغستاني وزير النقل والمواصلات فقال: إن الوزارة وزارة تتعامل مع الجمهور, وأنا أومن دائمًا بأن الجمهور على حق ومعذور, ورغم أنني أعلم أن كبار المهندسين والموظفين يعملون في مكاتبهم حتى الساعة الواحدة من صباح كل يوم. إلا أنني في نفس الوقت أطالب بالمعاملة الكريمة، ولا بد أن نسارع بتصليح الأعمال مهما كانت وخصوصًا في الحالات الإنسانية, ورغم الأعطال الموجودة فالهيئة والتليفونات ستتحسن كثيرًا. ونحن نقوم حاليًا بتدعيم كل الشبكات وإصلاحها, ولا يمكن أن يتم إصلاح التليفونات في يوم وليلة, ولكن أنا معك لا بد أن تكون المعاملة حسنة وخصوصًا أننا جميعًا نكمل بعضنا, الصحافة والإعلام والتليفونات والمواصلات وغيرها, وأقول إن مكتبي مستعد لتلقي شكاوي المشتركين, فنحن جميعًا في خدمة الجمهور. إن كلام الوزير أكد لي حكمة وبعد نظر أجدادنا, كذلك فلسفة وفطنة ناس أيام زمان في طريقة حل المشاكل، فقد كانوا يقولون: إذا أردت حل مشكلة أو إنجاز شيء فكلم الوزير ولا تكلم الخفير"٢.

стр. 327

ن- رأي بالعربي: يحرره بأخبار اليوم الكاتب محمد الطنطاوي، ويعالج قضايا تهم المجتمع المصري كأن يلفت النظر إلى أمر خطير أو شيء جليل، وقد كتب عن "سرقة الآثار المصرية" فقال: "آثارنا تسرق كنوزنا الوطنية تدمرها أيد أثمة, هل المسئول هو هيئة الآثار؟ هل حماية الآثار من السرقة هي مسئولية بعض الخفراء الذين يتبعون هيئة الآثار؟ هل هي مسئولية شرطة السياحة؟ أم أن المسئولية تقع على عاتق رجال الشرطة العاديين؟ أو أنها مسئولية هذه الأجهزة كلها. الأمر الثابت أنه على رغم تعدد الجهات التي يمكن أن تكون مسئولة عن حماية كنوزنا الوطنية، فإن عمليات نهب هذه الآثار مستمرة! آخر ما قرأناه من هذه الحوادث هو ما حدث في مقبرة رئيس شرطة مدينة طيبة القديمة، لقد قام اللصوص بسرقة لوحتين من مبقرة "قب آمون" رئيس الشرطة منذ أكثر من ثلاث آلاف سنة, وكأنهم يتحدون أحفادهم من رجال الشرطة الحاليين, سرقة اللوحات تستدعي عمليات تقطيع دقيقة تتم داخل جدران المقبرة. اللص أو اللصوص الذين يقومون بهذه العمليات لا بد أن يكون وراءهم عقل مدبر أو عصابة دولية تضع عيونها على القطع الأثرية التي تريد سرقتها ثم تخطط وتنفذ". "لقد عانت مصر قديمًا من لصوص الآثار الذين نهبوا الكثير من تراثنا القومي، وعندما بدأت آثارنا تنتقل إلى ملكية أبناء مصر بعد حصول مصر على استقلالها، وجدنا أن كثيرًا منها قد تم تهريبه إلى خارج البلاد، وليس مجهولًا أن في متاحف العالم أجنحة ضخمة تضم تحفًا وآثارًا مصرية قديمة بعضها لا نظير له في أرض مصر الآن. وأشهر مثال على ذلك رأس الملكة نفرتيتي الموجود في متحف برلين, ولكن كيف يمكن أن نوقف هذا النزيف؟ الحل يكمن في إنشاء قوة شرطة خاصة لحماية الآثار, قوة تستخدم أحدث أجهزة الرقابة, علينا أن تزود كل مقبرة من مقابرنا بأجهزوة الإنذار الإلكترونية الحديثة, علينا أن ندخل نصوصًا في قانون العقوبات تشدد من عقوبة سرقة الآثار بحيث تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. فليس من

стр. 328

المعقول أن تتساوى عقوبة من يسرق تراث أمة وكنوزها الوطنية على عقوبة "حرامي الحلة"١. ط- جولة الفكر: يتولى تحريرها الكاتب الشهير نعمان عاشور في أخبار اليوم, يتناول قضية أدبية أو شخصية تاريخية، أو يشير إلى ندوة أدبية أو علمية وأثرها في مجال الفكر والثقافة والأدب، وقد تحدث عن "صراع الأجيال الأدبية" فقال: "كتبت من أسابيع أرفض ما يقال عن صراع الأجيال الأدبية ومعركة القديم والجديد, إن الأدب والفن نتاج فردي ذاتي يقوم على التمايز والتكامل والتفرد، وبالتالي فهو رغم وجود مجموعات متقاربة في السن من الأجيال الأدبية والفنية التي قد تظهر مع بعضها في جيل واحد، ويطغى على وجودهم اتجاه واحد, رغم ذلك فلا وجود حقيقي لما يسمى الصراع بينهم وبين الجيل الآخر الذي قد يتلوهم؛ لأن طبيعة وخاصية الإنتاج الأدبي والفن تختلف عن طبيعة أي إنتاج بشري آخر يخضع لما استطعنا أن نسميه بالتطور أو ما يعني الإضافة والاستكمال كما هو الشأن في منجزات العلم التي يعتبر تأليفها إضافة أو استكمالًا لما سبقه". "وهذا الكلام لم يعجب أكثر من قارئ، فانهالت الردود المتحدية وكلها من شبان يتوجون خطاباتهم بإمضاء الجيل الجديد, وتتلخص ردودهم جميعًا في دفع واحد أساسه أنهم كجيل جديد يتعرضون لصراع أو بالأحرى مقاومة متصلة من جانب الجيل القديم الذي يحاول سيطرته على الحياة الأدبية والفنية، ويحول بينهم وبين الظهور, والقضية على حقيقتها ليست قضية نشر وظهور الإنتاج لجيل بأسرة، وإنما تنحصر المشكلة فيما ينتجه بعض الأدباء والفنانين الجدد، ولا يجد له صداه المرجو في الحياة الأدبية التي تنطبق على كلا الجيلين معًا: القديم والجديد". "ولعل أهمها وأبرزها هبوط المستوى الثقافي أمام الحياة الأدبية والفنية التي لم تعد تروج فيها إلا الأعمال التي تستند إلى وجود رأي عام

стр. 329

مثقف, ولهذا تتهاوى كافة مزاعم الصراع بين القديم والجديد، والجيل المسيطر والجيل الوليد الذي ينشد الظهور أمام هذا الطود الشامخ الذي يقف في وجه الإنتاج الأدبي والفني الحقيقي الجدير بالنشر من جانب كل المبدعين من أي جيل ومن كل لون من ألوان الأدب والفن". "من هنا نادينا بحتمية وضرورة الالتمام بين مختلف الأجيال؛ لأنها في الحياة الثقافية والعمل على رفع المستوى الثقافي العام الذي يكفل وجود حياة أدبية تتيح كافة الفرص والإمكانيات أمام الجيل الجديد قبل القديم لنشر إنتاجه, إن هذا هو ما يطمس القيمة الحقيقية للأعمال الأدبية والفنية، وبالتالي يفرض على الجيل الجديد قبل القديم أن يظل إنتاجه خابيًا ضامرًا منكورًا ومستعصيًا على النشر والظهور. ودليلنا ماثل شاخص في عشرات الكتب والأقلام والأشعار والمسرحيات والألحان والأغنيات التي تمتهن عقولنا، وتضيء أبصارنا وتؤذي أسماعنا، وتهبط بأذواقنا إلى الحضيض مع كل نهار جديد"١. و نحو الغد: يوالي الكاتب حسين فهمي تسجيل خواطره تحت هذا العنوان في صحيفة أخبار اليوم، يدور فيه حول ظاهرة يشكو المواطنون منها أو تمس مصالح الجماهير وغير ذلك مما تحمله ظروف الحياة ومشاكل المجتمع, وقد تحدث عن ارتفاع سعر الطماطم فقال: "ارتفع سعر الطماطم فبلغ خمسين وستين قرشًا! ولم تستطع الكميات المحدودة منه والمعروضة في الجمعيات التعاونية بخمسة وعشرين قرشًا، أن تخفف من حدة الأزمة. والمعاناة!! وليس غريبًا أن يرتفع سعر الطماطم. فالطماطم كما يقول الزراع في كل بلاد العالم مجنونة, وفي كل مكان يرتفع يسعر الطماطم بسبب الظروف الجوية, ولكن العجيب

стр. 330

حقا أن يبلغ السعر هذا المدى في مصر!! ولماذا؟! لأن علبة صلصة الطماطم تستطيع أن تغني عن الطماطم، وتستطيع بالتالي أن تقضم أظافر ارتفاع الأسعار، وتضع له حدودًا وقيودًا!! ". "يحدث هذا في جميع البلدان!! ولكن تجار السوق السوداء في مصر والمتاجرين في أقوات الشعب من الرأسماليين الطفوليين يسدون الأبواب أمام المواطنين، ويفرضون عليهم ما شاءوا من أسعار!! لك الله أيها المواطن!! فتجار السوق الزراعية السوداء يستغلون المنتج والمستهلك فيفرضون عليهما الأسعار, وفي ركابهم شلة من الوسطاء الذين يعيشون بالضرورة على حساب المنتج والمستهلك. أما تجار السوق التموينية السوداء فإنهم يخزنون السلع ويخفونها, حتى يرفعوا الأسعار؟! ومعنى هذا أن المواطن أصبح كالمستجير من أسعار الطماطم المرتفعة, فإلى أسعار علب الصلصة المرتفعة أيضًا, فهي المختفية أو النادرة التي يضيع البحث عنها وقت المواطن كما يختلس جيبه!! ". "هذا هو بيت الداء. فما هو إذن الدواء؟! إحكام الرقابة التموينية والبوليسية، وتشديد العقوبات على المضاربة في أقوات الشعب، وإسهام مؤسسات القطاع العام الزراعية والصناعية في توفير المواد التموينية!! وإذا كان ما نشر أخيرًا ينبئ بهذا الإسهام صحيحًا وجادا ومخططًا، فإن أحكام الرقابة يحتاج إلى أجهزة وقوى بشرية، كما يحتاج تشديد العقوبة إلى إعادة النظر في القوانين الخاصة بمعاقبة المتاجرين في أقوات الشعب"١. هذه نماذج عديدة من الخواطر التي ضمتها صحيفتي الأخبار وأخبار اليوم. وهي كما ترى تحمل عناوين ثابتة لكتاب عديدين، تناولت قضايا عديدة ومسائل متنوعة ومشاكل عديدة واتجاهات مختلفة, ففي كلمة اليوم نطالع حديث المحرر عن المرحلة الجديدة التي طالب الرئيس السادات خلال خطابه في ١٤/ ٥/ ١٩٨٠ بتحقيقها، وفي ما قل ودل حدثنا أحمد الصاوي محمد عن ذكرى الإمام عبد الحليم محمود وأثره في تربية النفوس بما قدم من مؤلفات ونشر من وعي ديني. وتحدث محمد زكي عبد القادر في نحو النور عن العقول المهاجرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي علامة استفهام وضح عبد السلام داود موقف المواطن من قصور أجهزة الدولة، وتحدث إبراهيم سعدة عن المغرور الذي يعمل رئيسًا لمجلس إدارة أحد البنوك في القاهرة, وكتب علي شحاته في العزف على الهواء عن مظاهرات الإسرائليين ضد بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلي, ويحدثنا عبد العاطي حامد في مواجهة عن ظاهرة تعطل التليفونات في أنحاء بلاد الجمهورية. وكتب محمد الطنطاوي في رأي بالعربي عن سرقة الآثار المصرية، وتحدث نعمان عاشور في جولة الفكر عن صراع الأجيال الأدبية وآثار حسين فهمي في نحو الغد ظاهرة ارتفاع الطماطم.

стр. 331

في الأخبار وأخبار اليوم ... صادق خلال تلك المرحلة التي أحاطت بها ظروف بالغة الدقة والأهمية. إنها في الواقع مرحلة تاريخية سواء على مستوى العمل الداخلي أو العمل الخارجي، ولقد كان العمل الشريف والنظيف هو عنوان المهمة التي اضطلع بها الدكتور مصطفى خليل والزملاء الذين اختارهم للعمل معه في الوزارة, إننا نبدأ المرحلة الجديدة ونحن على اطمئنان كامل، فقد حققنا الأهداف التي حددناها لأنفسنا في كل مرحلة، وكانت خطواتنا على الطريق من نجاح إلى نجاح، واليوم نواجه مرحلة جديدة تعتبر مرحلة جني الثمار لكل ما غرسنا من قبل, وهي على أية حال مرحلة ليست المسئولية فيها مسئولية الحكومة وحدها, أو مسئولية المؤسسات الدستورية والأجهزة التي تعمل في نطاق الحكم, ولكنها مسئولية الشعب كله, وهذا هو ما قصد إليه الرئيس أنور السادات حين ربط التعاون في العمل بين أجهزة الحكم وأجهزة الشعب في نطاق الحزب حتى يكون مسيرة واحدة في العمل الوطني على طريق الرخاء في المرحلة الجديدة زيادة في المسئوليات تقابلها زيادة في الحقوق, إننا تجاه مرحلة جادة لا مكان فيها للتخاذل ولا الكسب غير المشروع"١. ب- ما قل ودل: يحرره أحمد الصاوي محمد ردا على رسالة أو تعليقًا على موقف أو اتجاه، أو إحياء لذكرى, فقد كتب عن ذكرى الإمام عبد الحليم محمود فقال: "في ذكرى الإمام الأكبر عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر -طيب الله ثراه- يقول الأخ المهندس أحمد زين العابدين السماك رئيس جمعية مسجد سيدي علي السماك: تحية طيبة من عند الله، وبعد: تمر الأعوام بعد رحيل العالم الهمام الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، ولا تزال مؤلفاته في التراث الديني تقوم بدورها في تربية النفوس، ورعاية القلوب، ولم تطمس الأيام ثمار جهود الإمام والآثار الروحية التي تمت في

стр. 332

في الجمهورية: تطالعنا صحيفة "الجمهورية" بالعناوين الثابتة التالية وتتضمن خواطر شتى مثل: صواريخ لإبراهيم الورداني، وقطر الندى لعبد المنعم الصاوي، والجمهورية تقول: والعلم والحياة لعواطف عبد الجليل، وخواطر سريعة لعبد الرحمن فهمي، ومن الذاكرة لمختار الوكيل، ومن القلب لمحسن محمد, وها هي نماذج للخواطر التي تحمل العناوين السابقة لهؤلاء الكتاب. ١- صواريخ: يتابع الكتابة تحت هذا العنوان إبراهيم الورداني، يتناول فيه انطباعاته الذاتية تجاه شخص أو حدث أو موقف أو فترة مرت، وقد تحدث عن مقابلة بعض الصحفيين لعلي صبري رئيس الوزراء قبيل ثورة التصحيح في ١٥/ ٥/ ١٩٧١ جاء فيه: "ذات يوم أبلغونا أن علي صبري حدد لنا ميعادًا، وهرولنا نحو دار التحرير -٣٠ كاتبًا وصحفيا- وصلت الحلقوم, أمر النقل هذا وله شكل الإعدام ولا أحد يسأل أو يأبه. وميعاد علي صبري الذي نلناه بعد جهد هو الأمل الذي تفتح, هكذا هرولنا مستبشرين وكنا قد وزعنا الأدوار

стр. 333

على من يتكلم أولًا ومن يشرح ثانيًا, ومن يستعطف ثالثًا, يا شدة الذل والقهر., فهذا الذي حدث، وهكذا مصر كانت تعيش!! مكتب علي صبري هو فندق هليوبوليس القديم, عند كشك البوابة استوقفونا لمدة نصف ساعة, عشرات من العساكر والمخبرين، يفحصون البطاقات، ويتحسسون الجيوب، ويسجلون المعلومات والتوقيعات". "صعدنا السلالم إلى غرفة يجلس فيها "بلوكامين" له شكل المصارع، قضينا في حضرته ساعة انتظار, ثم نقلونا إلى غرفة يجلس فيها مساعد السكرتير العام، وهو يتباهى بالتليفون والأجراس آمرًا وزاجرًا وملبيًا ومتزلفًا ودلوعة أحيانًا, وعندما بدأنا التملل نقلونا لنقف أمام مكتب سعادة السكرتير العام!! وبعد ربع ساعة وقوف انفتح الباب مواربا ليطل منه شاب متغطرس له شارب ودباره -ظل بنصفه في الداخل ونصفه في الخارج- قلنا له عن الميعاد ولنا ساعات، فقال: إن السيد علي صبري طرأت لديه مواعيد أهم، وأنه سوف يحدد لنا ميعادًا قريبًا!!.. استوقفناه استحلفناه, ولكنه سخر وتثنى ثم أغلق في وجوهنا الباب يومها -رغم أن المنظر الغليظ تم بلا عذاب بدني إلا أننا- خرجنا منه والله مذبوحين وننزف الدم. تأكدنا أننا بلا قيمة وبلا كرامة, ١٥ مايو, شكرًا لك, شكرًا أنور السادات"١. ب- قطر الندى: يتولى الكتابة فيه عبد المنعم الصاوي، ويدور حول الأحداث القومية والمصرية والعربية والمشروعات التي تنجزها الدولة من وقت لآخر, وقد تحدث عن اتصال جانبي قناة السويس بعد افتتاح نفق الشهيد أحمد حمدي فقال: "اتصل جانبا القناة، وجرت الحياة بين الشاطئين عبر واحد من أضخم مشروعات العصر، وشهد الرئيس السادات الذي وجه إلى تنفيذ المشروع اتصال جانبي قناة السويس تتويجًا لنضاله الطويل في هذا السبيل، فقد أعلن الرئيس حرب أكتوبر العظيمة، ليتم لقاء هذين الجانبين

стр. 334

من جوانب القناة. وبدأ أحدث الاستراتيجيات الدولية، ليتأكد هذا اللقاء ولا ينفصم أبدًا. وسياسة تصفية الخلافات العربية الإسرائيلية ليست إلا تأمينًا لسلامة هذه المنطقة من العالم، كما أنها ليست إلا سعيًا وراء سلامة الأرض العربية بعد تحريرها". "ولقد نجحت هذه السياسة حتى الآن، فأعادت أكثر من ثلاثة أرباع شبه جزيرة سيناء إلى السيادة المصرية بكل ما فيها من معادن وبترول وخبرات لا تحصى, وبهذا تعود سيناء الحبيبة إلى الأم الرءوم التي لم تنسها أبدًا, ويؤكد الرئيس حبه لسيناء بإقامة احتفال العمال هذا العام في العريش عاصمة هذه المنطقة التاريخية العريقة. ولعل الاحتفال في العريش هذا العام يعتبر إشارة لكل القوى العاملة في بلادنا أن تعطى أسبقية العمل والتعمير لهذا الجزء العزيز في بلادنا". "وهكذا يصبح الأمل حقيقة يا سيناء وتتصلين، وأنه ليس من قبيل الشعر أن نحس بأنفاسك تمر على كل الخدود في وادينا الأخضر، وليس كذلك من باب المبالغة الفنية أن يشعر كل مصري اليوم بدفء ما يسري بين جنباته من حب للغاية سيناء التي عادت وعلى شفتيها بسمات الحب وسمات النصر"١. جـ- الجمهورية تقول: خواطر هذا العنوان لا تنسب إلى قائل، وهي كغيرها تعالج مسائل مصرية أو عربية أو قومية أو وجه نظر خاصة تجاه مشكلة من المشاكل, وقد جاء فيه عن "حقيقة الصمود والتصدي": "بعد مرور أسبوع واحد على انتهاء مؤتمر قمة جبهة الصمود والتصدي في طرابلس، سقط واحد من زعماء الجبهة هو عبد الفتاح إسماعيل رئيس اليمن الجنوبي، وأعلن مسئول كبير بمنظمة التحرير الفلسطينية أن هناك تزوير حدث في قرارات المؤتمر، وأن القرار الخاص

стр. 335

بالاعتراف بالجمهورية الصحراوية قد أضيف بعد مغادرة الرؤساء المشتركين في المؤتمر بطرابلس, وهكذا لم تصمد جبهة الصمود للأحداث, ولم تتصد لما يواجهها من أزمات وصراعات، بل استسلمت للتمزق والانقسام الذي بدأت عملية في الدوران، وأغلب الظن أنها لن تتوقف في عدن أو منظمة التحرير فقط، إن الذين لا يملكون الاستقرار لأنفسهم وداخل بلادهم لا يمكن أن يوحوا بالأمان لغيرهم، والذين يتبادلون الاتهامات بالتزوير وفقدان الثقة بعد أن كانت تضمهم قبل أسبوع واحد مائدة واحدة لا يمكن أن يحصلوا على ثقة عربي واحد شريف أو في قراراتهم"١. د- العلم والحياة: تحرر خواطر هذا العمود الصحفي الكاتبة عواطف عبد الجليل. تتناول فيه الجديد في العلم والمفيد في ضروب الحياة وأحوال المجتمع. فقد تحدثت فيه عن "أمراض الخبز الأبيض" فقالت: "هل سمعت عن أمراض الخبز الأبيض, هل جال بخاطرك أن الخبز الأبيض قد يسبب الإصابة بسرطان القولون، أو سرطان المستقيم، وأنه يسبب مجموعة من مشاكل الجهاز الهضمي، وبعض أمراض سوء التغذية مثل الإنيميا أو فقر الدم, أن الرجل الفقير والبدوي الذي كان وما زال يدش الحب بين فكي الرحا ويصنع خبزًا طازجًا يأكله بجبنة، أو يكتفي بخلط الدشيش بلبن العنزة، ويصنع طبقًا ساخنًا يسكت به عواء معدته الخاوية. كان وما زال يتمتع بصحة طيبة، وينعم بحياة خالية من عقد عصر الثورات الصناعية الأولى والثانية والثالثة". "إن الخبز الأبيض المصنوع من الدقيق الفاخر هو شر ما يمكن أن يبتلى به إنسان، وهذه حقيقة يؤكدها العلماء اليوم, إن الله أخرج للناس الحب والبقل لتكونا مصدر غذاء متكامل فيهما كل العناصر الضرورية لسلامة صحته, لقد أثبت العلماء في ذلك الجزء من حبات القمح الذي نعرفه باسم "الردة" هذا الغطاء الذهبي الذي يغلف حبة القمح، ويضمه

стр. 336

مع حاجته من الغذاء، وفي نفس الوقت يكون منظفًا طبيعيا لأمعاء الإنسان، ومنشطًا لحركة الأمعاء، وماصا للمواد الضارة والماء الزائد حيث يتحول إلى ما يشبه المكنسة الحديثة جدا، المزودة بالمنظف الصناعي". "وهو في هذه الحالة الإفراز الصفراوي الصادر من الكبد، والذي تضر به مركبات "الردة" الكيماوية بالنشاط، فإذا بعملية الصرف الحيوي لمخلفات الغذاء تتم أولًا بأول، بفعل هذا الغلاف الذهبي لحبة القمح. لا تعجب يا صديقي عندما يشير عليك الطبيب بتناول ملعقة من الردة ثلاث مرات في اليوم. كعلاج ودواء. ولك الصحة والشفاء"١. هـ- خواطر سريعة: يحرر هذه الخواطر الكاتب عبد الرحمن فهمي في العدد الأسبوعي للجمهورية الذي يصدر يوم الخميس من كل أسبوع، ويتضمن خواطره عن الشخصيات الفنية أو الأدبية، والأحداث المصرية أو العربية, وقد تحدث عن الفنان الكوميدي أمين الهنيدي فقال: "أمين الهنيدي الطاقة الكوميدية عاد من كندا هذا الأسبوع بعد عرض مسرحية "غراميات عفيفي" على الجالية المصرية, سألت الطاقة الكوميدية عن عدم تفجيرها لضحكات الناس كل ليلة وكل يوم كما كان يحدث زمان فقال لي: "أين النص الجيد" المؤلف الآن يفضل كتابة اثنا عشرة حلقة تليفزيونية بطريقة سريعة ليتقاضى أتعابًا خيالية, لماذا إذن السهر ووجع القلب من أجل كوميديا متعبة يدفع أجرها بالتقسيط من الشباك". "يقول أمين الهنيدي عندنا نصوص تكفينا لسنة، لكن التليفزيون في بداية عهده استهلكها كلها بسرعة, كنا في الستينات نعرض المسريحة عدة أيام وأسابيع ثم تصور للتليفزيون ليحل محلها أخرى لمدة أسابيع قليلة وتنتهي، وهكذا على مدى مائة مسرحية كل واحدة أحسن من الأخرى، ولما توقفت هذه العملية أصبحت المسرحيات تمكث أربع أو خمس سنوات مثل

стр. 337

مدرسة المشاغبين، وشاهد ما شفش حاجة. رغم أن: أنا وهو وهي، وغراميات عفيفي، ولوكاندة الفردوس وغيرها كل واحدة من هذه المسرحيات كانت كفيلة بأن تمكث على المسرح خمس سنوات على أقل تقدير". "وما الحل أيتها الطاقة الكوميدية النادرة. الحل هو إعانة الدولة للمسرح، لك أن تتصور أن نجيب الريحاني القمة كان يأخذ إعانة شهرية من وزارة الشئون الاجتماعية, وعندما ينتقل إلى الأسكندرية تتكفل الدولة بمصاريفه١". و من الذاكرة: يحررها الشاعر الشهير مختار الوكيل، يتناول في هذا العمود خواطره تجاه ماضي عزيز وعهد سلف وفترة ولت، ويحاول خلالها أن يستعيد ذكرياته ويعتمد على ما اختزن في فكره. تحدث عن "أمسية ساخرة عند سفح الأهرام مع بعض الألمان" فقال: "عند سفح الأهرام وأمام "أبي الهول" الرابض في الرمال قضيت أمسية ساحرة، مع لفيف من ضيوف مصر الألمان, وعجبت لنفسي أنا المصري الأمين المحب لوطنه والعاشق الولهان المتيم بأمجاد الأجداد، كيف لا يتسنى لي أن أختلس قبل هذه الليلة ساعة من الزمان لكي أستمتع ببرنامج "الصوت والضوء" ذلك البرنامج الرشيق المشبع بالوطنية والباعث على الافتخار, وحمدت الله أن أنالني من هذه المتعة السامية الفذة، وأنعم علي سبحانه بها مع هؤلاء الضيوف القادمين من ألمانيا الغربية". "وكان البرنامج ذلك المساء يذاع باللغة العربية، وليس باللغة الألمانية أو الإنجليزية، والضيوف لم يتعلموا بعد لغتنا الجميلة، ولقد قمت بواجب المترجم لضيوفنا القادمين من ألمانيا، واستحبوا أن يقفوا على المعاني التي

стр. 338

اشتمل عليها ذلك البرنامج الفريد الذي سيطر على ألبابهم وعقولهم عندما وقفوا على معنى الكلام الشاعري الوطني الذي بدأ مثوها بتلك الوحدة العظيمة العتيدة التي قامت في مصر منذ آلاف السنين على يد "مينا" العظيم موحد شطري الوطن في الوجهين البحري والقبلي أو مصر السفلى ومصر العليا, وخرجت من الساحة المقدسة عند قدمي أبي الهول والأهرامات الخالدة على الدهر، وأصغيت لثناء الألمان على هذه المثالية، وقلت لنفسي: من يستطيع تحطيم الوحدة الوطنية الصلبة الخالدة, وجاء الرد تحمله أصداء برنامج "الصوت والضوء" مؤكدًا: لا أحد يقوى على تحطيم هذه الوحدة المقدسة، ثم تذكرت ما كنا نصنعه ونحن صغار في بلدتنا الريفية باركها الله وحياها، من التوجه إلى الكنيسة كل يوم لكي نقوم بدق جرسها داعين إخواننا المسيحين الصغار للصلاة١". ي- من القلب: يحرر خواطر هذا العمود محسن محمد رئيس مجلس إدارة صحيفة الجمهورية ويتناول كغيره أمورًا تتعلق بالأحداث السياسية والاجتماعية والتاريخية. وقد كتب عن "ضباط الحرب العالمية الأولى" فقال: "الأب ضابط في الحرب العالمية الأولى، والابن طفل صغير يستمع إلى حكايات أبيه عن الحرب، وكيف غيرت حياة الناس وحطمت النظام الطبقي القديم، وأعطت المرأة فرصة للقيام بعمل الرجل، وكانت بداية حركة تحرير المرأة أو مساواتها, واستقرت الذكريات في نفس الابن -حديث مختار الوكيل عن أمسية ساحرة عند سفح الأهرام مع بعض الألمان بعد وفاة الأب- ورواها بدوره لابنته التي لم تر الجد أبدًا". "وظلت حكايات الجد تتفاعل في نفس الحفيدة "سارة هاريسون" بعد أن تزوجت وأصبحت أما لطفلين.. وأخيرًا أمسكت سارة بالقلم ونسجت من هذه الأحداث قصة حب رفضها الناشر فورًا، كما رفض أيضًا

стр. 339

الرواية الثانية. ولكن الرواية الثالثة حققت لسارة ما لم تحلم به زوجة عادية تعد الطعام للزوج عند عودته ولطفليها بعد رجوعهما من المدرسة". "ووافقت دور النشر في بريطانيا وأمريكا على طبع رواية "زهور الحفل" واشترت مجلتان أسبوعيتان في أوروبا وأمريكا حقوق نشر الرواية -٦٦٦ صفحة- سلسلة. والرواية تجري وقائعها لفتاة بريطانية تسافر إلى النمسا قبل الحرب فتقع في غرام شاب وتفرقهما الظروف حتى يلتقيا في فرنسا. هي ممرضة وهو من جنود الأعداء وإصابته قاتلة, ومن خلال قصة الحب تطفو ذكريات الجد, إن حديث الجد والجدة قد يغير مصير الأحفاد بشرط ألا يكون عن "أمنا الغولة١". تلك هي نماذج من الخواطر التي تضمنتها صحيفة الجمهورية المصرية، وتحمل العناوين الثابتة لكتاب كثيرين. وهي -كغيرها- تتناول الحياة والعيش والانطباعات الذاتية والأحداث القومية والقضايا المصرية أو العربية وتصور الشخصيات أو الذكريات والأمور التي تتعلق بأحداث السياسة والكون والأدب والاجتماع, وطالعنا في صواريخ لإبراهيم الورداني عن مقابلة بعض الصحفيين لعلي صبري رئيس الوزراء قبيل ثورة التصحيح في ١٥/ ٥/ ١٩٧١. وكتب عند المنعم الصاوي في قطر الندى عن اتصال جانبي قناة السويس بعد افتتاح نفق الشهيد أحمد حمدي. وتحدث المحرر في الجمهورية تقول عن حقيقة الصمود والتصدي وسقوط بعض زعماء هذه الجبهة المزعومة, وتحدثت الكاتبة عواطف عبد الجليل في العلم والحياة عن أمراض الخبر الأبيض، موضحة أن قشر القمح يمتص المواد الضارة والمياه الزائدة في الجهاز الهضمي. وكتب عبد الرحمن فهي في خواطر سريعة التي يكتبها في العدد الأسبوعي من الجمهورية كل يوم خميس عن طاقة الفنان الكوميدي أمين الهنيدي، وتضمنت من الذاكرة حديث مختار الوكيل عن أمسية ساحرة عند سفح الأهرام مع بعض الألمان، وتحدث محسن محمد في من القلب عن ضباط الحرب العالمية الأولى وحكايات الأبناء والأحفاد عنهم، وموقف بعض دور النشر من هذه الروايات. وعلى الجملة فقد كثرت الأعمدة الصحفية في صحفنا الثلاث: الأهرام والأخبار والجمهورية وكلها تدور حول موضوعات إنسانية ذات عمق وغزارة وجمال, وفيها جلال ودقة، وروعة وإيحاء. لا تتجاوز الفكرة في أي صحيفة عمودًا، ويكون دائمًا في مكان ثابت ولكاتب معروف، ويقع في أسفل الصحيفة أو أعلاها، أو على اليمين أو اليسار منها، وقد يوضع في وسط الصحيفة. المهم مكانه الثابت وكاتبه الذي لا يتغير.

стр. 340

ثانيًا: الفكرة هي نبت التأمل، وحصيلة التجربة، وثمرة المعرفة، وحصاد الأيام من الحكمة والخبرة يرسلها كاتب، وينطق بها ناصح، وتجري على لسان مصلح، ويرددها حكيم, وتعد من دعائم الحياة وبناء الإنسانية، ونبراس الحياة الذي يهدي إلى الحق والخير والجمال، ودليل يرشد إلى الحب والصفاء. نأتي الفكرة تعبيرًا عن رؤيا تاريخية، أو تسجيلًا لعاطفة وطنية، أو تصويرًا لوجدان ديني، أو عرضًا لمثل إنساني، أو نقد لعادات المجتمع أو توجيها لأعمال الناس، أو نصحًا في رأي جرى وحدث وقع. وتعد الفكرة النواة التي يقيم الكاتب موضوعه عليها، بعد أن يتصيدها من البيئة التي تحيط به، ويستمدها من واقع الحياة وتمرسه بها، ثم تنمو من ملاحظاته الدقيقة، وقراءاته المتعددة، وخبراته الشخصية، ثم ينفعل بها ويعبر عنها مجلوة بأمثلة من واقعه المحسوس. ولقد كان المرحوم أحمد أمين كثيرًا ما تخطر له فكرة خاطفة -حين حديثه- فيعلن عنها قائلًا: "هذه فكرة تصلح مقالًا في مجلة الثقافة". ويعد زكي نجيب محمود من كتاب الفكرة لطول معالجته للفلسفة، وعكوفه على دراستها، وتفهم قضاياها. والفكرة أشهر عمود ظهر في الصحف المصرية ١٩٥٦ بصحيفتي الأخبار وأخبار اليوم على يد الأخوين: علي أمين ومصطفى أمين، واستمرت في الظهور منذ ذلك التاريخ على الرغم من المحن والأحداث التي زجت بمصطفى

стр. 341

أمين في غياهب السجن، وفرضت على أخيه على أن يرحل إلى لندن. والمعروف أن علي ومصطفى أمين كانا يتبادلان كتابة "فكرة" وظل علي يوقعها حتى لقي ربه، ثم انفرد مصطفى أمين بها. وتلتقي أفكار الرجلين في دلالتها على المعنى الإنساني الذي يعتمد عليه بناء الفرد والمجتمع، ويحقق سيرة الشعب على طريق الحياة. ويعد هذا اللون من الكتابة الصحفية جولة فكرية وثقافية وتاريخية وروحية ممتعة، مما جعل القراء يقبلون عليها، ويتطلعون إليها غداة كل يوم, ولعل السر في ذلك أن أفكار علي ومصطفى أمين كانت تدعو إلى الحب والأمل والعرق والكفاح، وتحمل النفوس على الصفاء والمودة. وكانت حصيلة هذا اللون الممتع كتابين: الأول أفكار للبيع للمرحوم علي أمين، والثاني: الـ ٢٠٠ فكرة للأستاذ مصطفى أمين. مما نشرته الصحف المصرية والعربية لهما. ويلاحظ على الكتابين أن الأفكار والموضوعات فيهما متشابهة في الاتجاه والمشاعر والعواطف, يعلل الأستاذ مصطفى أمين هذا التشابهة فيقول: كان علي إذا بدأ يكتب مقالًا أستطيع أن أتمه, دون أن أسأله ماذا كان يريد أن يقول, وكان هو يفعل نفسي الشيء!! ١. وسنضع أمامك نموذجين للأخوين علي ومصطفى أمين في هذا الجال الكتابي الرائع. علي أمين ١٩١٤-١٩٧٧ وريادته في كتابة الفكرة: مهندس الصحافة المصرية بإجماع الجميع, عمل خلال دراسته بإنجلترا مراسلًا لمجلة "روز اليوسف" وبعد عودته لمصر عمل في مجلة آخر ساعة ١٩٣٦، ثم انتقل إلى مجلة "الاثنين" أسس وشقيقه مصطفى أمين أخبار اليوم ١٩٤٤، وتولى إصدار عدد من الصحف والمجلات مثل: آخر لحظة والجيل الجديد وهي وكتاب اليوم، ثم أصدر بعد ذلك "الأخبار" ١٩٥٢. وفي ١٩٦٥ فرضت مراكز القوى عليه أن يغادر مصر

стр. 342

إلى لندن، وظل بها تسع سنوات لم ينصرف خلالها عن الكتابة، ثم عاد لمصر بعد نصر أكتوبر العظيم، وتولى مجلس إدارة الأهرام ومجلس إدارة أخبار اليوم ١٩٧٤. وهذه أول فكرة كتبها المرحوم علي أمين بصحيفة الأخبار تناول فيها أهم مائة في العالم فقال: "أصدر المؤرخ الأمريكي "دونالدرونسون" كتابًا بعنوان "أهم مائة في العالم" وسجل فيه أسماء المائة الذين يعتقد أنهم بقوتهم أو بأعمالهم أو بشخصياتهم أثروا في العالم في الخمس عشرة سنة الأخيرة. وأول رجل في كتاب المؤرخ الأمريكي هو "ستالين" وآخر رجل هو "شارلي شابلن" الممثل الهزلي". وقال "روبنسون" في كتابه إن مثل "ستالين" هو أقسى عقل في العالم ووضع معه في القائمة الرفيق "مولوتوف" ثم الرفيق "بيريا" رئيس الجواسيس في روسيا, أما جروميكو وفيشتكي فقد وضعهما المؤلف في مرتبة السعاة والخدم، وسجل بين المائة أرملة الرئيس "روزفلت" و"إيفا" زوجة "بيرون" دكتاتور الأرجنتين". "ولقد خطر لي وأنا أقرأ هذا الكتاب أن أتساءل ... من هم أهم مائة في مصر؟ فوجدت أكثر من ألف رجل مهم في مصر، ولكني لم أجد عشرة أثروا على مصر بقوتهم أو بأعمالهم أو بشخصياتهم في الخمس عشرة سنة الأخيرة. لقد وجدت بعض النساء ولكن لم أجد هذا العدد الضخم من الرجال..! فما رأيك أنت؟ ١". وكتب الأستاذ مصطفى أمين في "فكرة" عن الشاعر كامل الشناوي فقال: "لو عاش الشاعر كامل الشناوي في عهد آلة التسجيل لكان من أصحاب الملايين! وكنت أقول له لو أنه سجل كل كلمة يقولها خلال الأربع

стр. 343

والعشرين ساعة لاستطاع أن يؤلف كتابًا ممتعًا مرة كل أسبوع, كان كامل يحب أن يتكلم ويكره أن يكتب, إذا حضر مجلسًا ملأه مرحًا وضحكًا, وإذا انفرد بنفسه بكى! فقد كان يحب الناس ولا يحب نفسه، يعشق أن يتطلع في وجوه الناس ويمقت أن ينظر إلى وجهه في المرآة، كان بدينًا جدا، ولم يكن جميلًا، ولكنك تنسى بدانته لخفة ظله، ويخفي روحه الجميل عن الناس عدم جمال وجهه! ". "كان خطيبًا ممتازًا ولكنه يخشى مواجهة الجماهير، وكان شاعرًا رائعًا ولكنه لم يتم سوى ديوان واحد! وكان عضوًا في مجلس النواب لمدة خمس سنوات ولم يسمعه النواب يتكلم سوى مرة واحدة فقد كان خجولًا، وكان لا يثق في قدرته على إقناع الجماهير، مع أنه كان من أقوى الرجال الذين عرفتهم فصاحة وبلاغة وفخامة أسلوب! وكان بطيئًا في الكتابة، كنت أقفل عليه باب مكتبه عدة ساعات ثم أفتح الباب فأجده كتب ثلاثة أو أربعة أسطر! فهو ينحت الكلمات لا يكتب حتى يشطب ما كتب، ويمزق الورقة ويبدأ الكتابة من جديد، يتردد في كل كلمة, ويتوقف أمام كل معنى، ويختار الجملة كأنه تاجر مجوهرات يختار فصوص الماس، والياقوت! وكان ينام النهار ويسهر الليل، يمقت أن ينام في فراشه كسائر الناس، هوايته أن ينام في سيارة تطوف به أنحاء المدينة عدة ساعات، وعندئذ فقط ينام نومًا عميقًا، لا يستيقظ إلا عندما تقف السيارة". "ولم يتزوج أبدًا، ولا فكر في الزواج، ولكن ما من ملكة جمال إلا وأحبها، وما من نجمة سينمائية إلا وعشقها، وما من فاتنة إلا ونظم فيها قصيدة غزل! ولكنه لا يستطيع أن يحب امرأة واحدة أكثر من شهر، فهو يغير ويبدل وكأنه يختار الكلمات والمعاني في مقال يكتبه أو قصيدة ينظمها! عندما كان شابا صغيرًا أحب مجالس الرجال الكبار، وعندما أصبح رجلًا كبيرًا عشق مجالس الشباب الصغار! عندما كان فقيرًا معدمًا كانت هوايته معرفة أصحاب الملايين، وعندما أصبح يتقاضى مرتبا ضخمًا من الصحافة أصبحت هوايته مصاحبة الفقراء والبؤساء والمعدومين! وكان قبل كل هذا إنسانًا١".

стр. 344

وعلى الجملة تتميز الأفكار التي كتبها الأخوان علي ومصطفى أمين بحيوية دافئة، وقوة واضحة في التعبير والتصوير، وأسلوب رائع جذاب، وجمل موسيقية مركزة، وعبارات رشيقة ممتعة, وهي أولًا وأخيرًا ثروة ثرثرة، وذخيرة حية، تزود القارئ بحصيلة من المعرفة، وتجربة الحياة، وحكمة اليوم بجانب الوقوف على طبائع الناس، وأسرار الإنسان في معترك الحياة. خصائص العمود الصحفي: يتميز العمود الصحفي -سواء تضمن خاطرة أو فكرة أو رأيًا- بسمات معينة وخصائص بارزة أهمها: ١- جمال الأسلوب: يشبه العمود الصحفي المقال الأدبي في العناية باختيار الألفاظ، وجودة التعبير، وقوة التصوير وحلاوة الأساليب. وهو مجال النبوغ والإبداع الأدبي وغيرها من الأشياء التي يمتاز المقال الأدبي به. ٢- وضوح السخرية: يسود عنصر السخرية المقال والعمود الصحفي معًا، إلا أن السخرية في المقال أوسع منها في العمود. ومن الطبيعي ضياع السخرية في طيات التوسع والنبوغ, لذا نجد تأثر القراء بسخرية العمود أكثر من المقال؛ لأنهم يدركونها في العمود من أقصر طريق، بينما يضلون الوصول إليها في المقال لكثرة المسالك التي تؤدى بها. ٣- عنصر الذات: العمود الصحفي أقرب إلى الأدب الخالص، والفرق بين الأدب والصحافة، أن الأول ذاتي، والثاني موضوعي، ومن ثم تقوى الرابطة بين محرر العمود وقرائه، لذا لزم اهتمامه بمشكلات الأفراد ومعالجتها، وعلى هذا يتوفر لكتاب الأعمدة جذب القراء إليهم، والتأثير في نفوسهم، بواسطة السطور القليلة التي يدبجونها.

стр. 345

٤- التشابه في الصياغة: يشبه العمود الصحفي المقال في صياغته؛ لأن كلا منهما يبدأ بفكرة يدور الكاتب حولها، ويدلل عليها بالأمثلة والشواهد والبراهين، حتى ينتهي إلى النتيجة التي يريد الوصول إليها, وقد يأتي العمود على هيئة رسالة تحمل شكوى من أمر، أو تناول وضعًا معينًا، ومن ثم لزم أن يرد كاتب العمود على صاحب الشكوى، ثم يوجه خطابه إلى ولاة الأمر، ليزيلوا أسباب الشكوى، أو يزيد من ثقة الفائدة ومضمونها. ٥- الإيجاز في العبارة: تفرض المساحة المحددة للعموم على الكاتب أن يوجز في عبارته، ولا يلجأ إلى الإسهاب؛ لأن العمود الصحفي لا يتسع لأكثر من فكرة أو خاطرة أو رأي، وإلا خرج عن حجمة إذا تجاوز الكاتب ذلك. هذا ويلاحظ أنه إذا طلب من كاتب العمود الصحفي أن يكتب مادة أخرى كالقصة أو المقال أو التحقيق أو الحديث، فعليه أن يصطنع أسلوبًا آخر يخالف أسلوبه في كتابة العمود. ويبدو هذا واضحًا لدى الكتاب الذين يتناولون أكثر من مادة من مواد الصحيفة.

стр. 346

ثالثًا: في الكاريكاتير ... ثالثًا: فن الكاريكاتير لون من التعبير الساخر بالصورة الموحية عن خبر أو حدث أو موقف أو فكرة أو موضوع. اشتق من الكلمة "كاريكاتير" -لاتينية أو إيطالية- التي تعني الرسم الساخر الذي يبرز العيوب, تقول المعاجم عنه بأنه: "عبارة عن صورة يراعى فيها التهويل في إبراز السمات الواضحة أو الشاذة بنية إحداث أثر ضاحك أو ساخر". للكاريكاتير فلسفة خاصة ذات طابع اجتماعي تجعله فنا إنسانيا مؤثرًا، يعالج مظاهر الحمق، وضروب الظلم، وألوان الانحراف، ويشيع البسمات في قلوب الملايين, واستخدام التعبير بالصورة عرفه المصريون القدماء، كما عرفه اليونانيون منذ العصر الهيلنستي، وسجله الشعراء العرب في صور ضاحكة، فهذا ابن الرومي يصور الفقر فيقول: يقتر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد ولو يستطيع بتقتيره ... تنفس من منخر واحد ساد فن الكاريكاتير خلال عصر النهضة -الخامس عشر والسادس عشر الميلادي- لتأكيد أهمية الفرد نحو إظهار شخصيته بمختلف الأساليب. وأول من رسم صورًا مضحكة الفنان الإيطالي "أنيبال كاراكش" ١٥٦٠-١٦٠٩ثم "جيوفاني لوثر لوزتر دنيتي" ١٥٩٨-١٦٨٠ واستخدمه "جورج تاوتسهند" الإنجليزي في الهجوم على خصومه السياسيين، وتبعه "وليم هوجاريت" فمنحه حيوية جديدة. وعرفته فرنسا على يد الفنان "شارل فيليبيون" في مجلة أسبوعية أطلق عليها: "الكاريكاتير" ثم في صحيفة يومية تسمى "الشار يفاري" أصدها ١٩٣٢. ومن ثم انتشر الكاريكاتير في معظم أقطار العالم، واتسعت لوحاته الساخرة، وشملت مضامين الحياة المختلفة، وأصبح من أدوات النقد السياسي والأخلاقي. اقتبسته -في البداية- معظم الصحف اليومية من صحف الغرب، وعالجت من خلاله فساد المجتمع وعيوب الحكم بالصورة الساخرة، واللقطات الضاحكة. وفي ١٩٢٥ برزت الفكاهة الكاريكاتيرية على يد الفنان العالمي "سانتس" والفنان الأرمني "صاروخان" الذي كون مدرسة من أبرز تلاميذها: عبد السميع ورخا وصلاح جاهين وغيرهم مما نرى رسوماتهم الضاحكة وصورهم الساخرة في الصحف التي نقرؤها صباح كل يوم, وبلغ الكاريكاتير قمته عندما توسعت صحف الأحزاب في استخدامه بين عامي ٣٧/ ١٩٣٨، ووقف الكتاب منه بين معارض مثل محمد حسين هيكل، ومؤيد مثل طه حسين الذي لم يجد بأسًا في استخدامه. ولم يصور الكاريكاتير -في أول أمره- فكرة أو حدثًا أو موضوعًا، وإنما انحصر في الرسم المجرد، والتعليق الذي يكتب تحته هو الأصل في النكتة، وبه يتمكن الفنان من ذبح خصومه بالفكاهة المصورة، وهدم

стр. 347

معارضيه باللوحات الضاحكة، والفتك بالأشخاص والآراء والنزعات بواسطة الرسوم المتتابعة والصور المضحكة التي تحمل معنى التهكم اللاذع والنقد الصاخب، وبذلك جرى الكاريكاتير مجرى المقالات الصحفية، وزاد عليها في السخرية من الأفراد والجماعات. وهذه أهم الصحف الفكاهية التي خاطبت الجماهير رسمًا وخبرًا ومقالًا منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي حتى الربع الأول من القرن الحالي: أبو نضارة أول جريدة هزلية صدرت ١٨٧٧ ليعقوب صنوع ١٨٣٩- ١٩١٢ نقدت سياسة إسماعيل بالرسم الكاريكاتيري والصور الهزلية، ثم "التنكيت والتبكيت" ١٨٨١ لعبد الله النديم ١٨٤٥، ١٨٩٦ واسمها يكشف عن مضمونها وغرضها وأسلوبها، ثم "الأستاذ" ١٨٩٢ تناول النديم فيها الجانب الخلقي والاجتماعي بالنقد والسخرية والتحليل. وفي ١٩٠٠ أصدر محمد توفيق مجلة "حمارة منيتي" سخر فيها من غطرسة الإنجليز وتصرفات مندوبيها في مصر, ثم صدرت مجلة "سركيس" ١٩٠٥-١٩٢٦ لسليم سركيس ١٨٦٨-١٩٢٦ تناولت الفكاهة السياسية بأسلوب ساخر وطريقة لاذعة وسنخصها بشيء من التفصيل فيما بعد, ثم كانت "المسامير" ١٩٠٨ لأحمد عباس، وفي نفس العام أصدر حسين علي صحيفة "الشجاعة" التي استمرت حتى ١٩١٠، ثم استبدلها بصحيفة "السيف". واهتمت الصحف الثلاث بنقد السياسة والحكم والمجتمع وبعض الشخصيات بالصور المضحكة، والقفشات الساخرة، والكلمات اللاذعة. ثم جاءت صحيفة "أبو الهول" ١٩١٨ لمصطفى القشاشي، واهتمت بالنكتة الاجتماعية والأشعار الشعبية والنقد اللاذع, وأصدر بيرم التونسي ١٨٩٣-١٩٦١ مجلة "المسلة" ١٩١٩، ضمنها العديد من دعاباته وسخرياته وانتقاداته، وبعد عودته من منفاه أصدر مجلة "يا هوه" معتمدة على فنه الساخر، وكاريكاتير الرسام "سانتس" ولقد وفرت هذه الصحف مادة وفيرة للرسامين الذين استعانوا بها في الرسم والتصوير خلال الأحداث والمواقف.

стр. 348

وخلال فترة ما بين الحربين العالميتين وسعت الصحف في الفكاهات السياسية اللاذعة المتقنة تحريرًا وإعدادًا على يد نفر من كبار الأدباء وأمراء الفكاهة في مصر من أمثال: سليمان فوزي وحافظ إبراهيم وعبد العزيز البشري ومحمد الههياوي وحسين شفيق المصري وإبراهيم عبد القادر المازني وفكري أباظة وغيرهم من فرسان الفكاهة وأصحاب الأقلام الساخرة والأسلوب الضاحك، وأخذ الرسامون يلجون الأماكن التي تعج بالفكاهات عن طريق التبادل أو التحاور على نحو يحرك الأحداث السياسية والاجتماعية، ويعبرون عنها في أشكال موحية، ورسوم معبرة، وصور ساخرة. وأهم الصحف التي اهتمت بالكاريكاتير في هذ الفترة مجلة "الكشكول" التي أصدرها سليمان فوزي ١٩٢١ وهاجم فيها الوفد وسياسته بالصور الكاريكاتيرية، وضم إليها رسام الكاريكاتير العالمي "سانتس" وبعض الرسامين المصريين، ثم كانت "خيال الظل" ١٩٢٤ تولى أحمد حافظ عرض فيها نقد الحكومة والحكام بالصور الهزلية، والنكات الفكاهية، والرسوم الكاريكاتيرية. وأصدرت فاطمة اليوسف ١٨٩٨-١٩٥٨ مجلة "روز اليوسف" وعلى صفحاتها دارت الرسوم المضحكة الموحية, ثم ظهرت مجلة "الفكاهة" ١٩٢٦ عن دار الهلال, جمعت في مادتها بين الجد والفكاهة، ورأس تحريرها حسين شفيق المصري المتوفى ١٩٤٨ الذي عرف بالشعر الفكاهي المعروف بالحلمنتيشي، كما عرف بإصدار أربع صحف في طبعة واحدة تحمل أسماء "البغبغان والسيف والناس والمسامير" ثم أدمج السيف مع الناس تحت اسم "السيف والناس". ثم كانت مجلة "المطرقة" التي ضمت نخبة من الأقلام طرقت اللون الضاحك من أمثال: محمد مصطفى حمام وعبد السلام شهاب ومحمد عثمان خليفة وأبي عبيدة عبد الفتاح شلبي مع الرائد حسين شفيق المصري، فكونوا قوة صحفية فكاهية ضارية استقطبت قرابة ثلاثين ألف قارئ. ثم جاءت مجلة "ألف صنف" ١٩٢٨ الشعبية الفكاهية لبديع خيري, وصدرت مجلة "الراديو والبعكوكة" لمحمود عزت المفتي، صدرت أول ما صدرت باسم "الراديو" ١٩٣٤، وبعد صدور أعداد منها حملت اسم "الراديو

стр. 349

والبعكوكة" ثم سقط الاسم الأول، وانفردت باسم "البعكوكة" واهتمت بالأدب والفن والمواد العامة، وانتقدت المجتمع المصري بالرسم والفكاهة، وتوقفت عن الصدور بعد ثورة ١٩٥٢. لقيت هذه الصحف وغيرها رواجًا كبيرًا بين القراء فترة طويلة، عبرت خلالها عن حياة الشعب، ونقدت تقاليده البالية بالرسم الضاحك، والصور الهزلية، واتخذت الأسلوب الساخر عدة وعتادًا في التعليق على ما يرسم ويصور, وقدمت الفكاهة في شكلين: الأول: مرسوم وأعني به الصور الهزلية التي تعرض الإطار الظاهر من الأشخاص بطريقة تعين نقائصهم، وتبرز عيوبهم، وبكلمات قليلة تحت هذه الرسوم يفطن القارئ إلى مغزى الصورة فيضحك. الثاني: مكتوب يتمثل في النكت اللاذعة، والتعليقات الساخرة، والكتابات التي ترمز إلى أوجه النقص في السلوك، وتوضح بعض حقائق النفوس ودقائق القلوب في أسلوب يستهدف هجاء الأهواء المتقلبة والطبائع المتغيرة. وسنضع أمام ناظريك سيرة رجل ودور مجلته في مجال الفن الكاريكاتيري المعبر بالصورة والكلمة هو: سليم سركيس ١٨٦٨-١٩٢٦: من رواد الصحافة الذين تحرروا من الطابع التقليدي لصحافة عصرهم، أثار قضايا اجتماعية وأدبية لها أهميتها في ماهية الثقافة المعاصرة, وكان أقدر الناس على النفاذ إلى جوهر الأشياء، فيلفت الأنظار لما خفي عن العقول، وغاب عن الأذهان، فيظهر النافع والممتع، وينبه على الأشياء المقتبسة والمبتكرة، أعانه على ذلك كثرة محفوظه وغزارة علمه، وتمكنه من التراث، وإحاطته بأجناس الكلام، وقدرته على التقويم وإصدار الأحكام. اكتسب خبرة واسعة في مجال الصحافة السياسية والأدبية، نظرًا

стр. 350

لرحلاته العديدة لدول الشرق والغرب، وإجادته للغات عدة في طليعتها الإنجليزية والفرنسية، وسعة معارفه مما جذب انتباه الناس إليه، هذا بجانب علاقاته واتصالاته برجال عصره على مختلف أوضاعهم في المجتمع. نشأ سليم في أسرة نبغ فيها أعلام في مجال الثقافة والصحافة، فأبوه "شاهين" مؤلف وشاعر، وضع مع شقيقه "خليل" ١٨٤٢-١٩١٥ تحفة الأخوين إلى طلبة اللغتين "الإنجليزية والعربية" وعمه "خليل" هذا صاحب مجلتي "لسان الحال والمشكاة" وكتاب "تاريخ القدس الشريف" وكتاب "معجم اللسان". أما عمه "إبراهيم" فقد كان محررًا في "كوكب الصبح المنير والنشرة الشهرية" وغيرهما، ومن مؤلفاته "الدر النظيم في التاريخ القديم" و"الدرة اليتيمة في الأمثال القديمة" و"الأجوبة الوفية في العلوم الصرفية" وغير ذلك من المؤلفات. في هذه الأسرة نشأ سليم مما حبب إليه العمل بالصحافة منذ صغره، فقد أصدر جريدة مدرسية تسمى "الأرز" وهو في السادسة عشر من عمره، وشجعه عمه خليل على إتقان الترجمة والكتابة، فأخذ يكتب في "لسان الحال" متفننًا في أساليبه. رحل إلى فرنسا ١٨٩٢، وفيها أصدر جريدة "كشف النقاب" بالاشتراك مع صديقه الأمير أمين رسلان، ولم يلبث أن تركها إلى إنجلترا في ١٨٩٣ وبقي عامين فيها أصدر فيهما جريدة "رجع الصدى" وعنى بعنوانها صراخ الشرقيين في بلادهم. ثم قدم مصر في ١٨٩٤ وأخذ يتعرف على رجال الصحافة السوريين، وأخذ يكتب مقالاته في "لسان العرب" عن الصحافة السورية. وفي الأسكندرية أنشأ مجلة "المشير" ١٨٩٤، ثم انتقل بها إلى القاهرة، واستمرت ثماني سنوات، حرر فيها العديد من المقالات حمل فيها على الدولة العثمانية، واستخدم خلال كتاباته الصور الهزلية في تصوير الحوادث المحلية والعمومية. وفي ١٨٩٦ أصدر مجلة "مرآة الحسناء" ووقع مقالاتها باسم "مارشال" وجعل امتيازها لسيدة تدعى "مريم مزهر" وهو اسم وهمي حتى لا تمنع السلطات العثمانية دخول صحفه ممالك الخلافة، لما تتضمنه من طعن في الباب العالي، كما استهدف من وراء ذلك تشجيع المرأة الشرقية

стр. 351

على الكتابة في المجالات؛ لأن حياء الشرقيات حال دون ظهورهن على صفحات الجرائد. وفي ١٨٩٩ غادر مصر إلى الولايات المتحدة، تنقل فيها بين بوسطن ونيويورك وغيرها. وفي بوسطن حرر مقالات لجريدة "البستان" وأعاد إصدار المشير, وفي نيويورك أنشأ مجلة "الراوي" فكانت مسرحًا لرجال الأدب في المهجر من أمثال ميخائيل نعيمة، وأمين خير الله، وأسعد رستم، وإيليا أبي ماضي، وجبران خليل جبران الذي نشر العديد من قصص "الأرواح المتمردة" ومقالات كتابه "العواصف" ولما عفت السلطات عنه عاد لمصر وعمل بجريدة "المؤيد" ١٩٠٤ وظل يعمل فيها حتى نوفمبر ١٩٠٨. واستمدت خلال كتاباته فيها "المقالات الصغيرة" وتقطيع المقالات والعبارات، كما أدخل طريقة العناوين الواضحة وهي أمور تجعل الصحيفة أغزر مادة وأكثر حيوية، وأحسن إخراجا وتنسيقًا وكان له باب ثابت في "المؤيد" عنوانه "الشيء بالشيء يذكر" تناول فيه موضوعات طريفة، وأحداث حقيقية وقعت له، فاستحسنها القراء. ونختم القول فيه بما قيل عنه، فقد قال العارفون به أنه: "حلو الصداقة، لطيف المجالسة، فكه اللسان، حر الضمير" وقال عنه إسكندر شاهين: "يرضي الناس في كل جمعية ولا يغضب أحد من الحاضرين.. وفيه ميزة جميلة هي أنه لا يبخس الناس أشياءهم فلطالما سمعته يمدح أفرادًا ويذكر لهم الحسنات على حين أنه لم يكن على وداد معهم، وهو أيضًا واسع الصدر ولحديثه طلاوة وحلاوة مثل صديقه مطران١". تلك هي سيرة سليم سركيس في خطوط عريضة، تكشف عن حياته الحافلة بالنشاط الدائب، والحركة الدائمة، والكفاح المستمر، مما وصفه معاصروه بأنه ذا عقل راجح، وصاحب أفانين في كل ما كتب وسجل وأذاع.

стр. 352

أسلوب سليم سركيس: سجل سليم سركيس ملاحظاته، ودون خواطره في أسلوب فكاهي موجز يعد من أروع الأساليب في سرد الأخبار، وتصوير المواقف، وينشرها في سلسلة من الأحاديث بعناوين مختلفة يدل كل عنوان منها على مضمونه مثل: "يغيظني" و"مطبخ العقول" و"حديث العصفورة" و"الشيء بالشيء يذكر" و"جعبة المحرر" و"حديث القهوات" الذي تناول المناقشات التي دارت بين الأدباء في الصالونات المنزلية، والأبنية الأدبية أو في القهوات، وتضمن مادة أدبية غزيرة مؤثرة, ورغم هذا فلأسلوب سركيس مميزات أخرى، نجملها فيما يلي: ١- يعتمد على أسهل الألفاظ وأكثرها استعمالًا، بحيث لا تحتاج معانيها إلى عناء. ٢- شيوع روح الفكاهة والإيجاز مع الإفادة. ٣- الجمع بين الحس الصحفي والذوق الأدبي، مما جعل له طابع خاص وأدب مميز. ٤- يستميل القراء على اختلاف أذواقهم وثقافاتهم ومعارفهم ونزعاتهم مما أكسبه حب الجميع. ٥- يعدل عن استخدام الكلمات الضخمة الفخمة حينًا، ويؤثر حينًا آخر لفظًا غير فصيح -مع علمه به- فيقول "ثار الغبار" بدلًا من "ثار العثير" ويقول عن حسناء إنها "استحلانة" بدلًا من قوله إنها "طويلة الشعر" ويقول عن تلميذ إنه "فاز" بدلًا من أن يقول "أحرز قصب السبق" لأن الأولى تؤدي المعنى مع الاقتصاد في اللفظ١". ولقد جرى حوار بين إبراهيم اليازجي وسركيس ١٨٩٧ على النحو التالي: قال اليازجي: أتعرف يا سركيس أنك بالنسبة إلي لا تزال طفلًا في اللغة العربية؟ قال سركيس: بل أنا جنين بالنسبة إلى معارفك. قال اليازجي: إذا كان الأمر كما تقول فما بال جريدتك تدرك في نصف ساعة ما لم تدركه جريدتي في سنتين.

стр. 353

قال سركيس: السبب ظاهر أنك تكتب في الضياء لأبناء القرن الرابع عشر، فلا تجد من يقرأ وأنا أكتب لأبناء القرن التاسع عشر بلغة "أبناء القرن الحادي والعشرين فهم يفهمونه ويجدون في كتابتي فكاهة ولذة١. ومعنى ذلك أن سليم سركيس جرى على طريقة الصحفي الذي يسطر ما يفهمه الناس، أما اليازجي فإنه يؤثر ألفاظًا لغوية تحتاج إلى فهم، ومن هنا لم تحتاج كتابات سركيس إلى عناء في تفسيرها. مجلة سركيس ١٩٠٥-١٩٣٦: تعد مجلة سركيس جزءًا من صحافتنا الأدبية، ومع ذلك اهتمت بالفن والاجتماع والسياسة والعلوم. كتب فيها أعلام العصر من أمثال خليل مطران، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وعبد المحسن الكاظمي، وولي الدين يكن، وإمام العبد، وأمين الحداد ومصطفى صادق الرافعي ومصطفى لطفي المنفلوطي، ومن الشباب أمثال: أحمد نسيم، وأحمد الكاشف، ومي زيادة وغيرهم. قربت المجلة بين الأدباء العرب في المهاجر الأمريكية وبلادهم في الشرق, وكانت ترافق مقالات الكتاب وقصائد الشعراء صور فوتغرافية ورسوم فنية، مما أضفى على المجلة بهاء، وزادها رونقًا، وأعطى للقارئ فرصة للتأمل تجعله ينقل النظر من المقروء إلى المنظور. قال الشيخ إبراهيم اليازجي ١٨٤٧-١٩٠٦ عنها: "برزت مجلة سركيس في أحسن حلة من الرونق والقبول" وقال محمد إبراهيم المويلحي ١٨٥٨-١٩٣٠ عنها: "مجلة سركيس تذكرني في الشرق بحسن التفنن في جرائد الغرب" وقال الشيخ علي يوسف ١٨٦٣- ١٩١٣: "أكثر القراء يعرفون من هو سليم سركيس وما هو اقتداره في صناعة الصحافة، ولقد ضمن مجلته من فوائد الفكر واليراع ما يستفيد به القارئ ويلذه السامع" وقال شاعر العراق عبد المحسن الكاظمي ١٨٦٥-١٩٣٥ عنها:

стр. 354

آية سركيس ما نظرناك إلا ... ورأيناك للكمال مثالًا حبذا أنت هازلًا ومجدا ... حبذا أنت قائلًا فعالًا حبذا أنت حافظ الود تسدي ... حافظ الشعر ما يسود النوالا وفه حقه وحق القوافي ... احتفاء بقدره واحتفالا١ ويقول خليل مطران: ١٨٧١-١٩٤٩: "تقع العين على مجلة سركيس فتطمح إلى قراءتها، فإذا ابتدأت سارت إلى نهايتها، وإذا انتهيت منها وددت لو أنها تطول والفكر يريد المزيد" ويقول مصطفى صادق الرافعي ١٨٨٠-١٩٣٧: "أقول في نفسي ماذا يكون حال الأدب في مصر لولا وجود سليم سركيس. لا أقول إنه أعلم العلماء أو أفضل الفضلاء، ولكنه روح متحركة لا يقر لها قرار في خدمة الأدب والأدباء" وقال أنطون الجميل ١٨٨٧-١٩٤٨: "ياما أكثر حيلتك في إكرام رجال الأدب والفن ومساعدة البائس منهم.... سمعت كلماتك الجامعة على اقتضابها، ثم عطفت على اللوج بجانبي فقرصت أذن ولدك الصغير وقلت له: متعت طويلًا بأبيك مواسي اليتيم٢". كانت المجلة تصدر أعدادًا خاصة في المناسبات الأدبية والاجتماعية قبل أن تعرف صحافتنا الأعداد الخاصة. واهتمت بالنكات والفكاهات حتى أصبحت الدعايات و"القفشات" سمة مميزة لها. وبعد الباب الذي كان يكتبه سليم سركيس تحت عنوان: "يغيظني" أو "يغيظني وأخواتها" نقدًا! اجتماعيا في أسلوب فكاهي. يقول: "يغيظني أن نكتب كل تحريرك بخط واضح، ثم تكتب إمضاءك بشكل لا يقرأ" ويقول: "يغيظني أن تجد الباب مقفلًا فتدخل، وتزيد غلاظتك بكلمة عدم المؤاخذة إذا كنت مشغولًا٣".

стр. 355

وكانت المجلة -أحيانًا- تدعو إلى مسابقة في مادة فكاهية، فقد دعت -مرة- إلى الكتابة في فضل الحمار على الإنسان، وسرعان ما تحول الأمر إلى مادة يمتزج الجد فيها بالهزل، فكتب فؤاد خليل سليم -نائل الجائزة- أن الحمار "يأكل خبزه بعرق جبينه ومن ثم يطعم صاحبه ويتفضل عليه وعلى أهل بيته، أما البشر فقد رأينا منهم غير قليل ممن لا يرى العالم منهم غير الشر" وأخذ الكاتب يعدد مزايا الحمار وسجل في مقالته البيت القائل: وتشبهوا إن لم تكونوا مثله ... إن الشبه بالحمار فلاح ولقد استهوى الموضوع بعض الكتاب، فنشرت المجلة في عدد سبتمبر ١٩٠٧ بتوقيع مستعار. "عريضة إلى الحمار" وضح فيها فضل الحمار على الإنسان؛ لأن طعام غده مضمون لا تؤثر فيه أحداث الزمان، ولا يخيفه ارتفاع أسعار الغذاء، ولا يهمه زيادة أجور الموظفين، ويخاطب الحمار قائلًا: "أنت لا تشعر بحاجة إلى مرآة تنظر فيها هيئة آذانك الطويلة الجميلة" ثم اتجه إلى تصوير عيوب المجتمع، وتعدد سقطاته بلهجة ساخرة وروح ساخطة، ويوجه كلامه إلى الحمار قائلًا: "أنت لا تفهم ما العدالة فترتج رعبًا إذ تراها مشوشة الأركان بين شرع وقانون وامتياز، ولا تفهم ما هي الذمة والإخلاص فتذوب حسرة إذ ترى الأرواح تطلق عبثًا، والأمهات تدخلنها سمات في أسرة غير أمهات أولادهن والحرائر تقتضي الرذائل أثرهن في الطرق والأزقة ناثرة أبدًا الكلام, ولا أنت تدرك حرمة وقداسة العقل الرفيع فينفعك كيدًا أن تراه قد وضع لخدمة الضار والمشين واستخدم لمدح الممقوت والمهين واستعمل لقيادة الغير سبيل التقهقر. ولوضع الأمة تحت رقبة المستبدين ولتجيب لها عار السكينة إلى التجرد من الشعور الوطني الحقيقي والمزايا المدنية الحقة". المقالة من الأدب الرمزي، اتخذ الكاتب الحمار فيها وسيلة للتعبير عما في نفسه تجاه أوضاع فاسدة، وانتهز الفرصة فهاجم الذين انصرفوا عن
следующие страницы →